فورين أفيرز: الحرب القادمة بين إسرائيل و”حزب الله” ستكون خطيرة.. ونصر الله فوّت فرصة بعد هجمات “حماس”
|
حذر المعلق الإسرائيلي عاموس هرئيل، بمقال نشرته دورية “فورين أفيرز”، من مخاطر اندلاع حرب إسرائيلية مع “حزب الله”.
وقال إن إسرائيل، وبعد تسعة أشهر من الحرب في غزة، تبدو قريبة، أكثر من وقت آخر، للمواجهة مع لبنان، مشيراً لتصريحات المسؤولين الإسرائيليين، في حزيران/يونيو،حول خطط هجوم جاهزة تمت الموافقة عليها.
أما الأمين العام لـ “حزب الله”، حسن نصر الله، فقد أعلن، في تموز/يوليو، عن استعداده لتوسيع مدى الهجمات على إسرائيل.
ويعتقد أن إمكانية اندلاع حرب لم تحظ باهتمام دولي، مع أن منظور حرب بين إسرائيل و”حزب الله”، الذي يعتبر من أكبر الجماعات تسليحاً في الشرق الأوسط، سيترك اضطرابات واسعة في المنطقة. وربما زعزعت الحرب استقرار المنطقة، وسط دخول الولايات المتحدة مرحلة حرجة من الانتخابات الرئاسية، ولا أحد يعرف إن كانت هذه الحرب ستنتهي بسرعة، أو يتحقق فيها النصر الحاسم.
حسب الاستخبارات الإسرائيلية، لدى “حزب الله” قدرات عسكرية سبعة أضعاف ما كان لدى “حماس”
وستكون التداعيات على إسرائيل كبيرة، فمع النجاحات التي حققها الجيش ضد “حماس” في غزة واليمن وإيران، إلا أن الحرب مع “حزب الله” هي مباراة مختلفة.
وبحسب الاستخبارات الإسرائيلية، فإن لدى “حزب الله” قدرات عسكرية سبعة أضعاف ما كان لدى “حماس”، ولديه ترسانة من الأسلحة الفتاكة والمسيرات، إلى جانب 130,000- 150,000 صاروخ، مئات منها صواريخ باليستية قادرة على ضرب تل أبيب، بل وأبعد في الجنوب، بل وكل نقطة في إسرائيل.
وكما أظهرت الحروب السابقة، لبنان يظل ساحة غادرة، وقد انتهت حرب 2006، وهي آخر مواجهة مع “حزب الله” بدون رابح أو خاسر، لكنها تركت الحزب بدون ضرر كبير، وهو اليوم أقوى مما كان عليه قبل عقدين تقريباً. ويستطيع “حزب الله” إطلاق حوالي 3,000 صاروخ في اليوم بطريقة ستغرق الدفاعات الصاروخية لإسرائيل.
وستضطر الأخيرة للدفاع عن البنى التحتية الحيوية والقواعد العسكرية، والطلب من المدنيين اللجوء إلى الملاجئ. وستكون الحرب تحدياً كبير يتفوق على ما واجه إسرائيل من قبل.
وفي الوقت الحالي، التزمت الأطراف بقواعد الاشتباك وضبط النفس: إسرائيل، حزب الله، الحكومة اللبنانية، إيران والولايات المتحدة، حيث لا تريد حرباً شاملة. وحتى لو توصلت إدارة بايدن إلى اتفاق ينسحب فيه “حزب الله” إلى نهر الليطاني، فستجد القيادة الإسرائيلية صعوبة في إسكات الأصوات المحلية الداعية للتعامل مع “حزب الله”، مرة، وللأبد. ولو انصاع القادة لهذه الرغبات، ودخلوا الحرب بدون إستراتيجية أو هدف واضح، فالنتيجة ستكون مدمرة.
ورغم المفاجأة بهجمات “حماس”، في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، إلا أن قادة إسرائيل طالما حضروا أنفسهم لسيناريو تتحد فيه “حماس” مع “حزب الله” وإيران وضرب إسرائيل. وكان القيادي قاسم سليماني، الذي اغتالته أمريكا، عام 2020، من الداعمين والمروّجين لفكرة “حزام النار”، ودعم سلسلة من الجماعات الشيعية، حتى تتمكن الجمهورية الإسلامية من توسيع التأثير في العراق ولبنان وسوريا واليمن، وتقوية الصلات مع “حماس” في قطاع غزة. وقدمت هذه الجماعات، ومعظمها قريبة من الحدود حول إسرائيل، لإيران ردعاً ضد القوة الإسرائيلية، ونقطة انطلاق.
وبحلول عام 2023، استطاع القيادي في “حماس”، والمقيم حينئذ في لبنان، صالح العاروري تقوية العلاقات مع “حزب الله”، وكان يتحدث علناً عن “وحدة الساحات” ضد إسرائيل.
ومثّل “حزب الله”، المسلح حتى أسنانه، ومقاتلوه ذوو الخبرة القتالية، أكبر تهديد على إسرائيل. وعندما هاجمت “حماس” إسرائيل، سارع قادة اسرائيل للتحضير إلى هجوم واسع ضد لبنان. وفي اليوم التالي للهجوم على الجنوب، نشرت إسرائيل، وعلى جناح السرعة، آلافاً من الجنود على الجبهة الشمالية، حيث تردد “حزب الله” بضرب إسرائيل غير الجاهزة. وكان التحرك في الشمال أنجح من الجنوب، حيث استغرقت السيطرة على البلدات والقواعد العسكرية أياماً. وقال قائد وحدة “لو أسرعوا بما فيه الكفاية” “لكان علينا وقف تقدمهم عند حيفا”، التي تبعد 26 ميلاً عن حدود لبنان.
فوجئ “حزب الله” وراعيته إيران بهجوم “حماس”، حيث لم يخبر يحيى السنوار، زعيم “حماس” في غزة، لا بيروت ولا طهران
وكان الجيش الإسرائيلي يحضّر، منذ سنوات، لهذا التحدي، إلا أن قادة الجيش كانوا يعرفون أن الأمر بيد حسن نصرالله. ولو كان الحزب حاسماً لما كان الوضع كما حول غزة. لكن نصر الله قرر الانتظار، ولم يضرب إلا بعد يوم، وعلى أهداف عسكرية محدودة، وعندها كان الجيش الإسرائيلي قد نشر قوات ضخمة على الحدود، وبدأ يردّ على النيران، مع أن أياً من الطرفين حاول اجتياز الحدود.
وفي الحقيقة فوجئ “حزب الله” وراعيته إيران بهجوم “حماس”، حيث لم يخبر يحيى السنوار، زعيم “حماس” في غزة، لا بيروت ولا طهران، وكان يخشى من اعتراض إسرائيل رسائله ووقف الهجوم.
وفي ذلك اليوم، اتخذت إسرائيل قراراً مصيرياً، حيث أمرت سكان الشمال بالنزوح من بلداتهم، ولهذا أصبح أكثر من 60.000 شخص نازحين في الفنادق والبيوت في تل أبيب، وعلى حساب الدولة. وكان القرار مؤقتاً، حيث لم يتوقع أحد أنه سيستمر لتسعة أشهر. ومنح القرارُ “حزب الله” الفرصة لتحويل البلدات إلى أهداف، وجعل الكثير منها غير قابل للعيش. واشتكى الكثير من الإسرائيليين أن النزوح منح “حزب الله” منطقة أمنية بطول 3 أميال، لكن الواقع هو أن لبنانيين من الجنوب أجبروا على النزوح. والأهم من كل هذا هو النقاش داخل الحكومة الإسرائيلية حول شن عملية ضد حزب الله او الانتظار.
ولو كان الأمر بيد القيادة العسكرية لشنت حرباً ضد لبنان قبل غزة. ففي 10 تشرين الأول/أكتوبر، ألقى الرئيس جو بايدن خطاباً وعد فيه بدعم إسرائيل عسكرياً ضد إيران و”حزب الله”، وحرك حاملات الطائرات إلى المنطقة، وحذر طهران قائلاً: “لا تفعلي”.
وحاول يوآف غالانت، وقادة الجيش، دفع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو للمصادقة على عملية عسكرية شاملة، بما فيها اغتيال قادة “حزب الله”. لكن نتنياهو فهم أن كلمة “لا تفعل” تعنيه، ولم يكن متأكداً من قدرة الجيش للقتال على عدة جبهات. وفعل نتنياهو أمراً غريباً عندما منع غالانت من حضور اجتماع أمني في مكتبه. وعندما دخل بعد ساعات كانت نافذة الفرض لعملية عسكرية في لبنان قد أغلقت. وكانت دعوة نتنياهو لبيني غانتس وغابي إيزينكوت للانضمام لحكومة الحرب محاولة منه لضبط غالانت والصقور في حكومته.
ومع استمرار الحرب في غزة، اشتعلت الجبهة الشمالية، مع أن الطرفين التزما ضبط النفس، إلا أن إسرائيل قررت التصعيد مرات، فقد اغتالت صالح العاروري في الضاحية الجنوبية، وقررت استهداف القيادات العسكرية، وحتى تموز/يوليو، اعترف “حزب الله” بمقتل 370 من جنوده وقادته. ومن جانبه قرر “حزب الله” التصعيد، حيث قتل أكثر من 30 جندياً إسرائيلياً. وقال الجيش إن أكثر من 1,000 بيت دُمّر. ونفس الأمر حدث للقرى اللبنانية القريبة من الحدود. وعندما طلبت إسرائيل من سكان الشمال الإجلاء، كانت ترد على مخاوف تتعلق بهجوم مفاجئ من “حزب الله”، كهجوم “حماس”.
يرى الكاتب أن “حزب الله” مصر على مواصلة الحرب طالما ظلت غزة تحت القصف، ويرفض الانسحاب لحدود الليطاني، حسب اتفاق 2006
وفي الآونة الأخيرة؛ زاد الخوف من استخدام “حزب الله” الصواريخ المضادة للدبابات والصواريخ بمدى 6.5 أميال، في الدقيقة ومن الصعب اعتراضها. ويرى الكاتب أن “حزب الله” مصر على مواصلة الحرب طالما ظلت غزة تحت القصف. ويرفض الانسحاب لحدود الليطاني، حسب اتفاق وقف إطلاق النار في 2006.
ومنذ عام 2023، يقوم المبعوث الأمريكي عاموس هوكشتاين بمحاولات التوصل لوقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله”، الذي أكد مواصلته الحرب طالما استمرت الحرب في غزة. ولكن الوضع غير المستدام في الشمال وَضَعَ إسرائيل أمام معضلة. ورغم تهديدات كل من نتنياهو وغالانت ورد “حزب الله” بتهديدات مماثلة، إلا أن أياً من الطرفين غير مستعد للحرب.
ولو اندلعت الحرب، فإن الجنرالات الإسرائيليين سيفضّلون الاعتماد على التفوق الجوي، ولن يرسلوا القوات البرية أبعد من جنوب الليطاني. إلا أن الحرب في غزة وَضعت ضغوطاً على قدرات نشر القوات الإسرائيلية، وألمح القادة لنقص في الجنود والذخائر. وستكون التحديات في لبنان مختلفة عن حملة برية في الجنوب اللبناني، فمع أن المنطقة باتت خالية من السكان، إلا أن “حزب الله” متفوق أكثر من “حماس”. ولن يسيطر على الجنوب إلا بعد معركة مكلفة، إلى جانب تعرض الجبهة الداخلية والمدن لصواريخ الحزب الموجهة والدقيقة.
مجلة فورين أفيرز الاميركية
ترجمة ابراهيم درويش
هل يمكن أن تصبح النفايات الصلبة فرصة استثمارية في لبنان؟
|
تعدّ النفايات الصلبة من أخطر القطاعات التي تتهدد لبنان، دون إيجاد حل جذري لأزماتها المتتالية على مر العقود، فلجأت الحكومات المتعاقبة منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي إلى اعتماد المطامر كحل غير علمي وغير صحي لمعالجة هذا الملف، لكنها امتلأت بنفايات غير معالجة واستنفدت قدراتها الاستيعابية، ومع كل إغلاق لمطمر كانت تتكدّس النفايات في الشوارع وبين المنازل، حاملة معها كل أشكال التلوث والأمراض.
من منا لا يذكر الحراك الشعبي عام 2015 عقب أزمة النفايات التي أغرقت شوارع العاصمة بيروت كما العديد من شوارع البلدات، وعجزت فيها الحكومة عن حل المشكلة وكان الرأي حينها أن تصدّر نفايات لبنان إلى الخارج مقابل مبالغ مالية تعود لخزينة الدولة، إلا أن هذا الطرح سقط بسبب المناكفات السياسية.
هذه المحنة الطويلة مع النفايات الصلبة، وضعت اللبنانيين أمام مسؤولية كبيرة، ودفعت بالحكومة إلى تبني مشاريع إعادة التدوير، أما المجتمع المدني والمحلي فوجد في هذه المشاريع فرصة للاستثمار، وشيئاً فشيئاً بدأت بيروت على وجه الخصوص تحتضن كل عام معارض متنوعة حول المباردات التي تعنى بالفرز وإعادة التدوير وإدارة النفايات، وهذا العام استضافت معرض إعادة التدوير وإدارة النفايات 2024، وقد زاره رصيف22 للاطلاع على الجهود المبذولة في هذا السياق.
إبعاد النفايات الإلكترونية عن الطبيعة
تعد النفايات الإلكترونية واحدة من أعقد المشكلات في لبنان الذي يعاني من غياب المعامل المختصة في إعادة تدويرها، فترمى في المطامر دون معالجة، في حين أنها تحمل مواد كيميائية ومعادن ثقيلة تنتقل إلى التربة.
اليوم، تركز شركة AKS للتجارة والصناعة والتي بدأت نشاطها قبل 50 عاماً في جمع الحديد والخردة والألمنيوم وإعادة تدوير البلاستيك، على النفايات الإلكترونية، وتقول ملاك خليفة من فريق الشركة، بأن لبنان ينتج نفايات إلكترونية بشكل كبير، ففي كل بيت وشركة هناك حواسيب وأقراص مضغوطة وهواتف، تجمعها الشركة من المنازل والشركات والمؤسسات وتصدرها إلى الخارج خاصة الصين واليابان لإعادة تدويرها، حيث يُستفاد من المواد الثمينة داخلها.
وتشير الخبيرة إلى أن لبنان يفتقر إلى معامل إعادة تدوير النفايات الإلكترونية، وهي عملية تحتاج إلى الكثير من الآلات، “لهذا دأبت الشركة على تجميعها وبيعها للخارج”، كما تقول لرصيف22.
بالنسبة لخليفة فإن النقطة الأهم بهذه العملية هي “أننا نحمي الطبيعة من التلوث، فالنفايات الإلكترونية تلوث البيئة خاصة إذا رميت في المطامر أو الطبيعة، وتتفكك مكوناتها وتتسرب للتربة ومنها إلى المياه الجوفية”.
خطورة النفايات الطبية
تعدّ النفايات الطبية من أخطر أنواع النفايات لاحتوائها على نسب عالية من الجراثيم والمخلفات البشرية، لكن هذا لم يمنع جمعية “أركونسييل” من الدخول على الخط بعد دخولها في مجال إعادة تدوير النفايات الصلبة وعلى وجه الخصوص البلاستيك.
يتحدث حليم سعادة الناشط في الجمعية 22 مشيراً إلى أنها أنشئت بداية لمساعدة الأشخاص ذوي الإعاقة بعد انتهاء الحرب الأهلية، وبعدها تطورّت واستحدث أكثر من قسم، منها مخصص لمعالجة النفايات.
“تغطي الجمعية اليوم 85% من مستشفيات لبنان، فيذهب فريق الجمعية إلى المشافي والعيادات ويستلمون النفايات الطبية من إبر وأكياس دم وأمصال وغيرها، ويضعونها في كيس مع علامة تحذيرية صفراء، وتوضع الأكياس داخل برميل أصفر وعليه علامة تحذيرية أيضاً، وعند وصولها إلى مركز المعالجة تخضع للفرم والتعقيم”، يقول.
يلفت سعادة إلى أنه عندما تعقّم النفايات الطبية تصبح نظيفة وغير ضارة، وبعدها تحمل إلى المطمر حيث تطمر بطريقة علمية وصحية وغير ضارة للتربة والبيئة.
من نشاط فرز النفايات الطبية
من نشاط فرز النفايات الطبية
كما تسعى الجمعية إلى الاستفادة من القطع البلاستيكية الصغيرة الموجودة داخل النفايات المفرومة، من خلال آلة حديثة مجهّزة بعين ذكية تستطيع أن تستخلص القطع البلاستيكية الصغيرة المفرومة وإعادة استخدامها في صناعات أخرى، لأنه يصعب فرز البلاستيك المفروم يدويا نظراً لحجمه الصغير جداً، وبهذه الطريقة يمكن توفير 40% من المواد المطمورة وإعادة استخدامها.
ويرى سعادة أن هناك العديد من التحديات التي يواجهها القطاع، أولها المردود المادي الضعيف، فالجمعية تغطي تكلفة الفرز المنزلي من عوائد فرز النفايات الطبية، وهذا يعد عبئاً على الجمعية، من هنا يركز على ضرورة الوصول إلى استخلاص حبيبيات البلاستيك ذات القيمة المادية المرتفعة، كونها المواد الأولية الأساسية لعشرات الصناعات البلاستيكية.
عبء النفايات المنزلية
أخذت جمعية “اللقاء البيئي” والناشطة في قضاء راشيا محافظة البقاع على عاتقها معالجة النفايات المنزلية، فاستحدثت ثلاثة مراكز لجمع النفايات من 34 قرية. وتتحدث غصون علبي الناشطة في الجمعية لرصيف22 عن نشاط الجمعية الذي بدأ عام 2019، فيجلب الناس مفروزاتهم إلى مراكز التجميع، لتنقلها الجمعية إلى مركز المعالجة، حيث يفرز الكرتون والبلاستيك والثياب والحديد والنحاس.
تؤكّد علبي على أهمية الفرز المنزلي ونشر الوعي بشأنه، وتنوّه إلى تجاوب أكثرية الناس مع المبادرة خاصة بعد حملات التوعية التي أقامتها بالتعاون مع البلديات.
واقع إعادة تدوير وفرز النفايات من المصدر غير مشجع حتى الآن في لبنان، فالمبادرات الفردية لم تتحول بعد إلى قرار حكومي وطني بالفرز من المصدر، ومن يشجع على الفرز من المصدر هي مبادرات تبغي الربح وليست البلديات
بدورها تعمل شركة “نضيرة” تكنولوجي على مشاريع إدارة النفايات وإعادة التدوير، وقد سخّرت خبراتها في مجال التكنولوجيا لتسهّل عملها في مجال النفايات الصلبة. وينوّه أندريه محفوظ من فريق الشركة إلى أنها تستقبل مفروزات المواطنين في مراكزها داخل بيروت وخارجها، ومن خلال تطبيق خاص يستطيع المواطن أن يجمع النقاط التي يحصل عليها حسب وزن المفروزات، ويمكنه استبدالها بالنقود أو يتبرع بها لجمعيات خيرية.
هذا التطبيق لديه مهمات أخرى، منها تعليمية لإطلاع الناس على أهمية البيئة وكيفية المحافظة عليها، وإعلامهم بتأثيرهم على الطبيعة من خلال عمليات الفرز.
بحسب محفوظ فإن قدرة الشركة على استيعاب النفايات المنزلية شهرياً في بيروت فقط تفوق 50 طن، كما أن هناك أماكن حيوية وشركاء من بلديات ومجتمع محلّي لديهم اندفاع للفرز والتوعية، وتم التعاون معهم لفرز النفايات العضوية.
النفايات الصلبة مجال هام للاستثمار
يشير مؤسس شركة “إدارة نفايات لبنان” بيار بعقليني في حديث لرصيف22 إلى أن وزارة البيئة وضعت خطة لإدارة النفايات وأقرتها في الموازنة، وتنتظر التصويت عليها في المجلس النيابي لتصبح مشرعة ودائمة. ويشرح الخطة المبنية على ثلاث ركائز: الأولى استرداد الكلفة، فكل مواطن وكل منزل وفندق ومطعم ومؤسسة يتوجب عليهم دفع اشتراكات لرفع النفايات، والثانية مراكز الاستلام والفرز، فيُحضر الناس مفروزاتهم ويتقاضون ثمنها، ومن بعدها تحمل هذه المفروزات إلى معامل المعالجة.
النقطة الثالثة هي الحوكمة ونظام المعلومات الخاص بالنفايات، مما يتيح تتبع المنتج من لحظة تصنيعه حتى رميه لنعرف إلى أين وصل، إلى المطمر أم إلى مركز الفرز؟ وهل خضع للفرم وإعادة أو لا؟
حملات للتوعية والتشجيع على فرز النفايات
حملات للتوعية والتشجيع على فرز النفايات
ويضيف بعقليني: “هذه الخطة حقيقية وواقعية، تبني أساساً لمستقبل مستدام للنفايات وتصلح مشكلة مزمنة عمرها أكثر من ثلاثين سنة. هذا القطاع فيه أكثر من 150 مليون دولار استثمارات، ويمكن خلق أكثر من 30 ألف فرصة عمل للبنانيين في هذا المجال”.
وبحسب البنك الدولي والدراسات التي أجرتها وزارة البيئة أواخر عام 2022، فإن لبنان يفرز 19% من نفاياته فقط، ويبقى 81% منها غير مفروز، فترمى في المكبات أو تحرق أو تطمر.
يشير بعقليني إلى أن العائق الأكبر لهذا القطاع في لبنان هو قلة المحاسبة، فعندما يرمي أحدهم المخلفات من نافذة السيارة لا يحاسبه أحد، ولا توجد أي رقابة على فرز النفايات أو عدمها. ويضيف: “ما يحتاجه لبنان بعد المحاسبة هو التوعية وتطبيق القانون. هذا المسار طويل ويحتاج إلى وقت لكي يأتي بنتائجه المرجوة، لكن لا شيء مستحيل عندما تحضر الإرادة وتتضافر الجهود”.
المبادرات الفردية والقرار الحكومي
أشارت جمعية “الأرض-لبنان” في دليل نشرته في وقت سابق إلى وجود 6 مؤسسات لتدوير الورق، و 9 مؤسسات لدوير المعادن، و15 مصنعاً لتدوير البلاستيك، ومعملين لتدوير الزجاج، و8 معامل لجمع وتدوير القماش والنفايات الالكترونية والاطارات والزيت المحروق.
في هذا السياق، يرى رئيس الجمعية الناشط البيئي بول أبي راشد في حديثه لرصيف22 أن لبنان في وضع صناعي جيد لتدوير المواد كالورق والكرتون والبلاستيك أو تصدير المعادن ولكن هناك مشكلة في تدوير الزجاج بسبب عدم وجود المعامل، فمنها ما أغلق وبعضها دُمّر خلال حرب عام 2006.
العائق الأكبر لهذا القطاع في لبنان هو قلة المحاسبة، فعندما يرمي أحدهم المخلفات من نافذة السيارة لا يحاسبه أحد، ولا توجد أي رقابة على فرز النفايات. ما يحتاجه لبنان بعد المحاسبة هو التوعية وتطبيق القانون. هذا المسار طويل ويحتاج إلى وقت لكي يأتي بنتائجه المرجوة
أما واقع التدوير والفرز من المصدر فيرى أبي راشد أنه غير مشجع، فالمبادرات الفردية لم تتحول بعد إلى قرار حكومي وطني بالفرز من المصدر، شارحاً بأن من يشجع على الفرز من المصدر هي مبادرات تبغي الربح وليست البلديات. ويضيف لرصيف22: “هنا تكمن المشكلة، لأن فشل معالجة النفايات في لبنان سببه الخصخصة والاحتكار وهو ما أدى إلى انفجار القضية عام 2015. واليوم تغيب كل الحلول عن الحكومة والبلديات ويظهر فقط على الشاشة بضعة مبادرات فردية ممولة تخفي وراءها مكبات ومطامر سوف تمتلىء وتلوث البحر والمياه الجوفية والهواء والتربة”.
يؤكد أبي راشد أن لبنان يعيش مرحلة أخطر من مرحلة المطامر، وهي مرحلة الفوضى، فلا فرز قبل الطمر، والمطامر عشوائية في كل المناطق، في ظل اقتراحات لمواقع جديدة لها غير ملائمة للبيئة، هذا عدا غياب دولة القانون والمؤسسات بحجة الحرب وفقر البلديات.
لبنان اليوم مهدد بعودة أزمة النفايات الصلبة مع احتمالات إقفال المطامر المنتشرة على الخارطة اللبنانية، وتبقى المبادرات الفردية كوّة النور في جدار العتمة، إلا أنها بحاجة إلى أن تكون ضمن خطة تنتهجها الدولة بكل مؤسساتها، ليكون الحل جذرياً والمشكلة إلى غير رجعة.
منير قبلان
موقع رصيف 22
انعاكاسات الحرب المحتملة بين حزب الله وإسرائيل على الجبهة الداخلية الإسرائيلية
|
في ظل التوترات المستمرة بين حزب الله وإسرائيل، تتزايد المخاوف من اندلاع حرب شاملة قد تؤدي إلى تأثيرات جسيمة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، خصوصاً في المناطق الشمالية للاحتلال، حيث العديد من الشركات الخاصة والعامة، واستثمارات بالمليارات، وأزمة نقل السكان، ناهيك عن الأزمات الاجتماعية. لذا قد تكون لهذه الحرب المحتملة تبعات اقتصادية واجتماعية ربما تُدخل إسرائيل في نفق مظلم، فضلاً عن فتح أكثر من جبهة للقتال، وهو ما قد لا تتحمله إسرائيل بحسب المعطيات الراهنة على الأصعدة كافة.
طبيعة الشمال… ميدان الاستهداف الأول
في حال نشوب حرب واسعة بين حزب الله وإسرائيل، ستجد الأخيرة نفسها أمام ضائقة كبيرة في شمالها. ولكن قبل الحديث المفصل عن التحديات، يتبلور سؤال حول طبيعة الشمال وما يحتويه من مستوطنات ومقدرات اقتصادية وغيرها، لقياس حجم الضرر المحتمل حال نشوب حرب واسعة.
يحتوي الشمال على عدد كبير من المستوطنات والموشافيم والناحال. وبحسب التفسيرات اللغوية العبرية، كلمة مستوطنة تعني المقاطعة الكبيرة، والموشاف تشبه المنطقة الأصغر، أما الناحال فقرى صغيرة جداً، ومجموعها يتجاوز 170 بحسب المصادر العبرية الموثقة. لكن المستوطنات الكبيرة عددها 60 مستوطنةً تقريباً، والحديث يدور إجمالاً عن أكثر من 160 مستوطنةً. ووفقاً لبيانات مكتب الإحصاء المركزي لعام 2021، بلغ عدد سكان المنطقة نحو 1،469،424 مواطناً إسرائيلياً، في 419 مستوطنةً و”موشاف” و”ناحال”.
وفق مكتب الإحصاء الإسرائيلي، يتراوح عدد العاملين في شمال إسرائيل بين 600 و700 ألف شخص، في مختلف القطاعات مثل التكنولوجيا، الزراعة، الصناعة، والخدمات. ويساهم شمال إسرائيل بنحو 10 إلى 15% من الناتج المحلي الإجمالي، بما يتراوح بين 53 مليار دولار إلى 79.6 مليارات دولار. هل تغامر إسرائيل وتدخل حرباً ضد حزب الله وتعطّل كل هذا؟
ويدور الحديث عن وجود قرابة 677 شركةً في المجالات كافة. وبحسب المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي (CBS)، لعام 2024، يتراوح عدد العاملين في شمال إسرائيل بين 600 و700 ألف شخص. تشمل هذه الإحصائيات العاملين في مختلف القطاعات مثل التكنولوجيا، الزراعة، الصناعة، والخدمات، وتشير التقديرات إلى أن شمال إسرائيل يساهم بنحو 10 إلى 15% من الناتج المحلي الإجمالي، لذا فإن حجم اقتصاد شمال إسرائيل يمكن أن يتراوح بين 53 مليار دولار إلى 79.6 مليارات دولار.
واستكمالاً لعرض طبيعة المجتمع المدني الإسرائيلي في الشمال، فإن هذا العدد من المستوطنات يحتوي على قرابة 1،500 مدرسة في المجالات والاتجاهات كافة، فضلاً عن المنشآت الإستراتيجية والحيوية مثل شركات الكهرباء ومحطاتها، والتي قد تكون جميعها في مرمى نيران الاستهداف حال نشوب الحرب.
تشير التقارير إلى أن الحرب المحتملة قد تؤدي إلى تغييرات كبيرة في الحياة اليومية للإسرائيليين. في الآونة الأخيرة، تصاعدت الهجمات الصاروخية من قبل حزب الله، ما أدى إلى نشوب حرائق واسعة النطاق في مناطق شمال إسرائيل، مثل كريات شمونة، حيث أجبرت الحرائق والهجمات الصاروخية آلاف السكان على النزوح من منازلهم، والبحث عن مأوى في مناطق أكثر أماناً. وتتطلب هذه الأوضاع إجراءات حكوميةً سريعةً لإعادة الاستقرار إلى المنطقة، وقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن خطط لإعادة تأهيل المناطق المتضررة بتكلفة تصل إلى 3.5 مليارات شيكل. وهذه الجهود تعكس حجم الدمار والاضطراب الذي يمكن أن تحدثه الحرب على المجتمع والاقتصاد المحلي.
خريطة تبيّن بعض مستوطنات الجليل في شمال إسرائيل والقريبة من مرمى النيران حال نشوب الحرب.
الانعكاسات الاقتصادية للحرب المحتملة
يعتمد الاقتصاد في شمال إسرائيل بشكل كبير على الزراعة والسياحة، لذا سيتعرض لضغوط كبيرة في حال اندلاع الحرب. الهجمات الصاروخية المستمرة قد تؤدي إلى تدمير البنية التحتية وإغلاق الأعمال التجارية، ما يفاقم من معدلات البطالة ويؤثر على دخل الأسر. بالإضافة إلى ذلك، الهجمات قد تؤدي إلى نزوح كبير للسكان، ما يزيد من الأعباء الاجتماعية والنفسية عليهم. والهجمات الصاروخية من قبل حزب الله، التي تضمنت إطلاق صواريخ “بركان” المدمرة، أدت إلى دمار واسع في البنية التحتية العسكرية والمدنية، وأثّرت بشكل كبير على الحياة اليومية لسكان المناطق الشمالية.
يشير إنبار بيزك، عضو الكنيست السابق والرئيس التنفيذي الحالي لشركة “الجليل” الاقتصادية، إلى أن الحرب المحتملة والتصعيد المتواصل أضرّا بشكل كبير بأربع صناعات أساسية، هي السياحة، والبناء، والزراعة، والصناعة التقليدية، والتي يعمل فيها آلاف المواطنين؛ مثلاً، يعمل 20% من سكان المنطقة في الصناعة، ومعظم المصانع يملكها أجانب، ما قد يضطرهم إلى المغادرة وسحب استثماراتهم، وهو ما ينعكس على تسريح تلك العمالة، لذا بدأت مصانع كثيرة بالتفكير في المغادرة أو على الأقل الانتقال إلى مناطق أخرى بعيداً عن الشمال.
وبحسب ما نقلته “جيروزاليم بوست”، عن بيزك، فإن هذه الشركات والمصانع تواجه ثلاثة تحديات كبيرة: الأول هو إجلاء العديد من عمالها ما يعني توقّفهم عن العمل، والثاني أن الموردين يجدون صعوبةً في توصيل المواد الخام إلى المصانع القريبة من الحدود، والأخير أن العديد من العمال لا يذهبون الى العمل في املناطق التي لا يشعرون بها بالإمان حتى ولو لم يتم إجلاؤهم رسمياً.
تحدث بيزك عن عدم قدرة الحكومة على التعامل مع هذا الملف بشكل حاسم، من ناحية التعويضات، سواء للشركات ومن تم إجلاؤهم، أو من ناحية إعانة البطالة أو توفير فرص عمل في أماكن أكثر أماناً، وهو ما سينعكس على أمن واستقرار المجتمع والاقتصاد الإسرائيليين.
ويرى ديمتري دلياني، عضو المجلس الثوري والمتحدث باسم تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح، في حديثه إلى رصيف22، أن الشركات الناشئة ستكون الأكثر تضرراً من نشوب هذه الحرب، فمنذ عملية “طوفان الأقصى”، لجأت شركات عدة منها إلى التوجه خارج إسرائيل، بعضها إلى الإمارات. ومع دخول إسرائيل حرباً شاملةً مع حزب الله، لن تصمد باقي شركات التكنولوجيا والشركات الناشئة الأخرى، وسيضرر هذا القطاع بشكل بالغ، خاصةً أنه فخر الصناعة الإسرائيلية كما هو معلوم، بالإضافة إلى تضرر قطاع السياحة الذي أصيب بالشلل منذ دخول إسرائيل في حربها ضد غزة، وبالطبع سيموت إكلينيكياً، لو صممت إسرائيل على مواجهة حزب الله في حرب مفتوحة، كما أن قطاع البناء الذي يعتمد على العمالة الأجنبية سيتضرر بشكل كبير، بل قد يتوقف تماماً.
ويرى الدكتور أيمن الرقب، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس، في حديثه إلى رصيف22، أن إسرائيل تخسر يومياً قرابة 200 مليون شيكل في حربها ضد غزّة، فما بالنا بحربها مع حزب الله الذي يمتلك قدرات أكبر؟ ولو أقدمت إسرائيل على ذلك سينفجر السكان عن بكرة أبيهم في وجه الدولة، فضلاً عن شلل الاقتصاد بشكل تام، ولن تنفع التعويضات والدعم الأمريكي الحالي لحربهم ضد غزّة، حيث سيكون الأمر معقداً، خاصةً أن أمريكا تتحفظ على دخول إسرائيل في مثل هذه الحرب في الوقت الراهن، والوضع الحالي في الشمال كارثي، سواء من ناحية ارتفاع الأسعار بشكل جنوني، أو إقبال المواطنين على شراء المواد الغذائية المعلبة بنهمٍ خوفاً من دخولهم في فترة طويلة من الاختباء داخل الملاجئ.
صمود الجبهة الداخلية الإسرائيلية بين الواقع والمأمول
تكاثرت التحليلات الإسرائيلية للإجابة عن سؤال مفاده: هل تصمد الجبهة الداخلية حال نشوب حرب واسعة مع حزب الله؟ أبرز التحليلات الحديثة في هذا الأمر، ما نشره “معهد دراسات الأمن القومي” الإسرائيلي، في السادس والعشرين من حزيران/ يونيو الماضي، في دراسة واسعة بعنوان “كيف ستؤثر حرب واسعة النطاق مع حزب الله على صمود الجبهة المدنية في إسرائيل؟”، شارك فيها أربعة من كبار المحللين والدكاترة، منهم مئرير الران، أورنا مزراحي، أريئيل هيمان، وعنات شابيرا، وتحدثوا عن الغرض من الدراسة وهو تقييم حجم الأضرار التي يمكن أن تلحق بالجبهة الداخلية الإسرائيلية في حالة الحرب الشاملة مع حزب الله.
سلّطت الدراسة الضوء على إمكانات حزب الله، الذي يمكنه في حالة الحرب الواسعة إلحاق الضرر بالأهداف المدنية والعسكرية والوصول إلى المستوطنات كافة من خلال الصواريخ طويلة المدى وغيرها من الأسلحة المتقدمة، فضلاً عن أنظمة الإنترنت المتقدمة التي يمكن أن يشلّ بها الحياة المدنية، ويدمّر البنية التحتية وشبكة الكهرباء، حيث سينجح في إرهاق منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية خاصةً في الأيام الأولى للحرب
أفادت الدراسة في بدايتها بأن الحرب ستكون طويلة الأمد وعواقبها وخيمة على الجبهة الداخلية، حيث أسفرت المناوشات أو ما أسمته الدراسة “حرب استنزاف حزب الله لإسرائيل”، عن مقتل 29 إسرائيلياً منذ بداية عملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وتسببت في زيادة الشعور باليأس بشأن مستقبل الحدود الشمالية، حيث هجر نحو 60 ألف شخص قرابة 28 مستوطنةً، حتى زاد التساؤل لدى سكان المستوطنات مثل كريات شمونة، عن موعد العودة إلى منازلهم؟
وسلّطت الدراسة الضوء على إمكانات حزب الله، الذي يمكنه في حالة الحرب الواسعة إلحاق الضرر بالأهداف المدنية والعسكرية والوصول إلى المستوطنات كافة من خلال الصواريخ طويلة المدى وغيرها من الأسلحة المتقدمة، فضلاً عن أنظمة الإنترنت المتقدمة التي يمكن أن يشلّ بها الحياة المدنية، ويدمّر البنية التحتية وشبكة الكهرباء، حيث سينجح في إرهاق منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلية خاصةً في الأيام الأولى للحرب. وعدّت الدراسة الحرب تهديداً مدنياً وعسكرياً لإسرائيل، وسيتعين على الأخيرة الدفاع عن ثلاثة أهداف، هي المواقع العسكرية ثم البنى التحية، ثم الأهداف المدنية، حتى أن الملاجئ ستكون مهددةً، وقد ينجح حزب الله في إلحاق أضرار جسيمة بشبكات الاتصالات، والنقل البري والبحري والجوي وسلاسل التوريد من خارج إسرائيل وداخلها، كذلك تهديد منصات إنتاج الغاز، التي قد تتوقف عن الإنتاج لأسباب دفاعية، ما قد يتسبب في انقطاع التيار الكهربائي. وخلصت الدراسة إلى أن هذا السيناريو ستكون له عواقب وخيمة على استمرارية العمليات، وأداء الاقتصاد الوطني، وسيلقي بظلال وخيمة على كل مواطن في إسرائيل.
القدرة على الحفاظ على الاستمرارية التشغيلية المدنية الدنيا في الحرب تُعدّ عنصراً أساسياً في الحفاظ على الصمود الوطني، وهي المنصة الرئيسية لضمان التعامل المدني الفعال مع التهديدات على المستويات الوطنية والاجتماعية والشخصية. كما أن المخاطر الكامنة في الحرب متعددة الجبهات، وخصوصاً إذا حدثت بالتزامن مع استمرار الحرب في قطاع غزة، تنطوي على تحديات كبيرة للبنية التحتية الحيوية وللمدنيين معاً، إلى جانب العقبات المستمرة التي تعترض التعافي من أضرار الحرب في المجالات المادية والنفسية.
وأشارت الدراسة إلى أن استطلاعات الرأي العام التي أجراها معهد دراسات الأمن القومي، توضح أن هناك انخفاضاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة في القدرة المجتمعية الإسرائيلية على الصمود، وهناك انخفاض كبير في مستوى التضامن والثقة بمؤسسات الدولة، مثل الجيش، وفي مستوى التفاؤل والأمل لدى أغلبية الإسرائيليين، كذلك زيادة حدة الانقسامات الاجتماعية المتعمقة، والخلافات السياسية التي تمزق المجتمع، والخطاب العام المليء بالكراهية، وبات هناك شك في مدى استعداد المجتمع الإسرائيلي، نفسياً ومادياً، لحرب صعبة وطويلة على الحدود الشمالية مع حزب الله.
وفي حال اندلاع حرب طويلة الأمد ومتعددة الجبهات ضد حزب الله وشركائه، من المتوقع أن يكون الضرر باستمرارية الأداء من نصيب عدد كبير من المواطنين. ولهذا عواقب وخيمة على قدرة معظم مكونات الجبهة الداخلية على التعافي ومدته التي من المتوقع أن تمتد أعواماً. هذا الأمر له آثار صعبة على القدرة الإسرائيلية على الصمود، خصوصاً في ظل الخلافات السياسية المرهقة التي تتصاعد في نطاقها ومظاهرها.
وتماشياً مع سيناريو حتمية الحرب وتداعياتها على الجبهة الداخلية، دعت صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، في الثامن عشر من حزيران/ يونيو الماضي، الدولة والمواطنين إلى ضرورة الاستعداد لهذه الحرب على مستوى الجبهة الداخلية وضرورة البدء بالإعداد لها، حيث سيتم إطلاق آلاف الصواريخ من حزب الله. وشددت الصحيفة على أن الخطر الأكبر سيكون في غزو القوات الخاصة لقوات حزب الله بعض المستوطنات، لتنفيذ عمليات ضد المنشآت والسكان.
هل ستكون هناك حرب؟
يتضح من المعطيات السابقة أن خوض حرب ضد حزب الله أمر ليس بالسهل، وهو ما تحدث عنه المحلل العسكري في “القناة 13” الإسرائيلية، ألون بن دافيد، في مقالته المنشورة في صحيفة “معاريف” بعنوان “ما لا يجرؤ الجيش الإسرائيلي على قوله: الجيش غير مستعد لحملة واسعة في لبنان”. عبّر بن دافيد في مقالته سابقة الذكر عن قلقه بشأن إحصائية تفيد بأن 46% من الإسرائيليين يعتقدون بأن إسرائيل عليها أن تشنّ حرباً ضد حزب الله في لبنان، حتى مع استمرار القتال في غزّة، وهذا في نظره يعبّر عن فجوة في توقعات الجمهور لقدرات الجيش، لذا يجب القول بأن الجيش ليس لديه ما يكفي من القوات للدخول في هذه الحرب. ويرى بن دافيد، أن الاحتمال الأرجح أن تجد إسرائيل نفسها في حرب استنزاف طويلة الأمد، ستشلّ الحياة في معظم أنحاء البلاد، مشيراً إلى أن الجيش لم يدخل أبداً حرباً مدتها تسعة أشهر، هي الحرب الحالية، فكيف سيكون الوضع لو طال الأمر بالدخول في مواجهة أطول مع حزب الله؟
ثم تحدث الكاتب عن معاينته للإجهاد والتعب لدى الجنود بسبب الحرب الحالية في غزة، لذا في حال استدعائهم لمواجهة جديدة مع حزب الله لن يكونوا في أفضل حالاتهم. ونشر بن دافيد تفاصيل رسالة لضابط كبير في سلاح الجو مطّلع على الخطط الحربية، مفادها أن الجيش غير مستعد لهذه الحرب، وستكون العواقب كارثيةً أكثر من حرب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.
ويعتقد الدكتور طارق فهمي، أستاذ الدراسات السياسية والإستراتيجية وخبير الشؤون الإسرائيلية، في حديثه إلى رصيف22، بأنه “في كل الأحوال ستكون هناك حرب ولكنها ستكون مرحليةً، وستمضي في إطار عمليات تصعيدية خصوصاً أن الداخل الإسرائيلي متفق برغم بعض الخلافات والتباينات والتجاذبات بين مجلس الحكومة المصغر والحكومة الموسعة وهيئة الأركان والمؤسسة العسكرية. هناك اتفاق جمعي على ضرورة تغيير قواعد الاشتباك الحالية، وبناء قواعد اشتباك جديدة لصالح إسرائيل، بما يرسم إستراتيجية مسار التحرك بصورة أو بأخرى في الفترة المقبلة”.
“في كل الأحوال ستكون هناك حرب ولكنها ستكون مرحليةً، وستمضي في إطار عمليات تصعيدية خصوصاً أن الداخل الإسرائيلي متفق برغم بعض الخلافات والتباينات والتجاذبات بين مجلس الحكومة المصغر والحكومة الموسعة وهيئة الأركان والمؤسسة العسكرية. هناك اتفاق جمعي على ضرورة تغيير قواعد الاشتباك الحالية، وبناء قواعد اشتباك جديدة لصالح إسرائيل، بما يرسم إستراتيجية مسار التحرك بصورة أو بأخرى في الفترة المقبلة”
ويضيف فهمي: “إذا حدثت الحرب، فإن هناك سيناريوهات لهذا الأمر؛ الصورة ليست خسائر اقتصاديةً أو تكراراً لنموذج غزّة فحسب. الأمر مختلف تماماً. هناك اتفاق كما أشرت، هو اتفاق جمعي على ضرورة الحرب مع تحمّل تكلفتها هذه المرة، فهم يتحدثون عن دفع التكلفة قبل الدخول في المواجهة لتأمين السكان الإسرائيليين وتأمين عودتهم إلى منازلهم وتأمين خطوط التماس وغيرها. صحيح أن هناك توقعات بخسائر اقتصادية كبيرة على المجتمع، لكنها ستكون أفدح إذا استمرت الأمور وتكرر 7 تشرين الأول/ أكتوبر لبنانياً. وعليه، الخسائر نستطيع أن نرصدها، وعلينا ألا ننسى أن هناك تعويضاً عن الخسائر الاقتصادية الكبيرة في هذا التوقيت من خلال المؤسسات المانحة في الولايات المتحدة والمؤسسات التطوعية التي تحركها كبرى المنظمات اليهودية في واشنطن. فنعم صحيح ستقع خسائر اقتصادية، خصوصاً في المناطق الصناعية والمناطق الإستراتيجية، ولكنها ليست بالصورة التي يحكى عنها”.
وحول انعكاسات ذلك على الجبهة الداخلية، يرى فهمي أنه سيكون هناك تغيير في توجه الجمهور الإسرائيلي خلال الأشهر القادمة قبيل الانتخابات الأمريكية، والسيناريو الأسوأ المتوقع هو ثورة المواطنين في إسرائيل حال اندلاع الاشتباكات، بسبب الخسائر المتوقعة سواء في الأرواح أو المنشآت. لكن برغم ذلك لن ينعكس الأمر على توجهات الجمهور في اختيار الحكومة، فبنية المجتمع الحالية غالبيتها تفضّل الائتلاف الحالي، لكنهم أيضاً منقسمون، بين مؤيد ومعارض والاحتكام إلى آلية الصندوق، وفي كل الأحوال الجبهة الداخلية في إسرائيل ستواجه أحد خيارين؛ خيار التماسك والاستمرارية نتيجةً لوجود خطر يهدد بقاء الدولة في محيطها، وخيار التصعيد وتغيير قواعد اللعبة.
وحول كارثية الوضع حال المواجهة المحتملة، يرى الدكتور أحمد فؤاد أنور، رئيس قسم اللغة العبرية وأستاذ الدراسات الإسرائيلية في جامعة الإسكندرية، أن إسرائيل لو فتحت جبهةً في الشمال من المتوقع أن يسقط نحو 15 ألف إسرائيلي في المعركة، لذلك هناك أصوات تنادي بأن تكون العملية محدودةً تصل إلى بيروت، وبعدها استيعاب رد حزب الله مهما كان، فهناك مخاوف من تمرّس حزب الله وتنامي قدراته، إذ أصبحت لديه مسيّرات قوية كما رأينا المسيّرة هدهد التي استطاعت تصوير أهداف عسكرية إسرائيلية لمدة تسع دقائق بجودة عالية. كما أن لحزب الله مطاراً يزيد من قدراته القتالية، وتالياً لن تكون الحرب نزهةً للجيش أو الحكومة او حتى لسكان الشمال، لذلك ستكون هناك مراجعة وتفكير لدى إسرائيل قبل الدخول في هذه الحرب التي ستضعف الجبهة الداخلية بشكل كبير.
وبرغم ضبابية المشهد حال اندلاع الحرب بين حزب الله وإسرائيل ومدى تضرر المدنيين هنا وهناك، إلا أن التقديرات منقسمة بين زيادة احتمال حدوث الحرب، ومحاولات إقليمية ودولية للتهدئة، فالولايات المتحدة تحذر وبشدة من خطر هذه الخطوة التي قد تؤدي إلى حرب شاملة، لذا فالخيار الأمريكي المفضّل هو القيام بعملية محدودة لإبعاد حزب الله بضعة كيلومترات عن السياج الحدودي، كما أشار أمير تيفون، في صحيفة “هآرتس”، وهو ما حذّر منه كذلك رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال تشارلز براون، بقوله إن الجيش الأمريكي سيواجه صعوبةً في حماية إسرائيل في حالة نشوب صراع عسكري واسع النطاق مع حزب الله.
محمد وازن
موقع رصيف 22
الجبهة اللبنانية: تقييم نذر الحرب الشاملة
|
توالت المؤشرات على احتمال اتساع الحرب بين إسرائيل وحزب الله، وتدل على أن إسرائيل تتحكم في المبادرة إليه؛ لأنها تود إعادة الأمن لشمالها حتى يعود السكان، وإبعاد حزب الله عن الحدود، لكن تكاليف الحرب المرتفعة واعتراض الإدارة الأميركية، قد يكبحان الاتساع المحتمل.
يستعد أغلب اللبنانيين لاندلاع حرب أخرى أوسع نطاقًا بين حزب الله وإسرائيل. ويرى كثير منهم أن هذه الحرب باتت قدرًا محتومًا وأنها ستستهدف العاصمة، بيروت، وليس جنوب البلاد وحسب. ما يجعل احتمال اتساع الحرب أكثر ارتفاعًا اليوم كان التصعيد الملموس الذي شهدته حالة الاشتباك الحدودي وتبادل القصف بين حزب الله والجيش الإسرائيلي خلال النصف الأول من يونيو/حزيران 2024.
كانت الاشتباكات بين الطرفين قد اندلعت مباشرة بعد أن بدأت إسرائيل حربها على قطاع غزة، في أكتوبر/تشرين الأول 2023. اقتصرت هذه الاشتباكات طوال الأشهر التالية لهجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 على قيام حزب الله باستهداف مواقع عسكرية إسرائيلية حدودية بقصف صاروخي أو مدفعي، ورد الجانب الإسرائيلي بقصف مكافئ أو أشد قليلًا. ولكن، وعلى الرغم من أن حسابات الطرفين جعلت مصلحتهما في تفادي الحرب الشاملة وحصر المواجهة في ساحة محدودة بالمنطقة جنوب الليطاني، في الجانب اللبناني، وشريط صغير في الجانب الإسرائيلي، إلا أن الإسرائيليين تجاوزوا هذه الساحة أكثر من مرة. هاجم الإسرائيليون أهدافًا شمال الليطاني، وحتى في منطقة البقاع، واستهدفوا بالاغتيال قيادات بارزة من حزب الله أو جماعات المقاومة الأخرى في لبنان.
في 11 يونيو/حزيران، اغتالت إسرائيل القيادي المخضرم في حزب الله، طالب سامي عبد الله، وثلاثة آخرين من رفاقه، أثناء اجتماع لهم بقرية جويا في جنوب لبنان. طبقًا لأرقام حزب الله، قتلت إسرائيل ما لا يقل عن 350 عنصرًا من مقاتلي الحزب منذ بداية الحرب على غزة واندلاع الاشتباكات في جنوب لبنان؛ ولكن طالب كان بالتأكيد أرفع مسؤول عسكري في الحزب تنجح إسرائيل في اغتياله. ولأن حسابات الحزب قامت على مواجهة التصعيد بتصعيد مماثل، أطلقت وحدات حزب الله في الجنوب على يومين متتاليين مئات الصواريخ والقذائف على أهداف إسرائيلية؛ مما أدى إلى تدمير واسع في بلدات ومواقع عسكرية إسرائيلية شمالية، وإلى إشعال النار في مئات الكيلومترات المربعة.
وكما كان متوقعًا، ولَّد التصعيد المتبادل مزيدًا من التصعيد. قام المبعوث الرئاسي الأميركي، آموس هوكشتاين، بزيارة مكوكية لإسرائيل ولبنان، يومي 17 و18 يونيو/حزيران، ذكرت مصادر لبنانية أنه وجَّه خلالها إنذارًا مباشرًا لرئيس الحكومة اللبنانية بأن الولايات المتحدة ستطوي معارضتها لحرب إسرائيلية على لبنان، وأن الإسرائيليين يتحضرون فعلًا لهذه الحرب ما لم يبدأ حزب الله سحب قواته من جنوب الليطاني. في 22 يونيو/حزيران، سرَّبت مصادر أميركية رسمية خبرًا لوسائل الإعلام يفيد بأن الولايات المتحدة ستشارك في الدفاع عن إسرائيل في حال نشوب حرب شاملة على الجبهة اللبنانية، بدون أن تنشر قوات أميركية في المنطقة.
في داخل إسرائيل، اتهمت قيادات معارضة رئيس الحكومة، نتنياهو، بالفشل في حماية أهالي المنطقة الحدودية الشمالية، والعجز عن تأمين عودتهم إلى بلداتهم وقراهم وحياتهم الطبيعية. وكان لافتًا أن يعلن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وسط الحراك الدبلوماسي المتصاعد لاحتواء التصعيد، وبعد اجتماعه بقيادات الجيش في الجبهة الشمالية، أنه صادق فعلًا على خطة حرب لردع حزب الله وتأمين الحدود الشمالية.
فهل بات اندلاع حرب أخرى على لبنان أمرًا حتميًّا ووشيكًا؟ وهل هناك مصلحة ما لأي من طرفيها، أو لكليهما، في اندلاع هذه الحرب؟ أم أن تدحرج الوضع نحو الحرب خرج بالفعل عن إرادة الطرفين؟
حزب الله: صدام محدود
ليس ثمة دليل على أن عملية “طوفان الأقصى” التي تعهدتها قوات عز الدين القسام التابعة لحماس، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قد أُنجزت بالاتفاق والتنسيق المسبقين مع حزب الله. حتى إدارة بايدن ترى أن الحزب لم تكن له صلة مباشرة بالعملية. الحقيقة، أن حزب الله، الذي تربطه علاقات وثيقة بإيران، ولا يخرج عادة عن الإطار الاستراتيجي الإيراني، كان ينتهج سياسة تهدئة خلال الأشهر السابقة على “طوفان الأقصى”، نظرًا لأن التهدئة كانت السمة الأبرز للسياسة الإيرانية في الإقليم، وعلى مستوى العلاقات الإيرانية-الأميركية. وربما لم تكن قيادة الحزب سعيدة ولا مرحِّبة بخطوة التصعيد التي قامت بها حماس في “طوفان الأقصى”. كما لابد أن الحزب فوجئ بحجم وبشاعة الرد الإسرائيلي على خطوة حماس.
بيد أن الحزب، كما إيران، معني بنفوذهما في الإقليم، وبالحفاظ على صورتهما باعتبارهما طليعة القوى المقاومة لإسرائيل. وللحفاظ على هذا النفوذ وعلى هذه الصورة، اختار الحزب الانخراط في الدفاع عن حلفائه في قطاع غزة بالمشاركة المحدودة في الحرب، المشاركة المحدودة بسقف يعزز من موقعه المقاوم، ولا تدفع نحو اندلاع حرب شاملة على لبنان. وكانت هذه هي المقاربة التي اتبعها الحزب طوال الشهور السابقة من الحرب على غزة، مؤكدًا في الوقت نفسه أن ما يقوم به هو جهد مساند للمقاومين في قطاع غزة، وأنه لا يعمل ولا يسعى إلى توسيع نطاق ومستوى الاشتباك، وأنه سيقوم فورًا بوقف نشاطاته العسكرية بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في القطاع.
ولكن مقاربة الحزب المنضبطة، على أية حال، لم تكن بلا عواقب. في الجانب اللبناني، أدى القصف الإسرائيلي إلى نزوح ما لا يقل عن 150 ألفًا من سكان جنوب لبنان إلى مناطق أبعد قليلًا في العمق اللبناني، وإلى تدمير واسع النطاق في قرى لبنانية حدودية. وفي الجانب الإسرائيلي، يعتقد أن ما يزيد عن مئة ألف من سكان مناطق الحدود الشمالية قد أخلوا بلداتهم وقراهم منذ أكتوبر/تشرين الماضي، وأن دمارًا أُوقِع أيضًا ببلدات إسرائيلية حدودية، كما بمواقع ومعسكرات عسكرية إسرائيلية، بعضها ذو أهمية رقابية بالغة.
طوال الشهور السبعة الأولى للحرب، كان الجانب الإسرائيلي هو الذي اختار التصعيد، سواء بتوسيع نطاق المواجهة إلى ما هو أبعد من نهر الليطاني، أو بتعهد اغتيالات لقادة بارزين من الحزب، لم تتوقف حتى بعد اغتيال طالب عبد الله. ولأن وساطات فرنسية وأميركية سرعان ما انطلقت لاحتواء الموقف على الجبهة اللبنانية ومنع اندلاع حرب شاملة، حسب الإسرائيليون أن إيقاع خسائر مؤلمة بالحزب وحاضنته الشعبية سيدفعه إلى سحب قواته من جنوب الليطاني، المطلب الرئيسي للجانب الإسرائيلي. ولكن الضربات الإسرائيلية التصعيدية لم تؤد إلى ردع الحزب، ولا إلى نجاح الوساطات.
في اليوم التالي على الإنذار الذي وجهه المبعوث الرئاسي الأميركي للحكومة اللبنانية، نشر حزب الله شريطًا مصورًا، بالغ الوضوح والدقة، لميناء حيفا والمواقع العسكرية وشبه العسكرية الإسرائيلية في الميناء وجواره، ذكرت مصادر الحزب أن ما قام به كان بطائرة مسيرة للحزب. وكان واضحًا أن الحزب أراد أن يُظهر للإسرائيليين وحلفائهم من القوى الغربية أن منظومات الدفاع الإسرائيلية ليست ضمانة لمواجهة مقدرات الحزب. ولم يكن أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، أقل وضوحًا في اليوم الذي تلا نشر الشريط، عندما قال في كلمة ألقاها في تأبين طالب عبد الله: إن مقدرات الحزب العسكرية أكبر بكثير مما يحسبه الإسرائيليون، وإن الحزب في حال اندلاع حرب شاملة سيقاتل بلا سقف ولا قيود. ولم يلبث عدد من المعلقين اللبنانيين المعروفين بقربهم من الحزب أن أعادوا في وسائل إعلام مختلفة التوكيد على حجم مقدرات الحزب، وتفوقه التقني، وقدرته على إيقاع تدمير بالغ وواسع النطاق بدولة إسرائيل.
ما يعنيه هذا كله أن حزب الله لم يزل عند موقفه الأول من الحرب على غزة؛ لم يزل الحزب يرى أن اشتباكه مع إسرائيل يقع ضمن خانة مساندة غزة، وليس السعي إلى حرب أوسع على الجبهة اللبنانية. وفي مواجهة التهديدات بالحرب الشاملة، سواء تلك القادمة من الوسطاء الغربيين أو من المسؤولين الإسرائيليين، يرسل الحزب رسائل متتالية لكافة المعنيين تفيد بأن حربًا إسرائيلية أخرى على لبنان ستكون باهظة التكاليف للإسرائيليين. المشكلة في كل هذا، أن إسرائيل دولة لا تعرف ولا تستطيع التعايش مع التهديد الجاد في جوارها؛ وكلما تأكدت جدية وثقل التهديد الذي يمثله حزب الله لإسرائيل ازدادت احتمالات الحرب.
الموقف الإسرائيلي: توقيت الصدام الشامل
تصاعد التهديد الذي بات يمثله حزب الله، وجدية هذا التهديد الملموسة يوميًّا في الشمال الإسرائيلي، يدفع نحو توافق في أوساط الطبقة السياسية والأمنية الإسرائيلية على ضرورة التعامل مع الحزب بصورة أو أخرى، وآجلًا أو عاجلًا. خلال الشهور الأولى من الحرب على غزة، حسبت القيادة الإسرائيلية أن حشد ثلاث فرق على الجبهة اللبنانية وتعهد ردود قاسية ومؤلمة على هجمات حزب الله، وصور الدمار التي بات يراها قادة الحزب لمدن قطاع غزة وبلداته، ستسهم في الضغط على الحزب للتعامل الإيجابي مع الوسطاء الأميركيين والفرنسيين، ومن ثم الانسحاب إلى شمال الليطاني. ولكن لا الهجمات الجوية وعمليات الاغتيال، ولا جهود الوسطاء، نجحت في تليين موقف الحزب وإيقاف هجماته.
ما حدث، أن الحزب أظهر تصميمًا لا يلين على ربط الوضع على الحدود اللبنانية-الإسرائيلية بالوضع في قطاع غزة، وحسًّا إستراتيجيًّا باستهدافه مراكز الرقابة والرصد في شمال إسرائيل، وقدرات عسكرية وتقنية عالية كافية لإيقاع الأذى بمواقع وأهداف إسرائيلية حيوية، مدنية وعسكرية. وعلى الرغم من أن من الصعب على الإسرائيليين تقدير ما إن كان لدى الحزب وسائل تؤهله لاستهداف وسط وجنوب إسرائيل، وبأية درجة من الدقة، فما بات معروفًا للإسرائيليين هو بالتأكيد كاف للتوصل إلى قناعة بضرورة مواجهة الخطر الذي يمثله الحزب. ولكن إسرائيل، وكما في معظم منعطفات هذه الحرب، تبدو منقسمة حول طبيعة وكيفية وتوقيت المواجهة مع الحزب.
ثمة أصوات في أوساط المعارضة الإسرائيلية، وبين قيادات عسكرية وأمنية متقاعدة، ورؤساء حكومة سابقين (لا يستبعد أن تكون صدى لدوائر في قيادة الجيش وفي المؤسسة الأمنية)، تقول: إن من الضروري الآن تجنب إشعال حرب شاملة مع لبنان. يدعو هؤلاء إلى التوصل لاتفاق لإنهاء الحرب في غزة، يفضي بالضرورة إلى إحلال السلام في الشمال الإسرائيلي، وانتظار ظروف إقليمية ودولية أفضل لحسم تحدي حزب الله. يفترض هؤلاء أن حالة حزب الله، كما هي حالة حماس، تستدعي إيقاع الهزيمة ليس بالمسلحين وحسب، ولكن أيضًا بالحاضنة الشعبية لهم، وهذا ما سينجم عنه خسائر فادحة بالمدنيين اللبنانيين ودمار واسع النطاق في الجنوب اللبناني وبيروت والبقاع. وإن كانت الحرب على غزة أدت إلى تحول واسع النطاق في الرأي العام العالمي، وفي المؤسسات الحقوقية والعدلية الدولية، ضد إسرائيل، فإن حربًا أخرى على لبنان ستزيد من عزلة إسرائيل وتقويض وضعها الدولي.
تشتد حاجة إسرائيل في الوقت الحالي لترميم وضعها الدولي لمنع إيران من التقدم نحول امتلاك السلاح النووي، أو على الأقل القدرة على امتلاك هذا السلاح خلال فترة قصيرة. فبعد الانتقادات التي وجهتها وكالة الطاقة الذرية الدولية في تقريرها الأخير لإيران، وذهاب الإيرانيين إلى تشغيل أعداد إضافية كبيرة من أجهزة الطرد المركزي في محطتي بوردو ونطنز، جعلتهم يرفعون إانتاجهم من اليورانيوم المخصب بكميات ومستويات تخصيب تكاد تكون كافية لإنتاج قنابل نووية. وهذا ما يستدعي جهودًا دولية حثيثة، ووضعًا دوليًّا أفضل لإسرائيل، لمنع تحول إيران إلى دولة حافة نووية. بدون ذلك، يقول هؤلاء، سيكون على إسرائيل نفسها خوض حرب ليست مضمونة العواقب والنتائج مع إيران.
ويشير دعاة تأجيل الحرب، أيضًا، إلى أن الجيش الإسرائيلي، الذي أنهكته الحرب في غزة وأظهرت الكثير من جوانب ضعفه، ليس جاهزًا بعد لحرب على حزب الله، الذي تفوق قدراته بكثير تلك التي واجهها الجيش في غزة. كما أن من الصعب التيقن، في ظل الانتخابات الأميركية، من مشاركة الولايات المتحدة في الدفاع عن إسرائيل، سيما إن اتسع نطاق الحرب مع حزب الله إلى ساحات أخرى، مثل سوريا والعراق وإيران. بعد ذلك كله، وحتى إن نجح الجيش الإسرائيلي في تدمير بنية الحزب التحتية في جنوب لبنان ودفعه إلى شمال الليطاني، فليس من الواضح بروز قوة محلية أو دولية قادرة على التحكم في جنوب لبنان ومنع حزب الله من الاقتراب مجددًا من الحدود مع إسرائيل. ففي ظل الانقسام السياسي اللبناني الداخلي وضعف الحكومة اللبنانية، يبدو من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، فرض سيادة رسمية لبنانية على الجنوب. كما أن الانقسام الدولي والتدافع بين القوى الكبرى سيحبط أية مساع أممية لتشكيل قوة دولية تكفل الحفاظ على الأمن في الجنوب وتمنع عودة قوات الحزب إليه.
في الجانب الآخر، يقول دعاة الحرب العاجلة: إن اتفاقًا كاملًا ووقفًا نهائيًّا لإطلاق النار في غزة لم يزل بعيدًا، وإن إسرائيل، لا على مستوى أمن الدولة، ولا مستوى أمن مواطنيها، تستطيع تأجيل التعامل مع الخطر الذي يمثله حزب الله. ويؤكد هؤلاء أن الجيش الإسرائيلي بمجرد الانتقال إلى المرحلة الثالثة للحرب في غزة سيكون قادرًا على حشد ما تتطلبه عملية عسكرية في لبنان، وأن لدى الجيش من الإمكانيات والوسائل ما يضمن تفوقه، وما يكفي لإيقاع الهزيمة بالحزب وتلقين قاعدته الشعبية وعموم اللبنانيين الدرس الضروري لترسيخ هدوء مديد على الجبهة اللبنانية.
ويقول أنصار الحرب أيضًا: إن على إسرائيل، عندما يتعلق الأمر بمسائل وجودية، ألا تكترث كثيرًا بالرأي العام الدولي، طالما ضمنت استمرار الدعم والتأييد الأميركيين؛ وإنهم واثقون من أن الولايات المتحدة ستقوم بما يتطلبه الموقف للمشاركة في الدفاع عن إسرائيل إن نشبت حرب شاملة مع حزب الله، على الرغم من التوتر الطارئ في علاقة نتنياهو مع إدارة بايدن. لا يجادل هؤلاء في مدى تقدم إيران نحو امتلاك القدرة النووية، ولكنهم يرون أن المخاطر التي تهدد إسرائيل من إيران النووية تستدعي تعاملًا أسرع مع حزب الله، الذي هو في الحقيقة أحد أذرع إيران الإقليمية. حسْم التحدي الذي يمثله الحزب، من وجهة نظرهم، يعني توفير مناخ أفضل لإسرائيل لمنع إيران من التحول إلى قوة نووية.
إضافة إلى هذا كله، ليس من المستبعد أن يرى رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، في حرب أخرى أوسع نطاقًا على لبنان وحزب الله مصلحة سياسية له، تصب لصالح بقائه في موقعه وتعمل على تماسك تحالفه الحكومي مع اليمين الديني الصهيوني.
استعدادات غير مكتملة
في ظل الظروف الحالية، لم يعد من الممكن تجاهل القوى الدافعة نحو حرب أوسع على لبنان. بكلمة أخرى، باتت الحرب الشاملة محتملة بالتأكيد، وإن لم تصبح مرجحة بعد. الفرق العسكرية الثلاث المحتشدة على الجبهة اللبنانية منذ بداية الحرب على غزة لا تكفي لتعهد عملية عسكرية كبرى في الجنوب اللبناني، تستهدف إيقاع الهزيمة بحزب الله وقاعدته الشعبية، وتدمير مواقع الحزب وطرده إلى شمال الليطاني. تحتاج إسرائيل حشد ما لا يقل عن 7-8 فرق للقيام بهذه العملية، وتحتاج إلى إعادة ضبط العلاقة مع واشنطن، سواء على المستوى السياسي، أو رفع معدل الإمدادات العسكرية، والاتفاق على مدى المشاركة الأميركية في حال اندلعت المواجهة مع الحزب وحلفائه في الإقليم.
تقدر القيادة الإسرائيلية أن وتيرة الحرب في غزة ستنخفض نسبيًّا خلال أسابيع قليلة؛ مما سيسمح بتعهد عملية أكبر في لبنان في أغسطس/آب أو سبتمبر/أيلول القادمين. ولكن إسرائيل، على أية حال، فقدت عنصر المفاجأة، مما سيوفر لحزب الله فرصة الاستعداد وضبط مستوى العمليات الحالية وانتشار القوات استعدادًا لحرب أوسع. وعلى الرغم من كفاءة أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلي، فمن الواضح أن الحزب، الذي يستمر في استهداف مراكز الرقابة والرصد في شمال إسرائيل، قادر على استغلال فجواتٍ ما في جدار الدفاعات الإسرائيلية للوصول إلى أهداف إسرائيلية عسكرية ومدنية حيوية. بمعنى، أن الحرب على لبنان، مهما كان حجم التفوق الإسرائيلي، يصعب توقع مسارها ومداها الزمني وعواقبها.
أحد أهم، وأخطر، ما يمكن أن ينجم عن حرب إسرائيلية على لبنان هو بالتأكيد توسع نطاقها الإقليمي، وامتدادها من ثم إلى سوريا، والعراق، واليمن، وربما الأردن، بل وحتى إيران. وإلى جانب استمرار الحرب في غزة بصورة من الصور، فإن حربًا على لبنان يمكن أن تشعل الشرق الأوسط برمته، وتستمر لزمن أطول بكثير مما خطط لها. ولأن مثل هذه العواقب تتعارض مع مصالح وانشغالات الولايات المتحدة في الإقليم والساحة الدولية، فقد تتحرك إدارة بايدن لمنع الحرب قبل نشوبها. ولكن نجاح هذا المسعى لن يكون ممكنًا بدون ضغوط فعلية وملموسة على نتنياهو وحكومته؛ الأمر الذي يصعب الاطمئنان له بعد الإخفاقات الأميركية السياسية المتكررة في غزة.
مركز الجزيرة للدراسات
إسرائيل وحزب الله: احتمالات الحرب الشاملة
|
قرار وقف المواجهة بين حزب الله وإسرائيل ليس بيد أطرافها لارتباط المواجهة بالحرب على غزة، وفي الوقت الذي يسعى حزب الله لاستمرارها دون توسعها بانتظار وقف الحرب على غزة، فإن إسرائيل تسعى إلى توسعتها بهدف إيقافها.
مقدمة
إن المواجهة الحالية بين حزب الله وإسرائيل والتي بدأت منذ الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تنطبق عليها أوصاف الحرب الحدودية إلى حدٍّ بعيد، فمعظم البلدات الحدودية على الضفتين وعلى بعد بضعة كيلومترات من الحدود خالية من السكان أو تكاد تخلو ويقتصر الوجود الأساسي على العسكريين والمقاتلين، وتتعرض لقصف متواصل وتشهد دمارًا خاصة على الجانب اللبناني، بما يذكِّر بحرب يوليو/تموز عام 2006. وقد زادت المواجهات مؤخرًا، كثافةً وحدَّةً واتسعت مساحتها، وأعلن مؤخرًا مسؤولون إسرائيليون استعدادهم لشن هجوم خاطف على لبنان، كما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أنه يستعد لعملية ضد لبنان بعد أن يستكمل المعركة في رفح، في حين أعلن الوسطاء عن فشلهم في التوصل لاتفاق على الجبهة اللبنانية يشمل وقف إطلاق نار دون وقفها باتفاق على جبهة غزة.
يراجع التعليق المواجهة الإسرائيلية-اللبنانية في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة، ويتناول نقطتين أساسيتين: طبيعة المواجهة القائمة وتوصيفها وإذا ما كانت ستُفضي أو تتحول في مرحلة ما إلى مواجهة شاملة بين الطرفين.
توصيف المواجهة
من طبيعة هذه المواجهة أنها تتسع سواء بسبب الفعل أو رد الفعل، لكنها أيضًا منضبطة بكوابح وحسابات من قبل أطرافها أنفسهم.
بدأت المواجهة الحالية بمبادرة من حزب الله في منطقة مزارع شبعا منذ الثامن من أكتوبر/تشرين الأول وامتدت على كامل الشريط الحدودي مع “إسرائيل”، وعمل حزب الله، ولو على تراخ، على إخلاء القرى الأمامية وغالبها حاليًّا إما خالية أو شبه خالية. من الواضح ابتداء أن حزب الله لم يكن يريد لهذه المواجهة أن تتسع ويريد حصرها بالشريط الحدودي وبمستوى منخفض ما استطاع، مع الحفاظ على استمرارها ما دامت الحرب على غزة مستمرة، وأكد أنه ينفذ عملياته إسنادًا للمقاومة في غزة، واستباقيًّا كي لا تفكر إسرائيل بعد غزة بالحرب على لبنان.
أما إسرائيل فهي على الأغلب المبادر إلى توسيع المواجهة منهجيًّا، لإجبار حزب الله على إيقاف عملياته والانسحاب إلى ما قبل نهر الليطاني تنفيذًا للقرار 1701، الذي صدر في أعقاب حرب 2006. في حين تقوم عدة دول بدور الوساطة أو نقل رسائل التهديد إلى السلطات اللبنانية وإلى حزب الله لوقف عملياته وإبرام اتفاق مع إسرائيل، منها أميركا التي يعمل مبعوثها الخاص إلى لبنان، آموس هوكستين، على اقتراح اتفاق لوقف إطلاق النار يتضمن ترسيم الحدود اللبنانية-الإسرائيلية وتراجع مقاتلي حزب الله عن الحدود إلى ما وراء نهر الليطاني، لتجنب حرب إسرائيلية واسعة على لبنان، إلا أن حزب الله لا يزال يلتزم القول: إن المواجهة ستتوقف بمجرد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار في غزة، وحينها يمكن البحث بأي أمر آخر.
وقد اتسعت مساحة المواجهات المكثفة لتشمل كل الخط الحدودي مع لبنان، ثم ازدادت عمقًا لتشمل بلدات عدة تقترب من الساحل الجنوبي اللبناني، لاسيما من بلدة صور الساحلية، ولا تزال تتمدد. أما الاستهداف بالمسيرات لاغتيال مسؤولين أو أعضاء من حزب الله أو من المقاومين، فتكاد لا تعرف الحدود. بالمقابل، لم يتردد حزب الله في استهداف الجليل الأعلى حتى إن نيرانه وصلت في بعض المرات إلى صفد، كما أن مسيَّراته باتت تخرق الأجواء الإسرائيلية.
دوافع إسرائيل للحرب
إن لإسرائيل دوافع سابقة على معركة “طوفان الأقصى” لخوض حرب ضد حزب الله وكانت محل نقاش إسرائيلي مستمر، وجاءت تطورات ما بعد الطوفان لتحفز على ذلك.
أولًا: دوافع لأسباب تتصل بحرب 2006: فقد كانت إسرائيل تهدف من تلك الحرب إلى القضاء على حزب الله ولجم تعاظم دوره في لبنان، إلا أن الحرب انتهت وفق القرار الأممي رقم 1701، أي إلى “وقف كامل للعمليات القتالية في لبنان” واستمر دور حزب الله. ومما نصَّ عليه القرار الأممي إنشاء منطقة على الحدود اللبنانية خالية من المسلحين ومنزوعة السلاح تمتد إلى نهر الليطاني، وكانت إسرائيل تأمل من ذلك لأن يحد من وجود وحركة حزب الله في المنطقة الحدودية، إلا أن دوره تعزز بدلًا من ذلك.
ثانيًا: بسبب ترسخ دور حلفاء إيران على حدودها وتهديدهم مصالحها: تعتبر إسرائيل حزب الله الفاعل الأساس من حلفاء إيران في الإقليم، ويشارك بدور رئيسي وريادي في معركة مساندة غزة الحالية، إلى جانب حلفاء من اليمن والعراق، وله -كما لهذه القوى- تمركز عسكري قرب الحدود السورية مع الجولان المحتل.
ثالثًا: لأسباب تتعلق بالأمن الإقليمي من المنظور الإسرائيلي: فحزب الله يقوم بدور قوة متقدمة لصالح إيران، تستخدمها طهران لردع إسرائيل عن استهدافها أو استهداف مشروعها النووي.
أما بعد طوفان الأقصى، فأهم ما يمكن التأكيد عليه، سعي إسرائيل لاستعادة قوة الردع في المنطقة، وهذا لا يمكن أن يكتمل بالحرب على غزة دون لجم الحزب على “الحدود الشمالية” لإسرائيل، وهو مطلب لشريحة واسعة من الجمهور الإسرائيلي، كما أبدى سكان المستوطنات الشمالية مرارًا فقدانهم للشعور بالأمن مع عدم إبعاد مقاتلي حزب الله عن الحدود، وهو ما تسعى إسرائيل للوصول إليه بحرب أو باتفاق.
كوابح توسعة الحرب
هناك مخاوف لدى الطرفين، حزب الله وإسرائيل، من مواجهة شاملة ومفتوحة بموازاة الحرب الإسرائيلية على غزة.
أبسطها بالنسبة لإسرائيل أنها تخوض حربًا على “تخومها” في غزة وليس هناك حتى اللحظة تأكيد بالقضاء على المقاومة أو إطفاء جذوتها، ولا تزال تواجه تحديات عدة جرَّاءها، ولديها من الانقسامات الداخلية ومن الخلافات مع الحلفاء، لاسيما واشنطن، ما يحتاج لترميم. وعلى الضفة الأخرى، لا تعرف إسرائيل المسار الذي قد تبلغه أي مواجهة مع لبنان، سواء من حيث تضرر إسرائيل وعدم التيقن من قدرتها على تحقيق أهداف أي عملية عسكرية قد تقدم عليها، لاسيما أن حزب الله منخرط في هذه المعركة تحت عنوان “وحدة الساحات” أي هو جزء من محور لا تخفي إيران تأييدها له ودعمه بكل ما يلزمه، خاصة إذا ما كان هدف الحرب حزب الله نفسه، الذي يرتبط عضويًّا بروح النظام الديني في إيران وليس بحلفه السياسي فحسب.
كما أن حزب الله قد راكم خلال فترة حرب الإشغال في هذه الأشهر التسعة على الأقل، قدرات لا يمكن الجزم بإحاطة إسرائيل بها، وقد ظهرت عينات منها في الحرب السابقة، عام 2006، كالقوة الصاروخية ولكن بتطور أكبر، أو الجديدة منها كما الشأن مع المسيرات وقدرتها على الانقضاض أو الوصول لأهداف داخل إسرائيل، حتى إن حزب الله نشر صورًا للعمق الإسرائيلي ومواقع حساسة مع إحداثياتها المحددة، جاءت بها إحدى طائراته المسيرة.
بالنسبة لحزب الله، فهو لا يريد توسعة الحرب حتمًا، وانخرط في المواجهة ويريدها محدودة وضمن إستراتيجية “وحدة الساحات” ليوقف الحرب على غزة، وليحول دون أن تنتصر إسرائيل فيها انتصارًا واضحًا يعزز قدرتها على شن حرب شاملة على لبنان أو بالأحرى على الحزب نفسه لاسيما أن لبنان يعاني من أزمة اقتصادية وسياسية حادة. كما يضطلع حزب الله بدور متقدم في الشأن اللبناني وحتى في الإقليم مما يجب أخذه بالحسبان في أي مواجهة، فهو ليس “مقاومة” لبنانية فقط، هو أيضا فاعل أساسي في الإقليم وفي محور “إيران”، ومدى مصالح هذا المحور أوسع من غزة وإن كانت جزءًا منه.
ويبدو الطرفان، حزب الله وإسرائيل، أن كلًّا منهما يهيئ نفسه في سياق هذه الحرب، لاحتمال استمرارها لفترة طويلة لتلاقي استحقاقات أخرى مثل الانتخابات الأميركية المقبلة، أو لاحتمال أن تنزلق لتصبح شاملة كما كان شأنها عام 2006، وحينها ستكون عنيفة وبلا حدود بشكل غير مسبوق، فالطرفان مستمران في الحشد والتعبئة ومراكمة الطاقات والاستعدادات اللوجستية لهذه الاحتمالات مع محاولة كل منهما فهم وتقدير قوة خصمه في هذه الأثناء، هذا من جهة.
أما من جهة أخرى، فكلا الطرفين لا يريد أن تتكرس معادلة لصالح الطرف الآخر ولو في مواجهة محدودة، فيلجأ للرد على الرد بأقوى منه أو بما يعادله، حتى لو اضطر لإدخال عناصر جديدة في المواجهة ما يعني اتساع دوائر الحرب لتشمل مساحات جغرافية أوسع واستعمال أسلحة أشد؛ ما ينذر بحتمية الوصول في نهاية المطاف إلى مواجهة مفتوحة في حال عدم التوصل إلى وقف لإطلاق نار قريب في غزة، بغض النظر عما تريده الأطراف نفسها.
لهذا مع كل توسع جديد للمواجهات تتدخل أطراف الوساطة لتفادي الوصول إلى حرب مفتوحة، ومنهم أميركا والأوروبيون، وليضعوا حدودًا جديدة تضبط الجبهة اللبنانية بانتظار اتضاح غبار الحرب في غزة وكسبًا لمزيد من الوقت.
لكن هذه الآلية لا تزال ناشطة لاسيما أن إسرائيل باتت أكثر وضوحًا في توسعتها للحرب منهجيًّا في جنوب لبنان، وهو ما يقابله حزب الله باستهداف عمق الشمال الإسرائيلي، مع سعيه لوضع معادلة في السياق تكبح الاندفاع الإسرائيلي، من ذلك تهديده بإدخال مناطق إسرائيلية حيوية ضمن المواجهة الحالية إذا ما استمرت إسرائيل في نهجها هذا، من ذلك مثلًا أنه هدد بأن إدخال مدينة صور في دائرة المواجهة سيقابله الحزب بإدخال حيفا فيها، ورد الطرف الإسرائيلي بأن حيفا ستكون بمقابل بيروت، وهكذا دواليك، تصنع الحرب توازناتها مع كل اتساع.
سيناريوهات المواجهة
يمكن الوقوف على ثلاثة أساسية منها بالجملة:
الأول (وهو ما تسعى إليه إسرائيل): توسعة المواجهة لتشمل معظم الجنوب اللبناني وخطه الساحلي دون بيروت وضواحيها، مع الاستمرار في سياسة الاغتيالات بالمسيرات في عموم الأراضي اللبنانية؛ وهو الأمر الذي من شأنه أن يضع ضغوطًا على حزب الله وتأليب حاضنته ضده أو معاقبتها. وفق هذا السيناريو، من المفترض أن يكتفي حزب الله بالتوسع في استهداف الجليل وبقية المناطق الحدودية بعمق أكبر بقصد الرد والردع دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة شاملة، لتفادي تعرض لبنان أو مناطق حاضنته لدمار أعظم، أو لحسابات تتعلق بالإقليم، كأن تتدخل الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل. ومثل هذه التوسعة ستعاني منها إسرائيل وستدفع كلفة أكبر لكنها نظريًّا ومن منظورها قد تتيح لها تحقيق بعض أهم أهدافها، منها تحطيم قدرات حزب الله على الحدود، وتحجيم قوته بشكل عام وإجباره لاحقًا على الإذعان لشروطها بسحب مقاتليه إلى ما وراء نهر الليطاني، وربما فصل جبهة الجنوب اللبناني عن غزة.
الثاني: تحول المواجهة إلى مفتوحة، وهو ما يهدد به حزب الله للجم إسرائيل ومنعها من توسعة الحرب بلا حساب كلفتها، فهو يؤكد لإسرائيل أنها قد تملك المبادرة على توسعة الحرب وهو ما تفعله من حين إلى آخر، لكنها لا تملك بالضرورة القدرة على إيقافها أو ضبطها، وهذا ما جعلها حذرة في كل توسعة أو تصعيد إضافي حتى اللحظة. ولا شك أن الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا ترغب فيه إسرائيل، لأن ذلك قد يعرضها إلى صدمة أخرى قد تقترب من تلك التي عرفتها في “طوفان الأقصى”، خاصة أن حسابات الحرب المفتوحة مع حزب الله أكثر تعقيدًا من تلك التي مع غزة، وقد تعني بدورها الانزلاق إلى حرب إقليمية أوسع تشارك فيها قوى أخرى وجبهات أخرى، وحتى إيران نفسها. وعلى العموم، قد تنتهي الحرب إلى شاملة ومفتوحة نتيجة لتطور الحرب نفسها، أو نتيجة الخطأ في الحسابات خاصة إذا ما اعتقدت إسرائيل أنها تملك القدرة على فرض وقف الحرب كما تملك القدرة على مباشرتها.
الثالث: استمرار المواجهة بالتوازي مع استمرار الحرب في غزة، وقد تشهد مزيدًا من التصعيد لكن لا يخرج عن إطار الاحتواء والتراجع لتنخفض حدته مجددًا، وقد تتراجع المواجهة إلى الحد الأدنى لاسيما إذا ما أعلنت إسرائيل انتهاء عملياتها الأساسية هناك ولو لم يحصل اتفاق على وقف لإطلاق النار. هذا السيناريو تعايش معه حزب الله رغم أنه دفع ثمنًا عاليًا من مقاتليه دون وجود أفق واضح لانتهاء الحرب، فالخسائر في المقاتلين في هذا الشكل من المواجهة أكثر من المدنيين. أما إسرائيل فأعلنت عدم قبولها بهذه المواجهة وتأبى التعايش معها، والأرجح أنها تفكر بتوسعتها جنوبًا دون أن تكون مفتوحة، ولكن هذا السلوك مع وجود نتنياهو في القيادة، يزيد جدًّا من مخاطر الحرب الشاملة.
بالعموم، إن سيناريوهات هذه الحرب تبدو معقدة وصعبة، لأن قرار إطلاق شراراتها كان سببه المباشر من خارجها من غزة، ويبدو قرار وقفها أيضًا ليس بيد أطرافها إلى حدٍّ كبير حتى اللحظة على الأقل، والبحث هو في قرار تصعيدها أو ضبطها، أما وقفها فهو في غزة.
خاتمة
شهدت هذه المواجهة تطورات لم تعرفها سابقاتها، ولها أهمية في توصيفها، فهي أطول مواجهة من حيث مدتها، وتجري دفعة واحدة على طول الحدود، وتشهد استعمال أسلحة وتكتيكات تختلف جذريًّا عن كل ما سبقها، والأهم أن قرار وقفها ليس بالكامل بيد أطرافها لارتباط المواجهة بالحرب على غزة. وعلى الصعيد اللبناني، بخلاف المواجهات السابقة فإن الخسائر بالمقاتلين أكثر من المدنيين، ولأول مرة منذ الطائف يشارك فلسطينيون في مواجهات عبر الحدود اللبنانية ولو لمدة وجيزة، ولا شيء يمنع من انخراط قوى أخرى ومن جنسيات مختلفة في هذه المواجهة وإن كان حزب الله يؤكد عدم حاجته لأي مساعدة على هذا الصعيد. بالمقابل، لأول مرة تخلي إسرائيل مستوطنات بالشمال خشية من تكرر سيناريو السابع من أكتوبر/تشرين الأول فيها، ولأول مرة تعرف إسرائيل نازحين بهذه الكيفية من الحدود الشمالية، كما لأول مرة تخوض إسرائيل مواجهات متعددة بهذا الاتساع، لاسيما بعد تمدد “حلفاء” إيران في المنطقة.
وأي سيناريو ستشهده هذه المواجهة، لن يكون شبيهًا بأي مواجهة سابقة، سواء كانت محدودة أو شاملة وواسعة، ومهما كانت نتيجة الحرب الحالية، فإنها ستطلق وربما أطلقت دينامية جديدة، لحرب مقبلة بين حزب الله وإسرائيل، لأنها كشفت عن تعزز قوة حزب الله وتعاظم دوره المحلي والإقليمي، في الوقت الذي تهشمت به قوة الردع الإسرائيلي.
شفيق شقير
مركز الجزيرة للدراسات
التايمز: فتح إسرائيل جبهة حرب جديدة مع لبنان سيكشف عن محدودية جيشها ويضعف اقتصادها
|
نشرت صحيفة “التايمز” مقال رأي للمعلق روجر بويز، قال فيه إن أي حرب مع حزب الله ستفحص محدودية الجيش الإسرائيلي الذي أجهدته الحرب في غزة، وستترك أثرها على الاقتصاد والتحالفات الدولية.
وجاء في مقالته إن “وحدات حزب الله لبست العصابة الحمراء، كالتزام في الحرب الشاملة ضد العدو. وتتفاخر حسابات التواصل الإجتماعي بوجود 1,500 انتحاري جاهزين لاقتحام مرتفعات الجولان. ومنذ أيار/ مايو، دكت صواريخ الحزب التجمعات السكانية الإسرائيلية عند الحدود مع جنوب لبنان”.
ويعلق بالقول إن مسار الحرب ينحرف في الشرق الأوسط، وهناك مخاطر من توسع النزاع الإقليمي، ويزداد هذا الخطر بشكل يومي.
وفي الوقت الذي تتراجع فيه عمليات الجيش الإسرائيلي لسحق شبكات حماس في رفح، فإنه يحول نظره نحو الشمال. وهناك، على الحدود مع لبنان، تتشكل حرب قد تجذب إليها إيران التي ستنتخب رئيسها الجديد، في حرب مفتوحة وليست حربا بالوكالة هذه المرة.
وتشعر الولايات المتحدة بالقلق، حيث أرسلت مبعوثها الخاص عاموس هوكشتاين إلى بيروت وإسرائيل. وقدم قائد الجيش الإسرائيلي هيرتسي هليفي، إحاطة للدول العربية المعتدلة، وجنرال أمريكي والذين كانوا يريدون معرفة: هل اقتربت الحرب مع إيران؟ وما هي الإجراءات الأمنية الواجب وضعها معا؟
ويقول الكاتب إن الجميع على وعي بأن غزة قد تتحول إلى ثقب أسود يتحدى الحلول ويزيد من تشدد الجيران.
وقال حزب الله وبتشجيع من إيران، إنه لن يوقف الأعمال العسكرية إلا في حالة التوصل لاتفاق في غزة، مما يعني الإفراج عن الأسرى ونوعا من التصريحات التي تسمح لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإعلان انتصاره. لكن نتنياهو لم يتحدث عن مستقبل غزة بعد الحرب وكيفية حكمها.
وعبّر جنرالاته بوضوح عن معارضتهم للاحتلال العسكري في غزة والذي قد يستمر لعقد ويجفف منابع الجيش ويجمد النزاع. وتريد حماس البقاء مع أن قدراتها قد نضبت، وحتى لو لم تكن قوة حاكمة، فسيطرتها على غزة قد أُضعفت بالتأكيد، وتعتمد سلطتها الحالية على توزيع المساعدات وشرطتها بالزي المدني التي تفرض الأمن. إلا أن زعيمها يحيى السنوار لا يزال رجل إيران. وطالما ظل صامدا، فحزب الله سيواصل الضغط على الحدود الشمالية مع إسرائيل.
وقال بويز إن كل الاحتمالات تتضاءل أمام الجيش الإسرائيلي في غزة، فقواته مجهدة وجنود الاحتياط متعبون، وتحولت عملية غزة إلى أطول حرب تخوضها إسرائيل منذ إنشائها. ومن هنا، فهناك حاجة لعملية تهدف لإنعاش القوات الإسرائيلية ونشرها للقيام بعملية محدودة تضرب حزب الله وتجبره على الانسحاب من المناطق الحدودية، حيث فرّ أكثر من 60,000 إسرائيلي تقع بلداتهم في مجال صواريخ الكاتيوشا للحزب. ومن هنا، فعملية محدودة قد تعيد هؤلاء إلى مناطقهم، بحسب رأي الكاتب.
وهذه هي الطريقة التي يجب أن تتم من خلالها صياغة العملية العسكرية، إلا أنها لن تكون واقعية، فحزب الله مسلح حتى الأنياب، ومدرب جيدا ولديه قدرات عسكرية أكثر من حماس، وأسقط مسيرات “هيرمز 900” باهظة الثمن، واستخدم أسلحة مضادة للطائرات الإسرائيلية.
وبدأ زعيم الحزب حسن نصر الله، حربه بوتيرة بطيئة بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر، حتى قتلت إسرائيل الضباط الإيرانيين في دمشق، وعندها نزع القفازات، وبلغ حجم الهجمات منذ ذلك الوقت حوالي 2,100 هجوم، أي أقل من مستوى الحرب الشاملة بقليل.
ولو انتخب الإيرانيون رئيسا كان قياديا في الحرس الثوري، ومنح الضوء الأخضر لزيادة الضغط على إسرائيل، فعندها ستفتح أبواب الجحيم. ويعتبر حزب الله طليعة متقدمة للدفاع عن إيران، ومنصة انطلاق لضرب إسرائيل لو قررت ضرب المشروع النووي الإيراني. وفي حالة شعور إيران بأن الحرب بين وكيلها حزب الله وإسرائيل أضعفته، فلن يكون أمامها مجال غير رمي ثقلها والدخول مباشرة في الحرب.
وسيتم طرح ثلاثة أسئلة جيوسياسية في الأشهر الثلاثة المقبلة، الأول، لو أعقب حرب غزة اجتياح لبنان، فإن إسرائيل ستظل وسط حرب للأبد، تعمل على عسكرة المجتمع الإسرائيلي وتقطع علاقاتها مع الحلفاء المحتملين في العالم العربي. كما أن الحرب ستؤدي إلى توتير العلاقات مع الإدارة الأمريكية الحالية أو المقبلة، وكلاهما ليس لديه استراتيجية واضحة للتعامل مع طهران.
الثاني، هو ما ستكشف عنه حرب حزب الله مع الجيش الإسرائيلي الذي كان قوة مهمة في الشرق الأوسط وأصبح الآن قوة مستهلكة. فقد ظهرت صورة مدمرة للجيش الإسرائيلي وهو يستخدم منجنيقا، صمم على غرار منجنيق ما قبل عصر البارود لرمي الكرات النارية على المناطق العشبية الجافة في جنوب لبنان من أجل الكشف عن مواقع حزب الله، فهل هذه هي براعة عسكرية أم نقص في السلاح؟
وأخيرا، فالسؤال هو عن الكيفية التي سيتأثر فيها الاقتصاد الإسرائيلي وقدرته على الانتعاش وسط حروب بلا نهاية. والبعض يتذكر حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 التي قادت إلى بطء في النمو الاقتصادي وفشل في البنوك وتضخم كبير.
وختم الكاتب بالقول إن الغرب تعود عى فكرة إسرائيل كدولة باهرة في الأداء بمنطقة الشرق الأوسط، وهو سرد يقوم على كونها دولة محاربة وشركات صاعدة ومجتمع مفتوح، فماذا لو انهارت هذه النظرة؟ فتصميم إسرائيل على إبقاء إيران عند حدها مهم للغرب، إلا ان ثمن إسرائيل الضعيفة بنيويا سيكون باهظا، وهذا هو النقاش الواجب تبنيه لمنع حرب جديدة.
صحيفة التايمز
ترجمة: ابراهيم درويش
ما يفعله “حزب الله” جزء من مخطط مدروس لهزيمة إسرائيل
|
كلما تعقد وضع إسرائيل الاستراتيجي بسبب استمرار الحرب مع حماس وحزب الله، فإن إصبع الاتهام هنا يوجه أكثر نحو إيران. حرب الاستنزاف المتواصلة بدون حسم قريب ظاهر للعيان، يفسره كثيرون بأنه جزء من خطة واسعة لإيران للمس بإسرائيل. البعض مثل رئيس الحكومة السابق إيهود باراك، ووزير الدفاع السابق عضو الكنيست افيغدور ليبرمان، يذهبون أبعد من ذلك. وحسب رأيهم، فإن نية إيران هي إبادة إسرائيل، وهي تحث على تطبيق خططها إزاء ضعف الجيش الإسرائيلي كما كشف عن ذلك في الهجوم الإرهابي في غلاف غزة في 7 تشرين الأول. في الخلفية، عاد نظام طهران للمضي بالمشروع النووي، والكثير من الخبراء يصفون إيران الآن بأنها “دولة حافة” نووية.
عندما بدأ هجوم حماس المفاجئ على بلدات الغلاف، ثار شك في إسرائيل بأنها ضربة افتتاح لهجوم إيراني أوسع، سيشمل غزواً مشابهاً من قبل حزب الله من لبنان ومساعدة من مليشيات شيعية في سوريا والعراق. هذه التخوفات لم تتحقق. وبأثر رجعي، فإن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تعتقد أن رئيس حماس في القطاع، السنوار، تناقش في الواقع مع إيران وحزب الله حول إمكانية تنفيذ هذا الهجوم، ولكنه لم ينسق معهم مسبقاً طبيعته وموعده. السنوار فاجأ شركاءه ورعاته في المحور الراديكالي الإقليمي، وهؤلاء ترددوا في الانضمام إليه عندما سمعوا الأخبار من غزة. وإلى أن استوعبوا التغيير، كان الجيش الإسرائيلي قد نشر ثلاث فرق من الاحتياط على الحدود مع لبنان وسوريا، وفقد العدو أفضلية المفاجأة.
في اليوم التالي بدأ حزب الله، بتشجيع من إيران، بإطلاق الصواريخ والمسيرات الهجومية على الجليل. ومنذ ذلك الحين والحرب تجري في إطار مشابه، حتى لو كان ذلك بقوة أكبر. رئيس حزب الله، حسن نصر الله، يوضح أنه يقدم المساعدة للنضال الفلسطيني ويبقي قوات إسرائيلية في الشمال، لكنه لم يبدأ في هذه المرحلة في حرب شاملة. تقدر الاستخبارات الإسرائيلية أن إيران راضية عن سير الأمور حتى الآن. الثمن الذي دفعه حزب الله بالخسائر أمر محتمل بالنسبة له، رغم سلسلة عمليات الاغتيال لشخصيات رفيعة في الحزب وفي حرس الثورة الإيراني. حتى الآن، تتأكد طهران من أن الأمور لم تخرج تماماً عن السيطرة وتتدهور نحو حرب أوسع، التي ستشمل هجمات متبادلة في بيروت وتل أبيب.
منطق مختلف
في غضون ذلك، تستمر عملية إيرانية محسوبة في القضية النووية. سيما شاين والداد شبيط، من الشخصيات الرفيعة السابقة في جهاز الاستخبارات، كتبا هذا الأسبوع مقالاً نشر في معهد بحوث الأمن القومي بأنه “في الوقت الذي تحارب فيه إسرائيل في الجنوب والشمال، تواصل إيران التقدم بشكل مقلق وغير مسبوق نحو امتلاك السلاح النووي. بعد أن اتخذ مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة النووية قراراً يدين عدم التعاون من قبل إيران، أعلنت طهران عن زيادة عدد أجهزة الطرد المركزية في بوردو ونطنز رداً على ذلك، وهكذا عن نيتها زيادة كمية اليورانيوم المخصب. وحسب قولهما، فإنه بالكمية الحالية، تستطيع خلال شهر من القرار تخصيب اليورانيوم بمستوى عسكري وإنتاج كمية تكفي لإنتاج ثماني قنابل نووية.
شاين وشبيط، اللذان يتابعان المشروع النووي الإيراني، كتبا أن هناك إمكانية بأن “تعمل طهران الآن بمنطق مختلف عن السابق، وهي تسعى بالفعل لإنتاج السلاح النووي. لذلك، فالمطلوب بذل جهود إسرائيلية ودولية على نطاق المنظومة لمنع هذا التطور. وكي تتمكن إسرائيل من تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي الملح، فعليها السعي إلى إنهاء القتال في غزة وتهدئة الشمال والساحات الأخرى وإعادة بناء مكانتها الدولية”. يبدو أن هذه ليست مقاربة رئيس الحكومة نتنياهو، الذي رغم الانشغال المستمر له بالتهديد النووي الإيراني، يصمم الآن على مواصلة الحرب في غزة، وما زال يتردد في مسألة هل يجب أن يزيد حدة القتال ضد حزب الله.
الدكتور أريئيل لفيتا، الذي شغل في السابق نائب مدير عام لجنة الطاقة النووية، كتب في مقال مشترك مع طوفي دلتون، الذي نشر في مجلة “تيلم”، بأن “إيران تعمل علناً على تقريبها من امتلاك السلاح النووي. حتى لو كانت تمتنع في هذه الأثناء عن تجاوز هذا الحد”. وحسب قولهما، فإن شخصيات رفيعة في إيران تتصرف وتصرح وكأن إيران توصلت إلى الحافة النووية وتقول إن لديها كل التقنيات المطلوبة لذلك. وهي تهدد بالتوصل إلى السلاح النووي إذا هوجمت إيران، ويعبرون عن رضا من عملية الردع التي حققوها. لفيتا ودلتون، وهما من معهد كرنيغي الأمريكي، يعتقدان أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي سيضطرون لمواجهة جهود إيران لاستغلال قدرات الحافة النووية كذريعة لاستفزاز آخر، من هجمات بالصواريخ والمسيرات (كما قامت إسرائيل بإحباط ذلك بمساعدة أمريكية وعربية في 14 نيسان) وحتى استخدام المنظمات الإرهابية والعصابات لتنفيذ هجمات غير مباشرة.
جرأة إيران
هل تندمج جرأة إيران الجديدة في القضية النووية مع سياسة هجومية أكبر للنظام في المنطقة، لا سيما تجاه إسرائيل؟ توقع إيهود باراك الأسبوع الماضي في محادثة مع يوسي فيرتر، التي تم اقتباسها في “هآرتس”، بأنه “بعد سنة أو نصف سنة، ستشن إيران حرب استنزاف متعددة الساحات ضد إسرائيل”. والهدف، كما قال، “حرب استنزاف حتى الانهيار والتدمير”. يعتبر باراك هذه الأمور دليلاً آخر على الحاجة لإقصاء نتنياهو من مكتب رئيس الحكومة. وهو يصف خصمه القديم وشريكه السابق بأنه “شخص لا يرتبط بأي فاحص للواقع”.
رغم تحذير باراك، لم تشاهد هذا الأسبوع طوابير استثنائية لإسرائيليين في مطار بن غوريون يريدون الهرب قبل حدوث كارثة ثانية. ويجدر الانتباه إلى أقوال أحد السياسيين الإسرائيليين الأكثر خبرة. انكشف ضعف إسرائيل في 7 تشرين الأول، وربما جعل قيادة إيران تنحرف عن الحذر الدارج. ودليل ذلك يكمن في هجوم نيسان، الذي اجتازت فيه إيران خطاً لم تقترب منه من قبل. ورغم نجاح الاعتراض، فمشكوك فيه إذا كانت إسرائيل قد أقنعت إيران بدفع ثمن باهظ مقابل أي هجوم آخر، ربما العكس؛ سيعودون إلى طاولة التخطيط وسيحاولون رؤية كيف يحققون نتائج أكثر نجاعة في المرة القادمة. تقف في الخلفية تهديدات الزعيم الروحي الإيراني علي خامنئي بأن إسرائيل لن تحظى بالاحتفال بعيد استقلالها المئة. ويثور سؤال: ألا يتسلى خامنئي (85 سنة) بفكرة أنه يستطيع تسريع هذه النتيجة ويحققها حتى في حياته؟
في هذه المواجهة لاعب حاسم آخر، وهو الولايات المتحدة. في نيسان، رغم الاختلاف في الرأي مع نتنياهو، إلا أن الإدارة الأمريكية وقفت إلى جانب إسرائيل. ونشر الطائرات ومنظومات الدفاع الجوية الأمريكية ساعدت في إحباط الهجوم. عاموس هوكشتاين، مبعوث الرئيس الأمريكي، الذي يزور إسرائيل ولبنان في هذه الفترة، حذر أول أمس من تحدث معهم في البلاد بأنه إذا شنت إسرائيل حرباً شاملة ضد حزب الله في لبنان، فهو أمر قد يشعل هجوماً مضاداً واسعاً من قبل إيران. “ضم النيران الإيرانية واللبنانية قد يغرق منظومات الدفاع الإسرائيلية”، قال.
يحاول الأمريكيون الآن إطفاء النار التي اشتعلت بصورة كبيرة على الحدود بين إسرائيل ولبنان. ويتعلق قلق الإدارة الأمريكية الفوري بإمكانية اشتعال حرب بين إسرائيل وحزب الله تؤدي إلى دمار كبير في الدولتين. ولكن ثمة موضوع أوسع، وهو أن الأمر الأخير الذي يريده الرئيس الأمريكي هو الوصول إلى الانتخابات في أمريكا في تشرين الثاني (الرئيس هناك أصلاً متخلف في الاستطلاعات عن المرشح الجمهوري دونالد ترامب)، والشرق يشتعل بحرب إقليمية تشمل إيران أيضاً وتزيد أسعار الوقود للسائقين الأمريكيين.
عاموس هرئيل
صحيفة هآرتس الاسرائيلية
ترجمة صحيفة القدس العربي
فايننشال تايمز: الحرب الكلامية بين إسرائيل وحزب الله وصلت مراحل خطيرة ويجب منع حرب كارثية في المنطقة
فبعد أشهر من الاشتباكات على جانبي الحدود بين حزب الله وإسرائيل، تصاعدت اللهجة بينهما لمستويات خطيرة ومثيرة للقلق. وتقول إسرائيل إنها صادقت على “خطط عمليات للهجوم في لبنان”، أما حزب الله المدعوم إيران، فقد أعلن أنه سيخوض حربا بدون أن يلتزم فيه بأي شروط أو حدود.
وربما كانت التهديدات مجرد تبجح، إلا أنها تزيد من مخاطر سوء التقدير وقد تقود إلى حرب شاملة. وعليه يجب وقف “عمليات الإيقاع بالمصيدة المتهورة”.
وتؤكد التصريحات الصاخبة على اللعبة الخطيرة التي يمارسها الطرفان منذ أشهر. وبدأت المواجهات بعد هجمات 7 أكتوبر التي شنتها حماس ضد إسرائيل، حيث أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل في اليوم التالي. وتبادلت الجماعة اللبنانية والدولة العبرية النيران بقوة شديدة، حيث ضربوا في العمق وتجاوزوا الخطوك الحمر التقليدية.
وفي أي وقت آخر، كان هذا سيعتبر نزاعا شاملا، فقد قتلت الغارات الإسرائيلية أكثر من 300 مقاتل من حزب الله. فيما قتلت هجمات الحزب جنودا إسرائيليين وتم تشريد عشرات آلاف المدنيين على طرفي الحدود.
ويتعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لضغوط من أجل توسيع الحرب على لبنان، ودفع مقاتلي حزب الله بعيدا عن الحدود وتطمين الإسرائيليين الذين يعيشون في الشمال بأن المنطقة آمنة ويمكنهم العودة إلى بيوتهم.
ويعتبر حزب الله المسلح بترسانة متقدمة من الصواريخ من أقوى الجماعات الوكيلة لإيران في الشرق الأوسط. إلا أن آخر شيء تريده إسرائيل هو التورط في مواجهة أخرى، بعد أشهر من الغارات الإسرائيلية التي غيرت الدينامية على الأرض ودفعت بعض مقاتلي حزب الله بعيدا عن الحدود، بحسب الصحيفة.
وفي الحروب الإسرائيلية السابقة على لبنان، فشلت تل أبيب في تدجين أو إضعاف حزب الله. وفي عام 2006، تكبدت إسرائيل نكسة في الحرب التي استمرت لشهر مع الحزب.
وبعد ثمانية أشهر من النزاع المدمر في غزة، فإن إسرائيل لم تحقق أهداف نتنياهو الرئيسية: محو حماس والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين الذين أخذتهم حماس في 7 أكتوبر.
ورغم ضعف قدرات حماس، إلا أنه حتى المسؤولين الإسرائيليين البارزين باتوا يعترفون اليوم أن تدمير الحركة الفلسطينية غير ممكن، واعتمدوا في تقييمهم على تجذر أيديولوجية حماس في المجتمع الفلسطيني.
وبالمقارنة، يمثل حزب الله عدوا أقوى وأشرس، فهو من أكبر الجماعات تسليحا في العالم، ولديه صواريخ ومسيرات موجهة ضد إسرائيل. إلا أن الحزب لا يريد الحرب.
فالهجمات المدروسة والضربات الأخرى مثل نشر فيديو لمواقع عسكرية إسرائيلية جمعتها مسيرة تابعة للحزب قرب حيفا، هي من أجل إظهار أنه قادر على الوصول والضغط على إسرائيل لوقف حربها في غزة. ولكن حزب الله، هو حزب سياسي رئيسي في لبنان، البلد الذي يعيش أزمة اقتصادية وسياسية وفي خطر الانهيار في حالة حدث الغزو الإسرائيلي.
وترى الصحيفة أن هناك طريقا لتجنب الحرب، على شكل وساطة أمريكية، بحيث تقود لسحب حزب الله مقاتليه من الحدود، ووقف إسرائيل توغلها في لبنان وحل الخلافات الحدودية الطويلة.
ويعمل المسؤولون الأمريكيون على صفقة إسرائيلية- لبنانية عندما يتم الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة. لكن يجب على الولايات المتحدة وحلفائها مضاعفة جهودهم لاحتواء الجبهة اللبنانية حتى قبل نهاية الحرب في غزة. ويجب منع حرب كارثية جديدة في الشرق الأوسط.
الحرب في جنوب لبنان أخرجت 11 ألف طالب من التعليم
|
إصرار وزاري على الامتحانات الرسمية رغم صعوبتها
وضعت المعارك الدائرة في جنوب لبنان، العام الدراسي أمام خطر حقيقي، وحوّلت طلّاب البلدات الحدودية بين نازحين ومحاصرين، فيما تلجأ وزارة التربية اللبنانية إلى حلول مؤقتة لإنقاذ التلامذة بوسيلتين؛ الأولى دعم الصامدين في قراهم عبر التعليم عن بُعد (أونلاين)، والثانية استيعاب النازحين إلى المناطق الآمنة في «مراكز الاستجابة»، أي ضمن مدارس خصصت لاحتوائهم ومساعدتهم على إكمال برامجهم التعليمية ولو بالحدّ الأدنى.
عندما وقع أبناء القرى الحدودية الموجودة على خطّ النار بين خيارين أحلاهما مرّ: «الصمود أو النزوح»، آثر أغلبهم مغادرة بيوتهم وقراهم إلى المدن الآمنة؛ حفاظاً على أرواحهم، فيما اضطرت عشرات العائلات إلى البقاء في منازلها بسبب العجز عن تأمين مساكن بديلة، وفي الحالتين تحوّل الطلاب النازحون والصامدون إلى ضحايا حرب لا قرار لهم فيها، وبيّنت إحصاءات وزارة التربية أن هناك ما يقارب 11 ألف طالب تركوا مدارسهم قسراً.
وتحاول الدولة حتى الآن احتواء الأزمة أو الحدّ من آثارها السلبية على التلامذة، وأقرّ مدير التعليم الثانوي في وزارة التربية خالد الفايد، بأن الوزارة «تتعامل مع واقع صعب فرض نفسه على التلامذة، ولا بدّ من مواجهته حتى لا يخسروا عامهم الدراسي».
وكشف لـ«الشرق الأوسط» عن أن «هناك 44 مدرسة أقفلت نهائياً في قرى المواجهة، بينها 12 ثانوية». وقال: «هناك 10800 طالب باتوا خارج مدارسهم، بينهم 1951 في التعليم الثانوي»، مشيراً إلى أن هذه المدارس تقع في بلدات: علما الشعب، مروحين، مرجعيون، ميس الجبل، رميش، عيتا الشعب، الطيبة، عيترون، شبعا، الخيام، بنت جبيل وكفرشوبا».
ما زاد من صعوبة الأزمة أن المعارك بدأت في الجنوب قبل يوم واحد من انطلاق العام الدراسي 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ولم يكن لدى الطلاب وذويهم حلول بديلة ما وضعهم في حالة إرباك، ومع اشتداد القصف الإسرائيلي الذي دمّر مئات المنازل والمنشآت وبدء عملية نزوح واسعة، بدأ البحث عن حلول بديلة ومؤقتة، وأوضح مدير التعليم الثانوي أن الوزارة «أنشأت 10 مراكز استجابة لطلاب التعليم الأكاديمي و10 مراكز أخرى للتعليم المهني، موزّعة على مناطق النزوح في بيروت وجبل لبنان والبقاع؛ عدد قليل منها في مدينتي صيدا وصور (جنوب لبنان) تعطي الدروس بشكل منتظم».
رغم صعوبة الوصول إلى الطلاب المحاصرين في قراهم، تمكنت وزارة التربية من إيصال الحواسيب إليهم لتسهيل تعليمهم عن بُعد، وتحدث خالد الفايد عن «توزيع 3200 حاسوب (لابتوب) ونحو 3000 (تابلت) على الطلاب والمعلمين ليتمكنوا من تلقي الدروس عبرها». أما عن المدارس الخاصة فيشير إلى أن «هناك 20 مدرسة خاصة أقفلت نهائياً، وهذه المدارس لديها نوع من الاستقلالية، تلجأ إلى التعليم (أونلاين) عبر تطبيقات تبدأ من (واتساب) وصولاً إلى (زوم)»، لافتاً إلى أن المدارس الخاصة «لديها تجربة ناجحة في التعليم عن بُعد بَنَتها منذ جائحة (كورونا)». وأكد الفايد أن «الأزمة لا تواجه الطلاب والمعلمين فحسب، بل تصيب العاملين في قطاع التعليم كالموظفين الإداريين والحجّاب والحراس والخدم الذين يعملون متعاقدين، وفقدوا أيضاً مصدر رزقهم».
عائلة لبنانية نزحت إلى مدرسة في صور (الشرق الأوسط)
مقابل أزمة التعليم، ثمّة مشكلة أخرى تواجه طلاب القرى الحدودية، تتمثل في الامتحانات الرسمية لشهادات البكالوريا، خصوصاً أن الحرب مرشحة للاستمرار إلى ما بعد شهر يونيو (حزيران)، وهو الموعد المعتمد كلّ عام لإجراء الامتحانات، وهذا ما يربك وزارة التربية التي لا تملك تصوّراً نهائياً للحلّ.
لكنّ وزير التربية عباس الحلبي حسم قراره بإجراء الامتحانات الرسمية في كلّ لبنان بما فيها الجنوب، من دون أن يحدد الآلية التي تمكّن طلاب القرى الحدودية خوضها، وقال: «قررنا الإبقاء على إجراء امتحانات موحدة لكل تلامذة لبنان، وعدم سلخ الجنوب تربوياً عن باقي المناطق اللبنانية، وبالتالي عدم التسبب بتمييز أو نظرة دونية للشهادة التي سيحملها المرشحون في المناطق الحدودية، والتي تشهد يومياً اعتداءات إسرائيلية وخسائر مادية جسيمة في كل المنطقة المذكورة». وأضاف: «نأخذ في الاعتبار الأوضاع غير الطبيعية التي انعكست على التعليم، وبينها جوانب نفسية وصحية واجتماعية».
مشكلة التعليم التي فرضتها حرب الجنوب لا تطارد الطلاب الفقراء المسجلين في التعليم الرسمي فحسب، بل تطول ميسوري الحال أيضاً. وتعبّر فاديا – المهجرة من بلدة ميس الجبل (قضاء مرجعيون) – عن خشيتها من خسارة العام الدراسي لأولادها، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع اشتداد المعارك والقصف الإسرائيلي على بلدتنا اضطررت إلى ترك بلدتي منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول) والانتقال إلى بيروت؛ حفاظاً على حياة أولادي». وتؤكد أنها «عجزت عن إلحاق أولادها بأي من المدارس الخاصة، لكنهم الآن يتلقون دروسهم عبر الـ(أونلاين) لكن بشكل متقطع ونادر؛ أولاً بسبب ظروف أساتذتهم الذين لا يواظبون على التعليم بشكل منتظم بسبب ظروفهم وبقاء بعضهم في ميس الجبل، والثاني بسبب انقطاع الكهرباء ورداءة الإنترنت».
يوسف دياب
المصدر: صحيفة الشرق الاوسط
«حزب الله» ينتقل من «ضبط النفس» إلى استراتيجية «الضغوط القصوى»
|
ترقب زيادة عمليات «محور الممانعة» مع بدء اجتياح رفح
بات واضحاً أن ما قبل انطلاق العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة رفح لن يكون إطلاقاً كما بعده، بما يرتبط بالوضع على جبهة جنوب لبنان.
فـ«حزب الله»، ومن خلفه محور «الممانعة» الذي ينتمي إليه، اتخذ قراراً بزيادة الضغط العسكري على إسرائيل، في مسعى للحد من عملياتها في رفح، باعتبار أن سقوط المعقل الأخير لحركة «حماس» في غزة سيعني عملياً خسارة هذا المحور الحرب، كما أنه سيمهد، بحسب الخبراء، لعملية واسعة تشنها إسرائيل ضد «حزب الله».
ومنذ إعلان تل أبيب السيطرة على معبر رفح وبدء عملياتها شرق المدينة، بالتزامن مع ترنح مفاوضات الهدنة، كثّف «حزب الله» بشكل غير مسبوق عملياته باتجاه شمال إسرائيل، بهدف إيقاع قتلى وجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين، ما يطرح علامات استفهام كبيرة عمّا إذا كانت طهران وحلفاؤها سيعمدون لتوسيع القتال على الجبهات في مسعى استباقي لمنع سقوط رفح.
استراتيجية «الضغوط القصوى»
ويُخشى أن يؤدي الأداء العسكري الجديد لـ«حزب الله» إلى جر المنطقة ككل إلى الحرب الموسعة التي تريدها تل أبيب وتسعى إليها منذ فترة، في مقابل اعتماد محور «الممانعة» طوال المرحلة الماضية ما أسماه استراتيجية «ضبط النفس».
ويقول مصدر مطلع على جو «حزب الله»، إنه «تم فعلياً الانتقال من سياسة ضبط النفس إلى استراتيجية الضغوط القصوى؛ بهدف تثبيت معادلات الردع في آخر مرحلة من مراحل الحرب على غزة»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الأداء العسكري الحالي مدروس جداً؛ كي لا يؤدي إلى حرب موسعة لطالما أرادتها إسرائيل».
«حزب الله» الهدف التالي
ويشير العميد الركن المتقاعد بسام ياسين إلى أن «حزب الله» وإيران وحلفاءهما «كانوا واضحين منذ البداية، بحيث أكدوا أنه لن يتم السكوت عن معركة رفح، لذلك سيحصل ضغط من كل الجبهات، وبخاصة جبهة الجنوب اللبناني، من دون أن تتدخل إيران بشكل مباشر؛ لأن ذلك سيعني حينها حرباً بين دولتين»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «كلما زاد الضغط على رفح سيكون هناك ضغط إضافي مما يسمى جبهات الدعم، وإن كان ذلك لا يؤثر من الناحية العسكرية على رفح؛ إذ إن لكل منطقة وحداتها القتالية، إنما التعويل على أن يؤدي سقوط قتلى وجرحى إسرائيليين إلى ضغط من قبل الرأي العام الإسرائيلي على الحكومة الإسرائيلية للتهدئة والسير مجدداً بالهدنة».
ويرى ياسين أنه «في حال انتصرت إسرائيل في غزة، فـ(حزب الله) سيكون الهدف التالي، لذلك سيبذل هو وإيران قصارى جهدهما لمنع سقوط رفح»، لافتاً إلى أن «ضغطه العسكري مدروس بما لا يؤدي إلى جر البلد ككل والمنطقة إلى حرب، وإلا لكنا وجدناه يطلق 10 آلاف صاروخ يومياً». ويضيف: «لذلك نرى اليوم نوعاً من التوازن في القصف؛ لأن الإسرائيلي كذلك لا يريد اليوم الحرب، وهو يخطط لها بعد الانتهاء من غزة».
تطوير التكتيكات
في المقابل، يرى رئيس مركز «الشرق الأوسط والخليج للتحليل العسكري» (أنيجما) رياض قهوجي، أن «(حزب الله) لجأ مؤخراً إلى تغيير وتطوير التكتيكات المعتمدة لإيقاع خسائر أكثر في الجانب الإسرائيلي، لكنه لم يوسّع القصف ولا يسعى إلى الحرب الموسعة»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «نتنياهو هو الذي كان وما زال يسعى لتوسعة الحرب لمصالح حزبية وشخصية، وهو إذا وجد نفسه مضغوطاً في جبهة رفح، فسيعمد لتجميدها للانتقال إلى جبهة لبنان، كما أنه إذا حقق أهدافه في رفح، ومنها تحرير الأسرى، فقد ينتقل أيضاً إلى توسعة العمل على الجبهة الشمالية». ويضيف: «الجانب الإيراني يسعى لاحتواء الأمور بعدما أيقن أن سياسة توحيد الساحات لم تأت بالنتائج المرجوة، إنما بالعكس، خلقت مشكلة له عند كل جبهة، خاصة بعد الاحتكاك المباشر بينه وبين إسرائيل، لذلك ما يهمه راهناً هو احتواء ووقف هذه الحرب».