تكتسب الغرامة أهمية خاصة لجهة الرّدع الذي تمثّله كعقوبة جناحية تمنع المخالف من ارتكاب جريمة إذا علم أن عقوبتها ستمسّ ماله. لكنّ قيمتها المنصوص عنها في قانون العقوبات أصبحت هزيلة، مع تهاوي سعر صرف الليرة أمام الدولار، ما يستدعي من المجلس النّيابي التدخّل وتعديل قيمة الغرامات بما يعيد إليها قيمتها الرّادعة، ويؤمّن للخزينة مداخيل عادلة على أساس معدّل متحرّك. والصيغة المُثلى قد تكون باعتماد الحدّ الأدنى للأجور كمؤشّر في هذا المجال، خصوصاً أنه سبق لمجلس النوّاب أن اعتمد هذا المبدأ في عدد من القوانين
تراوح غرامة مخالفة الأنظمة الإدارية أو البلدية المنصوص عنها في قانون العقوبات اليوم، بين 100 ألف ليرة و600 ألف، بعد تعديلها عام 1983 بموجب المادة 49 من المرسوم الاشتراعي الرقم 112 تاريخ 16/9/1983، ثم بموجب المادة 165 من القانون الرقم 239 تاريخ 27/5/1993.
فعلى سبيل المثال، من استحمّ على مرأى من المارة بوضع مغاير للحشمة، ومن ظهر في محل عام أو مباح للعامة بمثل ذلك الوضع، يعاقب بالحبس حتى ثلاثة أشهر على الأكثر ويُغرّم بين 40 ألف ليرة و400 ألف. ويعاقب المخالف الذي توصّل بالغش على رفع أو تخفيض أسعار البضائع أو الأسهم التجارية العامة أو الخاصة المتداولة في البورصة، بالحبس مع الشغل من ستة أشهر إلى سنتين، وبغرامة تراوح بين مليون ليرة و6 ملايين. وتصل غرامة استخراج مواد من الأملاك العمومية البحرية من دون رخصة إلى 500 ليرة عن كل متر مكعّب وفقاً لقانون صادر في 10/12/1953، ما يعني -بعمليّة حسابيّة بسيطة- أن استخراج جبل بحجم كيلومتر مكعّب سيكلّف المخالف غرامة قدرها 500 ألف ليرة، أي 5 دولارات ونصف دولار. وتراوح غرامة ارتكاب الجنحة، حين لا ينصّ القانون على غرامة مختلفة، بين 50 ألف ليرة ومليونَين، إلا إذا نصّ القانون على غير ذلك، ومدّة الحبس المستبدل في حال عدم دفع الغرامة ستجري باعتبار أن يوماً واحداً من هذه العقوبة يوازي غرامة تراوح بين ألفَي ليرة وعشرة آلاف. أما غرامة الشيك من دون مؤونة، فتراوح بين مليون ليرة وأربعة ملايين، ويُحكم بدفع قيمة الشك مضافاً إليه بدل العطل والضرر إذا اقتضى الأمر، إضافة إلى عقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات. أما من يفتح أو يدير مركزاً تجميلياً من دون ترخيص، فيعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات، وبالغرامة من عشرة ملايين ليرة إلى خمسين مليوناً، أو بإحدى هاتين العقوبتين بموجب قانون تنظيم تراخيص مراكز التجميل الطبّية، رغم أن القانون صدر عام 2017 ويحمل الرقم 30/2017. أما في قانون السير الجديد الرقم 243/2012، فإن كل سائق تسبّب خلال قيادته مركبة بموت إنسان عن إهمال أو قلة احتراز أو عدم مراعاة القوانين أو الأنظمة، يُعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وبالغرامة من مليون ليرة إلى ثلاثة ملايين. وحين صدر قانون نظام القياس في لبنان، رُفعت قيمة عدد من الغرامات، إذ إنه بموجب المادة 25 من القانون الرقم 158، 158 تاريخ 17/8/2011، فإن كل غش آخر سواء في كمية الشيء المسلّم أو ماهيته إذا كانت هذه الماهية هي السبب الدافع للصفقة، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبالغرامة من خمسين مليون ليرة إلى خمسة وسبعين مليوناً أو بإحدى هاتين العقوبتين. ما ذكرناه سالفاً هو عيّنة من الغرامات التي سيحكم بها القضاء على المخالفين. ولولا صدور بعض القوانين الجديدة منذ عام 2005، لما كانت أيّ من الغرامات وصلت إلى رقم المليون.
الغرامات بعد انتهاء الحرب الأهلية
عام 1983، عُدّلت بعض أحكام قانون العقوبات بموجب المرسوم الاشتراعي 112/1983، واستُبدلت بموجبها بعض الغرامات بقيمة أكبر عندما بدأت القوانين اللبنانيّة تعرف الألف ليرة كوحدة نقدية، بعدما كانت غالبية الغرامات عبارة عن ليرات حين كانت لليرة قيمة شرائية جيدة. إثر انتهاء الحرب الأهلية عام 1991 ودخول البلاد مرحلة من الاستقرار النّسبيّ على مستوى العملة الوطنيّة وسعر الصّرف للعملات الأجنبيّة، أصدر مجلس النوّاب قوانين عدّة بمضاعفة الغرامات المنصوص عنها في قوانين العقوبات. وزيدت قيمة غالبية هذه الغرامات مئة مرّة، بموجب الفقرة (1) من المادة (30) من القانون الرقم 89/91 تاريخ 7/9/1991 (قانون الموازنة العامة لعام 1991)، التي نصّت على أن تُحد، خلافاً لأي نصّ آخر، مقادير الغرامات الواردة في النصوص القانونية التالية وفقاً للقيم والحدود المبيّنة في كل منها: • تُرفع وبالحدود المرسومة لها قانوناً مئة مرّة مقادير مختلف الغرامات التي تقضي بها المحاكم، باستثناء ما ورد عنها في النصوص القانونية الصادرة من عام 1983 وما بعد فإنها تُرفع ثمانين مرّة. • تُعدّل مقادير الغرامات النقدية الواردة في المادتين العاشرة والحادية عشرة من القانون الرقم 30 تاريخ 5/8/1932 (تنظيم نوادي صيد الحمام) لتراوح بين عشرة آلاف ومئة ألف ليرة لبنانية. • تُعدل مقادير الغرامات النقدية الواردة في المادتين 31 و35 من قانون 7 حزيران 1937 (صنع العرق وتنظيم الكحول الصناعية) لتراوح بين مئة ألف وثلاثمئة ألف ليرة لبنانية. • تُعدل مقادير الغرامات النقدية الواردة في المادتين التاسعة والعاشرة من القانون الصادر بتاريخ 5/3/1932 (رسوم المراهنات) وتعديلاته بحيث تراوح بين مئة ألف وثلاثمئة ألف ليرة لبنانية. • مضاعفة مقادير الغرامات الواردة في المادة 25 من المرسوم الاشتراعي الرقم 66 تاريخ 5/8/1967 (قانون ضريبة الملاهي) والمعدّلة بموجب المادة 22 من قانون موازنة 1985 لتصبح في حال مخالفة أحكام المواد 6، و11، و12، و15 غرامة تعادل ضعفَي الضريبة.
تراوح غرامة التسبّب بموت إنسان بين مليون ليرة وثلاثة ملايين إضافة إلى الحبس
عام 1992، زيدت معدلات الغرامات على مخالفات التبغ والتنباك بموجب القانون الرقم 175 تاريخ: 22/12/1992. وجرى تحديد قيمة هذه الغرامات بنسبة ضعفَي الزيادة التي طرأت أو قد تطرأ لاحقاً على الحدّ الأدنى للأجور المطبّق في 1/1/1961 ومقداره 125 ل.ل. الذي يُعدّ أساساً ثابتاً لكل عملية تحديد.
عام 1993، عُدّلت بعض أحكام قانون العقوبات، وعدّت الحكومة حينذاك أن قانون العقوبات تضمّن في العديد من نصوصه غرامات فُرضت كجزاء نقدي على ارتكاب جرائم مختلفة محددة العناصر، وأنه بعد انقضاء ما يقارب تسع سنوات من عام 1993 على آخر تعديل له أو منذ عام 1983، وما رافق ذلك من انعكاسات على قيمة النقد الوطني، أدّى إلى فقدان الغرامات المذكورة مفعولها الرادع والزاجر، وأصبح من الضروري إعادة النظر في تحديد أرقام مبالغ الغرامات لتستعيد بعضاً من قيمتها التي اتخذت في الأصل أساساً لتحديد الجزاء. وأضافت الحكومة أنه رغم أن قانون الموازنة لعام 1991 تضمّن نصاً في المادة 30 منه يضاعف الغرامات ثمانين مرّة، فقد ارتأت الحكومة رفع المبالغ الأصلية إلى مئتي مرّة بدلاً من ثمانين. على هذا الأساس وُضع مشروع القانون، متناولاً بالتعديل جميع المواد المتضمّنة مبالغ نقدية بنسبة تأخذ في الاعتبار تدنّي قيمة النقد الوطني لتستعيد النصوص مفعولها الرادع. وبالفعل صدر حينذاك التعديل المطلوب بموجب القانون الرقم 239 تاريخ 27/05/1993. في عام 2000، نصّت المادة 46 من قانون الموازنة العامة والموازنات الملحقة لعام 2000 (القانون الرقم 173 تاريخ: 14/02/2000) على مضاعفة الغرامات لمخالفة قانون العمل. وتضاعفت 25 ضعفاً قيمة الغرامات المحددة في المادتين 107 و108 المعدلتين من قانون العمل الصادر بتاريخ 23 أيلول 1946. عام 2006، أصدر مجلس النواب قانوناً يعفي أصحاب العمل من عدد من غرامات مخالفات قانون الضمان الاجتماعي السابقة لصدوره، إلا أن القانون نفسه قرّر مضاعفة قيمة الغرامة ثلاث مرّات بموجب المادة الثانية من القانون الرقم 753 الصادر في 22/5/2006.
الحدّ الأدنى للأجور أساساً لتحديد قيمة الغرامة
انتهج مجلس النواب منحى مختلفاً في عدد من القوانين، فأصدر قوانين ذكرت الحدّ الأدنى للأجور كأساس لتحديد قيمة الغرامة، إذ تميّز قانون «الحدّ من التدخين وتنظيم صنع وتغليف ودعاية منتجات التبغ» الرقم 174 تاريخ 29/08/2011، باعتماده في غراماته على الحدّ الأدنى للأجور كأساس لمقدار الغرامة. فمخالفة عدد من مواده تراوح بين ضعفين إلى ستة أضعاف الحدّ الأدنى للأجور وغيرها من العقوبات التي يبلغ بعضها خمس الحدّ الأدنى مثلاً وغيرها من الغرامات المحددة بخمس الحدّ الأدنى للأجور. فبعد أن كانت قيمة هذه الغرامة تراوح بين 1.350.000 ليرة و4.050.000 ليرة حين كان الحدّ الأدنى للأجور يبلغ 675 ألف ليرة، إلا أنه بمجرد رفع الحدّ إلى 9 ملايين أصبحت هذه الغرامة تلقائياً تراوح بين 18 مليون ليرة و54 مليوناً.
الحل الأمثل قد يكون بإقرار نصّ يقضي بزيادة الغرامة بنسبة ضعفَي الزيادة التي طرأت أو قد تطرأ لاحقاً على الحدّ الأدنى للأجور النافذ في كل حين
والأمر نفسه ينسحب على مخالفات قانون حماية نوعية الهواء الرقم 78 تاريخ: 13/04/2018، إذ تراوح الغرامة بين 25 ضعف الحدّ الأدنى للأجور و300 ضعف هذا الحدّ. ويعاقب قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة الرقم 80 تاريخ: 10/10/2018 منتجي النفايات ومستخدميها، ومستوردي المواد التي ينتج عنها نفايات وموزعيها، ومؤمّني الخدمات، والمشغّلين بالحبس من شهر إلى سنة و/أو بدفع غرامة تراوح بين 14 و70 ضعف الحدّ الأدنى للأجور وتصل الغرامة إلى 700 ضعف هذا الحدّ عند رمي ما يوازي أو يفوق 500 كلغ من النفايات الصلبة غير الخطرة في المياه، والتربة، وشبكات الصرف الصحي، أو غيرها من البنى التحتية والمواقع الطبيعية.
أما قانون تنظيم مهنة العلاج النفسي الحركي الرقم 137 تاريخ: 09/07/2019، فقد عاقب بالحبس ستة أشهر على الأكثر أو بغرامة تُقدّر من ضعف إلى عشرة أضعاف الحدّ الأدنى للأجور، كل من زاول المهنة بدون وجه حقّ. وكذلك القانون الرقم 192 تاريخ: 16/10/2020 الذي يرمي إلى تعديل القانون الرقم 77 تاريخ 13/4/2018 «قانون المياه»، فإنه يعاقب بالحبس من يوم واحد إلى 10 أيام، وبغرامة تراوح بين مرّة ونصف الحدّ الأدنى للأجور و22 ضعف هذا الحدّ أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من قام بسحب المياه مخالفاً بفعله هذا موجب الاستحصال على الترخيص، ويعاقب بالحبس من عشرة أيام إلى ثلاث سنوات، وبغرامة تراوح بين 4 أضعاف الحدّ الأدنى للأجور و220 ضعف هذا الحدّ أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من أقدم عن قصد أو عن غير قصد، على إلقاء أو تسييل أو رمي أو سكب مادّة أو مواد تضرّ بالمياه السطحية أو الجوفية أو بمياه البحر… وأيضا حين عُدّل القانون الرقم 293/2014 تاريخ 7/5/2014 (حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري) بموجب القانون الرقم 204 تاريخ: 30/12/2020، أصبحت غرامات جرائم العنف الأسري مرتبطة بالحد الأدنى للأجور.
إعادة القيمة الرّادعة
بتاريخ 18/4/2023، قرّر مجلس الوزراء الموافقة على رفع الحدّ الأدنى للأجور وصدر المرسوم الرقم 11226/2023 بتاريخ 26/4/2023 الذي يقضي بذلك، وبالتالي أصبح الحدّ الأدنى الرسمي للأجور 9 ملايين ليرة، ما يقضي بربط جميع الغرامات بالحد الأدنى سواء بذكر العقوبات بأنها أضعاف أو أجزاء من الحدّ الأدنى للأجور أو إقرار نصّ يقضي بزيادة الغرامة بنسبة ضعفَي الزيادة التي طرأت أو قد تطرأ لاحقاً على الحدّ الأدنى للأجور النافذ في كل حين. ولكن شرط أن يُعدّل الحدّ الأدنى تباعاً وألّا يقتصر الأمر على غرامات كبيرة برواتب هزيلة، فلو كنا في بلاد تتمتع بشفافيّة ضريبيّة لاقتضى أن تكون بعض الغرامات متناسبة مع راتب المخالف أو مع الدّخل الذي يجنيه لتكون أكثر عدالة.
صادق علوية
المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار
قراءة في خطاب السيد نصر الله: كلمة شاملة وجامعة وأمل بمستقبل واعد
|
د.زكريا حمودان
كلمة شاملة وجامعة، هكذا يمكن توصيف كلمة الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في ذكرى ولادة الرسول الاكرم(ص) واسبوع الوحدة الاسلامية.
بداية مع الطابع الجامع لكلمة الامين على وحدة الامة الاسلامية والذي تسير بصيرته دائمًا نحو الوحدة كرسالة جامعة للمسلمين نحو العالم، بغض النظر عن هامش النجاحات والانتصارات التي تحققت على ايادي المجاهدين المنضوين تحت راية المقاومة التي يقودها سيد المقاومة.
رسالة الوحدة الاسلامية في كل عام تأتي ضمن البعد العالمي للأمة التي لم تكن يومًا الا جزءً من الأمم المنتشرة في هذا الكون، وان وحدتها يعزز الدور الاستراتيجي لها في العالم.
بالرغم من الهامش الكبير والبعد الديني لبداية الكلمة لكن وضوح العناوين السياسية بالرغم من ضيق الوقت فالدلالات كانت واضحة واهمها يمكن اختصاره في ٣ عناوين:
١- ملف النازحين السوريين بمختلف جوانبه وبوضوح وجرأة ليس لها مثيل. ٢- ملف انتخاب رئيس للجمهورية. ٣- ملف التنقيب عن الغاز.
تُعتبر الأهمية القصوى التي أُعطيت لملف النزوح السوري مؤشر على أنَّ الخطر أكبر بكثير مما نتصور، ولكن في الوقت عينه قدم السيد نصر الله حلًا واقعيًا لهذه الازمة كما يلي:
١- تأمين عبور آمن للنازحين الذين يرغبون استكمال طريقهم نحو سوريا.
٢- اعادتهم الى سوريا بعدما تنشط مفاعيل النقطة الأولى.
في النقطة الاولى تأتي خطوة فكرة فتح باب النازحين السوريين للذهاب عبر مراكب آمنة نحو اوروبا والتي طرحها البعض، الامر الذي يخفف اعدادهم من جهة، ويرغم الاوروبيين بالإتيان الى لبنان والتحدث مع الحكومة اللبنانية من جهة أخرى لايجاد حلول منطقية وتتناسب مع الواقع اللبناني.
هنا نأتي الى النقطة الثانية والمرتبطة بشكل مباشر بعودة النازحين الى سوريا في حال لم يكن الحل ذهابهم الى اوروبا، فتدفع الدول الاوروبية ما يجب ان تدفعه للسوريين كمساعدات ولكن داخل سوريا وتبدأ بوضع خطة وقف دفع المساعدات لهم في لبنان وتستكمل دفعها في سوريا.
سواء قامت الدول الاوروبية بما تم ذكره او لم تقم بذلك، من المؤكد بأنَّ ملف النزوح السوري بات يُشكِلُ مادة دسمة في الواقع اللبناني اليوم وأنه سيكون محور الحدث في الاسابيع المقبلة.
في ملف الرئاسة كان حديث السيد نصر الله واقعيًا ومنطقيًا سواء فيما خص المعطلين الذين لم يستجيبوا لمبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري، او فيما خص ضرورة التلاقي حول اسم مرشح او مجموعة اسماء يُطرحون ضمن مظلة ضمانات مشتركة يتم الذهاب بعدها نحو عملية انتخاب في البرلمان وليربح من يربح.
أما في ملف التنقيب عن الغاز فكانت الايجابية التي اقترنت بحماسة الشركات التي تعمل في البلوك التاسع على الاستثمار في باقي البلوكات المحيطة بالبلوك التاسع هي المنطق السليم بغض النظر عن ما يصدر من عناوين فضفاضة من هنا وهناك.. لتمنح الأمل مجددا للشعب ودعوته الصبر والتحمل نظرا لما سيترتب على النتائج القريبة باذن الله.
عناوين عديدة تناولها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، عناوين شاملة وجامعة انطلاقًا من الوحدة الاسلامية وصولًا الى مختلف عناوين السياسة اللبنانية التي تم تقديمها على صيغة مشاكل داخلية قدم لها الحلول المناسبة في حال ارادت بعض القوى السياسية ان تسمع ذلك.
المصدر: موقع العهد
هكذا تلقّى فرنجية العرض القطري
|
ليس هناك ما يؤشّر حتى الآن الى انّ الدوحة تقترب من ان تنجح في وساطتها بين المتنازعين على هوية رئيس الجمهورية، بعدما صادفت التعقيدات نفسها التي اختبرها الموفد الفرنسي جان إيف لودريان.
حاول القطريون اختصار المسافة الى قصر بعبدا على طريقتهم و»التعويض» على رئيس تيار المردة سليمان فرنجية في مقابل انسحابه من السباق الرئاسي.
لكن العارفين يؤكدون ان فرنجية رفض العرض القطري «على كعبه»، وبلا مناقشة، انطلاقا من قاعدة انه «ليس من النوع الذي يساوم على خياراته، وان ترشيحه خارج اي مقاصّة». ووفق المعلومات، يبدو ان العرض ازعج كثيراً فرنجية الذي يُنقل عنه ان مثل هذه الأمور لا تمشي معه.
وخلافاً للضخ الاعلامي حول انهيار فرصه وارتفاع اسهم الخيار الثالث على حسابه، يكشف العارفون ان استراتيجية فرنجية – الثنائي أمل و»حزب الله» للمرحلة المقبلة، هي «الصمود ثم الصمود ثم الصمود في معركة الرئاسة، وبالتالي عدم التأثر بالضغوط السياسية والاعلامية التي تدفع في اتجاه تكريس انطباع بأن انتخاب فرنجية أصبح ميؤوساً منه ولا امل له».
حتى الآن، لم يبدر من فرنجية ما يمكن أن يؤشر إلى أنه في صدد الانسحاب، بل ان المتواصلين معه استنتجوا انه ليس ضعيفا وانه مصر على الاستمرار في ترشيحه اكثر من اي وقت مضى، «لأنّ الأمر لا يتصل بمزاج شخصي وإنما بمشروع متكامل وبجبهة متراصة من الحلفاء، عكستها كتلة الـ51 صوتا الصلبة التي اقترعت له في آخر جلسة نيابية، وبالتالي فهو لا يمكنه أن يخذل حلفاءه ويتفرد في اتخاذ موقف احادي الجانب وغير محسوب».
كذلك الحال بالنسبة إلى «الثنائي» الذي وكلما اشتدت معارضة بعض دول المجموعة الخماسية والقوى الداخلية لانتخاب فرنجية، كلما ازداد تمسكا به واقتناعا بصوابية قرار دعمه على المستوى الاستراتيجي البعيد من الاستغراق في التفاصيل المتحركة والمتقلبة.
من هنا، قرر فرنجية والثنائي اعتماد سياسة الصبر التي يجيدانها، في انتظار ان تتقاطع الظروف المحلية والخارجية التي من شأنها ان تحمل فرنجية الى القصر، وهو تَقاطُع يبدو صعب التحقق حاليا، الا ان حصوله مستقبلا ليس مستحيلا، وفق قناعة مؤيدي رئيس تيار المردة.
وأصحاب هذا الرأي يعتبرون ان الموقف السعودي الأميركي الذي لا يحبذ فرنجية راهنا يبقى قابلا للتبدل ربطا بما يمكن أن تؤول اليه علاقة الرياض بطهران ومفاوضات واشنطن معها، ولذا يجب ترقّب مسار التطورات في المنطقة لمعرفة الوجهة التي قد يأخذها الاستحقاق الرئاسي لاحقاً.
ولأن المنطقة تمر في مخاض تحولات لم تكتمل بعد، ولأن محاولات استهداف المقاومة عبر الخاصرة الرخوة للداخل لن تتوقف تبعاً لتقديرات قيادتها، فإن هناك من يعتبر ان «حزب الله» لا يمكنه أن يُفرّط بالمرشح الذي تتوافر فيه ضمانة الشخص بالدرجة الأولى ويستطيع ان يحقق التوازن الضروري والحيوي في السلطة التنفيذية، والا فإنّ إسقاط خيار فرنجية سيدفع الحزب إلى طلب ضمانات أكبر وأصعب.
ولعل حادثة الكحالة التي انطوَت على رمزيات خطرة من منظار الحزب، تشكل عيّنة مكثفة عن نوعية التحديات التي تواجهه، وتفسر سبب تمسكه باستراتيجيته في مقاربة الملف الرئاسي. ثم إن الحزب يعلم أن كسره في المواجهة التي تدور على أبواب بعبدا سيشجع خصومه في الداخل والخارج على مزيد من «القضم» والسعي الى انتزاع مكتسبات اضافية.
إزاء كل هذه التعقيدات المترابطة، فإن جولات الموفدين الأجانب لا تعدو كونها في هذا الظرف حفلة استعراضات دبلوماسية لن تُفضي الى نتيجة قبَيل تبلور معالم الواقع الاقليمي الدولي الجديد الآخذ في التشكل.
أما بالنسبة إلى داعمي فرنجية، فهناك ثابتة وحيدة وسط المتغيرات وهي متانة ترشيحه في مقابل مرشحين منافسين يتبدلون تباعاً، الواحد تلو الآخر تبعاً للحاجة.
عماد مرمل
المصدر: صحيفة الجمهورية
التسوية الرئاسية قبل نتيجة منصّة الغاز، وإلّا!!
|
دخل لبنان نوعاً جديداً من المعارك الاستراتيجية التي تُخاض على أرضه منذ نشأته، لكن المفارقة اليوم أنَّ المتغيرات الخاصة بالمدخلات التي تسيطر على المشهد، مختلفة عن سابقاتها، مما يزيد المخرجات تعقيدًا ويهدّد مستقبل لبنان بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.
عديدة هي المدخلات التي تعقّد مشهد النتائج المرجوة لخروج لبنان من أزمته، وأهم هذه التحدّيات: 1 – أزمة الرئاسة كمدخل أساسي لحلّ العديد من المشاكل.
2 – واقع لبنان بعد تحرّكات 17 تشرين الاول من العام 2019 في بعدها الدولي وسوء إدارة الأزمة في بعدها الداخلي. 3 – أزمة النزوح السوري التي لم تعد تقليدية، ودخلت في مهبّ تهديد ديمومة البلد ديموغرافيًا وجغرافيًا. 4 – أزمة مستقبل الحكم في لبنان في ظلّ الانقسامات العامودية التي لا تتوقف عند مختلف الاستحقاقات. 5 – مستقبل مشاريع الطاقة في لبنان، الحل او الحرب.
النقاط الخمس التي تمّ ذكرها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالواقعية السياسية في البلد. التركيز اليوم وبحسب الأولويات التي تقودنا نحو باقي الملفات، هو على النقطة الاولى والخامسة، ومدى ترابطهما ببعضهما البعض من جوانب عدة.
الرئاسة مدخلًا للحل غادر الموفد الفرنسي وتحرّك ممثل عن الموفد القطري الذي يتحضّر لزيارة لبنان، وبين الأول والثاني نجحت بعض القوى التعطيلية بوقف عجلة مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري، من دون تقديم أي حل آخر، وهنا يجب التركيز على بعض القوى المسيحية التي لم تجد نفسها قادرة على تحمّل إيجابية فرنسا الحنونة تجاه الثنائي وحلفائهما، فتحوّلت مبادرة الرئيس بري الرئاسية المبكّلة للحل إلى رسالة مسيحية تجاه الحركة الفرنسية.
تبدّل موازين القوى في الداخل اللبناني لم يصل حتى الآن إلى أذهان من يعنيهم الأمر، ربما لأنَّ اللباقة المستخدمة في التعاطي لا تؤدي الى ايصال الرسائل كما يجب، وقد تكون مغامرة الـ 1975 هي المعيار الذي تعمل عليه أنتينات بعض القوى السياسية، لرصد الحل او جذب الحركة الدولية.
ديبلوماسية الثنائي الوطني وحلفائهما لا تشبه ديبلوماسية السنوات العجاف التي بحسب المعلومات المتوفرة غير مطروحة على الطاولة، لأنّها لا تشكّل جزءاً من استراتيجية التعايش المشترك، والذي هو ركن غير قابل للتعديل في الاستراتيجية العامة لهذا الفريق.
انطلاقًا مما تقدّم، تأتي أوهام البعض بأنَّ الفريق الآخر يريد فرض رئيس منطلقًا غير صحيح، إذا ما ربطناه بمبادرة الرئيس بري المحدودة بسبعة أيام كحدّ أقصى، وبعدها جلسات اصبحت واضحة التوصيف بالمفتوحة والمتتالية، فهل يخشى الفريق الآخر هذه الجلسات؟
أمام العقم الرئاسي فتفوح منه رائحة الغاز الجيوسياسي الذي يعمل في منصّة تنقيب مرتبطة بشكل مباشر بـ 40 %من أعضاء اللجنة الخماسية (فرنسا وقطر 2/5) وبنسبة 100%بأعضاء اللجنة الخماسية ومعهم ايران، في الأبعاد الجيوسياسية والجيو-اقتصادية. جميع العوامل التي تمّ ذكرها تؤكّد بأنَّ انتخاب رئيس للجمهورية يشكّل ركيزة رئيسية للحل في لبنان.
الغاز مدخلًا للحل أو الحرب من الرئاسة التي دخلت منذ جلسة 14 حزيران إلى حين وصول منصّة التنقيب عن الغاز وإطلاق مبادرة الرئيس بري بالتزامن مع حركة الموفد الفرنسي التي سبقتها زيارة خاطفة ومُعبّرة لهوكشتاين إلى بيروت، الغاز على نار حامية، انّها نار التقلّبات الدولية بين الحل والحرب.
لبنان الجديد دخل نادي الثروات الطبيعية هذه الثروات لا ترحم أي بلد لا يعيش استقراراً سياسياً، لا بل تعيده الى الوراء لسنوات، في حال عملت اللعنة السحرية ضّد صاحبها. هنا نعود الى أزمة الرئاسة، وتشبث جزء كبير من المسيحيين برفض الحوار كمدخل لانتخاب الرئيس، لنضيء على ضرور انتخاب رئيس للجمهورية قبل بداية تفكير هذه الدول بإصدار نتيجة الغاز الشكلية، فعمليًا المنطقة التي نعيش فيها تعوم على آبار من الغاز تُقدّر بالواعدة تجاريًا.
هنا في غرب آسيا، الجميع بات يستثمر في الغاز باستثناء لبنان، لذلك إذا ما تقرّر دفن الثروة مرة جديدة في البلوك رقم 9 كما حصل مع البلوك رقم 4، فإنَّ المخرجات التي ذكرتها في البداية ستكون سلبية جدًا وذات عنوان واحد «انّها الحرب».
إذا ما ربطنا بين الداخل المتشبث بانقسامه وانعزاله، والخماسية زائد واحد الذين يتحاورون لأجل الحل، وأهمية الغاز الاستراتيجية في مصالح الدول التي لديها اهتمامات بلبنان ومحيطه، نستنتج بأنَّنا أمام سباق كبير بين التسوية الرئاسية ونتيجة منصّة الغاز التي تعمل في البلوك رقم 9، إما الحل أو الحرب.
د. زكريا حمودان
المصدر: صحيفة الجمهورية
قضاة لبنان يتأهبون للنزوح الجماعي
|
بحثاً عن العيش الكريم أمام خلفيتي الانسدادات السياسية والظروف الاستثنائية
لا تخلو البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية، ولا خطاب القسم للرؤساء المتعاقبين على الحكم ولا حتى برامج وزراء العدل، من تخصيص بند أساسي يتعهّد بالعمل على «استقلالية القضاء وتكريسه سلطة مستقلة توازي السلطتين التشريعية والإجرائية». لكن الوعود شيء والواقع شيء آخر، فالقضاء اللبناني يعيش أسوأ مرحلة في تاريخه، لا يكفيه تدخّل السلطة السياسية الفاضح في عمله، ودورها في تعيين المقربين والأزلام في المواقع الحساسة، ليكونوا أبرز أدواتها للحكم ولتنفيذ القانون بصورة استنسابية، بل جاءت الأزمات المالية والاقتصادية والاجتماعية لتصدّع المؤسسة وتنذر بانهيار هيكل العدالة على رؤوس الجميع.
لطالما كان المنصب القضائي حلماً يراود كلّ فتاة وشاب لبناني من حملة شهادة الإجازة في الحقوق، لكنه لم يعد كذلك اليوم، إذ يتوق معظم القضاة إلى الاستقالة «والنزوح الجماعي» إلى خارج البلاد، بحثاً عن حياة كريمة لهم ولأسرهم وأبنائهم.
الأسباب التي تحمل هؤلاء على ذلك كثيرة، منها أن القاضي لم يعد صاحب سلطة، بل يكاد بعضهم لا يحكم «باسم الشعب اللبناني» بل باسم المرجعية السياسية التي عيّنته في منصبه.
الأدلة على ذلك لا تعدّ ولا تحصى، يكفي الإشارة إلى تعطيل التحقيق في ملفّ انفجار مرفأ بيروت، وتقويض ملفات المصارف اللبنانية والبنك المركزي والحاكم السابق رياض سلامة، وعرقلة مسار التحقيق بأحداث الطيونة التي وقعت بين مسلحين من «حزب الله» وحركة «أمل» وآخرين من أبناء منطقة عين الرمانة، وقضايا الاغتيال والتصفيات السياسية… وآخرها مقتل المسؤول في حزب «القوات اللبنانية» إلياس الحصروني في بلدة عين إبل الجنوبية، والإعلان الصريح من الأجهزة الأمنية بأنها لم تعد قادرة على التقدّم بالتحقيق.
أزمة بنيوية
يعترف مصدر قضائي لبناني بارز بأن «مشكلة القضاء باتت بنيوية أكثر مما هي معنوية ومالية واقتصادية»، وأطلق صرخة تحذّر من «محاولات حثيثة لتدمير القضاء وهدم بنيان العدالة، بدل تعزيزها وحمايتها».
المصدر الذي طلب إغفال اسمه أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الصورة سوداوية جداً، وإذا بقيت الأمور على حالها حتى نهاية العام الحالي سنشهد هجرة جماعية للقضاة ستفاجئ الجميع». وكشف عن أن «كل قاضٍ بدأ يبحث جدياً عن فرصة للمغادرة، والعشرات منهم أرسلوا ملفاتهم وسيَرهم الذاتية إلى مؤسسات حقوقية وجامعية ومحاكم عربية ودولية للالتحاق بها طلباً للعمل والحياة الكريمة، بدل انتظار راتب شهري في لبنان لا يتعدّى الـ500 دولار أميركي حالياً».
تتباين المواقف حيال التصعيد القضائي واللجوء إلى الاعتكاف، وترى مصادر سياسية أن أزمة الانهيار المالي وفقدان القضاة 90 في المائة من قيمة رواتبهم ينسحب أيضاً على النواب والوزراء. إلا أنّ المصدر القضائي رفض هذه المقاربة، وأكد أن «النواب والوزراء بمعظمهم رجال أعمال ومتمولون وأصحاب شركات، لا يتأثرون بالأزمة، بينما ليس لدى القاضي سوى راتبه الشهري». وأردف: «لا يجوز التشبيه بين السياسي الذي يستطيع العمل في التجارة وأي مجال آخر، بينما لا يملك القاضي أي دخل مالي غير الراتب». وشدد على أن «كلّ ما تبلّغه القضاة خلال انعقاد الجمعية العمومية قبل عشرة أيام، عبارة عن وعدٍ بتغطية المساعدات التعليمية لمدة خمسة أشهر كحدٍ أقصى، بالإضافة إلى وعد بالبحث عن شركة تأمين خاصّة للتعاقد معها، لتغطية النفقات الطبية والاستشفائية، لكنّ للأسف لا شيء مؤكد».
مرحلة اللاعودة
من جهته، يحاذر وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال القاضي هنري الخوري، وصول الأزمة القضائية إلى مرحلة اللاعودة، ويضع في أولوياته معالجة الأسباب التي أوصلت القضاة إلى هذه المرحلة من الاحتقان والتصعيد.
ويجزم مصدر بارز في وزارة العدل بأن الوزير «يفعّل لقاءاته واتصالاته برئيس الحكومة (نجيب ميقاتي) وبالمراجع القضائية لتبديد الهواجس التي تعتري الجسم القضائي». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: إن الوزير الخوري «يتحسّس صعوبة ما يعانيه زملاؤه القضاة، يأخذ مطالبهم على محمل الجدّ ويبذل كل جهد لوصول القضاة إلى حقوقهم دون منّة من أحد».
ثم يشير إلى أن الخوري «توصل مع المعنيين إلى اتفاق إنجاز عدد من الأمور التي تريح القضاة، سواءً بما خصّ التقديمات الاجتماعية من استشفاء وتعليم، أو بما يخص التقديمات المنح المالية من صندوق تعاضد القضاة»، كاشفاً عن أن «الأزمة سمحت بالبحث عن مداخيل مالية لصندوق القضاة، وبالفعل، بدأت تحصيل هذه الإيرادات التي سيلمس القضاة نتائجها في وقت قريب».
وعود تنتظر التنفيذ
اليوم، لا أحد يحسد رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبّود، على منصبه. إذ إن الرجل الذي سعى لأشهر طويلة على إنهاء الاعتكاف السابق بتلبية جزء يسير من حقوق القضاة، عاد ليواجه أزمة مستجدّة برزت مع إعلان مفاجئ لأكثر من 100 قاضٍ توقفهم الفوري عن العمل حتى تتوفر مقومات الحياة الكريمة لهم. ويبدو أن القاضي عبّود لن يقبل هذه المرّة بالعودة إلى شلّ القضاء وتعطيله، فرسالته كانت واضحة للقضاة خلال الجمعية العمومية التي انعقدت في 18 سبتمبر (أيلول) الحالي؛ إذ كشف قاضٍ شارك في الاجتماع المغلق لـ«الشرق الأوسط» عن أن رئيس مجلس القضاء «بدا مقتنعاً جداً بأحقية مطالب القضاة المعنوية والمادية والاجتماعية وحتى اللوجيستية». وأشار القاضي (أيضاً طلب إغفال اسمه) إلى أن عبود «ذهب أبعد للقول إن وضع قصور العدل صعب ولا يحتمل، وإنه متفهّم لعمل القضاة بظروف صعبة جداً، بلا كهرباء ولا ماء ولا قرطاسيّة. ولكن من غير المقبول العودة إلى إقفال قصور العدل والمحاكم والدوائر القضائية وتعطيل مسار العدالة، فحقوق الناس مقدسة وهي أمانة في عنق كلّ قاضٍ».
ولفت القاضي إلى أن عبود «تمنّى على القضاة الذين توقفوا عن العمل التراجع عن قرارهم وتجنب توسيع دائرة الاعتكاف، ودعا القضاة ليكونوا على قدر قسمهم لأنهم وحدهم الضمانة الحقيقية لبقاء البلد».
تقويض القانون
ما يستحق الذكر، أنه لم يسبق لقضاة لبنان أن استنكفوا عن أداء رسالتهم ولا تخلّفوا عن إصدار الأحكام والقرارات القضائية. إلا أن الأزمة الراهنة قلبت الأمور رأساً على عقب، وبات الإضراب والاعتكاف السلاح الأخير الذي لا بدّ من اللجوء إليه. وهنا يرى القاضي غالب غانم، رئيس مجلس القضاء الأعلى السابق، أن «وضع القضاء اللبناني يتأثر سلباً بالوضع السائد في البلاد، وفي غياب أركان دولة القانون، فإن العاصفة التي تضرب لبنان تهدّد بتقويض القضاء حتى لو كانت إرادة القضاة حديدية».
غانم أعرب لـ«الشرق الأوسط» عن أسفه لـ«تمادي تدخلات السياسية بالسلطة القضائية، وكأنهم (السياسيون) يعتقدون أنهم يحققون مكاسب على أرض القضاء، إلّا أن أي تدخل في القضاء سيرتدّ سلباً على البلد ككل». وأضاف: «في السابق كانت التدخلات السياسية سريّة أو غير منظورة، أما اليوم فغدت حدود التدخل مباحة».
وتطرّق غانم إلى «إهمال متعمّد للمرفق القضائي»، وقال: «صحيح أن البلد منهار اقتصادياً ومن واجب القاضي أن يضحّي كغيره، لكن هناك حدّاً أدنى من الحقوق. نحن لا نطلب أن يكون وضع القاضي كما كان قبل الأزمة، إلا أننا نرى وجوب تأمين الحدّ الأدنى أقلّه في التقديمات الاستشفائية والتعليمية حتى يصمد القاضي ويواصل أداء رسالته»، داعياً السلطة السياسية إلى «النظر في وضع القضاء من زاوية خاصّة، حتى تبقى الإنتاجية القضائية قائمة».
استهداف القضاء
بموازاة الأزمة الاقتصادية، يعاني القضاء أزمة معنوية، عبر حملات تطاله عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً في الفترة التي رافقت مرحلة الاعتكاف الأخيرة وما تلاها. وهنا يلاحظ القاضي غانم «وجود نظرة عدائية من المجتمع تجاه القضاء، وهذا أمر خطير جداً… وحتى إذ كان هناك اعوجاج لدى بعض القضاة القلائل جداً، لماذا استهداف مؤسسة القضاء بشكل عام؟… لماذا التعاطي الإعلامي مع القضاء بشيء من السخرية والتهكّم، بما يرتدّ سلباً على الناس وملفاتهم؟».
الرئيس السابق للسلطة القضائية لا ينكر تأثر بعض القضاة بالتدخلات السياسية. ويوضح: «للأسف، بدل أن يأتي السياسيون إلى القضاء، ثمة قضاة يذهبون إلى أهل السياسة للتقرّب منهم، وهذا غير جائز… فبمجرد لمس السياسيين رفض القضاة لمطالبهم سيتوقف التدخل بعمل السلطة القضائية»، وبالتالي لا تتحوّل بعض الدوائر القضائية إلى دوائر سياسية».
وبينما لا يخفي غانم أن «عدم إقرار القوانين التي تكرّس استقلالية السلطة القضائية تؤثر سلباً على الواقع القضائي» فهو يأمل بأن «تحصر التشكيلات القضائية بيد مجلس القضاء الأعلى وحده، من دون الحاجة إلى مرسوم، فالقضاء قادر لوحده تولّي هذه المهمّة».
مرحلة سوداوية
على صعيد متصل، يعاني مرفق العدالة في لبنان من تدّني عدد القضاة بسبب إحالة العشرات منهم في السنوات الأخيرة على التقاعد، واستقالة البعض الآخر وتقديم بعضهم طلبات استيداع (العمل في الخارج مؤقتاً)، وإقفال الباب أمام امتحانات اختيار قضاة جدداً لمعهد الدروس القضائية.
أيضاً يعزو القاضي غانم أسباب النزف القضائي إلى «تحطّم المعنويات لدى الكثير من القضاة؛ ما دفع بأعداد منهم إلى طلب الاستيداع، والبعض إلى الاستقالة ومغادرة البلاد، وهذا يهدد وضع القضاء». ثم يختم: «إذا لم نذهب إلى حلول سريعة لأزمة القضاء سنكون أمام مرحلة سوداوية… انهيار القضاء له تداعيات خطيرة على الدولة والمؤسسات وعلى الشعب اللبناني ككل؛ ولذا لا بد من تحرّك سريع واجتراح الحلول حتى لا نصل إلى الأسوأ».
شرعة أخلاقية
من جانب آخر، لا يفصل المحامي الدكتور بول مرقص، رئيس مؤسسة «جوستيسيا» الحقوقية، بين أزمة القضاء والتفكك الذي يصيب مؤسسات الدولة في لبنان. ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «لا يمكن الحديث عن القضاء بمعزل عن حال البلد المترهلة أخلاقياً واقتصادياً ومالياً، إلا أنه يقتضي إيلاء فساد بعض القضاء اهتماماً خاصاً لأهمية موقعهم للفصل في الحقوق والحريات».
وفي انتقاد حاد للدولة «التي تخلّت عن حقوق القضاة»، يقول مرقص: «ما دامت رقاب الناس وحقوقهم في أيديهم (القضاة) لا يجوز تركهم عرضة للعوز والضغط السياسي عليهم». ويتابع: «الإصلاح يبدأ باعتماد القضاة شرعة أخلاقية يلتزمون بها افرادياً عند تبوء مناصب سياسية بعد تركهم القضاء، وذلك كي لا يسعوا إليها فيأتمروا بالسياسيين إبان عملهم القضائي، مروراً بتعديل مجلس النواب المادة الخامسة من قانون القضاء العدلي لجعل التشكيلات القضائية نافذة دون تدخل الحكومة، على اعتبار أن اقتراح قانون استقلال السلطة القضائية المطروح حالياً بصياغته الحالية هو معقد وغير قابل للإقرار».
الأيادي النظيفة
ختاماً، لا جدوى من الرهان على أهل السلطة لإصلاح الوضع القائم، ما دام أن الكارثة التي يعيشها لبنان هي نتاج السياسات التي اتبعوها على مدى العقود السابقة. ويشدد المحامي مرقص على أن «الحل في لبنان يكمن في القضاء على طريقة حملة الأيادي النظيفة في إيطاليا التي حاربت طبقة سياسية أكثر فساداً من لبنان ونجحت في ذلك». ويرى مرقص أن «الحل الثاني هو في تسلّم الجيش اللبناني للحكم، وهذا أمر غير ديمقراطي ولا يستقيم في بلد كلبنان». ثم يضيف: «المطلوب للوصول إلى ذلك تدعيم وضعية القضاة اجتماعياً، مقابل تقديمهم تضحيات تمليها عليهم رسالتهم أصلاً… والسؤال: من سواهم (القضاة) تقع عليهم مسؤولية مكافحة الفساد؟ من سواهم بإمكانه إخضاع السياسيين لحكم القانون؟ من سواهم يعطي الإشارات للأجهزة الأمنية؟… الحل يبدأ بالقضاء وينتهي بمعاقبة الفاسدين واسترداد أموال الفساد».
يحاذر وزير العدل هنري الخوري وصول الأزمة القضائية إلى مرحلة اللاعودة ويضع في أولوياته معالجة الأسباب
الاعتكاف القضائي: معالجات لا تبدّد الهواجس
> شهد القضاء اللبناني ثلاث مراحل من الاعتكاف الذي تعدّدت أسبابه:
الاعتكاف الأول تلى أول التشكيلات القضائية في السنة الأولى من عهد الرئيس ميشال عون؛ إذ أثارت تلك التشكيلات غضباً واسعاً في الأوساط القضائية؛ لكونها لم تراع الكفاءة والأقدمية للمعينين في المراكز الحساسة. وهذا الأمر حمل القضاة على إطلاق الصرخة والمطالبة بإقرار قانون استقلالية القضاء، ومنع التدخل السياسي في أداء القضاة، قبل أن تقع الكارثة الاقتصادية والمالية التي عصفت بالجسم القضائي وأثر سلباً على أدائه وإنتاجيته.
ذلك الاعتكاف بدأ في أواخر عام 2017، وعمّق الخلاف يومها بين السلطة القضائية ممثلة بمجلس القضاء الأعلى، وبين وزير العدل (آنذاك) سليم جريصاتي (المحسوب على الرئيس ميشال عون). وبلغ الخلاف ذروته بين الطرفين على خلفية قرار اعتكاف التزم به عدد كبير من القضاة، الذين توقفوا عن ممارسة مهامهم؛ احتجاجاً على ما أسموه «إمعان السلطة السياسية في ضرب استقلالية القضاء، ومحاولة إخضاعه عبر التدخل في عمله، والتضييق عليه مادياً ومعنوياً، وحرمان القضاة من بعض المكتسبات التي توفر لهم أماناً اجتماعياً».
يومذاك تسبب الاعتكاف بمواجهة غير مسبوقة بين جريصاتي ومجلس القضاء الأعلى؛ إذ اعتبر الوزير أن الاعتكاف يشكل تحدياً له ولعهد عون في بدايته. ووجّه حينها كتاباً إلى مجلس القضاء الأعلى دعاه فيه إلى «تنبيه القضاة من الاستمرار في الاعتكاف، وتحميلهم مسؤولية أجواء غير صحية تسود أروقة قصور العدل». واستدعى كتاب وزير العدل ردّاً سريعاً من مجلس القضاء، أعلن فيه الأخير أنه «لا يحق للوزير توجيه تعاميم وكتب إلى القضاة». وذكّر بأن «مجلس القضاء الأعلى لا يعدّ جهة تنفيذية لقرارات وزير العدل عملاً بمبدأ استقلالية السلطة القضائية، ومبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها، وبالتالي لا يجوز لأي سلطة أن تطغى بعملها على أي سلطة أخرى».
الاعتكاف الثاني كان منتصف العام الماضي. فمع تسارع وتيرة الأزمة الاقتصادية وانهيار سعر الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي، أعلن قضاة لبنان على أثر انعقاد الجمعية العمومية، الدخول في اعتكاف شامل خالٍ من الاستثناءات، احتجاجاً على تدني رواتبهم التي فقدت 95 في المائة من قيمتها، وكذلك غياب التقديمات الطبيّة والاستشفائية والمنح المدرسية والجامعية.
وألحق هذا الاعتكاف ضرراً كبيراً بحقوق المتقاضين؛ إذ استعصى على آلاف الأشخاص التقدم بالشكاوى بسبب الإضراب ورفض أي مراجعة، كما تسبب الإضراب بتراكم آلاف الدعوى التي لم يبت فيها، وانسحبت أضراره على السجون ومراكز التوقيف التي غصّت بالسجناء في ظل التأخر بالبت بإخلاءات سبيلهم».
مرحلة الاعتكاف تلك، التي كانت الأطول والأقسى، انتهت بإقرار زيادة الرواتب بثلاثة أضعاف كما ورد في الموازنة العامة، ومساهمة صندوق تعاضد القضاة بدفع مساعدة مالية بـ(الفريش دولار) تراوحت بين 500 و1200 دولار للقاضي، بالإضافة إلى مساهمة الصندوق بإعطاء الأولوية للمساعدة المرضية.
أما الاعتكاف الثالث (الحالي) فبدأ يوم 1 سبتمبر (أيلول) الحالي مع إعلان 111 قاضياً في القضاء العدلي والإداري والمالي، توقفهم فجأة عن العمل احتجاجاً على أوضاعهم المالية والاجتماعية. وقال هؤلاء في بيان أصدروه: «في ظل عجز الدولة عن تغطية الاستشفاء والطبابة والتعليم، الخاص بالقضاة وعائلاتهم، وفي ظل انعدام ظروف العمل اللائقة بالكرامة البشرية في قصور العدل، وفي ظل ما وصل إليه وضع القضاء على جميع الصعد، نعلن التوقّف القسري عن العمل، وذلك الى حين توافر مقومات العيش والعمل بكرامة».
هذا القرار المفاجئ قابله هنري الخوري، وزير العدل في حكومة تصريف الأعمال، بتحرك سريع؛ إذ دعا القضاة إلى الاجتماع به، وأكد أنه «بصدد تنفيذ مطالبهم أو أغلبها عبر اتصالات يجريها مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ووزير المال يوسف الخليل والمراجع القضائية». أما رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي سهيل عبود الذي بدا مستاءً من العودة إلى شلّ مرفق العدالة، فدعا القضاة إلى جمعية عمومية مغلقة عقدت في قصر العدل في بيروت، وطرح فيها القضاة مطالبهم وهواجسهم، وتعهّد عبود ببذل أقصى جهده بتبديد قلق القضاة وتحصيل حقوقهم، وتمنى عليهم الاستمرار في عملهم والتضحية من أجل الحفاظ على القضاء وهيبته. غير أن قضاة شاركوا في الجمعية العمومية، أكدوا لـ«الشرق الأوسط»، أن «المعتكفين ما زالوا على اعتكافهم»، وأن باقي القضاة «يراقبون ما ستؤول إليه مساعي وزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى وبعدها يبنى على الشيء مقتضاه».
يوسف دياب
المصدر: صحيفة الشرق الأوسط
الحدود البرية: وقائع ومغالطات
|
أعادت الزيارة الأخيرة التي قام بها كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون أمن الطاقة آموس هوكشتاين للبنان، ملف الحدود البرية بين لبنان وفلسطين المحتلة إلى الواجهة من جديد، فبات مصطلح «ترسيم الحدود البرية» أو «تثبيتها»، محل نقاش داخلي في الأروقة اللبنانية. فـ «عرّاب» إتفاقية ترسيم حدود المنطقة الإقتصادية الخالصة الجنوبية، جاء هذه المرّة وفي جعبته مهمّة جديدة في الترسيم، لكنها تقع عند حدود البر وليس البحر. ففي جولته جال على المسؤولين اللبنانيين، واستطلع الآراء حول الملف، قبل أن ينطلق جنوبًا ليعاين المهمّة على الأرض. واختتم زيارته بفتح النافذة على الجهة الأخرى لاستطلاع رأي الجانب الإسرائيلي في ملف الترسيم البري، قبل أن يقوم بتقييم الملف وطرح إطار العمل به!
إنّ الأمر المستغرب هنا، ليس في طرح الوسيط الأميركي، وإنما في تفاوت ردود الفعل اللبنانية الرسمية والمحلية حول ملف الحدود البرية، والمغالطات في فهم حدود الملف البري. فالوسيط الأميركي منذ مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، كان واضحًا في عرض أسسه في تقييم الملف اللبناني. فالعبرة لديه هي ليست بمتانة الملف القانوني اللبناني ومرتكزاته، وإنما بالقدر المسموح للجانب اللبناني الحصول عليه!
فمن المجدي في ظلّ التباس المصطلحات المستخدمة في ملف الحدود البرية، أن نعي أبعاد الملف. فالحدود البرية بين لبنان وفلسطين المحتلة هي حدود مرسّمة في اتفاقية «بوليه/نيو كومب» الموقّعة بتاريخ 3 آذار من العام 1923، والتي تمثل إتفاقية لترسيم الحدود النهائية بين الإنتدابين الفرنسي والبريطاني. وقد تضمّنت هذه الإتفاقية (38) نقطة فصل بين لبنان وفلسطين المحتلة، بالإضافة إلى النقطة (39) على الحدود المشتركة اللبنانية – السورية- الفلسطينية، من رأس الناقورة إلى منطقة الحمة السورية. وقد حُدّدت النقاط بعلامات موصوفة ومرقّمة، وأُودعت الإتفاقية في عصبة الأمم وتمّ التصديق عليها كوثيقة دولية في 6 شباط من العام 1924.
وهذه الحدود قد أُعيد تثبيتها باتفاقية الهدنة الموقّعة بتاريخ 23 آذار من العام 1949 بين لبنان و«اسرائيل»، والتي جاء فيها تحديدًا في المادة الخامسة منها: «على أن يتبع خط الهدنة الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين».
فالحديث اليوم عن بحث اتفاق إطار لترسيم أو تثبيت الحدود البرية بين لبنان وفلسطين المحتلة، أمر مغلوط. فالحدود مرسّمة والنقاط مثبتة. لذا على الجهات المسؤولة في لبنان إتخاذ الدقّة والحيطة في توحيد اللغة والإطار، الذي ينبغي بحثه مع الوسيط الأميركي في ملف الحدود البرية. فأي اتفاق إطار في ملف الحدود البرية يجب أن ينطلق من التصحيح وإزالة التعدّي الواقع على الحدود البرية المرسّمة والمثبتة مع فلسطين المحتلة، بإزالة الفوارق بين الخط الأزرق «خط الإنسحاب الإسرائيلي المؤقت» وخط الحدود الدولية اللبنانية المرسّمة. وأهم هذه الفوارق بين الخط الأزرق وخط الحدود الدولية يكمن عند النقطة B1، حيث تمّ نقل البوابة الإسرائيلية حوالى (20-25) متراً داخل الأراضي اللبنانية، فأصبحت مباشرةً عند الخط الأزرق، إضافة إلى احتلال نقطة رأس الناقورة وجزء النفق السياحي اللبناني في منطقة رأس الناقورة، وجزء من المياه الإقليمية اللبنانية حتى خط الطفافات.
وواقعًا، نرى أنّ العدو الإسرائيلي لا مصلحة له في الدخول في تفاوض يبدأ من إطار إزالة التعدّي على الحدود البرية اللبنانية، طالما أنّه حصل على ضمانة من الجانب اللبناني في اتفاقية ترسيم حدود المنطقة الإقتصادية الخالصة الجنوبية، بموافقته على إبقاء سيطرة الجانب الإسرائيلي على احتلاله لهذه الفوارق إلى أجل غير مسمّى، طالما لم يحصل اتفاق بين الطرفين، حيث نصّت الاتفاقية في أحد بنودها: «على عدم المساس بوضع الحدود البرية… وإلى أن يحين الوقت الذي تُحدّد فيه تلك المنطقة، يتفق الطرفان على إبقاء الوضع الراهن بالقرب من الشاطئ على ما هو عليه، بما في ذلك طول خط العوامات البحرية الحالي وعلى النحو المحدّد بواسطته».
أياً كان الهدف من طرح ملف الحدود البرية في هذا التوقيت، يجب على الداخل اللبناني أن يحسم الملف ويوحّد إطاره، حتى لا يلقى هذا الملف مصير غيره من ملفات الوطن.
خديجة حكيم
المصدر: صحيفة الجمهورية
المجتمع يدفع نحو السكوت
|
التحرّش: جرائم متمادية تمرّ دون شكوى
لا تمثّل الأرقام المسجّلة لحالات التحرّش المتزايدة في لبنان سوى جزء صغير من مجمل الحوادث الفعلية، إذ لا يجري الإبلاغ عن التحرّش الجنسي بشكل كافٍ، لأسباب عديدة، منها خوف الضحايا من انتقام المتحرّشين بهم إذا أبلغوا عنهم، أو لعدم ثقة بعض الأفراد في المؤسسات المسؤولة عن التعامل مع بلاغات التحرّش. وقد يخشون ألّا تؤخذ شكاواهم على محمل الجدّ أو أن يُتعامَل مع مخاوفهم بشكل سيّئ. ومن الممكن أن يساهم وصم الضحايا من قبل المجتمع في إحجامهم عن الإبلاغ أيضاً. فكيف يمكن معالجة هذا النقص في الإبلاغ وافتقار البيئة الآمنة والداعمة للضحايا للتقدّم دون خوف من العواقب مع إنشاء آليات إبلاغ واضحة، ومن المسؤول عن عدم تفعيل تشريعات عقابية ملائمة للتحرّش؟
رغم إقرار قانون «تجريم التحرّش الجنسي وتأهيل ضحاياه» الرقم 205/2020، الذي عرّف التحرّش الجنسي في مادته الأولى على أنه «أي سلوك سيّئ متكرّر خارج عن المألوف، غير مرغوب فيه من الضحية، ذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر يقع على الضحيّة في أي مكانٍ وُجِدَت، عبر أقوال أو أفعال أو إشارات أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية وبأي وسيلة تمّ التحرّش بما في ذلك الوسائل الإلكترونية». فإنه لا يلحظ الضوابط المختلفة التي تحكم المجتمع اللبناني بمختلف بيئاته. فمن الصعب، في هذا المجتمع المتعدد الثقافات، تحديد شكل التحرّش، وكيفية تصنيف سلوك ما على أنه تحرّش. فإن ما يُعدّ تحرّشاً في بيئة ما، لا يتعدى كونه تودّداً في بيئة أخرى. وحتى في مكان العمل الواحد، قد نشهد وجود امرأتين إحداهما محافظة وتعتقد أن أي كلمة «لطيفة» هي تحرّش لفظي يفترض التصدّي له، بينما لا تعدُّ الأخرى الملامسة الجسدية تحرّشاً. فكيف يمكن أن يُحدَّد التحرّش قانونياً؟ وكيف يمكن أن تُثبت الضحية تعرّضها له؟ أم أن قانون تجريم التحرّش الجنسي وُضع لإرضاء المجتمع الدولي فحسب؟
«وحوش» العائلة
نشأت يارا في عائلة تشهد اختلاطاً غير منضبط بين الذكور والإناث كأبناء العم وبنات العم، وأبناء الخال وبنات الخالة، كانت تنام داخل غرفة واحدة دون الفصل بينهم في منزل جدها لأمها أو أبيها، فكان ذلك «فرصة لأولاد أخوالي وأعمامي الذين يكبرونني بسنوات ليمرروا أيديهم فوق جسمي…». تقول يارا إنها كانت تُبقي عينيها مغمّضتين خوفاً من أن «يخنقوها» في حال علموا أنها اكتشفت أمرهم. «كنت أبلغ من العمر حينها ستّ سنوات، ولا أعلم من أين جاءتني تلك الأفكار لكنني أبقيت الأمر سرّاً حتى اليوم» خوفاً من وصمة العار الاجتماعية المحيطة بجرائم الاستغلال الجنسي للأطفال، التي تُعدّ «من أهم الأسباب التي يستغلها الجاني للإفلات من العقاب، خاصة في جرائم «زنا المحارم» عندما يتم التستّر على الجناة من قبل أفراد الأسرة نفسها» (راجع «القوس»، 4 آب 2023، «التحرش والاعتداء الجنسي… تكتّم مؤذٍ»). 34 سنة مرّت ولا تزال يارا تشعر بغضب كبير وتستحضر مشاعر الخوف والانتهاك كلما اضطرّت للقائهم في الاجتماعات والزيارات العائلية. وحول ردود الفعل المختلفة لضحايا التحرّش، تقول الاختصاصية في علم النفس العيادي والمعالجة النفسية، نسرين الموسوي، إن تأثيرات صدمة التحرّش فردية، ولا تنتهي بالضرورة بعد الحادث فوراً أو عندما تتحدّث الضحية عن الحادثة. ففي الوقت الذي قد يعاني بعض الأفراد من انخفاض في الأعراض أو من ضيق بعد الإفصاح عن تفاصيل حادثة التحرّش، قد يستمر البعض الآخر في مواجهة تأثيراته لفترة ممتدة ويُطوِّر بما يُعرف بـ«اضطراب ما بعد الصدمة»، وقد تحتاج هذه الحالات إلى تدخّل مهني لعلاجها. فقد تنشط الصدمة مجدداً بسبب مثيرات وإزعاجات (Triggers) متنوّعة يمكن أن تُثير مشاعر وأفكاراً وأحاسيس جسمية متعلّقة بالصدمة. يشكّل إذاً لقاء الأقارب، في حالة يارا، عاملاً مثيراً لحادثة التحرّش المتكرر الذي عانته. وفي بعض الحالات، قد يعاني الأشخاص الذين تعرضوا للتحرّش من الاكتئاب الحاد والانعزال والانسحاب من التفاعلات الاجتماعية، وقد تظهر عليهم أعراض جسمية مثل الصداع ومشاكل المعدة واضطرابات النوم وسلوكيات إيذاء الذات وصولاً إلى أفكار انتحارية. في المقابل، يظهر العديد من الأفراد مناعة نفسية ملحوظة (Resilience) ويمكن أن يتعافوا مع مرور الوقت. وقد يشمل الشفاء نمواً شخصياً، وزيادة الوعي الذاتي رغم التعرّض للصدمة.
أساتذة متحرّشون
لم تعرف لمى (25 عاماً)، معنى «المساحة الشخصية» ولا الحدود الخاصة بها التي يفترض ألّا ينتهكها أو يستغلها أحد. فهي تنتمي إلى مجتمع محافظ، لكنها تربّت في بيئة «على البركة» حيث اعتادت أن يحتضنها أولاد أعمامها وأن يقبّلوا كتفها أو رأسها تودّداً، حتى ظنّت أن تودّد «الدكتور» أي أستاذ المادة في سنتها الجامعية الأولى وتربيته على كتفها أمر مشابه لتودّد أقاربها. إلى أن احتاجت إلى دروس تقوية في المادة، فتطوّع «الأستاذ الدكتور» لمساعدتها. جرى اللقاء الأوّل والأخير، في كافتيريا بالقرب من الحرم الجامعي، لم يمضِ نصف ساعة حتى قال لها: «عجقه كثير هون، خلّينا نروح لعندي عالبيت بتركزي أكثر». تستشيط لمى غضباً متذكّرة كيف أنها كانت ضعيفة ولم تكن تملك صوتاً حينها، ولم تدرك ماذا عليها فعله فهي لم تسمع تحذيراً من أهلها بكيفية التصرف في مثل هذه المواقف… وأن طاعة أستاذها واجبة. «كان منزله بعيداً… بدأ بشرح الدرس بطريقة طبيعية، ثم أمسك يدي طالباً مني الوقوف، ثم شدّني وأجلسني بالقرب منه…»، تفاصيل مؤلمة ترويها لمى متأثرة بصعوبة رغم مرور سبع سنوات على الحادثة التي لم تخبر أهلها عنها. «كل يوم بوعى أكتر كيف استغلني واتحرّش فيني بطريقة مسمّة» تتمنّى لمى لو أنها رفعت الصوت عالياً لفضح هذا المتحرّش وحماية أخريات من أفعاله، لكنها تخشى ما قد يقوله البعض: «راحت بإرادتها معه، الحق عليها». تنصّ المادة الأولى من القانون 205/2020، على أنّه يُعدّ «أيضاً تحرشاً جنسياً كلّ فعل أو مسعى ولو كان غير متكرر يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو المعنوي أو المادي أو العنصري يهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل أو الغير». أما أيمن (اسم مستعار)، الذي ألحقوه أهله بمخيّم صيفي تربوي في سن الـ13، ليصبح الطالب المحبّب لدى المربّي المسؤول. فيقول أيمن (32 عاماً): «كان يحدّق بي كثيراً ويمسكني من خدودي ويقرّب عليي كتير ويقول لي: يسلملي الشاب المهذّب الطيّوب». قبل سنوات، ضُبط هذا المسؤول مع طالب في وضع مخلّ. «حمدت الله أنني لم أبقَ في المخيّم لظروف مادية، يمكن كنت رح كون إحدى ضحاياه بوقتها». تنصّ المادة 2 – ج، من القانون 205/2020، على أن يعاقب بالحبس من سنتين إلى أربع سنوات وبالغرامة «إذا كان الجاني ممّن له سلطة مادية أو معنوية أو وظيفية أو تعليمية على المجنيّ عليه. وإذا استخدم الجاني الضغط الشديد النفسي أو المعنوي أو المادي في ارتكاب الجرم للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية».
مساواة في التحرّش؟
«نادراً ما يُنظر إلى النساء على أنهنّ مفترسات، لكنهن كذلك» يقول وسام (34 عاماً). فالأمر السائد أن الرجال فقط يتحرشون بالنساء، بينما الواقع يشهد أن النساء أيضاً يتحرّشن بالرجال. يعاني وسام من سلوكيات مديرته في العمل ويصفها بالـ«متحرّشة»، إذ تحرص عند الحديث معه على أن تحدّق به طويلاً برَيْبة، وأن تضع يدها على كتفه أو أن تدنو من رأسه أثناء عمله على مكتبه. بات وسام غير مرتاح في عمله، ويفكّر جدّياً بتركه، ويقول: «زملائي الشباب بيقولولي نيّالك، بس أنا متزوج ومحافظ وما بيناسبني هيدا الوضع». كما ينتقد زملاؤه «رجولته» عندما يمتعض من سلوكيات المديرة، ما يسبّب له حرجاً. أمّا لينا (27 عاماً)، فتعاني تحرشاً لفظياً من زميلها في العمل، إذ لا ينفكّ يخبرها بأن «عطرها رائع»، واختيار ملابسها مناسب، كما يقترح عليها تسريحات شعر مختلفة، ويُطلق نكات إيحائية، حتى باتت تطلق عليه لقب «سايكو». تقول لينا إنه حتى اليوم لم يقترب منها جسدياً كما فعل مع زميلاتها الأخريات اللواتي سمحن له بذلك «عندهن ياها عادي، وفي منهن محجّبات وبيرضوا، وبيقولوا عنّي معقّدة ومكَبْرة الموضوع». مضيفةً أنها لن تسكت في حال تطوّر الأمر إلى تحرّش جسدي. تنصّ المادة 2 – ب، من القانون 205/2020، على أن يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا كانت جريمة التحرّش حاصلة في إطار علاقة العمل.
تختلف سمات المتحرِّش ولا ترتبط بالضرورة بأي مرض عقلي معيّن
– إبداء تعليقات جنسية بشأن المظهر أو الملبس أو أجزاء الجسم. – التحديق بطريقة ذات إيحاء جنسي. – اللمس غير المرغوب فيه، بما في ذلك القرص أو التربيت أو المسح أو الاحتكاك عمداً بالأشخاص.
إذ يغلب الطابع العقابي على القانون 205/2020، و«لا يشتمل على آليات وموجبات الوقاية من التحرّش الجنسي في أماكن محددة يكثر فيها كأماكن العمل، فمن المفيد هنا التفكير في كيفيّة تطويره لهذه الناحية، والاسترشاد بتجارب تشريعيّة عدة» كما أوضح الأستاذ المحاضر في القانون الجزائي وحقوق الإنسان والقاضي السابق، زياد مكنّا، في مقابلة مع «القوس» (راجع «تشديد العقوبة وتأهيل الضحايا»، 4 آب 2023). وحول الأثر النفسي، تشير الموسوي إلى أن التحرّش في مكان العمل يؤدي إلى انخفاض إنتاجية الفرد وبالتالي انخفاض الرضا عن عمله، وانخفاض الشعور بالانتماء إلى المؤسسة وزيادة التغيّب عن العمل، وقد يواجه الضحايا أيضاً صعوبة في التركيز على المهام، ما يؤثر على تقدّمهم المهني، ويرفع معدل الدوران الوظيفي. كذلك يمكن أن يؤدي التحرّش إلى توتر العلاقات الشخصية والمهنية. وقد يجد الضحايا صعوبة في الثقة بالآخرين وبتكوين علاقات جديدة، وقد ينعزل البعض عن العالم الاجتماعي والمهني خوفاً من تكرّر حادثة التحرّش. وتلفت الموسوي إلى أن المسؤولية، إضافة إلى ضعف القوانين، تقع على عاتق أصحاب العمل القادرين على وضع سياسات وقواعد سلوك تعالج وتمنع التحرّش في مؤسساتهم، أو تؤمّن بيئة مشجّعة وداعمة للضحايا لتقديم الدعم من محترفين مثل استشاريين أو اختصاصيين نفسيين لمساعدتهم في التعامل مع التأثيرات النفسية للتحرّش من أجل رفاهية الضحية وثقافة العمل العامة.
الاستعداد للمرافعة
تُقدّم شكوى التحرّش، كأي شكوى جزائية أخرى، أمام النيابة العامة الاستئنافية، وتتطلّب إثباتاً لوجود التحرّش لتأخذ مجراها بشكل سليم، من دون وجود تدخّل لاختصاصيين نفسيين أو لأي إحالة لمختصّين بقضايا التحرّش لمتابعة الضحية، التي قد لا تكون، مثل كثير من الأشخاص، على دراية بالإجراءات المناسبة للإبلاغ عن التحرّش، خاصة في أماكن العمل أو المؤسسات التي لا تتوفر فيها هذه المعلومات بسهولة. وقد يقوم بعض الأفراد بتقليل تجاربهم أو تطبيعها، وإقناع أنفسهم بأن ما مرّوا به ليس خطيراً بما يكفي لتبرير الإبلاغ عنه. كما قد لا تكون، في بعض الحالات، لدى الضحايا أدلة ملموسة على التحرّش، ما يجعل من الصعب إثبات ادّعاءاتهم. في هذا الصّدد تؤكد الاختصاصية في علم النفس العيادي، نسرين الموسوي، أهمية الدعم النفسي والعاطفي للضحية لتمكينها من رفع الصوت ضد المتحرّش ومقاضاته، وذلك لأسباب عدة، تذكر منها: 1- تعزيز الشفافية والثقة: يمكن للضحية أن تجد دعماً نفسياً وعاطفياً من خلال الأصدقاء والأهل، وهذا يساعدها على بناء الثقة للتحدث عن تجربتها والتحدث عن التحرّش بمفردها أو أمام الجهات القانونية. 2- التأهيل للمرافعة القانونية: يساعد الدعم النفسي على تجهيز الضحية للمقاضاة، إذ يمكن أن يشمل التعريف بإجراءات المحكمة والقوانين المتعلقة بالتحرّش. يمكّن ذلك الضحية من الاستعداد للمرافعة والشهادة داخل المحكمة. 3- تعزيز الشعور بالدعم: تشعر الضحية بالأمان والدعم عندما تعرف أن هناك أشخاصاً يقفون إلى جانبها ويساعدونها على مواجهة التحديات… وقد يكون الدعم النفسي جزءاً من عملية الشفاء والتعافي، إذ يساعد في معالجة الصدمة والضغوط النفسية.
لباس المرأة هو السبب
عندما نتحدث عن التحرّش الجنسي في العالم العربي، يعني أن الفتاة هي المسبّب الرئيسي لهذا الاعتداء، وتبدأ التحليلات: ماذا ترتدي؟ لماذا كانت تسير في هذا الشارع أو ذاك؟ ألا تعلم بأن عليها مراعاة غرائز الرجال؟ (راجع «القوس»، 27 آب 2022، «ظاهرة طعن المتحرّشين»). ترى الموسوي، أن هذا الطرح هو مشكلة كبيرة في مجتمعنا العربي ومرفوض لأسباب عدة، منها: – اتهام الضحية: أي تحميل مسؤولية التحرّش للضحية بدلاً من المتحرّش. بينما في الواقع، يتعلّق التحرّش بأفعال المتحرّش واختياراته، وليس بمظهر الضحية أو ملابسها. – الموافقة والحدود: إذ يكمن جوهر هذه المسألة في أهمية احترام الحدود الشخصية ووجوب الموافقة من الطرفين. بغضّ النظر عن كيفية ارتداء شخص ما أو مظهره، لا يمكن تبرير التحرّش أبداً. فللجميع حق الشعور بالأمان والاحترام وحرية اختيار اللباس. – تعزيز الصور النمطية: إذ يمكن أن تعزّز هذه الفكرة الصور النمطية الضارّة التي تلوم النساء على أفعال الآخرين. من المهم التصدّي لهذا التنميط ووضع المسؤولية حيث يفترض أن تكون، وهي على المتحرش. – العوامل الثقافية والاجتماعية: التحرّش هو مسألة معقّدة تتأثر بالعوامل الثقافية والاجتماعية والفردية، وأن تبسيطها للملابس أو المظهر يُبسّط آثارها السلبية ويمنعنا من معالجة جذور المشكلة بفعالية. من المهم أن نفهم أن التحرّش هو انتهاك لحقوق الإنسان، ويجب ألا يُبرّر بل أن يُعالَج سلوك المتحرّش، وأن تُعزّز التوعية على الموافقة والاحترام.
بدأ الدكتور بشرح الدرس بطريقة طبيعية ثم أمسك يدي وشدّني وأجلسني بالقرب منه
اتّهامات كاذبة
هناك العديد من الأسباب التي يمكن أن تدفع بعض الأشخاص، بغضّ النظر عن جنسهم، إلى توجيه اتّهامات كاذبة بالتحرّش، وقد تتضمّن، وفق الموسوي، ما يلي:
• نوايا سيّئة: قد تكون للأفراد دوافع شخصية أو سيّئة للقيام باتهامات كاذبة، مثل الانتقام أو تحقيق أهداف شخصية. • حماية الذات: قد يلجأ بعض الأشخاص إلى الاتهامات الكاذبة لحماية سمعتهم أو لتجنّب التعامل مع عواقب محتملة. • اضطرابات نفسية: في بعض الحالات، قد تكون هناك اضطرابات نفسية تؤثر على تصرفات الأفراد وتدفعهم للافتراء على أفراد آخرين. • ضغوط اجتماعية: قد يعيش بعض الأفراد تحت ضغوط اجتماعية تدفعهم لاتهام الآخرين بالتحرّش دون وجود أدلة. من المهم جداً فهم أن الاتّهامات الكاذبة بالتحرش تضرّ بجميع الأطراف المعنية، بمن في ذلك الأشخاص المتّهمون بالتحرش بشكل غير مبرر والضحايا الحقيقيون الذين يمكن أن تُقلّل هذه الاتّهامات من مصداقية رواياتهم.
سمات المتحرّش
قد يظهر المتحرّشون مجموعة متنوعة من السمات أو الصفات، ولكن قد تتضمّن السمات الشائعة ما يلي: • العدوانية: يظهر المتحرّشون في كثير من الأحيان سلوكاً عدوانياً أو عدائياً تجاه أهدافهم. • نقص التعاطف: قد يظهرون قليلاً أو لا يظهرون أي تعاطف مع مشاعر أو رفاهية ضحاياهم. • مشاكل في التحكم: يمكن أن تكون لدى بعض المتحرشين رغبة قوية بالسيطرة والسلطة على ضحاياهم. • سلوك تلاعبي: يمكن أن يستخدم المتحرشون التلاعب والخداع أو الإكراه لتحقيق أهدافهم. • الهوَس: في بعض الحالات، قد ينصبّ المتحرشون على أهدافهم، غالباً بمستوى هوَس غير صحّي. • عدم الأمان: قد يدفع العوَز الشخصي أحياناً المتحرشين إلى استهداف الآخرين. • الغضب أو الاستياء: قد تسهم مشاعر الغضب أو الاستياء تجاه الضحية في التحرش. يمكن أن تختلف سمات المتحرّش بشكل كبير، ولا ترتبط بالضرورة بأي مرض عقلي معيّن. فالأفراد الذين يشاركون في التحرّش ليسوا بالضرورة مصابين نفسياً؛ قد يكون سلوكهم ناتجاً عن مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك القضايا الشخصية والديناميات الاجتماعية، أو نقص في فهم الحدود.
جنان الخطيب *
عندما تلمس شيئاً ما، تترك وراءك أثراً من خلايا الجلد. وباستخدام تقنيات جنائية متطورة أصبح الخبراء الجنائيون قادرين على جمع وتحليل الكميات الضئيلة من الحمض النووي المتواجدة في هذه الخلايا ومعرفة صاحبها. لذلك، من الضروري في حالات التحرّش الجسدي (كملامسة الضحية في مناطق حساسة) أن تُرفع الأدلة «الحمض النووي للّمس -DNA Touch » فوراً عن جسد الضحية -ولا سيّما أن هذا النوع من الأدلة يُعدّ هشّاً للغاية وسهل التلوّث- وإرسالها إلى المختبر للفحص. تُعدّ هذه التقنية أداة حيوية لتوثيق التحرّش وبناء مقاضاة فعّالة في المحكمة. (راجع «القوس»، 26 شباط 2022، «500 مليون خلية»). من جهة أخرى، يمكن للتحقيق الجنائي الرقمي (Digital Forensics) أن يساعد في حالات التحرّش الإلكتروني من خلال جمع وتحليل الأدلة الرقمية مثل الرسائل النصّية ورسائل البريد الإلكتروني والصور ومقاطع الفيديو ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وتحديد عناوين IP وسجلّات الأجهزة لتحديد الجاني وتوثيق التحرّش لمنع الإفلات من العقاب.
* محقّقة جنائية محلّفة من القضاء اللبناني ومتخصّصة في علوم الأدلة الجنائية
الكاتبة: بشرى زهوة
المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار
دليل التحقيقات العلمية في شكـاوى التعذيب… كشف المستور
|
ليس التعذيب غير أخلاقي أو غير إنساني فحسب، بل إنه غير فعّال أيضًا، إذ لا يوفر معلومات موثوقة ودقيقة لحلّ القضية أو لإعادة تركيب مسرح الجريمة وغالبًا ما يتسبب بإدلاء الضحية باعترافات كاذبة أو إعطائه معلومات خاطئة (راجع «القوس»، 24 حزيران 2023، «التعذيب يضلّل التحقيق»). تلعب التحقيقات الجنائية المهنية دورًا حيويًا في مناهضة التعذيب. أولًا من خلال جمع الأدلة والتحقيق في الحقائق، وتجنّب اللجوء للضغط لانتزاع الاعترافات. وثانيًا، من خلال توفير الأدلة التي يمكن استخدامها في مقاضاة الجناة وردع جرائم التعذيب المستقبلية
قد يتردد ضحايا التعذيب في التقدّم والإبلاغ عن الإساءة، أو قد يتّخذ الجناة خطوات لإخفاء جرائمهم، ما يجعل التحقيق الجنائي في هذه قضايا صعبًا. ومع ذلك، من خلال تحديد أسباب الجروح وتفاصيلها (التي قد تكون قد حجبت بفعل عامل الشفاء الطبيعي أو الطبّي)، ومن خلال التحقيق الدقيق واستخدام التقنيات الجنائية المناسبة من الممكن جمع الأدلة التي قد تُستخدم لمقاضاة مرتكبي التعذيب.
تختلف العلامات التي يمكن العثور عليها على جسد ضحية التعذيب اعتمادًا على الأساليب المستخدمة، علماً أن ليس كل ضحايا التعذيب ستظهر لديهم علامات مرئية بشكل واضح على أجسادهم فبعض أساليب التعذيب، مثل التعذيب النفسي، لا تترك آثارًا جسدية. ومع ذلك، فإن بعض العلامات الجسدية الشائعة تشمل ما سنتناوله في شرح الصور.
الرضوض والكدمات
بقع زرقاء أو أرجوانية أو حمراء تظهر على الجسم بسبب تسرّب الدم من الأوعية الدموية التالفة. يمكن أن تحدث بسبب الصدمة القوية، مثل اللكمات أو الركلات أو الضربات بجسم صلب. قد تظهر في أي مكان على الجسم، لكنها أكثر شيوعًا في الوجه والرأس والجذع. يمكن أن يشير شكلها إلى اتّجاه الاصطدام، ويشير لونها إلى المدة التي مضت على حدوث الإصابة. مع التئام الرضوض، يتغيّر لونها م
آثار الكسور
علامات على كسور العظام ناجمة عن تطبيق القوة بشكل متعمّد. باعتماد أساليب متنوعة من التعذيب، كضرب الضحية بأجسام صلبة، أو ركل أو دهس عظامه، أو إسقاط أشياء ثقيلة عليه، أو تعذيبه في وضعية تضع ضغطًا على عظامه. يمكن رؤية آثار الكسور على الأشعة السينية وتقنيات التصوير الطبية الأخرى. كما يمكن للطبيب أن يشعر بها أثناء الفحص البدني.
الجروح
يمكن أن تحدث الجروح بسبب الأجسام الحادة، مثل السكاكين أو الشفرات أو الزجاج المكسور. غالبًا ما يكون لهذه العلامات نمط مميز، مثل سلسلة من الجروح المتوازية أو العميقة. قد تكون علامات الجروح الناجمة عن السكّين أو الأشياء الحادة سطحية (تؤثر على الطبقة العلوية من الجلد فقط) أو عميقة (تؤثر على طبقات أعمق من الجلد والأنسجة). قد تكون علامات هذه الجروح حمراء ومتورمة ونازفة، كما قد تكون متقشرة.
علامات الربط
يمكن لكل من أدوات الخنق (مثل الحبال والعصي أو الأسلاك) واليدين، أن تترك آثارًا لكدمات منفردة على الرقبة أو حولها تظهر كخطوط حمراء، أو كدمات حول الأطراف. تقدّم المعاينة الجنائية فحصًا تفصيليًا فيما يتعلق بمسار وعمق وعرض الحبل أو السلك أو المواد التي استُخدمت لأغراض الخنق أو الشنق.
الحروق
يمكن أن تحدث الحروق بسبب الحرارة أو المواد الكيميائية أو الكهرباء. غالبًا ما توجد علامات الحروق على مناطق من الجسم مخفية عن الأنظار، مثل الظهر والأرداف والفخذين. لدى علامات الحروق نمط مميز، مثل نمط «البرق» الناتج عن الصعق بالكهرباء أو نمط «الرشّ» الناتج عن السوائل الساخنة أو البخار أو الحرق بالسجائر. عادةً ما تكون علامات الحروق حمراء ومتقرحة ومتورمة، كما قد تكون متفحّمة أو سوداء.
السحجات Abrasion
إصابات في الطبقة العليا من الجلد، ناتجة عن الخدش أو الاحتكاك بسطح خشن. وهي نوع شائع من الإصابات في التعذيب، إذ يمكن أن تنتج عن مجموعة متنوعة من الأساليب، مثل الجَلد أو الضرب بأشياء كالأحزمة أو العصي أو الكابلات، كذلك جرّ الضحية على سطح خشن، أو ربط يديه أو قدميه خلف ظهره وإجباره على المشي أو الزحف، وغيرها.
علامات الاعتداء الجنسي
قد يكون لدى ضحايا الاعتداء الجنسي مجموعة متنوعة من العلامات على أجسادهم، بما في ذلك الكدمات والجروح والتمزقات. قد تظهر أيضًا عليهم علامات تدل على الإصابة بأمراض منقولة بالاتصال الجنسي.
تعذيب مصطنع
قد يحدث بعض الأشخاص جروحًا على أجسادهم بحجة اتهام أشخاص آخرين بالإساءة وسوء المعاملة وباستخدام أساليب التعذيب. هنا يأتي دور المعاينة الجنائية الدقيقة التي تظهر في هذه الحالة أن الآثار والعلامات الموجودة على جسد المدّعي ما هي إلا جروح سطحية وغير مؤلمة ويمكن للضحية المزعومة الوصول إليها وافتعالها.
عمر الجروح
من الأساسي تحديد عمر الجروح والآثار والأذيات على جسد ضحية التعذيب بالإضافة إلى تقييم ما إذا كانت الإصابات متعددة أو محدثة بواسطة أكثر من جانٍ واحد. كذلك من الضروري تحديدها وفق التسلسل الزمني لوقوعها مع الأخذ في الاعتبار أن المدة الزمنية لالتئام الجروح تعتمد على عمر الضحية، وحجم الجرح وطبيعته، والأداة المسببة، وعوامل أخرى.
جنان الخطيب
المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار
فرنجية ثابت… وانسحابه «حلم إبليس في الجنة»
|
ما بين المراوحة الفرنسية والزخم القطري المتجدّد بعد اجتماع الخماسية «الملتبس»، يستمر الاستحقاق الرئاسي معلّقاً على خارج يستفيد من عجز القوى الداخلية لخدمة مصالحه وتوسيع دوره، فيما تتعدّد الترجمات المحلية لرسائل الموفدين وإشاراتهم.
ضمن هذا الإطار، راجت في الآونة الأخيرة تكهنات باحتمال ان يبادر رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية من تلقاء نفسه إلى الانسحاب من المعركة الرئاسية، وفتح الباب أمام البحث في خيار وسطي.
واستند مروجو هذه الفرضية إلى قراءتهم وتفسيرهم لحصيلة الجولة الأخيرة للموفد الفرنسي جان إيف لودريان على القيادات السياسية، التي نقل بعضها عنه، انّه أعطى إشارات واضحة خلال مداولاته، إلى انّ معادلة سليمان فرنجية – جهاد أزعور انتهت، وانّه يجب التحاور او التشاور من أجل التفاهم على مرشح آخر، يستطيع الاستحواذ على الأكثرية النيابية التي تسمح بانتخابه.
وذهب آخرون إلى الاستنتاج، بأنّ الثنائي حركة «امل» و«حزب الله» بات مستعداً للنزول عن شجرة دعم فرنجية والتفاوض حول اسم آخر، وصولاً إلى ربط اللقاء الأخير بين رئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد وقائد الجيش العماد جوزف عون بمرونة مستجدة لدى الحزب في مقاربة الاستحقاق الرئاسي.
لكن التدقيق في الحقائق السارية المفعول، أقلّه حتى الآن، يبيّن انّ فرنجية لا يزال ثابتاً عند ترشيحه، وليس في وارد التزحزح عنه، وانّ حلفاءه لا يزالون يتمسكون به وليسوا في صدد المساومة عليه.
وتؤكّد شخصية واسعة الاطلاع ضمن فريق 8 آذار، انّ «توقّع البعض انسحاب فرنجية هو كحلم إبليس في الجنة»، لافتة إلى انّ الترويج لهذا الأمر «ليس سوى نوع من البلطجة السياسية ولا يوجد أي أساس له».
وتلفت تلك الشخصية، إلى انّ «مقومات ترشيح فرنجية تختلف اصلاً عن حيثيات ترشيح جهاد أزعور، وبالتالي فإنّ معادلة استبعادهما معاً لإفساح المجال أمام غيرهما هي غير سوية»
وتشير الشخصية إيّاها إلى انّ فرنجية هو «زعيم ماروني أباً عن جد، وصاحب برنامج سياسي اقتصادي متكامل، وبنبثق من قاعدة شعبية، ومدعوم من كتلة نيابية صلبة ومتماسكة، كما أظهرت جلسة 14 حزيران الانتخابية. في حين انّ أزعور ليس سوى نتاج «علاقة عابرة» سياسياً بين مجموعة قوى تختلف على كل شيء، ولا يجمعها سوى تقاطع ظرفي ومصلحي، غايته إسقاط فرنجية فقط، لا غير».
وتضيف: «بناءً عليه، لا تصح المساواة بين الترشيحين ووضع مصيرهما في كفة واحدة».
وتتساءل الشخصية عن الجدوى او المغزى من طرح المرشح الثالث، ما دام انّ هناك تسليماً بأنّه يحتاج، لكي يتمّ انتخابه، إلى موافقة «حزب الله»، واستطراداً إلى منحه ضمانات بعدم طعن المقاومة والغدر بها، «فلماذا يكون هذا المرشح مقبولاً إذا فعل ذلك، بينما يُرفض فرنجية في المقابل بحجة انّه قريب من الحزب؟».
من هنا، تعتبر تلك الشخصية، انّ المشكلة الحقيقية ليست مع خيارات فرنجية «بل مع شخصه الذي ترى فيه بعض الزعامات المارونية تهديداً لها ولمصالحها إذا وصل إلى رئاسة الجمهورية، ربطاً بحسابات فردية وفئوية».
وتلفت الشخصية الواسعة الإطلاع في 8 آذار، إلى انّ العلاقة بين فرنجية والحزب ترتكز على الندية والثقة، «الأمر الذي يمنحه القدرة على صنع المبادرات وتحصيل التسهيلات، فيما أي اسم آخر لا يملك مثل هذه الخصوصية».
وأبعد من حدود الحسابات الداخلية، تشير الشخصية إلى انّ لبنان يشكّل مرآة للإقليم، حيث محور المقاومة مرتاح ومتمكن، «وليس هناك ما يبرّر ان يتنازل عن أحد مكتسباته في لبنان، والمتمثل في موقع رئاسة الجمهورية الذي يحقق التوازن مع رئاسة الحكومة».
وتلاحظ الشخصية، انّ اجتماع اللجنة الخماسية الاخير في نيويورك «لم يعط اي انطباع بأنّه حسم وجهة الاستحقاق الرئاسي، وفق ما يتمناه معارضو فرنجية»، مشيرة إلى انّ الحسم مؤجّل في انتظار ما سيؤول اليه التفاوض حول «الديل» الأميركي – الإيراني.
وتنتهي الشخصية إلى التأكيد انّ لدى فرنجية وحلفاءه «ما يكفي من الصبر للثبات على ترشيحه، الى حين ان يكتمل تقاطع الظروف المحلية والخارجية على اسمه».
عماد مرمل
المصدر: صحيفة الجمهورية
التضخم وانهيار العملة مستمرّان لا محالة
|
أعدت الجمعية اللبنانية لحقوق المكلفين ALDIC دراسة اكدت فيها ان من يطلع على مشروعي قانون موازنة عام 2023 وقانون موازنة عام 2024 المتزامنين في الطرح والتوقيت، ويتمعّن في مضمونهما، يكتشف بما لا يقبل الشك أن المشروعين هما بمثابة صورة مصغرة وأمينة لوضع وواقع السلطة التنفيذية التي سوف تتبناهما. أي عجز وتخبط وتمنيات وتدابير إصلاحية معدومة أو خجولة غير كافية ومعزولة عن الواقع وبعيدة كل البعد عن أي حلّ شامل وبرنامج متكامل واضح المعالم للخروج من الأزمة المستفحلة وإعادة توازن مفقود ورفد الخزينة بإيرادات مستدامة وذكية وليس كما هي الحال الآن، من حيث التخبط والولوج الحتمي إلى الضرائب غير المباشرة التنازلية، التي تطعن بمبدأ العدالة الضريبية والعقد الإجتماعي وتنذر بالإنهيار الكامل وزوال الدولة ومؤسساتها. وفي ما يلي ابرز ما جاء في الدراسة:
لا رؤية ولا خطة
بالفعل، إن مشروعي موازنتي 2023 و2024 شبيهان بالموازنات التي سبقتهما لناحية تجلّي رغبة المشترع في تأمين ايرادات لتغطية النفقات التشغيلية، خصوصاً للقطاع العام، ولكن بمعزل عن أي رؤية واضحة وخطة متكاملة أو برنامج إصلاحي يؤمن مقومات تنمية إقتصادية وإجتماعية مستدامة ومعالجات ناجعة وفعّالة لمكان الخلل في النظام المؤسساتي. ويُعتبر هذان المشروعان، بالصيغة التي أقرّا بها في مجلس الوزراء، اعترافاً غير مباشر بأن التضخم وانهيار العملة الوطنية مستمرّان لا محالة.
وقد جاءت هاتان الموازنتان تكريساً وتمدّيداً للسياسة المالية نفسها المعتمدة سابقاً، ومن دون قطع حساب، مما يكرّر المخالفات الدستورية التي كانت سائدة سابقاً ولا تزال.
ومما لا شك فيه أن هذين المشروعين، على غرار سابقهما (أي مشروع موازنة 2022)، خالِيان من أي رؤية اقتصادية وبرنامج إصلاحي فعلي ومدروس يعيد الثقة إلى المواطن والمستثمر ويبلسم جراح شعبٍ نازفٍ وتائه. وعليه، يتضمن المشروعان مجموعة من التدابير الطارئة والجزئية وحوافز خجولة غير كافية ومعزولة عن أي حلّ شامل وبرنامج متكامل واضح المعالم، للخروج من الأزمة المستفحلة كما ومخالفات وتضارب فاضحٍ في بعض الأحيان مع نصوص قانونية أخرى مرعية، والأخطر: عدم قدرة أي منهما على إحداث التغيير المنشود أو أقله المباشرة به كما وتقاعس في التنفيذ وتجنب أي تدبير من شأنه الإزعاج أو الإرباك أو المواجهة… موازنات رفع عتب وتبرؤ من المسؤولية ليس إلا !!!
مفعول التضخم
إن فحوى الموازنة 2023 على سبيل المثال يتمثل بإعادة النظر بالشطور الضريبية والتزيلات الملازمة مع إعطاء الصلاحية لمجلس الوزراء (نتيجة للإعتراضات على تفويض وزير المالية كما كان مقترحاً أساساً) لمتابعة موضوع هذه التنزيلات والشطور وتعديلها عند الإقتضاء بشكل يواكب التضخم السلبي الذي يحصل في لبنان، وذلك استناداً إلى نسبة التضخم الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي بناءً على اقتراح وزير المالية.
بلا قطع حساب
إن مشروعي موازنتي 2023 و2024، اللذين أتيا دون فذلكة وقطع حساب ملازم أو تفسير وافٍ، لا يراعيان شروط صندوق النقد الدولي بضرورة أن تكون الموازنة إصلاحية، إنما يستهدفان الشعب مباشرة عبر رفع الضرائب غير المباشرة التنازلية والرسوم المتفرقة على السلع والخدمات بشكل شامل تقريباً، فيما يعفيان المصارف والنافذين، لغاية تاريخه، من المحاسبة وتطبيق القوانين المصرفية والتجارية النافذة، ويحميان مصالحهم ويحمّلان عبء تكاليف هاتين الموازنتين للمواطنين، لا سيما الموظفين وذوي الدخل المحدود والمتقاعدين التائهين دون دخل أو تعويض، مع العلم أن معظم الشعب اللبناني أو أكثريته الساحقة قد أصبح في حالة فقرٍ مدقع.
مراعاة الظروف
صحيح أن المشروعين الآنفي الذكر قد حاولا إلى حدٍ ما مراعاة الظروف الصعبة السائدة، وتجنب زيادة الضرائب المباشرة، في ظل ما يسود من حالة ركود وانكماش وتضخم مفرط، إلا أن ذلك قد أتى بمعزلٍ عن خطة تعاف عادلة وموضوعية متوافق عليها. وكل ذلك من دون إيجاد حلٍ نهائي لسعر الصرف في السوق المحلي وتقلب العملة وتهاوي قيمتها، ناهيك عن التضخم المفرط وموضوع الودائع المحجوزة إن لم نقل الضائعة والمنهوبة.
بكل صراحة، كان يُؤمل بنقلة نوعية وإصلاح فعلي في المالية العامة من خلال موازنة شفافة وشاملة وعصرية، سيما أن الظروف الإستثنائية الراهنة كانت تحتم موازنة إستثنائية جريئة وخلاقة، لا موازنات شبيهة إلى حد التطابق مع سابقاتها التي مهدت الطريق وسرّعتها للإنهيار الكبير الذي نشهد فصوله تباعاً منذ حين.
مهام الدولة الأساسية
هذا، ومن المفروض البحث مقدماً في الموازنة، وبالتالي في إصلاح المالية العامة، وبشكل أخص في مهام الدولة الأساسية؛ فعليها يقع واجب حماية الاقتصاد الوطني، وتأمين الحماية الإجتماعية، ونشر العلم والمعرفة، وزيادة الثروة وحسن توزيعها بشكل عادل. كذلك عليها إعادة الإعتبار لصدقيتها وثقة المواطنين والخارج بها، وهذا الأمر يُكرّس بإصلاحات تشمل إجراءات طارئة وسريعة لخفض العجز وطمأنة الدائنين وتثبيت النقد ومكافحة الفقر المتفشّي وإعادة إطلاق العجلة الإقتصادية، ومن شروط ذلك، تأمين الواردات وترشيد الإنفاق عبر تحديد الحاجات الفعلية وقواعد وآليات الجباية والإنفاق، فضلاً عن المراقبة الفعّالة. فالموازنة هي الأداة الأساسية للمالية العامة، هي وسيلة للتدخّل في الحياة الاقتصادية والاجتماعية بهدف تحقيق البرامج والوعود التي التزمتها السلطات السياسية والتي يقتضي كما وفي كل ديمقراطية تشاركية أن تُحاسب على أساسها.
عملياً، المطلوب اليوم قبل الغد، وبالتزامن مع تنفيذ أي برنامج إنقاذي، خفض تدريجي في نسبة العجز إلى الناتج المحلّي قبل تأمين توازن الموازنة على المدى المنظور والوصول إلى فائض أولي سريعاً، بالإضافة إلى تنفيذ رزمة إصلاحات هيكلية وبنيوية وقطاعية أضحت معلومة المضامين والتفاصيل.
وهذا يحتم أن يكون مجموع النشاط الاقتصادي والاجتماعي موجّهاً بصورة سليمة وشفافة من خلال الموازنة. لذا يتعين على أي موازنة، لهذه السنة أو للسنوات المقبلة، أن تكون وسيلة لإطلاق الإصلاح الفعلي ولتنفيذ خطة التنمية المستدامة.
بعض التناقضات
ومن جهة ثانية، وكمثال على التناقضات التي تعتريهما، يعتمد مشروع موازنة 2023 مثلاً (ومشروع موازنة 2024 شبيهاً له لهذه الناحية) على بعض التدابير الخجولة الآيلة إلى توسيع القاعدة الضريبية وزيادة معدّل الإمتثال من دون إعتماد ما يلزم من تدابير موازية لإصلاح النظام الضريبي ومراقبة حسن تنفيذ تلك التدابير لكي لا تبقى حبراً على ورق كما هو معتاد وذلك، لجعل هذا النظام أكثر عدالة ولتنويع الإيرادات. وكان من المتاح مثلاً، لو كانت نية التغيير والإمتثال والإلتزام فعلية وجادة، مكننة الإدارة الضريبية وتمكينها من خلال وسائل متطورة وحديثة لا سيما من خلال تفعيل إجراءات تطبيق القانون رقم 55 تاريخ 27/10/2016 لتبادل المعلومات الضريبية، بشكل يتلاءم مع ما هو مطلوب من قبل المنتدى العالمي للشفافية وفي المعاهدة المتعددة الأطراف (MAC)، بحيث تقوم الدولة ممثلة بوزارة المالية، من جهة وتمهيداً، بطلب التبادل غب الطلب في ما خص الحالات المشبوهة أو المشكوك فيها. ومن جهة ثانية، تطبيق ما تبقى من شروط وإلتزامات محددة في خطة العمل المتوافق عليها مع المنتدى للوصول إلى المرحلة الثالثة من تقويم الالتزام (Pier review) ليتسنى تلقي المعلومات العائدة للمقيمين في لبنان، عن طريق التبادل التلقائي السنوي للمعلومات (CRS وMCAA).
تمويل العجز؟
وأخيراً وليس آخراً، تقتضي الإضاءة على عجز الموازنتين المرتقب من دون أي تفسير أو توضيح على كيفية تغطية هذا العجز وتمويله، علماً أن الدولة اللبنانية في حالة توقف غير منظم عن الدفع منذ آذار 2020 وغير قادرة على الإستدانة، لا من الداخل ولا من الخارج وذلك، قبل الإتفاق مع صندوق النقد الدولي البعيد المنال، كما أنه ليس في استطاعتها الإتكال على تمويل مصرف لبنان بعد موقف الحاكم الجديد بالإنابة الرافض لأي تمويل غير قانوني، مما يعني أن هذا العجز سيتم تمويله، إما عن طريق إستحداث إيرادات جديدة، وبالتالي ضرائب ورسوم إضافية تفرض على كاهل المواطن وتعيق مسار الإستثمار والنمو، أو عن طريق طبع العملة وزيادة الكتلة النقدية البالغة 58 تريليون ليرة تقريباً حالياً، مما قد يفاقم التضخم وانهيار العملة وزيادة الأسعار وإفقار المواطنين أكثر فأكثر، في غياب أي بوادر تحسن للنمو والحركة الإقتصادية الفعلية والمنتجة في المدى المنظور.
في تفصيل بعض المواد الضريبية لموازنة 2024
يتبين جلياً في الدراسة التي اعدتها الجمعية اللبنانية لحماية حقوق المكلفين أولاً بأول أن أرقام وإيرادات وبعض بنود موازنة العام 2024 مرتبطة إرتباطاً وثيقاً بموازنة وتدابير العام 2023 وكأنه قد تم إقرارها من قبل مجلس النواب دون تعديل وهذا ما لم يحصل بعد ويبدو بعيد المنال؛ ناهيك عن كونه يمس بمبدأ فصل السلطات ويلزم مجلس النواب بنصوص وتدابير تشريعية لم يسبق له أن إطلع وصادق عليها.
أ- في الضريبة على القيمة المضافة (المادة 18)
تطرح المادة 18 من مشروع موازنة 2024 فرض ضريبة على كل شخص ينظم حفلة فنية أو ثقافية أو سواها، مع وجوب التسجيل في الضريبة على القيمة المضافة التي تفرض على المبالغ المحققة من تلك الحفلة. أتى هذا التدبير من دون دراسة مسبقة وتقديرية لتحديد النتائج المتوخاة منه والإنعكاسات المحتملة على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي كما ودراسة لأثر وقعها الإقتصادي (Impact economic study) أو دراستها من الناحية الإكتوارية أو دراسة جدواها الإقتصادية لجهة تضاربها مع نصوص أخرى مرعية الإجراء وما قد يستتبعه من التباس وسوء تطبيق. كما وأن هذه البنود تطرح في ظل غياب أية مراقبة للأسعار والتضخم.
ومن جهة أخرى وبحسب الأرقام، فمن المتوقع أن تزداد قيمة حاصلات ضريبة القيمة المضافة من 36 تريليوناً إلى 90 تريليون ليرة دون إعطاء أية إحصاءات ودراسات دقيقة بهذا الخصوص، إلا أنه في المقابل، سيزداد أيضاً التفاوت الحاصل بين الضرائب المباشرة التي باتت تشكل ثلث الإيرادات الإجمالية للموازنة والضرائب غير المباشرة التي تشكل ثلثي الإيرادات. وهذا ما من شأنه أن يزيد من التفاوت الإجتماعي واللاعدالة الضريبية.
ب- في اعتماد نظام خاص مبسّط لفرض الضريبة في بعض الحالات (المادة 19)
تنص المادة 19من مشروع موازنة 2024 على مبدأ اعتماد نظام خاص مبسط لإخضاع وفرض الضريبة على القيمة المضافة على من حقق، خلال فترة تتراوح بين فصل وأربعة فصول متتالية، رقم أعمال لا يتجاوز الـ5 مليارات ليرة (أي 56.2 ألف دولار). ويتم الاعتماد كأساس لفرض الضريبة نسبة من هامش الربح المحدد لنوع النشاط. ويستثنى من هذا التطبيق الأشخاص المترابطون مع اشخاص يتجاوز مجموع رقم أعمالهم مجتمعين 5 مليارات ليرة خلال الفترة ذاتها المذكورة آنفاً.
إن هذا النظام شبيه بما هو معتمد حالياً بالنسبة لمنتجي وتجار المجوهرات والصاغة، ما يدعونا للتساؤل من جهة أولى، عمّا إذا كانت هناك دراسة تفصيلية عن نتائج هذا التدبير بالنسبة للقطاعات المخصوصة وفعاليته. كما ونسأل من جهة أخرى عن التدابير المقترحة لتأمين حسن الإلتزام والإمتثال وتوسيع قاعدة المكلفين، إذ أنه في غياب ما تقدم، سوف يزيد الشرخ القائم بين المواطنين والمكلفين وسواهم من المكتومين ويضرب مبدأ المساواة الدستوري (الفقرة ج من المقدمة والمادة 7 من الدستور) ويحفز اللامواطنية الضريبية.
أما الفقرة الثالثة من المادة 19 والتي تنص على اعتبار الزيادة في الضريبة على القيمة المضافة – بما يفوق الـ 10% المفروضة على استهلاك المياه والكهرباء والاتصالات السلكية واللاسلكية – ايراد خزينة، يستوفى ويسدد حسب الأصول القانونية لاستيفاء وتسديد الضريبة على القيمة المضافة، فهي تضرب مبدأ التمييز بين الضرائب المباشرة الشمولية والضرائب غير المباشرة القائمة على المنفعة المقابلة.
ج- في استحداث رسم بدل خدمات سريعة وطارئة لدى الإدارات العامة (المادة 21).
بحسب المادة 21، يُستحدث رسم بدل خدمات سريعة وطارئة لدى الإدارات العامة يسمى بدل خدمات مأجورة، يستوفى من الراغبين في انجاز معاملاتهم لدى الادارات العامة بصورة سريعة أو الذين لديهم معاملات طارئة.
وهنا يقتضي عوضاً عن هذا التدبير تفعيل وتطبيق المكننة والحكومة الإلكترونية لتسريع المعاملات وتفادي حالات الفساد، عبر التعاطي المباشر بين الموظف العام والمواطن مع تدابير أخرى ملازمة ناجحة ومفيدة، كمكننة الإدارة ووضع آليات الحوسبة عن بعد لتلقي الطلبات ومعالجتها من خلال واجهات الكترونيّة.
د- في الإجازة للمكلفين تسديد الضرائب والرسوم والغرامات المتوجبة عليهم عن الفترات السابقة من حساباتهم المفتوحة بالعملة الأجنبية لدى المصارف العاملة في لبنان (المادة 22).
تنص المادة 22 من مشروع موازنة 2024 على الإجازة للمكلفين تسديد الضرائب والرسوم والغرامات المتوجبة عليهم عن الفترات السابقة من حساباتهم المفتوحة بالعملة الأجنبية لدى المصارف العاملة في لبنان، وذلك على أساس 40% من سعر الدولار الأميركي على منصة صيرفة.
هذه المادة تتماهى مع قرارات أخرى سابقة صادرة عن مصرف لبنان وتحمل الغاية والهدف نفسيهما، وأهمهما التعميمان الأساسيان رقم 150 و151 تاريخ 9/4/2020 وما تبعهما، والتي اعتمدت التمييز بين الأموال الخاضعة للضوابط والقيود غير القانونية (المسماة الأموال القديمة) وتلك التي تستفيد من الإستثناء وحرية السحب والتحويل والتداول والتصرف (المعرفة بالأموال الجديدة أو الـ Fresh) وهي بطبيعة الحال غير محقة وغير قانونية وغير شرعية وغير أصولية وقد جرى الطعن بها ولا يمكن الركون إليها أو الإعتداد بها.
مع العلم ان هذا التمييز بين الودائع مهما كان سببه أو الظروف المحيطة به يخالف أحكام الدستور والقوانين المرعية الإجراء، لا سيما منها مبدأ المساواة بين المواطنين المنصوص عليه في المادة 7 من الدستور والفقرة (ج) من المقدمة، التي تذكر بأن الجمهوريـة اللبنانيـة تقـوم على مجموعـة من المبادئ الديمقراطيـة الأساسية، ومن بينها العدالة الإجتماعية، ناهيك عن مخالفة المادة 15 والفقرة (و) من مقدمة الدستور، والتعدي الفاضح على حق الملكية الخاصة، إذ لا يحق للمشترع ولا للسلطة الناظمة أن تضعـف أو تراقـب كيفيـة التصرف بالوديعـة وتغييـر طبيعتهـا أو أن تميّـز الودائـع بين جديدة وقديمة أو نقدية ومجمدة أو كبيـرة وصغيـرة أو أن تقتطع من قيمتها، كون الوديعـة تشكـل ملكيـة والملكيـة في حمـى الدستـور والمواثيـق الدوليـة وتـعاد عيناً عند استحقاق أجلها.
وعليه، لا يمكن التساهل في التشريع لهذه الجهة وهضم الحقوق خلسةً وتكريس المخالفات وإبراء الذمم، بل يقتضي أن يكون أي تدبير مماثل مقترناً لزوماً بشرط إعادة هيكلة للدين العام والقطاع المصرفي (Bank Resolution Law) وبإصلاحات بنيويّة جدية وسريعة، تعيد الإنتظام للحياة المالية في لبنان، وتحافظ على نظامه الاقتصادي الحر الذي يكفل المبادرة الفرديّة والملكية الخاصة ويشكل سمة تنافسيّة له ما يسمح بإعادة الحقوق والودائع لأصحابها بأقرب وقت ممكن.
ه- في استثناء بعض الضرائب من استيفائها بالليرة اللبنانية (المادة 23)
جاء في الفقرة الأولى من المادة 23 تعداداً لما يقتضي استيفاؤه بالليرة اللبنانية ولا سيما: الحصص التي تعود للدولة اللبنانية، الضرائب والرسوم، والبدلات عن كل أنواع الخدمات التي تقدمها الدولة. واذا اقتضت الضرورة معادلة الليرة اللبنانية بأي عملة أجنبية بالنسبة لبدلات بعض الخدمات، فيكون ذلك الزامياً وفقاً للتسعيرة التي يحددها مصرف لبنان.
ثم جاء في الفقرة الثانية من المادة المذكورة تعداداً لاستثناءات هذه الفقرة وهي عديدة، منها (على سبيل المثال): حصة الدولة من قطاع استخراج النفط والغاز، من ايرادات ألعاب الكازينو، وحصة الدولة بالعملات الأجنبية الناتجة عن الشراكة مع القطاع الخاص، الضرائب والرسوم المتوجبة على الايرادات والعائدات والفوائد العائدة الى مستحقيها بالعملات الأجنبية، إلخ…
والملفت أنه في تعداد هذه الأخيرة، وردت عبارة «رسم الاستهلاك الداخلي عند الاستيراد»، دون أن يصار إلى تسميته صراحةً أو أقله التوضيح أنه بمعظمه الضريبة على القيمة المضافة (VAT) عند الإستيراد. ويدعونا ذلك للتساؤل عما إذا كان هناك خطة لمكافحة التهرب والتهريب والزيادة غير المشروعة للأسعار.
أمّا عن الرسم المذكور، فنطرح السؤال عما إذا كان من الممكن تسديده عند إصدار الإعتماد أو الشروع في تطبيق آلية إعتماد نظام وتكنولوجيا قواعد البيانات المتسلسلة (Blockchain) لخفض إمكانيات التستر والتهرب وتعزيز الشفافية، بحيث يتم ربط الحواسيب في ما بينها مع قاعدة إحصائية متلازمة، مع إنشاء رابط إلكتروني بين وزارة المالية وسائر الإدارات.
نصّت المادة 26 من مشروع موازنة 2024 على أنه على رب العمل أن يقتطع الضريبة من الرواتب والأجور التي يدفعها إلى الأجير، وأن يؤدي المبالغ المقتطعة إلى الخزينة بالعملة ذاتها التي دفعت فيها تلك الرواتب والأجور كل ثلاثة أشهر، في موعد لا يتعدى الخامس عشر من الشهر الذي يلي فترة الثلاثة أشهر المعنية.
كما نصت المادة 26 في الفقرة الثانية منها على أنه من أجل احتساب الضريبة المتوجبة على الرواتب والأجور المدفوعة بالعملات الأجنبية وتسديدها، يتم تحويل الرواتب والأجور إلى الليرة اللبنانية على أساس 40% من سعر الصرف وفق منصة صيرفة بتاريخ استحقاقها، ثم يتم تحويل الضريبة المحتسبة إلى العملة الأجنبية التي دفعت فيها الرواتب والأجور على أساس سعر الصرف وفق منصة صيرفة.
ومن المثير للإهتمام والتوقف عنده هو أن المادة 26 الآنفة الذكر قد تطرّقت إلى سعر الصرف من جهة والتنزيلات والشطورالمحتسبة بالعملة الأجنبية من جهة أخرى، وذلك لتفادي الوقوع في الإشكاليات والإنتقادات، كما كانت الحال عند مناقشة وإقرار قانون الموازنة رقم 10 تاريخ 15/11/2022 والقرارين الصادرين لاحقاً عن وزير المالية رقم 686/1 و687/1 تاريخ 23/12/2022.
ز- في فرض رسم مقابل خدمة جمع النفايات الصلبة ومعالجتها ورسم استهلاك للحفاظ على البيئة (المادة 58)
نصت المادة 58 على فرض رسم جديد مقابل خدمة جمع النفايات الصلبة ومعالجتها كما ورسم استهلاك للحفاظ على البيئة، دون معالجة آلية تحصيل هذا الرسم والجهة المسؤولة عن استيفائه، ودون التطرّق إلى كيفية إنفاق حصيلة هذا الرسم، على وجه التحديد بيئياً.
مع الإشارة إلى أن سعر الصرف هنا متروك لتقدير الإدارة (أي وفق سعر الصرف المعتمد من قبلها لاحتساب الضريبة على القيمة المضافة) ويختلف بالتالي عن ذلك المعتمد سابقاً في هذا القانون على أساس صيرفة ما سيشكل إلتباساً ولبساً.
إضافة إلى ذلك، نصّت المادة عينها في هذا الخصوص على منح صلاحيات استثنائية للحكومة، تجيز للأخيرة تعديل قيمة هذه الرسوم وكيفية احتسابها وطريقة جبايتها بموجب مراسيم تتخذ في مجلس الوزراء، بناء على اقتراح وزيري المالية والبيئة المبني على اقتراح الهيئة الوطنية لادارة النفايات الصلبة، علماً أن منح هذه الصلاحية يشكل تجاوزاً للصلاحيات وحدّ السلطة بحيث يعود للمشرع وحده أمر تحديد أو تعديل الضرائب والرسوم وما هو ذات صلة بها، وذلك عملاً بأحكام المادتين81 و82 من الدستور اللبناني ومبدأ السيادة الشعبية والديمقراطية التمثيلية، ناهيك عن فتح الباب للإستنساب.
أرقام لا تحمل الكثير من المعاني الإصلاحية
خلاصة وتوصيات: 15 تدبيراً فورياً وطارئاً
اكدت دراسة الجمعية اللبنانية لحماية حقوق المكلفين عن موازنتي 2023 و2024 ما يعتري مشروعي قانون الموازنة العامة للعام 2023 وقانون الموازنة العامة للعام 2024 من شوائب ومخالفات وخلل بنيوي، بات من الضروري البحث في إصلاح المالية العامة، الذي يفرض بدوره مقدماً البحث في مهام الدولة الأساسية، في ما خص حماية الاقتصاد الوطني وتأمين الحماية الاجتماعية ونشر العلم والمعرفة وزيادة الثروة وحسن توزيعها بشكل عادل. وهذا كله بالطبع يشترط تأمين الواردات ومعرفة ما هي حاجات الدولة الفعلية إلى المال وكيفية جبايته وإنفاقه، وطبقاً لأية قواعد وضمن أية شروط وعملاً بأية آليات للمراقبة الفعّالة. وعليه، بات ملحاً اليوم التفكير جدّياً والسعي الدؤوب للانتقال من موازنة البنود، التي ما زال النظام اللبناني يعتمدها، إلى موازنة البرامج والاداء من خلال القانون التنظيمي (الموجود مشروعه في أدراج مجلس النواب منذ ما يقارب العقدين) والذي يعتمد تقسيماً وظائفياً وفق المهام التي تندرج ضمنها البرامج، للوصول إلى إحلال وتكريس مبدأ الصدقية وحسن الأداء على عمليتي إعداد وتنفيذ الموازنة، فضلاً عن موجب النتيجة والمساءلة. وهذا ما من شأنه أن يضفي على عملية التصويت الذي يجريها البرلمان على الموازنة معنى سياسياً حقيقياً، يقضي بمراقبة فعلية لأعمال الحكومة التي تفترض التثبت من تحقيق النتيجة، بدلاً من التصويت على الوسيلة الممنوحة لها، مع ما يستتبع ذلك من نتائج لجهة المساءلة السياسية السنوية وطرح الثقة بالحكومة المتقاعسة عن تنفيذ برنامجها ووعودها أو الوزير المقصّر في أداء مهامه وواجباته.
بالإضافة الى ذلك، يجدر ذكر بعض التدابير الضرورية الطارئة والفورية المقترحة لمعالجة الأوضاع وتفادي الأسوأ:
1- إعادة هيكلة الإدارة وتنقيتها من المنتفعين والمحاسيب وتفعيل عملها كما ونقل الفوائض من الموظفين من وزارات وإدارات ليست بحاجة إليهم، إلى وزارات وإدارات أخرى تعاني شغوراً ونقصاً في الكفاءات لا سيما وزارة الإقتصاد مصلحة حماية المستهلك، لتفعيل مراقبة الأسعار وفرض العقوبات على المخالفين. مع العلم أن الإصلاح في الإدارة العامة يسهم في التخفيف من العبء المالي، وبالتالي ترشيد الإنفاق وضبطه وتحديد الأولويات والحد من التوظيف المبطن والزبائنية وتقويم أداء الموظفين.
2- بدء العمل بتصنيف وظيفي للنفقات العمومية يهدف إلى تحسين الشفافية وتحليل أهداف الموازنة بصورة أوضح.
3 – إعتماد وإدارة سياسة سيولة واقعية وفعّالة (من خلال وحدة إدارة السيولة لدى وزارة المال CMD) كجزء أساسي من إدارة الإنفاق العام بهدف عدم تخطي ما هو معتمد في الموازنة، لناحية السيولة وتفادي الإقتراض غير المتوقع أو التدابير الضريبية المفاجئة خلال السنة المالية ما من شأنه تعطيل السياسات المالية.
4- ربط أي تدبير أو رصد إعتماد أو فرض ضريبة و/أو رسم بموجب إجراء دراسة وقع أثر إقتصادي (Impact economic study) أو دراسة إكتوارية أو دراسة جدوى إقتصادية (Feasibility study) أو إحصائيات حديثة موثقة.
5- تعديل وتطوير نظام الإعفاءات والحوافز الضريبية المعمول به راهناً وجعله أكثر عدلاً وفعالية. ومن هذا المنطلق إلغاء إعفاءات غير مجدية وغير عادلة على غرار الإعفاءت الممنوحة لمصارف الاعمال ومصارف التسليف المتوسط والطويل الاجل، كما وإعفاء التفرغ عن الأسهم الذي يسمح بعمليات وهمية للتهرب المقونن من الضريبة. بالمقابل، إستحداث إعفاءات مؤقتة وخاصة لتشجيع الأشخاص الطبيعيين والمعنويين لجهة المضي قدماً في بعض المشاريع الواعدة والحيوية التي تساعد على النمو و/أو التوظيف وذلك، في سياق سياسة ضريبية/إقتصادية/إجتماعية متكاملة ومتقدمة يتم تنفيذها على مراحل، كالصناعات التحويلية أو التجميعية أو الصناعات التكنولوجية والبرمجة المعلوماتية والمشاريع الصديقة للبيئة. كما ومن المقترح إقرار حوافز مالية وضريبية تحت الباب الثالث لبعض التوظيفات المالية في القطاعات المنتجة و/أو الواعدة لتحفيز النمو.
– تعميم الرقم الضريبي الموحّد لجميع المواطنين والمقيمين الأجانب على الأرض اللبنانية وربطه برقم الهوية أو جواز السفر أو الإقامة (للأجنبي المقيم).
– تطبيق قواعد الحكومة الرقمية (e-government) لتسريع المعاملات وتبسيطها وتفادي الرشوة والفساد.
– وضع الخوارزميات وآليات الحوسبة عن بعد لمعالجة البيانات الحسابيّة للمكلّفين من خلال واجهات الكترونيّة تسمح بكشف الثغرات وملاحقة المتهرّبين (artificial intelligence).
– إستعمال آلية Name and Shame التي أظهرت فاعليتها في العديد من البلدان.
– إعتماد نظام وتكنولوجيا قواعد البيانات المتسلسلة (Blockchain) لخفض إمكانيات التستر والتهرّب وتعزيز الشفافية، بحيث يتم ربط الحواسيب في ما بينها مع قاعدة إحصائية متلازمة.
– إنشاء رابط إلكتروني بين وزارة المالية وسائر الإدارات.
7- الإنتقال من نظام الضرائب النوعية (scheduled taxes) – الذي يتيح للعديد من الأشخاص تفادي التصريح عن إيرادات مخفية ومستترة وغير ملحوظة في المنظومة – إلى نظام الضريبة الموحدة على الدخل، وذلك من خلال سلّةٍ من الإجراءات يتم إقتراحها وإعتمادها بموجب قوانين خاصة.
8- إكمال الإجراءات المحددة في قانون الموازنة رقم 144 تاريخ 31/7/2019 بالنسبة للمسح الميداني الذي تجريه البلديات للمؤسسات التجارية والصناعية والتجارية الواقعة في نطاقها والمرخص لها وإفادة وزارة المالية بأسماء من المسجلين وغير المسجلين لدى وزارة المالية بإعتماد آلية عملية لذلك وتحفيز مالي للبلديات (بحيث يخصص لها نسبة من المبالغ المحصلة من المخالفين و/أو المتهربين)، بالإضافة إلى تدابير وإجراءات لمعاقبة المخلّين أو المتقاعسين.
9- إعتماد ما يسمى بالـ «Quotient familial»، بحيث يتم إجراء تخفيضات تبعاً للوضع العائلي فتؤخذ بالإعتبار أعباء المكلف العائلية الفعلية وليس بدل حسم مقطوع شامل ووحيد لجميع المكلفين والأفراد. فيقتضي الأخذ في الإعتبار حجم دخل كل مكلف وقدراته المالية وأعبائه العائلية.
10- تفادي فرض أو زيادة ضرائب إلا إذا كان ذلك ضروراً ومجدياً ومبرراً وغير مضرّ ولا يؤدي إلى نتائج عكسية، على أن تُعتبر هذه الضرائب استثنائية مبررة بحالة الضرورة القصوى والحاجة الاستثنائية تزول مع زوال الظروف الملازمة. ومن ضمن هذه الزيادات: رفع الضريبة على بعض القطاعات كالمصارف وشركات التأمين والوساطة الخاضعة لقانون تنظيم هيئات الضمان (المرسوم رقم 9812/1968 وتعديلاته) والمراهنات وألعاب الميسر، وتلك التي تستثمر مرافق أو أملاكاً عامة أو ثروة طبيعية أو تتمتع بإحتكارات أو أوضاع تفضيلية، كما وتلك التي استفادت على السواء من الإنهيار الإقتصادي وانتشار وباء كورونا ونتائجه والأزمة المالية وانفجار مرفأ بيروت، على ان يتم درس الحالات وتحديد مروحة ضريبية خاصة لتلك القطاعات بعناية ودقة.
11- إعتماد سياسة ضريبية تحفّز الإنتاج وتزيد العبء الضريبي على النشاطات التي لا تساهم في تأمين قيمة مضافة للإقتصاد أو إنتاجية مثال: المضاربات العقارية والمالية، الأراضي غير المستثمرة، العقارات الشاغرة (لدعم سياسة إسكانية وتأجيرية)، مع رفع ملازم لنسبة الضريبة المترتبة على النشاطات المضرّة للبيئة والصحة (تبغ، مقالع، إشغال الواجهات البحرية، وإلخ…).
12- مع مراعاة إقتراح تطبيق الضريبة الموحدة على الدخل أو تعديل المادة 53 من قانون ضريبة الدخل كمرحلة تمهيدية، نقترح زيادة نسبة الضريبة على إيرادات الأسهم والسندات المالية الأجنبية وفوائد حسابات الإدخار التي تؤول إلى المقيمين في لبنان من 10 إلى 25% بتعديل المادة 77 من قانون ضريبة الدخل إلا في حال أسبقية تكليفها من قبل دولة غير مرتبطة بلبنان بمعاهدة ضريبية لتفادي الإزدواج الضريبي، بحيث يتم الإبقاء عندها على النسبة الحالية العادية أي 10%. كما ويتم الإبقاء أيضاً على المعدّل المنخفض (10%) بالنسبة للإيرادات المماثلة الناتجة من الأرصدة والأموال المنقولة المودعة في لبنان أو الموظفة فيه.
13- فرض رسوم خاصة على أصحاب عمل و/أو كفلاء الخدم الأجانب (taxes patronales) تتراوح بين 80% و100% من البدل الشهري الفعلي المسدد للأجير. وإعتماد بالمقابل سياسة محفزة للبنانيين للخدمة المنزلية وقيادة السيارات ونواطير الأبنية تخضع كلها لشروط قانون العمل اللبناني (الحدّ الأدنى للأجور وساعات العمل والضمان الإجتماعي) مع منح كل صاحب عمل تنزيلاً سنوياً خاصاً إضافياً يُقتطع من وعائه (دخله) الخاضع للضريبة يتراوح بين 12 و18 مليون ليرة لبنانية.
14 – تخصيص برنامج ضمن الموازنة للإنفاق الإجتماعي (البطاقة الطبية، محاربة الفقر) وتحفيز خلق فرص عمل، وإلا إنشاء صندوق سيادي للغاية المرجوة، تحوّل إليه جميع الضرائب والرسوم الإضافية الآنفة الذكر لتخصيصها للإنفاق الإجتماعي والإستثماري في الميادين المحددة، وذلك كاستثاء لمبدأ الشيوع، بحيث تصبح هذه الضرائب والرسوم رسوماً تخصيصية (Taxes Affectées).
15- من ضمن هذه الضرائب التخصيصية نقترح تفعيل جباية الضريبة المترتبة على الأرباح التي حققها الأشخاص الطبيعيون والمعنويون، من خلال تسديد ديونهم للمصارف على السعر الرسمي وتحقيق مكسب تجلى بخسائر مقابلة بالنسبة للودائع المصرفية. مع التذكير بأن قانون ضريبة الدخل في مادته الرابعة الفقرة (د) التي نصت على أن « كل شخص حقيقي أو معنوي حصل على ربح من عمل يدر ريعاً غير خاضع لضريبة أخرى على الدخل يعدّ من جملة المكلفين بهذه الضريبة (أي بين 4 و25% للفرد و17% لشركات الأموال زائد 10% ضريبة توزيع). على أن تخصص هذه الإيرادات لرفد صندوق إعادة تسديد الودائع المزمع انشاؤه بموجب مشروع قانون إعادة التوازن للنظام المالي في لبنان.