بعد مجموعة من التصريحات المعدة بعناية لتبعث رسائل مطمئنة لمختلف الأطراف، وفي مقدمتها الشعب السوري، تظهر تصرفات أقل ما يمكن أن توصف بالمقلقة من قائد هيئة تحرير الشام أبو محمد الجولاني، الذي عليه أن يتحول مع الوقت، إلى أحمد الشرع، لينتقل إلى نسخة مدنية تختلف عن نسخته الجهادية السابقة. داخل رحلته السابقة في الحركات المسلحة التي مثلت طرفا أساسيا من الصراع في سوريا وعليها، كان الجولاني/ الشرع، يتخذ مع الوقت مواقف تميل إلى التخفف من التطرف، وأتى أكثرها وضوحا رفضه للانضواء تحت مظلة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وهو الأمر الذي يوضح براغماتيته التي وصلت إلى ذروتها في إجابته الذكية والمراوغة لشاشة قناة «بي بي سي» مقابل سؤالها المفخخ حول السماح باستهلاك الكحول في سوريا الجديدة، مجيبا بأنه ليس من حقه التحدث عن ذلك، لأنها مسألة قانونية، مردفا أنه لا ينوي تحويل سوريا إلى نسخة من أفغانستان.
يعيش الجولاني تحت إضاءة ساطعة، فالجميع يترقب تصريحاته، ويعمل على تحليلها وقراءتها بعناية، السوريون يعرفون أنها سترسم شكل حياتهم لسنوات مقبلة طويلة، والمجتمع الدولي يريد أن يبني تصورا حول خططه المستقبلية، ليتمكن من تحديد مواقفه تجاه سوريا، ولكن وسط الكلام الجميل الكثير الذي يطلقه الجولاني تأتي مجموعة من الأفعال المقلقة والصادمة، التي تؤشر إلى وجود تناقض داخلي بين تصريحاته وتصرفاته، وأنه يعمل بصورة واعية على استثمار الكاريزما الشخصية، التي مكنته من الاستحواذ على موقعه المتقدم في ظل مسيرة مركبة ومعقدة بين التنظيمات المسلحة، ليتمكن من تحقيق غاية هي ليست واضحة تماما حتى اليوم، حتى بالنسبة له.
اللغة الواثقة أمام الكاميرات مسألة يمكن أن يؤديها كثيرون ولكن ترجمة الأقوال إلى خطاب حقيقي يشكل أساسا لثقافة جديدة في المجتمع مسألة يبدو أن الجولاني لا يدرك أنها تحتاج إلى كثير من الرسائل العملية التي تبعث الطمأنينة أكثر من الكلمات المنمقة والذكية
ولأن الجولاني ليس وحده، فهو لا يستطيع أن يفرض إرادته الكاملة، وهي مسألة متعذرة تقريبا في جماعات ذات طبيعة انشقاقية، تجعل فكرة التشظي والصدام الداخلي قائمة بصورة مستمرة، فيلجأ إلى مهادنة جماعته، ويدفعهم إلى تشكيل حكومة جديدة بعد تصريحات أولية توجهت للإبقاء على حكومة النظام السابق مع محمد الجلالي الذي أبدى تعاونا مع هيئة التحرير، وبظهور محمد البشير رئيس الحكومة الجديدة، كان يتوجب الانتباه إلى أن الجولاني صاحب الإطلالة التلفزيونية المناسبة، وراءه الكثير من الغرف المغلقة وبعضها مظلم وغامض، فالبشير يبدو أكثر تمثيلا للتحفظ، وأن قوة ما طرحته ليزاحم الجولاني ويذكره بأن الهيئة تتشكل من عشرات الآلاف من الأشخاص الذين ليسوا بالضرورة ينتظرون الكلمات الملهمة من الجولاني الذي يعرفونه أكثر مما يعرفه السوريون وأي طرف آخر في المنطقة العربية وخارجها. هو ليس صاحب القرار الأخير، ولكن الهيئة تعرف أنه الأكثر ذكاء وقدرة على التعامل مع العالم الخارجي، وما يجري حاليا هو تحديد لشكل الاشتباك المقبل، الذي سيتطور مع تفاعلات الهيئة مع السوريين خلال الأسابيع المقبلة، وملايين السوريين هم الآن أمام سؤال معقد، بين أن يعتبروا الجولاني قدرا جديدا، ويعتنقوا سلوكا سلبيا تجاه حكمه، يشجعه أو يشجع المحيطين به على بناء نظام منغلق ومهيمن، أو أن يستيقظوا من النشوة ويدركوا الفرصة التاريخية أمامهم، ليبدأوا كتابة تاريخ جديد لبلادهم ومجتمعهم.
لم يترك الأسد الهارب وراءه شيئا، لم يترك جيشا ولا مؤسسات بالمعنى الحقيقي، وخزائن سوريا خاوية على عروشها، والحديث عن احتياطيات متواضعة للغاية، والفراغ أمام الجولاني يظهر واسعا، ولكن التقدم وفقا للمحيطين به يتطلب أن يبقي على رجاله المقربين، وهو الإغراء الذي يتمدد أمام رجال عاشوا لسنوات في خنادق القتال، ويجدون أمامهم قصورا رئاسية، ومكاتب وثيرة، ومجتمعا يعطي المسؤولين الكثير من الأهمية، ويجعلهم يتقدمون في المناسبات، يتحلق حولهم الانتهازيون والمنتفعون في عملية صناعة الطغيان الممنهج، وفي وسط ذلك كله يخطو الجولاني، ولا يبدو أنه محصن بأي صورة عن التورط في الفخ، فمع إعلان الحكومة السورية، كان شقيقه الأكبر، واسمه ماهر للمفارقة المحزنة التي تعبر عن مكر التاريخ، بين أعضائها، ليبدأ التبرير حول كفاءته وأهليته لتولي المنصب.
يبدو أن ثقافة الجولاني الدينية – شأن كثير من أعضاء الجماعات الإسلامية – انتقائية إلى أبعد الحدود، فهو يقع في الشبهات التي يمكنه أن يتجنبها، ويفوت ضرب المثل بترفعه عنها، ولكن تركيبة الخوف والشعور بعدم الاستحقاق ومعرفة أن وجوده في السلطة، تأتي نتاج لحظة ارتباك تاريخي عادة، وليست تسلسلا طبيعيا لأحداث وتفاعلات تعبر عن المجتمع، تجعل أي شخص يعود إلى حواضنه القبلية وحتى الأسرية، ليحتمي بها وداخلها، عمليا ونفسيا، ويعمق ذلك من غربته تجاه المجتمع الذي يحكمه، وهذا تحديدا ما على الجولاني، ليتسق مع خطابه الدبلوماسي الذي يصدره منذ دخول قواته إلى دمشق، العمل على تقويضه لتصبح الدولة هي الملاذ للجميع، والحائط الذي يمكن الاستناد إليه، وليست الأسرة أو الجماعة أو الطائفة. الابتسامات واللغة الواثقة أمام الكاميرات مسألة يمكن أن يؤديها كثيرون بطريقة أفضل من الجولاني، أي ممثل محترف سيفعل ذلك بطريقة تستدعي التصفيق، ولكن ترجمة الأقوال والتصريحات إلى خطاب حقيقي يشكل أساسا لثقافة جديدة في المجتمع مسألة يبدو أن الجولاني لا يدرك إلى حد كبير أنها تحتاج إلى كثير من الرسائل العملية التي تبعث الطمأنينة أكثر من الكلمات المنمقة والذكية.
سامح المحاريق
صحيفة القدس العربي







