1

الشؤون المدنية معطلة في سوريا… وتسجيل الوفيات والولادات والزواج معلَّق

مع ازدياد شكاوى السوريين بعدم قدرتهم على إنجاز أي معاملة تتعلق بالأحوال المدنية من تسجيل الوفاة أو الولادة أو الزواج وغيرها، كشفت مصادر مسؤولة في «الشؤون المدنية» أن الشبكة المغذية لجميع المديريات في المحافظات السورية الـ14، متوقفة، والمديريات ومراكز النفوس المتفرعة عنها، لا تقدم أي خدمات، باستثناء المديرية المركزية في دمشق التي يقتصر نشاطها حالياً على منح بعض الأوراق الرسمية ضمن اختصاصها.

ساعات عمل قليلة

وقالت المصادر لـ«القدس العربي» إن العاملين في مديريات الشؤون المدنية في المحافظات كافة، يترددون يومياً على أماكن عملهم، لساعات قليلة من دون أن يمارسوا أي وظيفة، وحالهم هكذا منذ إسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ومن دون أن تكون لديهم أي معلومة عن أسباب إيقاف شبكة «الشؤون المدنية» على مستوى البلاد، والفترة التي ستبقى أعمالهم معلقة خلالها».
المصادر التي توقعت أن لا تطول فترة التوقف كثيراً «لأن الأمر يتعلق بمصالح كل السوريين، وهناك تراكم سيترك أثره».
أوضحت أن «القوانين والتعليمات التنفيذية، كانت تضع فترات زمنية محددة لتسجيل الوقائع إن في حال الولادة أو الوفاة أو الزواج أو الطلاق، وتصل إلى 15 يوماً في المناطق القريبة من مراكز الشؤون المدنية، والمعروفة عند المواطنين بدوائر النفوس في الريف السوري وفي المدن، على حين تصل إلى 30 يوماً في باقي القرى البعيدة عن تلك المراكز».
وبينت أن «موظفي الشؤون المدنية جاهزون لاستئناف عملهم مباشرة لكن وزارة الداخلية لم تشغل بعد البرنامج الإلكتروني الذي نعمل عليه، ويستطيع المواطن الحصول على بعض الوثائق التي كنا نقدمها مثل: إخراج القيد أو البيان العائلي أو بيان زواج أو الطلاق، من المديرية المركزية حصراً في شارع الثورة في دمشق، لكنه حتى هناك لا يستطيع تسجيل أي واقعة».
وإن كان سبب توقف الشبكة المركزية عن العمل يعود إلى مخاوف من إمكان التلاعب بالمعلومات المخزنة عن المواطنين السوريين أو الفلسطينيين المقيمين في سوريا، والذين يعاملون معاملة السوري في كثير من القضايا، وحتى عن المجنسين من رعايا الدول الأخرى أوضحت المصادر أنه «لا تتوفر أي فكرة ولا معلومة عن سبب إيقاف الشبكة، ولابد من أن تكون هناك بعض القضايا التي ربما يتابعونها لكننا لا نعلم ما هي، وربما هناك مساع لإدخال تعديلات جديدة على البرنامج المطبق أو تحديثه ليصبح ذا فاعلية أقوى وأسرع من البرنامج المعتمد حالياً، ولكن كل ما سبق هي مجرد تخمينات لا أكثر». وعن مدى دقة معلومات متداولة عن وجود عشرات الآلاف من الإيرانيين المجنسين، وعمل الإدارة المركزية في التدقيق بقوائم هؤلاء، أو في إمكان العمل على منح الجنسية لأناس جدد، قالت المصادر: «إن ذلك مجرد أقوال لا يمكننا تأكيدها، ولم نتلقَ أي كتب بهذا الخصوص ولم تتسرب أيضاً معلومات عن مثل هذه الأمور، وحواسب النفوس كانت تظهر سابقاً أوضاع المواطنين إن كانوا يحملون الجنسية السورية بالولادة أو ممن تم تجنيسهم حديثاً، فهؤلاء تحمل على قواعد بياناتهم تاريخ اكتسابهم الجنسية السورية». وأوضحت أن «مثل هذه الملاحظات يتم تثبيتها ضمن قواعد البيانات لما يتعلق ذلك بحقوق أخرى مثل التملك والإرث وغيرها، وهو ما كان يظهر عند زواج السوري من فلسطينية مثلاً أو بالعكس».

باستثناء المديرية المركزية في دمشق… وسجلات المعتقلين ستساعد ذويهم

وعن آليات تثبيت حالات الوفاة لسوريين اختفوا قسراً في مناطق العمليات العسكرية، أو ضمن المعتقلات والسجون، أوضحت المصادر أن «الأمر قبل سقوط النظام كان يتم عبر إصدار قرار حكم قضائي بسبب الفقدان، أما الآن فإن الوضع ليس واضحاً، وننتظر التعليمات الجديدة لمعالجة مثل هذه القضايا التي ترتبط بالمختفين أو المتوفين تحت الاعتقال من دون وجود أي توثيق لهم».
وتابعت: «إن إخفاء الوثائق الخاصة بمصير المعتقلين خلال عهد النظام السابق، كان شائعاً والكثير من السوريين لم يكن يعلمون مصير أبنائهم في المعتقلات، وفي المقابل كانت تصل إلى الشؤون المدنية خطابات من بعض الجهات الرسمية تثبت حالات الوفاة، وهؤلاء كان أقاربهم يتأكدون من مصيرهم إذا ما حصلوا على شهادة وفاة من دوائر النفوس».
وأوضحت المصادر أنه «في بعض الحالات ظهرت وقائع تناقض ما سبق، حيث تم الإفراج عن معتقلين كان ذووهم قد تبلغوا بوفاتهم، وهؤلاء كان لابد من صدور قرار قضائي لرفع إشارة الوفاة عن قيدهم الشخصي».
وبينت المصادر أنه «إذا ما توفرت اليوم سجلات عن مصير المعتقلين السابقين، وتم تزويدها للشؤون المدنية، فإننا في هذه الحالة سنوفر الكثير من الجهد على المواطنين، ولن تكون هناك حاجة لقرارات قضائية تثبت واقعة الوفاة». وعبرت المصادر عن قلقها في اتجاه مصير الكثير من زملاء المهنة، حيث «جرت عمليات إعادة تقييم للعاملين في الشؤون المدنية على مستوى الإدارة المركزية والمديريات في المحافظات، والموظفون بانتظار معرفة مصيرهم إن سيواصلون عملهم بعد تفعيل الشبكة المتوقع قريباً، أم سينقلون إلى أماكن أخرى، أو سيتم إنهاء عقود غير المثبتين منهم ممن كان يعمل بعقود سنوية». وأحدثت الشؤون المدنية في وزارة الداخلية السورية بموجب مرسوم تشريعي حمل الرقم 76 لعام 1947، وترتبط مباشرةً بوزير الداخلية عن طريق معاونه للشؤون المدنية، وتتمتع بالاستقلال المالي ويخضع العاملون فيها للقانون الأساسي للعاملين في الدولة ولا يوجد فيها عناصر عسكرية باستثناء الحراس وبعض السائقين.
وحسب نظامها الداخلي، فإن الشؤون المدنية تقوم بالإشراف على تنظيم الاستفتاء على منصب رئاسة الجمهورية، وعلى تنظيم انتخابات مجلس الشعب، والمساعدة في اجراءات انتخابات الإدارة المحلية، وتسجيل المواطنين (ولادة، وفاة، زواج، طلاق…الخ) ومعالجة قضايا التملك العقاري لغير السوريين، وقضايا التملك على الحدود، وشؤون الحج، وتدقيق معاملات الجنسية وإصدار صكوكها وتدقيق معاملات الوكالات الداخلية والخارجية، وطلبات إشهار أنظمة الجمعيات والأندية، والمعاملات المتعلقة بالشؤون الدينية، ومعاون وزير الداخلية للشؤون المدنية مكلف بمهام رئيس اللجنة المركزية لتسجيل المكتومين، ورئيس اللجنة العليا لأملاك الأتراك، ورئيس اللجنة العليا لأملاك اليهود، وعضو في لجنة الحج العليا.
ويكاد مبنى الإدارة المركزية للشؤون المدنية في شارع الثورة في دمشق، خالياً من المراجعين، بعد أن كان ذات المبنى يستقبل الآلاف يومياً، ورغم تعطل مصالح المواطنين، إلا أن حالة من القبول بالأمر الواقع مازالت مسيطرة على عموم البلاد.

لا أحد يفكر في الزواج

وقال أحد المواطنين لـ«القدس العربي» معلقاً على إيقاف تسجيل الوقائع، إن الأمر حالياً ليس حاجة ملحة، فيمكن تأجيل تقييد حالات الوفاة أو الولادة وحتى تثبيت عقود الزواج أو الطلاق، وأصلا في المنطقة التي قدمت منها، لم أسمع أحداً قد عقد قرانه في هذه الظروف منذ سقوط نظام الأسد، والزواج إن كان لابد منه، فلا يتوقف عند الأوراق الرسمية إذ يمكن القيام به عبر المشايخ، ومن ثم يمكن إعادة تثبيت العقد بعد أن تعود النفوس للعمل.
وبين المواطن أن الإجراءات المتوقفة حاليا تصبح ملحة إذا ما كان صاحبها يزور البلاد لفترة محددة ومجبر على المغادرة، لكن حتى هذا الوضع بات اليوم أسهل من زمن النظام السابق بعد تخلص الكثير من السوريين من رهاب الزيارة وإمكانية مراجعة الأفرع الأمنية، وأيضا مع عودة العديد من شركات الطيران العربية والأجنبية للعمل من مطار دمشق الدولي.

تلافي النواقص

ولم يتحرك أحد من عمال مديريات المحافظات للسؤال عن مصيرهم باستثناء العمال في مديرية الشؤون في السويداء الذين راجعوا مبعوث القيادة الجديدة لمحافظة السويداء مصطفى البكور للاحتجاج والاستفسار عن سبب توقف التوصيل الشبكي بين مديرية الشؤون في المحافظة والإدارة العامة في دمشق، حسب صحيفة «الوطن» السورية، التي نقلت عن البكور تأكيده ضرورة تلافي النواقص في المديرية، واتخاذ إجراءات سريعة من شأنها إعادة العمل في مركز مدينة شهبا لخدمات الأحوال المدنية الذي تعرض للسرقة والتخريب.

جانبلات شكاي

صحيفة القدس العربي




على غرار البيجر… إيران تكتشف جهازاً مفخخاً في برنامجها النووي

ظريف حذر من تسلل إسرائيل لشبكات الالتفاف على العقوبات

كشف محمد جواد ظريف، نائب الرئيس الإيراني للشؤون الاستراتيجية، عن إحباط عمل تخريبي في برنامج بلاده لتخصيب اليورانيوم، بواسطة عمود «مفخخ» لأجهزة الطرد المركزي، حصلت عليها المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية عبر وسطاء يساعدون بلاده في مراوغة العقوبات.

وحذر ظريف في برنامج تلفزيوني يبث على شبكة الإنترنت حصراً من أن بلاده تواجه تحديات أمنية في شراء قطع الغيار بسبب العقوبات الأميركية.

وكان ظريف يتحدث عن محاولات إيران وحلفائها للالتفاف على العقوبات، في شراء المعدات الحساسة، لافتاً إلى أن ذلك يؤدي إلى خلق ثغرات تستغلها دول مثل إسرائيل.

وقال: «إذا تمكنت إسرائيل من التسلل إلى أحد هؤلاء الوسطاء، حينها يمكنها زرع أي شيء… وهذا تحديداً ما حدث».

وأشار إلى سلسلة تفجيرات أجهزة البيجر التي شهدتها بيروت في سبتمبر (أيلول) 2024، قبل أن يقطع كلامه ويشير إلى مثال وقع في إيران، متحدثاً عن اكتشاف مواد متفجرة، جرى إخفاؤها داخل معدات أجهزة الطرد المركزي التي اشترتها طهران عبر وسطاء في السوق السوداء، دون أن يخوض في التفاصيل.

وقال ظريف: «لقد اشترى زملاؤنا منصة للطرد المركزي للمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية، وتبين أن مواد متفجرة كانت مخبأة بداخلها، وقد تمكنوا من تحديدها بنجاح».

وفي 17 سبتمبر، انفجرت الآلاف من أجهزة «البيجر» التي يستخدمها عناصر «حزب الله» اللبناني، في وقت واحد في الضاحية الجنوبية لبيروت ومعاقل أخرى للحزب، وكان السفير الإيراني مجتبى أماني أحد المصابين.

وأدى الهجوم إلى جانب هجوم ثانٍ في اليوم التالي شمل تفجير أجهزة اتصال لاسلكية (ووكي توكي) إلى مقتل 39 شخصاً وإصابة أكثر من 3400.

وقال ظريف إن عملية أجهزة البيجر «استغرقت سنوات عدة، وجرى تصميمها وتنظيمها بدقة من قبل الصهاينة (الإسرائيليين)».

وبعد هجمات البيجر، حذر مسؤولون ونواب برلمان الإيراني من اختراقات إسرائيلية مماثلة. وخضعت أجهزة اتصال المسؤولين الإيرانيين لمراجعة أمنية.

وليست المرة الأولى التي تطرح إيران احتمالات اختراق عبر قطع الغيار. ففي نهاية أغسطس (آب) 2023، أعلن التلفزيون الحكومي الإيراني إحباط «مؤامرة» إسرائيلية لتخريب برنامجها للصواريخ الباليستية والمسيّرات من خلال قطع غيار معيبة، حصلت عليها طهران من مستورد أجنبي.

وقالت السلطات حينها إن القطع «يمكن تفجيرها أو التسبب في تعطل الصواريخ الإيرانية قبل إطلاقها»، متهماً جهاز «الموساد» بالوقوف وراء إرسال قطع غيار ورقائق إلكترونية تستخدم في الصواريخ والمسيّرات. وقال مسؤول في وزارة الدفاع إن «شبكة من العملاء سعت إلى إدخال قطع غيار معيبة».

وفي أبريل (نيسان) 2021، هزّ تفجير صالة تضم مئات من أجهزة الطرد المركزي في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم، واتهمت إيران جهاز «الموساد» الإسرائيلي. وقال عضو البرلمان حينذاك، علي رضا زاكاني، مرشح الرئاسة الأخيرة، الذي يتولى منصب عمدة طهران حالياً، إن الانفجار سببه «متفجرات تبلغ 300 رطل جرى زرعها في معدات أُرسلت إلى الخارج من أجل تصليحها». ودمر الانفجار دائرة توزيع الكهرباء على بعد 50 متراً تحت الأرض.

أما النائب فريدون عباسي، فقد قال إن المتفجرات وُضعت في «طاولة ثقيلة جرى تحضيرها إلى المنشأة». وكان عباسي رئيساً للمنظمة الإيرانية للطاقة الذرية في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، ونجا من محاولة اغتيال في 2010.

صحيفة الشرق الاوسط




إيران والولايات المتحدة في ظل عودة ترامب: صراع أم مصالحة؟

تشير الأدلة المتاحة إلى أن ترامب قد يعتمد على نهج الاتفاق عبر وسطاء مثل اليابان أو السعودية. من جانبها، تبدو إيران

مستعدة لوضع خيار المفاوضات المباشرة على جدول أعمالها إذا ضمنت حماية مصالحها الوطنية. مع ذلك، يبقى القرار النهائي مرهونًا بتوجهات الإدارة الأميركية الجديدة ومدى جديتها في تحقيق تفاهمات حقيقية.


يرى العديد من النخب ومراكز البحث داخل إيران وخارجها أن المواجهة بين إيران والولايات المتحدة قد بلغت ذروتها. بناءً على ذلك، لم تعد إستراتيجية طهران القائمة على مبدأ “لا حرب ولا تفاوض”، تلبي متطلبات عهد بايدن أو التحديات المستقبلية التي أفرزها عهد ترامب. ومن الطبيعي أن يكون التوصل إلى اتفاق مشرف وعقلاني هو الخيار الأقل تكلفة لإدارة التوتر القائم بين البلدين، إلا أن زيادة التوتر قد تؤدي إلى تصعيد العقوبات وضغوط قصوى، كما شهدنا خلال الولاية الأولى لترامب.

في ظل التطورات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة من جهة، والحركة الدبلوماسية النشطة في طهران من جهة أخرى، تبرز آفاق جديدة مع بداية العام الجديد. ويعيد دخول ترامب إلى البيت الأبيض إثارة تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين طهران وواشنطن، سواء من خلال استمرار الأعمال العدائية، أو اعتماد توجهات تصالحية.

هذا المقال يهدف إلى تقييم وتحليل المنظور المستقبلي للعلاقات الإيرانية الأميركية بناءً على مقاربات الطرفين.

تقييم نهج الولايات المتحدة

ركز القادة الأميركيون، الدیمقراطیون والجمهوریون علی حد سواء، على مجموعة من المفاهيم في سياستهم تجاه إيران. ويمكن تلخيص النهج الأميركي تجاه الجمهورية الإسلامية على مدى العقود الخمسة الماضية في أربعة عناصر رئيسية:

  1. المصالحة (Detente): يعود هذا النهج إلى فترة رئاسة علي خامنئي، ويشمل أحداثًا مثل ما عرف باسم “إيران-كونترا” (1985-1987)، أو قضية ماكفارلين، التي وقعت خلال رئاسة رونالد ريغان وشهدت بيع أسلحة أميركية لإيران سرًا، مقابل إطلاق سراح رهائن أميركيين في لبنان.
  2. الاتفاق (Compromise): يتمثل أبرز مثال على هذا النهج في توقيع خطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA) عام 2015، بهدف حل الخلاف مع إيران بشأن برنامجها النووي.
  3. الاحتواء (Containment): تمثل سياسة الاحتواء المزدوج تجاه إيران والعراق أحد أبرز الأمثلة لهذا النهج، وقد أُعلن عنها لأول مرة عام 1993 من قبل مارتن إنديك في معهد واشنطن لسیاسة الشرق الأدنی، على اعتبار أن هاتين الدولتين من أكثر دول الشرق الأوسط عداءً لإسرائیل والولايات المتحدة.
  4. التغيير (Change): يشمل هذا النهج محاولات تغيير النظام الإيراني عبر وسائل متعددة، مثل التدخلات العسكرية أو العقوبات الاقتصادية. وقد تم وضعه مرارا علی أجندة الدیمقراطیین والجمهوریین على السواء، ويمكن التمثيل له بحادثة صحراء “طبس” لتحریر رهائن السفارة الأميرکیة في طهران، أو الدخول مباشرة في حرب بين إيران والعراق استمرت ثماني سنوات، إلى جانب حرب ناقلات النفط خلال تلك الفترة.

 وبالعودة إلى العناصر الرئيسية الأربعة، يمكن مناقشة في أيّ اتجاه سيذهب دونالد ترامب بعد دخوله البيت الأبيض لولاية ثانية. وبشكل عام، ينبغي تقييم نهج ترامب على أساس البنية والفعل. وبقبول هذا الافتراض، ستكون هناك قضيتان مهمتان: الأولى، السياسة الخارجية لترامب، ويمكن تحديدها بثلاث مقاربات:

أ) الأحادية تجاه إيران.
ب) اللامبالاة بالمجتمع الدولي.
ج) اتباع الفردية وإجراء الصفقات.

وبهذا، تشير المعرفة المتاحة عن سياسات ترامب في ولايته الأولى، وخاصة شعارات حملته، إلى اعتماد المقاربة الثالثة، وهي إستراتيجية الاحتواء بنفس تكتيك الضغط الأقصى.

لكنّ المشكلة، أو القضية الثانية، هي أن ترامب يواجه غموضين رئيسيين؛ الأول ذاتيّ طوعي، والثاني غير مرغوب فيه ويتسبب فيه الوسطاء الذين يعينهم كفريق إداري كبير.

لذلك يمكن الاعتقاد بأن نهج ترامب لا يحل المشكلة، بل يُركز فقط على تقليل التكلفة حتى بإزالة عبارة المشكلة. وهذا النهج يشبه ما تبناه ترامب في عام 2016 مع كوريا الشمالية. والسؤال المطروح: هل تم حل الأزمة بين الكوريتين؟ ربما سيتبع ترامب نفس النهج في حالة غزة ولبنان وحتى أوكرانيا. وهذا السلوك من ترامب يُفهم جيدا من شعار حملته الانتخابية “أميركا أولا”. لذا فإن تراجع الولايات المتحدة هو القضية الرئيسية التي ستقلق ترامب في ولايته الثانية.

تمتلك الولايات المتحدة ما يزيد عن 26% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي في 2024، كما تتحمل في الوقت نفسه 50% من تكاليفه. ويريد ترامب أن تستمر بلاده في كونها القوة الرائدة والمهيمنة في العالم. ومن المتوقع أنه في ولايته الثانية، سيفصل صفوفه عن أوكرانيا وأوروبا بسبب الاختلافات في أوروبا. كما سيسعى للحفاظ على النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، وفرض نظام جديد، وعدم مواجهة أوروبا.

إن السيناريوهات المحتملة التي تمت مناقشتها ينبغي أن تأخذ في الاعتبار التوتر بين الفصيلين الرئيسيين في الحزب الجمهوري، الفصيل الانعزالي المتوافق مع رؤية ترامب “أميركا أولا”، والفصيل الأكثر نشاطا الذي يدعم صعودا أميركيا قويا.

تقييم نهج الجمهورية الإسلامية الإيرانية:

يمكن تلخيص الاستراتيجية الإيرانية تجاه الولايات المتحدة في العناصر التالية:

  1. البراغماتية: تتبنى إيران نهجًا براغماتيًا في مواجهة الأزمات، معتمدة على موافقة القيادة الإيرانية منذ انتصار الثورة الإسلامية.
  2. تعزيز الردع السياسي: إن مهمة حكومة الرئيس مسعود بزشكيان واضحة في هذا الخصوص، وهي تحويل الردع العسكري إلى ردع سياسي، بما يفتح المجال أمام مفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة، أو من خلال تفاوض جماعي، ولكن قد يكون من مصلحة طهران الدخول في مفاوضات مباشرة مع واشنطن.
  3. مواجهة العقوبات الاقتصادية: رغم تأثير العقوبات على الاقتصاد الإيراني، فإنها لم تعرقل التقدم في المجالات الصناعية والدفاعية. وإذا حققت حكومة بزشكیان نجاحا کبیرا في حل معضلة عدم التوازن في الطاقة والاقتصاد والنقد، فإن تطوير البنیة التحتیة الاقتصادیة سيتحسن إلی حد کبیر خارج إطار العقوبات. وفي المحصلة فإن نجاح الحكومة في تحقيق توازن اقتصادي قد يعزز قدرتها التفاوضية.
  4. الموقع الجيوسياسي: يشكل الموقع الجغرافي لإيران ميزة إستراتيجية في التفاعلات الإقليمية والدولية.
  5. القضية النووية: تسعى إيران إلى استعادة قوة الردع لديها، خاصة بعد التطورات الأخيرة في سوريا ولبنان، بما يعزز موقفها في أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة.

الخاتمة

تشير الأدلة المتاحة إلى أن ترامب قد يعتمد نهج الاتفاق عبر وسطاء مثل السعودية، أو اليابان لدورها التاريخي قبل وبعد انتصار الثورة الإسلامية. من جانبها، تبدو إيران مستعدة لوضع خيار المفاوضات المباشرة على جدول أعمال دبلوماسيتها الرسمية إذا ما ضمنت حماية مصالحها الوطنية. ومع ذلك، يبقى القرار النهائي مرهونًا بتوجهات الإدارة الأميركية الجديدة ومدى جديتها في تحقيق تفاهمات حقيقية.

مرتضى فردوسي بور

سفير ومدير قسم دراسات غرب آسيا وشمال إفريقيا بمركز الدراسات السياسية والدولية في الخارجية الإيرانية.

مركز الجزيرة للدراسات




 نشرت صحيفة “التايمز” البريطانية تقريرا أعدته غابرييل وينغر وجورج غريلز قالا فيه إن روسيا وإيران تعملان بهدوء على تقوية العلاقات وإجراء محادثات نووية. وتأمل إيران من المحادثات السرية التي تجريها في موسكو بتقوية دفاعاتها العسكرية وقدراتها رغم المحادثات المقبلة مع الغرب بشأن برنامجها النووي.

 وقالت إن علي لاريجاني، مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، أية الله علي خامنئي يقوم برحلات مكوكية جيئة وذهابا على متن رحلات جوية سرية لمقابلة المسؤولين البارزين في روسيا.

وعلمت “التايمز” أن دبلوماسية القنوات السرية تهدف لحصول طهران على مساعدة في برامجها النووية وقدراتها الدفاعية. وكان علي لاريجاني متحدثا باسم البرلمان ومفاوضا سابقا في المحادثات النووية وهو ممثل عن خامنئي ومن المقربين للنظام ولديه سمعة أنه قادر على إنجاز المهام. وأرسل في العام الماضي بمهام لتقوية محور المقاومة بعد مقتل الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصر الله، وزار بيروت ودمشق.

تأمل إيران من المحادثات السرية التي تجريها في موسكو بتقوية دفاعاتها العسكرية وقدراتها رغم المحادثات المقبلة مع الغرب بشأن برنامجها النووي

وتعتبر رحلاته السرية إلى موسكو علامة على تعمق العلاقات الإيرانية- الروسية والنفوذ الذي بات كل طرف يمارسه على الآخر.

وتأتي تقوية العلاقات بين طهران وموسكو في مرحلة حرجة لإيران، حيث خسرت نفوذا في الشرق الأوسط وتواجه أزمة اقتصادية بسبب العقوبات الغربية المفروضة عليها.

وتهدف جولة المحادثات الجديدة مع أوروبا بشأن البرنامج النووي إلى فتح المجال أمام استئناف المحادثات النووية ورفع العقوبات عن إيران، كهدف نهائي. ومن المقرر أن تعقد الجولة التالية في جنيف يوم الاثنين، ولكن الكشف عن لقاءات سرية مع روسيا من شأنه أن يثير المخاوف بشأن نوايا طهران.

وبحسب مصادر استخباراتية غربية، تتطلع طهران إلى مزيد من المساعدة من روسيا في الموضوعات والخبرات النووية، بعد عقود من التعاون الذي شمل تزويد إيران بالوقود لمفاعل نووي يعمل بالماء الخفيف بقوة 1,000 ميغاواط. ونقلت الصحيفة عن مصدر استخباراتي غربي قوله: “نظرا لتعمق علاقتهما الاستراتيجية، واعتماد روسيا على إيران في الصواريخ والمسيرات، فهناك قلق من استعداد موسكو لتجاوز الخطوط الحمراء التي رسمتها سابقا بشأن البرنامج النووي الإيراني”.

وبحسب الدكتور ويليام ألبرك، المدير السابق لقسم الحد من الانتشار النووي في حلف الناتو والزميل في مركز هنري إل ستيمسون بواشنطن العاصمة، فقد كانت روسيا في الماضي جزءا من الإجماع الذي كان لا يريد أن تصبح إيران قوة نووية. وقال ألبرك: “لكن ربما اتخذت روسيا القرار، في الوقت الذي بدأت فيه إيران في إرسال آلاف من المسيرات لاستخدامها في أوكرانيا، وأن الانتشار النووي ليس بالأمر الكبير”.

 ورغم أن إيران لا تحتاج إلى مساعدة في بناء قنبلة، فإنها “ستستفيد بالتأكيد من التعاون السري مع روسيا”، كما قال. وأضاف أنه حتى لو كانت الزيارات قصيرة، فسيستفيد الخبراء الإيرانيون من زيارة الخبراء الروس “يمكن إرسال عالمين إيرانيين إلى أرزماس، بنزا وأي مؤسسة إنتاج نووي روسية. ويمكنهم تعلم الكثير خلال 24 ساعة، وإجازة أسبوعية طويلة ستعطي الإيرانيين الكثير من الأفكار”. وأشار البرك إلى أن إنتاج بقية السلاح ووضعه في صواريخ مناسبة جاهزة للانطلاق، مثل صواريخ باليستية، تحتاج لوقت أطول.

وتقدر المدة الزمنية ما بين أشهر إلى عام. ولكنه قال إن إيران “يمكنها تعلم بناء قنبلة صغيرة ومعقدة، وربما بحجم ميغاطن، أو جهاز نووي يمكن وضعه في قنابل مدفعية”. وتقول مصادر استخباراتية غربية إن إيران تسعى للحصول على أحدث نسخة من مقاتلات سوخوي، سو-35، في محاولة لتحديث قدراتها الدفاعية الجوية. وتقترح تقارير أن إيران اشترتها فعلا. وتريد أن تعيد بناء منظومة الصواريخ التي دمرتها المقاتلات الإسرائيلية في تشرين الأول/أكتوبر، فقد زودت روسيا إيران بنظام أس-300 الصاروخي.

كما وطلبت إيران المساعدة اللوجستية باستخدام الوجود الروسي المكثف في المنطقة لإعادة تسليح ميليشيا حزب الله اللبناني، الذي تم القضاء على قيادته وترسانته من الأسلحة إلى حد كبير من قبل إسرائيل خلال الأشهر القليلة الماضية.

تقول مصادر استخباراتية غربية إن إيران تسعى للحصول على أحدث نسخة من مقاتلات سوخوي، سو-35، في محاولة لتحديث قدراتها الدفاعية الجوية

وقد تحالفت روسيا وحزب الله مع نظام الأسد في سوريا ضد المعارضة المسلحة التي أسقطت النظام نهاية العام الماضي. واستقبلت موسكو، لاريجاني، وهو ضابط سابق في الحرس الثوري لمناقشة تسليم مسيرات وصواريخ لاستخدامها في أوكرانيا. وقد نفت طهران مرارا إرسالها مسيرات لروسيا، رغم الأدلة التي تشير إلى غير هذا.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر ذكرت صحيفة “التايمز” تسلم شحنة من 100 صاروخ حملت في 25 حاوية من ميناء أميرأباد، شمال إيران ونقلت عبر بحر قزوين. وأدى نقل الصواريخ عن طريق الجو إلى فرض عقوبات جديدة على إيران من قبل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، بما في ذلك ضد شركة الطيران الإيرانية، التي نقلت مئات الصواريخ الباليستية قصيرة المدى إلى روسيا.

وتلتقي إيران يوم الإثنين مجموعة الثلاث في جنيف، وهي بريطانيا وألمانيا وفرنسا. وجاء اللقاء بناء على طلب من إيران التي يحاول نظامها رفع العقوبات والخروج من مأزق المحادثات النووية. وكانت إيران قد عرضت في وقت سابق تحديد سقف لبرنامجها لتخصيب اليورانيوم بنسبة 60% والسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة إلى البلاد، وهو ما يشير إلى الابتعاد عن التعاون العسكري الإيراني الروسي. ومن أجل تصنيع القنبلة النووية تحتاج إيران لتخصيب يورانيوم بنسبة نقاء 90%، على الرغم من أن أي مادة مخصبة بأكثر من 20% ينظر إليها أنها في مستوى عسكري.

وتقول الوكالة إن إيران خصبت اليورانيوم إلى 60%. وقال البرك إن إيران خصبت منذ انهيار الاتفاق النووي 839.2 كغم من اليورانيوم بنسبة 20 % و182.3 كغم بنسبة 60 %. ويعتبر الانتقال من 20% إلى 100% أمرا سهلا. “إنهم على بعد نبضة قلب من مادة صنع القنبلة”.

ويبدو أن إيران ترى في الخيار النووي كآخر خط للدفاع بعد خسارة تأثيرها في سوريا ولبنان. وكان دونالد ترامب قد خرج ومن طرف واحد من الاتفاقية النووية الموقعة مع 6 دول عام 2015 وأعاد فرض العقوبات على طهران. وسيكون لدى إدارته القادمة وقت قصير للتوصل إلى اتفاق بفضل آلية “العودة السريعة” التي تنتهي في تشرين الأول/أكتوبر، والتي ستؤدي إلى إعادة فرنسا وبريطانيا فرض عقوبات الأمم المتحدة على إيران. وهددت إيران بالانسحاب من معاهدة منع الانتشار النووي إذا أعيد فرض العقوبات.

صحيفة الغارديان لبريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




بعد بضعة أشهر من بداية الحرب، التقى وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن، مع محمد بن سلمان ولي العهد السعودي والرجل المقرر في المملكة. “أريد هذا”، فاجأ بن سلمان بلينكن. “أريد التوقيع على تطبيع مع إسرائيل الآن. قبل الاقتراب أكثر من انتخاباتكم، ثم لا يكون هذا ممكناً”. وسأله بلينكن متفاجئاً: “ماذا تحتاج لهذا؟”. “هدوء في غزة ومنحى لدولة فلسطينية”، أجاب بن سلمان.

“لماذا تريد دولة فلسطينية”، تساءل بلينكن. فأجابه بن سلمان بصدق: “هذا لا يهم”- حسب الوصف المفصل لبوب وود وورد في كتابه الأخير، “لكن 70 في المئة من الجمهور في مملكتي أصغر مني. حتى 7 أكتوبر، لا يعنيهم. منذئذ وهم يركزون على هذا. فضلاً عن ذلك، زعماء الدول العربية الأخرى ينظرون إليّ، ولن أخون ناسي”.

تلقى منه بلينكن إذناً لطرح الموضوع على نتنياهو. كان نتنياهو معنياً جداً. حتى ذلك الحين، كان يخيل أن 7 أكتوبر أحبط احتمالاً لاتفاق تطبيع إسرائيل- سعودي. ماذا يقصد حين يقول: هدوء في غزة؟ سأل نتنياهو. “عدم وجود جنود إسرائيليين على أرض غزة”، أجاب بلينكن. “سنعمل على هذا”، أجاب نتنياهو وواصل: “ماذا يقصد بمنحى لدولة فلسطينية؟ أجاب بلينكن: “ينبغي لهذا أن يكون واضحاً، غير قابل للتراجع، مصداقاً، وحقيقياً”. “حسناً، يمكن العمل على هذا، سنجد صيغة ذكية ما”، أجاب نتنياهو.

“لا، لا صيغة، الكل باتوا يعرفونك”، قال بلينكن. يجب أن يكون هذا حقيقياً ومصداقاً. نتنياهو، لشدة الأسف، تخلى، والفرصة إياها ضاعت. فضل نتنياهو استمرار الحرب على حلف دراماتيكي مع السعودية، ووزن مضاد للمحور الإيراني، وإعادة المخطوفين ومحاولة إيجاد حكم منافس لحماس في القطاع.

لشدة الفرح، بخلاف المخاوف (بما في ذلك مخاوفي)، لم تضع الفرصة. لا يزال بن سلمان معنياً، والرئيس الأمريكي يرى في هذا إمكانية لجائزة نوبل، وهذه بالنسبة لنتنياهو فرصة لشطب بعض من عار 7 أكتوبر. يعتقد جهاز الأمن بأن هذه “الكأس المقدسة”، ليست أقل. حلف دفاع سعودي أمريكي لا يخيفهم. تخصيب نووي على أراضي السعودية – نعم، لكن لا يبدو هذا عائقاً غاير قابل للحل.

في الجانب الأمريكي تحد غير بسيط- تمرير هذا في الكونغرس. صحيح أن السيطرة للجمهوريين، لكن المطلوب أغلبية نسبية لحلف الدفاع (متعلق بأي نموذج يتم اختياره). الديمقراطيون ينفرون من النظام السعودي، وبالتأكيد لا مصلحة لهم لإعطاء إنجاز للرئيس الجمهوري. ليس صدقة أن تحدث بن سلمان مع بلينكن عن إنجاز ذلك قبل الانتخابات.

السؤال الدراماتيكي حقاً في إسرائيل. إذا ما زال نتنياهو يفكر بعقلانية، يفترض أن يكون له منحى واضح: صفقة مخطوفين شاملة، وانسحاب من قطاع غزة، ووقف نار دائم، وإدخال قوة عربية ما إلى القطاع، بإسناد السلطة الفلسطينية واتفاق تطبيع تاريخي مع السعودية. هكذا يعيد المخطوفين المتبقين على قيد الحياة، ويحسن وضع إسرائيل الاستراتيجي. حماس وإن بقيت، ستكون ضعيفة. وإذا أوقف نتنياهو هوسه ضد السلطة، فقد أعربت حماس عن استعدادها للتخلي عن الإدارة المدنية في القطاع لصالح جسم آخر على أن يتمتع بشرعية فلسطينية ما.

في وضع الاستطلاعات اليوم، لا يقين بأن بن غفير وسموتريتش يتجرآن على التوجه إلى الانتخابات على أساس الاعتراض على هذا المنحى. لكن حتى وإن كان كذلك، فستكون هذه انتخابات بعد نصف سنة على الأقل، وربما أكثر. بكلمات أخرى، قد يحصل نتنياهو على كل المرابح الهائلة بثمن غير رهيب يتمثل بتقصير الولاية لسنة وبضعة أشهر. ألا يزال يفكر بعقلانية؟.

رفيف دروكر

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




نيويورك تايمز: السعودية والإمارات تبحثان بحذر عن تعاون مع حكومة دمشق

قالت صحيفة “نيويورك تايمز” إن السعودية والإمارات تتعاملان بحذر مع قادة سوريا الجدد. وأشارت في تقرير أعده إسماعيل نار، إن القوتين في الشرق الأوسط تعملان منذ أكثر من عقد على منع وصول الإسلاميين للسلطة في المنطقة، إلا أن سيطرة المعارضة التابعة لهيئة تحرير الشام على دمشق، تعتبر امتحانا لهذا النهج.

فقد ظلت سوريا وعلى مدى عقود، حليفا قريبا لإيران في الشرق الأوسط، فيما دخلت دول الخليج في تنافس حاد مع طهران للتأثير على المنطقة. ومع سقوط نظام بشار الأسد، هُمشت إيران. وهو ما قدم فرصة لدول الخليج كي تملأ الفراغ وتطور علاقات مع الحكومة الجديدة في دمشق. إلا أن الدولتين الخليجيتين القويتين تتعاملان مع التغيير في سوريا بحذر، لأن هيئة تحرير الشام، وهي الجماعة التي قادت الفصائل المعارضة في الحملة ضد الأسد، وتسيطر على معظم سوريا، ميالة للإسلاميين، وكانت سابقا على علاقة مع تنظيم القاعدة.

وبدت القوى الخليجية واضحة في تصريحاتها بأن قادة سوريا الجدد بحاجة لإثبات أنفسهم، وأنهم سيدعمون نظاما شاملا ومتسامحا مع طوائف البلاد المختلفة، قبل أن يحصلوا على الدعم السياسي والمالي من دول الخليج.

وفي منتصف كانون الأول/ ديسمبر، قال المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي إن طبيعة الفصائل المعارضة السورية وارتباطاتها السابقة بتنظيم القاعدة تدعو للقلق. وقال: “أعتقد أن هذه كلها مؤشرات مقلقة للغاية. لقد شهدت المنطقة حلقات مثل هذه من قبل، لذا يتعين علينا أن نكون على أهبة الاستعداد”. ولطالما خافت دول الخليج من تمكن الجماعات الإسلامية في الشرق الأوسط، مما سيزعزع استقرار أنظمتها الديكتاتورية. وعندما اندلع الربيع العربي في 2011 انهارت عدة حكومات مستبدة، وصعد الإسلاميون في دول مثل تونس ومصر.

وقالت أنا جاكوبس، المحللة البارزة في مجموعة الأزمات الدولية ببروكسل: “لدى الإمارات تحديدا تاريخ طويل في عداء الأحزاب السياسية والحكومات المرتبطة بالإسلاميين”، مضيفة: “ولكن حتى الآن على الأقل، أرسلت الإمارات بعض الإشارات الواضحة بأنها على استعداد للعمل مع الحكومة المؤقتة من أجل الحفاظ على الاستقرار في سوريا وفي المنطقة الأوسع”.

وبعد ثورة الربيع العربي، انتخب المصريون رئيسا إسلاميا هو محمد مرسي، والذي سرعان ما أطاح به الجيش بقيادة عبد الفتاح السسيي وبدعم من الإمارات. ولا يعتبر الحذر من الإسلاميين مقتصرا فقط على دول الخليج، بل في الدول الإقليمية الأخرى بما فيها مصر. فقد  أمضى الجنرال السابق السيسي، الذي حل محل مرسي في عام 2013، السنوات الماضية في القضاء على الإخوان المسلمين في بلاده، حيث رأى في الجماعة تهديدا لسلطته.

وفي منتصف كانون الأول/ ديسمبر، ظهر السيسي بشكل نادر أمام الصحافيين، مما يشير إلى التوتر بشأن الأحداث في سوريا. وبدا أنه يرسم تباينا بينه وبين الأسد. وقال: “هناك شيئان لم أفعلهما قط، بفضل الله: لم تتلطخ يداي أبداً بدماء أحد، ولم آخذ أي شيء لم يكن لي”.

وكانت السعودية والإمارات من أكبر المعارضين لنظام الأسد بعد بداية الحرب الأهلية السورية والعقد الذي تلاها. وتحول الأسد إلى منبوذ في المنطقة والعالم بسبب العنف والوحشية التي مارسها ضد معارضيه، والتي اشتملت على استخدام السلاح الكيماوي. وأغلق البلدان سفارتيهما في دمشق عام 2012، إلا أن استعادة الأسد السيطرة على معظم المناطق التي استولت عليها المعارضة، وبدعم مهم من روسيا وإيران، غيّر مواقف دول الخليج.

ولعبت السعودية والإمارات دورا في عودة الأسد إلى الحظيرة العربية بعد عقد من العزلة. وكان التحرك مدفوعا بمحاولات مواجهة التأثير الإيراني في بقية أنحاء الشرق الأوسط. وبعد الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وسوريا في أوائل عام 2023، قدمت السعودية العون الإنساني للأسد. وفي وقت لاحق من نفس العام، استُقبل الزعيم السوري في جامعة الدول العربية. وكانت عودته بمثابة قبول ضمني ببقائه، على الرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها الغرب للإطاحة به. وجاء التحول في مواقف دول الخليج، عندما كان الأسد يسيطر على معظم أنحاء سوريا، وكجزء من عمليات ترتيب في العلاقات الإقليمية قامت بها السعودية والإمارات بما في ذلك استئناف العلاقات الدبلوماسية مع إيران.

ومع رحيل الأسد وظهور قيادة جديدة في دمشق، فإن الفرص الاقتصادية لإعادة البناء بعد الصراع ستكون جزءا من أي عملية تقييم. فسوريا التي ورثها القادة الجدد مدمرة وبدون بنية تحتية فاعلة، ولهذا ستكون هناك فرصة للسعودية والإمارات للاستفادة من جهود إعادة إعمار البلاد، بشرط التفاوض على شروط محبذة مع الحكومة في دمشق. كما أن الحصول على دور في إعادة إعمار البلاد، سيوفر فرصة للتأثير على مستقبل سوريا.

وتبدو قطر، تحديدا، منفتحة على دعم الحكومة الانتقالية في سوريا. فقد حافظت الدوحة على اتصالات مع هيئة تحرير الشام والجماعات السورية الأخرى أثناء الحرب الأهلية. وفي عام 2015، توسطت قطر في عملية تبادل أسرى بين المعارضين السوريين والجيش اللبناني.

وعندما حضر الأسد القمة العربية في جدة عام 2023، خرج أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني من قاعة المؤتمر. وبعد الإطاحة بالأسد، أرسلت قطر وزير خارجيتها إلى دمشق في أواخر كانون الأول/ ديسمبر، وهو أعلى مسؤول حكومي من الخليج يلتقي الحكومة الانتقالية.

وقد تبع ذلك في وقت سابق من هذا الأسبوع، زيارة من رئيس مجلس التعاون الخليجي ووزير خارجية الكويت. وقال الشرع، إن القطريين سيحصلون على الأولوية لدعمهم السوريين على مدى العقد الماضي، ربما في إشارة إلى دور الإمارة الخليجية في مشاريع إعادة الإعمار. ورافق الوفد القطري فريق فني من الخطوط الجوية القطرية لتقديم الدعم في إعادة فتح مطار دمشق الدولي.

ترجمة ابراهيم درويش




مستقبل إردوغان والحزب الحاكم… سؤال تركيا الكبير

ربع قرن بين ألغاز دبلوماسية ونيران العالم العربي

أمضت تركيا أكثر من 22 عاماً تحت حكم حزب «العدالة والتنمية» الذي شهدت مسيرته محطات حرجة وتحديات سياسية واقتصادية، بين صعود وهبوط، وانعكست على السياسة الخارجية على وجه الخصوص.

الحزب ذو الجذور الإسلامية الذي أسسه الرئيس رجب طيب إردوغان ومجموعة من رفاقه أبرزهم الرئيس السابق عبد الله غل، والسياسي المخضرم بولنت أرينتش، ظهر في 14 أغسطس (آب) 2001، وفاز منفرداً بحكم تركيا في أول انتخابات تشريعية خاضها في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2002، وبقي في الحكم حتى الآن.

وخاض الحزب في البداية صدامات مع النخبة العلمانية والجيش والقضاء وصلت ذروتها عند ترشيح عبد الله غل، الذي كان وزيراً للخارجية، للرئاسة عام 2007 خلفاً للرئيس الأسبق أحمد نجدت سيزر.

أزمات ومعارك

أحدث ترشيح غل أزمة كبيرة في تركيا التي شهدت تجمعات مليونية في أنقرة وإسطنبول رفضاً له. وأفلت الحزب أيضاً من الحل في دعوى أقيمت ضده أمام المحكمة الدستورية التي قضت بالغرامة المالية دون الإغلاق في عام 2008، بسبب انتهاكه «مبادئ العلمانية».

ومنذ عام 2010، بدأ الحزب حملة تغييرات واسعة، عبر تعديل الدستور، بعدما استفاد من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي التي انطلقت رسمياً عام 2005 في إرساء العديد من حزم الإصلاحات في النظام القضائي والقوانين.

وخاص الحزب العديد من المعارك، كما نزع فتيل محاولات استهدفته على غرار قضايا «أرجنكون» و«المطرقة» و«القفص» التي حاول فيها عسكريون الإطاحة بحكومة إردوغان.

وعد إردوغان، الرجل القوي الذي لا يزال قابضاً بقوة على السلطة في تركيا، أن احتجاجات «غيزي بارك» في مايو (أيار) 2013، وما أعقبها من تحقيقات «الفساد والرشوة» التي جرت في 17 و25 ديسمبر (كانون الأول) من العام ذاته، كانت محاولات للإطاحة بحكومته.

ونُسبت تحقيقات في تهم فساد ورشوة طالت أبناء وزراء في حكومة إردوغان ورجال أعمال مقربين منه، وامتدت إلى أفراد عائلته، إلى حركة «الخدمة» التي تزعمها حليفه الوثيق السابق، فتح الله غولن، الذي توفي منذ أشهر.

حشد من الأتراك يحتفلون وسط إسطنبول فوق دبابة هجرها ضباط من الجيش بعد محاولة انقلاب فاشلة في 16 يوليو 2016 (غيتي)

مواجهة أخيرة

كانت محاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو (تموز) 2016، التي نفذتها مجموعة من الجيش، نُسب إليها الانتماء إلى حركة غولن، هي آخر المواجهات التي مكنت إردوغان من إخضاع المؤسسة الحامية للعلمانية في البلاد (الجيش) بعدما تمكن من السيطرة على أجهزة الأمن والقضاء عقب تحقيقات الفساد والرشوة، وقام بتطهيرها من أنصار غولن، الذي كان حليفاً لحزب «العدالة والتنمية» منذ ظهوره.

ووسط هذه المعارك التي مكنت إردوغان وحزبه من السيطرة على جميع مفاصل الدولة وإزالة مشكلة حظر الحجاب من أجندة تركيا، كان الحزب يخوض مسار صعود اقتصادي أزال أثر الأزمة الحادة التي عاشتها البلاد في 2001، وكانت العامل الأساسي في فوزه الكاسح بأول انتخابات يخوضها.

صعود اقتصادي وتقلبات سياسية

استمر الصعود الاقتصادي، وساعد في ذلك اعتماد حزب «العدالة والتنمية» سياسة «صفر مشاكل» مع دول الجوار التي أسس لها وزير الخارجية الأسبق أحمد داود أوغلو، الذي تولى لاحقاً رئاسة الحكومة، التي كان لها الفضل في إذابة الجليد في علاقات تركيا مع محيطها في الشرق الأوسط والعالم العربي، فضلاً عن توسيع علاقات تركيا بالشرق والغرب.

ولم تخف توجهات السياسة التركية في هذه الفترة اعتمادها على نظرية «العثمانية الجديدة»، واستعادة مناطق النفوذ، التي انطلقت من نظرية «العمق الاستراتيجي» لـ«داود أوغلو»، وبعدما بدأت تركيا التمدد من الدول العربية إلى أفريقيا اعتماداً على أدوات الدبلوماسية الناعمة والمساعدات الإنسانية وعامل الدين والتاريخ المشترك، جاء ما عرف بـ«الربيع العربي» ليقلب سياسة تركيا إلى التدخل المباشر والخشن عبر أدوار عسكرية امتدت من سوريا وليبيا إلى القرن الأفريقي، وفتحت لها باب التوسع بإقامة القواعد العسكرية في الخارج.

وتسبب انحياز تركيا إلى جماعة «الإخوان المسلمين» وجماعات متشددة، ودعمها في تونس ومصر وسوريا وليبيا، في حصارها في المنطقة، وهو ما حاول سياسيوها تبريره بشعار «العزلة القيمة».

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان… ربع قرن عاصف بالتحولات (غيتي)

بين الكرد والقوميين

جاءت محاولة الانقلاب الفاشلة في عام 2016 لتضيف مزيداً من التوتر إلى علاقات تركيا مع حلفائها الغربيين بسبب ما عدّته أوروبا وأميركا، استغلالاً لها في سحق معارضي إردوغان على اختلاف انتماءاتهم وليس أنصار غولن فقط، والتوسع في انتهاكات حقوق الإنسان وحرية التعبير عبر الاعتقالات الواسعة، وإغلاق المنصات الإعلامية، وهو ما أدى إلى «دفن» مفاوضات تركيا للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، التي كانت مجمدة بالفعل منذ عام 2012.

الحال، أن الانسداد في العلاقات مع أوروبا كان قد تأجج في فترة الانتخابات البرلمانية في تركيا عام 2015 التي شهدت مصادمات مع الكرد، وخسر فيها حزب «العدالة والتنمية» الأغلبية للمرة الأولى في الانتخابات التي أجريت في 7 يونيو (حزيران) من ذلك العام للمرة الأولى في مسيرته، قبل أن يلجأ إردوغان إلى الانتخابات المبكرة في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، ليفوز بها حزبه.

وفي هذه الفترة كان «العدالة والتنمية» أطلق في عام 2013 مبادرة للسلام الداخلي وحل المشكلة الكردية، قبل أن يعلن إردوغان إنهاءها في 2015 قائلاً إنه لا توجد مشكلة كردية في تركيا.

وأثبتت القضية الكردية أنها الورقة التي يلجأ إليها إردوغان في لحظات الضعف التي يمر بها حزبه وتتراجع شعبيته، فقد عاد الحديث في الأسابيع الماضية عن مبادرة جديدة للحل، أطلقها رئيس حزب «الحركة القومية»، الحليف لإردوغان، دولت بهشلي، ودعا من خلالها إلى حوار مباشر مع زعيم حزب «العمال الكردستاني» المحكوم بالسجن مدى الحياة في تركيا، عبد الله أوجلان، بل دعوته للحديث في البرلمان، والنظر في العفو عنه.

وجاءت هذه الخطوة، كما يرى مراقبون، محاولة من إردوغان لجذب كتلة أصوات الكرد بعد الهزيمة التي تلقاها حزبه في الانتخابات المحلية التي أجريت في 31 مارس (آذار) الماضي، بعدما فاز بصعوبة بالغة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو 2023، والحصول على دعم نواب حزب «الديمقراطية المساواة للشعوب»، المؤيد للكرد لفتح الطريق أمام إردوغان للترشح للرئاسة للمرة الرابعة في انتخابات مبكرة تُجرى قبل عام 2028 بطلب من 360 نائباً، وهو ما لا يملكه «تحالف الشعب»، الذي تأسس مع تحول البلاد إلى النظام الرئاسي عام 2018، ليضم حزب «العدالة والتنمية» و«الحركة القومية»، وأحزاب قومية وإسلامية أخرى صغيرة مثل «الوحدة الكبرى»، و«هدى بار».

وتسبب التحالف مع القوميين في انتقال «العدالة والتنمية» من حزب وسطي إصلاحي يخدم الشعب بلا تمييز ويعمل على دفع الاقتصاد والانضمام للاتحاد الأوروبي، إلى حزب يرفع شعارات الفكر القومي والأمة، ويبشر بالعثمانية الجديدة و«الوطن الأزرق» في ظل نظام يصفه معارضوه في الداخل وحلفاؤه في الغرب بأنه يكرس الديكتاتورية وحكم الفرد منذ إقرار النظام الرئاسي من خلال تعديلات دستورية تم الاستفتاء عليها عام 2017.

إردوغان (يمين) ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني في ديار بكر جنوب تركيا نوفمبر 2013 (غيتي)

ألغاز السياسة الخارجية

ربما تكون السياسة الخارجية لتركيا تحت حكم إردوغان و«العدالة والتنمية» هي أكبر الألغاز المحيرة، فبعدما أريد لها الانفتاح وتصفير المشاكل، انتقلت منذ 2011 إلى التدخل في أزمات المنطقة، ثم رفعت شعار «العزلة القيمة»، بعدما حدثت شروخ عميقة في العلاقات مع محيط تركيا الإقليمي من مصر إلى دول الخليج إلى سوريا والعراق، في مرحلة ما، ثم محاولة العودة بعد 10 سنوات ضائعة إلى مسعى «تصفير المشاكل» مرة أخرى.

وهكذا عملت تركيا على إصلاح العلاقات مع دول الخليج ومصر، وعدم التمادي في تدمير العلاقات مع إسرائيل، على الرغم من إدانتها الصارخة لحربها في غزة ولبنان وهجماتها في سوريا، وصولاً إلى الحوار الإيجابي مع اليونان وأرمينيا.

واتسمت هذه السياسة أيضاً بتبديل غير مستقر للمحاور بين الشرق والغرب، عبر محاولة توظيف ورقة العلاقات مع روسيا والصين وإيران، وتقديم طلب عضوية في مجموعة «بريكس»، والحضور في قمة منظمة شنغهاي للتعاون على المستوى الرئاسي، للضغط من أجل تحريك مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وكسر فتور العلاقات مع أميركا.

وشكل التذبذب في العلاقات بين تركيا وروسيا ملمحاً مميزاً، وكذلك مع إيران، لكن بصورة أقل علانية، إلى أن دخلت العلاقات معهما منعطفاً حاداً بسبب التطورات الأخيرة التي أطاحت بحكم بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن عدم الرضا من جانب روسيا عن نهج تركيا في التعامل مع الأزمة الروسية الأوكرانية.

هواجس المستقبل

الآن، وبعد نحو ربع قرن ساد فيها حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا، يبدو أن إردوغان يجد صعوبة كبيرة في تنفيذ وعده لناخبيه عقب فوزه بالرئاسة في مايو 2023 بتأسيس «قرن تركيا».

يواجه إردوغان الآن معارضة عرفت طريقها إلى الشارع بعد أكثر من 22 عاماً من التشتت، وركاماً اقتصادياً أجهض ما تحقق من مكاسب في الحقبة الذهبية لحزبه، الذي أتى بالاقتصاد، والذي قد يرحل بسببه، بعدما بدأ رحلة تراجع منذ تطبيق النظام الرئاسي في 2018، مع صعوبة التغلب على المشاكل الهيكلية، وكسر حلقة التضخم الجامح وغلاء الأسعار وتآكل الدخل.

كما يدخل الحزب عام 2025 مع سؤال كبير وملحّ: «هل يضعف (العدالة والتنمية) أو يتلاشى إذا غابت عنه قيادة إردوغان القوية؟»، ومع هذا السؤال يبدو أن سيناريوهات مقبلة في الطريق لإبقاء الرجل على رأس الحزب والسلطة في تركيا.

سعيد عبد الرازق

صحيفة الشرق الاوسط




الإدارة السورية الجديدة… بين اكتساب الشرعية والتحديات الداخلية والخارجية

يوماً بعد يوم يزداد الحراك الدبلوماسي الذي تشهده سوريا بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، مع تقاطر الوفود العربية والأجنبية إلى دمشق للقاء مسؤولي الإدارة الجديدة، وهو ما يضفي عليها نوعاً من الشرعية.

وزراء خارجية ودبلوماسيون ومسؤولون رفيعو المستوى ذهبوا إلى سوريا ما بعد الأسد بأسباب وتوجهات مختلفة، ولكن تلك الزيارات في حد ذاتها تمثل اعترافاً ضمنياً بالإدارة الموجودة حالياً وهو ما يشكل قوة دفع لها.

ويرى مراقبون أن إكساب الشرعية لتلك الإدارة يمثل فرصة جيدة لها لتثبيت أركانها، ربما لم تتوفر في حالات سابقة كثيرة أطيح فيها بأنظمة حاكمة، وكانت الإجراءات العقابية، مثل تعليق العضويات في منظمات دولية حاضرة، بدلاً من الاعتراف بالحكام الجدد.

لكن ربما يفسر البعض ازدواجية المعايير في التعامل مع حالات مماثلة لكون نظام حكم الأسد لم يكن يحظى بقبول معظم اللاعبين المؤثرين على الساحة الدولية، في حين يذهب فريق آخر لكون تغيير أنظمة الحكم في معظم الأحيان يجري عبر تحركات من المؤسسات العسكرية، ولكن المفارقة مع النموذج السوري هي أن من أطاح بنظام الأسد فصائل مسلحة تضم في صفوفها أجانب، وفي مقدمتها «هيئة تحرير الشام».

تحديات الإدارة الانتقالية

رأت مجلة «فورين أفيرز» الأميركية أن السقوط المفاجئ والصادم لنظام الأسد على يد «هيئة تحرير الشام» أثار ابتهاج السوريين الذين عانوا 13 عاماً من ويلات الحرب الأهلية وعقوداً أخرى من الحكم القمعي، لكنها ألقت الضوء على التحديات التي ربما تواجه الإدارة الانتقالية.

وذكرت المجلة أنه «مع تبلور حكومة جديدة في دمشق، يشعر السوريون والمراقبون الأجانب على حد سواء بالقلق بشأن مدى شموليتها وتمثيلها».

وتابعت: «هناك مخاوف من أن التوترات التي لم يتم حلها بين الجماعات العرقية والدينية في سوريا يمكن أن تعرقل جهود أحمد الشرع (قائد الإدارة الجديدة) لتوحيد البلاد وتوطيد حكمه».

واعتبرت «فورين أفيرز» أن الخيارات التي ستتخذها الولايات المتحدة على المدى القريب «ستؤثر على قدرة الإدارة الجديدة على بسط سلطتها بجميع أنحاء سوريا وإعادة الإعمار».

وأشارت المجلة إلى أن «هناك أسباباً تدعو إلى منح القادة الجدد في سوريا ميزة الشك. أحدها الحالة المزرية للبلد الذي مزقته الحرب: فأكثر من 70 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي لسوريا من 60 مليار دولار إلى 10 مليارات دولار منذ عام 2011، ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة إعادة الإعمار 400 مليار دولار».

ومضت المجلة تقول إن قائد الإدارة الجديدة أحمد الشرع «أثبت أيضاً قدرته على التكيف مع الظروف الجديدة، فبعد استيلائه على محافظة إدلب السورية عام 2017، مضى في بناء دولة أولية من الصفر، وطرد العديد من المقاتلين الأجانب من (هيئة تحرير الشام) لتبني أجندة وطنية سورية. وتبرأ من الطموحات السابقة… الأمر الذي مكن (هيئة تحرير الشام) من الزحف نحو دمشق في نهاية المطاف. كما تواصل الشرع مع المجتمعات المسيحية والدرزية الصغيرة… وتبنى تعليم المرأة، وفتح الباب أمام المساعدات الإنسانية من الدول الغربية والمنظمات غير الحكومية».

الموقف الأميركي… و«دولة موحدة»

لعل الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لواشنطن هو أن أهداف الولايات المتحدة في سوريا تحققت إلى حد كبير، فحكم الأسد انتهى وانسحبت القوات الإيرانية والروسية من البلاد، بحسب المجلة التي رأت في التغيير الذي شهدته سوريا خسارة كبيرة بالنسبة لإيران، على وجه الخصوص، وقالت إن «خسارة حكومة صديقة في سوريا تشكل ضربة كبيرة، فقد خسرت طهران طريقها الرئيس لنقل الأسلحة إلى (حزب الله) في لبنان، وبالتالي خسرت طريقها لإعادة بناء (محور المقاومة) الذي أضعفته بشدة».

وعددت المجلة الأسباب التي ربما تفسر موقف واشنطن وعدم حاجتها إلى الإبقاء على وجودها العسكري أو العقوبات الساحقة التي كانت تهدف في البداية إلى إضعاف نظام الأسد، فتحدثت عن إلحاق القوات الأميركية وما تسمى بقوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية المدعومة من الولايات المتحدة أضراراً بالغة بتنظيم «داعش» في شمال سوريا.

وفي ظل مخاوف وجدل أثارته قرارات وتصريحات لمسؤولين في الإدارة الجديدة في سوريا خلال أسابيع قليلة من توليها زمام الأمور، رأت المجلة الأميركية أن أفضل سيناريو لسوريا الجديدة وجيرانها هو قيام «دولة موحدة ومتماسكة يمكنها التفاوض على اتفاقات دبلوماسية تعزز الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل».

وحذرت من أن البديل هو «سوريا ضعيفة ومنقسمة ومعرضة للصراع، وهي نتيجة قد تتطلب وجوداً عسكرياً أميركياً طويل الأمد ومكلفاً بشكل متزايد في المنطقة، وتخلق مشكلات لتركيا (حليفة الولايات المتحدة)، وتعرض عملية إعادة البناء الحساسة في العراق للخطر، وينجم عنها موجة أخرى من الهجرة السورية».

ورأت أنه لتجنب هذا السيناريو «ينبغي على الولايات المتحدة أن تمنح الحكومة السورية الجديدة فرصة، وعليها أن تسحب قواتها من البلاد، مما يسمح لدمشق باستعادة السيطرة على المحافظات الزراعية والغنية بالنفط في شمال شرقي سوريا. ومع ذلك، تحتاج واشنطن أولاً إلى ضمانات بأن لدى الشرع (هيئة تحرير الشام) القدرة والإرادة لإبقاء (داعش) تحت السيطرة، وأن الحكومة الجديدة ستضمن سلامة أكراد سوريا ودمجهم، وإذا لزم الأمر تنأى بنفسها عن أنقرة للقيام بذلك».

وقالت المجلة إن رفع الولايات المتحدة العقوبات المفروضة «سيسمح بالاستثمار الأجنبي في سوريا ويتيح للحكومة الوصول إلى النظام المصرفي الدولي».

ويرى محللون أنه يتعين الآن على الشرع ورجاله استغلال الفرصة وإثبات أنهم خرجوا من عباءة التنظيمات المسلحة إلى آفاق أرحب لبناء دولة جديدة تتسع لجميع مكوناتها، وعدم السماح لتضارب المصالح بإدخال سوريا في دوامة جديدة ربما تكون أشد وطأة مما شهدته خلال السنوات الماضية.

مجلة فورين أفيرز

ترجمة صحيفة الشرق الاوسط




الحوثيون.. من مسألة جانبية إلى تهديد استراتيجي لإسرائيل

في أعقاب هجمة الإرهاب في 7 أكتوبر، سارع وكلاء إيران في أرجاء الشرق الأوسط للانضمام إلى حرب حماس ضد إسرائيل. هكذا فعلت منظمة حزب الله في لبنان، وهكذا الميليشيات الشيعية الموالية لإيران في العراق وحتى في سوريا. وانضم إلى كل هؤلاء أيضاً الحوثيون في اليمن البعيد، الذين بدأوا يهاجمون سفناً إسرائيلية في البحر الأحمر، بل وأطلقوا المُسيرات والصواريخ نحو إسرائيل.

في البداية، بدا التهديد اليمني تهريجاً، وإزعاجاً في أقصى الأحوال، في ضوء التهديد الذي وقفت أمامه إسرائيل في حينه في غزة وحيال حزب الله في لبنان. أما اليوم، فواضح أن جبهتنا السابعة أصبحت جبهة تهديد مركزية باتت فيها إسرائيل ملزمة بتحقيق حسم، إذا كانت تريد ترميم قدرة ردعنا في المجال المحيط وإزالة سيف التهديد الإيراني الذي لا يزال مسلطاً على رقابنا.

في البداية، بدا التهديد اليمني تهريجاً، وإزعاجاً في أقصى الأحوال، في ضوء التهديد الذي وقفت أمامه إسرائيل في حينه في غزة وحيال حزب الله في لبنان.

أصبحت الساحة اليمنية مهمة ليس فقط لأن إسرائيل هزمت أو ردعت أعداءها في ساحات المواجهة الأخرى وبالتالي يمكنها الآن التركيز على الساحة اليمنية، فالأهمية التي ينبغي إيلاؤها للحوثيين تكمن في أنهم أصبحوا تهديداً حقيقياً سيحتدم، بداية على نظام الحياة في إسرائيل، وعلى الاستقرار الإقليمي. شل الملاحة في البحر الأحمر أدى إلى تعطيل ميناء إيلات، لكنه أدى أيضاً إلى ضربة قاضية للاقتصاد المصري الذي يعتمد على مداخيل الملاحة في قناة السويس. الضربة التي وجهت لمصر لها تداعيات على استقرار نظام الجنرال السيسي، وعلى أي حال على الاستقرار الإقليمي أيضاً. وتجدر الإشارة إلى أن الحوثيين لن يتوقفوا في مصر؛ فالسعودية أيضاً، والإمارات وحتى الأردن، كلهم على بؤرة استهدافهم.

الحوثيون، الذين يتخذون اسمهم من مؤسسهم حسين بدر الدين الحوثي، والمعروفون أيضاً باسم “أنصار الله”، هم منظمة إرهاب نمت في أوساط الأقلية الشيعية – الزيدية في اليمن، التي تشكل نحو 30 في المئة من سكان الدولة (مثل الشيعة في لبنان، الذين هم أيضاً يشكلون نحو ثلث سكان الدولة لكنهم يمسكون بعناقها).

يستغل الحوثيون انهيار الدولة اليمنية في ظل ثورات الربيع العربي التي اجتاحت العالم العربي في العقد الماضي. سيطروا على القسم الشمالي من الدولة، وتحولوا برعاية إيرانية من ميليشيا مسلحة إلى جيش ذي قوة وصواريخ متطورة ومُسيرات. وكانت السعودية أول من شعر بالخطر، ومنذ 2015 شنت ضدهم حرباً، لكنها اضطرت للتوصل إلى وقف للنار معهم، بضغط أمريكي.

المسألة الفلسطينية لا تعني الحوثيين أيضاً، لكنهم يستخدمونها ليصبحوا قوة إقليمية ذات مكانة وتأثير حتى خارج حدود اليمن، ولتجنيد التأييد في العالم العربي – بما فيه السني أيضاً. ومع ذلك، مهم أن نذكر أن هدفهم المعلن هو الكفاح حتى الموت ضد أعدائهم في العالم العربي والغرب وإسرائيل واليهود أيضاً.

وعدت الولايات المتحدة “بمعالجة” الإزعاج الحوثي، لكن الهجمات الأمريكية محدودة وعديمة التأثير. يبدو أن واشنطن تخشى التورط في اليمن والتدهور إلى حرب إقليمية شاملة. إسرائيل هي الأخرى نفذت بضع هجمات علاقات عامة ضد أهداف بنى تحتية في اليمن على أمل أن يوقف الحوثيون مهاجمتها، ولكن دون جدوى. فللحوثيين منطق خاص بهم، والهجمات المتلعثمة والمحدودة ضدهم تزيد تعززهم. وعلى أي حال، اليمن دولة ضعيفة، وهجوم على شبكة الكهرباء المعطلة لديهم لا يقدم ولا يؤخر من ناحية الحوثيين.

إن الطريق لمعالجة الحوثيين هو رفع حدة الضغط العسكري وتصعيده ضدهم. لكن إلى جانب ذلك – مثلما في الحرب ضد “داعش”، ينبغي تجنيد تحالف محلي يقوم على أساس الـ 70 في المئة من سكان اليمن المعارضين للحوثيين، بحيث يسيطرون على شمال اليمن ويسقطون الحكم. في جنوب اليمن، تعمل حكومة ترى في الحوثيين عدواً، وإلى جانب هذا السعودية ودول خليج أخرى تنتظر الفرصة لطرد الوكيل الإيراني الذي اكتسب سيطرة في ساحتهم الخلفية.

الولايات المتحدة هي من ينبغي أن تقود هذه الخطوة الإقليمية والدولية، بمساعدة إسرائيل. لا ينبغي فقط ضرب الحوثيين، بل إسقاط حكمهم أيضاً.

أيال زيسر

صحيفة اسرائيل اليوم العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




مفتاح سوريا: يريدون حرمان تركيا من مكاسب سقوط الأسد

عن محاولة إسرائيل والولايات المتحدة منع سوريا من أن تصبح نقطة انطلاق لأنقرة في المنطقة، كتبت كسينيا لوغينوفا، في “إزفيستيا”:

زار وزير الخارجية التركية هاكان فيدان سوريا، ويعتزم الرئيس رجب طيب أردوغان نفسه الذهاب إلى دمشق قريبًا. ويرى أردوغان أن مهمته الأساسية هي تحييد التنظيمات الإرهابية العاملة في سوريا وتشكل خطرًا على الحدود الجنوبية لتركيا. لكن هذا الأمر تعارضه الولايات المتحدة، التي لا تريد السماح لسوريا بأن تصبح نقطة انطلاق لأنقرة.

وفي الصدد، قال المستشرق أندريه أونتيكوف، لـ “إزفيستيا”، إن الأتراك والإسرائيليين منتصرون من الناحية التكتيكية. فلقد تمكن الأتراك من زرع هياكل موالية لهم في دمشق. ومن المحتمل أن تستفيد قطر أيضًا من ذلك؛ فهناك بالفعل حديث عن استئناف مشروع مد خط أنابيب الغاز من قطر عبر الأراضي السورية ثم إلى تركيا، وبالتالي إلى أوروبا”.

وأضاف أونتيكوف أن فكرة إنشاء مركز للغاز في تركيا ستكتسب بعدًا إضافيًا إذا تم تنفيذ هذا المشروع. وفي رأيه بنتيجة ذلك ستصبح تركيا دولة بيدها صمام ضخم. وبمجرد ظهوره في أيدي واحدة، تنشأ فرص للتلاعب. ولكن هناك تهديد استراتيجي كبير لتركيا يتمثل في الأمريكيين. فـ “الولايات المتحدة عازمة على تنفيذ المشروع الكردي المتمثل في إنشاء دولة كردستان المستقلة. ويشكل هذا المشروع الأمريكي تهديدًا كبيرًا لتركيا، والولايات المتحدة ليست في عجلة من أمرها، فيمكنها تنفيذ مشروعها في غضون خمس أو عشر سنوات. وهذا المشروع يحظى بدعم كامل من إسرائيل، لأن إنشاء دولة كردية سيشكّل ضربة قوية للعالم العربي والإسلامي”. ومدى قدرة تركيا على الصمود سؤال متروك للمستقبل.

صحيفة ازفستيا الروسية