1

ديفيد إغناطيوس: نصر الله زعيم نادر لا يعوض وقدره كان المقاومة ولم يحد عنها حتى النهاية

قال المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” ديفيد إغناطيوس إن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله اختار مصيره وعرف نفسه حول فكرة الدعوة للمقاومة ولم يكن لديه أي فرصة للتراجع عن هذا الخيار.

وقال إن نصر الله أراد أن يعيش ويموت مقاتلا، وحصل على ما يريد يوم الجمعة عندما محت قنابل أطلقها الطيران الإسرائيلي موقعا سريا في بيروت، وسيحاول حزب الله وبلا شك الانتقام لمقتله، لكنه كان زعيما نادرا لا يمكن تعويضه.

 و”قد التقيت بنصر الله في تشرين الأول/أكتوبر 2003 في ملجأ محصن في الضاحية الجنوبية لبيروت، على مقربة من المكان الذي قتل فيه. وعلى الرغم من أنه كان رجلا أصدر أوامره بقتل العديد من الإسرائيليين واللبنانيين، إلا أنه كان هادئ الحديث إلى حد مدهش. وكان ساحرا وليس صاخبا وكانت شرعيته مستمدة من دراسته الدينية في النجف بالعراق، وخطبه المشوقة التي كانت تبث على شاشات التلفزيون خلال شهر محرم وغيره من الأعياد الدينية”. وفي “لبنان حيث يعيش الساسة حياة مترفة حتى وهم ينهبون شعبهم، كان نصر الله مختلفا وأخبرني أنه فخور بمقتل ابنه هادي وهو يقاتل إسرائيل عام 1997 وقال: “لم نرسل أطفالنا إلى لندن أو باريس للدراسة في الجامعة، بل للقتال إلى جانب اللبنانيين الآخرين”.

كان نصر الله أيضا عنيدا. ولهذا السبب كان هدفا إسرائيليا لا مفر منه. فقد أمر بشن هجمات صاروخية ضد إسرائيل بدءا من الثامن من تشرين الأول/أكتوبر أي في اليوم التالي لهجوم حماس ضد إسرائيل.

و”قد مارس قدرا من ضبط النفس، فامتنع عن شن هجمات واسعة النطاق على المدن الإسرائيلية. لكنه لم يتراجع عن المعركة”. كما “لم يفصل مصير حزب لله ولبنان عن مصير المقاتلين المختبئين في غزة. وكانت لديه فرصة لإنقاذ نفسه وحركته في خطة سلام تقدم بها المبعوث الأمريكي عاموس هوكشتاين، إلا أن هذا كان يقتضي الانفصال عن حماس، ولن يفعل نصر الله هذا”.

 ويضيف الكاتب أنه سأل في عام 2003 نصر الله إن كانت هناك صيغة للسلام تنهي الهجمات الانتحارية في إسرائيل، فكان رده بهزة كتف باردة قائلا: “لا أستطيع تخيل وضع، استنادا إلى طبيعة المشروع الإسرائيلي وطبيعة القادة الإسرائيليين يوافق فيه الفلسطينيون على إلقاء السلاح”.

ويعلق إغناطيوس قائلا: “لم ير نصر الله أي مخرج إلا الحرب بين إسرائيل والمقاومة التي زعم أنه يقودها. وفي وقت اتفاقيات أوسلو عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، كان هناك “نقاش فلسفي” حول اتفاقية السلام، إلا أن ذلك العهد ولى”.

 فقد جعل نصر الله من حزب الله حركة قوية، وكان قويا جدا ومنضبطا جدا وقادرا مع مرور الوقت على السيطرة على القوة وأخذها من الدولة اللبنانية.

و”بدا عناصر حزب الله مختلفين عن بقية الميليشيات اللبنانية. وكانوا معا أكثر رشاقة وقوة وتنظيما ويمكن تمييزهم بقمصانهم الخضراء عندما تهبط في مطار بيروت”.

وقد جسد حزب الله القوة لشيعة لبنان الذين كانوا مشردين ومنبوذين وفي حالة الاحتفال بالذات. وأصبحوا من أكبر الجماعات الإثنية في لبنان وصاروا تدريجيا الأكثر صرامة. وخدم وزراء حزب الله في الحكومة اللبنانية التي تعاني من خلل وظيفي وكانوا يمارسون حق النقض على من يقود البلاد كرئيس (المسيحي، وفقا لصيغة تقاسم السلطة في لبنان) ورئيس وزراء (مسلم سني). ولكن القوة الحقيقية لحزب الله كانت في كونه حكومة بديلة مع شبكتها الخاصة من منظمات الرعاية الاجتماعية والأمن لخدمة أتباع المقاومة الذين اختارهم ضد إسرائيل.

وكان نصر الله هو الذي حرك هذه الدولة داخل الدولة، كما حدد أوغست ريتشارد نورتون في كتابه الصادر عام 2007 “حزب الله” الذي أشار فيه إلى شعبية نصر الله لدرجة أنك تستطيع شراء سلاسل المفاتيح والقمصان والأزرار وملصقات السيارات والملصقات التي تحمل وجه صورة نصر الله في دمشق. ورغم ما تمتع به نصر الله من كاريزما وشعبية إلا أن الكثيرين في لبنان كرهوه وجماعته، وبخاصة بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق في شباط/فبراير 2005، حيث ألقى عشرات الآلاف من اللبنانيين اللوم على سوريا وضمنا على حزب الله (وقد أدانت محكمة خاصة بالأمم المتحدة في عام 2020 أحد أعضاء حزب الله بارتكاب جريمة الاغتيال).

 وتعمق الشعور المناهض لحزب الله بعد حرب عام 2006، عندما دمرت الطائرات الحربية الإسرائيلية ــ ردا على عملية اختطاف عبر الحدود نفذها حزب الله ــ الكثير من البنية الأساسية في لبنان. وحتى نصر الله شعر أنه ذهب بعيدا وقال لشبكة تلفزيونية: لم نعتقد ولا حتى بنسبة 1% أن الخطف سيقود إلى حرب في هذا الوقت وبهذا الحجم. لو سألتني في 11 تموز/يوليو إن كانت العملية ستقود إلى تلك الحرب وإن كنت سأفعلها؟ سأقول بالمطلق لا”.

وعلى الرغم من كارثة 2006 ظل نصر الله يضع الفخ للنمر الإسرائيلي ويستفزه. والحرب التي أودت بحياته أخيرا، هي تلك التي لم يرد هو وحزبه الفرار منها. فالقتال كان هو السمة التي طبعت مسيرتهم، وبدون عباءة المقاومة كان حزب الله سيفقد مبرراته في التغلب على الدولة اللبنانية.

ومن غريب المفارقات أن حزب الله كان بحاجة للحرب من أجل البقاء. و”في عام 2002 سألت واحدا من الأساتذة الروحيين لنصر الله، الشيخ محمد حسين فضل الله، ماذا سيقول للأطفال الإسرائيليين الأبرياء الذين قتلوا في الهجمات الانتحارية، رد السؤال إلي وماذا سأقول لضحايا ناغازاكي”. وقال فضل الله “في ظل الحرب يحدث كل شيء” و”لأن الحرب هي حرب”.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




تقدير موقف: العدوان الإسرائيلي على لبنان واغتيال حسن نصرالله

شنّت إسرائيل مساء يوم الجمعة، 27 أيلول/ سبتمبر 2024، واحدةً من أعنف هجماتها ضد لبنان، منذ تصاعد عدوانها الأخير عليه في الأسابيع الماضية، مستهدفة القيادة المركزية لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت بقصف ستة أبراج سكنية وتسويتها بالأرض. وأسفر الهجوم عن اغتيال الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، الذي نعاه الحزب في بيان صدر في اليوم التالي[1]، إلى جانب قادة آخرين في الحزب، ومسؤول فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني في لبنان وعددٍ غير معروف بعدُ من المدنيين. وقد استخدمت إسرائيل في هجومها على مقر قيادة الحزب طائرات “إف-35” ألقت ثمانين قنبلة خارقة للتحصينات، بزنة طن تقريبًا لكلٍ منها للتأكد من عدم نجاة أحد. واستغلت إسرائيل حالة الإرباك التي تسبب فيها الهجوم في منظومة القيادة والسيطرة لدى حزب الله، لشن سلسلة غارات عنيفة شملت أحياءً مختلفة من الضاحية الجنوبية ومناطق شاسعة على امتداد لبنان؛ ما أدى إلى تشريد آلاف المدنيين. ويُعدُّ استهداف مقر القيادة المركزية لحزب الله، واغتيال أمينه العام، التطور الأبرز حتى الآن في عملية تصعيد إسرائيلية مستمرة ضد لبنان، بدأت في تموز/ يوليو الماضي، ووصلت إلى ذروتها في 23 أيلول/ سبتمبر بإطلاق ما أسمتها إسرائيل عملية “سهام الشمال”[2]؛ ما يفتح مجالًا واسعًا لتصعيد أكبر تقوم به نتيجة ضعف المواقف العربية والإقليمية والدولية حيال عدوانها المستمر على غزة ولبنان.

تصعيد متدرج وصولًا إلى اغتيال نصر الله
منذ أعلن حزب الله عن فتح جبهة “إسناد” لغزة في اليوم التالي لعملية طوفان الأقصى التي شنتها حركة المقاومة الإسلامية “حماس” ضد فرقة غزة ومواقع أخرى لجيش الاحتلال الاسرائيلي ومستوطنات غلاف غزة في 7 تشرين/ أكتوبر 2023، التزمت كل من إسرائيل وحزب الله بقواعد اشتباك محددة؛ إذ تبادلا القصف على جانبي الحدود بعمق يراوح بين 5-10 كيلومترًا، علمًا أن هذا المستوى من الاشتباك أدى إلى نزوح أكثر من 60 ألف مستوطن إسرائيلي ونحو 110 آلاف مواطن لبناني على جانبي الحدود. وعلى الرغم من أن إسرائيل سوّت قرى حدودية لبنانية كاملة بالأرض، واستهدفت بالاغتيال عددًا كبيرًا من عناصر وقادة حزب الله الميدانيين على مدى شهور من المواجهة، في محاولة منها لدفع الحزب إلى وقف إسناد غزة، وفك الارتباط بها، فإن قواعد الاشتباك ظلت مع ذلك قائمة بين الطرفين باستثناءات قليلة؛ منها اغتيال إسرائيل نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، صالح العاروري، في الضاحية الجنوبية لبيروت في كانون الثاني/ يناير 2024. كانت إسرائيل خلال تلك الفترة تتوجس من فتح جبهة واسعة ثانية مع لبنان، إلى جانب غزة، في الوقت الذي كانت فيه تحتفظ بجزء كبير من قواتها في الضفة الغربية المهددة بالاشتعال (ما لا يقل عن ثلاث فرق عسكرية). ولكنها لم تتردد في التصعيد متى شاءت لعلمها أن حزب الله غير معني بالحرب.

بدأ هذا الوضع يتغير في شهر تموز/ يوليو الماضي؛ إذ استغلت إسرائيل سقوط صاروخ على مدرسة في قرية مجدل شمس في الجولان السوري المحتل، تسبب في مقتل عشرة أطفال، وقد نفى حزب الله بشدة مسؤوليته عنه[3]، لتغيير قواعد الاشتباك، وتغيير معادلة القوى الإقليمية على نحو جذري. كان هذا القرار متخذًا بغض النظر عن المبرر اللحظي. لذا، استهدفت إسرائيل في أواخر الشهر نفسه القائد العسكري لحزب الله، فؤاد شكر، في الضاحية الجنوبية، لتبدأ بعدها سلسلة اغتيالات شملت كبار قادة الحزب وأكثر أعضاء مجلسه الجهادي. واغتالت أيضًا رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، أثناء حضوره مراسم تنصيب الرئيس الإيراني المنتخب، مسعود بزشكيان، في طهران في تموز/ يوليو[4]، كما أحبطت ما ادعت أنه تجهيز لرد حزب الله على اغتيال شكر بقصف واسع لمنصات إطلاق الصواريخ في الجنوب.

قررت إسرائيل استغلال معركة غزة واستنزاف المواقف العالمية المعارضة لهذه الحرب من دون تأثير في السلوك الإسرائيلي، ومحدودية الثمن الذي تدفعه لتنفيذ خطط معدة سلفًا لتوسيع الاستيطان وضرب المقاومة في الضفة الغربية بعد غزة، ليصل الأمر إلى استغلال الفرصة المتاحة لتنفيذ الخطة المعدة للبنان. وباتت إسرائيل تسعى إلى حسم المعركة مع حزب الله أو على الأقل إجباره على قبول فك الارتباط بين لبنان وغزة، وتغيير قواعد اللعبة معه على حدودها الشمالية بحيث يمتنع نهائيًا عن قصف مستوطناتها الشمالية.

وفي حين تمسّك حزب الله بعملية إسناد هدفها تخفيف الضغط عن غزة والتضامن مع المقاومة فيها ضمن قواعد اشتباك محددة، وتجنّب الحرب مع إسرائيل في الوقت ذاته، انتقلت إسرائيل إلى وضع أهداف استراتيجية ذات علاقة بوضع حزب الله عمومًا؛ ما اقتضى عدم الالتزام بأي قواعد اشتباك والانتقال إلى الحرب على الحزب.

بدأت الحرب عمليًا قبل نحو أسبوعين، عندما قامت إسرائيل بتفجير آلاف من أجهزة النداء “البيجر” التي يستخدمها قادة وعناصر في الحزب يوم 17 أيلول/ سبتمبر بعد أن جرى زرع عبوات ناسفة صغيرة فيها قبل أن تباع لحزب الله. وقد أدت هذه العملية الإرهابية الإجرامية إلى مقتل العشرات وإصابة الآلاف، من بينهم مدنيون[5]. وتحوَّل حزب الله إلى استخدام هذه الأجهزة بعد أن تبيّن له أن الاتصال بالهاتف المحمول لم يعد آمنًا نتيجة استغلال إسرائيل له في تحديد مواقع قادته وعناصره واستهدافهم. في اليوم التالي، قامت إسرائيل بتفجير أجهزة اللاسلكي (walkie-talkie) لتشل بذلك شبكة اتصالات حزب الله كاملة. شكلت هجمات أجهزة البيجر واللاسلكي أكبر خرق أمني يتعرض له الحزب منذ نشأته في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، لكنها كانت أيضًا مقدمة لتصعيد أكبر قامت به إسرائيل؛ شمل، في اليوم العشرين من الشهر نفسه اغتيال إبراهيم عقيل، قائد العمليات الخاصة في الحزب، وعضو مجلسه الجهادي، الذي تولى مسؤوليات فؤاد شكر، إلى جانب قادة من وحدة الرضوان، وهي وحدة النخبة لدى حزب الله.

وبررت إسرائيل حينها سلسلة العمليات التي استهدفت فيها قادة حزب الله وشبكة اتصالاته بمنع حصول 7 أكتوبر جديد على حدودها مع لبنان، ولكنها كانت في الحقيقة تضرب شبكة الاتصالات والتسلسل القيادي في الحزب في إطار حرب تشنها عليه. وكان واضحًا، أو يفترض، على الأقل، أن يكون واضحًا، ما تخطط له إسرائيل. ولكن سلوك الحزب لم يتغير، وظلّ محكومًا بتجنّب الحرب حتى بعد أن اندلعت عمليًا. ولم يستخدم قوته الصاروخية بنجاعة حتى الآن، وربما أجهزت إسرائيل على جزء منها قبل استخدامها. وأطلقت إسرائيل يوم 23 أيلول/ سبتمبر ما أسمته عملية “سهام الشمال”، وهي أعنف حملة قصف جوي يشهدها لبنان منذ حرب تموز 2006، وشملت مختلف المناطق اللبنانية من الجنوب وصولًا إلى المعابر الحدودية مع سورية في الشمال. وجاءت ذروة التصعيد الإسرائيلي في 27 من الشهر نفسه باستهداف مقر القيادة المركزية لحزب الله، وقد أدت إلى اغتيال أمينه العام، حسن نصر الله، وقادة عسكريين آخرين، لتبدأ بعدها عملية قصف واسع النطاق شملت الضاحية الجنوبية ومناطق أخرى على امتداد لبنان.

أهداف العملية الإسرائيلية وتوقيتها
منذ نهاية تموز/ يوليو 2024، اتضح أن إسرائيل أخذت تنقل مركز ثقل عملياتها العسكرية من قطاع غزة نحو الشمال، وكان الهدف الرئيس في البداية، كما يبدو، هو ممارسة ضغط أكبر على حزب الله لتخييره بين فك ارتباطه بجبهة غزة أو الحرب. كما طرحت إسرائيل شروطًا أخرى منها سحب قدراته العسكرية، خصوصًا قوات الرضوان، إلى شمال نهر الليطاني، بحسب ما نص عليه قرار مجلس الأمن 1701 الذي تم التوصل إليه في أعقاب حرب تموز 2006، في خطوة تدفع في مرحلة لاحقة إلى وقف إطلاق نار بعيد المدى، وربما اتفاق لترسيم الحدود البرية مع لبنان شبيه باتفاق ترسيم الحدود البحرية معه في عام 2022.

ربما شجع إظهار حزب الله منذ البداية أنه ليس معنيًا بالدخول في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، لأسباب محلية وإقليمية، إسرائيل على التصعيد المتواصل، ثم تطوير أهدافها وصولًا إلى العمل على إحداث تغيير استراتيجي في موازين القوى الإقليمية، وهذا يعني الحرب. ويبدو أن الحزب لم يلتقط جدية إسرائيل في مسألة شن الحرب. كانت إسرائيل تريد الاستفادة من فرصة (دولية وإقليمية ومحلية) تنتظرها، وفقًا لرئيس الأركان هرتسي هاليفي، منذ سنوات لتصفية حسابات مع أطراف عديدة في المنطقة وتغيير المشهد الإقليمي لمصلحتها. وقد اتخذت إسرائيل من عملية 7 أكتوبر 2023 وتهجير نحو 60 ألف مستوطن من الشمال ذريعةً للقيام بذلك؛ إذ أعلن المجلس الأمني المصغر في إسرائيل يوم 17 أيلول/ سبتمبر أنه قرر أن يضيف قضية إعادة سكان الشمال إلى مناطقهم إلى أهداف الحرب التي جرى تحديدها سابقًا بالقضاء على إمكانات حماس العسكرية وقدراتها على الحكم، وتحرير الأسرى، ومنع عودة قطاع غزة ليشكل تهديدًا لإسرائيل. بناءً عليه، أطلقت إسرائيل العنان لحملتها العسكرية الشاملة على لبنان بهدف إعادة سكان الشمال إلى مناطقهم، التي لا يمكن، بحسب وزير الدفاع يوآف غالانت، “أن تتم دون حصول تغيير جذري في الوضع الأمني على الحدود مع لبنان”.

إن الحديث المتواصل عن انتصارات المقاومة (بدلًا من الاكتفاء) بفشل إسرائيل في غزة، والمبالغة في الأهمية العسكرية للصواريخ المطلقة من لبنان واليمن والاحتفاء بإطلاقها بغض النظر عن وصولها إلى هدفها (على الأهمية المعنوية لجبهة الإسناد في ظرف العجز والصمت والتحريض الطائفي، وحتى تواطؤ بعض الدول العربية) والمبالغة في تقدير التضامن الدولي، يعمي عن حقيقة أن إسرائيل الضالعة في حرب إبادة والرافضة لوقف إطلاق النار (وهذا ليس تصرف المهزوم) ترى فيما يجري فرصةً لها لتطبيق مخططات في غزة والضفة الغربية ولبنان.

وقد أكد امتناع إيران عن الرد على اغتيال إسماعيل هنية في طهران، إضافة إلى الخطاب الذي تبناه الرئيس الإيراني الجديد، مسعود بزشكيان، وتصريحاته التي أوحت بأن إيران ليست في وارد الدخول في مواجهة مع إسرائيل، وأنها تسعى إلى التفاوض مع الغرب لحل أزمة برنامجها النووي[6]، الانطباع الإسرائيلي القائم أصلًا عن هشاشة وضع إيران داخليًا وإقليميًا، وأنها سوف تترك حزب الله وحده في المعركة. وتعززت رغبة إسرائيل في التمادي ضد حزب الله برده الضعيف على مقتل أعلى مسؤول عسكري لديه، وهو فؤاد شكر، بما في ذلك إشارة الأمين العام حسن نصر الله إلى أن الرد على اغتيال شكر قد انتهى، بعد عملية قصف رمزية لشمال إسرائيل، والادعاء الذي نفته إسرائيل بإصابة صواريخ الحزب قاعدة غليلوت، فضلًا عن حرص الحزب على تجنّب الحرب لأسباب داخلية لبنانية وإقليمية، وطلبه من الناس بالعودة إلى بيوتهم في القرى الحدودية.

يبدو أن ذلك عزز انطباعًا لدى إسرائيل بأن الحزب الذي تلقى ضربات كبيرة في الأسابيع الأخيرة بات في موقف ضعيف جدًا وأنه يتجنّب المواجهة بأي ثمن؛ ما شجعها على المضي قدمًا في استهداف قادته، وصولًا إلى اغتيال نصر الله. واتضح في الشهرين الأخيرين أن بنيامين نتنياهو وحكومته يشعران أنهما مطلقَا اليدين. لقد استغلت إسرائيل ضعف المواقف الإقليمية والدولية من حرب الإبادة التي تشنها على غزة منذ عام وعدم تأثير الاحتجاجات الشعبية، وانشغال الولايات المتحدة الأميركية، المؤيدة لما يُسمى “حرب إسرائيل على الإرهاب”، بالانتخابات الرئاسية المقررة في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، لتجاهل التحذيرات من المخاطرة بحرب إقليمية واسعة، وشن عمل عسكري واسع ضد حزب الله، وحتى لتكرار سيناريو غزة في لبنان. ثمة احتمال أن يكون خطاب نصر الله الذي ألقاه يوم 19 أيلول/ سبتمبر، في اليوم التالي لعملية تفجير أجهزة البيجر واللاسلكي، وأكد فيه، ردًا على قرار المجلس الأمني الإسرائيلي المصغر، أن المستوطنين لن يعودوا إلى البلدات الشمالية قبل وقف الحرب على غزة، دفع إسرائيل إلى حسم مسألة استهدافه شخصيًا، أو ربما كان قرار اغتياله قائمًا.أرجح. وقد استُهدف في يوم 27 أيلول/ سبتمبر لأن الفرصة سنحت بذلك. علمت إسرائيل بالاجتماع الذي سوف يعقد في الضاحية بمشاركته، مثلما علمت باجتماعات أخرى قتلت المشاركين فيها، ورصدت وصوله إلى الاجتماع. ويؤكد ذلك استنفار نتنياهو للموافقة على الاغتيال، وإصدار الأمر خلال وجوده في الأمم المتحدة حتى لا تفوت الفرصة التي سنحت.

تداعيات اغتيال نصر الله
يُعدُّ استهداف مقر القيادة المركزي لحزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، واغتيال أمينه العام، أكبر ضربة يتلقاها الحزب منذ تأسيسه عام 1982. فحسن نصرالله ليس مجرد قائد للحزب، بل يعترف أصدقاؤه وخصومه أنه أيضًا زعيم كاريزمي وشخصية شعبية مؤثرة على المستوى الإقليمي. وقد اغتيل في معركة على قضية يعدّها غالبية العرب قضيتهم، ألا وهي قضية فلسطين. ورغم أن اغتياله لن يؤدي على الأرجح إلى تفكك الحزب، لأنه سبق وتجاوز تصفية أمينه العام السابق عباس الموسوي عام 1992، فإن غياب نصر الله عن المشهد اللبناني والإقليمي سيترك تداعيات كبيرة على حزب الله ولبنان والمنطقة.

ويفترض أن ينشغل حزب الله بفهم ما جرى له منذ حرب عام 2006 التي عدّها نصرًا عسكريًا، مع أنها كانت مقاومة بطولية ونصرًا سياسيًا، وليست نصرا عسكريا. وقد استخلصت منها إسرائيل العبر والدروس وطورت القبة الحديدية المضادة للصواريخ في مواجهة حماس وحزب الله وغيرهما، وانشغلت في جمع المعلومات الاستخبارية واختراق الحزب، وتطوير التكنولوجيا التي تمتلكها لتعقب قيادته واختراق شبكاته بأدوات الرقابة والتنصت والتعرف على الوجوه والأصوات وغيرها؛ فيما انشغل الحزب بحرب بدائية من الناحية العسكرية وغير عادلة من الناحية السياسية في سورية، لم تسهم في تطوير قدراته العسكرية، وقسّمت الرأي العام العربي بين مؤيد ومعارض له (وهو الذي كان يحظى بإجماع شعبي في مقابل العداء الرسمي)، وكشفته على نحو غير مسبوق لقوى عديدة مخترقة بدورها. هكذا اختلفت قواعد هذه الحرب تمامًا عن حرب عام 2006 التي لم ينتصر فيها حزب الله عسكريًا على إسرائيل، لكنه أفشل عدوانها بمقاومته البطولية. إن أوهام القوة والثقة الزائدة بالنفس هي من عناصر الصدمة الحالية.

وبينما يرجَّح أن ينشغل حزب الله خلال الأيام القليلة القادمة بإعادة ترتيب أوضاعه وإعادة ترميم هيكله القيادي على مختلف المستويات، ومعالجة الخروق الأمنية التي يعانيها، فإن إسرائيل ستسمر في عدوانها على لبنان، وفرض حصار على مطار بيروت وموانئ لبنان ومعابره البرية، والعمل على إنهاك الحزب بما في ذلك إضعافه داخليًا في لبنان، مستفيدة من الزخم الذي حققه هجومها على الضاحية. لكنها ستنتظر أيضًا رد الحزب وإيران على عدوانها الأخير، وهو ما سيتحدد بناءً عليه مسار الصراع الدائر حاليًا. فإذا اختارت إيران عدم الرد، كما فعلت لدى اغتيال إسماعيل هنية في طهران، فهي تخاطر بترك حزب الله يواجه إسرائيل وحده مع ما يحمله ذلك من احتمالات لإضعاف قدراته العسكرية التي تعدّها إسرائيل التهديد العسكري الأكثر خطورة لقربه من حدودها، نظرًا إلى حجم ترسانة الصواريخ التي يمتلكها. سيؤدي امتناع إيران عن الرد أيضًا إلى تشجيع إسرائيل، في مرحلة تالية، على مهاجمة منشآتها النووية وبرامجها الصاروخية؛ لأن من شأن إضعاف حماس وحزب الله أن يجرّد إيران من وسائل الردع التي عملت على تقويتها في مواجهة إسرائيل خلال العقود الماضية والانكشاف كليًا أمامها. فوق ذلك، سوف يدفع تردد إيران في الرد إلى فقدان ثقة حلفائها بها، ويعني هذا فعليًا تفكيك محور المقاومة، ودفع إيران إلى الانكفاء على نفسها، وهو الهدف الأبرز الذي تسعى إسرائيل إلى تحقيقه.

خاتمة
يُعدُّ الهجوم على مقر القيادة المركزية لحزب الله، واغتيال أمينه العام حسن نصر الله، ضربةً كبيرةً للحزب، وسوف يسعى رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، إلى الاستثمار فيها للتعويض عن الفشل الذي واجهه على مدى عام في غزة، حيث أخفق في تحقيق أي من الأهداف التي وضعها للحرب هناك. ويرجّح أن يستمر نتنياهو في البناء على الزخم الحالي وتحويله إلى مكاسب سياسية في مواجهة خصومه وحلفائه في الائتلاف الحكومي عبر زيادة رصيده في الشارع الإسرائيلي. وسيحاول خلال المرحلة القادمة الاستمرار في الضغط على حزب الله لدفعه إلى الاختيار بين الاستسلام من خلال الموافقة على فك الارتباط مع غزة والانسحاب إلى شمال الليطاني، أو الاستمرار في القتال، ومن ثمّ توجيه مزيدٍ من الضربات إليه لإضعافه، بما في ذلك احتمال القيام بعملية برية محدودة تسمح له بإنشاء منطقة عازلة على الحدود مع لبنان. لكن باتخاذه هذه الخطوة قد يكون حزب الله قد جرّ نتنياهو إلى حيث يريد، وإلى حيث تكون قوة الحزب في أفضل حالتها؛ إذ يخوض الحرب على أرضه. في كل الأحوال، تنذر المعركة الدائرة في غزة ولبنان بين إسرائيل وفصائل المقاومة بإعادة تشكيل المشهد الإقليمي، وسيترتب عليها نتائج كبيرة في اتجاه نجاح المشروع الإسرائيلي أو إفشاله.

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات




صهر قاسم سليماني… من هو هاشم صفي الدين أبرز مرشح لخلافة نصر الله؟

بعد الإعلان عن مقتل الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله بغارة إسرائيلية على بيروت، الجمعة، بعد 32 عاماً على رأس جماعته، تزايدت التساؤلات عن خليفته المرتقب.

ورغم السرية والغموض اللتين تكتنفان عملية اختيار القيادات في التنظيمات الشبيهة بـ«حزب الله»، يتصدر الأسماء المرشحة لقيادة التنظيم الحليف لإيران في حال تأكد الاغتيال، هاشم صفي الدين، ابن خالة نصر الله وصهر قاسم سليماني، القائد السابق لـ«فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني.

يشبه صفي الدين ابن خالته في الشكل والجوهر وحتى في لثغة الراء. أُعد لخلافته منذ 1994، وجاء من قم إلى بيروت، ليتولى رئاسة المجلس التنفيذي الذي يعتبر حكومة الحزب. أشرف على عمله القائد الأمني السابق للحزب عماد مغنية.

كان صفي الدين «ظل» نصر الله بامتياز، والرجل الثاني داخل الحزب. وعلى مدى ثلاثة عقود، امسك الرجل بكل الملفات اليومية الحساسة، من إدارة مؤسسات الحزب الى إدارة أمواله واستثماراته في الداخل والخارج، تاركاً الملفات الاستراتيجية بيد نصر الله.

ويعد صفي الدين، المدرج على قائمة الإرهاب الأميركية منذ عام 2017، من كبار مسؤولى الحزب الذين تربطهم علاقات وثيقة مع الجناح العسكري، إلى جانب علاقاته الوثيقة جداً مع الجناح التنفيذي.

مصاهرة إيرانية

تربطه كذلك بطهران علاقات ممتازة، فهو قضى سنوات في حوزة قم يتعلم فيها، إلى أن استدعاه نصر الله إلى بيروت لتحمل مسؤوليات في الحزب. كما تزوج ابنه رضا في 2020 بزينب سليماني، ابنة العقل المدبر للمشروع الإقليمي لإيران قاسم سليماني الذي اغتالته غارة أميركية في بغداد في العام نفسه.

اسم صفي الدين طرحته صحيفة إيرانية لخلافة نصر الله قبل 16 عاماً. لكن المطلعين على كواليس الحزب يقولون إن القرار اتخذ قبل ذلك بكثير. فوفقاً لما أكده قيادي سابق بارز في «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» آنذاك، فإن اختيار صفي الدين تم بعد نحو سنتين من تولي نصر الله منصب الأمين العام في 1992، خلفاً لعباس الموسوي الذي اغتالته إسرائيل.

يحدد القيادي السابق توقيت الاختيار بلحظة «استدعاء» صفي الدين من مدينة قم في إيران إلى بيروت على وجه السرعة عام 1994 لتسلم مركزه الذي مكنه السيطرة على كل المفاصل المالية والإدارية والتنظيمية في الحزب.

وما يزيد من حظوظ اختيار صفي الدين لخلافة نصر الله، هو المسار المتشابه إلى حد الغرابة بين الرجلين داخل الحزب. غير أن نصر الله الذي لا يكبر ابن خالته بأكثر من عامين، يبدو أكبر منه بكثير من حيث الشكل، ناهيك من الحضور السياسي والشعبي.

صفي الدين خلال مشاركته في تشييع قيادي في الحزب قتل في إدلب بسوريا (أ.ف.ب)

ولا يوجد الكثير من المعلومات عن صفي الدين، فهذا الرجل ظل لفترة طويلة شبه مجهول في الأوساط السياسية اللبنانية، إلى أن دفعته الإجراءات الأمنية المشددة المحيطة بحسن نصر الله، إلى الظهور محله في مناسبات الحزب، خصوصاً جنازات عناصره وقياداته الذين قتلوا في لبنان أو خلال قتال الحزب في سوريا ضد المعارضة إلى جانب نظام الرئيس بشار الأسد، أو في مناطق انتشاره الأخرى لمساندة البرنامج الإقليمي الإيراني.

لكن المعلومات القليلة التي تتوفر عنه تقول إن صفي الدين من مواليد عام 1964، من بلدة دير قانون النهر في منطقة صور جنوب لبنان، ومن عائلة «لها حضور قوي» بالمعيار الاجتماعي، وهي عائلة قدمت أحد أشهر نواب المنطقة في الستينات والسبعينات وهو محمد صفي الدين، بالإضافة إلى العديد من رجال الدين البارزين.

وسعى صفي الدين، وهو لا يزال في عمر صغير نسبياً إلى الزواج قبل السفر إلى الدراسة الدينية في مدينة قم الإيرانية التي كانت تشهد في تلك الفترة اتساعاً متزايداً في طلابها ونفوذها السياسي والديني بعد الثورة الإيرانية عام 1979 كرديف لمدارس النجف الدينية التي تدهور دورها نسبياً خلال حكم الرئيس العراقي السابق صدام حسين.

وأراد صفي الدين أن يكون زواجه من عائلة متدينة، وأن يصاهر أحد رجال الدين، فكان أن تزوج من ابنة السيد محمد علي الأمين، عضو الهيئة الشرعية في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

رعاية عماد مغنية

غادر صفي الدين إلى قم ملتحقاً بابن خالته نصر الله. ويقول بعض معارف العائلة إن صفي الدين كان أحد ثلاثة كانوا موضع عناية واهتمام عماد مغنية، المسوؤل الأمني البارز لـ«حزب الله»، والذي اغتيل في دمشق في فبراير (شباط) 2008 في ظروف ما زالت غامضة. هؤلاء الثلاثة هم حسن نصر الله، ونبيل قاووق أحد أبرز قادة الحزب، وصفي الدين نفسه، موضحين أن مغنية هو من أرسل هذا الثلاثي إلى قم وسهّل أمورهم هناك.

صفي الدين متحدثاً خلال تشييع عنصرين من الحزب قتلا بتفجيرات أجهزة الاتصالات منتصف الشهر الجاري (أ.ف.ب)

كُتب لهؤلاء الثلاثة أن يكونوا من أبرز قادة «حزب الله» أوائل التسعينات. فأصبح نصر الله أميناً عاماً، وصفي الدين مديراً تنفيذياً للحزب بالمقياس المؤسساتي، وبمثابة رئيس حكومة «حزب الله»، أما قاووق فأصبح قائداً عملياً لمنطقة الجنوب ذات الأهمية الكبيرة لدى قيادة الحزب وموقع قوته العسكرية الكبرى.

إدارة استثمارات الحزب

وإضافة إلى الشؤون اليومية للحزب، يدير المجلس التنفيذي الذي ترأسه صفي الدين أيضاً مجموعة استثمارات هائلة الحجم، تهدف إلى تأمين الاستقلالية المالية للتنظيم وتمويل جسده الهائل الذي لا يخضع لتمويل «الأموال الشرعية» المرصودة أساساً للعمل العسكري.

وفيما يقدر البعض هذا الرقم بمليارات الدولارات، تشكك أوساط مطلعة على أوضاع الحزب في هذا رغم اعترافها بضخامة حجم استثمارات الحزب والتي تنتشر في لبنان والعالم العربي وأفريقيا وأوروبا والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية. وكان المجلس التنفيذي يضم تحت إدارته العمل العسكري، قبل أن يتم إنشاء «المجلس الجهادي» وفصل صلاحياته عن المجلس التنفيذي.

صفي الدين خلال جنازة قيادي من الحزب في يونيو الماضي (غيتي)

انبهار بولاية الفقيه

أثرت السنوات التي قضاها صفي الدين بقم في أفكاره السياسية، فهو مثلاً من الداعمين لفكرة ولاية الفقيه، بالرغم من أن الكثير من شيعة لبنان لا يؤمنون بها. ففي إحدى كتاباته يتطرق صفي الدين من بعيد إلى تجربة رجال الدين الشيعة في قم وأهميتها مقارنة بتجربة النجف، وتأثيرها على الفكر السياسي لدى الشيعة بلبنان، فيقول إن «الساحة الإسلامية الشيعية اللبنانية كان الغالب عليها الانحياز الكبير لمنتجات الفكر الآتي من النجف ولتجربته في كثير من الأحيان بينما غاب عنها إلى حد كبير الخصوصيات القمية إلا في بعض الحالات النادرة، وبشكل مفاجئ وخلافاً للتوقعات المعيشة في عموم الساحة الإسلامية أطل فجر الانتصار للثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني ليحقق حلماً كبيراً للنهج الإسلامي المتحرر معلناً نجاحاً باهراً وصاعقاً».

ويرى أن «نظرية ولاية الفقيه من أهم النظريات التي أخرجها الإمام الخميني من الأدلة الشرعية والعقلية لتكون مشروعاً كاملاً يعالج أهم المشكلات التي واجهت الحركات الإسلامية والتي أدت إلى حالة التشرذم».

صحيفة الشرق الاوسط




إستراتيجية الزر الأحمر لاختراق “حزب الله”: هل صنع الموساد أجهزة بيجر المفخخة في إسرائيل؟ ولماذا ورّطَ شركات وأفراداً أوروبيين؟

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريراً، أعده غريغ ميلر وكيت براون ولافداي موريس وشيرا روبن وجون سوين، قالوا فيه إن تفجيرات أجهزة النداء/بيجر، واللاسلكي/ووكي توكي في لبنان، الأسبوع الماضي، تعتبر تتويجاً لجهود الموساد في محاولات اختراق “حزب الله”، وإنشاء شركات وهمية في أوروبا.

فقد أصبحت القطع المحترقة من أجهزة بيجر جزءاً من أدلة عن جهد معقد استمر عقداً من الزمان قامت به إسرائيل لاختراق الجماعة اللبنانية المسلحة، حسب قول مسؤولين أمنيين غربيين وإسرائيليين، حاليين وسابقين. وتركت العلامات على القطع المتناثرة من الأجهزة أثراً يقودنا عبر مصنع في تايوان، إلى شركة وهمية مجرية يشتبه في أن المخابرات الإسرائيلية أنشأتها، أو استغلتها، لإخفاء دورها المزعوم في تسليم الأجهزة المجهزة بشكل قاتل إلى “حزب الله”. كما قام مسؤولون أمنيون في عاصمة أوروبية أخرى بالتحقيق في ما إذا كانت شركة وهمية ثانية هناك هي البائع الحقيقي وراء صفقة أجهزة بيجر.

ووصف مسؤولون حاليون وسابقون أن العملية الأخيرة كانت جزءاً من جهود طويلة ومتعددة قامت بها إسرائيل، وعلى مدى عقود، لتطوير ما وصفه مسؤولون إسرائيليون بقدرات “الزر الأحمر”، أو ما يعني الاختراق المدمر لعدو، ويبقى ساكناً لأشهر، إن لم يكن لسنوات، قبل تفعيله.

ويظل السبب وراء تفعيل الزر هذا، في الأسبوع الماضي، غامضاً، مع أن خبراء تحدثوا عن مخاوف إسرائيلية من اكتشاف “حزب الله” مشاكل في أجهزة بيجر. وهجمات كهذه عادة ما تكون بداية لهجوم عسكري شامل، حسب قول مسؤولين، فمن خلال خلق الفوضى تقوم إسرائيل بتوجيه ضربتها القاتلة.

فقد قتل الهجوم الأول، يوم الثلاثاء، 12 شخصاً، من بينهم مقاتلون لـ “حزب الله”، ومدنيون، وجرح أكثر من 2,800، حسب وزارة الصحة اللبنانية.

وفي يوم الأربعاء، أدى تفجير ووكي توكي إلى مقتل 25 شخصاً، وجرح أكثر من 450 آخرين، فيما قتلت غارة على الضاحية الجنوبية أكثر من 37 شخصاً، من بينهم قيادات في “حزب الله”، وعدد من المدنيين.

مسؤول ثانٍ سابق في الاستخبارات الإسرائيلية إن الانفجارات كانت تتويجاً لاستثمارات استمرت لسنوات طويلة في اختراق هياكل الاتصالات والخدمات اللوجستية والمشتريات لـ “حزب الله”.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي قوله إن “الزر الأحمر” هو “مفهوم لشيء يمكنك استخدامه عندما تريد أو تحتاج إليه”. وأضاف المسؤول أن تفجير الأجهزة، هذا الأسبوع، “لم يكن جزءاً من الخطة الشاملة” التي تم تصورها عندما بدأت العملية، رغم أنه أكد أن المسؤولين الإسرائيليين يعتقدون أن ذلك كان له تأثير كبير.

 وقال المسؤول السابق: “اُنظر إلى النتيجة”، في إشارة إلى الانفجارات التي أصابت أو قتلت القادة، وملأت المستشفيات، وجعلت عناصر الحزب غير قادرين على استخدام أو الثقة في معدات الاتصالات الأساسية.

 استخباراتي إسرائيلي: الانفجارات كانت تتويجاً لاستثمارات استمرت لسنوات طويلة في اختراق هياكل الاتصالات والخدمات اللوجستية والمشتريات لـ “حزب الله”

 وأضاف المسؤول أنه قبل وقت طويل من تعبئة أجهزة بيجر بالمتفجرات، كانت وكالة الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية، الموساد، وغيرها من الأجهزة، قد طورت رؤية شاملة “لما يحتاجه “حزب الله”، وما هي ثغراته، والشركات الوهمية التي يعمل معها، وأين توجد، ومن هي جهات الاتصال”.

وأضاف المسؤول السابق أنه بعد تشكيل صورة عن تلك الشبكات “أنت بحاجة لأن تقيم بنى تحتية من الشركات والتي تقوم ببيع بضائعها لأخرى، ولأخرى”، وكلّها تخفي صلتها بإسرائيل، وتتحرك نحو وكلاء المشتريات التابعين لـ “حزب الله”، الذين يعتمدون على شركات وهمية خاصة بهم.

 وتشير السجلات الرسمية الضئيلة للشركات الأوروبية المرتبطة بأجهزة بيجر إلى مؤسسين ليس لديهم خلفية واضحة كموردين لمعدات الاتصالات، أو ارتباط واضح بالحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي يترك مجالاً للشك في ما إذا كانوا على علم بالأدوار التي ربما لعبتها شركاتهم في الهجوم على “حزب الله”. ووصف أفرادٌ الهجوم على “حزب الله”، الذي ترك أفراداً جرحى في المستشفيات، وآخرون يحاولون فهم ما حدث بأنه فشلٌ ذريع.

 وتساءل أحد الأفراد: “لماذا لم يفحص حزب الله الشحنة التي وصلت”، وبخاصة أن لديهم القدرات الفنية لمعرفة إن كانت الأجهزة هذه مفخخة أم لا، و”لماذا لم يكتشفوا الاختراق؟”.

 ولا تزال التفاصيل حول العملية غير معروفة، بما في ذلك إمكانية اعتراض أو تخريب الشحنة للبيجر، أو ما إذا كانت قد نفّذت مخططاً قامت فيه أجهزة استخباراتية إسرائيلية بتصنيع، أو تجميع أجهزة محملة بالمتفجرات. وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، الأسبوع الماضي، أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قامت بتصنيع هذه الأجهزة، وأنشأت شركات وهمية لخداع “حزب الله”.

وقال مسؤولون أمنيون أمريكيون وغربيون إنهم ما زالوا يجمعون التفاصيل. فيما يفترض العديد من المسؤولين، وإن لم يتأكدوا بعد، أن العمل على تركيب المتفجرات داخل أجهزة بيجر تم في إسرائيل، لتجنّب مخاطر الكشف أو التعرض لحادث على أرض أجنبية.

ورغم تعبير عدد منهم عن اندهاشهم من تعقيد العملية، إلا أنهم شكّكوا في أهميتها الإستراتيجية.

وقال مسؤول استخباراتي أمريكي سابق إن قرار إسرائيل بتجهيز الأجهزة بالمتفجرات بدلاً من معدّات التجسس المتطورة يعكس “العقلية الهجومية” لدى حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي تعطي الأولوية لعروض القوة الحركية التي قد لا تحقق أهداف إسرائيل الأوسع في صراع إقليمي متصاعد.

ودافع آخرون عنها قائلين إنها ضربة لمراكز القيادة والتحكّم لدى “حزب الله”. وبحسب  قائد البحرية الإسرائيلية السابق إيال بينكو، فالعملية أربكت “حزب الله”، ويحتاج نصر الله لوقت طويل كي يعيد ترتيب قيادته.

وربط توماس ريد، مدير معهد البروفيتش لدراسات الأمن الإلكتروني بجامعة جونز هوبكنز، العملية الإسرائيلية بعمليات الولايات المتحدة ضد ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. فقد تمكّنت وكالات الاستخبارات الأمريكية والألمانية سراً من السيطرة على شركة مقرها سويسرا، وهي شركة كريبتو إيه جي، والتي باعت معدات اتصالات مزورة لعشرات الحكومات الأجنبية. وتضمنت العمليتان هدفاً استخباراتياً دائماً يتمثل في اختراق سلاسل التوريد للعدو. كما استشهد الخبراء بالهجوم الذي أطلق عليه اسم “ستكسنت”، والذي تعاونت فيه إسرائيل والولايات المتحدة على ضرب أجهزة الطرد المركزي الإيرانية ببرمجيات خبيثة مدمرة.

وقال مسؤولون وخبراء إن قضية أجهزة بيجر تثير تساؤلات أخلاقية جديدة، لأن هدفها، على الأقل جزئياً، كان القتل والتشويه، بالإضافة إلى التخريب، أو الحصول على معلومات استخباراتية.

وقال رالف غوف، وهو مسؤول سابق بارز في “سي أي إيه” وخدم في الشرق الأوسط، إنه لو كانت الولايات المتحدة على علم مسبق بعملية بيحر، نظراً لطبيعتها الواسعة النطاق، فإن المسؤولين “كانوا ليصابوا بالذعر، ولاستغلّوا كل وسيلة ممكنة لمنعهم من القيام بذلك”. لكن مسؤولاً إسرائيلياً سابقاً قال إن الهجوم “أصاب بدقة الأشخاص الذين كانوا بحاجة للاستهداف”.

 وإذا تم تأكيد دور إسرائيل بالتخطيط وتنفيذ العملية، فستواجه أسئلة عن سبب اختيارها دولاً أوروبية، وربما استغلال أفراد، بما في ذلك أصحاب واجهات تجارية، الذين ربما لم يفهموا عواقب أدوارهم المزعومة لتوقيع عقود لتزويد أجهزة بيجر لجهة ما.

ويقول غافين وايلد، المسؤول السابق في البيت الأبيض، والخبير بالأمن السيبراني، في وقفية كارنيغي للسلام الدولي: “هناك الكثير من الشركات الوهمية والشخصيات الوهمية. ولو كان هناك  ضحايا حقيقيون، فسوف يضطرون إلى العيش في خوف بقية حياتهم لأن “حزب الله” لن يصدق ذلك [حتى لو لم يكونوا على علم بالمؤامرة]”.

 ومع تجميع قطع البيجر المتناثرة، بدأت تطفو سلسلة من الكيانات التجارية على السطح، وقد تم تمييز الألواح الخلفية لأجهزة بيجر بمعلومات العلامة التجارية والطراز المرتبطة بشركة تصنيع تايوانية، وهي شركة أبولو غولد، التي لا تزال مورداً رئيسياً للأجهزة التي كانت منتشرة على نطاق واسع في التسعينيات، ولكن منذ ذلك الحين تم استبدالها إلى حد كبير بالهواتف المحمولة.

 ويقال إن “حزب الله” لجأ إلى استخدام أجهزة النداء لأنه يعتقد أن القيود التكنولوجية المنخفضة تجعلها أقل عرضة للاختراق من قبل المخابرات الإسرائيلية.

ورد مسؤولون في الشركة التايوانية، والذين واجهوا طوفاناً من التحريات، إن الشركة لم تصمم أو تصنع الأجهزة التي يتداولها “حزب الله”، وإنها أنتجت بموجب اتفاقية ترخيص مع شركة بي إي سي للاتصالات كي أف تي. ولا أحد يعرف الطبيعة الحقيقية لعمل شركة بي إي سي.

وبحسب الوثائق المجرية، فقد تم تسجيلها في أيار/مايو 2022، ولديها 118 نشاطاً تجارياً، بما في ذلك نشر كتب وتوزيع أفلام وتصنيع زيت ودهون ومجوهرات مقلدة. ويروج موقع الشركة على الإنترنت، الذي تم تعطيله منذ هجوم يوم الثلاثاء، لمجموعة واسعة النطاق من الخدمات، حيث يقدم المشورة الاستشارية في كل شيء، من الاستثمار في التأثير الاجتماعي، إلى حلول إدارة النفايات.

وبحسب سجل الشركة، فإن مديرتها هي كريستيانا بارسوني أرشيدياكونو ( 49 عاماً)، والتي لم ترد على محاولات الصحيفة المتعددة، وفي رد موجز من والدتها على  “أسوشيتد برس”، يوم الجمعة، قالت إن ابنتها باتت تحت حماية الأمن المجري. لكن مسؤول أمن مجري أكد أن شركة إي بي سي هي شركة وهمية ومتورطة في توصيل بيجر إلى “حزب الله”. وقال المسؤول إن الأجهزة “لم تصل قط إلى المجر”، إلا أن هوية بي إي سي استخدمت لخداع “حزب الله”، مع أنه ليس من الواضح إن كانت مديرتها “متورطة، أو لديها معرفة عميقة” بالعملية.

 وفي يوم الأربعاء، داهمت شرطة تايوان مكتب بي إي سي بالعاصمة تايبيه، وكشفت عن سجلات شحن من أبولو غولد إلى المجر، عام 2022، وتم الكشف عن عقد تجاري آخر يظهر حصول الشركة في العاصمة التايوانية على 15 دولاراً عن كل جهاز بيجر بيع إلى بي إي سي.

وفي نفس الوقت، قامت أجهزة الأمن البلغارية بالتحقيق في شركة ثانية، وهي شركة نورتا غلوبال المحدودة في صوفيا. وذلك في أعقاب تقرير إعلامي، يوم الأربعاء، يفيد بأن الشركة باعت وسلّمت أجهزة بيجر المتفجرة إلى “حزب الله”. وقد نسب موقع تليكس الإخباري المجري هذه المعلومات إلى مصادر مجهولة.

وأصدرت وكالة الأمن القومي البلغارية بياناً، يوم الجمعة، قالت فيه إنها “أثبتت، بما لا يدع مجالًا للشك”، أنه لم يتم “استيراد أو تصدير أو تصنيع أي أجهزة اتصالات تم تفجيرها في لبنان أو سوريا في بلغاريا”.

لماذا لم يفحص “حزب الله” الشحنة التي وصلت؟ خاصة أن لديه القدرات الفنية لمعرفة إن كانت الأجهزة هذه مفخخة أم لا

ومع ذلك، لم يستبعد البيان وجود صلة بين شركة نورتا غلوبال وبيع بيجر لـ “حزب الله”، وقال فقط إن الشركة “لم تنفذ معاملات في داخل الاختصاص القانوني في بلغاريا”.

وبحسب السجلات البلغارية، فمالك شركة نورتا غلوبال هو النرويجي البالغ من العمر 39 عاماً رينسون خوسيه، وهو مولود في الهند، وأسسها في نيسان/أبريل 2022 لإدارة المشاريع التكنولوجية. وحصلت الشركة خلال 2022 و 2023 على إيرادات تزيد عن 1.5 مليون دولار، وفقاً للتقارير المالية المقدمة إلى السلطات البلغارية.

وخلال تلك الفترة، كان خوسيه يعمل بدوام كامل في شركة إعلامية مقرها أوسلو، وفقاً لسيرته الذاتية على الإنترنت. وفي مقابلة قصيرة، لم يرد محاسب شركة نورتا غلوبال على أسئلة حول ما إذا كانت الشركة لها صلات بإسرائيل.

 ووجه المحاسب ديميتار داسكالوف صحيفة “واشنطن بوست” إلى بيان الأجهزة الأمنية.

ولخوسيه ملف تعريف على شبكة فاوندرز نيشن على الإنترنت، التي تنشر روابط لمنظمات عاملة أو توقفت على علاقة مع الجيش الإسرائيلي.

وقال غاي فرانكلين، الذي تم تحديده بأنه واحد من مؤسسي الموقع، إنه لم يسمع قط عن خوسيه أو نورتا غلوبال، وإنه لا يعتقد أن حكومة إسرائيل قدمت أي تمويل له من خلال فاوندرز نيشن.

وقال في رسالة نصية: “في عالم التكنولوجيا، تريد أن يكون لديك أكبر عدد ممكن من الشعارات على منصتك لإظهار أنك تحظى بدعم (ليس من الناحية المالية) من العديد من الكيانات”.

ولم يرد خوسيه على مكالمات ورسائل “واشنطن بوست”.

وقال صديق له في أوسلو، بيبين بهسكاران، إنه وشقيق خوسيه لم يتمكّنا أيضاً من الوصول إلى خوسيه. وسافَرَ الأخير إلى بوسطن، يوم الثلاثاء، وظلَّ في الولايات المتحدة حتى يوم الجمعة، وفقاً لسجلات الحكومة الأمريكية. وكان هناك لحضور مؤتمر تكنولوجي، وفقاً لمصدر مطلع على خططه، إلى جانب تقرير لموقع “في جي” الإخباري النرويجي. وقال أحد منظمي المؤتمر، الذي ترعاه “هاب سيوت” للبرمجيات، إن خوسيه لم يأخذ بطاقة الحضور التي أعدت له من أجل المشاركة في المؤتمر.

وباءت محاولات الوصول إليه في أكثر من 30 فندقاً مدرجاً على موقع المؤتمر بالفشل.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




«بيجر» إغناتيوس وبطارية استغفال العقول

دافيد إغناتيوس، المعلّق في صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية ومؤلف الرواية الجاسوسية «عملية بيروت»، 2011، التي تتخيل صراعاً بين وكالة المخابرات المركزية ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ لم يتأخر في التعليق على عملية الاستخبارات الإسرائيلية الأخيرة في لبنان، وتفجير أجهزة «بيجر» وسواها من وسائل الاتصال اللاسلكية. ورغم أنّ هذا العدوان الإجرامي قد أسفر عن عشرات القتلى ومئات الجرحى، ونطاق الاستهداف شمل مناطق واسعة في لبنان، وأخرى في سوريا لم تقتصر على العاصمة دمشق بل بلغت محافظات نائية مثل دير الزور؛ فإنّ إغناتيوس تعفف عن استخدام مفردة الإرهاب في توصيف عملية لا يمكن إلا أن تكون عشوائية، تصيب المدنيين على اختلاف شرائحهم.
والحال أنّ إغناتيوس بين أشدّ المؤمنين بتعريف للإرهاب أمريكي رسمي اعتُمد بقانون رئاسي من بيل كلنتون، سنة 1996، ويقول التالي:
ــ تعبير الإرهاب يصف العنف المقصود مسبقاً، والذي تحرّكه دوافع سياسية، ضدّ أهداف غير قتالية، على يد منظمات محلية أو شبه محلية، أو عن طريق عملاء سريين، وذلك بقصد التأثير في الرأي العام.
ــ تعبير الإرهاب الدولي، يعني الإرهاب الذي يصيب المواطنين أو الأراضي في أكثر من بلد واحد.
ــ تعبير المجموعة الإرهابية يفيد أية مجموعة رئيسية أو فرعية تمارس الإرهاب، على نطاق محلي ودولي في آن معاً.
ورغم انطباق العناصر الثلاثة على عمليات الاستخبارات الإسرائيلية، فإنّ إغناتيوس لم يُبصر في تفجيرات بيروت ما هو أكثر من «فيلم جيمس بوندي» و«عملية إسرائيلية بارعة اجتمعت فيها الحرب السيبرانية بالتخريب»؛ ملاحظاً، في خلاصة تحصيل حاصل خرقاء، أنها «تصعيد خطير» قد يتطور إلى حرب إقليمية، قبل شهرين فقط من الانتخابات الرئاسية.
هذا إذا وضع المرء جانباً قصور التعاريف الحكومية الأمريكية عن الإحاطة الملموسة بالمستويات الفعلية، الأكثر تعقيداً واتساعاً وتنوّعاً، لمفاهيم الإرهاب وأنساقها وتشكيلاتها؛ عدا عن كونها تعريفات ترتدّ على أصحابها، وتدينهم بما يدينون به الآخرين. إذْ، استناداً إلى حيثيات هذه التعريفات، سوف يكون مشروعاً أن تُضمّ إلى لائحة الإرهاب الرسمية الأمريكية أسماءُ جميع أجهزة الاستخبارات الغربية التي مارست في السابق عشرات عمليات الاغتيال الفردي، وتدبير الانقلابات العسكرية، وزعزعة الاستقرار الداخلي للدول والأمم.
ولسوف يكون من المشروع، والطريف أيضاً، أن تتصدّر اللائحة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية دون سواها، بوصفها «أمّ الوكالات» بلا منازع؛ يليها، في توحّش الأداء والأدوات، أجهزة «الموساد» و«الشاباك» و«الشين بيت» الإسرائيلية، ثم الـ MI5 البريطاني، والـ DST الفرنسي، والـ BND الألماني، وما إلى ذلك من مختصرات «متمدّنة» ذائعة الصيت.
ليس هذا فحسب، بل في وسع المرء أن يعود إلى أرشيفات الاستخبارات الأمريكية أو البريطانية، ولن يطول بحثه قبل العثور على مسميات إرهابية صهيونية مثل «إرغون» و«ليهي» و«حيروت»؛ أو على إرهابيين مطلوبين للعدالة (الصامتة الخرساء، بالطبع)، أمثال مناحيم بيغن أو إسحق شامير. وفي سنة 1948 كان يهوديان بارزان، حنة أرندت وألبرت أينشتاين، قد وقّعا رسالة مفتوحة ضدّ زيارة بيغن إلى أمريكا؛ من منطلق أنّ منظمة «حيروت» التي يتزعمها هي «حزب سياسي شديد الاقتران بالأحزاب النازية والفاشية من حيث التنظيم، والطرائق، والفلسفة السياسية، والجاذبية الشعبية».
فإذا شاء إغناتيوس، وأمثاله كُثُر بالطبع، استذكار الحقيقة البسيطة التي تقول إنّ الليكود الراهن هو وريث «حيروت»، وأنّ نتنياهو زعيم هذا الحزب ورئيس الائتلاف الحاكم الأكثر يمينية وتشدداً وفاشية في تاريخ الكيان الصهيوني؛ فإنّ استخدام مفردة الإرهاب في توصيف العدوان الإسرائيلي الأخير على اللبنانيين، في أسواق الخضرة والمشافي والشوارع، أكثر احتراماً لعقول قراء إغناتيوس من التمثيل الجيمس بوندي.
في أقلّ تقدير، وبافتراض أنّ بطارية المعلّق الشهير تكترث أصلاً بعقول البشر.

صبحي الحديدي

صحيفة القدس العربي




قناة أمريكية: الموساد توغل منذ 15 عاما في توريد أجهزة البيجر التي انفجرت في عناصر حزب الله  

كشف مصدر أمريكي لشبكة “أي بي سي نيوز” أن المخططات الاستخباراتية الإسرائيلية (الموساد) التي تتيح التوغل في سلاسل التوريد استمرت لمدة تقارب 15 عامًا، موضحًا أن إسرائيل لعبت دورًا في تصنيع أجهزة البيجر التي انفجرت في عناصر من حزب الله هذا الأسبوع.

وبحسب الشبكة فقد أكد المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية “سي آي إيه” كانت مترددة لفترة طويلة في اعتماد هذا الأسلوب نظرًا للمخاطر العالية المحتملة على المدنيين.

وتضمنت العمليات الأخيرة في لبنان استخدام شركات وهمية، حيث تظاهر ضباط استخبارات وعملاء إسرائيليون بأنهم مستثمرون يديرون شركة لتصنيع أجهزة النداء البيجر، بينما لم يكن بعض الموظفين في تلك الشركات على دراية بهوية الجهة التي يعملون لصالحها، وفقًا للمصدر.

وأكدت “أي بي سي نيوز” أنها تواصلت مع شركة BAC Consulting، التي تتخذ من المجر مقرًا لها وتعمل على إنتاج أجهزة البيجر نيابة عن شركة Gold Apollo التايوانية، لكنها لم تتلقَ أي رد من الشركتين بشأن طلبات التعليق.

وقال متحدث باسم الحكومة المجرية لشبكة القناة الأميركية إن أجهزة البيجر لم تكن موجودة في المجر، وأوضح أن شركة BAC Consulting كانت “وسيطًا تجاريًا” بدون أي موقع تصنيع أو عمليات في البلاد.

وأكدت صحيفة “نيويورك تايمز” أن إسرائيل متورطة في تصنيع أجهزة البيجر المستخدمة في الانفجارات الأخيرة، بينما لم تصدر السلطات الإسرائيلية تعليقًا رسميًا بشأن هذا التورط.

ووفقًا للمصادر، تم زرع ما بين أونصة إلى أونصتين من المتفجرات ومفتاح تحكم عن بُعد لتفجير الأجهزة. وأسفرت الانفجارات، التي وقعت في لبنان خلال اليومين الماضيين وتم تفجيرها عن بُعد باستخدام أجهزة البيجر، وأجهزة “تولكي ولكي”، وأسفرت عن عشرات الضحايا وإصابة أكثر من ألفي شخص آخرين، بحسب البيانات اللبنانية الرسمية.

قناة اي بي سي نيوز الاميركية

ترجمة صحيفة القدس العربي




ميدل إيست آي: غزة المستهدف الحقيقي من الهجمات على لبنان

أكد مقال بموقع “ميدل إيست آي” البريطاني أن توقيت هجمات إسرائيل على لبنان محسوب بعناية لاستغلال انشغال الإدارة الأميركية بالانتخابات، وتحقيق أهداف الحكومة الإسرائيلية بـ”تطهير قطاع غزة عرقيا أو تهجير سكانه”.

وشدد الكاتب الفلسطيني محمد مرتجى على أن غرض إسرائيل هو تحويل الانتباه وتشتيت الاهتمام الدولي بعيدا عن غزة، ويمنح ذلك الاحتلال فرصة مثالية لمواصلة “قتل وإصابة وتجويع وتهجير الفلسطينيين في القطاع”.

ويرى الكاتب أن توقيت هذه الاستفزازات مدروس، فقد دعا كل من وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى غزو لبنان في يونيو/حزيران، وكرر سموتريتش رغبته باحتلال جنوب لبنان بعد شهر من ذلك.

غرض إسرائيل هو تحويل الانتباه وتشتيت الاهتمام الدولي بعيدا عن غزة، ويمنح ذلك الاحتلال فرصة مثالية لمواصلة “قتل وإصابة وتجويع وتهجير الفلسطينيين في القطاع”

ويستغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو انشغال الولايات المتحدة بالانتخابات و”قدرتها المحدودة” على التأثير بإسرائيل لتحقيق كل من رغبة الوزيرين وحلم العديد من المسؤولين الإسرائيليين بحرب شاملة تطال لبنان و”تمحو غزة”.

ولفت الكاتب إلى أن نية إسرائيل بالتخلص من الفلسطينيين في غزة “إلى الأبد” كانت واضحة منذ البداية، وفي حين يجب تسليط الضوء على لبنان في حالة اندلاع حرب جديدة، فمن المهم أيضا منع إسرائيل من تسريع أجندة “الإبادة الجماعية” في غزة.

وأكد الكاتب أن على العالم العربي أن يتحد في مواجهة إبادة إسرائيل للفلسطينيين في غزة وعدوانها على لبنان، وحث المجتمع الدولي على فرض عقوبات على الحكومة الإسرائيلية، واختتم بالقول “يجب ألا ننسى غزة، لأن التاريخ بالتأكيد لن ينسى”.

وأسفرت الحرب الإسرائيلية عن مقتل أكثر من 41 ألف فلسطيني، وقد يصل عدد الضحايا الحقيقي إلى 186 ألفا، وفق دراسة ذكرتها مجلة “ذا لانسيت”، ولا يزال أهل غزة يكافحون للبقاء على قيد الحياة بعد عام كامل من حرب إسرائيل على القطاع.

موقع ميدل ايست آي البريطاني

ترجمة ابراهيم درويش




إندبندنت: هجمات إسرائيل ضد “حزب الله” صورة عن افتقارها لإستراتيجية السلام ودليل عجزها عن الخروج من مأزق غزة

نشرت صحيفة “إندبندنت” مقالاً للمديرة التنفيذية للمؤسسة البحثية “تشاتام هاوس” في لندن، برونوين مادوكس، قالت فيه إنه مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لهجمات “حماس” على إسرائيل، في 7 تشرين الأول/أكتوبر، والرد الانتقامي ضد غزة، فإن إسرائيل ليست لديها إستراتيجية للسلام.

 وأكدت أن هجمات البيجر الأخيرة ضد “حزب الله” تثبت هذا الأمر، فقد تم تفجير أجهزة النداء/بيجر التي يستخدمها مقاتلو “حزب الله” في لبنان وسوريا بضربة واحدة، في 17 أيلول/سبتمبر، مخلّفة 12 قتيلاً و 3,000 جريح.

 وفي اليوم التالي، تم تفجير أجهزة اللاسلكي (ووكي توكي)، ما أدى لمقتل 20 شخصاً وجرح 400 على الأقل، وافترض أن الحادثين من تنفيذ إسرائيل.

مادوكس: الإشارات كلّها تشير لعدم رغبة إيران بالدخول والمشاركة في نزاع واسع لا تستطيع التحكم به، وسيشغل الرئيس الجديد عن جهوده للحصول على اتفاق يخفف العقوبات عن بلاده

وتعلق مادوكس بأن حجم الهجمات وطبيعتها الاستعراضية يمكن النظر إليها على أنها محاولة من الجيش والاستخبارات الإسرائيلية لإصلاح سمعتها التي أصبحت في حالة يرثى لها بعد هجمات “حماس”، في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وربما كان هذا الهجوم محاولة من إسرائيل لمعالجة مشكلتها على حدود الشمال، فـ “في زيارتي للمنطقة، هذا الأسبوع، رأيتُ آثار تبادل الهجمات الصاروخية والقذائفية المتواصل، والتي أدّت إلى إجلاء 60 شخص من البلدات الإسرائيلية. وبحسب التقارير، فقد تم إخلاء قرى لبنانية أيضاً نتيجة للقتال”.

وربما كانت الهجمات بمثابة إشارة لـ “حزب الله” وداعمته إيران للتراجع عن الهجمات شبه اليومية، مع أن العملية الأخيرة لن تمكّن الحكومة الإسرائيلية من إعادة السكان إلى منازلهم. بل على العكس من ذلك، فإن الهجمات تهدد بتصعيد الصراع المتزايد على الحدود الشمالية، وتحويله إلى حرب إقليمية عملت الولايات المتحدة، والعديد من جيران إسرائيل، جاهدة من أجل تجنبها.

 وقالت إنها زارت، يوم الإثنين، وقبل يوم من هجمات بيجر، كريات شمونة، قرب الحدود اللبنانية التي كانت شبه فارغة. فهذه المنطقة التي تشبه شكل المربع في إسرائيل، الذي تحدّها التلال اللبنانية والمنحدرات العارية لمرتفعات الجولان، لم تكن المنطقة الأكثر ازدهاراً في إسرائيل بسبب الأعمال العدائية، فالطرق لدمشق وبيروت مغلقة منذ وقت طويل. ومع ذلك، فهي منطقة تنتشر فيها المزارع الصغيرة للفواكه والماشية والسياحة الهادئة حول الجليل إلى الجنوب منها. وقد تحولت اليوم إلى مدينة أشباح، حيث تم إجلاء سكانها إلى مناطق مختلفة من إسرائيل.

ويحاول رئيس بلديتها توفير ما يكفي من الأمن لمنع نهب المحلات التجارية والبيوت والشقق المهجورة والشركات التجارية. وتظهر آثار الحرائق في الغابات بالمنطقة نتيجة الهجمات الصاروخية، أو تلك التي اعترضتها القبة الحديدية. ولأن عدد السكان بات قليلاً فقد بات المسؤولون عن تشغيل القبة يمنحون الأولوية لحماية مناطق أخرى في إسرائيل، نظراً لأن كلفة الصاروخ المعترض تصل إلى 100,000 دولار.

 ويخشى السكان الذين بقوا في المنطقة من غزو يقوم به “حزب الله”، وليس الهجمات الصاروخية.

ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، قلّت ثقة السكان بقدرة الجيش الإسرائيلي والاستخبارات على حمايتهم، في وقت تتزايد فيه احتمالات عدم عودتهم إلى مناطقهم. ويعلل القادة العسكريون أنفسهم بالأماني من أجل شن هجوم سريع يفضي لتقوية الحدود وتعزيز الأمن.

ويتفق المحللون على أنه من الصعب أن نرى كيف يمكن للسكان استعادة الثقة في غياب مثل هذا الإجراء. وأي تحرك عسكري من شأنه أن يزيد من تصعيد الصراع مع إيران ووكيلها “حزب الله” اللبناني.

 وهذا على وجه التحديد ما لا تريد الولايات المتحدة وحلفاء إسرائيل الآخرون رؤيته. وتقول مادوكس إن “حزب الله” وحلفاءه قد ينتقمون للهجمات الأخيرة، لكن شكل الانتقام ليس واضحاً، حيث يعمل “حزب الله” مع إيران، بشكل أوثق من “حماس”، وسترشد طهران أي عملية انتقامية له.

 وهناك الحوثيون، وكلاء إيران في اليمن، الذين حقّقوا نجاحاً ملموساً في عرقلة حركة الملاحة البحرية عبر قناة السويس والبحر الأحمر، وضربوا إسرائيل مرتين، مع أن الإشارات كلّها تشير إلى عدم رغبة إيران بالدخول والمشاركة في نزاع واسع لا تستطيع التحكم به، وسيشغل الرئيس الجديد عن جهوده للحصول على اتفاق يخفف العقوبات عن بلاده.

الكاتبة: حجم الهجمات وطبيعتها الاستعراضية محاولة من الجيش والاستخبارات الإسرائيلية لإصلاح سمعتها التي أصبحت في حالة يرثى لها بعد هجمات “حماس”

وسيمرّ عامٌ على هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر، ولم تستطع إسرائيل حل واحدة من أعظم الأزمات في تاريخها. فقد أدت حربها ضد “حماس” في غزة إلى مقتل أكثر من 40,000 فلسطيني، حسب وزارة الصحة في غزة، وأثارت انتقادات دولية واسعة. وهناك أكثر  من 100 أسير لا يزالون في غزة، مع أن هناك الكثيرين ماتوا، على ما يعتقد بشكل واسع.

وتعلق مادوكس قائلة: “في زيارتي لإسرائيل، هذا الأسبوع، كان من المذهل أن أرى حالة الانقسام المريرة في الرأي العام، بين أولئك الذين يريدون إعادة الأسرى إلى عائلاتهم كأولوية، وأولئك الذين يفضّلون ملاحقة “حماس” حتى على حساب حياة الأسرى”.

وأشارت إلى تصاعد العنف في الضفة الغربية، بما في ذلك عنف المستوطنين، وأدى لمقتل أكثر من 600 فلسطيني، منذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. وفي الوقت نفسه، تتعرّض إسرائيل لضغوط دولية متزايدة بسبب أفعالها في غزة. و”بعد الاجتماع والتحدث مع الإسرائيليين والفلسطينيين، هذا الأسبوع، يبدو السلام بعيد المنال أكثر من أي وقت مضى”.

 ومثل ذلك “يظل المسار المحتمل للعلاقات الإقليمية الأكثر استقراراً، من خلال التطبيع مع السعودية والعلاقات الدبلوماسية القائمة مع خمس دول عربية، بعيد المنال في حين يستمر القتال في غزة”.

ومع اقتراب الذكرى السنوية لهجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر، تفتقر إسرائيل إلى إستراتيجية للسلام.

صحيفة اندبندنت البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




التايمز: حيل الموساد لن تحلّ مشكلة إسرائيل مع “حزب الله” ولا أزمة نتنياهو ولن توقف حرب غزة

قال ريتشارد سبنسر، في مقال نشرته صحيفة “التايمز”، إن “حيل الموساد لن تضيء طريق إسرائيل”، فربما أدّت الهجمات لمنع غزو إسرائيلي للجنوب اللبناني، إلا أن الخلاف حول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عميقٌ جداً.

وقال إن مواطني الدول القائمة على الجزر، أو تلك التي يحيط بها حلفاء فقط، قد يندهشون من قرب العدو عندما يصعدون إلى أبراج المراقبة في الدول التي تخوض حرباً. ففي كوريا، يمنح الجانب الجنوبي من المنطقة منزوعة السلاح رؤية سهلة للعمال  الفقراء في الجزء الشمالي وهم يعملون في حقولهم على بعد أميال.

وفي الجبال الخضراء الشاسعة، حيث تلتقي إسرائيل ولبنان، لا يفصل بين الجانبين سوى مسافة قريبة مثل مصافحة اليد.

ويقول سبنسر إن الصحافيين الأجانب هم من بين قلائل وقفوا على الجانبين بدون أي عائق، ووقف سبنسر نفسه  في الجانب الإسرائيلي على منصة خرسانية، قبل عدة أشهر، حيث أخبره الجنود أنهم جاهزون  “لإنهاء ما بدأوه” في الوادي الواقع تحتهم.

وكانوا يشيرون للمحاولات المتعددة من الجيش الإسرائيلي غزو لبنان و”القضاء على الإرهاب” هناك.

ويضيف أن التباهي أمر، ولكن في الظروف المناسبة يجب التعامل معه بجدية. وكانت هذه هي الظروف المناسبة. وفي وقت سابق، قال له أحد الضباط البارزين الذين كانوا يرافقون الجنود، حيث لم يسمح للكاتب هنا الكشف عن هويته، ولكنه كان في وضع يسمح له بمعرفة ذلك، إن القوات الإسرائيلية أكملت خططها لغزو جنوب لبنان، وعرضتها على نتنياهو. وكل ما كان مطلوباً هو موافقة حكومة الحرب عليها.

ومع أنه لم تتم الموافقة على الخطة، على ما يبدو، إلا أن تفجير أجهزة النداء/بيجر، في الأيام الماضية، إشارة عن بداية للغزو الشامل.

وتريد إسرائيل إخراج “حزب الله” من الشريط الحدودي في جنوب لبنان، وهي المنطقة التي احتلتها عام 1982- 2000 ، بهدف تخفيف التهديد على السكان في البلدات الشمالية في إسرائيل، والذين أجبروا على النزوح بعد المواجهات مع “حزب الله” التي بدأت بعد هجمات “حماس” على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر.

وقال وزير الدفاع يوآف غالانت إن “مركز الجذب يتحرك نحو الشمال”.

وفي الظاهر، يبدو أن غزو لبنان أقل صعوبة من تدمير “حماس” التي يختبئ مقاتلوها في أنفاق غزة. وهي محاولة قادت لتدمير كامل القطاع، وقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ومئات الجنود الإسرائيليين. ولدى “حزب الله” أنفاقه، لكن المنطقة ليست ذات كثافة سكانية عالية، وقد غادرها معظم السكان لمناطق أكثر أمناً في الشمال اللبناني.

وقال إن إسرائيل قد تنتهي، وبلا شك، بقصف البنى التحتية في لبنان، وحتى الأحياء السكنية في بيروت، لو اندلعت الحرب الشاملة، إلا أن عمليتها لا تحتاج لما شاهدناه في غزة، والتنديد العالمي الذي أعقب هذا. وتدرك إسرائيل هذه الصعوبات، والتي كانت سبباً في عدم شن عملية عسكرية في لبنان.

ويقول سبنسر إن ما ذكره الجنود المتفاخرون الذين لقيهم على المنصة الخرسانية لم يكن نجاحات كاملة لإسرائيل. ويظل اجتياح لبنان عام 1982 مثالاً على ضرورة الحذر وما تتمنى تحقيقه.

فقد نجح الغزو بطرد “منظمة التحرير” من لبنان، لكنه نفّر حلفاء إسرائيل، بمن فيهم رئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر، وخَلَقَ الغزو أعداء أبديين، حتى مع الفصائل اللبنانية في الحرب الأهلية، والتي كان يؤمل أنها قد تقيم سلاماً مع إسرائيل.

وبالضرورة، لم يحل الغزو مشكلة التهديد الإرهابي. فقد حَلَّ “حزب الله” محَلَّ “منظمة التحرير الفلسطينية”، إلى جانب عدد من الجماعات الأكثر تشدداً.

وكانت المحاولة الثانية في عام 2006 لاحتواء تهديد “حزب الله” أسوأ من الغزو الأول، بل واعتبرها القادة العسكريون الإسرائيليون فشلاً ذريعاً.

وتساءل الكاتب عما سيحدث في الأيام والأسابيع  والأشهر المقبلة، وأنه سيظل نقاشاً مفتوحاً.

ويقال إن نتنياهو مترددٌ بفتح جبهة جديدة: فهو تاريخياً يتجنّب المخاطرة. أما غالانت، فعندما كان الكاتب في إسرائيل، كان متحمساً نوعاً ما للعملية.

وهناك ملاحظة جانبية مثيرة للاهتمام، فبعدما نشر تقريره، اتصل به ضابطٌ من الإعلام العسكري، وأخبره بقلق أن الأشخاص الذين أجرى معهم المقابلات عند المنصة الخرسانية، تجاوزوا حدودهم، وقلّل من فرص الحرب.

كان ذلك في الماضي، وهذا هو الحال الآن، ولكن من الواضح أن الانقسامات عميقة في الإستراتيجية الأوسع لإسرائيل، داخل كل من المؤسستين السياسية والعسكرية. وقال إن هذا الانقسام أمرٌ يجب أن نأخذه بعين الاعتبار، وسواء كانت عملية تفجير البيجر في لبنان مثيرة للإعجاب أو السخط، أو كليهما، فالتفسير القوي لتوقيت هذه العملية أنها كانت تهدف إلى أن تكون بديلاً للغزو، وليس تمهيداً له.

وبما أن “حزب الله” لا يمكن تدميره بالفعل، نظراً لقاعدة الدعم له في المجتمع الشيعي الأوسع في لبنان، ولأنه يحظى بدعم إيران، فمن الأفضل له أن يتراجع عن خططه، ويأمل في التوصل لاتفاق لاحق بشأن المناطق الحدودية بدلاً من المخاطرة ومواجهة الدبابات التي قد تنتظره في حال اجتياح إسرائيل للبنان.

وهذا تفكير جيد وبالتأكيد أفضل، فقد حقق الموساد نجاحات كبيرة في الفترة الأخيرة، من قتل القائد العسكري للحزب فؤاد شكر، إلى اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس” إسماعيل هنية، وقبل ذلك قتل عالم الذرة الإيراني محسن فخري زادة، في عام 2020. ولكن عمليات الاغتيالات هذه ليست حلولاً بل مَراهم، فهؤلاء يمكن استبدالهم.

وبما أن إسرائيل لا تزال في حرب غزة يبدو أنها غير قادرة على إنهائها، فهي لا تملك أي وسيلة للتوفيق بين نفسها وبعض جيرانها، وخاصة لبنان وسوريا، في حين أن دولاً أخرى، مثل الأردن، الشريك السابق، غاضبة من إسرائيل. ويستمر البرنامج النووي الإيراني. وتتخبط حكومة نتنياهو المنقسمة وجيشه المنقسم، ولكن دون أي قدر من الإقناع، وهو الرجل نفسه الذي يكرهه أغلب من يعملون معه. ويتساءل العديد من الإسرائيليين إلى أين يتجهون، ولا تستطيع حيل الموساد أن تقدم لهم الإجابة.

صحيفة التايمز البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




لقادة إسرائيل: لا تغتروا بـ”خدعتكم السينمائية”.. فالحرب ليست “أولمبياد تكنولوجيا”

الآن هذا موجود لدينا خطياً، بألف نسخة متفجرة: إسرائيل تريد الحرب، حرباً كبيرة. ليس هناك طريقة أخرى لفهم هذه العملية الهوليوودية المزركشة والمتفجرة في لبنان، باستثناء إرسال بيان عبر البيجر، بيان قاطع للعدو يكشف نواياها الحقيقية. ألف انفجار و3 آلاف مصاب، هذا دعوة للحرب المقبلة
في هوليوود بدأوا يعملون سيناريوهات، ولكن خلافاً للأفلام العملية وعلوم الخيال، بات هناك واقع حقيقي للفيلم. المتحمس لأجهزة البيجر المتفجرة عليه الذهاب إلى السينما. في الواقع، يجب تحديد هدف واضح لكل عملية. لسنا في أولمبياد التكنولوجيا مع ميدالية عن العملية الأكثر إدهاشاً. نحن في ذروة الحرب الأكثر إجرامية والأكثر عدم فائدة التي حظرتها إسرائيل طوال حياتها، والآن يتبين أنها تريد واحدة أخرى. بعد سنة على حربها الفاشلة جداً في غزة، التي لم تحقق أي هدف ولم تسجل أي إنجاز عدا إشباع غريزة الانتقام، بات من غير المعقول اليوم أن إسرائيل تريد حرباً أخرى. من غير المعقول أنها بعد أن دفعت وستدفع ثمناً مصيرياً في أعقاب الحرب في غزة، تريد حرب أخرى. من غير المعقول كيف يحدث ذلك.
بالضبط مثل الحرب في غزة، أجهزة البيجر المتفجرة في لبنان عديمة الجدوى هي الأخرى. تحية للمخططين والمنفذين. احتللنا رفح وفجرنا أجهزة البيجر. كل الاحترام للجيش الإسرائيلي والموساد. الآن، ماذا بعد؟
هل تحسن وضع سكان الشمال أول أمس عندما انفجرت أجهزة البيجر؟ هل باتت إسرائيل الآن في مكان أكثر أمناً؟ هل تحسن مصير المخطوفين؟ هل تحسنت مكانة إسرائيل؟ هل تلاشى خطر إيران؟ هل هناك أي شيء، شيء واحد، تغير إلى الأفضل نتيجة هذا الاستعراض المناوب، باستثناء الأنا المتضخمة أصلاً لدى الأمنيين لدينا؟
بالضبط مثل التصفيات الفاخرة التي لم تساهم بأي شيء، فإن بطولة البيجر ليست سوى خدعة سينمائية. باستثناء اللعاب الذي يسيل في الأستوديوهات إزاء أي عربي قتيل أو مصاب، فإن وضع إسرائيل في اليوم التالي سيكون أسوأ من اليوم الذي سبق العملية البطولية، حتى لو وزعت إسرائيل الحلوى.
أول أمس، اقتربت الحرب في الشمال بسرعة مدهشة. ستكون أكثر الحروب مع قدرة على منعها في تاريخ الدولة. وقد تكون أيضاً حمام الدماء الأكبر فيها. عندما يقول حزب الله بصراحة بأنه سيوقف إطلاق النار عند التوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار مع حماس، فإسرائيل غير مستعدة لوقف الحرب في غزة، وتطلب من حزب الله مهاجمتها، هكذا هي الحرب الاختيارية.
إذا كانت الحرب في غزة تسببت بإساءة لوضع إسرائيل في كل المجالات، فإن الحرب في الشمال ستفوقها بأضعاف من حيث أضرارها. غزة ستكون المقدمة لكوارث الحرب القادمة: القتلى، الدمار، عداء العالم، الرعب والكراهية لأجيال. ربما ينشأ وضع نشتاق فيه إلى المعارك في “الشجاعية”. أهذا ما نريد جلبه على أنفسنا، بأيدينا؟
الأمور بسيطة أكثر مما تبدو. وقف إطلاق النار في غزة سيؤدي إلى وقف إطلاق النار في الشمال. بعد ذلك سنتحدث عن الاتفاق. وحتى لو لم يتم التوصل إليه، الواقع بدون حرب في الشمال سيكون أفضل لإسرائيل. لا أحد يعرف كيف سنكون بعد حرب أخرى. كم سننزف وكم سيتم ضربنا قبل الانتصار. مثلما كان من الأفضل عدم اندلاع حرب شاملة في غزة، التي هي أيضاً كانت بالطبع حرباً مبادراً إليها، فمن الأفضل عدم اندلاع الحرب في الشمال.

ما زال بالإمكان منعها (هناك شك كبير بعد تفجير أجهزة الاتصال)، لكن على إسرائيل التحرر من فكرة أنه يمكنها حل أي شيء بالقوة، وبالسلاح وأجهزة الاتصال المتفجرة، وبالتصفيات والحرب. لسذاجتي، اعتقدت أنها تعلمت ذلك في غزة. غداة تفجير أجهزة البيجر، يمكن القول بثقة وأسف بأنها لم تتعلم. هي بعيدة عن ذلك.
جدعون ليفي

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي