1

واشنطن تعيّن قائدة للجيش اللبناني!

عقدت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي، ليل الأربعاء الفائت (بتوقيت بيروت)، جلسة استماع لتعيينات دبلوماسية جديدة لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن. كانت السفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا من بين خمسة دبلوماسيين استجوبتهم اللجنة برئاسة السيناتور عن ولاية ديلاوير كريس كونز. توسّطت شيا الخمسة، فجلس السفيران المعيّنان في ليتوانيا وإيطاليا إلى يسارها والسفيرتان المرسلتان إلى الغابون وبوروندي الى يمينها. الجلسة كانت فولكلوريّة، فقد شكرت اللجنة الدبلوماسيين على «تضحياتهم الشخصية»، وسألتهم سؤالاً روتينيّاً عن كيفية مواجهة الخطر الداهم المتمثّل بجمهوريّة الصين الشعبية. شيا لن تضطر إلى أن «تضحّي» بعد الآن، إذ تمّ تعيينها في نيويورك نائبة للمندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتّحدة. أهميّة الجلسة تكمن في أنّها الإجراء قبل الأخير في عمليّة تغيير الحرس في عوكر (رغم أنه بالكاد ذُكِر اسم لبنان في الجلسة)، إذ يبقى التصويت من قبل مجلس الشيوخ على التعيينات، والذي غالباً ما يكون تحصيلَ حاصل في حالة السفراء، فنحن لا نناقش تعيين قاضٍ في المحكمة العليا هنا. إذاً، أيام أو أسابيع كحد أقصى تفصلنا عن رحيل دوروثي شيا وحلول ليزا جونسون مكانها.

جلسة الاستماع لليزا جونسون قبل شهر كانت مختلفة جدّاً عن جلسة شيا، إذ كان هناك هوسٌ كبير من الشيوخ المستجوِبين بلبنان. إلى جانب جونسون، جلس السفراء المعيّنون في عمان، الدولة الأهمّ في الوساطة بين إيران ودول الخليج حسب قول مترئّس الجلسة السيناتور كريس مرفي عن ولاية كونيكتيكت، وإثيوبيا، التي شهدت أكثر الأحداث دمويّةً عام 2022، إضافة إلى سيراليون وأوغندا. لكن رغم أهميّة التعيينات الأخرى، شغلت جونسون وتوجهها إلى بيروت الحيّز الأكبر من الاستجواب. بالأرقام، بعد الكلمات الافتتاحية وشكر السفراء على تضحياتهم، كانت هناك 55 دقيقة من الأسئلة والأجوبة، استحوذت جونسون على 23 دقيقة منها مقابل 32 دقيقة للسفراء الأربعة الآخرين. بالمناسبة جونسون «خدمت» الشعب الأميركي 32 سنة (مقابل 31 سنة في رصيد شيا).

السؤال الأوّل من السيناتور مرفي، الذي زار لبنان برفقة السيناتور كريس فان هولين من لجنة العلاقات الخارجيّة أيضاً، كان شهادة انبهار أكثر منه سؤالاً. والانبهار كان بـ«قدرات القوات المسلّحة اللبنانيّة واستعدادها للوقوف بين الفصائل التي غالباً ما تظهر النّيّة للتحارب الطويل الأمد»، وهي (القوات المسلحة اللبنانية) «من الأشياء القليلة التي تمنع حزب الله من مزيد من السيطرة على بيئة انعدام الأمن». هنا، تصرّفت السفيرة القادمة وكأنها الآمر الناهي في شؤون الجيش والدرك. السؤال الثاني كان من السيناتور تود يونغ، الذي يمثّل ولاية إنديانا، وكان عن التوجّه شرقاً ومدى التزام لبنان بـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينيّة. وهنا أكّدت جونسون أنه رغم توقيع الاتّفاقية مع الصين، لم يجرؤ لبنان على المضيّ قدماً في أيّ مشاريع مع العملاق الآسيوي لما قد يترتّب على متّخذي هكذا قرار من تداعيات.

السؤال التالي كان من السيناتور تيم كاين من ولاية فيرجينيا (بالمناسبة كلّهم من الحزب الديمقراطي حتى الآن)، وهو: ماذا لو انهار لبنان، وما المصلحة الأميركية في عدم انهياره؟ جواب جونسون كان واضحاً: لبنان لا يزال يقع على تقاطع مصالح الأمن القومي الأميركي في «الشرق الأوسط». وأكملت «لديك إسرائيل على الحدود الجنوبيّة التي يتوجّب عليها أن تدافع عن نفسها مقابل حزب الله. لديك سوريا وعدم الاستقرار والحرب التي حرّض عليها الديكتاتور الوحشيّ الأسد، ولديك إيران ووكيلها حزب الله اللذان ينشران عدم الاستقرار في لبنان والمنطقة».
أخيراً حان دور السيناتور الجمهوري، بيت ريكتس من ولاية نبراسكا. قبل طرح سؤاله، أراد ريكتس التوجه بتحيّة لأقرب «أصدقاء أميركا في العالم وحتماً في المنطقة» التي تحتفل بعيدها «السبعين»، لن نصحّح له تاريخنا. طبعاً التاريخ تاريخ. لكن ما يلي التاريخ قابل للنقاش. ليزا، دوروثي الجديدة، حسمت أن التزام الأميركيين بأمن عملائهم صلب.

من غيرهم يجرؤ على التحدي؟
هنا ندخل في تفاصيل التحدّي. يتحدّث السيناتور ريكتس كيف رأى بعينه المجرّدة مقاتلي حماس على الجهة المقابلة من الحدود. جونسون تشارك قلقه حول الصواريخ التي تستهدف «إسرائيل» من لبنان وغزّة، وتؤكّد أنّ التزام الولايات المتّحدة بأمن «إسرائيل» صلبٌ كالحديد، وأن «إسرائيل» ستستمرّ بحقّها الطبيعي بالدفاع عن نفسها. تطرّقت جونسون إلى ثلاثة عشر موقعاً تمّ حجبها عن الإنترنت، وهدّدت بالمزيد. والفكرة هنا هي أن حزب الله يعاني من أزمة ماليّة ولن يقدر على الاستمرار من دون أن تنفتح ماسورات التمويل عليه. وهنا تقول إنّ اتّكالها على الحلفاء في الإمارات وقطر والسعوديّة.

ثمّ انتقل الحديث إلى الانتخابات الرئاسيّة. وهنا دخلت الدبلوماسيّة، وأنّ الولايات المتّحدة لا تتدخّل في اختيار رئيس جمهوريّة لبنان. لكن، للولايات المتّحدة توصيات حول صفات الرئيس، عليه أن يكون متحرّراً من الفساد وأن يضع هموم الشعب أوّلاً. وطبعاً أن يكون قادراً على تطبيق الإصلاحات. هنا ضحك الجميع على تفاؤل جونسون وأصرّوا على أن لبنان يحتاج إلى التفاؤل. خُتِمَ الحديث عند السيناتور فان هولين الذي تحدّث عن «الحلّ الأعجوبة» لمشكلة الكهرباء الذي طرحته السفيرة شيا، غاز مصري وكهرباء أردنيّة وبهلوانيّات على قانون قيصر.
تمتمت ليزا جونسون نفس الحلول الماضية، ويبدو أن هذه هي حلول أميركا للبنان في السنوات القادمة. لكنّ الأبرز هو أنّ رئيس الجلسة السيناتور كريس مرفي يعتبر أن السرديّة الأميركيّة فشلت في خلق وعي عام. هكذا خُتمت الجلسة، وهكذا تُختم الهيمنة.


أبرز ما قالته ليزا جونسون
– إذا تم تعييني، يشرّفني أن أعود إلى لبنان، حيث كان لي امتياز الخدمة بين عامي 2002 و2004. خلال ذلك الوقت، اكتسبت تقديراً عميقاً لحيويّة الشعب اللبناني وتثميناً للتحديات التي يواجهها، والتي تشمل فساداً متفشّياً، حَوكمة سيّئة، وتهديد حزب الله لسيادة وأمن بلادهم.
– فشلت قيادات لبنان في تطبيق إصلاحات اقتصاديّة مصيريّة مطلوبة من برنامج صندوق النقد الدولي، المسار الواقعي الوحيد للتعافي.

– ممتنّة بعمق للدعم المقدّم من قبل حزبَي الكونغرس للقوات المسلّحة اللبنانيّة وقوى الأمن الداخلي كونهم شركاء موثوقين في الحفاظ على استقرار لبنان وأمنه. منذ عام 2006، قدّمنا دعماً بقيمة 3 مليارات دولار، مكّن هذه القوّات من تعزيز سيادة لبنان، معالجة عدم الاستقرار، تعطيل الإرهابيين، ومواجهة سردية حزب الله الزائفة بأن أسلحته ومقاتليه غير القانونيّين ضروريّون للدفاع عن لبنان.
– كما تبيّن من التسميات المطروحة على لوائح العقوبات أخيراً، أن الولايات المتّحدة ما زالت ملتزمة بمكافحة الفساد في لبنان، وسأستمرّ بإيلائها الأولويّة، إذا تمّ تعييني. أنا أيضاً واضحة الرؤية في ما يخصّ التهديد الذي يشكّله حزب الله لسيادة لبنان واستقراره، وكذلك للولايات المتّحدة وإسرائيل والمنطقة.

عن الجيش وقوى الأمن:
– لقد أنفقنا الكثير من الأموال على المساعدة الأمنيّة للقوات المسلّحة من أجل تطويرها إلى قوّة مهنيّة وقادرة على مواجهة أي تهديد في لبنان. تحديداً، عزّزنا قدراتها على الدفاع عن حدود لبنان، معالجة عدم الاستقرار، محاربة الإرهاب، تفكيك شبكات تهريب المخدّرات، الحفاظ على الأمن والسلم، وقد تولّت هذه المهام بشكل جيّد… هم شركاء موثوقون من قبل الولايات المتّحدة مع سجلّ مثاليّ في متابعة المساعدة التي قدّمناها لهم.
– من أهمّ الأمور في دعم القوات المسلّحة اللبنانيّة هو أنه يقوّض سرديّة حزب الله وادّعاءه الزائف أنّ سلاحه ضروريّ للدفاع عن لبنان. كما نرى باستمرار، القوات المسلّحة اللبنانيّة تنتشر بشكل فعّال لمواجهة أي تهديد يواجه لبنان.

عن الصّين:
– نعم لبنان وافق على مبادرة الحزام والطريق عام 2017، لكن حسب معلوماتي لا توجد أي استثمارات صينيّة مهمة في لبنان. نحن نكرّر بشكل دائم مع شركائنا هواجسنا حول مخاطر التعامل مع الصين، بسبب استثمارات ماليّة إشكالية غير شفّافة في البنى التحتيّة.

عن المنطقة:
– لديك إسرائيل على الحدود الجنوبيّة التي يتوجّب عليها أن تدافع عن نفسها مقابل حزب الله. لديك سوريا وعدم الاستقرار والحرب التي حرّض عليها الديكتاتور الوحشيّ الأسد، ولديك إيران ووكيلها حزب الله اللذان ينشران عدم الاستقرار في لبنان والمنطقة.

عن «إسرائيل»:
– أشكرك يا حضرة السيناتور على قلقك حول الهجومات الأخيرة من جنوب لبنان وأخيراً من غزّة. الالتزام الأميركيّ بأمن «إسرائيل» فولاذّي تماماً.

عن العقوبات:
– هناك العديد من الأماكن التي نستهدف بها حزب الله، أفراداً وكيانات، وذلك مهمّ… وأتفهّم أنّ حزب الله يقع تحت ضغط مالي.

دوروثي لم تعُدْ في كانساس
في فيلم «ساحر أوز» الكلاسيكي الذي برعت في أداء دور البطولة فيه جودي غارلاند، تجد البطلة التي تحمل اسم دوروثي نفسها في عالم سحريّ ما ورائيّ. في الإفادة التي تلتها السفيرة الأميركيّة السابقة في لبنان دوروثي شيا أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأميركي تعهّدت بأنّها ستكافح ضد معاداة الساميّة في منظومة الأمم المتّحدة. وكما دوروثي «أوز» وكلبها «توتو»، تستمرّ المعارك الوهميّة.

حماس، حزب الله، فرقة حسب الله
لم يعرف السيناتور تيم ريكتس، خلال جلسة الاستماع للسفيرة ليزا جونسون، الفرق بين حركة حماس وحزب الله. استذكر زيارته لفلسطين المحتلّة هذا العام، واستصغر حجمها، إذ كان بإمكانه من طوّافته أن يرى سوريا ولبنان والبحر. لكنّ جهله ظهر عندما كان يروي كيف كان يسمع الضجيج الصادر عن حفر «حركة حماس» لأنفاقٍ على مدى عشر سنوات في الصخر الكلسي، وكيف كان يرى مقاتلي حماس على الجهة المقابلة من حدود فلسطين الشماليّة. «حماس ما زالت موجودة، يمكننا رؤيتها من الحدود الإسرائيلية».

جمال غصن

المصدر: صحيفة الأخبار




«ستالينغراد الفلسطينية» تخلط الحسابات: هل يقع الاجتياح الموسّع؟

تَخلق عمليات المقاومة وتكتيكاتها العسكرية المستحدثة قلقاً متزايداً في أوساط صنع القرار السياسي والأمني في دولة الاحتلال. ففيما ظلّ «التهوين» من خطورة المشهد الميداني مرافقاً لحديث قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، انقلبت في الأيام الأخيرة تلك الرؤية، إلى الحدّ الذي بدأ معه جيش الاحتلال، فعلياً، التمهيد الاستخباري لشنّ عملية واسعة النطاق والتأثير، تستهدف في المقام الأوّل مخيم جنين، وتمتدّ إلى باقي مناطق شمال الضفة الغربية. ودفع هجوم «باب الريحان» ذو التكتيك المدروس وغير العشوائي، والذي نفّذته «خلية ظلّ» يوم الثلاثاء الماضي، ثمّ استخدام العبوات الناسفة بشكل مكثّف في مخيم جنين يوم أمس، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، تساحي هنغبي، إلى التحذير من مغبّة التريّث في تنفيذ عملية كبيرة، إذ قال: «إذا لم نواجه هذه العبوات بعملية عسكرية في جنين، فسنقابلها تحت الحافلات في تل أبيب والقدس»، فيما وصفت «القناة الـ 12» العبرية مخيم جنين بـ«ستالينغراد الفلسطينية»، مشيرةً إلى أن حركة «الجهاد الإسلامي» نجحت في إنشاء مصانع للعبوات الناسفة، «التي (تعيدنا) إلى ما كان يستخدم مطلع الانتفاضة الثانية وفي جنوب لبنان، فضلاً عن ارتفاع مستوى الأداء العسكري للمقاتلين».

وفي خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، تسبّب أداء المقاومة بفتح «مندبة» بين رؤساء مناطق المستوطنات، والذين يكرّرون المطالبة بعملية واسعة يجتاح فيها جيش الاحتلال المدن والمخيمات كافة، على شاكلة «السور الواقي» في عام 2002، والتي يُنظر إليها، في الأوساط الإسرائيلية، على أنها منجز عسكري استطاع وضع حدّ للعمليات الفدائية التي كانت تضرب مدن العمق المحتلّ. وفي «مؤتمر هرتسيليا السنوي للأمن القومي»، احتلّ تكتيك التعاطي مع خلايا المقاومة في الضفة الغربية المحتلّة مساحة واسعة من كلمة رئيس أركان جيش الاحتلال، هرتسي هاليفي. وبرّر الأخير الامتناع عن التوجّه إلى عملية عسكرية شاملة بمستوى التطوّر والديناميكية اللذين «تتميّز» بهما العمليات الأمنية في مدن ومخيمات الضفة، حيث يستطيع كبار ضباط الجيش مراقبة مسرح العمليات من كاميرا مثبتة على خوذة وبندقية كلّ جندي. وإلى جانب ذلك، لم يكن مستوى الضغط الميداني الذي تمارسه خلايا المقاومة في الضفة، حتى أمس، يستدعي أن «تُشنّ عملية عسكرية كبيرة (…) في 2002، كنّا أمام مشهد مغاير تماماً: العشرات من العمليات التفجيرية تنفَّذ شهرياً في داخل مدن مثل تل أبيب والخضيرة والقدس، وقطاع كبير من كبار قادة الأجهزة الأمنية تحوّلوا إلى مقاومين وقادة لفصائل المقاومة؛ أمّا اليوم، فالواقع مختلف»، وفق ما يرى المحلّل السياسي، إسماعيل محمد، مستدركاً بأن «إدخال سلاح الطائرات الانتحارية والهليكوبتر، والذي ظلّ جيش الاحتلال يحاذر اللجوء إليه، يعبّر عن أن الأمور على الأرض خرجت عن السيطرة، وعن قدرة الوسائل الميدانية المتطوّرة التي تحدّث عنها هاليفي عن إحداث فارق».

من وجهة نظر محمد، فإن خصوصية المنجز الذي تحقّق في الضفة خلال العامَين الماضيين، لم تكن مرتبطةً بنوعية الفعل، وإنّما بإعادة بعثه من العدم، في جبهة اطمأنّ جيش الاحتلال طويلاً إلى أنها لن تقوم من سباتها مجدداً. ويلفت محمد، في تصريح إلى «الأخبار»، إلى أن «أكبر قوة عسكرية تحتاج إلى ثماني دقائق للوصول من حاجز الجلمة إلى عمق مخيم جنين، وإلى مدّة مماثلة أو أكثر قليلاً للوصول إلى عمق البلدة القديمة في نابلس انطلاقاً من حاجز حوارة»، مضيفاً أن «إسرائيل قطّعت حرفياً أوصال الضفة الغربية، بحيث أضحى جيش الاحتلال وقواته الخاصة في كلّ شارع ومخيم، فلماذا قد يضطرّ إلى خسارة جهود الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة، الموازية لعملياته الجراحية، إنْ هو اجتاح الضفة كاملةً؟». على أن تلك الحسابات السابقة، أضحت اليوم عرضة للتغيير، بل والانقلاب؛ إذ تشعر المؤسّسة الأمنية الإسرائيلية بأن ضغط الفعل المقاوم على المشروع الاستيطاني تجاوز الأكلاف التي قد يدفعها الجيش لتنفيذ عملية عسكرية شاملة.
إزاء ذلك، يرى الخبير في الشأن الأمني، محمد المصري، أن خلايا المقاومة في الضفة تقدّم أداءً ميدانياً متناسباً مع حجم التهديد، مضيفاً أنه «فيما يحاول الاحتلال استقراء ما هو متوفّر من إمكانيات وأساليب قتال، تحافظ المقاومة على مستوى فعل مضبوط، لا يستنزف القدرات اللوجستية، ولا يقود إلى كشف ما لا يلزم كشفه من عناصر ميدانية وخلايا ظلّ نائمة». ويتابع المصري، في حديثه إلى «الأخبار»، أن «كتائب المقاومة حرصت منذ تأسيسها، على تصدير فعل متناسب مع هياكلها وإمكانياتها، كي لا تستجرّ عملاً أمنياً إسرائيلياً يقود إلى تقويضها؛ وفي هذا السياق، لم تعلن مسؤوليتها عن عمليات كبيرة نُفّذت في داخل العمق المحتل، على رغم أنها خطّطت لها من اللحظة الأولى وحتى التنفيذ، كي لا تجرّ على كتائبها العاملة هناك ردّة فعل إسرائيلية عنيفة».

يوسف فارس

المصدر: صحيفة الأخبار




السياسة والمخابرات في الصراع الروسي البريطاني

لم تتوقّف التدخّلات البريطانية وغيرها في الشأن الروسي حتى بعد انهيار الاشتراكية، ومن ذلك توظيف زعامات الثورات الملونة.


إضافة إلى الولايات المتحدة الأميركية كطرف أساسي في صراع المعسكر الغربي الرأسمالي مع الدولة الروسية منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، أظهرت التداعيات الدولية للعملية العسكرية الروسية ضد المحمية النازية الأطلسية في أوكرانيا، أن الصراع الروسي البريطاني لا يقلّ أهمية عن الصراع الروسي الأميركي. 

فإذا كان تصريح نائب رئيس الأمن القومي الروسي حول اعتبار المتورطين الإنكليز هدفاً مشروعاً للدولة الروسية، قد جاء ضمن الرد الروسي اللوجستي والعسكري على أهداف أطلسية قاتلة في أوكرانيا وخارجها (أهداف أميركية في سوريا)، إلا أن ثمة خصوصية أيضاً حول الجانب الإنكليزي من التحالف الإنجلو سكسوني، بالنظر إلى تورّط لندن الكبير ضد روسيا في أوكرانيا، بل وداخل الأراضي الروسية نفسها. 

في الحقيقة، ليست ثمة مفاجأة في هذا التصعيد المتبادل بين موسكو ولندن، فالصراع هو السمة العامة للعلاقات الروسية البريطانية في كلّ العهود التي مرّت على البلدين، من روسيا القيصرية إلى روسيا الاشتراكية إلى روسيا اليوم، وبالمثل من بريطانيا الفيكتورية ورجلها القوي، اليهودي، دزرائيلي، إلى بريطانيا الحالية، ناهيك بأن الصراع ومحاولات الهيمنة هي السمة العامة لعلاقات بريطانيا مع غالبية شعوب العالم ودوله، منذ أن تسيّدت بريطانيا المنظومة الرأسمالية الاستعمارية، كإمبراطورية لا تغيب الشمس عن أراضيها، مروراً بسقوطها وأفول شمسها على يد تحالف موسكو مع عبد الناصر في الشرق الأوسط.

صحيح أن سمة الصراع المذكورة بين البلدين تخلّلتها لحظات عابرة من التحالفات المؤقتة، كما حدث ضد الجيوش المصرية زمن محمد علي عندما هزمت الجيوش العثمانية وحاصرت إسطنبول، وتحالف الإنكليز مع قيصر روسيا بدعم وتوجيه اليهودي روتشيلد وأمواله، وكما حدث بعد الحرب العالمية الأولى واتفاقية سايكس بيكو زائد روسيا القيصرية 1916، إلا أن العلاقات بين الطرفين ظلت علاقات صراع أياً كانت طبيعة الحكم في البلدين، كما الموقف في حرب البلقان وغيرها، لكن هذه العلاقات تفاقمت أكثر بعد الثورة الاشتراكية في روسيا وأصبح الاستعمار البريطاني ملاحقاً من حركات التحرّر المدعومة من موسكو. 

فيما يخص الصراع البريطاني – الروسي منذ الثورة الاشتراكية وحتى اليوم فقد مرّ بمراحل عديدة، بينها تهديد رئيس الحكومة البريطانية، تشرشل، بضرب موسكو بالقنابل الذرية، وفقاً لما أورده الباحث البريطاني، ايكه، في كتابه “السر الأكبر”، وبينها دور بريطانيا مع واشنطن في إنشاء حلف الناتو ضد موسكو وتغذية هذا الحلف بأحلاف إقليمية هنا وهناك مثل حلف بغداد – أنقره 1955. 

لم تتوقّف التدخّلات البريطانية وغيرها في الشأن الروسي حتى بعد انهيار الاشتراكية، ومن ذلك توظيف زعامات الثورات الملونة وغالبيتهم من اليهود لوضع موسكو تحت نفوذ مافيا يهودية محاطة بأوساط ليبرالية روسية، وقد ازداد الصراع بين موسكو ولندن بعد وصول بوتين إلى الكرملين وفتح ملفات المافيات ومنها المافيا اليهودية ممثّلة برجال أعمال مثل خودوركوفسكي الذي تمّ اعتقاله في موسكو، وبيريزوفسكي وعشرات اليهود الهاربين إلى أوكرانيا وبريطانيا. 

كما أظهرت الوثائق أنه إضافة إلى دور المخابرات البريطانية في هدم الاتحاد السوفياتي، فقد كان حضور هذه المخابرات في أوكرانيا خطيراً ونافذاً، ليس باسم حقوق الإنسان والليبرالية فقط، بل عبر إنتاج الميليشيا النازية وبناء مختبرات بيولوجية بالتعاون مع المخابرات الأميركية لغايات توظيفها لاحقاً ضد روسيا. 

معلوم أن بريطانيا ضالعة في هذا النوع من المختبرات والحروب البيولوجية، بل إنها أوّل من استخدمها في الحرب العالمية الأولى ولم تتردّد لحظة واحدة في تصفية أي شخص يقترب منها، ومن ذلك اتهامها باغتيال الخبير البريطاني، ديفيد كيلي في العراق. 

في السنوات الأخيرة، تضاعف الدور البريطاني السياسي والاستخباراتي في روسيا مباشرة وعبر أوكرانيا، بالتقاطع مع لحظة الصراع على شكل العالم الجديد والموقع البريطاني في المنظومة الإمبريالية إلى جانب الإمبريالية الأميركية وبقية المتروبولات الإمبريالية في الناتو والاتحاد الأوروبي. 

من مصادفات هذه اللحظة بين عالمين، عالم إمبريالي يقوده الإنجلو سكسون، وعالم متعدد الأقطاب، أن أبرز مفكّري الاستراتيجية الجيوسياسية التي تميّز هذه اللحظة، هو البريطاني ماكندر صاحب النظرية التي ترى مستقبل العالم في حسم الصراع على أوراسيا و”الهارت لاند” – قلب العالم الذي تمثّله روسيا. 

انطلاقاً من ذلك وبالتزامن مع صحوة الدب الروسي في الكرملين وبموازاة التدخّل الأميركي المعلن في أوكرانيا والذي كتب عنه الاستراتيجي الأميركي بريجنسكي أكثر من مرة، داعياً إلى تطويق روسيا ومنعها من أن تتحوّل إلى “هارت لاند” بأفق عالمي، اتخذ التدخّل البريطاني أشكالاً مختلفة بينها العمل الاستخباراتي بأقنعة مباشرة وأخرى ليبرالية ومدنية واقتصادية. 

ومن ذلك أيضاً إعداد وتدريب مجاميع أوكرانية وكازاخية وجورجية وقفقاسية، كما تنوّعت الأدوات البريطانية بين الجماعات المسلحة في أوكرانيا والقوقاز، وبين أوساط ليبرالية من نشطاء الثورات الملوّنة.

إضافة إلى ذلك يعود الصراع الاستخباراتي الروسي – البريطاني إلى ما بعد ثورة أكتوبر الاشتراكية الروسية وعلاقاتها مع حركات التحرّر في كل مكان، إذ واصلت المخابرات البريطانية عملياتها ونشاطاتها ضد الاتحاد السوفياتي وحركات التحرّر الوطني. 

وبسبب تراجع مكانة الإمبريالية البريطانية لصالح الأميركية، نظّمت نشاطاتها بالتنسيق مع مخابرات الأخيرة ونجحتا في اختلاق عشرات الأصوليات التكفيرية انطلاقاً من أفغانستان، حتى أن المؤرخ البريطاني كورتيس في كتابه (التآمر البريطاني مع الأصوليين) أطلق على لندن وصف “لندنستان” وكشف الكتاب المذكور تفاصيل مذهلة عن هذه العلاقة. 

ومثل كورتيس كان كاتب وباحث بريطاني آخر هو ديفيد ايكه يفضح في كتابه “السر الأكبر” عشرات الواجهات التي اخترعتها المخابرات البريطانية كأقنعة لنشاطاتها (صفحات 531 – 542) كما فضح عشرات الاغتيالات التي نفّذتها هذه المخابرات. 

وثمة ما يقال عن مئات الدراسات التي تعقّبت أو فضحت الدور المذكور في الأزمات التي تعرّضت لها بلدان عديدة، بينها العراق وسوريا واليمن وإيران وليبيا وغيرها، إضافة إلى محطات داخلية على غرار اتهامها بتصفية ديفيد كيلي على شكل انتحار، وهو الخبير البريطاني الذي كذّب رواية بلير حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، وعلى غرار إخفاء أوراق وملفات تتحدث عن تجسس بريطاني على مقر الأمين العام للأمم المتحدة وذلك وفق ما ذكره بوب وودورد في كتابه (القناع). 

فيما يخص المجال الروسي البريطاني وصراع المخابرات بينهما يشار ابتداء إلى ثأر بريطاني قديم – جديد من المخابرات الروسية التي تفوّقت عليها في هذا المجال، سواء في العملية الاستباقية حول أسرار القنبلة الذرية، أو في الفضيحة الاستخباراتية التاريخية التي ساهمت في إخراج بريطانيا من الشرق الأوسط وأسدلت الستار على تسيّدها السياسي والاستخباراتي في هذه المنطقة. 

ترتبط هذه الفضيحة فيما عرف بحلقة جامع كامبريدج التي كانت تضم أكاديميين وفنانين وسياسيين احتلوا مواقع أساسية في جهاز المخابرات البريطانية، سواء داخل قصر بكينغهام نفسه عبر المستشار الفني لمتحف اللوحات في القصر الملكي، أو من خلال ما يعرف في الخطاب الاستخباراتي العالمي بأخطر جاسوس في التاريخ، وهو كيم فيلبي. 

ينتمي فيلبي إلى عائلة (عريقة) في المخابرات البريطانية الخارجية، منها والده جون فيلبي، الذي عمل في العراق والأردن قبل أن ينتقل إلى جوار الملك عبد العزيز آل سعود، وكان فيلبي الابن ضمن شبكة كامبريدج التي تبنّت أفكاراً اشتراكية ووضعت نفسها في خدمة المخابرات الروسية الخارجية بلا مقابل، أي أنها كانت شبكة أيديولوجية معادية للإمبريالية. 

بسبب كفاءاته وثقافته النظرية والأدبية، تدرّج فيلبي بسرعة في جهاز المخابرات البريطانية الخارجية وترّأس أكثر الأقسام حيوية فيها، من جهاز مكافحة التجسس والشيوعية إلى تنسيق العمل مع المخابرات الأميركية في الشرق الأوسط. 

وعندما تمّ اكتشافه عجزت المخابرات البريطانية وصداقاتها العربية والأميركية عن توقيفه في لبنان، إذا أخذته غوّاصة روسية من ميناء بيروت وظل في موسكو حتى وفاته. وقد هزت قضيته الجهاز البريطاني بأكمله بما في ذلك شبكاته والأقنعة التي كان يعمل خلفها في لبنان وغيره، مثل معهد شملان لتدريب وإعداد القادة والإعلاميين. 

موفق محادين

المصدر: موقع الميادين