1

في سوريا… الكل خائف من “الشيطان اللاسلكي”

أرخت حادثة انفجارات لاسلكي “البيجر” الخاصة بعناصر “حزب الله” في سوريا ولبنان على الشارع السوري ذهولاً وتوجساً حول أمن الاتصالات، وبات السؤال الشاغل لدى المواطنين يرتبط بالتطور التقني وقدرات الحرب الإلكترونية والسيبرانية للاستخبارات الإسرائيلية، وإلى أي حد باتت أجهزة الاتصال الخاصة مخترقة، أو حتى التي تعمل على بطاريات الليثيوم المتطورة.

المرصد السوري لحقوق الإنسان – مقره لندن – أكد مقتل وإصابة عناصر من “حزب الله” والحرس الثوري الإيراني بعد انفجار أجهزة الاتصال “البيجر” في دير الزور شرق سوريا، كما وقعت انفجارات عدة في موقع منظومة الاتصالات في قلعة الرحبة في مدينة الميادين.

وفي الوقت ذاته انفجر عدد من أجهزة الاتصال التي كانت بحوزة عناصر “حزب الله” في سوريا ضمن الموجة الثانية من الانفجارات، أحدها وقع داخل سيارة في مشروع “دمر” غرب العاصمة دمشق، وآخر مماثل في الحي ذاته بالقرب من إحدى الأسواق التجارية.

إزاء ذلك تسربت معلومات متداولة عن إصدار أوامر على المستوى العسكري والأمني توصي بأخذ الحيطة والحذر من استخدام أجهزة اللاسلكي، ومحاولة إطفاء الموجات وأجهزة اللاسلكي موقتاً، واستخدام خطوط آمنة بديلة.

وتأتي هذه الاحتياطات في وقت لا يستخدم الجيش النظامي أو الأجهزة الأمنية هذه النوعية من أجهزة الاتصالات “البيجر”، وهي غير متداولة في سوريا ومحظورة مع عدد من الأجهزة قبل عقود من الزمن، وتعمل أجهزة اللاسلكي في البلاد على نوعيات مصادرها تايوانية وصينية، بينما يعد جهاز “البيجر” لاسلكي يستقبل إشارات تحفز تنبيهاً صوتياً أو اهتزازياً عند تلقي الإشارة المناسبة، ويستخدم عادة في معظم حالاته بخدمة الطوارئ والرعاية الصحية.

اللاسلكي في سوريا

وبعد هدوء نسبي لعاصفة اللاسلكي التي خلفت قتلى وإصابات بليغة ينتظر السوريون كيف ستؤول إليه طريقة الرد على هذا الاختراق الأمني الواسع لأكثر الفصائل المقاومة المدعومة إيرانياً، وبات “اللاسلكي” في سوريا في خانة المشبوهين، بل ينظر إلى كل وسيلة اتصال على كونها خطراً محدقاً.

ويرى الاختصاصي في تكنولوجيا الاتصالات مهند مسكون أنه من السابق لأوانه وضع أحكام ونتائج على أجهزة اللاسلكي، أو ما يدور من معلومات “تشيطن” أجهزة الاتصالات أو غيرها من الحواسيب والسيارات الكهربائية وصولاً إلى بطاريات الطاقة الشمسية، مع تداول معلومات مخيفة تصل إلى درجة الرعب من تمكن شركات من الولوج إلى هذه الأنظمة وتفجيرها أو إحداث أعطال بها.

وقال مسكون في حديثه لـ”اندبندنت عربية” إن “كل الأجهزة التي وصلت بطريقة نظامية إلى البلاد، وخضعت للفحص الدقيق من الجهات الفنية والمعنية فهي بالتالي سليمة ولا خوف عليها، بينما التي جاءت عبر طرق ومسارب التهريب قد تسبب أعطالاً فنية لا أكثر”.

ولفت إلى اعتماد أجهزة “الموتوريلا” اللاسلكي، مع توفر خدمة شبكة الاتصالات اللاسلكية (اس أر إن) التي توفر خدمة اتصال مباشر ضمن مجموعة واحدة أو مجموعات عدة عبر اشتراك مخصص للمنظمات الأهلية والمستثمرين ورجال الأعمال والجهات الحكومية، ضمن بقعة جغرافية محددة من خلال اتصال آمن.

تداعيات الحادثة

إلى ذلك دان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك التفجيرات غير المسبوقة من نوعها، معرباً عن قلقه مما خلفته تلك التفجيرات من رعب، وناشد جميع الدول ذات النفوذ في المنطقة وخارجها بأن تتخذ تدابير فورية لتجنب اتساع رقعة النزاع.

واعتبر استهداف آلاف الأفراد سواء مدنيين أم عناصر جماعات مسلحة من دون معرفة من كان بحوزته الأجهزة المستهدفة، وموقعها ومحيطها “اعتداء ينتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني”.

وفي وقت دعا فولكر إلى إطلاق تحقيق مستقل وشامل حول ملابسات هذه التفجيرات ومحاسبة من أمر ونفذ هذا الهجوم، أعلن الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل في بيان له “دعوة الاتحاد الأوروبي جميع الأطراف المعنية إلى تجنب حرب شاملة من شأنها أن تخلف عواقب وخيمة على المنطقة بأسرها وخارجها”.

وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من خطر جدي للتصعيد في لبنان، وقال للصحافيين “من الواضح أن منطق جعل كل هذه الأجهزة تنفجر هو ضربة استباقية قبل عملية عسكرية كبيرة”.

وكانت مناطق داخل سوريا شهدت الثلاثاء الـ17 من سبتمبر (أيلول) الجاري حوادث مماثلة كالتي جرت من تفجيرات أجهزة اتصالات عناصر وقادة “حزب الله” اللبناني، ووصلت حصيلة الجرحى جراء انفجارات الموجة الأولى في دمشق وريفها إلى 21 جريحاً، وأصيب ثلاثة أشخاص في منطقة القلمون القريبة من الحدود اللبنانية.

عملية خاطفة

بدوره عزا موقع أكسيوس الأميركي تنفيذ إسرائيل التفجيرات خشية اكتشاف “حزب الله” للعملية السرية، بينما برر مسؤول إسرائيلي العملية بأنها جاءت كضربة افتتاحية في حرب شاملة لتعطيل قدرة الحزب على شن هجمات ضد إسرائي، ولعل الشكوك من اكتشاف العملية دفعت رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى اتخاذ قرار سريع بتنفيذ العملية.

1.jpg

يدور الحديث عن أوامر عسكرية للجيش النظامي في سوريا بالحذر عند استخدام اللاسلكي (مواقع التواصل)

في المقابل لم يقتصر التخوف من جهاز اللاسلكي وموجاته في المناطق الخاضعة للسيطرة الحكومية السورية، بل إن الفريق المعارض أبدى توجساً من خطورة استخدامات الاتصالات، وقال رئيس الائتلاف الوطني السوري (المعارض) هادي البحرة إن الانفجارات في لبنان دفعت بعض قوى المعارضة في شمال سوريا إلى إعادة التفكير في أمن أجهزة الاتصالات وسلاسل التوريد.

وينشط “حزب الله” اللبناني مع فصائل مقاومة مماثلة مدعومة من إيران على الأراضي السورية منذ عام 2013 بعد اندلاع النزاع الداخلي وخروج مناطق عدة عن السيطرة، لتندلع معارك ساخنة في الشمال والجنوب وشرق البلاد لانتزاعها من المعارضة المسلحة وسط حضور عشرات الآلاف من المقاتلين.

ودفعت الاختراقات الأمنية وحرب الاغتيالات إلى اتباع عناصر “حزب الله” وسائل تواصل واتصال خاصة بهم لضمان أمن المعلومات والاتصال من الاختراق، لا سيما بعد تصاعد القتال بعد حرب غزة المندلعة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بعد ما تسبب الاختراق الأمني في خسائر قادة من جنسيات عدة لبنانية وعراقية وإيرانية خصوصاً بعد استهداف مبنى ملحق بالسفارة الإيرانية لدى دمشق في الأول من أبريل (نيسان) الماضي ومقتل قادة في “فيلق القدس” خلال اجتماع أمني سري.

مصطفى رستم

صحيفة اندبندنت ارابيا




نيويورك تايمز: نتائج الانتخابات البرلمانية الأردنية تمنح الإسلاميين صوتاً قوياً والحكومة الغالبية

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً أعده ماثيو امبوك بيغ ورنا صويص حول النتائج الانتخابية البرلمانية الأردنية. وقالا إن الجناح السياسي لجماعة “الإخوان المسلمين”، “جبهة العمل الإسلامي”، حقق نتائج جيدة في البرلمان، لكنها ليست كافية لتحدي الموقف المؤيد للغرب من الحكومة.

وأشارا إلى أن الحزب الذي جعل حرب غزة في مركز حملته الانتخابية حقق نجاحات في الانتخابات البرلمانية، التي أعلن عنها يوم الأربعاء، ما أعطى “الإخوان المسلمين” موطئ قدم في البرلمان الأردني.

وستقود “جبهة العمل الإسلامي” كتلة مهمة في البرلمان، حيث حصلت على 31 من 138 مقعداً.

الصحيفة: النظام مرن بشكل كاف للسماح بالانتخابات ولمنح الإسلاميين صوتاً

وتعلق الصحيفة بأن الحكومة ستحتفظ بالغالبية الكبرى، وخاصة أن الحزبين الموالين لها حصلا على 70 مقعداً. ومن المتوقع أن يدعم النواب المستقلون والنواب الذين انتخبوا ضمن “الكوتا” سياسات الحكومة. وفي الوقت الذي سيكون فيه لـ “الإخوان المسلمين” صوتاً قوياً في الأردن، إلا أن سمعة المملكة كواحدة من الدول المستقرة وذات النظام الانتخابي المفتوح لن تهتز، كما يقول المحللون.

 ونقلت الصحيفة عن نيل قويليام، الزميل في تشاتام هاوس بلندن: “إنها نتيجة ستكون الحكومة، على الأرجح، سعيدة بها”.

ووصف قويليام التصويت بأنه بمثابة صمام أمان للغضب العام إزاء الهجوم الإسرائيلي على غزة، حيث قتل عشرات الألوف من الناس هناك، معلقاً: “النظام مرن بشكل كاف للسماح بالانتخابات ولمنح الإسلاميين صوتاً”.

 وجاءت الانتخابات بعد سلسلة من الإصلاحات التي قام بها الملك عبد الله الثاني، وبهدف الترويج للديمقراطية وتعزيزها، بما في ذلك التغييرات في القانون الانتخابي التي حرفت التركيز عن المرشحين كأفراد إلى الأحزاب السياسية. وكان السخط على الحكومة وعلاقتها مع إسرائيل عالياً، وحتى قبل هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وخاصة أن أعداداً كبيرة من الأردنيين من أصول فلسطينية.

وأدى الهجوم الإسرائيلي على غزة، والعمليات في الضفة الغربية، لتغذية الغضب العام الذي برز من خلال تظاهرات واسعة، اعتقل فيها مئات المتظاهرين.

ووصف الملك عبد الثاني المعاناة في غزة بأنها لا تحتمل، ودعا إلى وقف إطلاق النار، وإنشاء دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وشجبت الحكومة طريقة إدارة إسرائيل الحرب، وقالت إن أي عملية تسفير للفلسطينيين من الضفة الغربية إلى الأردن تعتبر بمثابة إعلان حرب.

وإضافة إلى هذا يعتبر الأردن حليفاً مهماً لواشنطن، وانضم جيشه إلى تحالف أمريكي أسقط الصواريخ والمسيرات التي أطلقتها إيران في 13 نيسان/أبريل ضد إسرائيل، انتقاماً لتدمير سفارة طهران في دمشق.

وتشير نتائج الانتخابات إلى أن محاولات الحكومة تحقيق التوازن لم تحقق سوى نجاح محدود، كما يقول محمد أبو رمان، وهو محلل سياسي وكاتب عمود مقيم في عمان: “إن التصويت لصالح “الإخوان المسلمين” يعكس عمقاً في فجوة الثقة المتسع بين الحكومة والجمهور، وهي الهوة التي اتسعت على مرّ السنين وتجاهلها المسؤولون إلى حد كبير”.

وقد انتقدت “جبهة العمل الإسلامي”، خلال الحملة، سياسات الحكومة في الداخل، في محاولة منها الاستفادة من السخط العام من انتشار البطالة والفساد والفقر وغيرها من القضايا.

ووصف حزب “جبهة العمل الإسلامي” نتائج الانتخابات، يوم الأربعاء، بأنها انتصار للبلد بشكل عام. وقال المتحدث باسم جماعة “الإخوان المسلمين” معاذ الخوالدة، في منشور على فيسبوك، إن التصويت أكد موقف الحزب من المقاومة الفلسطينية.

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات 32%، وهي نسبة أعلى من الانتخابات السابقة، ولكنها علامة واضحة عن خيبة أمل الناخبين، وبرغم  الدفعة نحو الديمقراطية من الحكومة.

وكانت المشاركة عالية في المناطق الريفية التي يقوم فيها رؤساء العشائر الموالون تقليدياً للحكومة بدفع التصويت، ولكن التصويت كان ضعيفاً في المناطق الحضرية مثل عمان.

وتعكس المشاركة الضعيفة حقيقة أن البرلمان لا دور له في تشكيل السياسة الخارجية، والتي هي من صلاحيات الملك بناء على الدستور.

ويقول الخبراء إن هذا ربما أضعف قدرة “الإخوان” لتحويل الحرب إلى قضية مركزية.

ويقول عامر السبايلة، الخبير في الأمن الإقليمي، والمحاضر الجامعي، إن الكثيرين في الأردن ينظرون للبرلمان على أنه غير قادر على معالجة مظاهر قلقهم، و”هو فشل على مستوى التصويت، ولم يشتر أحد قصة التغيير”.

صحيفة نيويورك تايمز

ترجمة ابراهيم درويش




إيكونوميست: الأسد يخرج تدريجيا من عزلته.. يحكم بلدا متشرذما يحلم بتوحيده وتعزيز مكانته الإقليمية

تساءلت مجلة “إيكونوميست” إن كان رئيس النظام السوري بشار الأسد، الذي يقود دولة تتاجر بالمخدرات على شفا الخروج من عزلته.

وقالت إن الأسد لم يعد منبوذا كما كان من قبل، لكنه لا يسيطر على بلده ووحدة أراضيه كما كان الأمر قبل عام 2011.

وأضافت المجلة، أن إعادة افتتاح معبر أبو الزندين في شهر آب/ أغسطس ظهرت في البداية أنها محاولة تمثل مرحلة جديدة في إعادة وصل مناطق المعارضة المسلحة بمناطق النظام. فعلى تلة خارج بلدة الباب في شمال مدينة حلب، قام المتمردون السوريون الذي تحميهم تركيا، وقوات النظام المحمية من روسيا وإيران، بإزالة  الأسلاك الشائكة. وهي فرصة كان ينتظرها النازحون السوريون في الشمال لزيارة عائلاتهم، ورحبوا بالتخلص من رسوم المهربين الباهظة، مع أن الحكومات الغربية تساءلت إن كان النازحون سيغامرون بالعودة إلى بيوتهم.

الأسد لم يعد منبوذا كما كان من قبل، لكنه لا يسيطر على بلده ووحدة أراضيه كما كان الأمر قبل عام 2011

وبعد يوم من افتتاحه، كان الرصاص يتطاير ثم أُغلق المعبر مرة أخرى.

وفي الوقت الذي تركزت فيه عيون العالم على الحرب في غزة، تمضي سوريا في حربها التي قُتل فيها أكثر من 400,000 شخص، وشردت نصف السكان في عامها الـ14. ويبدو البلد المحطم مثل لبنان، جاره الذي يعيش فوضى.

فقد أصبحت سوريا مقسمة بناء على الخطوط الدينية والعرقية. ويقوم أمراء الحرب الذين تدعمهم قوى أجنبية بالدفاع عن مناطقهم ويمولون ميليشيات مثل قطاع الطرق، ويفرضون رسوما عى المرور من خلال خطوط النزاع. وتدافعت القوى الخارجية لتبني قادة محليين وعبثت بالخطوط الدينية والعرقية.

وفي اقتصاد متوسط الدخل، وكان من أكثر الاقتصادات نموا، بات ربع السكان يعيشون على أقل من 2.15 دولار في اليوم. وكان هناك عدد قليل من السكان يعيشون على مثل هذا الدخل قبل بداية الحرب الأهلية عام 2011.

وبات الشمال السوري الذي يعيش فيه نصف سكان سوريا الحاليين -16 مليون نسمة- خارج سيطرة الحكومة في دمشق، ويحكمه مقاتلون سنّة في الشمال الغربي. أما شمال شرق سوريا، فتحكمه جماعات كردية تدعمها أمريكا، وتقف بينهما تركيا والحكومة السورية المؤقتة الوكيلة عنها.

وفقد النظام السوري السيطرة على الأجواء والحدود. وتتصرف روسيا وإيران ووكيلها حزب الله وكأن البلد ملكهم. وتهيمن المليشيات الشيعية من العراق ولبنان على المناطق الحدودية. واستخدم حزب الله سوريا كقاعدة لإطلاق صواريخ ضد إسرائيل. وفي جنوب شرق البلاد، يعيش الدروز، الذي التزموا سابقا بدعم عائلة الأسد، ولكنهم يحتجون منذ أكثر من عام ضد  بشار الأسد، وطالبوا بانتخابات حرة وخروجه من السلطة.

فقد النظام السوري السيطرة على الأجواء والحدود. وتتصرف روسيا وإيران ووكيلها حزب الله وكأن البلد ملكهم. وتهيمن المليشيات الشيعية من العراق ولبنان على المناطق الحدودية

وفي الشمال، ساعدت الموارد من أموال النفط المهرب والقمح، الأكرادَ على ترسيخ كيانهم، وكذا أعدائهم الجهاديين في إدلب. وقال مسؤول في الأمم المتحدة: “لم يعد سيد الموقف”، في إشارة إلى بشار الأسد العالق في العاصمة، مع أنه لا يزال يؤمن بقدرته على توحيد سوريا وتعزيز موقعها كقوة إقليمية.

والأسد يتحدث عن “لا مركزية إدارية” لتوحيد البلد. وهناك خطة لإلغاء نظام الخدمة العسكرية الإلزامية البغيض. ويجادل الأسد، بدون تقديم أسباب، أنه لو ظل في السلطة، فمخاوف أعدائه الأجانب من إيران وموجة جديدة من المهاجرين ستتبدد، وربما تخلوا عن مطالبهم بالانتقال السياسي وفتحوا العلاقات الدبلوماسية معه.

وفي العام الماضي، أعادت جامعة الدول العربية مقعد سوريا، وبدأت بإرسال المساعدات. وفي تموز/ يوليو، اقترحت ثماني دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، التعاملَ الدبلوماسي مع الأسد. ويريد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إعادة العلاقات وإنعاش الاقتصاد السوري كوسيلة لإقناع اللاجئين السوريين بالعودة إلى بلادهم.

إلا أن جيش النظام السوري منهك ولا يستطيع استعادة الشمال. وبدون دعم  مالي خارجي، فربما يخسر الأسد الأراضي الواقعة تحت سيطرته. ولكنّ هناك عددا قليلا من الدول التي ستغامر وتتحدى العقوبات الأمريكية وتستثمر بعروضه المتزايدة لبيع أصول الدولة، مثل مطار دمشق، علاوة على تمويل إعادة إعمار سوريا التي قدر البنك الدولي كلفتها بحوالي 200 مليار دولار.

وإذا حكمنا من خلال الأنوار الليلية، فإن البنك الدولي يقدر انكماش اقتصاد سوريا بأكثر من 80% منذ عام 2010. كما خسرت الليرة السورية 99% من قيمتها منذ بداية الحرب، وهو انهيار يشبه انهيار الليرة اللبنانية.

وفي الشمال، تخلى السوريون عن العملة المحلية واستبدلوها بالليرة التركية. وفي العام الماضي، خفّض الأسد معظم الدعم، مما أدى إلى إعاقة المزيد من الخدمات الأساسية. وتقول معلمة لم يعد راتبها يغطي تكلفة ركوب الحافلة إلى المدرسة: “أنا سعيدة بالتطوع ولكن ليس بالدفع للتطوع”.

في وقت تنهار فيه الدولة، يسيطر الأسد على المهربين، ولديه شبه احتكار على الإنتاج العالمي لمخدّر الكبتاغون

وفي وقت تنهار فيه الدولة، يسيطر الأسد على المهربين، ولديه شبه احتكار على الإنتاج العالمي لمخدّر الكبتاغون. وتقول تقارير البنك الدولي، إن قيمة صادرات المخدرات هي ضعف قيمة الصادرات المشروعة مجتمعة في سوريا. ولكن العائدات تعود إلى الأسد، في حين تضيق قاعدته أيضا. ففي التعديل الحكومي الأخير، كان كل المعينين تقريبا من العلويين، وهم الأقلية التي ينتمي إليها.

ويعتقد آخرون أنهم قادرون على إنقاذ سوريا، ففي قصر مسوّر بمنطقة الري قرب الحدود التركية، يرى وزراء في الحكومة المؤقتة أنفسهم بأنهم مستقبل سوريا الموحدة لمرحلة ما بعد الأسد.

ففي مناطقهم التي تمتد على مساحة 40 ألف كيلومتر مربع جنوب تركيا وباتجاه حلب، ثاني أكبر مدن سوريا، يتحدث الناس بحرية. وتظهر اللافتات المعادية للحكومة في كل مكان، ويحصل رجل الشرطة على 100 دولار في الشهر، أي خمسة أضعاف راتب عنصر الشرطة بمناطق النظام، وتتوفر الكهرباء على مدار الساعة، وتم إنشاء منطقة صناعية توفر للمستثمرين عمالة رخيصة ومنفذا للأسواق العالمية الحرة عبر تركيا.

ولكن أنقرة تحتفظ بآلاف الجنود في شمال سوريا، وتريد أن تظل الحكومة السورية المؤقتة جماعة وكيلة لها وليس حكومة المستقبل.

ويقول أحد المسؤولين، إن 15% فقط من عائدات الجمارك التي تجمعها تركيا عند المعابر الحدودية الدولية تذهب إلى الحكومة المؤقتة، فيما يذهب معظمها إلى المجالس المحلية والمليشيات التي تشكل الجيش السوري الحر الذي يبلغ قوامه 45 ألف جندي.

ويعترف قائد إحدى المليشيات السورية المدعومة من تركيا: “كل شيء في أيدي الأتراك، لا تريد تركيا أن نتّحد في حالة رفضنا لها، ولهذا السبب يمولون العديد من المليشيات”.

والعديد من الممثلين المحليين، بمن فيهم رئيس وزراء الحكومة المؤقتة، هم من التركمان. وحتى المآذن في العديد من المساجد التي تم ترميمها بطريقة تحاكي التصميم التركي، برماح معدنية رفيعة مثل الكماشة بدلا من المثمنات الحجرية التقليدية في سوريا. ويقول مسؤول أممي آخر، إن شمال سوريا الذي تسيطر عليه تركيا يشبه الجزء الشمالي من جزيرة قبرص الذي تسيطر عليه تركيا منذ خمسين عاماً: “إنها شمال قبرص قيد الإنشاء”.

وتقول المجلة، إن سوريا وعلى مدى 2000 عام ظلت متشرذمة أكثر من كونها متحدة، وهو ما يصدق عليها اليوم.

مجلة إيكونوميست

ترجمة ابراهيم درويش




لماذا الانتخابات الأردنية سابقة مهمة عربيا؟

تابعت الانتخابات النيابية الأردنية، التي جرت قبل أيام، بعثة أوروبية من 120 مراقبا من الدول الأعضاء في الاتحاد، وكذلك من كندا والنرويج وسويسرا، وضمت أيضا وفدا من سبعة أعضاء في البرلمان الأوروبي و32 دبلوماسيا معتمدا في عمّان.
خلصت رئيسة البعثة المذكورة لمراقبة الانتخابات، في مؤتمر صحافي أمس الخميس، إلى أن الأردن نجح في إجراء الانتخابات النيابية «رغم الأحداث الإقليمية المضطربة وأبرزها الحرب في غزة» وأنها «أظهرت نزاهة في تطبيقها» و«جعلت المجلس النيابي أكثر شمولية».
حظيت الانتخابات بمتابعات تحليلية على الصعيد المحلي، كما نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية تحليلا سياسيا لنتائجها، فيما لقيت هذه النتائج تجاهلا عربيا وهو، على الأغلب، لكون هذه الانتخابات تبدو خطوة بالاتجاه المعاكس للسياق السياسي العربي العام الذي انهمك، بعد الانقضاض على نتائج الثورات العربية عام 2011، باستئصال أشكال التنوّع السياسي، ثم بمطاردة أي حيّز ديمقراطيّ او ميدانيّ أو حقوقي أيّا كان حجمه.
وصفت بعض الآراء الصحافية الأردنية ما حصل بالانقلاب، ورأت بعض التحليلات أن الأردن خرج من مرحلة «هندسة الانتخابات» والإمساك أمنيا بكافة المؤسسات، واعتبر البعض أن الانتخابات قدّمت مفاجآت كبيرة أهمّها حصول «جبهة العمل الإسلامي» على عدد مقاعد كبير، بعد إشاعة أن الدولة تريد إبعادها، وحصول أحزاب أخرى، كانت تشيع أنها «مدعومة» من الدولة أيضا على نتائج هزيلة، ورأى البعض أن النزاهة التي حظيت بها الانتخابات، حسب ما أقرت بعثة الاتحاد الأوروبي، والمصداقية التي حازتها السلطات الأردنية بسبب ذلك كانت إحدى تلك المفاجآت.
تركّز تحليل «نيويورك تايمز» على قضية أن تحقيق الجناح السياسي لجماعة «الإخوان المسلمين» لنتائج جيدة في البرلمان الأردني لا يهدد موقف الحكومات الأردنية المؤيد للغرب، وبما أن تلك النتائج ارتبطت بموقف الجبهة القويّ المناهض لإسرائيل في حربها على غزة، فقد حاول التقرير طمأنة الحكومات الغربية بالقول إن الحكومة الأردنية ستحتفظ بالغالبية لأن الأحزاب الموالية لها حصلت على مقاعد كافية، وبالتالي فإن هذه النتائج، كما أشار كاتبا التقرير، لن تؤثر على سمعة المملكة باعتبارها «من الدول المستقرة».
ربط الصحيفة الأمريكية لصعود الإسلاميين في البرلمان بقضية غزة صحيح من حيث المبدأ لكونهم كانوا التيّار الأجرأ في مناهضة حرب إسرائيل على القطاع وتحريك الشارع ضدها، لكنّ هذا الربط الميكانيكي يحمل، بداية، مفارقة منطقية لأنه يجعل الأحزاب السياسية الأخرى، والشعب الأردني عموما، غير مهتمّ بما يحصل في غزة، وهذا غير صحيح، لأن حكومة إسرائيل، أشرعت أبواب التهديد بالاستيطان والتهجير على الضفة الغربية والقدس والأقصى، وهو تهديد موجّه ضد الأردن ككيان، والأردنيين كشعب.
يصبّ التحليل الغربي الذي ينظر بشكل سلبي إلى التجارب الديمقراطية العربية بسبب احتمالات صعود الإسلاميين، في صالح أنظمة الاستبداد العربية، كما أنه بوضعه مواجهة إلزامية بين وجود للإسلاميين في الحياة السياسية العربية والغرب، يُضمر موقفا إسرائيليا مماثلا، فيظهّر «ديمقراطية» إسرائيل ويخفي همجيتها وتوحشها وخطرها الذي يتجاوز الفلسطينيين إلى المنطقة بأكملها.
صعود الإسلاميين، أو هبوطهم، في التجارب الديمقراطية العربية القليلة، متعلّق، كما في كل مكان تمارس فيه الديمقراطية، بالنتائج التي يقدّمونها في البرلمان أو الحكومة، أما إنكار حقّهم في الوجود، والتدخلات البشعة التي قدّمها الغرب لدعم صعود أنظمة الانقلابات العسكرية ـ الأمنية حين يتعلّق الأمر بالإسلاميين، وقبلها بالشيوعيين، أو حتى بالمسؤولين الوطنيين الذين يواجهون المصالح الغربية (كما حصل في الانقلاب الأمريكي ـ البريطاني ضد مصدّق في إيران) هي في جذر الكارثة الكبرى التي يعيشها العالم العربي اليوم، وفي تفاقم شرّ إسرائيل وتغوّلها على العالم بأكمله.

صحيفة القدس العربي




الرئاسيات تفجر خلافا في أكبر حزب إسلامي بالجزائر.. ورئيسه السابق يتهم قيادته بـ”إبعاده لعدم إزعاج الرئيس تبون”

طفا إلى السطح خلاف عميق في حركة مجتمع السلم الجزائرية، بين رئيسها السابق عبد الرزاق مقري والقيادة الحالية، في أعقاب النتائج المخيبة التي حققتها الحركة بمرشحها عبد العالي حساني شريف، في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

 وبعد صمت طويل وتساؤلات كثيرة حول سرّ غيابه عن الحملة الانتخابية، ظهر مقري في مقال مطول يشرح ملابسات ما حدث، بتفاصيل مثيرة تتهم الحركة التي رسّخ وجودها في المعارضة منذ سنة 2013 قبل أن يغادر قيادتها عام 2023، بالاستعداد للعودة للحكومة، تحت مبررات سياسية واهية.

ونشر رئيس حمس السابق (اختصار حركة مجتمع السلم)، ضمن مقاله رسالة كان قد وجهها لرئيس مجلس شورى الحركة في أواخر أيام الحملة الانتخابية، بعدما قال إنه الظلم الذي تعرض له من بعض من اتهموه بالتدليس والافتراء، على تخلفه في دعم مرشح الحركة في الرئاسيات.

وذكر مقري أن الجميع في الحركة، حتى من يختلفون معه، يعرفون الجهود الكبيرة التي بذلها خلال قيادته للحركة، مشيراً إلى أنه عمل على إخراجها من الأزمات وتعزيز استقرارها، وتحقيق نجاحات انتخابية وتنظيمية. وأكد أنه كان يرغب في مواصلة التعاون مع القيادة الحالية، إلا أن ذلك لم يتحقق لأسباب لا تتعلق به شخصياً.

وأوضح أنه كان بعيداً عن المشاركة في الحملة الانتخابية بسبب عدم استشارته أو تكليفه بأي دور فيها من قبل قيادة الحركة أو مدير الحملة. وقال: “لم يتم وضعي في برنامج الحملة، ولم يتم الاتصال بي من قبل رئيس الحركة أو أي من أعضاء مكتبه، في حين تم استشارة جميع قيادات الحركة السابقين”.

وأضاف أن استبعاده من الحملة الانتخابية ربما يعود إلى “خشية رئيس الحركة ومن حوله من أن وجوده قد يهدد توجهاتهم الجديدة”. كما أشار إلى أن معلومات وصلته من داخل الحركة “تؤكد أن المرشح ومدير حملته كانوا يخشون رد فعل سلبي من الرئيس تبون إذا تدخل مقري في الحملة، نظراً لمعارضته الواضحة لتوجهات الرئيس”. وتابع قائلاً: “لو شاركت في الحملة الانتخابية، لاعتبر ذلك تطفلاً وتشويشاً على علاقة قيادة الحركة بالسلطة الحاكمة”.

وذهب مقري في بيانه إلى التأكيد بأن قيادة حركة مجتمع السلم الحالية تريد العودة إلى النهج السابق لما قبل 2013، حين كانت تشارك في الحكومة. وأوضح أن هذا التوجه الجديد يظهر من خلال التقارب الحاصل بين قيادة الحركة الحالية والسلطة الحاكمة، مشيراً إلى ما قاله أبو جرة سلطاني (عرّاب توجه المشاركة) في مجلس الشورى الأخير: “لقد عدتم بعد عشر سنوات إلى نهجي”.

وأضاف أن هذا التوجه يعكس عودة الحركة إلى المسار القديم، وأن الحديث عن شراكة سياسية جديدة ليس إلا “ذر للرماد في العيون”، حيث إن شروط هذه الشراكة الحقيقية غير متوفرة. وأكد في تعقيبه على ذلك، أن الحديث عن شراكة سياسية جديدة ما هو إلا “ذر للرماد في العيون”، لأن ميزان القوة الذي يتطلبه تحقيق هذه الشراكة غير موجود.

وبناء على ذلك، أشار إلى أن الخلاف العميق بينه وبين رئيس الحركة يتعلق بالتوجه السياسي، موضحاً أن الرئيس الحالي للحركة انقلب على رؤية كان شريكاً فيها. وأكد أنه لا عيب في وجود اختلافات سياسية، مشيراً إلى أن حرية الرأي مكفولة داخل الحركة، وأنه على الرغم من كل ما حدث، فهو عضو في الحركة ولم يتوقف عن أداء واجباته تجاهها.

وذكر أنه لم يعد لديه أي عمل داخل الحركة في هذه المرحلة، ليس بإرادته بل بإرادة الآخرين، مؤكداً أنه انشغل بأعمال أخرى خارج الجزائر لخدمة الأمة والقضية الفلسطينية. وأضاف: “لا يعقل أن أترك عملاً مفيداً من أجل انتخابات أُبعدت عنها، خاصة وأنه لم يُطلب مني المشاركة فيها ولو رمزياً”.

أما بخصوص الاتهامات التي تروج بأنه غاضب لعدم ترشحه في الانتخابات، نفى مقري ذلك جملة وتفصيلاً، موضحاً أنه رغم رغبته المعلنة في الترشح بناءً على رؤية سياسية وبرنامج مختلف، فإنه لم يطلب الترشح ولم يسعَ إلى ذلك، حيث علم مبكراً أن ترشحه غير ممكن لأسباب تتعلق بالنظام السياسي، مشيراً إلى تشابه ما حدث له مع ما تعرض له الشيخ محفوظ نحناح مؤسس الحركة عام 1999.

وكان مقري قد كشف في حوار شهير له مع “القدس العربي” في أيار/مايو الماضي، عن رغبته في الترشح للانتخابات الرئاسية، مؤكدا أن له “القدرة الرغبة” لرئاسة الجزائر. وانطلقت منذ الحين، خلافات كبيرة داخل الحركة التي أعابت قيادتها عليه التصريح بذلك، وبدأت معركة داخلية انتهت بترشيح رئيس الحركة عبد العالي حساني شريف بأغلبية أعضاء مجلس شورى حمس.

وفي ظل الانتقادات اللاذعة التي تتعرض لها قيادة حمس بعد نتيجة 3 بالمائة من الأصوات التي حصل عليها مرشح الحركة، انبرت شخصيات قيادية في الدفاع عن حساني شريف، معتبرة أن هذه النتائج التي اعترف المرشحون الثلاثة في بيانهم أنها غير دقيقة ومتلاعب فيها، لا يجوز أن تكون معيارا للحكم عليه.

وفي تدوينة له، دافع نائب رئيس حركة مجتمع السلم، ناصر حمدادوش، عن رئيس الحركة ومرشحها في الانتخابات الرئاسية عبد العالي حساني شريف، مشيرًا إلى أن الأخير أظهر قدرات استثنائية في قيادة الحركة وتنظيم حملتها الانتخابية بنجاح.

وأبرز الكاتب أن حساني شريف يتمتع بشخصية قيادية متميزة، تحملت عبء تنظيم أكبر حزب سياسي في الجزائر، وأكد أنه أثبت قدرة عالية على الصبر والتحمل، والتفاعل مع مختلف الأفراد والهياكل الحزبية. وأوضح أن هذه السمات ظهرت جليةً منذ توليه مسؤولياته التنظيمية داخل الحركة، حيث كان يُعد العقل المدبر للتوازنات الداخلية فيها.

وفي سياق الإشادة به، اعتبر حمدادوش أن حساني شريف قاد حملة انتخابية مبهرة، حيث نجح في جمع أكثر من 100 ألف توقيع صحيح رغم التعقيدات الإدارية والتقنية التي رافقت هذه العملية. ورغم الانتقادات اللاذعة التي تعرض لها، خصوصًا من حيث افتقاره للكاريزما والخبرة القيادية، أشار حمدادوش إلى أن حساني شريف تمكن من تفنيد تلك المزاعم عبر خطاباته القوية، وخاصة في الحفل الختامي لمؤتمر الحركة، حيث أثبت أنه يمتلك قدرةً استثنائية على التواصل والإقناع.

وأضاف أن الحملة الانتخابية لحساني شريف تميزت بالواقعية والتوازن، واستندت إلى برنامج انتخابي متكامل تجاوز الحدود الأيديولوجية والحزبية، ما جعله مرشحًا جادًا لرئاسة الجزائر. كما أشار إلى أن حساني شريف اختار بشكل واعٍ عدم التجريح في الأشخاص والهيئات، وركّز نقده على السياسات العامة والإخفاقات التنموية، ما أضفى على حملته بُعدًا سياسيًا وطنيًا.

وفي السياق ذاته، كشف حمدادوش أن حساني شريف قاد حملة انتخابية ماراثونية، شملت زيارات إلى 40 ولاية في غضون 20 يومًا، تضمنت تجمعات جماهيرية ولقاءات مع النخب والأعيان، وعملاً جواريًا مباشرًا مع المواطنين. وأشاد بالديناميكية التي أحدثها حساني شريف داخل الحركة، حيث نجح في استعادة ثقة أبناء الحركة من مختلف الأجيال القيادية، وإعادة العديد من القيادات التاريخية إلى صفوف الحزب.

وفي اعتقاد حمدادوش، فإن الهجمات التي تعرض لها حساني شريف خلال الحملة الانتخابية كانت مدفوعة بمصالح سياسية ضيقة وحسد شخصي من بعض الخصوم السياسيين. وأكد أن هذه الهجمات لم تثنِ الرجل عن مواصلة عمله السياسي، بل أظهرت قدرته على مواجهة التحديات والصمود أمام محاولات التشويه والتشويش.

ويرى نائب رئيس حمس أن الجزائر كسبت من هذه الانتخابات قيادة سياسية جديدة متمثلة في عبد العالي حساني شريف، معتبرًا أنه يجمع بين خصائص القيادات الوطنية التاريخية مثل عبد الحميد مهري والشيخ محفوظ نحناح. وأوضح أن الانتخابات، رغم نتائجها، أكدت أن الرجل شخصية سياسية واعدة يمكنها أن تلعب دورًا محوريًا في مستقبل الجزائر.

وينتظر أن تشهد مجالس حركة مجتمع السلم التي تعد أكبر حزب إسلامي في الجزائر وتحوز على أكثر من ستين نائبا في البرلمان، نقاشات ساخنة في تقييم الرئاسيات، مع توقعات بعودة الصراع بين تيار المشاركة في الحكومة والرافضين لذلك إلا على قاعدة الفوز بالانتخابات التشريعية وتحصيل الأغلبية.

صحيفة القدس العربي




التيارات الإسلامية في الأزمة الليبية.. الدور والمستقبل

تتناول هذه الورقة دور التيارات الإسلامية المختلفة في المشهد السياسي الليبي الراهن، وتطلعاتها المستقبلية، فضلا عن التحولات التي شهدتها، والمسار الذي اتخذته. وكذلك تحاول فهم البيئة الحاضنة والسياقات المحلية والإقليمية فضْلًا عن التفاعلات التي حَكمتها، ولا سيما تلك التي سيكون لها تأثيرها في مستقبل هذه التيارات.


مقدمة

تعددت الاتجاهات السياسية في المشهد السياسي الليبي برؤى سياسية محضة، وأخرى فكرية وأيديولوجية، لتشكل فرقا وتيارات متعددة تؤدي دورا مهما في الشأن الليبي، منها: التيارات الإسلامية المختلفة، التي كانت ولا تزال تؤدي دورا فعّالا في المشهد السياسي الليبي، يزداد تفاعلا وانخراطا في المشهد السياسي، تبعا للحالة السياسية التي تمر بها البلاد بين الفينة والأخرى، اشتراكا وتشابكا مع الأحزاب والتيارات السياسية الأخرى، سواء تلك التي تتفق معهم في أي من التوجهات السياسية والأيديولوجية أو التي تختلف معهم في أي منها.

مؤخرا وبعدما يقارب ثلاثة عشر عاما تداخلت عوامل كثيرة -محلية وإقليمية ودولية- في ترتيب التيارات الإسلامية في الصفوف السياسية الداخلية في كل الأزمات التي تقع في البلاد، سواء من ناحية تبني الأدوار الوظيفية السياسية، أو تلك التي تتعلق بالمجال الديني المحض. وهذه الأخيرة عادة ما تخدم غايات سياسية وإن بطريقة غير مباشرة أو تعد لدور سياسي في المستقبل بطريقة أو أخرى.

من هذا المنطلق تحاول هذه الورقة الوقوف على دور التيارات الإسلامية المختلفة في المشهد السياسي الراهن، وتطلعاتها المستقبلية، والتحولات التي شهدتها، والمسار الذي اتخذته، وكذلك فهم البيئة الحاضنة والسياقات المحلية والإقليمية فضْلًا عن التفاعلات التي حَكمتها، وسيكون لها تأثيرها في مستقبل هذه التيارات.

كما ستركز الدراسة على الإسلاميين من منظور مجمل وشامل بما يوضح مكان ومكانة الإسلاميين من المشهد السياسي الليبي، ومن ثَمَّ تتحول الدراسة تدريجيا إلى التقسيمات الداخلية التي يمكن بها فهم واستيعاب التيارات المختلفة في البلاد، التي تنحصر في ثلاثة تيارات فاعلة في الساحة الليبية، هي: تيار الإخوان المسلمين، والتيار السلفي، والشخصيات الإسلامية المستقلة.

والجدير بالذكر أن المقصود بالتيارات الإسلامية في ليبيا في هذه الورقة: كُلُّ فصيل إسلامي يؤدي دورا سياسيا بطريقة أو أخرى في الشأن العام، بالإيجاب أو السلب، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، سواء بالموافقة والسير في سلطات الحكومات الوظيفية المختلفة، أو تلك التي تتبنى نهج المعارضة والسعي إلى الوصول إلى السلطة بآلياتها المختلفة والمتداخلة في الحالة الليبية.

الإسلاميون والأزمة الليبية

يعتبر الإسلاميون أحد أهم الفاعلين في المشهد الليبي الراهن، ولا يشكلون فريقا واحدا، بل هم أطراف متعددة، وتعتبر الخلافات بين بعضهم إحدى معضلات الأزمة الليبية. وقد تشكلت القوى الإسلامية الراهنة سياسيا في سياق ثلاث محطات أساسية شهدتها ليبيا.

ثورة فبراير والحركة المضادة: في خضم الأحداث التي كانت في الثورة الليبية منذ انطلاقها في 17 فبراير/شباط 2011، كان للتيارات الإسلامية المختلفة دور بارز فيها، سواء كانوا مقاتلين عسكريين شاركوا في الثورة عسكريا، أو من قبيل المشاركة السياسية المتباينة في الشأن الليبي منذ الثورة إلى الوقت الحالي، على اختلاف وتضارب مواقفهم. فقد كانت لهم أدوار مهمة في العمليتين الثورية والانتخابية، وكذلك الأزمتين السياسية والأمنية، وساهموا مساهمة فاعلة في إسقاط النظام السابق. كما شاركت عدّة جماعات وفصائل وشخصيات إسلامية في العملية الانتخابية أيضا(1)، ليكون لها دور بارز في العملية السياسية الآنية، وحتى المستقبلية في البلاد، وأصبحت جزءا رئيسيا منها، وبذلك فلا يمكن فهمُ المشهد السياسي الليبي واستشرافُ مستقبله دون فهم طبيعة عمل هذه التيارات ودورها في صنع القرار السياسي في البلاد بطريقة أو بأخرى. فقد هيمنت على المشهد السياسي الليبي في العقد الأخير، كثير من التقلبات والأزمات، وتجاذبت أطراف هذه “القوى الثورية” المصالح وتقاطعاتها الخارجية والداخلية، في واقع سياسي متقلب يكاد لا يهدأ. وفي المقابل هناك تيار مضاد لهذا التوجه، سعى للعودة بالبلاد إلى “حكم العسكر”، ودخل في مواجهات عسكرية مع القوى الأخرى، وحظي بدعم أطراف داخلية وقوى خارجية.

ولهذا يمكن توصيف المشهد السياسي الليبي الحالي بأنه ينحصر بين طيفين أساسين في الغالب: طيف “الثورة”، وعادة ما يمثله جُلُّ الإسلاميين الموجودين في المشهد الحالي من شخصيات مستقلة وأحزاب سياسية، مثل جماعة الإخوان المسلمين، وحزب العدالة والبناء، وتيار يا بلدي، وغيرها من الأحزاب والقوى الأخرى المشابهة، وغالبها في الغرب الليبي. أما الطيف الآخر، فهو طيف “الثورة المضادة”، و”عملية الكرامة”، إضافة إلى أحزاب توصف بأنها “علمانية”، وكذلك جلّ “التيار السلفي” خاصة في شرق البلاد.

هذا التباين في ليبيا حدث بفعل المواجهة في الإقليم، بين مسار الربيع العربي والثورات العربية من جهة، والدول المضادة والمناوئة للثورة، الأمر الذي شكّل معه هذا المشهد السياسي الداخلي في ليبيا، وتشكلت منه المحطات التي ولدت في سياقها قوى المشهد السياسي الحالي.  

عملية الكرامة وفجر ليبيا(2): انطلقت عملية الكرامة في 16 مايو/أيار 2014 بمدينة بنغازي في شرق ليبيا(3)، بهدف الوصول إلى السلطة في طرابلس؛ مما تسببت في زيادة حدة الصراع الدموي والانقسام السياسي في البلاد. حيث هاجمت قواتها مقار متعددة للثوار والكتائب الإسلامية في بنغازي، قبل أن تصل إلى حدود العاصمة طرابلس، ومن ثم توسع الصراع ليشمل العديد من مناطق البلاد.

تصدت “كتائب الثوار”، وقطاعات من الجيش الليبي، في طرابلس وبنغازي لعملية “الكرامة” وأطلقت على عملياتها التي بدأت في 13 يوليو/تموز 2014، اسم “فجر ليبيا”. وجاء ذلك بعد شهرين من بدء عملية الكرامة ضد الثوار في بنغازي. اعتبرت هذه القوى عملية الكرامة حركة مضادة للثورة، لإلغاء مكتسبات ثورة 17 فبراير، وأنها تمرد على الشرعية وعلى “المؤتمر الوطني العام” الذي جاء عقب إجراء أول انتخابات تشريعية في تاريخ ليبيا. وقد حظيت عمليات “فجر ليبيا” بتأييد قطاعات واسعة من أنصار الثورة والأحزاب والتيارات الإسلامية المختلفة.

اتفاق الصخيرات: اتفاق الصخيرات(4) أو الاتفاق السياسي الليبي هو اتفاق شمل أطراف الصراع في ليبيا، وتم توقيعه تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات في المغرب بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، بإشراف المبعوث الأممي مارتن كوبلر لإنهاء الصراع في البلاد المندلع منذ 2014. وقد بدأ العمل به لدى معظم القوى الموافقة عليه في 6 إبريل/نيسان 2016.

جاء هذا الاتفاق بعد صدور حكم المحكمة العليا ضد لجنة فبراير(5)، وبالتالي إبطال كل ما نتج عنها، أي إبطال الانتخابات البرلمانية التي جرت في 2014، وأوجدت البرلمان الحالي، فدخلت البلاد حينها في أزمة شرعية برلمانية، أي شرعية بين المؤتمر الوطني العام والبرلمان الحالي.

 بموجب اتفاق الصخيرات، جرى تقاسم السلطة بين البرلمان والمجلس الأعلى للدولة(6)، الجسم الاستشاري المنبثق من المؤتمر الوطني العام. والجدير بالذكر أن أعضاء المؤتمر الوطني العام، انقسموا حول هذا الاتفاق بين مؤيد ومعارض، إذ اعتبره المعارضون تدخلا دوليا وإقليما في البلاد، وتجاوزا لحكم المحكمة العليا التي تبطل انتخابات 2014 البرلمانية، بينما اعتبره آخرون حلا للمشكل السياسي الحاصل في البلاد، وتماشيا مع الإرادة الدولية.

الإسلاميون في المشهد السياسي

يعتبر وجود الإسلاميين في المشهد السياسي الليبي إذا استُثني منهم “التيار السلفي” في كل المراحل التي مرت بها البلاد، يمثل التغيير ويقاوم عسكرة الدولة، فقد كان جُلُّ هذا التيار مع عملية “فجر ليبيا”، وكذلك ضد عملية “الكرامة” ومقاوما لها، خاصة في سنة 2019 عند الهجوم على العاصمة طرابلس. لكن وجوده في الاتفاقات السياسية وخاصة التي ترعاها البعثة الأممية في البلاد يعتريه شيء من الارتباك وعدم الاتفاق، كما هو الحال في “اتفاق الصخيرات” سنة 2015، حيث انقسم الإسلاميون بين مؤيد ومعارض لهذا الاتفاق، وإن ساروا في ركابه جميعا عندما صار أمرا واقعا.

في المقابل لا يمكن اعتبار التيارات الإسلامية وحدة واحدة، فالاختلاف بينهم واضح وجلي، في الرؤى والتصورات، وكذلك الاستراتيجيات والتكتيكات والتنظيمات والجماعات، حتى أصبحت التعددية لديهم حقيقة واقعية، بل تجاوزت هذه التعددية التنظيمات المختلفة لتطول التنظيم الواحد نفسه(7)، سواء تلك التنظيمات التي كان لها دور سابق في العمل السياسي الليبي ولم يعد لها وجود حقيقي الآن، مثل الجماعة الليبية المقاتلة، والسلفية العلمية، وحزب التحرير الإسلامي، وجماعة التبليغ والدعوة، وغيرها، أو تلك التنظيمات “المتطرفة” التي انتهى وجودها في البلاد بالقوة، أمثال: أنصار الشريعة، والقاعدة، وصولا إلى تنظيم الدولة، لعدّة اعتبارات، لعلّ أبرزها عملية “البنيان المرصوص”.

قادت حكومة الوحدة الوطنية عملية “البنيان المرصوص” ضد تنظيم الدولة، خاصة في مدينة سرت التي شكل فيها قاعدة له في وقت سابق. هذا التنظيم أوجدته أصلا تطورات المرحلة التي مرت بها البلاد وغياب الدولة، وليس له جذور في المجتمع الليبي، ولكن وجود هذا التنظيم وأمثاله، أتاح فرصا لقوى أخرى كي تفرض واقعا سياسيا جديدا، كما هو الحال مع “عملية الكرامة”. فهذه الأخيرة عزت سبب وجودها إلى محاربة تنظيم الدولة وأنصار الشريعة، لكن أهدافها كانت أبعد من ذلك(8)، ولم تكن تلك المحاربة من الأولويات؛ بل كان فرض واقع سياسي جديد هو المحرك والدافع الأول لهذه العملية، وتبين ذلك جليا بعد عملية “البنيان المرصوص” التي قادتها حكومة الوفاق الوطني وأسفرت عن القضاء على هذا التنظيم في مدينة سرت الليبية بدعم دولي، حيث حققت حكومة الوفاق الوطني آنذاك المدعومة من الأمم المتحدة انتصارا باهظ الثمن على هذا التنظيم(9)، في حين أن عملية الكرامة لم تحارب تنظيم الدولة في سرت رغم أنها كانت إحدى معاقلها.

أما على صعيد جذور التيارات الإسلامية، فقد كان لتنوعها دور كبير ومؤثر في نشأة المجتمع الليبي وتكويناته، وإن كان مصبوغا في العادة بالمذهب المالكي، والتصوف الإسلامي، نتيجة وحصيلة للامتداد التاريخي للحركة السنوسية(10) في البلاد وحُكمِها لها، غير أن هذا الامتداد لم يمنع من تَكَوُّن تيارات إسلامية أخرى، سياسية وعلمية وحتى جهادية عبر سنوات متتالية، أمثال: جماعة الإخوان المسلمين، والسلفية العلمية، والجماعة الليبية المقاتلة، وصولا إلى تيارات مسلحة عقب الثورة، أمثال: أنصار الشريعة، والقاعدة، وصولا إلى تنظيم الدولة، وليس انتهاء بالكتائب المؤدلجة في شرق البلاد وغربها.

وللإسلاميين راهنا وجود فاعل في بعض مؤسسات الدولة، كالأوقاف مثلا يمثله التيار السلفي. وأيضا لجماعة الإخوان المسلمين وبعض الشخصيات المستقلة وجود في المجلس الأعلى للدولة ويمثلون نسبة كبيرة فيه. ويمكن القول بشكل عام إن للإسلاميين وجودا فعّالا في المشهد السياسي الداخلي وحتى الخارجي، فكل الحوارات التي قادتها البعثة الأممية لحل الأزمات المختلفة في البلاد كان للتيارات الإسلامية وجود وتمثيل فيها سواء بشكل استقلالي فردي، وإن كان ذلك لا ينفك عن التيار المنتمين إليه بطريقة أو أخرى، أو بمشاركة التيارات نفسها ممثلة باسم الجماعة أو التيار بذاته.

  1. جماعة الإخوان المسلمين

تعتبر جماعة الإخوان المسلمين من أهم التيارات الإسلامية الفاعلة في المشهد السياسي الداخلي، وهي تسعى للدخول في السلطة بما يحقق أهدافها الداعية إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية ذات مرجعية إسلامية، تحكم بالشريعة الإسلامية، وتلتزم بالتداول السلمي على السلطة.

أدّت جماعة الإخوان المسلمين في الثورة الليبية دورا بارزا، عبر عمل جماعي منظم أو عن طريق أشخاص في الجماعة، ابتداء من تكوين “المجلس الوطني الانتقالي”(11) أول جسم يحكم البلاد بعد نجاح الثورة، مرورا بإنشاء “المؤتمر الوطني العام”(12) الذي كان أول جسم تشريعي يتم انتخابه من القاعدة الشعبية للمجتمع، وصولا إلى وجودهم في الاتفاق السياسي “اتفاق الصخيرات”(13)، والأجسام التي نشأت عنه، من “المجلس الأعلى للدولة”(14) وحكومة الوفاق الوطني والمجلس الرئاسي(15).

لكن قوة الجماعة في السلطة تراجعت لاحقا، ويعتبر وجودها في النظام السياسي راهنا وجودا غير فعّال بالدرجة التي كان عليها في السابق. فمثلا في غرب البلاد يرتكز ثقلها في المجلس الأعلى للدولة -الجسم الاستشاري- عبر أعضائها الذين يمثلون نسبة كبيرة فيه، أما الحكومة التنفيذية فليس لها تأثير حقيقي فيها. وقد مرت الجماعة بمنعطفات ومسارات متعددة في السنوات العشر الماضية، سواء على الصعيد الداخلي لها، أو الخارجي، ويمكن تلخيص أهمها في محطات ثلاث:

إنشاء حزب سياسي: عقدت الجماعة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2011، مؤتمرا جامعا في بنغازي لأعضائها، وكان أول لقاء جامع للإخوان في ليبيا وضمَّ كثيرًا من إخوان الداخل والخارج، وقرَّروا فيه إنشاء حزب وطني مستقل عن جماعة الإخوان المسلمين(16). تأسس هذا الحزب بالفعل في 2012 تحت اسم حزب “العدالة والبناء”(17)، ليكون الفاعل السياسي الأبرز من بين كُتل سياسية إسلامية أخرى وغير إسلامية في الساحة السياسية في البلاد. وقد كانت هذه الخطوة هي الأهم للجماعة ومن أسباب تقويتها.

الانخراط في السلطة: أدت الجماعة في الساحة السياسية دورا بارزا في المجلس التشريعي الأول، المؤتمر الوطني العام، وكان لها أكثر من موقف وفعل سياسي داخل المؤتمر، سواء في اختيار رئيس الحكومة أو في القضايا السياسية المختلفة التي كانت تطرح تحت قبة المجلس التشريعي، الأمر الذي أهلها لأداء أدوار سياسية بارزة فيه في ذلك الوقت. لكن لما وصلت الجماعة إلى “اتفاق الصخيرات” انقسم أعضاء حزبها حوله، وإن كانوا قد أقروه.

الانقسام: انقسمت الجماعة في أعقاب إقرار اتفاق الصخيرات بين مؤيدين له ومعارضين، ولم يكن هذا الخلاف طارئا، بل كان يعكس نهجين يتعايشان في الجماعة، خاصة بين سنة 2014 و2021، وكان لذلك دور بارز في انقسام الحزب إلى قسمين، الأول: يرى أن الحزب لابد أن ينهج نهجا هادئا تقليديا، أي تجنُّب الصراعات السياسية مع القوى الأخرى والتركيز على الدعوة وبناء المجتمع. الثاني: يرى ضرورة مشاركة الحزب في العمل السياسي بفعالية وأن تكون له الأولوية، وأن يكون الحزب جزءا من التحولات السياسية محليا ودوليا.

انتهى هذا الاختلاف إلى الانقسام في المؤتمر العام للحزب في 19 يونيو/حزيران 2021، وقد توالت الاستقالات من المناصب العليا في الحزب(18)، وانتخب عماد البناني رئيسا لحزب العدالة والبناء، واتجه المعارضون إلى تكوين حزب جديد بأبجديات أخرى أطلق عليه “الحزب الديمقراطي”(19)، وجرى إشهاره في أكتوبر/تشرين الأول 2021 (20).

كما أن جماعة الإخوان المسلمين انتهت تنظيميا سنة 2021، فقد أعلنت الجماعة حل نفسها(21)، في 2 مايو/أيار2021، وتحوُّلها إلى جمعية دعوية هي “جمعية الإحياء والتجديد”(22) التي أصبحت الوجه الدعوي لحزب العدالة والبناء. وبالتالي فإن الخطاب العام للحزب لم يختلف عن خطاب الإخوان المسلمين السابق؛ فالحزب ذو مرجعية إسلامية، ويدخل في المشاركة السياسية من هذا القبيل، في كل برامجه، وتأخذ السياسة حيزا كبيرا من أعماله وبرامجه أكثر من الجانب الدعوي المحض الذي أصبح من اختصاص الجمعية. هذا المسار أفضى بالجماعة إلى الفصل فيها بين الحزب السياسي والجماعة الدعوية في السياق الليبي، ولم تستطع أن تستمر قوة فاعلة في المشهد السياسي الليبي كما بدأت.

إن التحولات التي مرت بها الجماعة كان سببها الرئيسي سياسيا، أي أنها تحول في مسار سياسي، ذلك أن “الحزب الديمقراطي” انتهج نهجا مخالفا لما يتبناه التيار المحافظ في الجماعة الذي يمثله الآن حزب “العدالة والبناء” برئاسة عماد البناني. غير أن الخلافات توسعت بين الطرفين أكثر، فقد ذهب “الحزب الديمقراطي” الوليد، إلى التحالف مع برلمان الشرق الليبي المؤيد لعملية الكرامة، الأمر الذي رآه المحافظون مسًّا بالثوابت والقيم التي تناهض عسكرة الدولة، وعودةً إلى مربع “الاستبداد”، باعتبار أن عملية الكرامة عملية “انقلابية” على المسار التشريعي في البلاد.

  1. التيار السلفي

التيار السلفي في حقيقته مصطلح كبير، وعباءة تحتوي الكثير من الاتجاهات المختلفة، والمتمايزة أيديولوجيًّا ومنهجيًّا، وهي: السلفية الجهادية، والسلفية السياسية الإصلاحية، والسلفية العلمية غير السياسية. ومن هذا المنطلق تميل الأدبيات الأكاديمية بعد كوينتن فيكتوروفيتش إلى هذا التقسيم(23). وفي ليبيا عرف هذا التيار واشتهر باسم “التيار المدخلي”، وهو خليط بين السلفية العلمية، والسلفية السياسية الإصلاحية التي تحمل السلاح(24)، ليس من أجل تغيير النظام، وإنما لحفظ مصالحها وأيديولوجيتها في غالب الأحيان. وهو تيار سلفي “متشدد” يعتمد في منهجه على أمرين: الولاء المطلق للسلطة الحاكمة والطاعة الكاملة للحكام والدفاع عن مواقفهم السياسية وسياساتهم مهما كانت، والهجوم المستمر على المخالفين، وخاصة من التيارات الإسلامية الأخرى(25).   

وفي المقابل هناك أيضا جزء من “السلفية العلمية” التي تشارك في مؤسسات الدولة السياسية الرسمية، وعادة ما يركزون جوهريًّا على الدعوة وعلى ضرورة طاعة الحاكم، ولا يمارسون العنف ضد الحاكم “المتغلب” ولا يشاركون في السياسة المؤسسية(26).

بشكلٍ عام، لا يسعى عموم التيار السلفي في ليبيا إلى وضع نظريةٍ للدولة، والتعمق في آليات الحكم والسلطات التنفيذية، بقدر توجهه للسير في ركب “السلطة الحاكمة”، “واتباع ولي الأمر”. وبذلك صنع حالة من التكيّف مع السلطات المتعاقبة، والترابط معها، ليشكّل بيئة مناسبة لممارسة نشاطه وأفكاره (27).

استفاد هذا التيار من مكاسب ثورة فبراير 2011، خاصة مكسبي الحرية وانتهاء الحكم الفردي المطلق، فأنشأ كثيرا من المدارس الخاصة والمعاهد الشرعية التي تدعم توجهاته، وشكل حالة دينية جديدة في المشهد الديني الليبي، الذي يغلب عليه بالعادة المذهب المالكي والتصوّف. واستطاع التغلغل في المناطق النائية التي يتدنّى فيها مستوى التعليم والاقتصاد، فجعلها قاعدة خلفية له(28). كما عزز من وجوده الأساسي والمنظم داخل مؤسسات الدولة وخاصة الأمنية منها، بل إنه وصل في مرحلة متأخرة إلى تأسيس كليات تعلمية شرعية تتبع للجامعات الرسمية التابعة للدولة تنظيميًّا، فضلًا عن وجود مدارس تعليمية خاصة به في مدينة طرابلس.

تنامى هذا التيار في العقد الأخير من عمر الدولة الليبية، سواء في المجال السياسي أو الأمني، من خلال وجوده في كتائب مسلحة سواء في شرق البلاد أو غربها وإن تميز كل منهما عن الآخر في توجهه السياسي والأمني، الأمر الذي أهله لممارسة نفوذ سياسي داخل الدولة، سواء في الصراعات الداخلية أو على صعيد الانحيازات والاستقطابات السياسية المختلفة، وعزز من وجوده في مؤسسات الدولة الرسمية باعتبار أنه كان منحازا لها ورافضا للتغيير. وقد اقتصر وجود هذا التيار بداية على الشأن الديني البحت في الدولة والمجتمع، إلا أن هذه المعادلة لم تستمر طويلا خاصة مع التغيرات والتقلبات الأمنية والسياسية التي مرت بها البلاد، ليصبح هذا التيار مؤيدا لعملية “الكرامة” في الشرق، وغير مؤيد لمعارضيها في الغرب.

وفي أول استحقاق انتخابي في البلاد عام 2012 لأعضاء “المؤتمر الوطني العام”، ذهب كثير من الفاعلين في هذا التيار إلى ضرورة المشاركة في الانتخابات السياسية، بهدف منع التيارات الإسلامية الأخرى من الوصول إلى السلطة؛ إذ تحوّل الأمر عندهم من منع القوى الأخرى من معارضة الحاكم أو الاعتراض عليه سياسيا، إلى ضرورة المشاركة السياسية لإسقاط التيارات الأخرى، خاصة الإسلاميين، ومنعهم من الوصول إلى الحكم. وعلى مستوى آخر تحوّل هذا التيار من منع وتحريم المشاركة السياسية في الدولة، إلى أكبر داعم لها ضد تيار الإخوان المسلمين ومن يسير على نهجهم في الاستحقاقات الانتخابية التي تلت ثورة 17 فبراير(29).

تبدو المجموعات السلفية اليوم أقرب إلى المجموعات الشبكية من نمط التنظيم التقليدي؛ مما جعلها أكثر مرونة في التعامل مع الانقسام السياسي. فلم تنشغل مثلا بالخلاف الحكومي والانقسام الحاصل فيه، بل اهتمّت بتوطيد مكانتها السياسية والأمنية داخل البلاد، بهدف التمكين لنموذجها الديني(30).

قبل “عملية الكرامة” (2014) كانت التيارات المختلفة في البلاد ومنها التيار الإسلامي، وخاصة السلفي، تتنافس سياسيا على أربع جبهات: الجبهة الإعلامية، والجبهة المؤسسية السياسية، والجبهة الدستورية، وجبهة القوة الصلبة المسلحة(31).

ولكن بعد ذلك اصطف هذا التيار السلفي في شرق البلاد مع “عملية الكرامة”، محاربا في صفوفها، ومدافعا عنها، وبذلك تمازجت أفكاره مع الفكر العسكري. بل وجدت عملية “الكرامة” ضالتها في هذا الفكر والنهج، فقدمت له الدعم، مقابل وقوف هذا التيار مع عملية الكرامة في القتال وتخطئة كل من يصطف ضدها.  

ظهرت في هذه المرحلة عدّة مصطلحات وصف بها هذا التيار مخالفيه، لعلّ أبرزها وصفه بـ”الخوارج” كل من يقف ضد عملية الكرامة. وقد وجد قادة هذه العملية، وكذلك الدول الداعمة لها إقليميا ودوليا، في هذا التيار حليفا دينيا محليا قويا، فقدموا له الدعم للاستفادة منه في هذه “العملية” من جهة، وليكون حركة مضادة للتيارات الإسلامية الأخرى الموجودة في البلاد من جهة أخرى.

فقد تعزز وجود سلفيي الغرب الليبي في الخطاب الديني المؤسسي في هيئة الأوقاف والشؤون الإسلامية(32). وتحظى هذه المؤسسة بدعم إحدى أهم القوى العسكرية في طرابلس، “قوات الردع الخاصة”. والجدير بالذكر أن هذه الأخيرة لم تُعلن انضمامها إلى قوات “الكرامة”، بل على العكس شاركت إلى حد ما في صد الهجوم على طرابلس في 2019(33)، الذي قامت به عملية الكرامة وباء بالفشل(34).

والخلاصة أن هذا التيار منقسم عمليا وليس أيديولوجيا إلى قسمين، الأول في شرق البلاد ويتبع عملية الكرامة ويتوجه بإمرتها أمنيا وسياسيا، في عملية تزاوج مصلحي بيروقراطي بينهما، إذ إن كل طرف يقدر مصلحته مع وجود الطرف الآخر، باعتبار أن هذا التيار يرى في عملية الكرامة راعية له من جهة، وحليفا له ضد التيارات الإسلامية الأخرى من جهة أخرى.

وأما الثاني ففي الغرب الليبي، وإن كان لم تظهر معالم تأييده الواضح لتوجه معين في العملية السياسية إلا أن سلوكه وتوجه يبين ذلك، إذ الغالب عليه الركون إلى كل عملية سياسية أو حكومة جديدة تكون واقعا في البلاد، وإذا كان ذلك ليس على الإطلاق فإنه الغالب حتى الآن، باعتبار قابلية وقدرة هذا التيار على التكيف مع أي سلطة قائمة أو تستجد في البلاد.

كما أثبت سلوك هذا التيار، أن علاقة السلفيين بالسياسة أكثر غموضًا وتعقيدًا، إذ يغلب عليه “التصرف بشكل غير سياسي” في “عالم سياسي” في حالاتٍ عديدة، كما يفتقر عموم التيار السلفي في ليبيا إلى القيادة الموحدة والهياكل التنظيمية. وكذلك فإنه أيدولوجيا لا يحظر سلوكا سياسيا معينا، فقد اختلف مثلا الفعل السياسي ممن كان منه في الشرق عمن كان منه في الغرب الليبي، دون إنكار قوي من قبل أي منهما على الآخر.

  1. الشخصيات الإسلامية المستقلة

تؤدي كثير من الشخصيات الإسلامية في البلاد دورا بارزا في العملية السياسية فيها، ولا سيما أن المجتمع الليبي محافظ في سلوكه في أغلبه؛ مما جعله مستجيبا لتوجهات العلماء في كثير من القضايا السياسية العامة، وبالفعل استجاب كثير من أبناء البلاد مثلا في شرق البلاد وغربها، وشاركوا بفعالية في ثورة 17 فبراير/شباط بناء على فتاوى علماء دين محليين لهم مكانة في المجتمع الليبي. من أبرز هؤلاء الشيخ الدكتور الصادق الغرياني(35)، فقد أفتى بوجوب المشاركة رجالا ونساء ضد النظام السابق “والجهاد ضد طغيان كتائبه”، ليتولى فيما بعد منصب مفتي الديار الليبية، وقد أدى دورا بارزا في العديد من القضايا السياسية، وشكل مظلة لكثير من الإسلاميين داخل البلاد وخارجها.

ومن القيادات الإسلامية الأخرى التي برزت بعد الثورة، نوري أبوسهمين، رئيس المؤتمر الوطني العام سابقًا، الذي أنشأ تيار “يا بلادي”، وهو في حقيقته رابطة تجمع الإسلاميين المستقلين، وقد تقارب معه كثير من الأحزاب الأخرى. كما اهتم أبو سهمين وتياره بالقضايا الداخلية، ولا سيما أنه برّر نشأة تياره بمواجهة التهديد الخارجي ورفض انتهاك السيادة، ثمّ مواجهة الفساد والانقلاب(36).

ومن الملاحظ أن غالب الشخصيات المستقلة، يجمعها مطلب استقلال الدولة بعيدا عن التدخلات الإقليمية والدولية، ويرون أن اتفاق الصخيرات كان يجب ألا يكون، وأنه أحد أسباب تردي الدولة، وتسبب في خروج الملف الليبي من أيدي الليبيين، وتحول إلى ملف إقليمي ودولي تتجاذبه المصالح الدولية.

وممن يحسب على المستقلين -أيضا- في الحالة السياسية الليبية الحالية، أشخاص كانوا في حركات إسلامية قبل الثورة، مثل عبد الحكيم بلحاج رئيس “الجماعة الليبية المقاتلة” سابقا، الذي ارتكزت فاعلية تنظيمه بعد الثورة في شكل عمل حزبي تحت اسم “حزب الوطن”(37)، معتمدا على دور بلحاج(38) فيه، وليس على عمل مؤسسي حزبي، وقد تمكن من الوصول بنسبة ضئيلة جدًّا إلى المؤتمر الوطني عبر القوائم الفردية في انتخابات 2012(39).

توافق هذا الحزب -بأشخاصه وليس بكيانه التنظيمي- مع حزب “العدالة والبناء” على كثير من القرارات التي أصدرها المؤتمر الوطني العام، وكذلك في تأييدهما لعملية فجر ليبيا بعد الانقسام السياسي الذي بدأ يظهر خلال المرحلة الانتقالية، وفي رفضهما لعملية الكرامة، و”الانقلاب” على الإعلان الدستوري في فبراير/شباط 2014(40). من هذا المنظور، شهدت “الجماعة الليبية المقاتلة” تحولات من العمل السياسي المسلح إلى العمل السياسي السلمي، ومن ثم من العمل الحزبي إلى الفردي المستقل(41)، وهؤلاء المستقلون حاضرون في الساحة السياسية الحالية في البلاد، ومن أبرزهم بلحاج.

أدى “بلحاج” دورا في الثورة الليبية عام 2011 وصولا إلى تأسيسه “حزب الوطن” في إبريل/نيسان 2012، الذي أصبح منصة لمزاولة عمله السياسي. وكان لبلحاج دور في كل الأحداث التي مرت وتمر بها البلاد بشكل “شخصي ومستقل” بعيدا عن المسمى الحزبي هذا، أو حتى عن التيار الذي يمثله بطريقة أو أخرى أي تيار “الجماعة الليبية المقاتلة” سابقًا.

بالمجمل، فإن أبرز الرموز والشخصيات الإسلامية المستقلة كانت لها قواعد ثابتة ورؤى واضحة اجتمعت عليها في قضايا محلية وسياسية، كان لها أثر بالغ في الحالة السياسية اليوم في البلاد، أبرزها: دعم وتأييد قانون العزل السياسي(42) عقب الثورة، وتأييد عملية فجر ليبيا ضد محاولة “الانقلاب” على السلطة في 2014 من قبل عملية الكرامة. قد يكون الاستثناء اختلافها حول قبول “اتفاق الصخيرات”، لكنها قبلت نتائج حوار جنيف الأخير في فبراير/شباط 2021 والمجلس الرئاسي الجديد الذي نشأ عنه وحكومة الوحدة الوطنية الحالية.

مستقبل التيارات الإسلامية

إن طول فترة الانقسام السياسي في البلاد، أظهر كثيرا من إمكانات التيارات الإسلامية في الفعل السياسي، وكذلك في التكوين والنشأة والتطور، ابتداء من العمل الديني البحت، وصولا إلى التداخل والتدافع الكبير نحو السلطة السياسية.

من الواضح أن التيار السلفي بمجمله سيستمر على الأبجديات التي سار عليها من قبل، وسيحافظ على وجوده في المسار الذي اتخذه قدر الإمكان، سواء في الشرق أو الغرب الليبي. ولكن هذا ليس على الإطلاق، فقد يتحول من حالة إلى حالة أخرى يكون فيها طرفا في أي صراع سياسي مستقبلي، باعتبار قابليته للتكيف مع أي سلطة تكون أو تستجد في البلاد.

أما جماعة الإخوان المسلمين والقوى المؤيدة لها من شخصيات مستقلة وأحزاب سياسية أو ما يمكن أن نطلق عليه طيف “الثورة”، فهي التي تقع في محل التنازع، وما إذا كانت قادرة على الاستمرار فضلا عن التأثير في مستقبل ليبيا. ويمكن حصر السيناريوهات المتوقعة لهذه القوى في:

سيناريو بقاء قوى الثورة: إن التيارات الإسلامية في ليبيا، وخاصة المُنظمة سياسيًّا، مثل جماعة الإخوان المسلمين، والتيارات التي تناصر الثورة، والشخصيات الإسلامية المستقلة، تملك القدرة على البقاء والتأثير في مستقبل ليبيا السياسي، لأسباب عدة من أبرزها:

أولا: أنها تعتمد على “القوة المسلحة” على الأرض بالتوازي مع العمل السياسي، فهي ترى أن السلاح يضمن لها الحقوق السياسية والقدرة على البقاء السياسي، وليس الدستور ولا المؤسسات ولا حتى سيادة القانون، ولا حتى أصوات الناخبين وحدها. وهي ترى في هذا الخيار ضرورة لضمان وجودها وليس اختيارا لمبدأ العنف، بل هو وفق هذا المنطق دفاع عن الثورة وحماية لها من “الانقلابات” التي تحاك ضدها. في نهاية المطاف ستحجز القوة المسلحة لهذا الطيف مكانا في النظام السياسي الحالي ما لم تتغير قواعد اللعبة السياسية في ليبيا.

ثانيا: تمتاز هذه القوى بمرونة سياسية استثنائية رغم أنها عقائدية إسلامية، بل إن بعضها تحول إلى العمل السياسي المطلق وعقد تحالفات مع كل الأطياف السياسية، ليعزز من حضوره في اللعبة السياسية الداخلية، وليبقى جزءا من القوى التي يجب أن تراعيها القوى الإقليمية والدولية، ولا يكون الإقصاء والإبعاد في آخر المطاف هو مآله. ولتعزيز قوتها السياسية كانت جماعة الإخوان المسلمين قد فصلت العمل السياسي عن الدعوي، الأمر الذي سيساعدها على عقد تحالفات بمرونة عالية.

سيناريو إقصاء قوى الثورة: أي إقصاء وإبعاد جميع هذه التيارات بالقوة، وذلك بالاستعانة ببعض التيارات الصامتة سياسيًّا، مثل التيار السلفي، قياسا على ما كان في شرق البلاد، ليكون نموذجا معمما على كافة البلاد، وقياسا -أيضا- على ما كان في الدول المجاورة. لكن هذا السيناريو غير واقعي إلى الآن، لعدّة عوامل أبرزها: توازن القوة والسلاح بين أطراف الأزمة الليبية ومنها قوى “الثورة”، وبالتالي فإن هذه التيارات التي يمكن الاستفادة منها في هذا السيناريو ستبقى على ما هي عليه ولن يكون لها أثر جلي وواضح في العمل السياسي على الأقل في الأمد القريب.

خاتمة

لعل الدور الذي تؤديه التيارات الإسلامية في الوقت الراهن، والمآلات المستقبلية لها، متعددة بتعدد وجودها وتحولاتها. فجماعة الإخوان المسلمين، ستكون من التيارات الإسلامية الفاعلة في المشهد السياسي الداخلي، وإن اعترتها بعض التغيرات والتحولات. وسينهج “حزب العدالة والبناء” نهج العمل السياسي الهادئ، بعيدا عن الخصومات السياسية قدر الإمكان، في حين سيركز “الحزب الديمقراطي” على عقد تحالفات سياسية جديدة لن تقتصر على التيار الإسلامي، بل ربما ستتعداه إلى تيارات وأحزاب أخرى.

ومن المؤكد أن التيار السلفي في الشرق سيستمر في دعم عملية “الكرامة” ونهجها السياسي، أما في الغرب الليبي فسيسير على نهجه الحالي قدر الإمكان، في مهادنة أي حكومة تحكم البلاد وتعزيز نفوذه في مؤسساتها. إضافة إلى استمرار حالة التنافر بينه وبين التيارات الإسلامية الأخرى داخل البلاد سواء تيار الإخوان المسلمين أو بعض الشخصيات الإسلامية المستقلة، بل قد يتجاوز هذا الخلاف الأفق السياسي إلى المذهبي، كالاختلاف مع أتباع المذهب الإباضي في البلاد، لما يمثله هذا التيار من مشروع مغاير له.

وبالنسبة للأحزاب التي تقف في صف الثورة بتياراتها المختلفة فغالبا ما تصطف في اتجاه واحد في كل تغيير يحدث في البلاد، بالرغم من التناقضات والمنعطفات التي تكون بينها، وإن أدى ذلك في مرحلة متقدمة إلى تحويل نفوذ أغلب هذه التيارات لخدمة الفاعلين الجدد المصاحبين للحكومات الانتقالية(43).

أما الشخصيات المستقلة، فهي مرشحة لأداء أدوار أكبر وأكثر فاعلية في أي مشهد سياسي جديد قادم، لسهولة الاتفاق عليها في ظل استحكام الخلاف بين الأطر الحزبية.

وبالتالي فإن هذه التيارات الثلاثة “الإخوان المسلمين، السلفية، المستقلين” هي التي ستشكل أي ديناميات مستقبلية في خريطة عمل الإسلاميين في البلاد، التي ستنعكس على الحالة السياسية فيها مستقبلا.

الفيتوري شعيب – كاتب ليبي واستاذ جامعي متخصص في العلوم الاسلامية والفكر الاسلامي

مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

  1. ينظر: أحمد قاسم حسين، وآخرون، ليبيا تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2022م، ص 167.
  2. وهي عملية عسكرية قامت بها مجموعة من كتائب الثوار والدروع ضد ما أسموه بالتمرد على الشرعية، أي ضد عملية “الكرامة” في يوم 13 يوليو/تموز 2014، وذلك بعد شهرين من بدء عمليات الكرامة في بنغازي.
  3. “عنوان لعملية عسكرية قادها اللواء المنشق المتقاعد خليفة حفتر ضد كتائب الثوار والإسلاميين في ليبيا، وتسببت في زيادة حدة الصراع الدموي والانقسام السياسي في البلاد، حيث انطلقت العملية في 16 مايو/أيار 2014 بمدينة بنغازي في شرق ليبيا، وهاجمت قوات ما يسمى بالكرامة الثوار والكتائب الإسلامية، وبعد ذلك انتقلت العملية إلى العاصمة طرابلس، ومن ثم توسع الصراع ليشمل العديد من مناطق البلاد”. عملية الكرامة، الموسوعة، الجزيرة نت، (تاريخ الدخول: 14 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3Vz73BD
  4. ينظر: “وثيقة البرنامج السياسي الوطني للمرحلة التمهيدية للحل الشامل”، موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، (تاريخ الدخول: 11يونيو/ حزيران2024):  https://bit.ly/3m4JMGv
  5. لجنة فبراير: وهي اللجنة التي تشكلت من المؤتمر الوطني العام سنة 2014 تحت القرار رقم 12 لسنة 2014 بشأن تشكيل لجنة لإعداد مقترح بتعديل الإعلان الدستوري ومقترح قانون انتخابات. وعرفت واشتهرت بعدها إعلاميا وسياسيا “بلجنة فبراير”.
  6. مرجع سابق، “وثيقة البرنامج السياسي الوطني للمرحلة التمهيدية للحل الشامل”، موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، (تاريخ الدخول: 11 يونيو/حزيران 2024):  https://bit.ly/3m4JMGv
  7. حسن الترابي و (آخرون)، الإسلاميون والمسألة السياسية، الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2004م، ص 235-236.
  8. بدأ الحديث عن وجود جماعات إسلامية تنتمي لتنظيم الدولة نهاية عام 2013، في الشرق الليبي، وقد وجدت ما تسمى “عملية الكرامة” في ذلك حجةً لتعميم هذه الصفة على كل المعارضين السياسيين لهذه العملية، لإحداث وضع سياسي جديد، ومنها عملية “فجر ليبيا” التي جاءت ردا على هذه العملية، وبالتالي فلا يمكن قراءة عملية الكرامة في هذا الشأن إلا على أنها جاءت ضمن التدافع على السلطة لا أكثر.
  9. فقد كانت جل قوات حكومة الوفاق من مدينة مصراتة، وتشكيلات مسلحة أخرى من الغرب الليبي.
  10. تعتبر الحركة السنوسية حركة دعوة دينية، منذ تأسيسها على يد الشيخ محمد بن علي السنوسي الخطابي (1787- 1859) الذي دعا إلى ضرورة العمل من أجل إحياء الملة الإسلامية وتوحيد الصفوف في العالم الإسلامي للنهوض بالدين الحنيف نهضة صحيحة قوية، وأنشأ لذلك الزوايا الصوفية التي تقوم بتحفيظ القرآن، ودراسة الفقه، وتلاوة الأوراد، فضلًا عن دخولها في العمل السياسي بطريقة غير مباشرة عبر دعمها لسلطة الملك إدريس السنوسي آنذاك. ينظر: د. محمد فؤاد شكري، السنوسية دين ودولة، بدون مكان نشر، دار الفكر العربي 1948، ص12، ومحمود أحمد الديك، أثر الدين في حركة الجهاد في أفريقيا، ليبيا أنموذجًا، ليبيا – زليتين: مجلة الجامعة الأسمرية، العدد الساس، السنة الثالثة 2006، ص 226.
  11. المجلس الوطني الانتقالي هو هيئة تأسست في ليبيا في فبراير 2011 بعد الانتفاضة الليبية التي أدت إلى الإطاحة بالنظام السابق، وتألف المجلس الوطني الانتقالي من مجموعة من الشخصيات الليبية السياسية والاجتماعية والعسكرية، وهدفه الرئيسي هو تمثيل المجتمع الليبي والعمل على إدارة شؤون البلاد خلال فترة الانتقال إلى الديمقراطية. وقد تم تحويل المجلس الوطني الانتقالي إلى المؤتمر الوطني العام في عام 2012 بعد الانتخابات العامة في ليبيا. ينظر: المجلس الوطني الانتقالي، المجمع القانوني الليبي، العدد 117 (تاريخ الدخول: 7 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3xun43J
  12. المؤتمر الوطني العام هو المؤسسة السياسية الرئيسية في ليبيا، وقد تم إنشاؤه عام 2011 بعد الثورة الليبية وتأسيس حكومة انتقالية. ويتكون المؤتمر الوطني العام من 200 عضو يمثلون مختلف مناطق البلاد وفئاتها، مهمتهم الرئيسية وضع دستور جديد للبلاد واختيار رئيس الوزراء والحكومة الجديدة. وقد انتهت مهمة المؤتمر الوطني العام عام 2014 عندما تم انتخاب المجلس النيابي الليبي ليكون هيئة تشريعية جديدة. ينظر: المؤتمر الوطني العام، المجمع القانوني الليبي، العدد 431، تاريخ الدخول: 7 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3VQk1fx
  13. ينظر: “وثيقة البرنامج السياسي الوطني للمرحلة التمهيدية للحل الشامل”، موقع بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، (تاريخ الدخول: 8 يونيو/حزيران 2024) https://bit.ly/3m4JMGv
  14. المجلس الأعلى للدولة هو مؤسسة تنفيذية وهيئة استشارية أسست في ليبيا بعد اتفاق الصخيرات الذي وقع في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015 تحت رعاية الأمم المتحدة بهدف وضع حد للصراع والانقسام السياسي. ينظر، الموقع الرسمي للمجلس الأعلى للدولة، تاريخ الدخول: 7 يونيو/حزيران 2024): https://hcs.gov.ly/
  15. حكومة الوفاق الوطني الليبية هي حكومة منبثقة عن الاتفاق السياسي الليبي الموقع في الصخيرات المغربية في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، بإشراف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، بقيادة الألماني مارتن كوبلر بعد تكليفه بديلًا عن خلفه الإسباني برناردينو ليون. وتمت المصادقة على الاتفاقية بالإجماع من قبل الأمم المتحدة، ومجلس الأمن، الذي رحب بتشكيل مجلس رئاسي لليبيا واعترف بحكومة الوفاق الوطني بصفتها السلطة التنفيذية الشرعية في ليبيا.

See: Unanimously Adopting Resolution 2259 (2015), Security Council Welcomes Signing of Libyan Political Agreement on New Government for Strife-Torn Country. UNITED NATIONS, 23 DECEMBER 2015, (accessed: 9 June 2024(:https://bit.ly/3VzkWzF

  1. الحركات الإسلامية في ليبيا بعد الثورات العربية: التحولات والمستقبل، نزار كريكش، مركز الجزيرة للدراسات، 6 سبتمبر/أيلول 2016، (تاريخ الدخول: 9 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3KUHPZo
  2. أحد أهم الأحزاب التي تأسست بعد نجاح الثورة في ليبيا، مرجعيته إسلامية ويضع ضمن أولوياته المستقبلية إعادة الأمن والاستقرار إلى البلد. وعقد حزب العدالة والبناء مؤتمره التأسيسي في 3 مارس/آذار 2012 بحضور أكثر من 1300 عضو مؤسس، ويوصف الحزب بأنه حزب إسلامي مقرب من جماعة الإخوان المسلمين، لكن قادته يرفضون ذلك ويصرون على أنه حزب مدني مفتوح للجميع، ومنفصل إداريا وتنظيميا وماليا عن الجماعة. ينظر: حزب العدالة والبناء، الموسوعة، الجزيرة نت، 10 فبراير/شباط 2014، (تاريخ الدخول: 10 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3RAr3T2
  3. انتخب أعضاء المؤتمر العام الثاني لحزب العدالة والبناء، عماد البناني، رئيسا للحزب، خلفا لمحمد صوان، وجاء اختيار البناني في الانتخابات التي أجراها الحزب في مؤتمره الاستثنائي الذي عقد في العاصمة طرابلس بعد حصوله على مئتين وواحد وثلاثين صوتا من أصل مئتين وسبعة وتسعين من المشاركين في المؤتمر. ينظر: عماد البناني يفوز برئاسة حزب العدالة والبناء خلفا لصوان، قناة ليبيا بانوراما، (تاريخ الدخول: 12 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3VTQi4r
  4. جاء في الموقع الرسمي للحزب تعريفا للرؤي التي ينتهجها أنه: “حزب وطني لكل الليبيين، يسعى لأن تكون ليبيا دولة ذات مؤسسات دستورية، مدنية، لا مركزية، تقوم على مبادئ الديمقراطية الاجتماعية والتعددية الحزبية، والتداول السلمي على السلطة، والفصل بين السلطات، بما يحفظ للمواطن حقوقه، ويعزز حرياته وأمنه وكرامته، ويلبي احتياجاته، ويحقق رفاهيته، ويحافظ على الوحدة الوطنية والاستقرار والأمن؛ حزب يدافع عن سياسات العدالة الاجتماعية، وسيادة القانون، ويراهن على قوة وحصانة مؤسسات الدولة وفعاليتها وكفاءتها وشفافيتها، ويعتمد على التوافقات وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية، بعيدا عن التفرد والإقصاء والاستبداد”. الموقع الرسمي للحزب الديمقراطي، (تاريخ الدخول: 12يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/4calrXZ
  5. الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا، خيري عمر، العربي الجديد، 19 يونيو/حزيران 2024، (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/45vYQCV
  6. تم حلّ الجماعة واستبدالها بمؤسسة دعوية تثقفية هي “جمعية الإحياء والتجديد”، في حين أن حزب العدالة والبناء بقي يؤدي الدور السياسي ضمن سلوكيات وأبجديات الجماعة.
  7. جاء في النبذة التعريفية في الموقع الرسمي لها: “إن جمعية الإحياء والتجديد هي ثمرة جهود مضنية للحركة الإسلامية في ليبيا، وتضحيات غالية، بذلها الدّعاة والعاملون لأكثر من خمسة عقود من الزّمن، منفتحة على كافة فئات المجتمع، تتطلع إلى الإسهام مع أبناء الوطن في معركة الوعي والإصلاح والبعث الحضاري. ولذلك فهي تعنى بتكوين الإنسان فكريًّا وثقافيًّا واجتماعيًّا وإيمانيًّا وأخلاقيًّا وبدنيًّا وتسهم مع غيرها في إصلاح المجتمع ونشر الخير فيه بالوسائل المشروعة”. الموقع الرسمي لجمعية الإحياء والتجديد، (تاريخ الدخول: 12 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3KVUkUD
  8. Omar Ashour, how isis fights: The Military Tactics in Iraq, Syria, Libya and Egypt (Edinburgh: Edinburgh University Press.2021)
  9. OP. CIT, Omar Ashour, how isis fights: The Military Tactics in Iraq, Syria, Libya and Egypt).
  10. “المدخلية.. ورقة القذافي التي ورثها حفتر”، قناة ليبيا الأحرار، 10 يونيو/حزيران 2020م، (تاريخ الدخول: 20 أغسطس/آب 2024): https://bit.ly/3SX6j8H
  11. السياسة السلفية: السلفيون “السياسيون” و”الهادئون” في صراع الدولة الليبية، تأليف: فرجينيا كولومبير، ترجمة: كرم الحفيان، مركز المجد للبحوث والدراسات، (تاريخ الدخول: 20يونيو/حزيران 2024): https://n9.cl/nx0nl
  12. ينظر: الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/45vYQCV
  13. غدروا بسرت ويرقدون بطرابلس.. ما هي قصة مليشيات المداخلة في ليبيا؟، أحمد رمضان، موقع ميدان، 9 مايو/أيار 2019، (تاريخ الدخول: 28 يونيو/حزيران 2024): https://2u.pw/IM63wm
  14. المرجع السابق.
  15. مرجع سابق، الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/45vYQCV
  16. مرجع سابق، أحمد قاسم حسين، وآخرون، ليبيا تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة، ص 167.
  17. مرجع سابق، السياسة السلفية: السلفيون “السياسيون” و”الهادئون” في صراع الدولة الليبية، https://n9.cl/nx0nl
  18. غدروا بسرت ويرقدون بطرابلس.. ما هي قصة مليشيات المداخلة في ليبيا؟، أحمد رمضان، موقع ميدان، 9 مايو/أيار 2019، (تاريخ الدخول: 28يونيو/حزيران 2024): https://2u.pw/IM63wm
  19. حرب طرابلس أو معركة طرابلس: هي عمليات عسكرية اندلعت في إبريل/نيسان 2019 واستمرت مع بعض التقطعات حتى يونيو/حزيران 2020 وحدثت المواجهات بعد هجوم قوات الكرامة، لمحاولة السيطرة على العاصمة الليبية، وقوبل الهجوم بمقاومة من قوات حكومة الوفاق الوطني الليبية، وانتهت الحرب بانسحاب قوات ما يسمى عملية الكرامة، واستعادة حكومة الوفاق الوطني الليبية للسيطرة على مناطق غرب ليبيا.
  20. فقيه مالكي ليبي، له مكانة كبيرة في المجتمع الليبي، ويعتبر من أهم الرموز الدينية في البلاد، وعُيّن مفتيا لليبيا بعد الثورة.
  21. مرجع سابق: الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا، (تاريخ الدخول: 20 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/45vYQCV
  22. حزب سياسي ليبي ذو مرجعية إسلامية، ظهر في الساحة السياسية بعد ثورة 17 فبراير، يدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وإلى نظام ديمقراطي معتدل، تأسس في إبريل/نيسان 2012، برئاسة عبد الحكيم بلحاج الرئيس السابق للمجلس العسكري لطرابلس، يضمّ طائفة متنوعة من النشطاء السياسيين، بينهم أعضاء سابقون في الجماعة الليبية المقاتلة، وإخوان مسلمون، وآخرون. ينظر: حزب الوطن، الموسوعة، الجزيرة نت، 10 فبراير/شباط 2014، (تاريخ الدخول: 10 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3yFvIx6
  23. أحمد قاسم حسين، وآخرون، ليبيا تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الطبعة الأولى، 2022م، ص 176.
  24. ينظر: الحركات الإسلامية في ليبيا بعد الثورات العربية: https://bit.ly/3KUHPZo
  25. Libya, Extremism, & the Consequences of Collapse,” The Soufan Group, (accessed: 13 June 2024(: https://n9.cl/mn2wr
  26. أحمد قاسم حسين، وآخرون، ليبيا تحديات الانتقال الديمقراطي وأزمة بناء الدولة، ص 167.
  27. سنّ المؤتمر الوطني الليبي العام (البرلمان) بشبه إجماع في 5 مايو/أيار 2013 قانون العزل السياسي، الذي يضبط المسؤوليات والوظائف التي يُمنع من تولاها في النظام السابق من تقلد أي  مناصب قيادية في مؤسسات الدولة الليبية الجديدة لمدة عشر سنوات. قانون العزل السياسي في ليبيا، الموسوعة، الجزيرة نت، (تاريخ الدخول: 14 يونيو/حزيران 2024): https://bit.ly/3XAeDi4
  28. الخلافات الفكرية والسياسية بين الإسلاميين في ليبيا، مرجع سابق، (تاريخ الدخول: 1يوليو/تموز 2024): https://bit.ly/45vYQCV



تونس: الانتخابات الرئاسية السياقات والتوقعات

تجري في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2024 انتخابات رئاسية في تونس لا يُعتقد أن تفضي إلى تغيير. فقد جرت هندسة المسار الانتخابي بطريقة من شأنها أن تضمن استمرارية الوضع القائم وبقاء الرئيس سعيد في منصبه، كل ذلك ضمن سياقات سياسية وقانونية واقتصادية وإقليمية مساعدة.


تشهد تونس في 6 أكتوبر/تشرين الأول 2024 انتخابات رئاسية هي الثالثة منذ قيام الثورة. لكن هذه الانتخابات هي الأولى بعد 25 يوليو/تموز 2021، تاريخ إعلان الرئيس قيس سعيد حزمة من الإجراءات الاستثنائية، شملت تعليق العمل بالدستور وتجميد عمل البرلمان وحل الحكومة. بناء على تلك الإجراءات، جمع سعيد كل السلطات بين يديه وأدار البلاد بمراسيم رئاسية منح بمقتضاها لنفسه سلطات تنفيذية وتشريعية مطلقة، لا رقابة عليها، وشكل لاحقا حكومة اختار هو رئيسها ووزراءها، تعمل تحت إشرافه وتنفّذ برنامجه.

تأتي هذه الانتخابات بعد ثلاثة أعوام من السيطرة الكاملة لسعيد على الحكم، أحدث خلالها تغييرات جوهرية على النظام السياسي، وأعاد تشكيل المشهد العام في البلاد، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. لذلك، تجري الانتخابات القادمة ضمن سياقات مختلفة تماما عن السياقات التي أجريت فيها المنافسات الانتخابية السابقة التي شهدتها عشرية الانتقال الديمقراطي بين عامي 2011 و2021. فكيف نفهم الاختلاف بين تلك السياقات؟ وما أثر ذلك على هذه الانتخابات وما ستفضي إليه من نتائج؟

سياق دستوري وقانوني ملتبس

تأتي الانتخابات الرئاسية بعد انتهاء العهدة الرئاسية الأولى للرئيس قيس سعيد الذي انتخب في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2019، بدعم من جل القوى السياسية في الدور الثاني من الانتخابات. وكغيرها من المحطات الانتخابية التي جرت بعد 25 يوليو/تموز 2021، تجرى هذه الانتخابات، كاستحقاق قانوني ودستوري، حرصت منظومة الحكم التي يقودها قيس سعيد على الوفاء به، ولكن على طريقتها ووفق معاييرها وآليات تنظيمها للتحكم في مسارها ونتائجها.

فقد كانت تلك المحطات الانتخابية مثيرة للجدل والانتقادات الواسعة، إذ جرت بطريقة مخالفة للتقاليد الانتخابية التي عرفتها تونس منذ الثورة. وقد قاطع الناخب التونسي بشكل واسع وغير مسبوق تلك الانتخابات، التي شهدت عزوفا لم تعرفه تونس في تاريخ انتخاباتها منذ الاستقلال. فبعد سيطرة قيس سعيد على الحكم في 2021 جرى تنظيم استشارة قانونية، ثم استفتاء على مشروع الدستور الجديد الذي وضعه الرئيس بنفسه، ثم انتخابات برلمانية تلتها أخرى جهوية. وسجلت كل تلك المحطات التي دعي فيها الناخبون إلى التصويت نسب مشاركة وصل بعضها إلى أقل من 10 بالمئة، ولم تتجاوز أعلى مشاركة فيها 25 بالمئة وكانت في الاستفتاء على الدستور. وبسبب العزوف والمقاطعة لم تجر انتخابات في العديد من الدوائر الانتخابية البرلمانية نظرا لغياب مترشحين يتنافسون فيها، كما لم تشهد دوائر أخرى أي منافسة بسبب وجود مترشح وحيد دون منافس.

تعتبر طبقة سياسية واسعة ومنظمات وطنية وخبراء قانون أن المرجعية الدستورية للانتخابات الرئاسية المقبلة هي دستور 2014، وما انبثق عنه من قانون انتخابي منظم للعملية الانتخابية، بينما تؤكد وتتمسك منظومة الحكم الحالية بالدستور الذي وضعه قيس سعيد في 2022، وما انبثق عنه من قوانين انتخابية منظمة وتتخذ ذلك مرجعية للانتخابات، على اعتبار أن دستور 2014 ألغي بصدور الدستور الجديد. وبعدما بدا من تماه شبه كامل للهيئة المشرفة على الانتخابات مع خيارات السلطة القائمة وتوجهاتها وممارساتها، رجحت كفة القائلين بأن لا مرجعية لدستور 2014 الملغى على الانتخابات.

إلى جانب الجدل بشأن المرجعية الدستورية والقانونية للانتخابات، ينتقد مراقبون أداء ومواقف الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ويعيبون عليها الانزياح في موقفها الصارم والمبدئي في الدفاع عن استقلاليتها وصلاحياتها، إلى تبني موقف رخو متساهل مع ما تمليه وتحرص السلطة الحالية على تمريره للتأثير وتوجيه الانتخابات وضبط إيقاعها.

فقد اعتبر نافع حجي، رئيس شبكة “مراقبون”، وهي منظمة تعنى منذ عام 2011 بمراقبة الانتخابات في تونس، أنّ هذه الانتخابات تتسم بالضبابية من حيث رزنامتها، فضلًا عن عدم احترام الهرم القانوني بإضافة شروط للترشح. وقال حجي: “هناك إجماع قانوني علمي على أنّه لا يمكن لهيئة الانتخابات إضافة شرط من الشروط بمقتضى السلطة الترتيبية التي لديها”، مؤكدًا ضرورة احترام الهرم القانوني، الذي يقتضي علوية الدستور ثم القانون ثم النصوص الترتيبية للهيئة التي تخص القانون الانتخابي. إن ما حصل في هذه الانتخابات، حسب حجي، هو “أن شروطًا جديدة أضيفت في القانون المستند إلى دستور 2022 تتعلق بالجنسية والسن والحقوق المدنية والسياسية للمترشحين لخطة رئاسة الجمهورية”(1). لذلك فإن ثمة حاجة لـ”ملاءمة القانون الانتخابي الصادر في 2014، مع الشروط الجديدة”، ولا يتم ذلك، حسب تقديره، إلا عبر المرور بمجلس النواب، إما بمقترح من 10 نواب أو بمقترح قانون من رئاسة الجمهورية. وذلك هو التمشي القانوني السليم بإجماع الخبراء والهيئات التي تعنى بالانتخابات.

إضافة إلى هذه الإخلالات، واجه المترشحون إجراءات معقدة جدا في جمع التزكيات المشترطة في الترشح. ويرى كثيرون أن تلك الإجراءات وُضعت بالأساس لتقويض فرص العديد من المترشحين في قبول ملفاتهم حتى وإن نجحوا في الحصول على النصاب القانوني وهو 10 آلاف تزكية، بسبب اشتراط أن تكون صادرة عن عشر دوائر انتخابية، وألا يقل عدد التزكيات في كل دائرة عن 500 تزكية.

انعكست هذه الإجراءات الجديدة معطوفة على بعض التضييقيات، على حظوظ المرشحين الجديين، من خلال القرار الذي أعلنته الهيئة المشرفة على الانتخابات في 10 أغسطس/آب الجاري، والذي يقضي بقبول ملفات 3 مترشحين فقط للانتخابات الرئاسية، بينهم ملف ترشح الرئيس قيس سعيد، والأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، الذي كان من أشد الداعمين للرئيس الحالي ولمسار 25 يوليو الذي تعتبره جل القوى السياسية انقلابا. أما المترشح الثالث المقبول فهو النائب البرلماني ورجل الأعمال عياشي زمال، الذي يعتبر من المعارضين لمسار الخامس والعشرين من يوليو. بيد أن هذا المرشح استدعي للمثول أمام قاضي التحقيق بعد ساعات من إعلان هيئة الانتخابات قبول ملف ترشحه، وهو يواجه تهما تتعلق بتجاوزات في جمع التزكيات. وقد اعتقلت المكلفة بجمع التركيات في حملته وأودعت السجن؛ ما يرجّح إخراجه من السباق الانتخابي، الذي أصبح شبه محسوم لصالح قيس سعيد. وقد واجهت هيئة الانتخابات عقب إعلانها حصر الملفات المقبولة في ثلاثة، انتقادات واسعة من المعارضة وجماعات حقوقية وخبراء قانون، يقولون إن إقصاء مرشحين جديين يهدف لإفساح المجال أمام سعيد للفوز بولاية ثانية دون منافسة. وكان لافتا إصدار محاكم تونسية أحكاما استعجالية تقضي بالسجن فضلا عن عقوبة الحرمان من الترشح للانتخابات الرئاسية مدى الحياة ضد عدد من المترشحين. وشمل هذا الإجراء العديد من المترشحين الذين يعتبر بعضهم من المنافسين الجديين لقيس سعيد(2).

وكان لافتا الإصرار على قرار إقصاء ثلاثة مرشحين للانتخابات الرئاسية رغم صدور قرارات استئنافية من المحكمة الإدارية في تونس بإعادتهم إلى السباق الانتخابي، بعد أن رفضت هيئة الانتخابات قبول ترشحهم. هؤلاء المترشحون هم عبد اللطيف المكي ومنذر الزنايدي وعماد الدايمي. ورغم الصفة الإلزامية والباتة لقرارات المحكمة الإدارية وفق القانون، وحسب تأكيد أهم رجال وخبراء القانون في تونس، فقد أعلنت هيئة الانتخابات، في قرارها الصادر بتاريخ 2 سبتمبر/أيلول 2024 عدم أخذها بقرارات المحكمة الإدارية. واعتبرت أنها هي وحدها التي تملك صلاحية التقرير النهائي بشأن من يحق له الترشح. وأعلنت الهيئة تثبيتها لقرارها الأول باعتباره القرار النهائي والبات وغير القابل للطعن بأي وجه من الوجوه بقبول ثلاثة مترشحين فقط، هم الرئيس الحالي قيس سعيد، والأمين العام لحركة الشعب زهير المغزاوي، ورجل الأعمال المعتقل العياشي زمال. وقد اعتُقل زمال قبيل ساعات من إعلان هيئة الانتخابات قرارها النهائي بشأن المترشحين لخوض السباق الانتخابي.

السياق السياسي: منظومة حكم فردي كرسها دستور 2022

تجري الانتخابات الرئاسية في سياق سياسي تشهد فيه تونس حالة من الانغلاق تراجعت فيها التعددية السياسية، وانحسر دور الأحزاب بشكل غير مسبوق. وهمّش المجتمع المدني بما في ذلك منظماته الكبرى، التي كانت بارزة في المشهد السياسي خلال عشرية الانتقال الديمقراطي، على غرار الاتحاد العام التونسي للشغل والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان واتحاد الصناعة والتجارة وعمادة المحامين(3). فقد كرّس نظام الحكم بعد 25 يوليو/تموز 2021 منظومة فردية استحوذ فيها الرئيس على كل الصلاحيات. فسيّر البلاد بالمراسيم والأوامر، ووضع عام 2022 دستورا أشبه بالدستور الممنوح، لم تشارك في صياغته أي جهة سياسية أو اجتماعية. وفرض سعيد في هذا الدستور نظاما رئاسيا مطلقا، لا دور تشريعيا فيه ولا رقابيا للبرلمان

ومن خلال موقعه رئيسا للجمهورية، مضى سعيد في تنزيل رؤيته السياسية لطبيعة المشهد السياسي. تقوم تلك الرؤية على مرجعية مختلفة تماما عن المرجعية التي تأسست عليها مرحلة الانتقال الديمقراطي على مدى عشر سنوات، وتعتبر أن النظام البرلماني التمثيلي أفلس في العالم كله. فعندما سئل عن دور الأحزاب السياسية والبديل عن التنظيم السياسي القائم على التعددية الحزبية أجاب بأن “الأحزاب جاءت في وقت معين من تاريخ البشرية، وبلغت أوجها في القرن الـ19 والقرن 20 ثم صارت بعد الثورة التي حدثت على مستوى وسائل التواصل والتكنولوجيات الحديثة أحزابا على هامش الدنيا، في حالة احتضار. ربما يطول الاحتضار لكن بالتأكيد بعد سنوات قليلة سينتهي دورها”. وعندما سئل هل سيكون إلغاء الأحزاب من بين إصلاحاتك السياسية؟ رد بكل ثقة “لا لن ألغيها، التعددية ستبقى قائمة إلى أن تندثر وحدها”، مؤكدا أن “الأحزاب انتهى دورها”(4).

وفعلا، مضى سعيد بعد 25 يوليو/تموز 2021 في تهميش الأحزاب السياسية تدريجيا، مستعملا في ذلك مسارات متعددة، تراوحت بين تجاهلها تماما وعدم مشاورتها أو الحوار معها وبين التضييق عليها وشيطنتها إعلاميا. ووصل الأمر إلى حد تجميد بعض الأحزاب والتضييق على بعض آخر بما يشبه الحظر، كما هو شأن حركة النهضة التي صدر قرار من وزير الداخلية بإغلاق كل مقراتها ومنع انعقاد أي اجتماعات داخلها. وهو قرار لا يزال نافذا إلى اليوم رغم عدم وجود قرار قضائي بذلك(5). واتسعت دائرة استهداف السلطة للأحزاب السياسية من خلال إيداع أبرز رموز المعارضة السجن. شمل ذلك زعيم حركة النهضة أكبر الأحزاب السياسية، الذي كان يرأس مجلس نواب الشعب قبل تعليق أعماله ثم حله من قبل الرئيس قيس سعيد. وطال الاعتقال أمناء عامين لأحزاب سياسية وشخصيات سياسية بارزة، اتهموا جميعا بالتآمر على أمن الدولة، وهم يقضون أكثر من عام ونصف في الاعتقال دون أن يقدموا للمحاكمة أو توجه لهم تهمة واضحة. إلى جانب ذلك، يقبع العديد من الصحفيين والمدونين في السجن بتهم على أساس المرسوم 54 المثير للجدل، الذي تعتبره المنظمات الحقوقية مرسوما يستهدف حرية التعبير ويجرّمها.

في هذه المناخات، انحسر الزخم السياسي للأحزاب السياسية بشكل متسارع خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وتراجع دور المنظمات وجمعيات المجتمع المدني بشكل لافت، لا سيما مع الاتهامات المتكررة التي يرددها الرئيس سعيد وتشكك في ولاء تلك المنظمات وفي شفافية تمويلها ونشاطها. لقد رسّخت الإجراءات الأحادية الفردية التي اتخذها الرئيس سعيد ومنظومة الحكم الجديدة نظاما سياسيا مختزلا كلّيًّا في رأس السلطة، في غياب كامل لأي معنى لاستقلال السلطات أو توازنها. ورغم وجود مجلس لنواب الشعب (برلمان) فإن دوره هامشي، ولا يتمتع بأي صلاحية للرقابة على عمل الحكومة أو محاسبتها. وتختزل مهمته الأساسية في المصادقة على مشاريع القوانين والقروض التي يطرحها الرئيس مباشرة أو عبر الحكومة.

ولا تبدو الحكومة في المجمل مختلفة عن البرلمان، إذ يختار الرئيس أعضاءها، وهم في الغالب من خارج البرلمان ومن خارج الأحزاب السياسية. ويشدد سعيد على أن رئيس الحكومة مجرّد مساعد لرئيس الجمهورية ومنفذ لسياساته ومطبق لبرنامجه. ويمثل الوزراء في الغالب أمام الرئيس مباشرة لمتابعة مهامهم الوزارية أكثر مما يمثلون أمام رئيس حكومتهم. في هذا السياق، يمكن القول إن المشهد السياسي أصبح مختزلا في شخص الرئيس، ومتمركزا حول رئاسة الدولة. فللرئيس الصلاحيات المطلقة في رسم السياسات وسن التشريعات والإشراف على القضاء بعد أن أعاد الرئيس تعريفه باعتباره وظيفة وليس سلطة مستقلة. كما دأب على تقريع القضاة على تأخرهم في إصدار الأحكام، أو على عدم تسريع التحقيقات القضائية.

على صعيد الإعلام، الذي تحول بدوره إلى أداة دعاية للرئاسة وأنشطتها، تراجعت تونس في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، حسب منظمة “مراسلون بلا حدود”، من المرتبة 73 في سنة 2020 إلى المركز 121 في 2023 من بين 180 دولة يشملها التصنيف(6). ويعتبر هذا التراجع المتسارع في تصنيف تونس في مجال الحريات مؤشرا واضحا على الأثر الكبير لما قام به قيس سعيد في 25 يوليو/تموز من إنهاء العمل بالدستور وحل البرلمان والحكومة، وإعلان إجراءات استثنائية، وإدارة البلاد بالمراسيم الرئاسية، التي أطلقت سلطة الرئيس. ومثّل المرسوم 54، الصادر في سبتمبر 2022، تحولا جوهريا في اتجاه التضييق على الحريات، وعلى رأسها حرية التعبير.

السياق الاقتصادي والاجتماعي

كان من أبرز التبريرات التي قدمها الرئيس التونسي قيس سعيد لإعلان الإجراءات الاستثنائية بحجة الخطر الداهم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الحادة التي عمّقتها جائحة كورونا. ولكن بعد مرور ثلاث سنوات على تفعيل سعيد للفصل 80 من الدستور وإعلان الإجراءات الاستثنائية، تجد تونس نفسها في مواجهة صعوبات اقتصادية واجتماعية متفاقمة تتعقّد وتتعمّق بشكل متسارع. يظهر ذلك في ركود النمو الاقتصادي، والاختلالات في التوازنات المالية، وتفاقم الأزمة الاجتماعية على جميع المستويات. 

تظهر كل التقارير الرسمية وغير الرسمية المتخصصة أن الاقتصاد التونسي يواجه امتحانا صعبًا خلال العام الجاري لتغطية احتياجاته من التمويل الخارجي، في ظل عدم إبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي كان مبرمجا للتعاون في الإصلاح الاقتصادي بتمويل قيمته 1.9 مليار دولار. وقد اعتبر البنك الدولي أن تباطؤ النمو يضاعف من التحديات التي تواجهها تونس في تغطية احتياجاتها الكبيرة من التمويل الخارجي. فقد سجل الاقتصاد التونسي في الربع الأول من عام 2024 نموًّا لم يتجاوز 0.2 بالمئة، متراجعا عن نسبة 1.1 بالمئة التي سجلها في نفس الفترة من العام الماضي. وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء إلى أن الاقتصاد التونسي كان قد سجل نسبة نمو تقدر بـ0.4 بالمئة عام 2023، متراجعا عن نسبة 2.4 بالمئة خلال عام 2022(7).

وتلجأ تونس إلى الاقتراض السيادي لتمويل احتياجاتها الخارجية، حيث لا يمكنها النفاذ إلى الأسواق المالية الدولية، ولا يزال الاستثمار الأجنبي المباشر والاستثمارات في السوق المالية محدودة. وفي ضوء قانون المالية لعام 2024، تعتزم الحكومة اقتراض نحو 5.2 مليارات دولار من الخارج، لسد جزء من الفجوة المالية المقدرة بنحو 9.155 مليارات دولار، من بينها عجز للميزانية بنحو 3.395 مليارات دولار.

وتعتمد تونس، وفق رؤية الرئيس سعيد المعلنة والمتحفظة على التداين الخارجي، بشكل متزايد على الاقتراض من البنوك المحلية، لا سيما البنك المركزي، لتمويل ميزانيتها، وفق تقرير البنك الدولي(8). وأدى هذا التحول إلى تعميق مواطن الضعف والاختلال في النظام المالي، كما تسبب التداين الحكومي الداخلي في مزاحمة الحكومة للقطاع الخاص على الاقتراض من البنوك المحلية. وتفيد التقديرات أن الحكومة ستقترض من البنوك الوطنية حوالي 3.745 مليارات دولار خلال العام الجاري وحده. وأظهرت وثائق رسمية أن الحكومة التونسية مطالبة بتسديد 4 مليارات دولار من الديون الخارجية في 2024، بزيادة 40 بالمئة على 2023، في ظل شح التمويل الخارجي المتوقع أن تحصل عليه الحكومة(9).

وينعكس تعثّر النمو على الأداء الاقتصادي المتردّي الذي تسجّله البلاد. وقد ساهمت الاختلالات الكبيرة في التوازنات المالية العامة في إرباك قدرة الحكومة على التصرّف. ويخشى مراقبون أن يؤدي استمرار الوضع القائم إلى أزمة مالية حادة، وقد تتسبب أي إجراءات تعديلية جذرية ومفاجئة في اندلاع أزمة اجتماعية وسياسية غير محسوبة.

وعلى عكس رهان الخبراء والمؤسسات المالية الدولية، لم يحدث أي إصلاح اقتصادي ولم يكن تحفيز النمو أولوية في برنامج الحكومية عام 2023. ما حدث هو تعمّق الانكماش الاقتصادي، حيث سجّل الناتج المحلي الإجمالي خلال الفصل الثاني من عام 2023 معدّل نمو سلبيًّا بنسبة 1.3 في المئة. وتشير التقديرات إلى أن معدّل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ 0.6 في المئة عام 2023، وهو الأداء الأسوأ منذ عام 2011 حسب تقرير مؤسسة كارنيغي(10).

وقد انعكس الانكماش الاقتصادي وتراجع النمو إلى ما دون الصفر أحيانا، بشكل مباشر، على حياة التونسيين. فالأغلبية تعاني من تدهور غير مسبوق في المقدرة الشرائية، مع الارتفاع المستمر في الأسعار. وزاد من تعقيد الأوضاع عجز الحكومة عن توفير السلع والمواد الأساسية في الأسواق، فبرزت ظاهرة الطوابير الطويلة أمام المحلات لاقتناء العديد من البضائع الشحيحة، وأصبح الحصول على الكثير من المواد الأخرى صعب المنال.

ومن مؤشرات الركود الاقتصادي وانكماش الاستثمارات وتراجع فرص العمل، ما سجله المعهد الوطني للإحصاء من ارتفاع لافت في نسبة الفقر من 23.2 بالمئة سنة 2023 إلى 33.6 بالمئة سنة 2024. وقد وثّق المعهد الوطني للإحصاء ومنظمة العمل الدولية نسبة 42.2 بالمئة من البطالة بين الشباب التونسي في الفئة العمرية الأقل من 25 عاما خلال العام الجاري، وهي النسبة الأعلى في تاريخ تونس(11).

وقد شهدت تونس خلال العامين الأخيرين قفزة حادة في أعداد المهاجرين غير النظاميين. يظهر ذلك في ركوب عشرات الآلاف من التونسيين البحر بطريقة سرية، محاولين الوصول إلى أوروبا بحثا عن فرص معيشية أفضل. وقد تضافرت العوامل السلبية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لتجعل فكرة الهجرة حلم كل شاب تونسي، حتى وإن تطلب الأمر المغامرة بمغادرة البلاد في قوارب هجرة لا يتوفر في أغلبها الحد الأدنى من شروط السلامة (الحرقة كما تعرف في تونس).

ويعتقد العديد من المراقبين والقوى السياسية الفاعلة في البلاد أن الأوضاع ازدادت سوءا في السنوات الأخيرة، مع تكريس حالة الهشاشة العامة بسبب المصاعب المتراكمة والمتفاقمة. وما لم تحدث إصلاحات عميقة وشاملة، تتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والمجتمع، في إطار حوار وطني وتوافق واسع على خيارات مشتركة، فلا يبدو أن إنقاذ الوضع من الانهيار سيكون ممكنا.

السياق الإقليمي والدولي

تسبق الانتخابات الرئاسية التونسية المقررة في 6 أكتوبر/تشرين الأول القادم، انتخابات رئاسية في الجزائر في 7 سبتمبر/أيلول يتنافس فيها ثلاثة مرشحين على رأسهم الرئيس الحالي عبد المجيد تبون. ويبدو من السياق العام أن الجزائر تتجه لتكريس الاستمرارية، لا سيما أن منافسيْ تبون، وهما يوسف أوشيش عن حزب جبهة القوى الاشتراكية وعبد العالي حساني عن حركة مجتمع السلم (حمس)، لا يبدو أنهما يحظيان بشعبية كافية تمكنهما من منافسته بشكل جدي. من الواضح أن الجارة الغربية الكبرى لتونس تقدّم معادلة “الاستقرار” وتثبيت أركان منظومة الحكم التي أعقبت الحراك الشعبي ونجحت في احتوائه، على أي “مغامرات” انتخابية من شأنها أن تربك الوضع القائم الذي يسعى للاستمرار تحت راية الاستقرار وضبط الأوضاع والتحكم فيها، من أجل معالجة حالة الهشاشة التي طبعت حقبة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة.

ويعكس المشهد الجزائري مزاجا عربيا عاما في المنطقة بأسرها، يقدم أولوية الاستقرار والاستمرارية على التغيير، خاصة في سياق انتخابات تنافسية. وتسيطر فكرة القطيعة مع مرحلة الربيع العربي على تأطير المشهد السياسي في المنطقة. لذلك تعمل الأنظمة القائمة على ترسيخ ركائز حكم سلطوية، تتمتع بقدرة عالية على الضبط والسيطرة. وقد مثلت الانتخابات الرئاسية في مصر في ديسمبر/كانون الأول 2023، التي أعيد فيها انتحاب الرئيس عبد الفتاح السيسي بأغلبية ساحقة بلغت 89.6 بالمئة، بعد ضمان عدم وجود منافسين جديين، نموذجا لشكل وطبيعة الانتخابات المطلوبة في المنطقة عامة. وقد حظي النظام المصري بعد هذه الانتخابات بدعم إقليمي ودولي سخي وغير مسبوق، ليس على المستوى الاقتصادي وحسب، بل أيضا على المستوى السياسي والدبلوماسي.

يتأسس هذا الدعم والتفاهم مع أنظمة سلطوية قوية على تقييم غربي، أميركي وأوروبي، بأن هذا النمط من الحكم، على غرار نظام السيسي، قادر على مساعدة القوى الدولية على تأمين الاستقرار الإقليمي وتجنّب النزاعات. فلا وقت لدى القوى الغربية للتعامل مع تغييرات سياسية مفاجئة و”غير منضبطة” في ظل انشغالها بالحرب الروسية الأوكرانية والصعود الصيني المثير للقلق. ويتقاطع هذا المزاج الغربي الداعم ضمنا للأنظمة السلطوية في المنطقة بعد التراجع عن فكرة دعم التحولات الديمقراطية، مع المزاج الروسي الصيني الذي يتقن بدوره التعامل مع أنظمة على ذات الشاكلة.

فالولايات المتحدة والقوى الغربية عموما، تخلّت عن فكرة “دعم الديمقراطية” والترويج لها في المنطقة لصالح استراتيجية دعم الاستقرار وتقوية الأنظمة القائمة من خلال سياسات وبرامج تقوم على التعاون الأمني والدفاعي بالدرجة الأولى. في هذا السياق، تراهن واشنطن والغرب على ربط المنطقة باستراتيجيات أمنية وعسكرية ملحقة بحلف شمال الأطلسي (الناتو) أو معززة لدوره، على غرار مساعي تشكيل “ناتو عربي إسرائيلي” تكرر الحديث عنه وجرت اجتماعات تشاورية حوله برعاية أميركية في النقب في مارس/آذار 2022. يضاف إلى ذلك “مناورات الأسد الإفريقي” التي تنظمها القوات الأميركية بالشراكة مع دول عربية وإفريقية منها المغرب وتونس والسنغال، وعقد شراكات مميزة في مجالي الأمن والدفاع مع دول المنطقة، بينها تونس التي عقدت مع الاتحاد الأوروبي اتفاقيات بشأن مكافحة الهجرة غير النظامية، ومع الولايات المتحدة بشأن التعاون العسكري(12).

خاتمة

في المحصلة، يبدو المشهد العربي اليوم، بعد انكسار تجربة الربيع العربي، طاردا لفكرة التغيير والانتخابات الحرة، مكرسا لفكرة تجاوز تلك الحقبة، بعدما جرى إظهارها عنوانا للفوضى وعدم الاستقرار. لذلك، يبدو أن المنطقة، في عمومها، تتجه نحو عودة الأنظمة السلطوية، التي تؤدي فيها المؤسسة الأمنية والعسكرية أدورا متقدمة وحيوية.

في هذا السياق الدولي والإقليمي، تفيد مؤشرات المشهد السياسي التونسي أن الانتخابات القادمة لا تعدو أن تكون محطة في مسار استثنائي فرضه الرئيس قيس سعيد. وأغلق به قوس الربيع في البلاد، ليعود بها إلى نادي أنظمة الحكم السلطوية المتماثلة في المنطقة. أنظمة الأمر الواقع، الطاردة للتغيير، والمناهضة للديمقراطية، تحت شعار الاستقرار والاستمرار.

لقد شهد العالم، وسيشهد فيما بقي من عام 2024، أكثر من 70 انتخابات، لعل أبرزها على المستوى الدولي الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر/تشرين الأول القادم. وقد كان الكثير من تلك الانتخابات، التي جرت في الأشهر القليلة الماضية، على غرار انتخابات السينغال وفرنسا وبريطانيا وأميركا اللاتينية، مثيرا وديناميكيا وشكّل فرصة للتغيير والتداول وإعادة تشكيل معادلات الحكم. لكن، على الأغلب، ستكون الانتخابات في منطقتنا، ومنها الانتخابات الرئاسية التونسية، مناسبة لتكريس الأمر الواقع واستمراره، نظاما وسياسات.

جلال الورغي – كاتب وباحث تونسي في العلاقات الدولية والاسلام السياسي

مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

(1) تصريح أدلى به نافع حجي، رئيس شبكة “مراقبون” لإذاعة “ديوان أف أم” المحلية بتاريخ 1 يوليو/تموز 2024، (تاريخ الدخول: 26 أغسطس/آب 2024):https://tinyurl.com/d6adsebh/

(2) ممن شملهم حكم قضائي بالمنع من الترشح مدى الحياة، الأمين العام لحزب الاتحاد الشعبي الجمهوري محمد لطفي المرايحي، والأمين العام لحزب العمل والإنجاز عبد اللطيف المكي، إضافة إلى الناشط نزار الشعري والقاضي مراد مسعودي وكريم الغربي وعادل الدو.

(3) اختارت هذه المنظمات الأربع، التي نالت عام 2015 جائزة نوبل للسلام لدورها في رعاية الحوار الوطني، أن تدعم في البداية ما قام به قيس سعيد في 25 يوليو/تموز واعتبرته تصحيحا للمسار، و”إنقاذا البلاد من العشرية السوداء”، في إشارة إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي.

(4) حوار مع قيس سعيد أجرته الصحفية كوثر زنطور لفائدة “الشارع المغاربي” في 12 يونيو/حزيران 2019، قبل أربعة أشهر من الانتخابات الرئاسية التي فاز فيها سعيد بنسبة 72.1% بعد أن أعلنت جل الأحزاب السياسية دعمه في الدور الثاني على حساب منافسه عن حزب قلب تونس نبيل القروي، (تاريخ الدخول: 26 أغسطس/آب 2024):

https://tinyurl.com/5n7uftvj

(5) أصدر وزير الداخلية في 18 أبريل/نيسان 2023 أمرا يقضي بإغلاق مقار النهضة ومنع الاجتماعات فيها وفي مقار جبهة الخلاص الوطني.

(6) أنظر تقرير “مراسلون بلا حدود” الصادر في 3 مايو/أيار 2023، (تاريخ الدخول: 26 أغسطس/آب 2024):

https://rsf.org/ar/%D8%AA%D8%B5%D9%86%D9%8A%D9%81

(7) بيان صادر عن المعهد الوطني للإحصاء بتاريخ 15 فبراير/شباط 2024.

(8) أقر البرلمان التونسي في 7 فبراير/شباط 2024 تعديلا يمكّن البنك المركزي من منح تسهيلات لفائدة الخزينة العامة للدولة، في خطوة “استثنائية”. ويرخص النص الجديد للبنك المركزي “بصفة استثنائية منح تسهيلات لفائدة الخزينة العامة للبلاد التونسية في حدود مبلغ صاف يقدر بـ7 آلاف مليون دينار (2.25 مليار دولار) تسدد على مدة عشر سنوات، منها ثلاث سنوات إمهال ودون توظيف فوائد”.

(9) أعلنت ذلك وزيرة المالية يوم 22 يناير/كانون الثاني 2024 خلال عرضها للخطوط العريضة لمشروع قانون المالية.

(10) حمزة المؤدّب، إسحاق ديوان، هاشمي علية، تراكم العوامل المؤدية إلى الأزمة: تونس بين المشاكل الحالية والمسارات المستقبلية، مركز مالكولم كير – كارنيغي للشرق الأوسط، 26 فبـرايـر/شباط 2024 (تاريخ الدخول: 26 أغسطس/آب 2024):

(11) المعهد الوطني للإحصاء، مرجع سابق.

(12) انظر الحوار الذي أجرته صحيفة “الشارع المغاربي” التونسية مع السفير الأميركي في تونس، جوي هود، المنشور على صفحة السفارة الأميركية في تونس بتاريخ 30 أغسطس/آب 2024.




عرض جيبوتي بمنح ميناء لإثيوبيا… هل يُقلق مصر؟

مقترح جديد من جيبوتي بداعي «تخفيف حدة التوترات» في منطقة القرن الأفريقي في ظل أزمة تتصاعد عقب اتفاق إثيوبيا مع «أرض الصومال» لتأمين الوصول إلى البحر الأحمر من خلال منفذ ساحلي، وهو ما قوبل برفض مقديشو والجامعة العربية، تلاه إرسال القاهرة قوات ومعدات إلى الصومال، بطلب من مقديشو، اعتبرته أديس أبابا دون أن تسميه مباشرة «مزعزعاً للاستقرار» بالمنطقة.

عرض جيبوتي بـ«ميناء تجاري» لإثيوبيا، أثار تساؤلات حول إمكانية قبول إثيوبيا الأمر والتراجع عن الاتفاق مع «أرض الصومال»، وأيضاً انعكاس الأمر على القاهرة، التي اختارت «مساراً تصعيدياً» موازياً ضد أديس أبابا، عبر تقديم خطاب لمجلس الأمن بشأن الخلافات حول ملف «سد النهضة» الإثيوبي.

خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، يرون أن ذلك العرض يجب أن ترد عليه إثيوبيا أولاً، وخاصة أنها هي المعنية بالأمر، في حين «سترد القاهرة حال وجود تهديد على أمنها القومي، شأنها شأن أي دولة متضررة من أي اتفاق».

وكشفت حكومة جيبوتي عن تقديم عرض الوصول الحصري لإثيوبيا إلى ميناء جديد لنزع فتيل التوترات، وفق ما أفاد وزير الخارجية الجيبوتي محمد علي يوسف، في مقابلة مع إذاعة «بي بي سي» الجمعة.

وأثارت إثيوبيا خلافاً دبلوماسياً مع مقديشو في يناير (كانون الثاني) عندما كشفت عن عرض للاعتراف بـ«أرض الصومال» التي تتمتع بحكم شبه ذاتي، دون اعتراف دولي، مقابل الوصول إلى ميناء على خليج عدن، وعارض الصومال، الذي يعتبر «أرض الصومال» جزءاً من أراضيه، الخطة وتدهورت العلاقات بين البلدين منذ ذلك الحين.

يشمل المقترح الجيبوتي «إدارة بنسبة 100 في المائة لميناء في الشمال، وهو ممر جديد تم بناؤه بالفعل» في تاجورة على ساحل الدولة الواقعة في القرن الأفريقي، وفق يوسف، موضحاً أن رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيلة طرح الاقتراح لـ«إيجاد طريقة للحوار» لوقف تصعيد التوترات في المنطقة، وسيناقشه في منتدى التعاون الصيني – الأفريقي الذي يُعقد في بكين هذا الأسبوع.

وتعقيباً على العرض، قال رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير محمد العرابي لـ«الشرق الأوسط»، إن «مصر لا تضع قيوداً على تصرفات أو تحركات أي دولة»، غير أنه أكد أن «الأوضاع في القرن الأفريقي لا تتحمل هيمنة أحد، ومصر تفصل تماماً ما بين الأوضاع في القرن الأفريقي والسد الإثيوبي». في حين يرى السفير صلاح حليمة، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن العرض الجيبوتي يتعلق بنشاط تجاري وليس عسكرياً كما هو الحال في «أرض الصومال»، مشيراً إلى أن جيبوتي لديها العديد من الاتفاقيات مع دول ومنظمات أخرى وتقبل بمثل هذه الأمور.

ويعتقد أن مصر شأنها شأن أي دولة ستعلق بعد التعرف على تفاصيل هذا العرض عند قبوله والتوافق عليه بين الجانبين ارتباطاً بمضمونه وطبيعة النشاط، وبالتالي فإن واقع الأمر أن ما صدر من جانب جيبوتي مجرد تصريح بعرض.

عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، اللواء مجدي القاضي، يرى أن مصر لو عُرض عليها هذا المقترح الجيبوتي ستدرسه، وأي شيء يهدد أمنها القومي سترفضه، داعياً إثيوبيا التي وصفها بأنها «ذات نيات سيئة تجاه القاهرة» إلى أن تعلن موقفها أولاً من العرض.

ويرى البرلماني المصري أن إثيوبيا هي من تسعى لـ«تعكير صفو العلاقات»، وتظن أنها قادرة على أن تسيطر على ميناء مطل على البحر الأحمر لتؤثر على مصالح مصر، مؤكداً أن القيادة السياسية وجميع الأجهزة بمصر قادرة على تقييم الأمور بشكل موضوعي وحفظ الأمن القومي بشكل جاد وحاسم.

وجاءت تصريحات العرض الجيبوتي بعد أيام من إعلان سفير الصومال لدى مصر، علي عبدي أواري، «بدء وصول المعدات والوفود العسكرية المصرية إلى العاصمة الصومالية مقديشو في إطار مشاركة مصر بقوات حفظ السلام»، موضحاً حينها أن «مصر بذلك ستكون أولى الدول التي تنشر قوات لدعم الجيش الصومالي بعد انسحاب قوات الاتحاد الأفريقي الحالية».

الحضور المصري بمقديشو الجارة لإثيوبيا رفضته أديس أبابا، وتحدثت وسائل إعلام إثيوبية بأن «أديس أبابا ستنقل قوات عسكرية إلى حدودها مع الصومال رداً على وصول تعزيزات عسكرية مصرية».

وقبل أن تعين أديس أبابا، الخميس، سفيراً لدى «أرض الصومال»، غير المعترف بها دولياً، صدر بيان من الأخيرة، أعربت خلاله عن «الاعتراض بشدة على الانتشار الأخير للقوات العسكرية المصرية في مقديشو»، وحذر وزير الخارجية الإثيوبي، تاي أصقي سيلاسي، في مؤتمر صحافي، الجمعة، من «تحركات حكومة الصومال مع جهات (لم يسمها) لا تريد الاستقرار للمنطقة».

ووفق السفير حليمة، فإن إثيوبيا تحركت في الاتجاه غير الصحيح منذ البداية بالسعي لعقد اتفاق باطل قانوناً مع إقليم «أرض الصومال» الانفصالي الذي لا يتمتع بأهلية قانونية تتيح له إبرام اتفاقيات أو مذكرات تفاهم على هذا المستوى، والتي تعد تدخلاً من جانب إثيوبيا في شؤون الصومال، وهو دولة ذات سيادة، وأيضاً تهديداً لوحدته وسلامته الإقليمية، بما ينعكس على تهديد الأمن والاستقرار في منطقة البحر الأحمر التي تعد أحد أهم محاور الأمن القومي المصري والعربي والأفريقي.

ويتفق معه اللواء القاضي بأن إثيوبيا «ناورت كثيراً في ملف (سد النهضة)، فكيف يمكن أن نطمئن لها في أي وجود آخر يهدد أمن مصر؟!»، مؤكداً أن من حق مصر أن تتخذ أي موقف يحفظ أمنها القومي سواء في ملف السد أو غيره، وعلى إثيوبيا أن تثبت نيات حسنة بدلاً من إدخال المنطقة في «دوامة توترات».

والأحد، أفادت الخارجية المصرية بتقديم خطاب لمجلس الأمن بشأن اعتراضات أبدتها على ملء «سد النهضة»، مؤكدة أنها «تمثل استمراراً للنهج الإثيوبي المثير للقلاقل مع جيرانها والمهدد لاستقرار الإقليم الذي تطمح أغلب دوله لتعزيز التعاون والتكامل فيما بينها، بدلاً من زرع بذور الفتن والاختلافات».

صحيفة الشرق الاوسط




نشأة عاشوراء في جبل عامل… عن التاجر الإيراني الذي أشاع التطبير والحسينيات

الجدل حول طقوس عاشوراء، لا ينقطع ولا ينتهي. هو جدل يتجدد كل عام، بمناسبة ومن دون مناسبة، فالطقوس العاشورائية هذه محط جدل سنّي شيعي، وشيعي شيعي. تختلف الروايات الشيعية في نشأتها؛ فمنهم من يعيد بدايتها مباشرةً إلى واقعة كربلاء ومقتل الحسين بن علي، على يد جيش يزيد بن معاوية، ويؤكد أن نساء آل الحسين هنّ من ابتدأنها حزناً على الضحايا، ومنهم من ينسبها إلى بداية نشأة الدويلات الشيعية وأبرزها دولة البويهيين، ودولة الصفويين، إذ حملتا معهما إحياءات رسميةً لهذه المناسبة وهذه الطقوس، في فارس والعراق، بالإضافة إلى دولة الفاطميين في مصر، والحمدانيين في حلب.

أول الطقوس تاريخياً… العهد البويهي

شكّلت واقعة كربلاء ذاكرة الطائفة الشيعية، وأعطت الجماعة ماضياً مشتركاً ورسّخته في التاريخ، كما وُلدت معها سلسلة من الطقوس التي تشكل خصوصية العقيدة الشيعية الإمامية. وكانت إقامة الشعائر بمناسبة استشهاد الحسين، تتخذ أشكالاً متعددةً حوالي بداية القرن العشرين، نتجت من تطوّر تقاليد قديمة كانت منتشرةً لدى المسلمين من مختلف الطوائف. وتم إحياء هذه التقاليد منذ عهد الصفويين (1501-1722م)، وأضيفت إليها أعمال الشبيه، أي تمثيل الفاجعة على صورة موكب.

وبذلك تصبح الشعائر الكبرى التي تطورت عبر العصور لدى الشيعة بمناسبة ذكرى عاشوراء، أربعةً: مجالس العزاء أو التعزية، وزيارة قبر الحسين لا سيما في العاشر من محرم وفي الأربعين، والمواكب الحسينية، وأعمال الشبيه، وقد تُرافق المجالس والمواكب أعمال مختلفة من أذى النفس، تتراوح بين ضرب الصدر باليد، أو ما يُسمّى باللطم، وضرب الظهر بالسوط، أو ما يسمّى بالتطبير.

وكان انتشار هذه الشعائر يزيد أو ينقص، وتتعدد صوره وتختلف بحسب اختلاف المناطق في العالم الشيعي، وذلك بحسب ما ذكرت المستشرقة الفرنسية صابرينا ميرڤان، في كتابها “حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل وأدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان”. 

يتجدد الجدل حول طقوس عاشوراء كل عام، جدل سنّي شيعي، وشيعي شيعي. إذ تختلف روايات  نشأتها؛ فمنهم من يعيد بدايتها مباشرةً إلى واقعة كربلاء ومقتل الحسين بن علي،  ومنهم من ينسبها إلى بداية نشأة الدويلات الشيعية وأبرزها دولة البويهيين، ودولة الصفويين 

وتروي المستشرقة الفرنسية، أن “مجالس العزاء أول ما ظهر من هذه الشعائر، فقد أعادتها بعض السنن إلى يوم الفاجعة نفسه، إذ بدأت بها نساء آل الحسين قبل اقتيادهنّ إلى دمشق. ثم توبعت هذه المجالس في العهد الأموي، سرّاً في البيوت، ثم أقيمت في العهد العباسي علناً، فقد أقيمت في القرن العاشر الميلادي في أماكن في بغداد وحلب والقاهرة يجتمع فيها الناس خصيصاً لإقامة هذه المجالس التي سُمّيت بالحسينيات؛ وكانوا يبكون فيها وينتحبون وينشدون المراثي ويقرأون المقاتل. وقد أصبحت مجالس العزاء تقام بعد ذلك طوال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم”.

أما زيارة قبر الحسين وقبور شهداء كربلاء، فكانت شائعةً في القرون الإسلامية الوسطى، والدليل على ذلك أن الخليفة العباسي المتوكل (تـ861م)، أراد أن يضع لها حدّاً سنة 850م، فهدم قبر الحسين. بعد ذلك تعاظم أمر هذه الزيارات شيئاً فشيئاً، لا سيما في عهد الصفويين. أما المواكب الحسينية، فإن المؤرخ ابن الأثير (1233م)، فيعيد تاريخها إلى سنة 963م، ويقول إن معزّ الدولة، أول البويهيين، قد أعلن الحداد على الحسين في يوم عاشوراء من تلك السنة، ومنذ ذلك الحين بدأ الشيعة بالطواف في شوارع بغداد في مواكب كانت سبباً للصدام مع السنّة.

وبالانتقال إلى أعمال التشبيه، فقد بدأ بها الصفويون بعد ذلك بكثير، في القرن الخامس عشر الميلادي، وذلك بحسب ما جاء في كتاب ميرفان سابق الذكر، حيث تروي أن “أعمال التشبيه تُنسب في التقليد الشعبي الفارسي إلى الشاه إسماعيل، أول الصفويين، بهدف نشر المذهب الاثني عشري في بلاد فارس؛ وكان الشاه عباس بعده يحثّ على إقامة هذه الاحتفالات. ثم جاء القاجاريون بعدهم فتابعوا نهجهم؛ وأقاموا ورعوا، بدلاً من المشاهد الموزّعة، مسرحيةً فعليةً تُمثَّل على خشبة المسرح، إلا أن ذلك اقتصر حينها على بلاد فارس”.

وتضيف: “أما الشعائر التي تقوم على أذى النفس، والتي كانت معروفةً قديماً في العقائد السائدة في الشرق الأوسط، فإنها لم ترافق شعائر عاشوراء إلا في زمن متأخر. ويؤكد إسحاق نقاش، بالبرهان المقنع، أن شيعة شمال إيران أوّل من بدأ بممارسة التطبير، وقد شهد على ذلك رحّالة عثماني، إذ يذكر أنه رأى سنة 1640م، هذه الشعائر الدامية؛ وقد أتت من القوقاز وأذربيجان، ولم تصل إلى داخل إيران وإلى البلاد العربية إلا في القرن التاسع عشر”.

المستشرقة الفرنسية عادت أيضاً لنقل ما سجّله عدد كبير من الرحالة حول مشاهداتهم الدقيقة لإقامة شعائر عاشوراء في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في إيران، “حيث كان الاحتفال بذكرى موقعة كربلاء ينتشر بلا عناء في عهدي الصفويين والقاجاريين، وكانت الحماسة تصل إلى أقصاها في اليوم العاشر، يوم عاشوراء، حين تسيل دماء اللاطمين في حمأة الموكب. وفي ما خلا مجالس العزاء وأعمال الشبيه والزيارة، كانت تسير المواكب الحسينية، وكان بعض المشاركين فيها يؤدون الشعائر القائمة على أذى النفس تكفيراً عن ذنوبهم، وهم من وصفهم الكونت دوغوبينو، سنة 1866، بالبرابرة الذين يسوطون أنفسهم بسلاسل الحديد ويغرزون الإبر في أجسادهم. وجاء أوجين أوبين، بعده بأربعين سنةً، فأظهرت روايته شعائر أخرى في أذى النفس، إذ كان التوّابون يلطمون صدورهم بإيقاع متكرر قوي، أو يجرحون رؤوسهم قبل أن يسيروا في الموكب، ويضربون على الجرح حتى تسيل الدماء”.

وترى ميرفان، في كتابها، أن أعمال التشبيه التي بدأها الصفويون أحرزت نجاحاً باهراً، وكان تكاثر الروايات حول مصرع الحسين وما يرافقه من طقوس مختلفة، شاهداً على حيوية هذا المسرح الديني الذي انتشر في المدن وفي الريف، ثم نُظّم ودُعم من حكومات الملوك القاجاريين في المدن الكبرى، واستعملوه في تثبيت حكمهم، وكانوا بتنظيمهم هذا الاحتفال يتمكّنون من السيطرة على الشعب والتأثير عليه.

وتضيف أنه “بعد عهد ناصر الدین شاه، انقلبت أداة الترويج هذه، أي تمثيل فاجعة كربلاء، على الحكام واستعملها المعارضون وأنصار الدستور في ترويج أفكارهم، فما كان من رضا شاه بهلوي، إلا أن منع إقامتها سنة 1935، ولكنه لم يستطع محوها، إذ أصبحت تقام في الأرياف”.

الصفويون والتشيّع الجديد

هذه التغيرات التاريخية المفصلية على طقوس عاشوراء، كان هدف الصفويين منها، كسب الطاعة غير المباشرة، عن طريق السيطرة على الشيعة باسم ثورة الحسين والمظلومية بهدف خلق أيديولوجيا تخدم مصالحهم ونفوذهم، إذ يرى المستشرق والدكتور في الفلسفة الإسلامية كولن تيرنر، في كتابه “التشيع والتحول في العصر الصفوي”، أن “الصفويين أرادوا أن يبدعوا فكراً شيعيّاً جديداً، تناقلته الأجيال باعتباره فكراً أصيلاً”، حيث يروي في كتابه “كيف قامت الدولة الصفوية بدايةً من دخول إسماعيل القائد الصفوي، تبريز سنة 1502م، وتنصيب نفسه شاهاً، واعتماده التشيع مذهباً رسميّاً للبلاد حيث يكشف عن خطّة إستراتيجيّة في بسط النّفوذ وتحقيق الهيمنة السّياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة”. 

بحسب مستشرقة فرنسية فقد ظهرت مجالس العزاء أول مرة يوم الفاجعة نفسه، وبدأتها نساء آل الحسين قبل اقتيادهنّ إلى دمشق. ثم استمرت سراً في العهد الأموي، وعلناً في العهد العباسي

ويواجه الباحث أقوال نور الله الشوشتري، الذي “بذل قصارى جهده لإثبات أنّ إيران كانت إماميةً بمعظمها قبل الصفويين، والحال أنّ إيران كانت في معظمها سنّيةً صوفيةً، حتّى أنّ إسماعيل عجز بعد فتحه، عن العثور على أيّ مدوّنة عن المبادىء العامة للإمامية ما عدا مخطوطة يتيمة في الفقه كانت في مكتبة نائية”.

وركّز كولن تيرنر، على دور الشيخ علي الكركي العاملي، في نشر المذهب الإمامي في إيران في عصر إسماعيل الصفوي، وتحصّل الكركي على امتيازات وعقارات بسبب ولائه المطلق للصفويين، كما قمع التسنّن وفرض التشهير المذهبي بالخلفاء الراشدين الأوائل، كما جاء في الكتاب.

كما اختار كولن تيرنر، أن يهتمّ في الفصل الرابع بمحمّد باقر المجلسي، صاحب كتاب “بحار الأنوار” الذي يُعدّ من أساسيات التقليد الشيعي، وهو من أبرز فقهاء الإمامية في آخر العصر الصفوي، ومؤسس الأرثوذكسية الجديدة، حيث اهتمّ الصفويون بالعجيب والغريب من الروايات، وأدخلوا تقاليد اللطم والتطبير، وشجّعوا على سبّ الخلفاء والصحابة وزوجات الرسول، وكفّروا أهل السنّة وأرباب التصوّف.

وزارة الشعائر الحسينية

في المقابل، يرى الدكتور والمفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه “التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي”، أن “الطقوس العاشورائية الحالية ناتجة عن الارتباط بين الصفوية والمسيحية، حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي شكلت خطراً جدياً على أوروبا، وفي هذا الإطار عمد الشاه الصفوي، إلى استرضاء المسيحيين من خلال دعوتهم للهجرة إلى إيران، وشيّد لهم ‘جلفا’ مدينة مستقلة قرب العاصمة ومنحهم الحماية التامة والحرية الكاملة في ممارسة طقوسهم الدينية”.

ومن جهته، يرى شريعتي أن “رجال الدين الصفويين سعوا إلى تجميل صورة بعض الشخصيات المسيحية وإقحامها في المشاهد التمثيلية التي تقام إحياءً لذكرى عاشوراء، من ذلك أن رجلاً كرواتياً يحضر أحد هذه المشاهد فيتأثر فيقتحم المكان ببدلته الأنيقة ويهاجم معسكر يزيد وأنصاره ويواسي الحاضرين بأجمل مواساة، بحيث ما أن يراه الناظر حتى يتيقن بأن كلب هذا المسيحي الإفرنجي أطهر من ‘السنّة’ الذين قتلوا الحسين”.

وبحسب ما ورد في كتابه، فإن “الصفويين استحدثوا منصباً وزارياً جديداً باسم وزير الشعائر الحسينية، حيث ذهب الوزير إلى أوروبا الشرقية وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعةً حول المراسيم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية والوسائل المتّبعة، بما في ذلك أنماط الديكورات التي كانت تُزيَّن بها الكنائس في تلك المناسبات واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها إلى إيران”.

“ومن هذه المراسم أيضاً طريقة تمثيل حياة شهداء الحركة المسيحية الأوائل وإظهار مظلوميتهم وطريقة قتلهم بواسطة حكّام الجور كل ذلك تحت عنوان Passions، حيث أصبحت جزءاً من الهوية الشيعية، كما أن مراسيم اللطم والزنجيل والتطبير وحمل الأقفال ما زالت تمارس سنوياً في ذكرى استشهاد المسيح في منطقة Lourder، وهذه المراسيم دخيلة على المذهب كما أن هنا ممارسات أُدخلت على عاشوراء مماثلة لطقوس الرجال السبعة mysteres 7 (الميراكل Miracles)، التي تعتمد علة تشييع رمزي لنعش عيسى مصلوباً وهبوطه وعروجه ونحو ذلك”.

“أما النوائح التي تؤدّى بشكل جماعي فهي تجسيد دقيق لمراسيم مشابهة تؤدّى في الكنائس ويطلَق عليها اسم ‘كر’، كما أن الستائر ذات اللون الأسود التي توشَّح بها أبواب وأعمدة المساجد والتكايا والحسينيات هي مرآة عاكسة بالضبط لستائر الكنيسة”.

البداية من لبنان

كان لا بدّ من وضع بداية تمهيدية لشيوع طقوس عاشوراء عند الشيعة، وذلك لسرد بداية هذه الطقوس في جبل عامل، الذي كان مركز شيوعها الأساسي، حتى وصلت إلى عهدنا الحالي، حيث مرّت المناطق الشيعية المختلفة بمراحل زمنية محددة بحسب العلاقات والأنظمة الاجتماعية السائدة فيها، وتنوعت وتبدلت أماكن إقامة الشعائر الحسينية من “التكيات” و”الحسينيات”، بالإضافة إلى البيوت والمساجد والمقامات والمقابر. كتب السيّد محسن الأمين في “خطط جبل عامل”، أن “الحسينيات بمثابة تكيات منسوبة إلى الإمام الحسين، لأنها تُبنى لإقامة مراسم عزائه فيها، وأن أصلها جاء من الإيرانيين والهنود الذين بنوها في بلادهم وفي العراق أيضاً. وأورد أن الحسينية لم تكن معروفةً سابقاً في جبل عامل، فالتجمعات تقام في المساجد وهي أفضل”. 

ومن جهته، يرى شريعتي أن “رجال الدين الصفويين سعوا إلى تجميل صورة بعض الشخصيات المسيحية وإقحامها في المشاهد التمثيلية التي تقام إحياءً لذكرى عاشوراء،

يؤيد هذا الكلام الشيخ ياسر عودة، خلال حديثه إلى رصيف22، إذ يرى أن “الحسينيات بدأت عند الشيعة في العهد الصفوي، والمؤسس لها هم الفاطميون قبل الصفويين، وهم أصحاب فكرة إنشاء المراقد لتكريس الفكر الديني الذي يريدونه ولترويج السياحة”. 

جاء في “خطط جبل عامل” أن الحسينيات بمثابة تكيات منسوبة إلى الإمام الحسين، وأن أصلها جاء من الإيرانيين والهنود الذين بنوها في بلادهم وفي العراق أيضاً، وأن الحسينية لم تكن معروفةً سابقاً في جبل عامل، لأن التجمعات كانت تقام في المساجد 

ويقول عودة: “هناك فارق زمني كبير بين العهدين البويهي والصفوي، ففي عهد الصفويين أُدخل على الدين الكثير من المفاهيم وأكثرها أحاديث لعن الصحابة المنسوبة إلى أهل البيت. العقل البويهي أنتج الكثير من القضايا التي شوّهت التشيّع ومنها الشتم واللعن”.

الاضطهاد وبداية عاشوراء في لبنان

وبالعودة إلى جبل عامل (أي مناطق جنوب لبنان)، أولى الشهادات المكتوبة التي وصلتنا حول احتفالات عاشوراء فيه، أتت من جون ورتابيه، سنة 1860. فهو يصف في بضعة أسطر مقتضبة، ما كان يجري من احتفالات في ذلك الحين: يقضي المتاولة الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في حداد وبكاء، على ذكرى مقتل الحسين، ويقرأون في هذه الأيام روايةً طويلةً مؤثرةً ويكفّون عن العمل. ويسمّونها الأيام العشرة، وكانت إقامة الشعائر في تلك الحقبة مقتصرةً إذاً على مجالس العزاء. وما ينقله التاريخ الشفهي عنها، أنها كانت تقام في السرّ. فالروايات المتناقَلة إلى اليوم، تقول إن العامليين كانوا يقيمون هذه المجالس في بيوتهم لكي يختفوا عن أنظار العثمانيين، الذين منعوا إقامتها في العلن، بحسب ما نقلت المستشرقة الفرنسية في كتابها “حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل و أدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان”.

تروي ميرفان: “كان الجنود يقومون بدوريات لرصد ما قد يقوم به الشيعة من احتفالات دينية؛ وكان الناس يوقفون أولاداً في الأزقّة يراقبون مرورهم فينذرون المجتمعين. فإذا ما دخل الجنود عليهم، وجدوهم يشربون الشاي أو يقرأون القرآن”.

ووثّقت ميرفان حول تاريخ هذه الشعائر، نقلاً عن السيد محسن الأمين في سيرته، “أن المجالس كانت تقام في عهد طفولته، أي في ما يعود إلى العقد الثامن من القرن التاسع عشر. وكان يُقرأ في أثناء الليالي العشر الأولى من محرم، في كتاب ضخم مؤلّفه من البحرين واسمه المجالس، وفيه عشرة فصول طويلة، كل فصل مخصص لمجلس”.

ويلاحظ الأمين أن في هذا الكتاب تشويهاً للتاريخ، وأحاديث مكذوبةً أشبه بالأساطير. ومع ذلك فإنه كان مقدّراً عند الناس في جبل عامل. حتى أنه يقول: “والسعادة العظمى لمن يحظى بهذا الكتاب أو يملكه، ولم تكن هذه المجالس تخضع لنظام احتفالي فقد كان المشاركون فيها يدخّنون ويتحادثون كما لو أنهم كانوا في مقهى حول الراوي. كذلك فإنها لم تكن مطردةً ولا منظمةً. أما في اليوم العاشر، يوم مقتل الحسين، فإن هذه العادة تُكسر ويُقرأ في مقتل أبي مخنف (تـ774م)، وهو من المؤرخين الأوائل في تاريخ الإسلام، ثم يُتلى دعاء زيارة قبر الحسين، فإن لم يكن بالإمكان زيارة كربلاء يوم عاشوراء فإن تلاوة هذا الدعاء على غير قبره واجبة. ثم كان يؤتى بالطعام إلى المساجد وفي الغالب يكون من الهريسة، وهي طعام خاص بيوم عاشوراء مؤلّف من القمح واللحم يوزّع على الفقراء”.

وفي عام 1880، بعد عودته من العراق، جاء الشيخ موسى شرارة، بتغييرات كثيرة على هذه العادات، كانت بحسب ما يقول محسن الأمين: “مبدأ الإصلاح لمجالس العزاء”، وأول ما قام به من عمل، هو أنه بدّل الكتب المستعملة في المجالس، فاستبدلها بكتاب أتى به من العراق، كان قد جمع نصوصه أحد قرّاء التعزية، فنسخ منه العديد من النسخ ووُزّعت في جبل عامل. ومع أن في هذا الكتاب الجديد في رأي محسن الأمين، جملةً من الأكاذيب، وتزويراً للتاريخ الصحيح، فإنه كان أصلح مما كان قبله ومجالسه أكثر تنظيماً. واستبدل موسى شرارة مقتل أبي مخنف، بمقتل ابن طاووس، اتّباعاً لما كان سائداً في العراق وإيران، واتّبعه الناس في ذلك، بحسب ميرفان.

يرى علي شريعتي أن الطقوس العاشورائية الحالية ناتجة عن الارتباط بين الصفوية والمسيحية، إذ تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي شكلت خطراً جدياً على أوروبا

ولم يكتفِ موسى شرارة، بتوطيد قراءة المجالس في الأيام العشرة الأولى من محرم احتفالاً بذكرى فاجعة كربلاء، بل أسس لغيرها على مثالها على مدار السنة. فأقام مجالس أسبوعيةً في بيته، بالإضافة إلى ذلك، أدخل عادات جديدةً في الدفن، فأقام مجالس الفاتحة عن أرواح العلماء والشخصيات الكبرى تُقرأ فيها المرائي. وقد شجّع رجال الدين والأدباء على نظم المراثي لقراءتها في هذه المناسبات. وقد اتّبعه الشعراء في ذلك وانتشر هذا التقليد في جبل عامل. كذلك فإنه منع النساء من السير وراء الجنازة، وسنّ لأهل بلدته بنت جبيل، عادة عمل الطعام عن روح الميت ثلاثة أيام.

وتؤكد المستشرقة الفرنسية: “وبذلك يكون موسى شرارة قد قام بتنظيم مجالس العزاء وإحيائها” (وهي اللفظة التي يستعملها محسن الأمين)، فبات القارئ يتلو نص رواية المعركة في كربلاء واستشهاد الحسين على الجماعة، فينوحون ويبكون على ما حلّ بأهل البيت، كما أنه وسّع نطاق الشعائر المتصلة بالاحتفال باستشهاد الحسين، ولم يكن بالإمكان اعتبار هذا الإصلاح القائم على إدخال عناصر خارجية جديدة، من باب البدع القبيحة، بل من باب البدع الحسنة، ولا سيما أن من أدخلها مجتهد مشهود له بالعلم والاستقامة”.

تحريض تجّار إيرانيين على المواكب

ترى المستشرقة الفرنسية خلال توثيقها حركة الإصلاح الشيعية في كتابها، أن “مجالس العزاء التي أدخلها موسى شرارة طُعّمت بالتمثيليات المسرحية وبالمواكب الحسينية على الطريقة الإيرانية، بتحريض من إيرانيين كانوا قد استقروا في جبل عامل من فترة وجيزة. وبالفعل، نزلت في جبل عامل خلال القرن التاسع عشر جماعة من الإيرانيين معظمهم من التجار، وقد تأقلموا شيئاً فشيئاً، ولم يكونوا تياراً من الهجرة ذا أهمية كبرى، بل حالات من الأسر المنفردة، وكان من بينهم ميرزا يمارس الطب التقليدي وكان يُعدّ واحداً من أدباء النبطية المقربين من أحمد رضا وسليمان ظاهر. وكان ابنه بهيج، أول من درس الطب من العامليين في الجامعة الأمريكية في بيروت. وقد كان للأب والابن دور في إدخال هذه الشعائر على مرحلتين، بفارق يناهز العشرين سنةً”.

وتوثّق عن السيد محسن الأمين: “يذكر محسن الأمين المرحلة الأولى منهما، وقد حدثت بعد عودة حسن يوسف مكي من العراق، أي نحو سنة 1895. فقد قام بعض الإيرانيين في ذكرى عاشوراء بممارسة الشعائر على الطريقة الإيرانية، ولاسيما منها ‘الشبيه’ أي تمثيل الفاجعة. وقد منع حسن يوسف مكي استعادتها ثانيةً لحكمه بأنها خارجة على الشرع، مستعيناً على ذلك بالقائمقام في صيدا. إلا أن الإيرانيين تدخّلوا لدى والي بيروت، فأمر القائمقام بالسماح لهم بإقامة هذه الشعائر، أي تمثيل الفاجعة وإقامة الشعائر المتعلقة بأذى النفس. وهكذا استطاع الإيرانيون أن يدخلوا هذه الشعائر إلى النبطية، وما لبث العامليون أن قلّدوهم في إقامتها، وقد تعاظم عددهم، فانتشرت المواكب واستقطبت الجماهير من القرى

المجاورة، ويختم محسن الأمين عرضه بمقارنة هذه المواكب، وكان يُطلق عليها اسم المواكب الحسينية، بحلقات الذكر الصوفية، مما يعني أنه كان يشجب هذين العملين على حد سواء”.

و”تأصّل” هذا التطعيم الشعائري في النبطية، وكانت الشعائر تقام فيها على الطريقة الإيرانية، وباللغة الإيرانية. بعد وفاة حسن يوسف مكي، سنة 1906، خلفه عبد الحسين صادق، على الرياسة الدينية في النبطية، فترك الحرية للناس في إقامة هذه الشعائر، بل شجّع على إقامتها وشارك في إعادة تصميمها على أن من العلماء من كان يعارضها، فكان بعضهم يبدون مقاومةً لهذه الشعائر الجديدة، بحسب ميرفان التي تؤكد في كتابها أن “المرحلة الثانية من هذا التطعيم الشعائري بدأت سنة 1919، على أغلب الظن، وكان الفتى بهيج میرزا قد أنهى دراسته في الطب، وعاد إلى النبطية حيث كان أحد صانعي عودة هذه الشعائر الإيرانية”.

ثورة “التنزيه”

لم يقف السيد محسن الأمين، صامتاً من هذه الطقوس التي نشرها الإيرانيون في جبل عامل “جنوب لبنان”، فقد ألّف رسالة “ثورة التنزيه” في شهر محرم سنة 1346هـ، كثورة إصلاحية لعاشوراء مما دخلها من طقوس ومنها الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكل ما هو دخيل عليها. وقد ذكر السيّد الأمين تسعة إشكالات على الشعائر الحسينية، هي: “الكذب بذكر الأمور المكذوبة المعلوم كذبها وعدم وجودها في خبر ولا نقلها في كتاب، التلحين بالغناء الذي قام الإجماع على تأييده، إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها، استعمال آلات اللهو كالطبل والزمر والصنوج النحاسية، تشبيه الرجال بالنساء في وقت التمثيل، إركاب النساء الهوادج مكشفات الوجوه وتشبيههنّ ببنات الرسول، الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكلّ ما يوجب الهتك والشنعة مما لا يدخل تحت الحصر”.

ثورة الأمين أحدثت ردود أفعال وصلت إلى الاعتداءات الجسدية على مناصري هذه الثورة، حيث جاء في الجزء الأول من “رسالة التنزيه”: “يذكر الشيخ محمد الحسون الذي جمع وحقق رسالة التنزيه بأجزائها الثلاثة أنه ما أن وصلت الرسالة إلى النجف الأشرف حتى انقسم الكتّاب فيها إلى معارضين، وهم الأكثر، ومؤيدين وهم القلة القليلة، حتى أتت ردود الأفعال من مراجع دينية ومختلف طبقات المجتمع حتى تضمنها السبّ واللعن”.

دور الصحف في الثورة

ولم تقف الصحف موقف المحايد من هذه الثورة بحسب ما ورد في “رسالة التنزيه”: “فكانت الشرارة الأولى لهذه الحركة الإصلاحية، حيث قامت صحيفتا ‘الأوقات العراقية’ و’العهد الجديد’ البيروتية، بنشر آراء السيد محمد مهدي الموسوي البصري والسيد محسن الأمين، والمؤيدون للسيّد الأمين لجأوا إلى الصحف أكثر من المخالفين له، لأنهم القلة القليلة، وقد سُدّت الأبواب في وجوههم، فكتبوا فيها حتى أن البعض منهم كتب بأسماء مستعارة كـ’حبيب بن مظاهر’ و’أبي فراس'”. 

رفض السيد محسن الأمين الطقوس التي نشرها الإيرانيون في جبل عامل جنوب لبنان، فألّف رسالة “ثورة التنزيه” 1346هـ، كثورة إصلاحية لعاشوراء مما دخلها من طقوس كالصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكل ما هو دخيل عليها 

ويقول جامع الرسالة الشيخ محمد حسون، إنه “كان أيضاً لصحيفة ‘ديوائن ميسج’، التي كانت تصدر باللغة الإنكليزية في الهند، دور كبير وقد كتب صاحبها ‘محمد علي سالمين’ مقالات عديدةً مؤيدةً للسيد الأمين، وترجم بعضها إلى العربية، وصحيفة ‘الهاتف’، وإن كانت صدرت متأخّرةً عن زمان الفتوى، إلا أن صاحبها الأستاذ جعفر الخليلي، كان له دور فعّال في مناصرة السيد الأمين”.

شيعة صفويون وشيعة علويون!

“لم تقتصر ردة الفعل على الشتائم واللعن والاضطهاد بل انقسم الناس إلى طائفتين؛ ‘علويين’ و’أمويين’، وعُني بالأمويين أتباع السيّد محسن الأمين، وكانوا قلةً قليلةً لا يُعتدّ بها، وأكثرهم كانوا متسترين خوفاً من الأذى”، كما جاء في الرسالة.

ومن الصحافة إلى الشعر الذي كان له دور كبير، صيغت أبيات ردّاً على ما كان ينشده لاطمو الصدور وضاربو الرؤوس وهم يجولون في شوارع النبطية، مما لقنهم إياه مهاجمو الحركة الإصلاحية، حيث أوردت منها الرسالة:

“لعن الله أناساً

حرموا ندب الحسين”.

فكان الردّ الشعري:

“عدّ الله أناساً قولهم كذب ومـيـن

ألصقوا بالدين مما قد أتــــوه كــل شــين

أظهروا للدين حباً وهو حب الدرهمين”.

وتسرد الرسالة في تلك الحقبة أنه “كان للمجالس العاشورائية في النبطية دور كبير في هذه الجدلية، حيث راح سقاة الماء يجولون في مأتم الحسين يوم عاشوراء ينادون مردّدين: ‘لعن الله الأمين – ماء’، بينما كان نداؤهم من قبل يتلخص في ترديدهم القول: ‘لعن الله حرملة – ماء’، فأبدلوا حرملة بـ’الأمين’ نكايةً وشتماً”.

ومن الشعراء الخطباء الذين كان لهم دور بارز في هذه الأحداث، الشاعر الكبير والخطيب المفوّه السيد صالح الحلي (تـ1359هـ)، الذي وقف موقفاً معارضاً بل معادياً ومعانداً للسيد الأمين، ومما قاله فيه بحسب ما جاء في الجزء الأول من “رسالة التنزيه”: “يا راكباً أما مررت بـ’جلّق’ فأبصق بوجه ‘أمينها’ المتزندق”.

الأمين إلى دمشق ومنع الطقوس في مقام السيدة زينب

هذه الحرب لم تقتصر على جبل عامل، بل انتقلت إلى دمشق مقر إقامة السيد محسن الأمين، حيث ورد في الجزء الثالث من رسالة التنزيه، أن “دعوة الأمين تطورت من سنة وصوله إلى دمشق في أواخر شعبان من سنة 1319هـ. يقول المؤرخون: لم يمضِ خمسة أشهر على وصوله إلى دمشق وكان قد عرف ما يجري في هذا اليوم في مقام السيدة زينب بضاحية دمشق من لطم الصدور وإدماء الرؤوس فقاطع وجمعاً من مؤيديه هذه الطقوس واكتفى بإقامة حفل تتلى فيه السيرة الحسينية بدمشق”.

وفي السنة الثالثة، عزم على منع الاحتفالات بصورتها المزرية الدامية مستعيناً على ذلك بجمهور الدمشقيين المؤيدين له الذين انطلقوا إلى مقام السيدة زينب يخبرون القادمين من الخارج بأن لا احتفالات بعد اليوم على ما كانت تجري عليه، وأن عليهم العودة إلى بلدانهم، فكان الأفراد القادمون يمتثلون لذلك، وهم يرون الشدّة في هذا الكلام والتصميم على تنفيذه بكل وسيلة، بحسب ما جاء في الجزء الثالث من الرسالة.

هذا الجدل لا يزال مستمراً حتى وقتنا الحالي، إذ يرى الشيخ حسن حمادة العاملي، في حديثه إلى رصيف22، أن “موضوع عاشوراء حزن وبكاء على الحسين (ع)، فأول من بكى عليه هو النبي محمد (ص)، وهذا بإجماع جميع المسلمين فكلهم يقول إنه لما وُلد الإمام الحسين (ع)، نعاه رسول الله (ص)، وقبّله في نحره، فسألته السيدة فاطمة الزهراء (ع): لماذا قبّلته في نحره؟ فأجاب النبي (ص): لأنه يُقتل مذبوحاً”.

ويضيف: “طبعاً نحن نتحدث عن إقامة العزاء بحيث لا نشوّه الدين أو المذهب، أمّا بخصوص التطبير والنواح فبرأيه يختلف عن موضوع البكاء؛ فإن فقدت عزيزاً أو سمعت بمظلومية شخص ما بطبيعتي أحزن عليه، فما بالك بالإمام الحسين وما جرى عليه في كربلاء؟”.

ويتابع: “أنا لا أطبّر، لكنّها مسألة فقهية مختلف عليها بين المراجع في المذهب الجعفري، فمنهم من يقول مستحبّ وآخرون يحرّمون ولا أستطيع أن أعطي رأيي في هذا الموضوع، فأنا لست بفقيه”، مشيراً إلى أن “هناك أموراً أدخلت على الدين من حيث التمثيل واللحن بالقصائد، لكن لا يمكن أن أعمّم بأنها جميعها دخيلة، وفي حال كان هناك شخص ما يشوّه الدين لا يمكن أن نلزمه للمذهب، أما إدخال الموسيقى أي الغناء في القصائد الحسينية ففي حال كان اللحن محرماً، فلا يجوز، أما اللطميات المتعارفة فلا إشكال فيها”.

وحول التمثيل في عاشوراء، برأيه هو “موجود وهناك مسلسل عن معاوية. كيف أقبل بهذا الأمر ولا أقبل بتمثيل ما جرى مع الحسين (ع) لتجسيد مظلوميته”، في حين اعتبر أن “الحسينية هي مكان ليجتمع الناس على ذكر أهل البيت (ع)، وإحياء أمرهم والمراد منها إقامة مجالس الحسين (ع)، وفي حال كان هذا المكان تعليمياً وتنويرياً فأين المشكلة؟ وإن كانت بدعة فهي بدعة حسنة ولكن يجب أن تصل رسالة أهل البيت، ولكل مفهوم معنى، وأشك أن يكون السيد محسن الأمين قد نهى عن البكاء على الحسين عليه السلام”.

حسن سنديان

موقع رصيف 22




النزعات الانفصالية بعد ثورات الربيع العربي… كيف تحوّل مستقبل الدولة الوطنية؟

تُعدّ ظاهرة التنوع الاجتماعي من السمات البارزة في المجتمعات الإنسانية المختلفة عبر العصور، ولا يكاد يخلو أيّ مجتمع منها. وبرغم الاعتقاد بأن التعايش السلمي بين الفئات والعناصر المختلفة من البشر، يمكن أن يعزّز قيم المواطنة، ويكون أحد مظاهر الدولة الحديثة، إلا أن تجارب مختلفةً تؤكد أن هذا التنوع كان ولا يزال يمثّل إشكاليةً لمعظم الدول، وقد يصل أحياناً إلى تهديد كيان الدولة وزعزعة أمنها القومي واستقرارها الاجتماعي، والسياسي، وحتى الثقافي.

تشكّل ظاهرة الأقليات موضوعاً قديماً ومتجدداً، وبرزت في الساحة الدولية كمتغيّر رئيسي مع نهاية الحرب الباردة، التي رافقها تفكّك العديد من الدول الناتج عن بروز الحركات الانفصالية التي تطالب بالانفصال، سواء كان استقلالاً ذاتياً في إقليمها، أو استقلالاً كاملاً في دولتها الخاصة، ما أدّى إلى خلق حدود دولية جديدة.

تاريخياً في العالم العربي، حيث التنوع الفسيفسائي الكبير، استمرّ التهميش والإقصاء، وحتى القمع، للأقليات الدينية، والقومية، والثقافية في ظل الحكومات المتعاقبة، ما ساهم في ارتفاع مستوى حراك جماعات خارج إطار الدولة، وتصاعدت وتيرة هذه الحراكات مع بداية ثورات الربيع العربي عام 2011، الذي رافقه ضعف الدولة، وتراجع قدرة السلطة على السيطرة، أو انهيارها في بعض الدول التي اندلعت فيها تلك الثورات.

فكيف تعاملت الأنظمة العربية مع تنوّع مجتمعاتها؟ وما هي طبيعة الحركات الانفصالية ومقوماتها وتوجهاتها بعد ثورات الربيع العربي؟ وما هي الحلول المطروحة؟ أسئلة نحاول أن نُجيب عنها، لمحاولة توصيف جزءٍ من الصورة القاتمة في هذه المنطقة الجغرافية من العالم.

إدارة الأنظمة العربية للتنوّع الاجتماعي قبل الـ2011

في عام 2009، قدّم مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، مداخلتين أمام مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في دورة انعقاده العاشرة، أكد فيهما أن “سياسات الإقصاء التي لا تُقيم اعتباراً لسمات التنوع والتعددية العرقية والدينية والمذهبية في العالم العربي، ظلّت مدخلاً يكرّس حالة الاحتراب الأهلي، والصراعات المسلحة التي تحصد حياة الآلاف من المدنيين في العراق، والسودان، واليمن، وتنذر بتزايد وتيرة القمع الممنهج على أساس مذهبي في البحرين والمملكة السعودية، أو على أساس عرقي في سوريا، وفي مصر ظلّ النوبيون هدفاً لمظاهر شتى من التهميش، فيما تتواصل الضغوط على الحريات الدينية بصفة عامة ومظاهر التمييز بحق الأقليات الدينية داخل مصر”.

كيف تعاملت الأنظمة العربية مع تنوّع مجتمعاتها؟ وما هي طبيعة الحركات الانفصالية ومقوماتها وتوجهاتها بعد ثورات الربيع العربي؟ وما هي الحلول المطروحة؟ أسئلة نحاول أن نُجيب عنها، لمحاولة توصيف جزءٍ من الصورة القاتمة في هذه المنطقة الجغرافية من العالم

تُعطي هذه المداخلة صورةً بسيطةً عن أزمة الأقليات في العالم العربي. وكما هو واضح، أحد أسبابها الرئيسية غياب الديمقراطية، ذلك أنها الآلية السلمية لإدارة التنوع المجتمعي. وقد اختلفت الأنظمة العربية في إدارتها لملف الأقليات، وأخذ هذا الاختلاف أشكالاً عدة منها القمع، ومنها إعادة إنتاج الانتماءات التقليدية، من خلال تكريس حالة الزبائنية مع قادة الجماعات الإثنية والدينية عوضاً عن بناء هوية تكاملية جامعة.

عن هذا التفاوت في سياسة التعامل مع مسألة الأقليات، تناولت دراسة لمجلة “إيليزا” للبحوث والدراسات، للباحِثَين أسماء جمعي وعبد المجيد عطار، “تفاوت درجة طبيعة مطالب الأقليات السياسية، والاجتماعية، والثقافية، وبناءً على هذا التفاوت فإن معاملة الأنظمة السياسية لأقلياتها تختلف من دولة إلى أخرى، فالدول التي تطالب فيها الأقليات بحرية أكبر في الحفاظ على مميزاتها الخاصة، دون استعمال وسائل قمعية لتحقيق ذلك، تعاملها الدولة بليونة من أجل دمجها في المجتمع، وبناءً على ذلك تتقدم الأنظمة السياسية بخطوة تُعرف بعمليات الاستيعاب والدمج”.

وهذه الإستراتيجية السابقة لا تبدو ملحوظةً في العالم العربي إلا في ما ندر، وتطغى على المشهد الإستراتيجية الثانية التي تنتهجها بعض الدول في تعاملها مع أقلياتها، “إستراتيجية القصر على الهيمنة، وهي الأكثر شيوعاً، وتمارسها الأقليات الحاكمة غالباً بالعنف والإكراه، مثل التجربة اليمنية بعد توحيد شطريها الشمالي والجنوبي”.

ويرى المرصد السوري لحقوق الإنسان في دراسة بعنوان “المواطَنَة والأقليّات العرقيّة والدينيّة في الوطن العربي – سوريا نموذجاً”، صادرة عام 2015، أن المجتمعات العربية نفسها “تباينت في عدم تقبّل مفهوم الأقليات العرقية أو الدينية”، ويستند في هذا التباين إلى منطلقين الأول هو: “العقيدة الإسلامية التي تعدّ جميع البشر أمةً واحدةً ‘وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ’ (الحجرات 13). على الرغم من وجود تعدديات عرقية وتكتلات على أساسها، كثيراً ما كانت تؤدي إلى حروب وانقلابات ومذابح”. أما المنطلق الثاني: “القومية العربية، استناداً إلى التركيز على التوجه الإنساني للفكر القومي العربي، مع الإشارة إلى أن هذا الفكر تماهى مع العرب المسلمين الذين رأوا في الفكرة القومية طريقاً للخروج من ظل النظام الملّي للدولة العثمانية، ولهذا فقد اكتفى القوميون بتجنّب التعامل مع الأقليات كأنها غير موجودة”.

وجدير بالذكر أن هذه الخطابات الهوياتية، القومية منها أو الدينية، والتي تقوم على إقصاء الآخر، وبعيداً عن النظم العربية، هي في قسم كبير منها يتحمّلها نُخب ومثقفون، وقادة دينيون، محسوبون على السلطة، أو بعيدون عنها حتى.

النزعات التي رافقت ثورات الربيع العربي

يشير الباحث السوري عبد القادر أحمد نعناع، في رسالة الدكتوراه الخاصة به، إلى أن “فترة ما عُرف بثورات الربيع العربي، ترافقت مع جملة اضطرابات من أبرزها ارتفاع مستوى حراك الجماعات والفاعلين، دون الدولة، سواء بشكله الإثني ’العرقي والديني’، أو الجهوي والقبلي، ضمن حراك اتّسم بتوجهات ثلاثة: حراك انفصالي، وآخر تسلّطي، وثالث اجتماعي”.

ويذهب إلى توصيف هذه الحركات بأنها نزعات مختلفة الأشكال يفنّدها بالتفصيل كالآتي؛ “شكّلت نزعة كل من الحوثيين، والعلويين، وشيعة العراق، نزعةً تسلطيةً على الدولة تحمل مقوّماتها النزعة الانفصالية في حال إخفاق نزعتها التسلطية، وشكّلت نزعة كل من ’تنظيمات القاعدة’، وصحراويي المغرب، وجنوبيي اليمن، والأكراد في سوريا والعراق، نزعةً انفصاليةً، وتقع نزعة شيعة البحرين ضمن النزعة المطلبية الإثنية مع نزعة تتطلع إلى الاستيلاء على الدولة”. ويتابع الدكتور نعناع، عن بقية النزعات في باقي الدول العربية، قائلاً: “تبقى نزعة مسيحيي مصر نزعةً مطلبيةً إثنيةً”، أما النزعة الأمازيغية فيعدّها “مطلبيةً إثنيةً لكنها باتت تحمل مقومات التحول إلى نزعة انفصالية”، وأما في ليبيا “فتتنوع النزعات الجهوية والقبلية، بين نزعات مطلبية تسلطية، وانفصالية”.

ويعتقد نعناع أن “بنية الدولة وإشكاليتها شكلت حافزاً للنزعات الإثنية والانفصالية، بحيث لا يمكن أن تكون هذه النزعات مستقلةً عن اضطرابات في بنية الدولة، بل إن تراخي الدولة العربية القطرية وهشاشتها، كانا ركيزة العمل الإثني خصوصاً بعد عام 2011”.

واقع الحال هذا، مع ما ذكرناه سابقاً، بالإضافة إلى ازدياد التدخل الخارجي إما لصالح الأنظمة العربية، أو لصالح إثنيات وأقليات معينة، ومع تصاعد الإرهاب في المنطقة، جعلت ثورات الربيع العربي بيئةً خصبةً للنزعات الانفصالية، ويبدو من سياق الأحداث في المنطقة أنها ذاهبة إلى المزيد من التفتت والانقسام، لا إلى التجمع والاتحاد.

اختلفت الأنظمة العربية في إدارتها لملف الأقليات، وأخذ هذا الاختلاف أشكالاً عدة منها القمع، ومنها إعادة إنتاج الانتماءات التقليدية، من خلال تكريس حالة الزبائنية مع قادة الجماعات الإثنية والدينية عوضاً عن بناء هوية تكاملية جامعة

قدّم المعهد العربي للبحوث والسياسات (نواة)، ورقةً بحثيةً للباحثة أسماء جوامع (جمعي)، عن إدارة التنوع المجتمعي في الوطن العربي بين فرض الاندماج وسيناريوهات الانقسام، والانفصال، ودول المشرق العربي نموذجاً، تذكر فيها أن “الكيانات ذات الانتماءات الفرعية البارزة على الساحة العربية اليوم قامت على أعتاب تآكل سيادة الدولة، وزيادة الدعم الغربي لهذه الكيانات، عن طريق التعبئة من أجل حصولها على حقوقها المسلوبة، تحت حكم الأغلبية الإثنية المغايرة، وهو ما حصل في العراق بعد الحرب الأمريكية على نظام صدام حسين السنّي، الذي قام على أعتابه حكم شيعي استبدّ بالأقلية السنّية مؤسساً لانشقاق عنيف في الدولة”.

وتتابع: “كما أن الحال مع تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام الإرهابي، هو نتيجة حتمية للتراكمات المذهبية والطائفية، التي خلّفتها حكومة المالكي في العراق، وما خلّفته من أحقاد على باقي الأقليات والجماعات الإثنية المغايرة”.

هذه التراكمات الطائفية والإثنية، ساهمت إلى حد كبير في توسّع سيطرة داعش إلى سوريا، مع تدخّل إيران المباشر والعلني لدعم النظام السوري في وجه معارضيه، ما أدى إلى تحوّل الثورة السورية إلى حرب أهلية وطائفية في أغلب المناطق السورية، وإثنية في بعضها، وساهم دعم إيران الحوثيين في اليمن أيضاً، إلى تغيير مسار الثورة القائم، من صراعات قبلية إلى طائفية، مع دخول السعودية والإمارات على خط المواجهة المباشرة أيضاً.

الفيدرالية حلّ أم تسوية؟

كَثُر الحديث في السنوات الأخيرة عن الفيدرالية كحل لمشكلات العالم العربي وأداة ضرورية لإصلاح واقع الحال المُجزّء والمفتت، في دول المشرق العربي على وجه الخصوص، وفي اليمن والسودان وليبيا على نطاق أوسع.

في عام 2005، وعلى أثر اشتعال النقاش حول الدستور العراقي، برزت فكرة الفيدرالية التي تبنّتها الأقلية الكردية بوجه خاص، بجميع هياكلها الجغرافية، والإثنية، ما سبب نزاعاً دستورياً بين الأغلبية العربية، بشقّيها السنّي والشيعي، وبين الأقليات الكردية والتركمانية؛ وعن ذلك كتب الباحث الفلسطيني عارف حجاج، الذي عمل أستاذاً للّغة العربية في وزارة الخارجية الألمانية، “أن هناك إجماعاً شبه كامل في العالم العربي، على أن الفيدرالية مرادفة للانشقاق، وتجزئة الدولة، والذي ظهر جليّاً في النقاشات حول الدستور العراقي، ولكن من الممكن أن يشكل هذا النموذج بالنسبة لجميع الدول العربية أداةً مهمةً للقيام بإصلاحات”.

لكن الخيار الفيدرالي في المنطقة ليس جديداً، وطُرح كبديلٍ عن النظام الطائفي في لبنان، وكان موضوع نقاش بين السياسيين المسيحيين، والأحزاب المسيحية بشكل رئيسي قبل الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) وخلالها، فقد عرض الرئيس كميل شمعون (1952-1958) خطةً مفصّلةً للبنان الفيدرالي، كما قدّمت الجبهة اللبنانية، التي تمثّل تطلعات الموارنة بشكل رئيسي، مشروعاً فيدرالياً خلال الحوار الوطني اللبناني في لوزان 1984، وراودت فكرة الفيدرالية الرئيس المنتخب بشير جميل الذي اغتيل عام 1982.

الخيار الفيدرالي في المنطقة ليس جديداً، وطُرح كبديلٍ عن النظام الطائفي في لبنان، وكان موضوع نقاش بين السياسيين المسيحيين، والأحزاب المسيحية بشكل رئيسي قبل الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) وخلالها

وتصاعد صوت الفدراليين الحاليين في لبنان لناحية اعتبار الفدرالية حلاً لمشكلة لبنان كدولة، ويؤكدون وفقاً لموقع “لبنان الفيدرالي” على السيادة والحياد كأولوية تأسيسية وطنية، لإنقاذ لبنان من بين أمور أخرى كالعنف السياسي، والاستقطاب الطائفي، والفساد، والتدخل الخارجي، والسلاح غير الشرعي، ويقترح البعض الآخر منهم دستوراً عرقياً جغرافياً، وفقاً لموقع “جمهورية لبنان الفيدرالية”، ويأخذون في ذلك سويسرا وبلجيكا مثالَين على دول تبنّت الفدرالية على أساس عرقي، والولايات المتحدة على أساس جغرافي، ويبقى المثال العربي الوحيد هو الإمارات العربية المتحدة، مع ملاحظة غياب القراءة الفعلية لديهم، للواقع اللبناني المتشابك والمختلف في كثير من تفاصيله عن الدول التي تعتمد الفيدرالية.

في سوريا، ذهب المنادون بالفدرالية، وهم مجلس سوريا الديمقراطية، والقوى الكردية بشكل أساسي، وبعض الناشطين المعارضين، إلى اعتبارها حلّاً سحرياً لكل مشكلات سوريا، فيما يعدّ كثيرون، من الموالين والمناوئين للنظام على حد سواء، أنها تكرّس حالة الانقسام، وما هي سوى مخطط خارجي استعماري تقسيمي.

يذكر الباحث السوري الدكتور عقيل سعيد محفوض، في ورقة بحثية: “ينظر السوريون، أو شريحة قد تكون كبيرةً منهم، إلى الفيدرالية كما لو أنها ’شأن الآخرين’ حيال بلدهم وجزء من ’منظور دولي’ للتعاطي مع الحدث السوري، ومن غير الواضح إلى أي حد يقبلون/ يرفضون الفكرة، ربما لانشغالهم عنها بأمور أكثر أولويةً تتمثل في تدبّر الحرب، وتدبّر سبل العيش”. ويختم ورقته بفكرة تفاؤلية تبدو أقرب إلى الحلم، حسب معطيات الوضع الراهن: “إذا حدثت توافقات بين فواعل الحدث السوري واستعاد السوريون فكرة مجتمع، ودولة، وهوية وطنية، ومواطنة، وتحول ديمقراطي، فلربما تجاوز الحدث السوري سؤال الفيدرالية، والتجاذبات والاصطفافات حوله، لتغدو الفيدرالية مقولةً محققةً بالنسبة للمطالبين بها، ومتجاوزةً بالنسبة للمتوجسين منها!”.

هذا التوجس من الفيدرالية تطور إلى إدانة ويزيد مع ازدياد حالة التفتت غير المعلن في دول المشرق العربي؛ سوريا، لبنان، العراق، وتُنسب كما مشكلات المنطقة دائماً إلى المخططات الاستعمارية، فيقول حازم صاغية: “كلما زاد هذا الهزال المشرقي هزالاً، قويت نبرة التنديد بالتجزئة والتفرقة، التي تنسب إلى الاستعمار إياه أنه يرعاها…”، ويرى أن إدانة الفيدرالية “استُخدمت أكثر ما استُخدمت لاحقاً في بلدان العالم الثالث، حيث يتجاور الطلب على الوحدة، وضعف مكونات تلك الوحدة على الواقع، واليوم تندفع هذه الوجهة بقوة غير معهودة أقله في المشرق العربي”.

ويرى صاغية أيضاً أن “الذين يُشهّرون لا يفعلون ذلك من موقع اليعقوبية الصارمة، بل يصدرون عن دول مفتتة تعيش واقعاً من الانقسام، ومن هُزال الدولة المركزية على ما نرى في لبنان وسوريا والعراق”.

لا شك في أن الفيدرالية باتت من الحلول المطروحة بقوة للمشكلات والأزمات والانقسامات، في بعض دول العالم العربي، وهذه الانقسامات هي واقع غير معلن ضمن دول مركزية منهارة تحكمها الميليشيات. ولكن هذا الحل قد يبدو أقرب إلى التسوية منه إلى الحل المطلق، ويمكن اعتبار أن هذه الفيدرالية المطروحة والتي تقوم على أساس جغرافي عرقي أو طائفي أو قبلي، تُنذر بتحولها إلى مشاريع دويلات متحاربة في ما بينها، نظراً إلى الدعم الخارجي الذي تتلقاه هذه المكونات من أطراف ودول متناحرة أساساً. هذا التوجس ليس قطعياً، ولكن يبقى احتمالاً يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار، عند طرح فكرة الفيدرالية في العالم العربي.

لا يبدو، على المدى المنظور، من حل لمشكلة الدولة العربية القائمة مع استمرار مسببات الأزمة في بنية هذه الدولة، وما استجدّ عنها عقب عام 2011 وما رافقه من ازدياد في التدخل الخارجي بين الدول المتناحرة، ومكاسب حققتها بعض الجماعات الاثنية، ويبدو أن المنطقة العربية ذاهبة إلى المزيد من الاضطرابات، خصوصاً بعد عملية 7 تشرين الأول/ أكتوبر وما تلاها من إبادة إسرائيلية، ما ينذر بتفاعل هذه النزاعات واستمرارها، لا بل ظهور نزاعات جديدة لم تكن قائمةً في السابق.

سراج ضياء الدين

موقع رصيف 22