هل يريد نتنياهو استدعاء كوشنر وإنهاء العمليات في غزة ولبنان وإيران قبل أن يتولى ترامب الرئاسة
|
قال روجر بويز، محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة “التايمز “، إنه مع اقتراب حقبة بايدن من نهايتها، قد ينتهز بنيامين نتنياهو الفرصة لضرب إيران قبل أن تبدأ خطط ترامب لإحلال السلام. فقد أرسلت الولايات المتحدة ست قاذفات من طراز بي-52 يوم الخميس لمساعدة قطر في ردع هجوم إيراني متوقع على إسرائيل وأرسلت عشرات من مقاتلات إف-15 إلى الأردن لاعتراض المُسيّرات والصواريخ المجنحة: مجرد يوم آخر مزدحم بالنشاط في القاعدة الجوية الأمريكية في لاكنهيث، سوفولك. وقد يكون الرئيس المنتخب ترامب واثقا من قدرته على إدخال سلام ذهبي في الشرق الأوسط، ولكن في الشهرين اللذين يسبقان تنصيبه على الأقل، تستعد إيران وإسرائيل لمعركة شرسة.
كانت إحدى علامات الطريقة التي تسير بها الأمور هي إقالة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذا الأسبوع لوزير دفاعه يوآف غالانت. هذه خطوة غير عادية في خضم الحرب، لكن شركاء نتنياهو المتشددين في الائتلاف اعتبروا غالانت ضعيفا للغاية ومتشككا في إمكانية تحقيق النصر الإسرائيلي الكامل. كل ما أبقاه في منصبه كان ارتباطا قويا بوزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن. والآن مع توجه بايدن نحو الخروج، كذلك أوستن. إذا كان هناك دفع شامل للفوز ضد حماس في غزة و”حزب الله” في لبنان، فهذا هو الوقت المناسب. لم تعد “الخطوط الحمراء” لبايدن صامدة.
قد ينتهز بنيامين نتنياهو الفرصة لضرب إيران قبل أن تبدأ خطط ترامب لإحلال السلام
هل يمكن أن يكون ترامب قد قال لنتنياهو: افعل ما يجب عليك فعله ولكن افعل ذلك بسرعة؟ إذا ضربت إيران إسرائيل وردت إسرائيل بضربة على البنية التحتية النووية أو النفطية الإيرانية، فإن ترامب 2.0 سيبدأ ساعته بحرب متصاعدة، حرب تحد من مجال المناورة لديه. والحقيقة أنه يبدو أن لديه مصلحة في تجنب الحرب.
كان مبعوثه إلى الشرق الأوسط خلال فترة ولايته الأولى صهره جاريد كوشنر. وبإحاطة من هنري كيسنجر قد نجح في إقناع البحرين والإمارات بالاعتراف بإسرائيل. وإذا كان من الممكن إشراك السعودية، فإن الولايات المتحدة تكون قد هندست سياسة احتواء ضد إيران.
وربما كانت اتفاقيات إبراهيم المزعومة وسيلة أكثر أمانا من الجهود الدبلوماسية التي بذلها باراك أوباما لرشوة إيران للتخلي عن برنامجها النووي كما يقول بويز. بالنسبة لترامب، كانت هذه خطوة أقرب إلى جائزة نوبل للسلام التي لا يزال يتوق إليها. ويمكن استدعاء كوشنر، الذي كان على المنصة مع ترامب في حفل النصر، لإكمال مهمته.
بدا أن الهجوم الذي شنته حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي قد وضع حدا لاتفاقيات إبراهيم. وكذلك فعل رد إسرائيل: قصف غزة الذي حول الفلسطينيين إلى شهداء وأبطال الشارع العربي.
قد تعتمد استراتيجية ترامب المتجددة في الشرق الأوسط الآن على قدرة كوشنر على إقناع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بالتخفيف من المطالبات بدولة فلسطينية
وقد تعتمد استراتيجية ترامب المتجددة في الشرق الأوسط الآن على قدرة كوشنر على إقناع ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، بالتخفيف من المطالبات بدولة فلسطينية. إنها قضية حقيقية للأمير ولكنها قضية يتمسك بها والده المريض الملك سلمان بشغف. عندما يموت الملك، قد تكون هناك فرصة دبلوماسية تسمح لابنه بتقديم بعض التنازلات الجزئية.
يحسب ولي العهد، فما يريده بالفعل هو ما إذا كانت بلاده يجب أن تجد إجابة نووية خاصة بها لمشروع إيران. كيف؟ متى؟ بمساعدة الولايات المتحدة، أو على الرغم منها؟.
يمكن لصهر كوشنر أن يتدخل بالضغط على نتنياهو. حتى الآن كان نتنياهو أكثر انفتاحا على الضغوط من ترامب مقارنة ببايدن أو أوباما. هل هذا يضيف إلى سياسة الشرق الأوسط؟ بالنسبة لترامب، فإن لها ميزة التهرب من التورط الأعمق في حرب إقليمية فوضوية، وتحافظ على الوضع الراهن للولايات المتحدة كحليف ثابت لإسرائيل، وبطل التحديث في العالم العربي وموازنة للصين، التي كانت توسع بصمتها في الشرق الأوسط. لكنها تعتمد بشكل كبير على حسن نية ساسة مثل ولي العهد. ولا تأخذ في الاعتبار المفاجآت من إيران أو الدعم السري لروسيا لكسر العقوبات على طهران.
لقد بذلت إيران قدرا كبيرا من الجهد في بناء تحالفات معادية للغرب. لديها صديق قوي في الصين، وإن لم يكن ملتزما بشدة. إن جيوشها بالوكالة، على الرغم من الأضرار التي لحقت بحماس و”حزب الله”، تحتفظ بالقدرة على تعطيل التجارة العالمية. يمكن للحوثيين في اليمن إغراق حركة المرور البحرية وشن هجمات بمسيّرات على منشآت النفط السعودية.
يمكن لترامب أن يحاول إخراج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وسوف يشكره العديد من الأمريكيين على ذلك. لكن أولا، عليه أن يساعد في حماية إسرائيل من الهجوم وأن يعمل بجدية أكبر لوقف صعود إيران كدولة مسلحة نوويا.
صحيفة التايمز البريطانية
ترجمة ابراهيم درويش
إيكونوميست: هل يوقف ترامب حروب الشرق الأوسط.. وأي دور لصهره اللبناني؟
|
تساءلت مجلة “إيكونوميست” البريطانية في افتتاحية لها، حول ما إذا كان الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب، سيَفي بتعهده خلال حملته الانتخابية بوقف الحروب حول العالم بما في ذلك بالشرق الأوسط. وبدأت بالقول إن “ترامب وحّد في يومه الأول كرئيس منتخب، الشرقَ الأوسط”، مشيرة إلى أن “الجميع يتفق على أن فترته الثانية ستغير سياسة أمريكا في المنطقة، لكن لا أحد يتفق على ماهية هذه السياسة”. واعتبرت أنه “رغم أن انتخاب ترامب ربما يبشر بتحول جذري، فإن الاتجاه الذي سيسلكه يعتمد على من يسمع منه آخرا”. ولفتت إلى أن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سارع إلى “كسب ود ترامب، وكان من بين أول قادة العالم الذين هنأوا الرئيس المنتخب على ما أسماه أعظم عودة في التاريخ”. وأكدت أن “نتنياهو يعتقد أن إدارة ترامب ستمنحه حرية تامة لمواصلة حروب إسرائيل في غزة ولبنان دون أي تدخل أمريكي يطالب بوقف إطلاق النار”. لكنها لفتت إلى أن ترامب خاض الانتخابات متعهدا بتهدئة المنطقة، وقال في خطاب النصر ليلة الانتخابات: “سأوقف الحروب”.
وأشارت المجلة إلى أن الولايات المتحدة أرسلت 18 مليار دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل منذ أكتوبر 2023، ولقي ما لا يقل عن أربعة جنود أمريكيين حتفهم بسبب القتال. وذكرت أنه يتساءل البعض في إسرائيل عما إذا كان ترامب سيشعر بثقل الكلفة ويطالب نتنياهو بإنهاء الحرب قبل توليه المنصب.
وبحسب المجلة “ففي حال حدّ ترامب من قدرة إسرائيل على محاربة إيران ووكلائها، فسوف يُحبط الصقور في واشنطن والقدس. ففي ولايته الأولى، تخلى ترامب عن خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، الاتفاقية التي فرضت قيودا على برنامج إيران النووي مقابل تخفيف العقوبات. وقد حاول بايدن إحياء الاتفاقية دون نجاح. وقد يجد ترامب نفسه أمام خيار التفاوض بشأن صفقة جديدة أو الموافقة على عمل عسكري ضد المواقع النووية الإيرانية”.
ولفتت إلى أن “ترامب وعد بعدم السماح لإيران بصنع قنبلة نووية، ومع ذلك يبدو غير متحمس للصراع. ففي 5 نوفمبر، قال: لا أريد إلحاق الضرر بإيران، معربا عن رغبته في أن تكون دولة ناجحة”. ووفقا للمجلة، فإن الأشخاص المحيطين بترامب لديهم آراء مختلطة. كان لدى أعضاء حكومته الأولى صلات وثيقة بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وهي مؤسسة فكرية في واشنطن تدعو لتغيير النظام في إيران. قد يجد بعض هؤلاء الأعضاء أدوارا في إدارة ترامب الثانية. وذكرت أنه في المقابل، هناك جي دي فانس، نائب الرئيس المنتخب، الذي لا يبدو متحمسا لخوض حرب جديدة في الشرق الأوسط. ففي مقابلة الشهر الماضي، قال إن مصالح أمريكا وإسرائيل قد تتباين أحيانا، “ومصلحتنا الأساسية هي عدم الدخول في حرب مع إيران”.
ووفق المجلة، يدعو مشروع 2025، وهو خطة للتيار اليميني لفترة ترامب الثانية، لفرض عقوبات على إيران دون التوصية بعمل عسكري، مشددا على ضرورة أن يقوم حلفاء أمريكا العرب بدور أكبر في حماية أنفسهم من التهديدات الإيرانية. وبحسبها، فهذا الخطاب يثير قلق دول الخليج، التى تخشى أيضا أن تؤدي حرب ترامب التجارية مع الصين إلى تراجع أسعار النفط.
شددت المجلة على أن “لا أحد متأكد من كيفية حكم ترامب هذه المرة. في الشهر الماضي، وعد بجلب السلام إلى لبنان، لكنه لم يوضح كيف سيحقق ذلك. هل سيطالب إسرائيل بسحب قواتها والموافقة على وقف إطلاق النار؟ أم سيدعم غزوا أوسع بهدف القضاء على حزب الله للأبد؟”.
ووفقها، فمن المرجح أن يعتمد الجواب على مستشاريه. ويأمل نتنياهو في التأثير على ترامب، لكن العلاقة بينهما متوترة؛ إذ يحمل الرئيس المنتخب ضغينة ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي منذ عام 2020، عندما هنأ الأخير بايدن على فوزه الانتخابي بينما كان ترامب لا يزال يعترض على النتيجة. ولفتت إلى أنه في عام 2022، تزوجت تيفاني ترامب من مايكل بولوس، ابن رجل الأعمال اللبناني- الأمريكي الثري، مسعد بولوس، الذي يقدم المشورة لترامب بشأن الشرق الأوسط، ومن هنا جاء اهتمام ترامب المفاجئ بلبنان.
واعتبرت “إيكونومست”، أن فوز ترامب السريع والواضح يستبعد احتمال فترة ما بعد الانتخابات التي قد تشهد تصعيدا في الصراع بين إيران وإسرائيل، ويمنح بايدن 75 يوما (قبل استلام ترامب الحكم) قد يستخدمها لمواجهة نتنياهو.
وذكرت أنه في الفترات بين الانتخابات والتنصيب، يتبع الرؤساء الأمريكيون غالبا سياسة أقل ميلا للمجاملة تجاه إسرائيل. ففي عام 2016، قرر باراك أوباما عدم استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار لمجلس الأمن يدين المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية. في عام 2000، استخدم بيل كلينتون هذه الفترة ليطرح “معايير كلينتون”، وهي محاولة (مزعومة) أخيرة للوصول إلى اتفاق سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
وأشارت إلى أنه لم تثمر هذه الخطوات كثيرا، لكنها كانت إشارات على الإحباط الأمريكي. ولكن بحسب المجلة فالآن، يمكن لبايدن أن يذهب أبعد من ذلك، إذا كان مستعدا لقضاء أيامه الأخيرة في مواجهة مع نتنياهو.
مجلة إيكونوميست البريطانية
ترجمة ابراهيم درويش
الحرب الشاملة تدخل شهرها الثاني: ربع اللبنانيين نازحون وبلدات سوّيت بالأرض
|
مع دخول الحرب في لبنان شهرها الثاني وما تركته من خسائر في البشر والحجر والاقتصاد، تتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وترتفع التحذيرات من انهيار شامل للدولة، إلى درجة أن يؤثر على قدرة لبنان على إطعام نفسه، حسب «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» الذي توقّع أن تستمر الحرب حتى نهاية عام 2024.
وبانتظار أن تتوقف آلة القتل، يبدو المشهد ضبابياً وغير واضح لجهة الأرقام الدقيقة في حجم الخسائر، لا سيما في القرى والبلدات التي دُمّرت بشكل كامل أو جزئي، بحيث كل الأمور تستند إلى تقديرات قد تكون الحقائق أكبر منها بكثير.
ربع اللبنانيين باتوا نازحين… والضحايا بالآلاف
تشير أرقام وزارة الصحة اللبنانية إلى وصول عدد القتلى في لبنان نتيجة القصف الاسرائيلي منذ بدء المواجهات بين «حزب الله» وإسرائيل في 8 أكتوبر (تشرين الأول) إلى 2593 (حتى مساء الخميس)، إضافة إلى أكثر من 12 ألف جريح، فيما سجل صباح الجمعة مقتل ثلاثة صحافيين وجرح ثلاثة آخرين في غارة إسرائيلية استهدفتهم في مقر إقامتهم لنقل أحداث الجنوب في منطقة حاصبيا.
أما منذ بدء الحرب الشاملة على لبنان في 23 سبتمبر (أيلول) الماضي، فيقدر العدد بحوالي 1580 وفق حصيلة أعدتها وكالة الصحافة الفرنسية بناءً على بيانات وزارة الصحة، التي أعلنت عن مقتل 163 شخصاً من العاملين في قطاعي الصحة والإسعاف، في حين تشير التقديرات إلى أن عدد القتلى أكبر بكثير، لا سيما في ظل الحديث عن جثث لا تزال تحت الأنقاض. أما قتلى «حزب الله» الذي كان قد توقف عن نعي مقاتليه منذ نهاية الشهر الماضي، وكان عددهم حينها 508، تشير أرقام «الدولية للمعلومات» إلى أنهم وصلوا إلى حوالي 908 أشخاص، حسب الباحث محمد شمس الدين.
ومن أبرز الضربات القاسية التي تلقاها «حزب الله» كانت اغتيال أمينه العام حسن نصر الله، ورئيس مجلسه التنفيذي هاشم صفي الدين الذي كان المرشح الأبرز لتولي منصب الأمين العام، إضافة إلى عدد من القادة العسكريين والميدانيين. وكان الجيش الإسرائيلي قد أعلن قبل 5 أيام أن عدد قتلى «حزب الله» تجاوز الـ1500 عنصر.
وفيما يشير شمس الدين إلى أن هناك ما يقارب حوالي 30 شخصاً لا يزالون تحت الأنقاض، قال وزير الصحة اللبناني فراس أبيض، الجمعة، إن هناك 8 مسعفين قتلوا في الجنوب لا يزالون في سياراتهم، ولا يزال الجيش الإسرائيلي يمنع انتشالهم.
وعلى وقع تصعيد القصف نزح معظم سكان قرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، بحيث بات ربع اللبنانيين من النازحين، حسب شمس الدين، فيما قالت مفوضية شؤون اللاجئين أن خمس الشعب اللبناني نزح حتى الآن.
وتقدّر لجنة الطوارئ الحكومية عدد النازحين بحوالي مليون و300 ألف، موزعين على حوالي 1100 مركز في بيروت وجبل لبنان، إضافة إلى الشمال، حيث تم تحويل المدارس وأبنية حكومية مراكز إيواء.
لكن الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين يشكّك في هذه الأرقام، عاداً أن الدولة اللبنانية ترفع الأرقام للحصول على المساعدات، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حوالي 900 ألف نازح لبناني، منهم 650 ألفاً في لبنان، بينهم 170 ألفاً في مراكز النزوح، و143 ألفاً غادروا إلى سوريا ومائة ألف سافروا إلى خارج لبنان».
ويحتاج لبنان لتغطية احتياجات الغذاء والماء والصرف الصحي والخدمات التعليمية للنازحين إلى 250 مليون دولار شهرياً، حسب وزير البيئة، منسق لجنة الطوارئ، ناصر ياسين، الذي لفت في حديث لوكالة «رويترز» إلى أنه يتم العمل على خطة للإغاثة على مدى أربعة إلى ستة شهور.
حجم الدمار كبير … ولمحافظة النبطية الحصة الأكبر من القصف
تعكس الصور والمشاهد التي تنتشر عن قرى جنوب لبنان والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت حجماً كبيراً من الدمار، بحيث سوّيت بعض القرى بالأرض بشكل نهائي، ودمّرت بشكل كامل آلاف المباني، حيث أشارت التقديرات في بداية شهر أكتوبر الحالي إلى سقوط 3 آلاف، بالتالي فإنه من المرجح أن يكون العدد قد تضاعف اليوم، علماً بأن الجيش الإسرائيلي عمدَ إلى تفخيخ قرى بأكملها، مثل محيبيب وراميا في الجنوب.
وقد وصف المتحدث باسم قوات «اليونيفيل» في لبنان أندريا تيننتي «الدمار في قرى الجنوب بالصادم والمروع»، فيما رأى فيه البعض أنه يوازي دمار زلزال كبير. لكن القصف المتواصل يحول دون القدرة على تحديد حجم الخسائر بشكل دقيق، فيما قدّر وزير الاقتصاد أمين سلام تكلفة الدمار بحوالي 20 مليار دولار أميركي.
ووفق توثيق المجلس الوطني للبحوث العلمية، فإن محافظة النبطية تعرضت لأكبر عدد من الاعتداءات الإسرائيلية، أي بأكثر من 1763 اعتداءً، وتليها محافظة الجنوب بـ936 اعتداءً، ومن ثم بعلبك – الهرمل بـ383، وجبل لبنان بـ180 اعتداءً، والبقاع بـ143 اعتداءً، مع العلم أن ضاحية بيروت الجنوبية التي لها حصة كبيرة من القصف تعدُّ في محافظة جبل لبنان (قضاء بعبدا).
مطار بيروت يعمل بشركة طيران «الشرق الأوسط» فقط
منذ بدء الحرب في جنوب لبنان أعلنت شركات طيران أجنبية عن تعليق رحلاتها من وإلى بيروت، وإن بشكل متقطع، وصولاً إلى توقف العدد الأكبر منها عند بدء التصعيد العسكري الإسرائيلي في 23 سبتمبر الماضي، وعمدت كل الدول إلى إجلاء رعاياها من بيروت على مراحل، وباتت اليوم شركة طيران «الشرق الأوسط» الشركة الوحيدة التي تعمل في «مطار رفيق الحريري الدولي».
وفي هذا الاطار، قال نقيب أصحاب مكاتب السياحة والسفر في لبنان، جان عبود، إن «حجوزات السفر لمغادرة لبنان عبر مطار رفيق الحريري الدولي تراجعت خلال الـ10 أيام الأخيرة بحدود 20 و30 في المائة عن الفترة السابقة».
ولفت، في بيان، إلى أنه «مع بداية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) سنشهد تراجعاً في عدد الرحلات، فمثلاً ستصبح هناك رحلة واحدة لشركة (الميدل إيست) إلى فرنسا أو أفريقيا بدلاً من رحلتين في اليوم، حيث إن الطلب على الرحلات انخفض بشكل كبير».
وبالنسبة إلى طائرات «الشرق الأوسط»، العائدة إلى لبنان، أشار عبود إلى أن «الطائرات الآتية إلى مطار بيروت تكون شبه فارغة، حيث إن عدد الأشخاص العائدين إلى لبنان قليل جداً»، مشيراً إلى أن «ملاءة الطائرة لا تتعدى الـ10 بالمائة في طريق العودة إلى لبنان».
تراجع النشاط الاقتصادي حوالي 90 بالمائة
انعكست الحرب على لبنان على معظم القطاعات، باستثناء تلك المرتبطة بالمواد الغذائية. وانخفض النشاط الاقتصادي نتيجة لذلك ما بين 85 و90 في المائة، وفق ما أعلن رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية الوزير السابق محمد شقير، مشيراً إلى أن الخسائر الاقتصادية تقدّر حتى الآن بما يقارب الـ10 مليارات دولار أميركي، ومحذراً من تفاقم الوضع في الأشهر المقبلة إذا استمرت الحرب.
ولفت إلى أنه بعدما سجّل انطلاقاً في عملية النهوض بالاقتصاد بين عامي 2023 و 2024، «نرى اليوم أن كل شيء يتلاشى»، محذراً من أن المؤشرات «تجعلنا نخاف من حصول انهيار شامل للدولة اللبنانية»، وملحماً بأن المؤسسات الخاصة قد لا تصبح قادة على دفع رواتب الموظفين في حال استمرت الحرب «وهذا سيؤدي حتماً إلى خفض رواتب لدى جزء منها وتقليص عدد الموظفين لدى الجزء الآخر».
برنامج الأمم المتحدة : العواقب ستستمر لسنوات
وتوقع تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن تمحو الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» 9 في المائة من الثروة الوطنية اللبنانية قياساً بالناتج المحلي الإجمالي، وأن تؤدي إلى ارتفاع بنسبة 30 في المائة في احتياجات الحكومة التمويلية في بلد بحالة يرثى لها حتى قبل بدء العنف.
وقال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إنه حتى لو انتهت الحرب في عام 2024، فإن العواقب ستستمر لسنوات، مشيراً إلى أن الأضرار التي لحقت بالبنية الأساسية المادية والإسكان والقدرات الإنتاجية مثل المصانع من المرجح أن تكون قريبةً من تلك المقدرة لحرب عام 2006، التي تراوحت بين 2.5 مليار دولار و3.6 مليار دولار، لكنه لفت إلى أن التأثير الإنساني والتداعيات الاقتصادية في عام 2024 من المتوقع أن تكون أكبر بكثير مما كانت عليه في عام 2006».
وقال تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن إغلاق المعابر الحدودية المهمة للتجارة من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض بنسبة 21 في المائة في الأنشطة التجارية، وأنه يتوقع خسائر في الوظائف في قطاعات السياحة والزراعة والبناء.
كارولين عاكوم
صحيفة الشرق الاوسط
وول ستريت جورنال: كيف استعاد “حزب الله” عافيته بعد الضربات الإسرائيلية المؤلمة ويرد بقوة
|
نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا أعده جاريد مالسين قال فيه إن حزب الله وبعد تعرضه لسلسلة من الضربات الإسرائيلية المؤلمة، استعاد المبادرة ويقاوم ويعد كمائن للقوات الإسرائيلية في لبنان ويكثف الضربات بالمسيرات والصواريخ في عمق إسرائيل.
وأكد الكاتب أن الهجمات تظهر أن حزب الله، على الرغم من إضعافه بعد مقتل جيل من قادته الكبار وتدمير بعض أسلحته، لا يزال قادرا على تحويل أعنف صراع يشهده لبنان منذ عقود إلى صراع طويل الأمد بالنسبة لإسرائيل.
وأضاف مالسين أن حزب الله يطلق الصواريخ على إسرائيل منذ أكثر من عام لإظهار تضامنه مع الفلسطينيين في غزة. وفي حين أسفرت تلك الصواريخ عن أضرار محدودة وإصابات قليلة، فقد أدت إلى نزوح عشرات الآلاف من الأشخاص من شمال إسرائيل واستنزاف الموارد الإسرائيلية حيث تنفق إسرائيل بكثافة لاعتراضها.
وكان غزو إسرائيل لجنوب لبنان في أواخر أيلول/ سبتمبر، والذي أدى في حد ذاته إلى نزوح مئات الآلاف من الناس، يهدف إلى إجبار حزب الله على وقف هجماته. وبدلا من ذلك، فإنه يزيد من حدتها.
أصاب هجوم بمسيّرة لحزب الله خلال عطلة نهاية الأسبوع مقر إقامة نتنياهو في قيسارية في وسط إسرائيل، على بعد أكثر من 40 ميلا من الحدود اللبنانية
وقد أصاب هجوم بمسيّرة لحزب الله خلال عطلة نهاية الأسبوع مقر إقامة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو في قيسارية في وسط إسرائيل، على بعد أكثر من 40 ميلا من الحدود اللبنانية، وهي المرة الثانية في أسبوع التي أظهر فيها حزب الله قدرة على اختراق الدفاعات الجوية الإسرائيلية باستخدام المسيّرات.
فقد أسفر هجوم قبل ذلك بأيام عن مقتل أربعة جنود إسرائيليين في قاعدة لوحدة النخبة العسكرية، أيضا في وسط إسرائيل. ونشر حزب الله يوم الاثنين لقطات فيديو قال إنها أظهرت قصف مجموعة من الجنود الإسرائيليين في قرية رامية في جنوب لبنان. ويبدو أن الفيديو، الذي تم تصويره من الصاروخ نفسه، يظهر استخدام صواريخ مضادة للدبابات موجهة من قبل الجماعة، والتي كانت أسلحتها الأكثر فتكا في الحرب الأخيرة التي خاضتها مع إسرائيل في عام 2006.
كما ارتفعت وتيرة إطلاق حزب الله للصواريخ، حيث أطلق الحزب ما معدله 200 صاروخ وقذيفة كل يوم خلال عطلة نهاية الأسبوع و140 يوم الثلاثاء، وفقا للجيش الإسرائيلي. وخلال الأسابيع السابقة، كان متوسطها بضع عشرات فقط في اليوم.
وتظل عمليات إطلاق حزب الله للصواريخ هي أقل مما توقعه المسؤولون الإسرائيليون في حالة اندلاع حرب واسعة النطاق، وهي ما اعتبرت علامة على تدهور قدرات الجماعة. ولكن الجيش الإسرائيلي يقول إن معظم هجمات “حزب الله” يتم اعتراضها من قبل الدفاعات الجوية الإسرائيلية، بتكلفة تبلغ حوالي 100 ألف دولار لكل طائرة بدون طيار وما يصل إلى عدة ملايين من الدولارات لكل صاروخ تسقطه.
ومع ذلك، يظهر حزب الله قدرته على إعادة التجمع بسرعة تحت الضغط. ويقول المحللون العسكريون إن وحداته المسلحة تدربت على العمل بدرجة ما من الاستقلالية، مما يجعل من الأسهل عليها الاستمرار في القتال حتى عندما يقتل كبار القادة ويتم تعطيل الاتصالات الداخلية.
وتعلق الصحيفة إن هذه القدرة على البقاء والاستمرار في القتال تزيد من خطر قيام إسرائيل بإرسال جيشها إلى صراع دموي وطويل الأمد.
وقالت ريم ممتاز، المحللة الأمنية المقيمة في باريس وتعمل مع معهد كارنيغي أوروبا للسياسات: “لا يزال حزب الله لديه استراتيجيته الأساسية، وهي التمسك بأرضه في الجنوب في مواجهة أي نوع من الهجوم البري أو التوغل أو التقدم الإسرائيلي. إنه موطن حزب الله. إنهم يعرفون كل زاوية وركن، وسوف يستخدمون هذه الميزة”.
ووفق التقرير يتزامن توسع الهجمات الصاروخية بعد مقتل زعيم حماس يحيى السنوار في غزة، وهي الوفاة التي اعتقد بعض المحللين أنها قد توفر مخرجا لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإنهاء الحروب في كل من غزة ولبنان. ولكنه قال في اليوم التالي إن الحرب ستستمر، في حين تعهد حزب الله بتصعيد رده على غزو إسرائيل للبنان.
وبدأ القادة الإسرائيليون يتحدثون عن أهداف أكثر طموحا لهجومهم الأخير، إلى جانب هدفهم المعلن الأولي المتمثل في جعل المجتمعات في شمال إسرائيل آمنة. وشن الجيش الإسرائيلي هذا الأسبوع غارات جوية على فروع بنك تابع لحزب الله، والتي قال مسؤولون إسرائيليون إنها كانت تهدف إلى تقويض قاعدة دعم الجماعة الإسلامية.
كما دعا نتنياهو في وقت سابق من هذا الشهر الشعب اللبناني إلى الانتفاضة ضد حزب الله.
وقال مسؤول عسكري إسرائيلي كبير: “إن القتال هناك معقد للغاية. والهدف هو شل حزب الله بشدة من أجل تغيير ميزان القوى في لبنان”.
حتى الآن، كانت إسرائيل قادرة على استخدام مزاياها، بما في ذلك القوة الجوية وعمليات الاستخبارات والمراقبة المتطورة، لوضع حزب الله في موقف دفاعي.
ويقول المحللون العسكريون والدبلوماسيون إن المجموعة لا تزال قادرة على استيراد المزيد من الأسلحة لتحل محل بعض ما تم تدميره، وخاصة عبر حدودها مع سوريا، ولديها عمليات جاهزة لاستبدال كبار القادة الذين قتلوا.
وقال دانيال بايمان، وهو زميل بارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن ومسؤول سابق في الحكومة الأمريكية: “إنها مجموعة قادرة على التكيف. إنها ذكية للغاية. إنها مصممة للغاية. إنهم على استعداد لتحمل الخسائر. لن أستبعد حزب الله أبدا، لكنني أعتقد أنهم تعرضوا لضربة شديدة”.
وأظهر حزب الله أنه قادر على توسيع هجماته إلى عمق إسرائيل. خلال الأسبوع الذي بدأ في الثاني والعشرين من أيلول/ سبتمبر، أي بعد نحو أسبوع من هجوم إسرائيل باستخدام أجهزة بيجر بلغ متوسط عمق ضربة حزب الله نحو 17 ميلا داخل إسرائيل، وفقا لبيانات من موقع بيانات الأحداث والصراعات المسلحة وجمعها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية. وهذا أعلى من متوسط نحو 2.4 ميلا على مدى ما يقرب من عام من القتال عبر الحدود في السابق.
ارتفعت وتيرة إطلاق حزب الله للصواريخ بمعدل 200 صاروخ وقذيفة كل يوم خلال عطلة نهاية الأسبوع و140 يوم الثلاثاء، وفقا للجيش الإسرائيلي. وخلال الأسابيع السابقة، كان متوسطها بضع عشرات فقط
من المرجح أن يأتي الاختبار الحقيقي لكل من الجيش الإسرائيلي وحزب الله، إذا ما اختار قادة إسرائيل إرسال قواتهم إلى عمق أكبر داخل الأراضي اللبنانية، حيث يتمتع مقاتلو حزب الله بميزة القتال على أرضهم.
حتى الآن، دخلت القوات الإسرائيلية ثماني قرى على الأقل، وكلها على بعد ميل واحد من الحدود، وفقا لتصريحات إسرائيل وحزب الله وتحديد موقع الجنود الإسرائيليين من قبل شركة “لي بيك” وهي شركة استشارية استخباراتية.
وقد استخدمت قوات حزب الله قنابل يتم تفجيرها عن بعد وقذائف الهاون والصواريخ للرد، وفقا لمسؤولين عسكريين إسرائيليين.
وأعلن الجيش الإسرائيلي عن مقتل 17 جنديا في جنوب لبنان وخمسة آخرين في شمال إسرائيل وعلى طول الحدود اللبنانية، بالإضافة إلى الأربعة الذين قتلوا في غارة بمسيّرة شنها حزب الله على قاعدة لواء المشاة جولاني العسكرية في إسرائيل هذا الشهر. وقد تمكنت المسيرة من المرور دون اكتشاف القوات الإسرائيلية قبل أن تضرب قاعة طعام بينما كان الجنود يتناولون العشاء، مما أدى أيضا إلى إصابة أكثر من 60.
صحيفة وول ستريت جورنال الاميركية
ترجمة ابراهيم درويش
أكسيوس: إسرائيل قدمت للبيت الأبيض طلباتها لإنهاء الحرب في لبنان
|
ذكر موقع أكسيوس نقلا عن مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين أن إسرائيل قدمت للولايات المتحدة الأسبوع الماضي وثيقة تتضمن شروطها للتوصل إلى حل دبلوماسي لإنهاء الحرب في لبنان.
ونقل أكسيوس عن مسؤول إسرائيلي أن إسرائيل طالبت السماح لقواتها المسلحة بالمشاركة في “تنفيذ فعال” لضمان عدم إعادة تسليح جماعة “حزب الله” وعدم إعادة بنيته التحتية العسكرية بالقرب من الحدود.
وأضاف التقرير أن إسرائيل طالبت أيضا بحرية عمل قواتها الجوية في المجال الجوي اللبناني.
وقال مسؤول أمريكي لأكسيوس إنه من غير المرجح بشكل كبير أن يوافق لبنان والمجتمع الدولي على شروط إسرائيل.
ولم يتسن الحصول على تعليق من البيت الأبيض خارج ساعات العمل العادية. ولم ترد وزارة الخارجية الأمريكية بعد على طلب للتعليق، كما لم ترد سفارتا إسرائيل ولبنان في واشنطن على الفور على طلب للتعليق.
وأضاف التقرير أن آموس هوكشتاين مبعوث الرئيس الأمريكي سيزور بيروت اليوم الاثنين لبحث إمكانية إيجاد حل دبلوماسي للصراع.
وكالة رويترز
تنمية الطاقة المتجددة في لبنان… ضرورة في مواجهة التحديات
|
يعاني لبنان، منذ سنوات، أزمة خانقة في قطاع الطاقة الكهربائية، فمنذ بدء الانهيار الاقتصادي أواخر عام 2019، اعتاد اللبناني أن تتفاوت ساعات التغذية التي تصله بين فترات “العتمة الشاملة” إلى ثلاث أو أربع ساعات يومياً في أحسن الأحوال، يتوقّف هذا الأمر على توفّر مادة الفيول في المعامل، وتوفّر الأموال لاستيرادها.
في ظل الوضع القائم، وغياب الحلول الجادة في الأفق، بدأت الأسر اللبنانية والشركات والمصانع في السنوات الأخيرة باللجوء إلى الحلول المستدامة والاعتماد على الطاقة المتجددة لا سيّما ألواح الطاقة الشمسية التي غزت أسطح المنازل في القرى والبلدات اللبنانية وصولاً إلى العاصمة بيروت.
لا تُعتبر هذه الوسيلة ملجأً لتأمين الطاقة فحسب، بل أيضاً أحد أهم أسباب حماية البيئة ومواجهة التغيّر المناخي الذي يجتاح العالم، خاصة في بلد مثل لبنان تغطي سماءه سُحب الدخان الأسود الناتج عن تشغيل المولّدات طوال أيام السنة.
وفي سياق الطاقات المتجددة، شكّل مشروع المحطة الشمسية في بلدة “طير حرفا”، جنوب لبنان، الذي تعرّض لاستهداف من قبل الطيران الإسرائيلي في 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، مشروعاً مهمّاً إذ جاء استجابةً للحاجة الملحّة إلى توفير المياه النظيفة لأهالي البلدة، خاصةً المزارعين، ونتيجة لارتفاع تكلفة الحصول على الكهرباء، والاعتماد الكبير على مولّدات الديزل لضخ المياه أو اللجوء إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة.
يُشير المشرف على محطة الطاقة الشمسية في “طير حرفا”، ضمن مشروع Smart Power، أحمد عواضة، إلى أن “أحد الأسباب الرئيسية للاعتماد على الطاقة الشمسية كان صعوبة تأمين كميات كبيرة من المازوت لتزويد المنازل بالمياه، بالإضافة إلى التكلفة العالية لتشغيل مولّدات الكهرباء”، موضحاً أن هذا القرار اتُخذ بإجماع المجتمع المحلي والبلدية، حيث لاقت الفكرة حماساً وترحيباً من سكان البلدة.
ويؤكد عواضة أن مشروع الطاقة الشمسية صديق للبيئة، حيث يعمل على توفير الطاقة النظيفة دون أي مخلّفات تؤدي إلى تلوّث الهواء أو البيئة المحيطة به، مقارنةً بالمولّدات التي تساهم في تلوّث الهواء بسبب انبعاثات المازوت والزيوت، مردفاً بأن البلدة كانت تعتمد على مولّدات كهرباء ضخمة تعمل لساعات طويلة، وقد توقفت تقريباً بشكل كامل عن العمل، خاصةً خلال فترة الصيف. وبالتالي، يمكن القول إن هذا المشروع ساهم بشكل كبير في تقليل انبعاثات المولّدات وتأثيراتها السلبية على البيئة.
نوعان من المبادرات
بدورها، تقول المحامية والخبيرة القانونية في شؤون الطاقة، الدكتورة كريستينا أبي حيدر، إن هناك نوعين من المبادرات المتعلقة بالطاقة الشمسية التي تم تنفيذها في لبنان، “الأولى هي المبادرات الفردية، والتي ظهرت بشكل واضح في صيف 2021، عندما انتقلنا إلى ‘العتمة الشاملة’ مع انتهاء عقد شركة كهرباء لبنان مع الجزائر، وانقطاع إمدادات الفيول، إضافةً إلى الأحداث والأزمات المتتالية المترافقة مع الانهيار الاقتصادي وغياب المال لشراء الفيول لمعامل كهرباء لبنان”.
وتردف: “شهدنا في تلك الفترة فورة في التوجّه إلى الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء، بحيث لم يكن أمام الناس إلا أن يتجهوا إلى حلول فردية بدون أي توجيه أو تنظيم”، مؤكدةً أنه لا يمكن لوم الأفراد في هذه الحالة، لا سيّما أنهم كانوا في سعي لإيجاد حلول فردية والهرب من فواتير المولّدات التي ارتفعت بشكل كبير، في الوقت الذي بقيت فيه الدولة عاجزة عن تأمين أي حلول فعلية.
أما النوع الثاني، فتخص به أبي حيدر المبادرات المحلية للبلديات في لبنان، مشيرةً إلى أن هناك توجهاً ملحوظاً من قبل البلديات، خاصة في المناطق الريفية، نحو الاستثمار في الطاقة الشمسية لأغراض مختلفة مثل توفير الكهرباء للمواطنين أو ضخ المياه، كما هو الحال في مشروع “طير حرفا”، متابعةً بأن مثل هذه المشاريع ورغم أهميتها تُعد حلولاً مؤقتة لتوفير الكهرباء، بحيث لا يمكنها تغطية احتياجات البلديات بالكامل على مدار الساعة نظراً للتكاليف العالية والاحتياجات الكبيرة للمساحات.
وتلفت أبي حيدر في هذا السياق إلى الشق القانوني لهذه المشاريع، موضحةً أن القوانين اللبنانية الحالية تحد من تنفيذها، “القوانين تمنع إنتاج وبيع ونقل الكهرباء بشكل مستقل، حيث تظل جميع هذه الأنشطة تحت احتكار مؤسسة كهرباء لبنان منذ تأسيسها عام 1946″، مؤكدةً أن عدم القانونية يشمل أيضاً مولّدات الكهرباء التي تشكل ضرراً كبيراً على البيئة وصحة الإنسان.
عجز الخطط الوطنية للطاقة النظيفة
إلى ذلك، توضح أبي حيدر، التي عملت على مقترح قانون الطاقة المتجددة الموزعة الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2023، أن القانون كان يهدف إلى السماح للقطاع الخاص بتنفيذ مشاريع الحقول الشمسية وبيع الكهرباء مباشرةً دون الحاجة إلى إذن من أي جهة، مع إمكانية استخدام شبكة الدولة، مشيرةً إلى أنه “كان من المفترض أن يُمكِّن هذا القانون البلديات، إما بشكل مباشر أو عبر القطاع الخاص، من تنفيذ مشاريع الطاقة الشمسية. ولكن، للأسف، تم ربط تنفيذ هذا القانون بإنشاء ‘الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء’، التي كان من المفترض أن تُعيّن في عام 2002”.
وفي ما يتعلّق بتأثير هذه المبادرات على تلوّث الهواء والتغيّر المناخي، تلاحظ أبي حيدر أن معظم هذه المشاريع تركّز على تلبية الاحتياجات الفردية فقط في حين أن “الدولة لم تتبع خطة فعالة لتقليل الانبعاثات، بل اضطرت إلى إيقاف معاملها بسبب نقص الوقود، وهو ما خفض الانبعاثات بشكل غير مباشر، في وقت تستمر انبعاثات المولّدات، التي تُعتبر ‘قنابل موقوتة’ وتؤثر سلباً وبشكل كبير على البيئة دون إيجاد أي خطة فعلية للحد من انبعاثاتها”.
وتشدّد الأكاديمية اللبنانية على أن “مشكلة بيئية جديدة تنتظرنا” في ظل غياب خطة واضحة للتخلّص من البطاريات المستخدمة وتدويرها، مؤكدةً أن هذه المبادرات المحلية للطاقة الشمسية مفيدة كحلول مؤقتة، لكن تنفيذها بشكل قانوني وفعّال يحتاج إلى مزيد من الإجراءات التنظيمية والتخطيط الإستراتيجي.
على هامش مؤتمر COP 28، أُعلن أن لبنان ماضٍ قدماً في الوصول إلى مستهدف بنسبة 30% من إجمالي استهلاك الكهرباء عبر مصادر الطاقة المتجددة بحلول عام 2030، بالإضافة إلى التزام الحكومة اللبنانية بخفض الانبعاثات بنسبة 30% بحسب اتفاق باريس، ويثير الواقع الراهن تساؤلات عديدة حول مدى تحقيق هذه الأهداف. وعليه تستعرض أبي حيدر القضايا الأساسية التي تواجه قطاع الطاقة المتجددة في لبنان، قائلةً: “كل ما فعلته الدولة هو دفع المواطنين إلى البحث عن حلول فردية لمشاكل الطاقة والانبعاثات، دون وجود خطة وطنية ملموسة وشاملة لتحقيق هذه الأهداف”.
كما تشدد أبي حيدر على أن العديد من المشاريع الوطنية للطاقة المتجددة، لم تنفذ بالرغم من الإعلان عنها وأخذ المناقصات، مثل مشروع “مزارع الرياح”، موضحةً أن هذه المشاريع لم تُنفذ بذريعة الانهيار المالي، رغم أن التراخيص كانت قد منحت في عام 2017، أي قبل حدوث الانهيار. “السبب الفعلي وراء عدم التنفيذ هو أن المشاريع كانت تعتمد على تمويل من الدولة، التي أصبحت غير قادرة على توفير التمويل”، على حد قولها. وهي تلفت إلى أن استمرار وزارة الطاقة والمياه في إطلاق المناقصات – في ظل عدم توفر المال وإفلاس الدولة – هو مجرد تصريحات إعلامية في ظل غياب خطوات منطقية وملموسة.
وفي ما يتعلّق بالأرقام التي تُعلنها وزارة الطاقة والمياه حول إجمالي استهلاك الكهرباء من الطاقة الشمسية، تستغرب أبي حيدر التصريحات بشأن تحقيق 1000 ميغاوات من الطاقة الشمسية، دون تقديم تفاصيل دقيقة حول كيفية الوصول إلى هذه الأرقام، متسائلةً: “كيف يمكن للوزارة أن تُصرّح بمثل هذه الأرقام دون تقديم بيانات واضحة؟ خاصة أنه لا يوجد نظام موحد موصول بشبكة كهرباء لبنان، ما يجعل من الصعب تتبع الأرقام بدقة”.
وعليه، تؤكد أبي حيدر أن الحكومات والمسؤولين المتعاقبين على وزارة الطاقة في لبنان لم يستثمروا بشكل فعّال في الطاقات المتجددة، رغم أن لبنان يمتلك موارد طبيعية غنيّة مثل المياه، لافتة إلى أن ما يحدث حالياً لا يتجاوز كونه تصريحات دون تنفيذ فعلي. “نحن بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية ونية جادة في تطبيق القوانين الحالية وتحقيق الانتقال الطاقوي من خلال استثمارات منظمة وفعّالة. لكن في الواقع، لا توجد نية حقيقية لحل مشكلة الكهرباء، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على ‘بيزنس’ المولّدات”، تختم.
في لبنان… “نحن بحاجة إلى إرادة سياسية حقيقية ورغبة جادة في تطبيق القوانين الحالية وتحقيق الانتقال الطاقوي من خلال استثمارات منظمة وفعّالة. لكن في الواقع، لا توجد نية حقيقية لحل مشكلة الكهرباء، خاصة في ظل استمرار الاعتماد على ‘بيزنس’ المولّدات”
التعويل على المحطة الشمسية؟
ولم يكن مستغرباً أن تطالعنا شركة كهرباء لبنان، في منتصف شهر آب/ أغسطس 2024، بأن محطات الطاقة التابعة لها استنفدت احتياطياتها من الوقود، ما أدّى إلى توقّفها عن إنتاج الكهرباء حتى تأمين إمدادات جديدة. برزت هذه الأزمة كجزء من حلقة مستمرة من أزمات الكهرباء التي يعاني منها سكان لبنان، في ظل تكرار رفض العروض المتاحة وغياب الخطط الفعّالة التي يمكن أن تعالج هذه المشكلة المزمنة المستمرة منذ عقود.
وترى خبيرة النفط والغاز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لوري هايتيان، أن العرض القطري قد يكون جزءاً من حل مشكلة قطاع الكهرباء في لبنان لتعزيز زيادة الكهرباء عبر الطاقة الشمسية، ولكنه ليس حلاً شاملاً ومتكاملاً، لا سيّما أنه “اليوم، ومع التغيّرات الكبيرة في الاقتصاد والمؤسسات وحاجات البلاد بعد الانهيار، لم تعد الخطط القديمة التي وضعت عام 2010، وإن تم تحديثها، في عامي 2017 و2018، قابلة للتطبيق”. وكانت دولة قطر قد عرضت على لبنان، في عام 2023، بناء ثلاث محطات لتوليد الطاقة بقدرة 450 ميغاوات، أي نحو 25% من احتياجات البلاد، لكن لم تتلق الدوحة أي رد منذ ذلك الحين.
وتلفت هايتيان، في هذا الصدد، إلى ضرورة أن تعمل الحكومة اللبنانية، من خلال وزارة الطاقة، على وضع رؤية جديدة تتماشى مع الظروف الحالية للقطاع وتغيّرات البلاد. كما تشير إلى ضرورة التحوّل إلى طاقات أنظف ضمن ما يُعرف بالانتقال الطاقي العالمي حيث “ينبغي وجود خليط من الطاقة يشمل الغاز كخيار أقل تلوّثاً، إلى جانب الطاقات المتجددة مثل الطاقة الشمسية والهوائية والمائية”.
وترى هايتيان أن المشروع القطري يجب أن يكون جزءاً من رؤية أوسع حول كيفية إنتاج وتوزيع الكهرباء، سواء من خلال القطاع العام أو عبر الشراكات، مشددةً على أهمية وضع رؤية شاملة للدولة في قطاع الكهرباء وتطبيق القوانين أولاً، ومن ثم التفكير في كيفية جذب الأموال لتنفيذ الخطط.
وتحذّر هايتيان من أن “هذه الحلول الفردية لا تكفي لتحقيق تحول طاقي شامل”، وأنه من الضروري الانتقال من الحلول الفردية إلى مبادرات جماعية ووطنية لضمان توزيع الطاقة بشكل عادل، لافتةً إلى أن “الحلول الفردية قد توفّر بعض الفوائد على المدى القصير، لكنها ليست عمليّة على المدى الطويل” خاصةً أن تجربة المولّدات التي بدأت مع الحرب الأهلية كحلول فردية، تطوّرت لتصبح قطاعاً غير شرعي.
وحديثاً، أطلق وزير الطاقة والمياه في حكومة تصريف الأعمال، وليد فيّاض، عبر منصة الشراء العام، مناقصة جديدة لبناء محطة طاقة شمسية تعمل على الخلايا الفوتوفولتية بقدرة إجمالية تبلغ 8 ميغاوات، معلناً أنه “سوف يتم تمويل كلفة هذه المحطة من موازنة وزارة الطاقة والمياه وسيجري ربطها على الشبكة الوطنية لمؤسسة كهرباء لبنان”. وأشار أيضاً إلى أن هذه المحطة “ستُبنى على مجرى نهر بيروت في العاصمة اللبنانية، وستكون أكبر مشروع طاقة شمسية يتم بناؤه في لبنان حتى تاريخه”.
ودعت الوزارة الشركات المتخصّصة في قطاع الطاقة الشمسية إلى المشاركة في هذا المشروع “لما له من أثر إيجابي، خصوصاً أنها قد حسّنت الشروط المالية للعقد، ما يسمح للمتعهّدين باستيفاء مستحقاتهم بحسب سعر الصرف في تاريخ الدفع، وبالتالي يحميهم من مخاطر تقلّبات العملة”. فهل تكون هذه الخطوة بارقة أمل لتأمين طاقة نظيفة وأكثر استدامة في لبنان؟
الفئات المهمّشة هي الأشد تضرّراً
ترك الاعتماد المفرط على المولّدات في تأمين الطاقة اللبنانيين في خطر كبير لا سيّما من الناحية الصحّية فقد بيّنت مادة نشرت في المجلة الشهرية للجامعة الأمريكية تحت عنوان “أزمة تلوّث الهواء في لبنان وما بعدها”، أنّ التعرض لتلوّث الهواء له تأثيرات صحّية عميقة بحيث ارتبط العيش بالقرب من الطرقات السريعة المزدحمة والمولّدات التي تعمل على الديزل بشكل كبير بأمراض القلب والأوعية الدموية وأيضاً ارتفاع ضغط الدم. وتُظهر الدراسات تركيزات الجسيمات الدقيقة والهيدروكربونات العضوية من الملوثات الرئيسية التي تسهم في زيادة دخول المستشفيات لحالات الطوارئ التنفسية والقلبية في بيروت، كما إلى زيادة خطر الإصابة بالسرطان. بالإضافة إلى ذلك، قد يؤدي التعرض لهذه الجسيمات الدقيقة إلى زيادة خطر حدوث تشوهات خلقية بنسبة تصل إلى 15%.
تقول دكتورة الكيمياء التحليلية ومديرة مركز حفظ البيئة في الجامعة الأمريكية في بيروت، نجاة عون صليبا، في اتصال معها، إن هناك علاقة مباشرة بين تلوّث الهواء والتأثيرات الصحية والبيئية الناتجة عنه، متابعةً “هناك أدلة عالمية كثيرة تؤكد هذه العلاقة، ولا حاجة لدراسة خاصة في لبنان لتأكيد المؤكد”.
وفي التوصيات للحد من التلوّث، تشير الدكتورة صليبا إلى أن معرفة مصدر التلوّث هو الخطوة الأولى للحد منه، وقد حدّدت الدراسة، التي أعدها باحثون في الجامعة الأمريكية في بيروت تحت إشراف صليبا، المصادر الرئيسية لتلوّث الهواء في لبنان في: مولّدات الديزل والسيارات. وللتقليل من هذه الانبعاثات الضارة. وتوضح صليبا أن هناك خطوات عملية يمكن اتباعها مثل التواصل مع النيابة العامة البيئية وتقديم الشكاوى، بالإضافة إلى توجيه أسئلة للوزراء المعنيين في وزارات الداخلية والبلديات والطاقة والبيئة، مشدّدةً على أن هذه جميعها من واجبات النائب أن يراقب للحفاظ على صحة وسلامة المواطنين، مؤكدةً أن “الموضوع ليس بعدد القوانين بل في تطبيق القوانين الموجودة بشكل صارم”.
وحول تأثّر فئات أكثر من غيرها جرّاء الانبعاثات وانعكاس تغيّر المناخ، ترى العضوة في الهيئة الإدارية في منظمة “فيمايل” والمتخصصة في علوم البيئة وتقنيات الهيدروكربونات والنفط، رؤى دندشي، أن النساء وذوي الإعاقة هما في عداد أكثر الفئات تأثّراً، مضيفةً “مع تزايد عدد السكان وارتفاع الطلب على الطاقة، تزداد الانبعاثات مثل ثاني أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والكبريت، وهي مواد سامة تؤثر على صحة الإنسان”.
تشرح دندشي أن هذه الانبعاثات تؤثّر بشكل خاص على النساء والأشخاص ذوي الإعاقة، خاصةً في المناطق القريبة من المصانع والمولّدات، حيث يكونون أكثر عُرضة للإصابة بالأمراض التنفسية، متابعةً بأن النساء، بسبب الحمل والضغط على الرئتين، يواجهن تحديات صحية إضافية نتيجة هذه الانبعاثات.
كذلك، يكون الأشخاص ذوو الإعاقة، خاصة الذين يعانون من إعاقة حركية، أكثر عرضة للتلوّث إذا كانوا يعملون أو يتواجدون في أماكن مغلقة قرب المصانع.
ترك الاعتماد المفرط على المولّدات في تأمين الطاقة اللبنانيين في خطر كبير لا سيّما من الناحية الصحّية، والتي تتضمّن الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية وأيضاً ارتفاع ضغط الدم، علاوة على زيادة حالات الطوارئ التنفسية والقلبية في بيروت، وزيادة خطر الإصابة بالسرطان
وتسلّط دندشي الضوء على أن كلفة التلوّث، مثل تكاليف العلاج المرتفعة، تشكل عبئاً إضافياً على النساء غير العاملات والأشخاص ذوي الإعاقة في الأحياء الفقيرة. لذلك، تدعو إلى التحوّل إلى مصادر طاقة بديلة لتحسين الوضع البيئي والصحي. كما تؤكد على أهمية مشاركة النساء في صياغة السياسات المتعلقة بتغيّر المناخ والطاقة المتجددة، مشيرةً إلى أنهن يعانين بشكل مباشر من تأثيرات التلوّث. “تجربة النساء في التعامل مع التلوّث تختلف عن تجربة الرجال، لذا من الضروري أن يُؤخذ رأيهن في الاعتبار عند وضع السياسات”، تقول.
وتؤكد دندشي في ختام حديثها أن إشراك النساء ليس مجرد مسألة تمثيل، بل هو خطوة أساسية لضمان شمولية السياسات، ولتحقيق حلول فعالة، ما يتطلب تشجيع النساء على تولي أدوار قيادية في مجال الطاقة المتجددة، ودعمهن بالتمويل والتعليم اللازمين، مشيرةً إلى أهمية التعاون بين النساء لتحقيق استدامة المشاريع وتوسيع تأثيرها محلياً لمواجهة تحديات التغيّر المناخي بشكل أكثر فعالية.
تم إعداد هذا التقرير ضمن مشروع “الإعلام والتغيّر المناخي والقضايا البيئية” بالتعاون بين مؤسسة مهارات ومشروع خدمات الدعم الميداني في الشرق الأوسط (الأردن ولبنان والعراق) والمنفذ من شركة كووتر انترناشونال، بتمويل من الشؤون الدولية الكندية.
جويل عبد العال
موقع رصيف 22
دور إيران في اختيار الأمين العام الجديد لحزب الله: تحديات واستراتيجيات
|
وسط التغيرات الجيوسياسية الحادة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يثار تساؤل محوري في طهران حول مستقبل حزب الله، الحليف الأقوى لإيران في المنطقة، بعد اغتيال أمينه العام حسن نصر الله. هذا التساؤل يتعلق بالدور الذي ستلعبه إيران في اختيار قيادة جديدة للحزب، في ظل اعتماد حزب الله بشكل كبير على الدعم العسكري والمالي والسياسي من طهران.
إيران، باعتبارها الداعم الرئيسي لحزب الله منذ تأسيسه في الثمانينيات، تولي أهمية كبرى لاستمرارية القيادة الجديدة في تحقيق الأهداف الاستراتيجية المشتركة. فاختيار الأمين العام الجديد ليس مجرد مسألة داخلية تخص الحزب، بل هو قرار إقليمي ستكون له تأثيرات كبيرة على الصراعات في المنطقة، وخاصة في مواجهة إسرائيل.
حسن نصر الله كان يتمتع بشخصية كاريزمية فريدة جعلت منه رمزًا للمقاومة اللبنانية ضد إسرائيل، ومع اغتياله، بات من الصعب إيجاد خليفة يتمتع بنفس الصفات القيادية. ويرى المحللون الإيرانيون أن القيادة الجديدة يجب أن تكون قادرة على إعادة بناء ثقة القاعدة الشعبية لحزب الله، إلى جانب مواجهة التحديات العسكرية والسياسية المتزايدة في لبنان والمنطقة.
الباحث في قضايا الشرق الأوسط محمد خواجوئي أوضح أن إعادة بناء حزب الله بعد الضربات الإسرائيلية، التي قضت على العديد من قياداته، ستكون من أولويات إيران. وأضاف أن تعيين الأمين العام الجديد يواجه تحديات أمنية كبيرة، في ظل التهديد المستمر باغتيال المزيد من القادة.
يتوقع أن يكون هاشم صفي الدين، رئيس المجلس التنفيذي لحزب الله وأحد المقربين من طهران، هو المرشح الأبرز لخلافة نصر الله. وبحسب الباحث في الشؤون العربية علي رضا مجيدي، فإن صفي الدين يتمتع بعلاقات وثيقة مع القيادة الإيرانية، وقد اكتسب نفوذًا كبيرًا داخل الحزب.
إلى جانب التحديات الداخلية في إعادة تنظيم الحزب ورفع الروح المعنوية بعد اغتيال نصر الله، سيتعين على الأمين العام الجديد التعامل مع الضغوط الخارجية، خاصة من إسرائيل التي تسعى لتغيير معادلة الصراع. ويرى خواجوئي أن نجاح الأمين العام الجديد سيتوقف على قدرته في مواجهة الحرب الحالية مع إسرائيل وعدم السماح لها بفرض ترتيبات أمنية جديدة تتجاوز القرار 1701.
على المدى البعيد، يشير المحللون إلى أن اغتيال نصر الله قد يضر بالاحتلال الإسرائيلي، رغم أنه قد يبدو انتصارًا تكتيكيًا في المدى القصير. ووفقًا لعلي رضا مجيدي، قد تتغير قواعد الاشتباك في المنطقة، مما سيؤدي إلى إعادة رسم المعادلات السياسية والعسكرية بين حزب الله وإسرائيل.
إيران، من جانبها، ستستمر في دعم حزب الله وتعزيز صفوفه في مواجهة التحديات المستقبلية، ولكن يبقى السؤال الرئيسي: كيف ستتمكن القيادة الجديدة من ملء الفراغ الذي تركه نصر الله، وما هو الدور الذي ستلعبه طهران في صياغة هذا المستقبل؟
موقع الجزيرة نت
الغارديان: مقتل حسن نصر الله يقرب الشرق الأوسط من الكارثة
|
نشرت صحيفة “الغارديان” افتتاحية حول مقتل زعيم حزب الله في لبنان، حسن نصر الله، وقالت إنه يجر الشرق الأوسط نحو الكارثة. ففي الوقت الذي يواصل فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاستخفاف بإرادة حليفة إسرائيل المهمة، الولايات المتحدة، ستقود وفاة زعيم حزب الله إلى تعميق أزمة الشرق الأوسط.
وأشارت إلى حالة الثقة لدى الولايات المتحدة وفرنسا عندما اقترحتا يوم الخميس خطة لوقف إطلاق النار في لبنان، وأن نتنياهو داعم لها. وبعد يوم واحد، حيث كان في نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، قام بالمصادقة على خطة قتل حسن نصر الله في بيروت.
يشعر اللبنانيون بالرعب، وقد قتل أكثر من 1,000 لبناني منذ بداية الحرب في الأسبوع الماضي، فيما نزح خمس السكان من المناطق الجنوبية، حيث تنام العائلات في الشوارع.
ومع تهديد الغزو البري واستمرار الغارات الجوية، يقول نتنياهو إن العملية لم تنته بعد.
واعتقد حزب الله أن تصعيدا تتم السيطرة عليه كان ممكنا، عندما قرر الحزب الدخول للمواجهة دعما لحماس في غزة. لكن إسرائيل قامت بوثبات وتجاوزت سلم التصعيد للحرب والتي احتوت على خرق واضح للقانون الدولي.
اعتقد حزب الله أن تصعيدا تتم السيطرة عليه كان ممكنا، عندما قرر الحزب الدخول للمواجهة دعما لحماس في غزة
ومن خلال القيام بهذا، فلم توجه الإهانة إلى حزب الله فقط بل وراعيته إيران والولايات المتحدة والرئيس جو بايدن شخصيا.
فقد أحيط المسؤولون الأمريكيون والفرنسيون من خلال قنوات خاصة علما أن نتنياهو وافق على خطة وقف إطلاق النار. فعلى مدى الأشهر الماضية، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي وبشكل مستمر بإخبار واشنطن بما تريده أن تسمعه وفعل ما يريد. وبينما كانت إسرائيل تتظاهر ببعض الاهتمام بالمبادرات الدبلوماسية الأمريكية، كانت تخطط لشن هجوم شامل على حزب الله، وهو ما صب الزيت على النار.
وقد تعامل نتنياهو مرارا مع أقوى حلفاء بلاده وأكثرهم أهمية بازدراء، مستخدما الأسلحة التي زودته بها إسرائيل. وقد سقط عشرات الآلاف من القتلى في غزة وانزلق الشرق الأوسط نحو الهاوية قبل أسابيع من الانتخابات الأمريكية.
وتريد إسرائيل أن يعود سكان الشمال، وقد نزح المزيد من المواطنين اللبنانيين وشنت إسرائيل أربعة أضعاف عدد الهجمات على حزب الله مقارنة بالعكس في الأشهر الأخيرة. لكن حزب الله لا يزال لديه عشرات الآلاف من المقاتلين وترسانة كبيرة. وعندما شنت إيران هجومها المباشر الأول على إسرائيل هذا الربيع، ساعدت الدول العربية إسرائيل في إبعاد الطائرات بدون طيار والصواريخ. لا يمكن أن تتوقع ذلك مرة أخرى. وقد ترى طهران في تسريع برنامجها النووي مفتاحا للأمن في المستقبل، على الرغم من أن هذا من شأنه في حد ذاته أن يزيد من خطر وقوع هجوم إسرائيلي كبير.
فشل بايدن الذي احتضن نتنياهو أصبح أكثر وضوحا من أي وقت مضى
وقالت “الغارديان” إن فشل بايدن الذي احتضن نتنياهو أصبح أكثر وضوحا من أي وقت مضى. ويتعين على الرئيس أن يخبره بأن الولايات المتحدة لن تستمر في إمداد إسرائيل بالأسلحة لكي تقوم بتجاهلها بتهور. وكما أصر زعماء العالم، فإن وقف إطلاق النار في لبنان هو الأولوية الفورية. ولكن وقف إطلاق النار والإفراج عن الأسرى في غزة أيضا – وما يليه من إنشاء دولة فلسطينية – هو وحده القادر على جلب السلام إلى المنطقة.
ورأت الصحيفة في تقرير أعده بيتر بيومنت أن آثار الضربة الإسرائيلية واغتيال نصر الله لن تعرف إلا بعد أشهر. وذكر بأن الإعلام الإسرائيلي احتفل في 1992 باغتيال زعيم الحزب في حينه عباس موسوي، والذي ضرب موكبه بمروحيات إسرائيلية. وعندها تكهن المحللون الإسرائيليون أن مقتل موسوي كان نذيرا بنهاية حزب الله الذي أنشئ عام 1982، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، فقد خلف الموسوي تلميذه حسن نصر الله الذي كان يبلغ من العمر 31 عاما، والذي استمر في قيادة حزب الله وبنائه لمدة ثلاثة عقود من الزمان، حتى اغتياله على يد إسرائيل يوم الجمعة.
وقال إن مقتل نصر الله في مقر تحت الأرض طرح سؤالين: هل تؤدي سياسة الاغتيالات الإسرائيلية إلى حل ناجع وماذا يعني اغتيال القيادة العليا للحزب نفسه.
وقال إن مسألة الاغتيالات تظل مسألة خلافية حتى داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية والتي ناقشت الموضوع ومنذ وقت طويل، بمن فيهم بعض الوزراء في الحكومة الحالية الذين عارضوا اغتيال نصر الله. فقد اغتالت إسرائيل قيادات في حماس، بمن فيهم الزعيم الروحي الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي عام 2004، ولم يترك أي من الاغتيالين أي أثر طويل الأمد على الحركة.
والحقيقة أن معرفة تأثير اغتيال نصر الله على مسار الحزب ستحتاج عدة أشهر لمعرفة ما إذا كان هناك أي تأثير كبير قد تخلفه حملة الاغتيالات على الحزب، وخاصة بسبب الجهود التي بذلها نصر الله على مدى عقود من الزمن لدمج الحزب في المجتمع الشيعي اللبناني وكداعم اجتماعي فضلا عن كونه قوة مسلحة. وفي الوقت الذي يرى فيه الخبراء أن حزب الله تضرر بشكل كبير من الأحداث الأخيرة، فإن كثيرين منهم غير متأكدين مما إذا كانت هذه ضربة قاتلة أم أن الفائدة التي تعود على إسرائيل قد يكون مبالغا فيها، سواء على الأرض أو من حيث التداعيات الدبلوماسية.
ويرى خبراء أن حزب الله أكثر قدرة على الصمود مما قد تشير إليه خسائره الأخيرة. فقد كتب نيكولاس بلانفورد، وهو مراقب قديم لحزب الله بمقال نشره مركز المجلس الأطلنطي قائلا: “حزب الله مؤسسة قوية تتمتع بسلسلة قيادية قوية من شأنها أن تضمن الاستمرارية على مستوى القيادة”.
صحيفة الغارديان البريطانية
ترجمة ابراهيم درويش
من «جنّاتهنّ الصغيرة» إلى غرف الإيواء… شهادات نازحاتٍ جنوبيّات في لبنان
|
تقف نانسي خلف نافذة المنزل الذي لجأت إليه وعائلتها في منطقة برج حمّود شرقي بيروت. لا وديان هنا ولا سهول خضراء تسرح إليها عيناها كما كانت تفعل على شرفة بيتها في النبطيّة الجنوبيّة؛ هنا إسمنتٌ فقط.
«أشتاق إلى كل حجرٍ في بيتنا الذي بناه أبي بدموع العين. أشتاق إلى الحديقة، إلى غرفتي وتفاصيلي الصغيرة التي تركتها هناك. لكني أحمد الله أنني وعائلتي وصلنا بخير إلى بيروت بعد رحلة النزوح الشاقّة والمرعبة». تتحدّث الشابة لـ«الشرق الأوسط» وفي حلقها غصّةٌ عمرُها أسبوع. هي في حالة صدمة منذ تلك اللحظة التي أقفلت فيها باب البيت الجميل خلفها، وهربت من القصف الإسرائيلي إلى مصيرها المجهول.
وحش العطش
«رحلة الموت»، «فيلم الرعب»، «وحش العطش»… كلّها عباراتٌ تتكرّر على ألسنةِ السيّدات النازحات. وإذا كانت نانسي قد وجدت شقةً تؤويها وعائلتها، فإنّ نساءً كثيرات اضطررن للّجوء إلى مراكز إيواء النازحين المنتشرة على امتداد الخريطة اللبنانية.
نساءٌ كثيرات اضطررن إلى اللجوء إلى المدارس بعد أن بات من الصعب والمكلف العثور على شقق للإيجار (إ.ب.أ)
تتذكّر زينب: «13 ساعة في السيارة كانت أشبَه بالجحيم»، وعندما أسألها عن أبشع مواقف رحلتها وعائلتها من الجنوب إلى بيروت، تجيب من دون تردّد: «العطش». تخبر كيف أنّ أولادها بكَوا رعباً من القصف الذي كان ينهال حولهم، كما أنهم بكَوا بسبب العطش؛ «خرجنا من البيت مذعورين فنسينا أن نجلب معنا مياهاً، وعلى الأوتوستراد الطويل والمزدحم بالسيارات لم تكن هناك محال نشتري منها المياه».
زينب الثلاثينية والنازحة إلى أحد مراكز الإيواء مع أولادها الثلاثة، إحداهم تعاني نقصاً مزمناً في الأكسيجين، لا تتمنى سوى العودة إلى بيتها «حتى لو كان ركاماً». النزوح مرهقٌ لسيّداتٍ أُرغمن على مفارقة منازلهنّ، جنّاتهنّ الصغيرة.
يوم النزوح الكبير… عشرات آلاف السيارات في الطريق من الجنوب إلى بيروت (أ.ب)
دعمٌ قدر المستطاع
زينب مثلاً نسيت أن تجلب معها مناديل الحجاب، أما بتول فتحاول التخفيف من وطأة المأساة بالضحك والسخرية، قائلةً إنّ أهمّ ما نسيت إحضاره معها هو شاحن الهاتف.
في مراكز الإيواء، تسعى اللجان التنظيمية إلى تأمين كل ما استطاعت من احتياجات النازحات والنازحين. في أحد المراكز في منطقة ضهور الشوير (المتن الشمالي)، تشرف رئيسة خلية الأزمة صباح مجاعص على وصول المساعدات وتوزيعها وهي تتابع شؤون النازحين الـ260 ليل نهار.
«كسيّدة أنا أتفهّم التعب النفسي الذي تمرّ به النازحات، لكننا هنا نحاول قدر المستطاع ألا ننسى التفاصيل التي قد تخفّف عنهنّ قليلاً»، تقول مجاعص في حديثها مع «الشرق الأوسط». توضح أنه جرى تأمين الفرش والأغطية والمواد الغذائية على أنواعها وأدوات التنظيف والعناية الشخصية، إضافةً إلى الملابس وحتى ألعاب الأطفال. وتضيف المسؤولة التي اختبرت التجربة ذاتها في «حرب تموز» 2006: «على المستوى النفسي، نحاول أن نساعد السيدات على التأقلم من خلال تسليمهنّ مسؤولية المكان كي يشعرن وكأنهن في بيوتهنّ، أي أن نمنحهنّ صلاحيّة طبخ ما يردن وتقسيم مهام التنظيف وما إلى ذلك من اهتماماتٍ يومية».
عيّنة من المساعدات التي تصل للنازحين إلى مراكز الإيواء (الشرق الأوسط)
صعوبة الاستحمام
تجلس كاملة، وهي سيّدة سبعينية، في ردهة أحد مراكز الإيواء. إلى جانبها على كرسيّ بلاستيك زوجها الثمانينيّ، وحولَهما في الغرفة أولادهما والأحفاد. «أكثر ما يقهرني أنني لم أتمكّن من الاستحمام منذ أتيت»، تهمس لي السيّدة المسنّة والدموع في عينَيها. توضح أنّ ظروف الاستحمام، من صفّ الانتظار الطويل، إلى الحمّام المشترك، وعدم توفّر المياه الساخنة في كل الأوقات، «صعبة لشخصٍ في سنّي».
لكنّ المأساة الحقيقية التي عاشتها كاملة كانت وفاة زوج ابنتها بنوبةٍ قلبيّة، في السيارة خلال رحلة نزوحهم من قرية معركة في قضاء صور، والتي امتدّت 15 ساعة. هي مصابة بصدمة نفسية تدفعها إلى البوح بأنه «إذا وقع غرضٌ ما على الأرض أُصاب بالهلع من الصوت». يُضاف ذلك كله إلى الظروف الصحية للسيدة التي تعاني من السكّريّ وضغط الدم وآلام في الظهر.
تحوّلت بعض مدارس لبنان إلى مراكز إيواء تعجّ بالنساء والأطفال (أ.ف.ب)
غرفة واحدة لـ40 شخصاً
رغم أوجاعهنّ الكثيرة، تتحدّث السيّدات النازحات عن حُسن استقبال المتطوّعين في مراكز الإيواء لهنّ. «لم يقصّر معنا أحدٌ بشيء، والمعاملة غاية في اللطف»، تقول سميرة. لا تكترث السيدة الستينية كثيراً إلى أغراضٍ نسيت أن تُحضرها معها، بقدر ما يهمّها أن تعود إلى قريتها الجنوبيّة «بخير وسلام».
هذا جزءٌ من لسان حال غالبيّة النازحات. تؤكّد ذلك علياء عواضة، الناشطة اللبنانية في مجال حقوق المرأة والمديرة التنفيذية لمنصّة «نقطة – المختبر النسوي». تتابع علياء عواضة وفريقها من كثب أحوال السيدات اللاجئات إلى مراكز الإيواء، وهي تقوم بجولاتٍ ميدانية على تلك المراكز لتوزيع المساعدات الخاصة بالنساء.
عيّنة من المساعدات التي توزّعها منصة «نقطة» على النساء النازحات (الشرق الأوسط)
أبرز أوجه المعاناة التي عاينتها علياء عواضة، وفق ما تقول لـ«الشرق الأوسط»، هو «غياب الخصوصية وعدم توفّر مساحات خاصة بالنساء لأنّ المدارس التي فُتحت أمام النازحين صغيرة، كما أن عددها قليل». تخبر أنها زارت غرفة تؤوي 40 شخصاً بين نساءٍ ورجال من عائلة واحدة. تتحدّث عن حمّاماتٍ مشتركة في بعض المراكز، مما يجعل من الاستحمام بالنسبة إلى النساء مهمّة مستحيلة.
سرعان ما تتحوّل تلك الظروف القاهرة إلى «ضغط معنويّ وقلق نفسيّ بالنسبة إلى النساء، لا سيّما أنهنّ تركن بيوتهنّ من دون جلب أي أغراض شخصية»، تقول علياء عواضة. «تصوّري أنّ بعضهنّ ما زلن بالملابس ذاتها منذ يوم الهروب، ولم يستطعن الاستحمام ففضّلن تحميم أطفالهنّ نظراً لضيق الوقت والمساحة»، تضيف الناشطة الحقوقية.
أول صفعة لابنتي
ما كلامُ مريم (27 عاماً) الآتية من بلدة صريفا الجنوبيّة سوى صدىً لمُشاهدات علياء عواضة؛ «التعامل معنا هنا في المركز على درجة عالية من الإنسانية، لكن المعاناة الكبرى هي في الاستحمام وسط ظروف تغيب عنها الخصوصية».
توزيع الملابس على النازحين في أحد مراكز الإيواء (أ.ف.ب)
لن تخرج مشاهد العبور من الجنوب إلى بيروت بسهولة من مخيّلتها: «ما زلت أبصر الناس النائمة على الطرقات، وأسمع عويل النساء وبكاء الأطفال». انعكس كل ذلك ضغطاً نفسياً على مريم، وبالتالي على ابنتها البالغة 9 أعوام. تعترف دامعةً: «في حياتي كلها لم أمدّ يدي عليها. بالأمس صفعتها لفرط ما كنت متوتّرة. بكت قائلةً: ماما هيدي أول مرة بتضربيني». ضمّت مريم وحيدتها واعتذرت إليها، ثم اصطحبتها إلى دار البلديّة حيث عثرت لها على بعض الملابس الشتويّة، «لأنّ الطقس صار بارداً هنا، وخزانتها بقيت مكتنزة بالثياب الجميلة هناك، تحت القصف في صريفا الجنوبيّة».
كريستين حبيب
صحيفة الشرق الاوسط
معلومات عن اغتياله: خسارة نصرالله لا تُعوّض لبنانياً وإيرانياً
|
من الصعب جداً الكتابة عن اغتيال أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله. من الصعب أكثر استشراف مرحلة ما بعد العملية بانعكاساتها ومتغيراتها وتداعياتها. من الصعب أيضاً القدرة على توفير إحاطة كاملة بما جرى وكيفية تنفيذ العملية وكيف حصلت. كما يصعب التفريق بين القراءة السياسية، الرأي الشخصي، المعلومات، في كل ما يمكن كتابته. الأكيد أنها عملية من شأنها أن تحدث تحولاً كبيراً في لبنان وعلى مستوى المنطقة، وذلك يقوله بنيامين نتنياهو ولا يخفيه. والأكيد أيضاً أن الحرب في بدايتها وستتحول إلى حرب برّية. أما عمليات الاغتيال الإسرائيلية المتواصلة، فتظهر وكأن الإسرائيليين يريدون اجتثاث الحزب، طالما أنهم يعتبرونه أصبح مكشوفاً، وأن من “وصل” إلى نصرالله بإمكانه أن يصل إلى الكثيرين غيره. كل ذلك على وقع اتصالات ترد إلى المسؤولين اللبنانيين بالتحضر للأسوأ.
عملية الاغتيال
كل المعلومات ستبقى شحيحة وإلى فترة طويلة. التحقيقات والمعطيات لن تكون متوفرة، ولكن ما يبرز منها حتى الآن، هو الشكوك في تلقي الإسرائيليين لمعلومة حول استعداد نصرالله لعقد اجتماع مع قيادات أساسية للحزب. شكوك كثيرة في حصول الإسرائيليين على المعلومة من مصدر بشري وعلى مستوى عال ورفيع. بعدها بدأت عملية الرصد والملاحقة والتتبع. فكان رصد اتجاه عدد من القيادات إلى المقرّ المستهدف. تأكد الإسرائيليون من وجود نصرالله وانتظروا الأوامر للتنفيذ. على الرغم من القرار المتخذ مسبقاً ومن التحضيرات، إلا أن العملية نفذت بشكل سريع، لتقليل احتمالات الخطأ. فنصرالله كان يفترض أن يمرّ سريعاً على قاعة الاجتماع المحصّنة، للمصادقة على قرارات تتصل بإعادة هيكلة الجسم العسكري في الحزب.
المقر المحصّن
بني هذا المقرّ المركزي بعد حرب تموز، وهو محصّن بشكل جيد. طريقة الوصول إليه تحتاج إلى العبور بكاراجات متعددة مشابهة للأنفاق، ومتصلة ببعضها البعض. كان الاجتماع مع قائد الحرس الثوري في لبنان عباس نيلفوروشان، والمسؤول العسكري علي كركي، وبعض المسؤولين الأمنيين. وحسب المعلومات المتوفرة حتى الآن، فقد حضر الاجتماع 22 شخصاً، توزعوا على غرفتين. الأولى، تواجد فيها نصرالله ونيلفوروشان وكركي و5 أشخاص آخرين مقربين من نصرالله، أحدهم مدير مكتبه وأمين سرّه، وبعضهم الآخر من المسؤولين الأمنيين الكبار في الحزب. أما الغرفة الثانية فكان فيها 14 شخصاً، من المرافقة وجهاز الأمن والحماية. بعيد انعقاد الاجتماع نفّذت العملية سريعاً. تم انتشال جثة نصرالله، وبدت سليمة ولم تتعرض لإصابات مباشرة، فليس فيها تهشيم أو تشوه. الوفاة جاءت بنتيجة قوة عصف الانفجار.
التداعيات
نجاح العملية سدد ضربة قاصمة للحزب، وأظهرت حالة انكشاف كبير، فاتسعت التحقيقات لتحديد الخروقات. كما شرع الحزب في لملمة الوضع الداخلي، تحضيراً للتشييع ولتوفير مراسم الخلافة. ولا يمكن إغفال وجود تجاذبات كثيرة بين مراكز قوى عديدة في الحزب، كان نصرالله وحده القادرة على ضبطها ومساواتها والحفاظ على توازناتها. وذلك ما فتح أبواب التنسيق بين الضاحية وإيران، لإعادة معالجة الوضع وتشكيل الجسم العسكري والسياسي للحزب سريعاً، والبحث في آفاق وآليات الردّ على الاغتيال. لكن الأكيد هنا أن خسارة نصرالله لا يمكن أن تعوض. إنها ضربات إسرائيلية يُراد لها أن تكون قاضية للحزب وقوته وقدراته، خصوصاً في مواصلة عمليات الاغتيال والاستهداف لمواقعه ومخازنه، إلى جانب الإصرار على الاجتياح البري لإنهاء قوة الحزب. ويستند الإسرائيليون على غطاء دولي في ذلك. في المقابل، حزب الله ليس في وارد الاستسلام. وهذا يعني أن الحرب ستكون طويلة.
شخصية الرجل
لا يمكن الكتابة عن نصرالله بتجرّد في حالة التأييد أو المعارضة. بدايات التعرف عليه عبر الشاشات في أوائل تكوين الوعي لجيل أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، تتصل بتقديم نجله شهيداً في سبيل القضية، وبإعلاناته عن الانتصارات المتكررة. في الحقبة الممتدة ما بين التسعينيات والتحرير في العام 2000، كان شمساً تضج بالسطوع، لبنان في غالبيته “مقاومة”. ومن قبل كان انتماؤنا لجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ولأحزابها، فتعايشنا مع صراع “الغيرة” من حزبه الذي انتزع التحرير وربح المعركة. تلك كانت غيرة طفولية، ولكن آخرين تملّكت منهم غيرة أكبر، مما يتمتع به الرجل من قدرة على التأثير، بمعزل عن الاتفاق معه أو الاختلاف.
من الصعب جداً الوصول إلى معطيات كثيرة حول شخصيته، طبائعه، يومياته، مآكله ومشاربه. ولكن في عيون بعض من عرفوه، هو شخص عاطفي إلى حدود بعيدة، لكنه يفكّر بعقله وليس بقلبه. غالباً من يتحدث مع مجالسيه عن القيم، يشير دائماً إلى ضرورة نصرة المظلوم. سريع البديهة. يتابع الملفات بدقة، يبني تحليله السياسي الشخصي بناء على قراءاته ومقاطعة المعطيات والمعلومات لديه مع أكثر من جهة وطرف، ولا يكتفي بما يرده من تقارير. كان شخصاً لا يهدأ، آخر الخطباء في لبنان. إذ امتلك سحراً على المنبر، في الدخول إلى عقول الناس وقلوبها، وهو أحد أبرز الأسلحة التي يمتلكها هو وحزبه والمحور ككل.
ديبلوماسي لدولة عريقة على خصومة مع الحزب، لكنه التقاه من قبل، يصفه بالحادّ الذكاء والذي يتمتع بنظرة سارحة، هادئة، ثاقبة لكنها آسرة. ويقول إنه متحدث من الطراز الأول، متحفظ مع ضيوفه ذات الصفة الرسمية، يعرف جيداً انتقاء كلماته، ويجدّ بكل ما يمتلك لإقناع خصومه بوجهة نظره، أما عندما لا يقتنع أو تكون وجهة نظر ضيفه متعارضة مع وجهة نظره، فيتمتع بقدرة واسعة على الامتصاص والاستيعاب.
أحد خصومه السياسيين التقاه في المرة الأولى عام 1992 يصفه بأنه كان خجولاً في حينها ولكنه صلب وحازم. عاد والتقاه في العام 2006 بعد حرب تموز وجده فرحاً، منتشياً معتداً بنفسه وبما لديه، يقول عنه إنه “ساحر الجماهير” مؤيدين وخصوماً، وهو يعرف ذلك ويعرف جيداً كيف يستثمر نقاط قوته، لكنه في مكان ما كان نزقاً.
تتأرجح شخصيته في وصف من عرفه، ما بين الساحر والأسطورة. فسحره تجلى في اقتحامه للعالم العربي من مشرقه لمغربه. إذ كانت له فرصة لم تكن لأحد من قبله حيث رفعت صوره في المنازل والشوارع. أما أسطرته فيكرسها خوضه لحروب كثيرة داخل لبنان وخارجه، وبقائه لإثنين وثلاثين عاماً على رأس حزب الله، فنجح في توسيع نفوذه على مساحات واسعة من الشرق الأوسط، وصولاً الى اعتماده مصطلح “القوة ذات التأثير الإقليمي”. وهذا ما دفع الكثيرين الى انتقاده أو الانفضاض من حوله، خصوصاً لدى دخوله إلى سوريا وسحق الثورة السورية، وكذلك لدى التمدد نحو اليمن. فحينها تنامت المعارضات وتغيّرت الصورة لدى دول وشعوب كثيرة، خصوصاً مع إرساء الانقسام الذي هشّم الأسطورة.
المستلب روحانياً
أحد الذين التقوه في قم، خلال آخر زيارة علنية أجراها إلى إيران. يتحدث بإسهاب عن لطافته، روحه المرحة، إلمامه بأدق التفاصيل. ظاهره هادئ ولكن فيه الكثير من صفات الحزم. هو رجل واقع وسياسة، لكن الجانب الروحاني لديه يفاجئ الكثيرين، إلى حدّ وصفه مستلباً روحانياً باتجاه العقيدة والإيمان بكل ما هو غيبي. فهو يعتمد على الكثير من مراجع الشيعة في قمّ، ويستشيرهم في الكثير من المحطات البارزة، وهم معروفون بميلهم إلى الإيمان بالغيبيات، أحد أبرز هؤلاء “الشيخ بهجت” والذي عند وفاته أبّنه نصرالله شخصياً.
كريم جداً، وزاهد جداً بالمعنى الشخصي، لم يكن لديه أي اعتبار لمسائله الشخصية. يتلقى رسائل من أشخاص أوضاعهم حرجة، أشخاص عاديون كانوا بحاجة، قصدوه فسارع إلى تلبيتهم، بلا أي حساب أو اعتبار. دمث ودود عطوف، لكن الجوانب القيادية في شخصيته، الكاريزما، لن يكون من السهل تعويضها وفق ما يقول عارفوه ومجالسوه. بحسبهم هي خسارة شيعية هائلة، من شبه المستحيل تعويضها أو تكرارها. هم ينظرون إلى اغتياله في موازاة الحرب الهجمية التي فتحتها إسرائيل، تهديداً أساسياً للطائفة الشيعية، في لبنان وخارجه. إنها ضربة في لبنان، لكنها تصيب إيران إلى حدّ بعيد، فخسارتها كبيرة أيضاً. وإن كان الرجال أدوار، ولكل دولة زمن ورجال، فإن اغتيال نصرالله يُراد منه اغتيال الدور وتغييره، وذلك لا يحصل إلا على المديين المتوسط والبعيد.