سعت أميركا الى عزل روسيا منذ ما قبل اندلاع الصراع في أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022، لكنها زادت من حجم ضغوطها وسياساتها الرامية الى عزل روسيا سياسياً وثقافياً وإعلامياً عن الدوائر الجيوسياسية القريبة منها والبعيدة بشكل مكثف يتطور باضطراد، دون أن يؤدي الى نتائج ملموسة، بما يثبت عدم فعالية السياسات الأميركية والغربية تجاه روسيا.
أحدث الإشارات في هذا الصدد تتمثل في القمة الإعلامية لمجموعة البريكس المزمع عقدها في موسكو من 13 الى 17 سبتمبر/ أيلول الجاري. تعد هذه القمة هي السادسة من نوعها، وهي تمهد لعقد القمة السنوية لزعماء وقادة دول البريكس في الشهر المقبل.
عقدت القمة الإعلامية الأولى في بكين عام 2009، فيما عقدت القمة الثانية في موسكو عام 2012، بمبادرة من وكالة تاس الروسية. عام 2016 عقدت القمة لثالثة في العاصمة القطرية الدوحة، وبسبب جائحة كورونا عقدت القمة الخامسة عبر تقنية الأونلاين. وصولاً الى القمة السادسة التي انعقدت في مدينة غوانغتشو الصينية العام الماضي.
يعكس توالي القمم الإعلامية وتراجع الفجوة الزمنية بينها، حيث باتت ذات طابع سنوي، الى الاهتمام العالمي المتزايد بتقصي أخبار تكتل البريكس، والحصول على المزيد من المعلومات والتقارير الإعلامية عن دولها، ولا سيما المؤسسة بينها وبشكل خاص روسيا والصين.
وهذا ما يمكن تبينه من خلال زيادة إقبال المشاركين في القمة الإعلامية السادسة في موسكو من الصحافيين وممثلي وسائل الإعلام من مختلف أصقاع المعمورة. هذا الإقبال الإعلامي الكثيف يدحض الدعاية التي يروجها الإعلام الغربي حول افتقار روسيا الى حرية التعبير، ويقوض استراتيجيات الغرب وعلى رأسه أميركا في عزل روسيا. والحال أن روسيا حولت محاولات عزلها من قبل الغرب الى فرص لتطوير علاقاتها مع دول أميركا اللاتينية والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا، ولا سيما تلك التي لا تخضع لتأثير النفوذ الأميركي.
وهنا لا بد من التذكير بأن واحداً من أهم المبادئ الصحفية الراسخة في عالم الإعلام هي دوره في تقديم رواية موضوعية، وتفسير واضح وصادق وخالي من التحيز السياسي لأي طرف في الأحداث الجارية، بالإضافة الى تقديم التحليلات الموضوعية والعميقة التي تساعد صناع القرار في الدول على تحديد ورسم السياسات الخارجية لدولهم بشكل أكثر موثوقية. ولأن الإعلام يعد من أبرز أدوات العلاقات الدولية، فإن الإعلام الموضوعي يدخل ضمن أشكال وأنماط العلاقات الدولية التي تعد من المبادئ التي يسعى تكتل البريكس الى تحقيقها، أجل إعادة التوازن الى النظام العالمي وتقليص تدخل الغرب في شؤون الدول الفقيرة والنامية.
تظهر القمة الإعلامية السادسة لتكتل البريكس بأن العالم المعاصر يتوق الى الخروج من الأحادية القطبية وتأسيس نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب. لكن ذلك يستفز الغرب ويدفعه الى تشديد الضغوط على الصحفيين ووسائل الإعلام على اختلاف أنواعها الناعمة، من أجل حجب المواد الإعلامية الموضوعية المتعلقة بالشأن الروسي، سواءً كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية، مقابل إتاحة الفرصة للمواد المتحيزة والمؤدلجة الحافلة بالمزاعم والأكاذيب، بهدف تشويه صورة روسيا في العقل الجمعي الغربي.
في المنتدى الاقتصادي الشرقي الذي عقد من أيام قليلة في مدينة فلاديفوستوك في الشرق الأقصى الروسي، كان من المتوقع حضور عدد كبير من الصحفيين الغربيين عطفاً على الطلبات التي قدموها الى السلطات الروسية. لكن عددهم كان أقل من المتوقع، وذلك نتيجة قيام السلطات الغربية بتوجيه تحذيرات الى كل الصحفيين تفيد بحرمانهم من الدعم القنصلي في الأراضي الروسية، وبأن الرحلة ستكون على مسؤوليتهم الشخصية. وهذا ما دفع بالكثير من الصحفيين الى الإحجام عن الحضور، ليس بدافع الخوف، بل لأنهم التقطوا الرسالة الكامنة خلف هذه الرسائل: “لا تذهبوا الى روسيا”.
علماً أن روسيا أبدت ترحيبها بكافة وسائل الإعلام غير المنحازة، وكذلك الحال بالنسبة الى الصحفيين. وأكبر مثال على ذلك هو الصحفي الأميركي تاكر كارلسون الذي حضر الى روسيا وأجرى مقابلة مع الرئيس فلاديمير بوتين حطمت الأرقام القياسية على صعيد المشاهدات، بما يعكس توق جماهير الغرب للاستماع الى وجهة نظر روسيا وروايتها للأحداث.
الشهرة التي حظي بها كارلسون وزيادة عدد متابعيه بشكل قياسي، دفعت بالكثير من الصحفيين والإعلاميين الى إبداء الرغبة في تقديم مواد إعلامية عن روسيا، بما يمكنهم من صنع اسم لأنفسهم في عالم الصحافة والإعلام والارتقاء في المهنة، لكن العقبات التي يواجهونها في بلدانهم وتقييد حرية التعبير يجعلهم مترددين.
إزاء ما سبق، فإن اتهام مصادرة حرية التعبير الذي يحاول الغرب إسقاطه على روسيا، وعلى كل دولة غير خاضعة لنفوذه وتأثيره، يصبح اكثر انطباقاً على دول الغرب ولا سيما مع حجب وسائل الإعلام الروسية والضغوط غير القانونية والأخلاقية التي تمارس على مؤسس منصة تيليغرام الروسي.







