1

هل يحمل سلامة «حزاماً ناسفاً»؟

بعد 30 عاماً من تولّيه حاكمية مصرف لبنان، يغادر رياض سلامة موقعه في نهاية الشهر على أنقاض حقبة كاملة طُبعت بطابعه، تاركاً خلفه أرضاً محروقة.

لعلّه أسوأ خروج ممكن في نهاية مسار متقلّب، «تدحرج» خلاله سلامة من موقع الحاكم المتفوّق الذي تنهمر عليه الجوائز والإشادات من كل حدب وصوب، إلى المتهم المُلاحَق بجرائم مالية من العيار الثقيل.

وسواء كانت مسؤولية سلامة تتمثل في خضوعه قسراً لضغوط الطبقة السياسية وطلباتها، او في تواطئه الطوعي معها وخدمته لمصالحها بكامل إرادته، فإنّ الثابت والأكيد هو انّه شريك في صنع الانهيار، وفي تضليل اللبنانيين الذين ظلّ يقنعهم حتى عشية السقوط الكبير، انّ الليرة بخير ولا داعي للهلع، وإن يكن بطبيعة الحال ليس المدان الوحيد في هندسة الهاوية.

ولكن ملف سلامة السميك لن يُطوى مع رحيله، بل سيظلّ مفتوحاً على وقع الملاحقات القضائية في الداخل والخارج، وسط فرضيتين واردتين مستقبلاً، الاولى أن يتحرّر سلامة من موجبات المركز الرسمي ويصبح اكثر حرّية في المواجهة وسط همس بأنّ الأميركيين لن يرفعوا الحماية عنه، والثانية ان يفقد الحصانة السياسية تلقائياً بمجرد خروجه من الحاكمية وتحوّله مواطناً عادياً، الأمر الذي سيسهّل ملاحقته والإطباق عليه.

وهناك من يعتبر انّ سلامة سيخرج من مكتبه مزنّراً بحزام من الأسرار الناسفة، وهو قد يفجّره بنفسه وبالآخرين، إذا شعر أن لا أمل له بالنجاة.

والظاهر، أن لا مفرّ من ان يتولّى النائب الأول للحاكم وسيم منصوري صلاحيات سلامة يعاونه النواب الآخرون، على رغم انّ مخاضاً عسيراً يسبق هذا الانتقال لمقاليد السلطة النقدية في أصعب ظرف يواجه لبنان.

وبمعزل عن الحسابات الكامنة خلف بيان النواب الأربعة للحاكم وحقيقة مراميه بعد تلويحهم بالاستقالة، فإنّ هناك من يلفت الى انّ الرئيس نبيه بري استطاع بحنكته ان يحوّل مسألة استلام منصوري (القريب منه) صلاحيات حاكم البنك المركزي، مطلباً عاماً وضرورة وطنية، إلى درجة انّ معظم القوى الداخلية باتت تلحّ على بري، وبعضها يخاصمه سياسياً، بوجوب ان يتولّى منصوري هذه المهمّة، ما منح الاخير مسبقاً، غطاء واسعاً وخفّف عنه وعن مرجعيته السياسية وطأة المسؤولية الثقيلة.

أما الأهم في ظلّ حالة انعدام الوزن، فهو مصير توازنات البلد الآخذة بالتفكّك والتحلّل بفعل تمدّد «أسيد» الشغور من مؤسسة رسمية الى أخرى.

ويبدو واضحاً أنّ المسيحيين هم حتى الآن الضحية الأكبر لهذا الخلل «المعدي»، إذ بعد شغور رئاسة الجمهورية التي يشغلها الموارنة، ها هو منصب حاكم البنك المركزي العائد إليهم ايضاً، يخلو بدوره من دون التمكن من تعيين حاكم أصيل، فيما بدأ شبح الفراغ يحوم كذلك حول موقع قائد الجيش الماروني بحكم أنّ ولاية العماد جوزف عون تنتهي في كانون الثاني المقبل.

لكن البعض يلفت في المقابل الى وجود جزء مليء ولو صغير في الكوب الفارغ، ذلك انّ الشغور القسري كان دافعاً إلزامياً لإجراء نوع من المداورة او الإلغاء المؤقت للطائفية في مراكز الفئة الأولى، بحيث حلّ ضابط مسيحي (اللواء الياس البيسري) في قيادة الأمن العام مكان اللواء عباس ابراهيم الشيعي، فيما يستعد النائب الأول لحاكم مصرف لبنان وسيم منصوري الشيعي لاستلام مهام رياض سلامة المسيحي، ولو انّ موقع مدير الأركان في الجيش غير شاغر، فإنّ الضابط الدرزي هو الذي يملأ مكان القائد جوزف عون المسيحي في حال لم يتمّ انتخاب رئيس للجمهورية حتى ذلك الحين.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




لا ترسيم برياً مع العدوّ… ومسؤوليتنا تحرير الغجر | نصرالله: لا نفع لحوار مشروط

أكّد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أن «أرض (بلدة) الغجر ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا لن تُترك للإسرائيلي»، وأن الغجر «أرض لبنانية أعاد العدو احتلالها، ويجب أن تعود إلى لبنان بلا قيد وبلا شرط، وتحريرها مسؤولية الدولة والشعب والمقاومة». وفي الشأن الداخلي، كرّر نصرالله أن «الحوار يجب أن يكون من دون شروط وحين تكون هناك جهوزية له فنحنُ حاضرون في أي زمان ومكان»، مشدّداً على أن حزب الله «لا يريد ضمانات دستورية لكنّ ضمانتنا الحقيقية التي نتطلع إليها هي شخص الرئيس».

وقال نصرالله، في الذكرى السابعة العشرة لعدوان تموز، إن «ما يجري الآن (على الحدود) ليس ترسيماً برياً مع كيان العدو، بل نحن نطالب بانسحاب العدو من النقاط اللبنانية المحتلة». وأوضح أن المقاومة «نصبت خيمة على الحدود داخل الأراضي اللبنانية، وخيمة أخرى داخل خط الانسحاب في مزارع شبعا، ولأن مزارع شبعا أرض لبنانية، لدينا الحرية في أن نعمل ما نريد هناك». وحذّر من التعرض للخيمتين «والمجاهدون لديهم توجيه للتعامل مع أي تعرض إسرائيلي لهم»، لافتاً إلى أن الإسرائيلي تروّى في التعامل مع هذه المسألة بسبب معادلة الردع التي فرضتها المقاومة، «ولو كان العدو الإسرائيلي كما كان سابقاً، ولبنان يمكن احتلاله بفرقة موسيقية، لكان بكل بساطة قصف الخيمة، بل لما كانت لتوضع أصلاً. لكنّ الوضع الآن تغيّر والإسرائيلي لم يجرؤ على القيام بخطوة ميدانية»، مشيراً إلى أن «الانتصار في تموز أسّس لميزان ردع قوي وكبير لحماية لبنان، وما زال يعمل بقوة منذ 17 عاماً».

ولفت نصرالله، إلى أن «العدو الإسرائيلي بعد حرب تموز كان مستمراً في الخروقات وكنا مستمرين في المراقبة وهو واصل بناء السياج الشائك عند الحدود وحوّلها الى منطقة سياحية يقصدها السياح»، مشيراً الى أن «كل خيمنا عند الحدود موجودة في أراض لبنانية، والخيم أضاءت من جديد على كل الوضع عند الحدود». وشدّد على أنه «ليس هناك ما يُدعى ترسيم الحدود، لأن كل حدودنا مرسّمة في البر ولبنان يعرف كل حدوده. ما يجري ليس ترسيم حدود برية حتى ندخل في نقاش صلاحيات فالسيادة لا تُجزأ، ويجب أن يكون الموقف اللبناني من بلدة الغجر حاسماً والجهد سيكون متكاملاً بين الدولة والمقاومة».
وفي الملف السياسي الداخلي، أشار نصرالله، إلى أن «اتهام الثنائي الشيعي بأنه متمسّك برئيس تيار المردة سليمان فرنجية ليساوم به ويدفع به إلى الفراغ كذب»، كما أن «الحديث عن أن حزب الله يريد إلغاء اتفاق الطائف والمناصفة بين المسلمين والمسيحيين كذب وتضليل مقصود». وأكّد «للشعب اللبناني بكل طوائفه بأن ما يُقال بأن الثنائي يريد الاستفادة من فائض القوة لديه ومقاومة لفرض آراء سياسية غير صحيح، نحن لم نفعل ذلك في يوم من الأيام ولن نفعل ذلك. سلاح المقاومة هو لحماية لبنان والشعب اللبناني، وليس لفرض خيارات على اللبنانيين».
وأضاف: «حزب الله لا يريد ضمانات دستورية. ضمانتنا الحقيقية التي نتطلع إليها هي شخص الرئيس»، مؤكداً أنه «في عدوان تموز كان معنا رئيس للجمهورية مقاتل هو العماد إميل لحود، كما كانت لدينا ثقة بشخص رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون لأنه صادق ولا يخون ولا يغدر، وقد سمّيته جبلاً ولا أزال أسمّيه جبلاً»، مشدداً على «أننا كنا نشعر خلال الـ6 سنوات الماضية أن ظهر المقاومة آمن ولن يُطعن به»، و«ومن حقنا كمكوّن لبناني أن يكون لنا شرطنا في الرئيس الذي سيُنتخب».

وذكر نصرالله «أننا لم ندعم سليمان فرنجية قبل تواصلنا مع التيار ولم نرشحه لنفرض رئيساً على المسيحيين بل لأنه من أقطاب الموارنة في البلد»، لافتاً إلى أن «الحوار يجب أن يكون من دون شروط، فنحن لدينا اسم فرنجية لكن لا مشكلة لدينا بالنقاش والحوار». وقال «لا حلّ في لبنان إلا بالاتفاق بين بعضنا البعض وعندما تكون هناك جهوزية للحوار فنحنُ حاضرون في أي زمان ومكان»، لافتاً إلى أننا «نأخذ وقتنا بالحوار مع التيار الوطني الحر، وننتظر ما سيحمله الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى لبنان من طروحات خلال زيارته المقبلة».
وكان نصرالله وصف عدوان تمّوز بأنه «كان حرباً بكل ما للكلمة من معنى، رسمت مصير لبنان والمنطقة خلال كل السنوات الماضية وحتى السنوات الآتية»، لافتاً إلى أن هذه الحرب «كانت إحدى أهم أدوات أميركا لتحقيق مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي كان سيؤدي إلى اعتراف كل دول المنطقة بكيان العدو وضياع فلسطين والجولان والأراضي اللبنانية المحتلة وتكريس الإسرائيلي قوة عظمى في المنطقة في ظل هيمنة أميركية. أراد العدو سحق المقاومة في لبنان وإخضاعه للشروط الإسرائيلية والأميركية، لكنّ المقاومة انتصرت ولم تُسحق، وصمد لبنان ولم يخضع، وأسّس الانتصار لميزان ردع قوي وكبير لحماية لبنان، والمقاومة تطوّرت وتقدّمت وعزّزت قوة الردع مع العدو الإسرائيلي منذ حرب تموز وحتى اليوم».

وأشار نصرالله إلى أن «هناك إجماعاً في كيان العدو على تآكل الردع عندهم تجاه لبنان وغزة والضفة وجنين، وكان هدف العدو من خلال العملية الكبيرة في معركة جنين الحصول على صورة النصر والردع، لكنّ العكس حصل بفضل صمود أهالي المخيم وشجاعة المقاومين. والدليل على فشل العدوان على جنين هو استمرار عمليات المقاومة الفلسطينية بشكل متزامن خلال العدوان على جنين وبعدها في الضفة الغربية». وقال إنه «بفضل التضحيات كانت الإنجازات في حرب تموز والتي يقف في مقدّمها إسقاط الشرق الأوسط الجديد، وهذا الإنجاز وضع الكيان الإسرائيلي على خط الاندحار».

المصدر: صحيفة الأخبار




هذه معادلة «حزب الله» في حاكمية مصرف لبنان

على مقربة من تاريخ انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في 31 تموز الجاري، تضيق الخيارات أمام النواب الأربعة للحاكم، خصوصاً انّ رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي، أكّد أن لا تمديد لسلامة ولا تعيين لبديل عنه، فيما اختار «حزب الله» باكراً ان يلتزم بضوابط ميثاقية وقانونية لهذا الملف.

بدا موقف «حزب الله» قاطعاً منذ البداية في جزمه بأنّ حكومة تصريف الأعمال غير مؤهّلة دستورياً وقانونياً لتعيين حاكم جديد لمصرف لبنان. لم يترك الحزب أي مجال للالتباس في مقاربته لحدود صلاحيات الحكومة المستقيلة، مؤكّدا أنّ تعيين حاكم أصيل ليس من اختصاصها، لأنّه يتجاوز الهامش المسموح به ضمن نطاق التصريف الضيّق للاعمال.

ومن الواضح انّ الحزب يميّز بين ضرورة أن تؤدي الحكومة واجباتها في تصريف الأعمال، لمنع الإضرار بمصالح المواطنين الملحّة والحيوية، حتى لو تطلّب الأمر اجتماعها من حين الى آخر، وبين ان تتخذ قرارات جوهرية و«تكوينية» لا يحق لها اتخاذها في ظلّ محدودية صلاحياتها وغياب رئيس الجمهورية.

ويلاقي الحزب بهذا الطرح موقف المسيحيين عموماً، و«التيار الوطني الحر» خصوصاً، وهو بذلك يوجّه رسالة إلى «الحليف المعلّق»، بأنّ الاتهامات التي وجّهها اليه بالانقلاب على الشراكة والتوازن بسبب مشاركته في جلسات الحكومة لم تكن في محلها، وانّه عندما يشعر بأنّ مفهومي الشراكة والتوازن قد يتعّرضان لتهديد حقيقي، فإنّه لا يضيّع البوصلة ولا يغضّ الطرف، بل يحمي في التوقيت المناسب هذين المفهومين بكل ما أوتي من قوة.

وضمن هذا السياق، تلفت اوساط قريبة من الحزب، إلى أنّه لا يزال منسجماً مع نفسه واقتناعاته، «وهو أثبت في ملف حاكمية المصرف المركزي صدقية ما طرحه منذ اليوم الأول للشغور الرئاسي، حول رفضه ان تبحث حكومة ميقاتي في اي قضايا أساسية و «تأسيسية»، من شأنها ان تتجاوز القواعد الميثاقية وتهمّش المكوّن المسيحي».

«الحساسية» ذاتها تحكم تعاطي الحزب مع الاستعدادات لمرحلة خلو مصرف لبنان من سلامة، وهذا ما عكسه عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب حسن فضل الله، بإشارته إلى أنّ «هناك نصوصاً قانونية واضحة تؤدي إلى ملء الفراغات المؤقتة لتسيير المرفق العام، خصوصاً في ما يتعلق بالمصرف المركزي. فلا يمكن لأي أحد في هذا الظرف الاستثنائي ان يقول للناس إنّه يريد أن يتخلّى عن المسؤولية، خصوصاً أنكم تنعّمتم بالسلطة وامتيازاتها، وبالتالي لا يمكن لكم اليوم أن تأتوا لتقولوا نحن نريد أن نجلس في البيت وأن نتخلّى عن المسؤولية، وهذا ينطبق على أي مسؤول، سواء كان وزيراً أو نائباً أو موظفاً في سلك مدني أو عسكري، مالي أو اجتماعي أو سياسي»، منبّها الى أنّ هناك مترتبات دستورية وقانونية على كل من يُخلّ بواجباته الوظيفية.

بهذا المعنى، حسم «حزب الله» بوجوب ان يتسلّم النائب الأول لحاكم المصرف المركزي وسيم منصوري صلاحيات سلامة في نهاية تموز، بعيداً من أي اجتهادات او تفسيرات اخرى. بالنسبة إلى القريبين من الحزب، فإنّ محاولة نواب الحاكم الأربعة البحث عن حماية في مواجهة تحدّيات مرحلة ما بعد سلامة، لا تكون بهذه الطريقة التي عكسها بيانهم التحذيري.

ويلفت هؤلاء، إلى أنّه اذا كان النواب الأربعة «يتهيّبون الوضع ويشعرون بأنّ الحمل ثقيل، فلماذا وافقوا منذ البداية على تحمّل المسؤولية وقبلوا بتعيينهم في مراكزهم، علماً انّ هذا التعيين تمّ في حزيران 2020 اي بعد حصول الانهيار الكبير في تشرين الأول عام 2019؟».

ومن وجهة نظر الحزب، فإنّ القاعدة التي طُبّقت على المديرية العامة للأمن العام يجب أن تسري على المصرف المركزي، و»كما حلّ اللواء الياس البيسري مكان اللواء عباس ابراهيم بسبب تعذّر تعيين مدير عام أصيل للأمن العام، يجب المعيار نفسه ان يحلّ النائب الأول للحاكم مكان رياض سلامة تلقائياً نتيجة تعذّر تعيين حاكم أصيل».

ويشدّد الحزب على ضرورة الاستمرار في تسيير المرفق العام، لأنّ الشغور ممنوع في هذا المرفق، «والقانون لم يترك اساساً اي مجال للفراغ في المؤسسات، ومن بينها مصرف لبنان، بل هو يضمن الانتقال السلس للصلاحيات الى الأعلى مرتبة، في انتظار ان يُملأ الشغور».

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




لا مقايضة بين الغجر والخيمتين: هوكشتين عائد وسيطاً في الترسيم البري؟

تواصلت الاتصالات الدبلوماسية لضبط التوتّر في الجنوب بعد ضمّ العدو الإسرائيلي القسم الشمالي من بلدة الغجر إلى الأراضي المحتلة، بالتوازي مع تمسّك المقاومة بالإبقاء على خيمتين نصبتهما في مزارع شبعا المحتلة خلف ما يُعرف بـ«خطّ الانسحاب». وتستمرّ الوساطات التي يتولّاها الفرنسيون والأميركيون والأمم المتحدة بعد تبلّغهم من لبنان، رسمياً، أن قضية الغجر خارج النقاش، وأن «الخيم مرتبطة بالنقاط الـ 16 المتنازع عليها ومن ضمنها نقطة B1»، رداً على اقتراح إزالة الخيمتين مقابل تراجع العدو الإسرائيلي عن ضمّ الغجر، بما في ذلك إزالة السياج والأسلاك الشائكة التي ثبّتها لتطويق البلدة وضمّها، أو تسليم الخيمتين للجيش اللبناني، مقابل تراجع العدو عن ضمّ الجزء الشمالي من بلدة الغجر، وتسليمه لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفل). وفي هذا السياق، كان موقف حزب الله الذي أبلغه للحكومة والجميع واضحاًَ: لا مقايضة بين الغجر والخيمتين، إذ إن كلتيهما أرض لبنانية، والقبول بمقايضة إحداهما بالأخرى، يعني التسليم بـ«حق» العدو في احتلال الثانية.

ورغم سقوط الاقتراحات السابقة، وتأكيد لبنان «تمسّكه بكامل الحقوق اللبنانية وتطبيق القرار 1701، ونزع التعدّيات الإسرائيلية وصولاً إلى النقطة B1»، إلا أن الأطراف الخارجية لا تزال تبذل جهوداً للتوصّل الى «حلّ» يحول دون أي تصعيد. وفي هذا الإطار، أبدى الجانب الأميركي اهتماماً كبيراً بالتطورات على جانبي الحدود مع فلسطين المحتلة، حيث بدا لافتاً وصول المستشار الخاصّ للرئيس الأميركي عاموس هوكشتين إلى تلّ أبيب، أمس، في زيارة وُصفت بـ«السرّية»، حيث التقى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، في حضور رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هانغبي، للبحث في عدد من المواضيع، من بينها التوتر بين إسرائيل وحزب الله، إضافة إلى مساعي التوصّل إلى اتفاق تطبيع علاقات بين إسرائيل والسعودية. ويعيد هذا المشهد إلى الذاكرة المسار التفاوضي الذي قاده هوكشتين في ملف الترسيم البحري جنوباً، وما أنتجه من «اتفاق» بوساطة أميركية ورعاية الأمم المتحدة عام 2022. وعلمت «الأخبار» أن «دولاً غربية أبلغت لبنان أن إسرائيل مستعدة للدخول في محادثات حول الترسيم البري رغم اعتراضها سابقاً، وحصر النقاش بالنقاط المتنازع عليها». ورغم أن لبنان لم يعترض، إلا أنه يعتبر أن النزاع البري يشمل مزارع شبعا وكفرشوبا والغجر، وبالتالي فإن «عدم حسم هذه النقاط لا يعني حسم النزاع، ولن تكون هناك مقايضة مع التأكيد على أن الترسيم البري ليس مرتبطاً بإزالة الخيم».

في بيروت، أفادت مصادر دبلوماسية بأن «لبنان وصلته معطيات عن إمكانية أن يزور هوكشتين بيروت قريباً لاستكمال الجهود»، معتبرةً أن «الإدارة الأميركية ترى في هذا التطوّر فرصة لإنجاز الترسيم البري الذي تستعجله منذ انتهاء الترسيم البحري»، علماً أن مصادر رسمية لبنانية أكّدت أمس أنه «لم يحدث بعد أي تواصل رسميّ من قبل الأميركيين مع المسؤولين في لبنان في هذا الخصوص». وهنا، يجدر التذكير بالموقف اللبناني الذي اشترط تلازم مساري الترسيمين البرّي والبحري، رداً على محاولات العدو الإسرائيلي الدائمة فرض تعدّيات برّية كأمر واقع، وتثبيت نقاط حدودية، وبناء جدار عازل على طول الحدود قبل التراجع عنها في بعض المواقع. وفي هذا السياق، أكّد وزير الخارجية في حكومة تصريف الأعمال، عبدالله بو حبيب، أمس، أن «طرح الترسيم البري جنوباً جدّيٌّ»، مشيراً إلى أن الترسيم البرّي «هو الحلّ لمختلف الإشكالات على الحدود الجنوبية، وهو لا يعني تطبيعاً»، مضيفاً أن هنالك «13 نقطة خلافية على الحدود مع إسرائيل، 7 منها هناك اتفاق عليها، و6 تشكّل مادّة خلاف».

وكانت وزارة الخارجية أوعزت أمس إلى بعثة لبنان الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، بـ«تقديم شكوى إلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، حول تكريس الجانب الإسرائيلي احتلاله الكامل، واستكمال ضمّ الجزء الشمالي اللبناني لبلدة الغجر الممتدّ على خراج بلدة الماري، ما يشكّل خرقاً فاضحاً وخطيراً، يُضاف إلى الخروقات الإسرائيلية اليومية والمستمرّة للسيادة اللبنانية وللقرار 1701 (2006)». وطلبت الوزارة «إدانة هذا الخرق المتعمّد للسيادة اللبنانية والانسحاب الفوري وغير المشروط من كلّ الأراضي اللبنانية المحتلة».
وفي إطار استكمال المساعي الدبلوماسية والتحضيرات للمناقشة الدورية لتقرير الأمين العام للأمم المتّحدة حول تطبيق القرار 1701 (2006) المزمع إجراؤها في 20 تمّوز 2023، ومتابعة لطلب تمديد ولاية قوّة الأمم المتّحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفل) في نهاية آب 2023، التقى وزير الخارجية سفراء الصين وإسبانيا واليابان، أمس، وجرى بحث السُّبل الآيلة لوقف عملية قضم الأراضي اللبنانية المحتلة في الجزء الشمالي من الغجر، وطلب بو حبيب «المساعدة لمعالجة هذا الخرق الذي يُضاف إلى الخروقات اليومية العديدة والمستمرة التي تهدّد الاستقرار والهدوء في جنوب لبنان والمنطقة». كما تمّ التداول في مسألة الخيمتين المنصوبتين في مزارع شبعا. وفي الإطار نفسه أيضاً، كان بو حبيب قد التقى أول من أمس، المنسّقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان يوانا فرونتسكا، والسفيرة الأميركية في بيروت دوروثي شيا، وتمّ إخطار الطرفين بأنّ لبنان سيتقدّم بشكوى إلى مجلس الأمن الدولي في هذا الخصوص.

وفي انتظار الموقف الذي سيُطلِقه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، اليوم، في الذكرى 17 لعدوان تموز 2006، أكَّد رئيس مجلس النواب نبيه بري «أن الخيمتين موجودتان على أرض لبنانية، والمطلوب من المجتمع الدولي إلزام كيان العدو بتطبيق القرار 1701، والانسحاب من الشطر الشمالي لقرية الغجر، ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا، ونقطة الـB1» التي تقع عند منطقة رأس الناقورة الحدودية، وتُعدّ نقطة استراتيجية تطلّ على الأراضي المحتلة.

ميسم رزق

المصدر: صحيفة الأخبار




حوار حزب الله – التيار الوطني الحر: إسقاط الشروط المسبقة

بعد شهور من البرود الشديد الذي ساد العلاقات بين التيار الوطني الحر وحزب الله، على خلفية دستورية جلسات حكومة تصريف الأعمال، ومن ثم على الملف الرئاسي، عاود طرفا تفاهم مار مخايل إدارة علاقتهما عبر الحوار المباشر. وأعلن رئيس التيار النائب جبران باسيل أمس «أننا عاودنا التحاور مع حزب الله بذهنية إيجاد حل من دون فرض شروط مسبقة، وهذا الحوار الذي بدأ بوتيرة جيدة وإيجابية، نأمل أن يتكثف للوصول إلى نتائج تأتي بالمنفعة لجميع اللبنانيين وليس لفريق على حساب آخر».

وقالت مصادر مطّلعة إن استئناف الحوار حول الملف الرئاسي يأتي على قاعدة عدم وجود شروط مسبقة بحيث إن باسيل أسقط شرطه بسحب ترشيح زعيم تيار المردة سليمان فرنجية مسبقاً، فيما يتصرف الحزب على قاعدة أنه أمام مهمة إقناع رئيس التيار الوطني الحر بفرنجية أو أن يقنع باسيل الحزب بمرشح آخر. وفي المقابل، لم يغيّر التيار الوطني الحر موقفه من هذا الترشيح، إلا أن الانسداد المستحكم في أفق الأزمة الرئاسية دفع إلى تكوّن قناعة لدى الطرفين بضرورة الذهاب إلى الحوار وعدم الرهان على متغيّرات قد لا تأتي بالضرورة في القريب العاجل.

وفي المعلومات أن وفداً من الحزب (يُرجح أنه ضم رئيس لجنة الارتباط والتنسيق في الحزب وفيق صفا) زار باسيل أول من أمس، وكانت «جلسة أولى جيدة اتُّفق فيها على عدم التسريب» بحسب مصادر مطّلعة حرصت على التأكيد أن «العلاقة لم تشهد قطيعة، لكنّ التواصل كان بارداً جداً». وأضافت أن من البنود الأساسية التي يجري الحديث عنها معالجة المناخ السلبي العام وضبط الانفلات على مواقع التواصل الاجتماعي وتعزيز التواصل مجدّداً على مستوى القاعدة التي بدأ تعارفها الحقيقي في ما بينها في مثل هذه الأيام عام 2006.

ولفتت إلى أن التغيير في مقاربة الطرفين لبعضهما بدأ عقب جلسة 14 حزيران الماضي لانتخاب رئيس للجمهورية، إذ حرص باسيل على شرح موقفه الذي فُهم بأنه شرط مسبق لأي حوار، مع التأكيد على أن موقفه من ترشيح فرنجية نهائي. كما أن طرح الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان للحوار أظهر تطابقاً بين باسيل والحزب في الترحيب بالحوار أكثر من بقية الأفرقاء. ومع تدخل الفريقين في أكثر من قضية لجهة التهدئة، برز أخيراً الموقف المشترك للطرفين من ملف تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان وتعيينات المجلس العسكري كتقاطع إيجابي أساسي يُبنى عليه لوصل بعض مما انقطع، في ظل حرص الفريقين على تثبيت التفاهم بشأن حصر الخلاف في الاستحقاق الرئاسي، إذا كان لا بد منه.

وقال باسيل بعد اجتماع تكتل «لبنان القوي» إن «الحوار بين اللبنانيين مفيد»، و«على هذا الأساس وضعنا ورقة الأولويات الرئاسية وتحاورنا بشأنها مع الجميع، وقلنا إن البرنامج أهم من الشخص»، مضيفاً أن «الحوار مقبول أو مرغوب إذا كان يمرر حلولًا، لكنه مرفوض إذا كان لتمرير الوقت وانتظار ظروف ليتمكن فريق من فرض مرشحه».

المصدر: صحيفة الأخبار




تحرير الغجر والاحتمالات المفتوحة

“زمن الأول تحول”، هذا هو العنوان الذي فرضته المقاومة على كيان العدو في مختلف الساحات. كان جيش الكيان الغاصب يصول ويجول في مختلف الساحات، حتى تحرر الجنوب، وحُررت غزة، وفرضت المقاومة معادلات الردع في تموز ٢٠٠٦ واليوم في الضفة وغدًا حتمًا في كامل الاراضي الفلسطينية المحتلة.  

معادلات الردع التي فرضتها قوى المقاومة حتمًا لن تستثني ما حصل في الغجر مؤخرًا، فما حصل بحسب المعلومات المتداولة هو تحول خطير على عدة مستويات.

على مستوى السيادة الوطنية وتأكيد الحاجة للمقاومة

لم يكن مقنعًا ما قامت به الدولة برمتها في مواجهة وضع العدو الاسرائيلي لشريط حديدي فاصل لقرية حدودية لبنانية عن حدود الوطن، خاصة وأنَّ دعاة السيادة اليوم يخوضون معارك اعلامية كبيرة في مواجهة سلاح الحزب، فهل لديهم طروحات يقدمونها لنا في مواجهة الاحتلال؟ والى متى يمكن أن يتظاهروا بالوطنية ويطالبوا بنزع السلاح ويتحدثوا عن السيادة وهم لا يستطيعون أن يواجهوا احتلال العدو لأراضي قرية الغجر حتى بالكلمة؟

إن ما يحصل اليوم يؤكد على الحاجة للمقاومة، وأن طروحات بعض القنوات التلفزيونية فيها من التواطؤ ما يثير الريبة ويطرح تساؤلات خطيرة.

على مستوى الرد المتوقع

ليس مستغربًا على أحد أن يتنصل من الحدث الكبير في الغجر، لكن ما هو مؤكد أن المقاومة اليوم تتابع عن كثب ما يحصل وترسم خريطة طريق لكيفية الرد على خطوة خطيرة جدًا وذات بعد وطني، كما جاء في بيان حزب الله: “ندعو الدولة اللبنانية بكافة مؤسساتها لا سيما الحكومة اللبنانية، ‏وندعو أيضًا الشعب اللبناني بكافة قواه السياسية والأهلية الى التحرك لمنع تثبيت هذا الاحتلال ‏وإلغاء الاجراءات العدوانية التي أقدم عليها والعمل على تحرير هذا الجزء من أرضنا وإعادته الى ‏الوطن”.‏

في الخلاصة، ما حصل في قرية الغجر هو احتلال في وضح النهار، أما تداعياته فستكون كارثية واحتمالاته مفتوحة ولكن الهدف منها واحد، وهو تحرير الجزء اللبناني من الغجر وكامل الاراضي المحتلة.

د. زكريا حمودان

خاص موقع العهد




تحقيق «القرنة السوداء»: كيف تمّ وماذا كشف؟

تتركّز الأنظار على التحقيق الذي تجريه مخابرات الجيش في حادثة القرنة السوداء لمعرفة حقيقة ما حصل، وللخروج من «قرنة» المخاوف والهواجس المتبادلة… فما هو جديد هذا الملف؟

صحيح انّ «الحكمة» نجحت في احتواء مفاعيل حادثة القرنة السوداء الدموية، ومحاصرة الاصوات التحريضية التي خرجت من هنا أو هناك، لكن هذا لا ينفي انّ هناك جمراً تحت الرماد، وانّ إطفاءه يتطلّب تحديد المسؤوليات ومحاسبة المرتكبين، أوّلاً لتحقيق العدالة وثانياً لوضع الجريمة في إطارها الحقيقي بعيداً من متناول المصطادين في الماء العكر.

ووفق مصادر واسعة الاطلاع، فإنّ التحقيقات التي يجربها الجيش في حادثة القرنة السوداء تكاد تنتهي، موضحة انّ «المحققين في مديرية المخابرات وصلوا الى الأمتار الأخيرة من مهمتهم، تمهيداً لختم التحقيق وإحالته الى القضاء المختص».

وأبلغت تلك المصادر إلى «الجمهورية» ان الجيش كان مُصمّماً منذ البداية على كشف ملابسات الحادثة في أقصر وقت ممكن لوقف الاستغلال السياسي والطائفي فيها، ولِمَنع استخدامها في أجندات مريبة، «وهذا ما دفعه الى بذل جهد استثنائي خلال وقت قصير لتظهير الحقيقة بعيداً من التأويلات والتفسيرات العشوائية».

وتشير المصادر إلى أن «التحقيق تَمّ في ظروف صعبة نتيجة تواضع الادلة المادية التي يمكن البناء عليها، حيث لا وجود لداتا اتصالات هاتفية او صور كاميرات»، موضحة انه جرى «التعويض عن هذا النقص في الوقائع الحِسيّة بالتركيز على الجانب البشري من خلال الاستماع إلى جميع الأشخاص المَعنيّين بما جرى وإخضاعهم الى تحقيق دقيق».

وتؤكد المصادر انّ المحققين توصّلوا في نهاية المطاف إلى رسم صورة واضحة لما حصل على الأرض، آمِلة في أن «يُعلن القضاء عن الحقائق ولا يُبقيها طَي الكتمان، من أجل تبريد الانفعالات والنفوس ومنع اي محاولات لافتعال الفتنة واللعب على أوتار التعبئة الطائفية».

وتلفت المصادر الواسعة الاطلاع الى انّ «ظهور الحقيقة وتحديد المسؤوليات هما الضمانة الاساسية لوقف الاستثمار في جرح بشري من قبل بعض الانتهازيين ومُقتنِصي أدوار البطولة».

وتشدد المصادر على انّ الجيش لم يكن بتاتاً طَرفاً في واقعة القرنة السوداء، «بل هو أخذ الأمور بصدره، ولولا مُسارعته الى التدخل على الأرض لكانت الأمور قد تفاقمت واتخذت منحى شديد الخطورة».

وتوضِح انّ قوات المغاوير واللواء العاشر منتشرة في المنطقة لحماية الأمن ومواجهة اي محاولة للعبث به، لكنها لفتت الى انّ المعالجة الجذرية تكمن بالدرجة الأولى في اجتِثَات سبب التوترات المتكررة، والمتمثّل في الخلاف العقاري بين بشري وبقاعصفرين.

وتعتبر انه «لولا إهمال الجهات المختصة لهذا الملف وتقصيرها في معالجته لَما وقعت هذه المأساة التي كادت ان تهدد السلم الأهلي»، مشيرة الى انّ «الجيش كان ولا يزال يطفئ الحرائق التي يشعلها تقاعس الآخرين في مجالات عدة».

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




المستغنى عنه وغير المستغنى عنه عند حزب الله

لا أحاديث الآن سوى تنظيم مرحلة ما بعد رياض سلامة. الرجل أكبر إداري معمّر في لبنان ما بعد اتفاق الطائف. في الغالب لا أحد قبله في سابقته في منصب واحد بلا انقطاع. يتحضّر الآن للمغادرة ليس حاملاً أسراره المصونة أصلاً في مكان آمن بعيد ولا أوراقه وقرطاسية مكتبه فحسب، بل الأهم: آخر رموز الحريرية السياسية في النظام

في اليومين الأخيرين قيل القليل عن فرصة الإبقاء على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الموشك على الرحيل نهاية هذا الشهر، وقيل الكثير عن مرحلة جديدة ليس فيها الرجل للمرة الأولى على امتداد ثلاثة عقود غير منقطعة. أكثر ما راج أخيراً ليس اكتشاف سبل ملتوية لاستمراره في منصبه، بل العثور على مخرج للبيان الاستعراضي لنوابه الأربعة مهدّدين بالاستقالة ما لم يُعيَّن خلف له في حكومة لا تملك في هذا الوقت أن تفعل. توزّعت مسؤوليات تبعة التقصير على عناوين مختلفة: منها أن مجلس الوزراء كان يقتضي تعيينه الخلف بنصاب دستوري مكتمل قبل الوصول إلى اليوم، ومنها أن الرئيس نجيب ميقاتي لم يُدرج مرة هذا البند في جدول أعمال جلسة تبرئة للذات، ومنها أن وزير المال صاحب اختصاص اقتراح اسم الحاكم الجديد لم يتقدّم باسم. عندما أصدر النواب الأربعة للحاكم بيان تهديدهم بالتنحي، قيل إما هم يتهرّبون تفادياً لحمل وزر الماضي، أو يطلبون غطاء حمايتهم في المرحلة المقبلة، أو هم متواطئون مع سلامة لتبرير بقائه وبقائهم. تأكّد أيضاً أن تمديداً لسنة أو أقل أو أكثر يحتاج إلى قانون في مجلس النواب يعدّل قانون النقد والتسليف ومدة ولاية الحاكم، إذ يميز القانون بين خلوّ المنصب بانقضاء السنوات الست في مادته 18، والشغور وتغيّب الحاكم في المادة 27. كلٌّ من المادتين لا تدلف على الأخرى كي تعوّض ما لا تستدركه إحداهما. آخر ما راح يقال استقالة النواب الأربعة غداً فيُطلب منهم عندئذ تسيير أعمال المرفق العام الشاغر لعدم وجود مَن يحل فيه قانوناً وخصوصاً النائب الأول.

في نهاية المطاف عليه أن يرحل أخيراً بحكم القانون، وأن لا يبقى دقيقة بحكم السياسة والتواطؤ.
على أن السجال كله لم يعد ذا فائدة عندما أدلى حزب الله بكلمة السر.
خلافاً لموقفه في كانون الأول 2022 عندما رجّح كفة اجتماع حكومة تصريف الأعمال عى كفة حليفه آنذاك التيار الوطني الحر، وكان إيذاناً بتصدّع علاقتهما قبل انهيارها لاحقاً، مَالَ حزب الله هذه المرة إلى الوجهة المعاكسة: أعطى إشارة صريحة إلى أكثر من رفضه بقاء سلامة في منصبه وتالياً اجتماع مجلس الوزراء، هي أنه الناظم الفعلي للتوازن الداخلي في مرحلة الشغور الرئاسي، كما إلى مرجعيته في تقدير ما يقتضي أن يحصل أو لا يحصل. ليس تخلياً عن حكومة ميقاتي التي يحتاج إلى دورها في المرحلة الانتقالية الحالية طالت أو قصرت، دونما أن يُفسَّر رفضه تعيينها حاكماً خلفاً أنه يطوي صفحة الخلاف مع التيار الوطني الحر ورئيسه النائب جبران باسيل، بعدما أضحت العودة عن هذا الخلاف تحتاج إلى جهد شاق لرأب صدع الثقة المفقودة. في الوقت نفسه دلّ الحزب على مكامن قوته في نظام متهالك بالكاد يلتقط أنفاسه:

أولها، أنه هو الذي يملك حق تقدير اجتماع مجلس الوزراء أو عدم اجتماعه. بعدما انتقلت إلى حكومة ميقاتي، المستقيلة، صلاحيات رئيس الجمهورية بشغور المنصب، أول شروط حزب الله لإكمال النصاب الدستوري لالتئامها اطّلاعه سلفاً على جدول أعمال الجلسة، وتحقّقه من مطابقتها الأسباب الواجبة للاجتماع بينما تُصرّف الأعمال. منذ اجتماعها الأول قبل ستة أشهر لم تعقد اجتماعاً لم يوافق عليه الحزب أو تغيّب عنه وزراؤه. لعل عِبرة ما حصل مذَّاك ولم يَبن إلا تدريجاً، أن حزب الله انتزع واقعياً من حكومة ميقاتي ما آل إليها من صلاحيات دستورية بعد نهاية ولاية الرئيس ميشال عون. فوق ذلك أمسك بالصلاحيات الدستورية لرئيسها بالذات سواء بدعوته إلى جلسات حكومته أو بوضع جدول الأعمال. كلتا الصلاحيتين الدستوريتين، قرار موعد الجلسة وإعداد جدول الأعمال، صارتا ملك حزب الله وحده.
ثانيها، تكمن فيه المفارقة. بالتأكيد يُفترض بالأفرقاء جميعاً التخلص أخيراً من سلامة، عند حماته بعدما بات عبئاً عليهم كما كارهيه الذين لا يحتاجون إلى دليل وبرهان ضده. استمراره ليس ضد القانون فحسب بل ضد الطبيعة حتى، خصوصاً بإزاء الأبواب الموصدة حيال إيجاد طريقة تبقيه حيث هو، في مصرف لبنان الحصانة الوحيدة التي يظل يحتاج إليها في كل حين في الداخل ومع الخارج. أكثر مَن تنطبق عليه عبارة المستغنى عنهم هو سلامة. لذا يرفض حزب الله استمراره في منصبه بعد نهاية ولايته. أما المفارقة الفعلية في الموقف السلبي منه – وهذا أضعف الإيمان – فتكمن في أن في مصرف لبنان مَن يقتضي أن يُستغنى عنه أخيراً، فيما في الاستحقاق الرئاسي ثمة مَن لا يُستغنى عنه للوصول إلى انتخاب رئيس للجمهورية هو مرشح الحزب والثنائي الشيعي سليمان فرنجية.

مغزى المفارقة هذه يقيم في مصدر قوة حزب الله التي تجعله يملك زمام مرجعية ما يأذن به وما لا يأذن، ما يوافق على حصوله أو يقف في طريقه، ما يعطيه بيد ويأخذه بأخرى.
ثالثها، لم يعد خافياً أن حزب الله عزم منذ نتائج انتخابات 2022، وقد أشعرته بالخيبة عندما أخفق في الحصول على غالبية نيابية مرجّحة، على مواجهة خصومه في النظام من داخل النظام، مشيحاً الأنظار عن سلاحه كما لو أنه أضحى ثانوياً في اللعبة الداخلية إلا أنه الأصل في مقاومة إسرائيل. بات أكثر من مفهوم استنتاج ضراوة إصراره على الإمساك بالنواب الشيعة الـ27 جميعاً في مجلس النواب كي يتحولوا إلى المانع الحقيقي في الوصول إلى أي استحقاق لا يستجيب إرادته. بعد تجربة عام 2006 التي دلّته على قوة الثنائي الشيعي في حكومات لا يملك غالبيتها فلم يسمح بعد ذاك بوزير شيعي من غير صفوفه، كما في ما مضى في حكومات الرئيس رفيق الحريري، امتلك النصاب الميثاقي في حكومات ما بعد ذلك التاريخ. ليست الطريقة التي يدير بها الاستحقاق الرئاسي كما شروطه الواجبة على حكومة ميقاتي كما على أي حكومة في ما بعد، إلا الخطوة ما قبل الأخيرة المفضية إلى تحوله شريكاً دستورياً فعلياً في النص لا بالممارسة فحسب.

نقولا ناصيف

المصدر: صحيفة الأخبار




ملفّات الصفقة الرئاسية… مناصب وأسماء

عندما استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المرشح سليمان فرنجية سأله عن مقاربته لملفات ما بعد الرئاسة، ومن بينها ملفا حاكمية مصرف لبنان وقيادة الجيش. لم يظهر فرنجية ممانعة في أصل البحث، ولا اتّخذ موقفاً سلبياً من طروحات ماكرون. لكنه أشار، بما خصّ قائد الجيش العماد جوزيف عون، إلى أنه لن يتعرّض له، وسيترك الأمور تسير وفق القانون، وعندما يحال إلى التقاعد يختار مجلس الوزراء خلفاً له. أما في ملف الحاكم، فلم يعلّق سلباً على ذكر الفرنسيين اسم الوزير السابق جهاد أزعور لمنصب الحاكمية.

بعد فترة، تحدّث فرنجية علناً عن أمور تتعلق بمرحلة ما بعد الرئاسة. وكانت لافتة إشارته إلى أن الثلث المعطل يجب أن يبقى في أي حكومة، وأن ملفات التعيينات الأساسية ستكون من مهمة مجلس الوزراء الجديد. وهو، طبعاً، لم يتطرق إلى اسم أيّ من المرشحين لتولي أيّ من هذه المناصب، بما في ذلك من سيكون رئيساً للحكومة، وإن كان على علم بأن التسوية التي ستحمله إلى القصر الجمهوري، ستحمل نواف سلام إلى السراي الكبير.
ما بقي بعيداً عن التداول الإعلامي، يتصل بالنقاش حول «السلة الإجمالية»، أي كل ما يخص الصفقة التي يفترض أن يكون عنوانها الأول انتخاب فرنجية رئيساً. صحيح أن تطورات كثيرة حصلت، لكنّ التسوية لا تزال على الطاولة. وبعد تقاطع القوى المعارضة لفرنجية على اسم أزعور مرشحاً للرئاسة، بات مؤكداً أن الأخير لم يعد مرشحاً لمنصب حاكم مصرف لبنان. فلا هو شخصياً يريد ذلك، ولا الآخرون بقوا على الحماسة السابقة نفسها لترشيحه، بعدما قبل أن يكون واجهة المعركة في وجه فرنجية. وهو خيار له تأثيره على مواقف كثيرين، منهم فرنسا نفسها، كما القوى الداعمة لفرنجية.

تصورات مرحلة ما بعد الرئاسة كانت في صلب المناقشات غير المعلنة الجارية بين «الكبار» محلياً وخارجياً. الأميركيون، مثلاً، لا يعيرون الملف الرئاسي اهتماماً خاصاً حتى الآن، وحتى دعمهم لوصول قائد الجيش إلى القصر لا يترافق مع معركة كسر عظم، بل يبدو أن التفويض الممنوح لفرنسا لا يزال قائماً، على أن يُترك لأطراف أخرى كقطر القيام بالشغب المناسب وفي الوقت المناسب، مدعومة بموقف مصري أقرب إلى قائد الجيش، وحياد سعودي من الملف برمّته. لكنّ الأميركيين، ليسوا على الحياد إطلاقاً، خصوصاً في ما يتعلق بالنظام المالي في لبنان. لذلك يتصرفون وفق قاعدة أن حصتهم في أي تسوية ستكون حكماً في النظام المالي وترتيباته وأشخاصه. وحتى لو انتُخب رئيس للجمهورية يقبل به حزب الله لن يقدموا على قلب الطاولة، إلا أنهم لن يتسامحوا حيال مكوّنات النظام المالي. ولذلك، يتصرفون على أساس أن منصب حاكم مصرف لبنان يجب أن يبقى تحت رعايتهم، وأن لهم حق الفيتو ضد أي مرشح لا يناسبهم، وهم أبدوا ارتياحاً عندما استقبلوا نائب الحاكم الأول وسيم منصوري في واشنطن أخيراً لسؤالهم عن موقفهم منه في حال توليه منصب الحاكم بعد انتهاء ولاية رياض سلامة نهاية الشهر الجاري. وقد عاد منصوري بعدم ممانعة أميركية، ولمس أن ملف مصرف لبنان، كما بقية الملفات المالية والنقدية، متروكة لموافقتهم النهائية. لكنّ الأميركيين، على عكس بطء ردات فعلهم إزاء ملف الرئاسة، يستعجلون ملء الشغور في منصب الحاكم. وهم أعطوا إشارات لأكثر من طرف، بمن في ذلك القوى المسيحية، بعدم معارضتهم «تعيين الضرورة» من قبل حكومة تصريف الأعمال، لأنهم يريدون أن يكون الحاكم الجديد من حصتهم.
لكن، لماذا لم يحصل ذلك؟
الواضح أن الأميركيين حاولوا الاحتيال على الوقائع اللبنانية الجديدة. وفعل مثلهم من أيّد تعيين حاكم جديد. وهؤلاء جميعاً يعرفون أن المعركة على رئاسة الجمهورية لم تعد مقتصرة على اسم الرئيس فقط، بل على سلة متكاملة تشمل كل المواقع، تبدأ بالحكومة وحاكم مصرف لبنان وتصل إلى قائد الجيش ورئيس مجلس القضاء الأعلى وغيرها من المناصب. حماسة الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي لتعيين بديل لسلامة وتعيين رئيس لأركان الجيش، دفعت البعض إلى القول إنهما يريدان تحصيل نتائج قبل انتهاء المعركة، وفتح الباب أمام تعيين حاكم جديد بمعزل عن هوية الرئيس الجديد أو الحكومة الجديدة، والتوافق عليه من دون الحاجة إلى موافقة طرف أساسي هو التيار الوطني الحر. ويبدو أن بري وميقاتي فسّرا خطأ الخلافات القائمة بين حزب الله والتيار الوطني الحر، واعتبرا أن الحزب لن يمانع خطوة كهذه، أو أنه لن يكون معارضاً لأي قرار يسهّل عمل قائد الجيش، ويسمح له بالتحضر لخلع البزة العسكرية لانتخابه رئيساً.

عملياً، نسي كثيرون أن المفاوضات بين حزب الله والنائب جبران باسيل حول الرئاسة استندت في جانب أساسي منها إلى برنامج عمل الحكومة والتعيينات في المواقع الأساسية، وعندما عرض السيد حسن نصرالله على باسيل ضمانات، لم يكن يطمئنه إلى أن أحداً لن يقترب منه، بل كان يعرض عليه أن يكون شريكاً مع فرنجية في الحكم. وهذه الشراكة تعني وجود التيار في قلب العمل الحكومي وفي قلب كل البرامج والملفات، بما في ذلك مصرف لبنان وقيادة الجيش.
من جهة أخرى، ليس منطقياً أن تخوض معركة إيصال رئيس، وتجرّده من الأسلحة مسبقاً، وتفرض عليه حاكماً لمصرف لبنان ومسؤولين آخرين في مواقع أساسية في الدولة، والأمر نفسه ينسحب على أي رئيس جديد للحكومة بعد الانتخابات الرئاسية. وهذا يعني أن حزب الله يقول لمن يهمه الأمر، داخلياً وخارجياً، بأنه ممنوع تجزئة الصفقة، وطالما لم يتم الاتفاق على اسم الرئيس المقبل، لن يكون سهلاً أو مقبولاً تسمية آخرين في مواقع أساسية. وحجة حزب الله هنا، أن القانون يتيح علاجات ولو مجتزأة، لتسيير المرافق، إلى حين تعيين الأصيل في الموقع الشاغر.
خلاصة الأمر أنه يصعب توقّع تغييرات كبيرة في مواقع حساسة قبل الانتهاء من ملف رئاسة الجمهورية، والأهم هو أن الصفقة المشار إليها بتسوية أو أي اسم آخر، تعني أن هذه المناصب لم تعد حكراً على جهة بعينها، لتختارها مباشرة أو من خلف ستار، بل إن الجميع صار معنياً بأن يكون له رأيه الفعّال في المقترحات، وبالتالي، فإن جهة مثل حزب الله، لم تعد تقبل بألا يكون لها رأيها في اختيار شخصيات مركزية كبيرة، مثل قائد الجيش أو حاكم مصرف لبنان أو رئيس مجلس القضاء الأعلى أو غيره، وفي حال جوبه الحزب بحجة أن الطوائف ومرجعياتها السياسية في الحكم هي من تختار المرشحين للمناصب، فالحزب يملك استراتيجية جديدة، بضرورة الاتفاق لمرة أخيرة على قانون للتعيينات الإدارية في كل مواقع الدولة، بحيث تصبح المعايير غير محصورة فقط بالرعاية السياسية لهذا المرشح أو ذاك. وهو أمر منطقي حتى للقوى المسيحية التي عانت من «سرقة حقوقها» في زمن سابق. وبعدما استردّت كلّ حقوقها، في التمثيل السياسي رئاسياً ووزارياً ونيابياً وإدارياً، لم تعد لديها حجة لرفض اعتماد آلية جديدة للتعيينات… ولكم في آلية محمد فنيش مثلٌ أيها الإصلاحيون!.

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار




بشري – الضنية: صراع على التاريخ والجغرافيا… والهويّة

كالجمر تحت الرماد، يمكن وصف الأوضاع بين بشري والضنيّة. «قلوب مليانة» واحتقانٌ في النفوس يعود إلى أكثر من 15 عاماً على خلفيّة نزاع على ملكيّة القرنة السوداء. رواية بشري مقابل رواية الضنيّة، فيما الدولة «تتعامى» عن الروايتين، حتّى تحوّل النزاع على «القرنة» إلى صراع دموي طائفي يكاد يطيح بالسلم الأهلي. كيف بدأ النزاع العقاري؟ وهل تدخّل السياسيون لـ«تضخيمه»؟

بيان مديريّة التوجيه في الجيش، السبت، والذي أعلن إحالة 11 موقوفاً إلى القضاء المختص في حادثة مقتل الشاب هيثم طوق، أرخى نوعاً من الهدوء في نفوس أهالي بشري الذين كانوا يتخوّفون من «لفلفة» القضيّة، وإن كان هاجس إفلات القتَلة من العدالة لا يزال يُسيطر عليهم.

على المقلب الآخر، تتمسّك الضنيّة بالهدوء رغم توقيف 10 من أبنائها. «نقلت المطلوبين بسيارتي إلى مديريّة المخابرات»، يقول رئيس رابطة مخاتير الضنيّة، مختار بقاعصفرين عمّار صبره، «لأننا أيضاً نريد الحقيقة».
الجميع يؤكّدون ثقتهم بالدولة وأجهزتها الأمنيّة. رغم ذلك، يبقى النزاع على ملكيّة القرنة السوداء كالجمر تحت الرماد، بعدما تحوّل إلى قضيّة هويّة وانتماء لمنطقتين مختلفتين جغرافياً وطائفياً، تكرر فاعلياتهما العبارة نفسها: «كرامتنا في الحفاظ على القرنة السوداء».

رئيس بلديّة بقاعصفرين بلال زود يؤكّد أنّ حدود بلدته تصل إلى أبعد من القرنة السوداء بـ 3 كيلومترات «ولن نتراجع متراً واحداً». يفتح أحد الشبّان متصفّح غوغل ويقلّب بين الصفحات التي تشير إلى أن القرنة تقع في قضاء الضنيّة، ويعود آخر إلى كتاب الجغرافيا الرسمي الصادر عن «المركز التربوي للبحوث والإنماء» الذي يُعلّم الطلّاب أنّ «القرنة تابعة عقارياً للضنية»، ويسأل: «لماذا لم يطالب أهالي بشري على مدى كلّ هذه السنوات بأرضهم طالما تعود ملكيّتها لهم؟ ولماذا سكتوا عندما كُنا نقيم صلاة الجمعة عند تخومها؟».
في المقابل، يحيل رئيس بلديّة بشري فريدي كيروز إلى «صكوك وحجج وخرائط تمتد إلى زمن المتصرفية ومستندات منذ عام 1905 تؤكّد أنّ كومسيور بشري كان يضمّن مشاع القرنة إلى الرعاة على مدى السنوات التي سبقت إقامة متصرفية جبل لبنان، فضلاً عن مستندات تثبت الحدود بين القضاءين بالحجر». ويقول المختار زياد طوق «إنّنا لم نحتكّ يوماً مع أهالي الضنيّة لأنّهم لم يكونوا يوماً أصحاب الأرض ولم يقوموا حتّى بزيارتها»، ويسأل: «هل يُمكن لصاحب الأرض أن يترك أرضه لغيره لعشرات السنوات؟». ويؤكد الرجلان أنّ «حدود بشري هي مع عشائر عرب الفوّار الموجودين في المنطقة منذ سنوات، ولطالما كان الصليب مرفوعاً فوق القرنة السوداء، فلماذا لم نسمع أصوات أهالي الضنيّة؟».

أصل الصراع
كلّ جهةٍ تحمل خرائطها ومستنداتها لإثبات ملكية القرنة، فيما تتقاعس «الدولة» في حلّ النزاع العقاري حتّى تحوّل صراعاً دموياً. ورغم اختلاف الروايتين، يتفّق الطرفان على أنّ الأزمة بدأت أواخر التسعينيات وتفاقمت بعد 2006، مع تمديد مزارعي الضنيّة خراطيم تحت الأرض لسحب مياه «الثلاجات» (بقع كبيرة لا تذوب فيها الثلوج طوال العام) لري مزروعاتهم، ما رأى فيه «البشرّانية» «اعتداء على البيئة ومخالفة لقرار وزارة البيئة الصادر عام 1998 بتصنيف الأراضي التي تعلو عن 2400 متر كمحميّات طبيعيّة لحماية الثروة الطبيعيّة، إذ إن الخراطيم تؤثر على احتياط المياه الجوفية في الشمال والبقاع وبشري، وصولاً إلى إهدن».
ويقول طوق: «في البداية، طلبوا إذناً بمدّ خرطوم مياه أو اثنين قبل أن نكتشف أنّ أكثر من 14 خرطوماً مُدّت تحت الأرض لري مزروعاتهم، فيما نمتنع نحن عن ذلك رغم قرب الثلاجات من أراضينا».
أهالي الضنية رأوا قي قرار وزارة البيئة «استهدافاً» لهم، وخصوصاً أنه لا يُنفّذ في معظم المناطق، أضف إلى أنّ «سحب مياه الثلاجات لا يؤثر على المياه الجوفيّة». والأهم هو أنّ عدم استغلال مياه الثلاجات يعني ضرب الموسم الزراعي في جرد النجاص في خراج بقاعصفرين والذي يعتاش منه أكثر من 50% من أبناء البلدة.
بدأ الخلاف على سحب مياه الثلاجات، بعدما لزّمت وزارة الطاقة والمياه، مرتين، متعهدين إقامة بركة لتجميع المياه لري مزروعات أبناء الضنيّة ضمن «المشروع الأخضر»، يقول المختار إن خطأ تقنياً في المرة الأولى حال دون تجميع المياه، «وفي المرة الثانية قبض المتعهّد ولم ينفّذ». لم تتوقف مساعي الرئيس عمر كرامي، ومن بعده النائب فيصل كرامي، لإقامة بركة مياه، قبل أن يصطدم المشروع بقرارات قضائيّة من جانب أهالي بشري ويُشرّع الباب أمام نزاعٍ عقاري.

بالنسبة إلى الطرفين، الدولة تقاعست عن القيام بواجبها وهي تتحمّل مسؤولية إراقة الدّماء في القرنة السوداء، فيما أهمل القضاء القضيّة بسبب تدخّلات سياسية!

الاستقواء بالسياسة؟
يقول أبناء الضنيّة إنّ أهالي بشري لم يُطالبوا في الماضي بما يسمّونه اليوم «حقاً مشروعاً» في ملكيّة القرنة قبل أن يخرج رئيس حزب القوات اللبنانيّة من زنزانته. ويتّهمون تيّار المستقبل بمهادنة «القوات» وعدم حسم الأمر لمصلحة «أصحاب الحق». وينقل بعضهم عن النائب السابق سامي فتفت أنّ جلساته مع النائبة ستريدا جعجع لحسم القضيّة علّقت لأنّ «الأخيرة كذبت عليّ». فيما يجاهر بعض أهالي بقاعصفرين بأن المستقبل «باع» القضيّة أصلاً. وهو ما ينفيه محسوبون على المستقبل لافتين إلى أنّهم شاركوا في أكثر من جلسة لحسم القضيّة، لكن القوات كانت تُناور.

تقاعست «الدولة» في حلّ النزاع العقاري حتّى تحوّل صراعاً دموياً

ويروي نائب رئيس البلدية علي صبره الذي كان موقوفاً في قضيّة هيثم ومالك طوق أنّ البلديات المتعاقبة في بشري كانت متعاونة، وكان «القواتيون» سابقاً متعاونين في ضبط الخلافات، «وكنا نلتقي دورياً في مقر مديريّة مخابرات الجيش لحل الخلافات التي كانت تقع من جراء قطع خراطيم المياه. ولكن في الأعوام الثلاثة الأخيرة تفاقمت الخلافات ووصلت إلى حد إطلاق النّار على الماشية. ولطالما دعونا إلى حسم الخلاف العقاري قبل سقوط الدماء». الأمر نفسه يشير اليه مختار بقاعصفرين عمّار صبره. إذ إنّ الأمور كانت تُحلّ دوماً «على الطريقة العشائريّة»، وكانت بلديّة بشري تتنصّل من عمليّات قطع خراطيم المياه وتتهم طابوراً خامساً بها، قبل أن تنقلب الأمور رأساً على عقب خلال السنوات الأخيرة. لذلك، يعتقد أبناء الضنيّة أن الأزمة كانت «تُطبخ» على نارٍ هادئة لفرض «سلطة أمر واقع» على القرنة «تمنعنا من التصرّف بأرضنا ومياهنا». في السنتين الأخيرتين، صارت بلديّة بشري تُجاهر برفضها لمدّ الخراطيم وتُغطي من يقومون بسحبها عبر الـ«ATV»، بعدما كانت سابقاً تتهم «طابوراً خامساً»، فضلاً عن تكرر الاعتداءات على الرعاة وقتل أكثر من 300 رأس من الماشية.
يُحمّل كثيرون في الضنيّة مسؤولية «التحريض» إلى النائب ويليام طوق الذي يُريد كسب شعبيّة على «ظهر» القرنة السوداء. ويقولون إنه أقرّ في إحدى الجلسات مع كرامي، بوجود مهندسين ومحامين، بنيّته في إقامة مرصد فلكي على قمة القرنة السوداء بتمويل من شركة فرنسيّة. ويستدلّون على ذلك بالسقف العالي لكلام طوق في الأحداث الأخيرة، فيما جاء تصعيد «القوات» لكي «يلحّقوا حالهم».

يحزّ في نفوس أبناء الضنيّة عدم وجود مرجعيّة سياسيّة «في ظهرهم»، ويدركون أن وجود الرئيس سعد الحريري على رأس الحكومة لم يكن ليحل الأزمة، إذ إنّه كان «سيُساير» القوات اللبنانية تماماً كما سايَر الرئيس نجيب ميقاتي على حسابهم حينما تراجع عن إحياء لجنة القرنة السوداء. والعتب يشمل نائبَي المنطقة (جهاد وعبد العزيز الصمد) اللذين غابا عن القضيّة رغم مضبطة الاتّهام التي وُجّهت إليهما. وحده كرامي تجرأ على فتح معركة الدّفاع عن منطقة ارتبطت عائلته بها منذ أيّام جدّه عبد الحميد، بعدما تحوّلت بقاعصفرين إلى مصيف تاريخي لآل كرامي. إلا أن آخرين يُدافعون عن «الصمدَين» على اعتبار أنّ كرامي وبلديّة بقاعصفرين «أخطأوا حينما أصدروا مواقف إعلاميّة بدا معها كأنّ أبناء المنطقة يُريدون الدّفاع عن أنفسهم لرد تهمة المسؤولية عن مقتل هيثم طوق»، فيما كان جهاد وعبد العزيز الصمد «على حق» عندما لزما الصمت «لأن لا علاقة لنا بالحادثة». مع ذلك، يخشى الجميع في الضنية أن «يضمّ» أهالي بشري القرنة السوداء باعتبار أنّهم «ضحايا الدم»، ما يعطيهم أفضلية أمام القضاء الذي سيحكم لمصلحة «الضحيّة»!
صمت الصمد وظهور كرامي لا يُغيّران في واقع الأمر شيئاً لدى أهالي بشري، إذ يرون أنهما «المحرّضان الأساسيّان» للقضيّة، كما أنّ حزب الله هو المستفيد الأوّل من وقوع الفتنة المسيحيّة – السنيّة، في حين أنّ ما يعني أبناء الضنيّة هو تأمين موردٍ للمياه. وهو ما يشير إليه رئيس بلديّة بشري الذي يُشدّد على أنّ القضيّة لا تُحل إلا عبر تأمين موردٍ للمياه لأهالي الضنيّة يغنيهم عن استخدام الثلاجات في القرنة السوداء، وحسم الخلاف العقاري قضائياً، ومحاكمة المشاركين والمحرضين على مقتل هيثم ومالك طوق.

القضاء بين بشري وبقاعصفرين: «الحدّ» بـ«الحدّ»

مع تفاقم الخلافات بين بشري وبقاعصفرين على ملكيّة القرنة السوداء واستغلال الموارد المائيّة فيها، احتكم الطرفان إلى القضاء الذي أقفل على المستندات في أدراجه من دون أن يحسم النزاع، القانون نفسه يحكم بين الجهتين، إلا أنّ لكل منهما وجهة نظره: «البشرانيون» يؤكّدون أنّ النزاع قضائي بحت، و«الضناويون» يرون فيه نزاعاً إدارياً.
بحسب رئيس بلديّة بقاعصفرين، لا صلاحيّة للقاضي العقاري للنظر في القضيّة ولا يمكن تعديل الخرائط المُعتمدة إلا بقانونٍ يصدر عن المجلس النيابي. وهو ما يؤكده وكيل الدّفاع عن بلديّة بقاعصفرين المحامي مازن إسطنبولي. يبدأ حديثه من افتقار جرد الضنيّة لمياه الري، ما حتّم اللجوء إلى إنشاء بركة اصطناعيّة بتمويل أوروبي وفق المعايير العالميّة للحفاظ على البيئة. بدأ العمل عام 2020 «قبل أن نصطدم بدعوى من بلديّة بشري أمام قاضي العجلة الذي أصدر قراراً بـ«وقف الأعمال لخضوع هذه الأراضي للنطاق الإقليمي لبلديّة بشري»، علماً أنّ «البركة تبعد أكثر من 3 كيلومترات عن القرنة السوداء لجهة قضاء المنية – الضنية وداخل النطاق العقاري لبلدية بقاعصفرين». لم تنفع المراجعة التي قدّمتها الأخيرة، إذ أكد القاضي على قراره السابق لتتحوّل القضيّة إلى محكمة الاستئناف الناظرة في قضايا الأمور المستعجلة في طرابلس، «من دون أن تصدر حتى اليوم قرارها لأسبابٍ لا نعلمها». يؤكد إسطنبولي أن رئيس الغرفة القاضي أسامة حداد أصدر قراراً دعم موقف الضنية عارضه القاضيان الآخران فشطب القرار، مذكّراً بأنّ وزير المالية في حينه علي حسن خليل باعتباره سلطة الوصاية أحال الملف إلى القاضي العقاري الإضافي لـ «تبيان وتحديد حدود المنطقة الفاصلة بين قضاءي بشري والمنية – الضنيّة».

يفرد محامي بلديّة بقاعصفرين خرائط ومستندات، ويشرح بإسهاب عن خريطة تحمل رقم 85 صادرة في الستينيات، تُظهر القرنة السوداء ضمن حدود «قضاء طرابلس» في حينه، إضافة إلى خرائط صادرة عن مديريّة الشؤون الجغرافيّة في الجيش، منها خريطة لبنان الإدارية الصادرة بالألوان عام 2004، وتضع القرنة ضمن حدود الضنيّة. يرفض إسطنبولي بيان مديريّة الشؤون الجغرافية التي تنصّلت من خرائطها بحجة أنها خرائط عسكريّة خاصة بنقاط الانتشار الأمني، متسائلاً: «إذا كانت كذلك، لماذا عدّلت المديريّة خرائطها بعدما ألحقت بلدة دير بلا بقضاء البترون بدلاً من قضاء بشري، بحسب قانونٍ صادر عن مجلس النواب؟». ويشدد إسطنبولي على أن الدستور يمنع تعديل الحدود إلا بموجب قانون، ويروي عن «تاريخ» من «تزوير» الخرائط، وهو ما يؤكده مهندسون في الضنيّة لاحظوا منذ نحو 10 سنوات ظهور خرائط جديدة خلافاً للقانون، صادرة عن مديريّة الشؤون الجغرافيّة، تلحق القرنة السوداء بقضاء بشري. لذلك كله، تقدّمت بلدية بقاعصفرين بمراجعة أمام مجلس شورى الدولة لإبطال الخرائط غير الصحيحة الصادرة عن مديريّة الشؤون الجغرافية والقاضية بتحوير النقاط الحدوديّة بين قضاءي بشري والمنية – الضنية، من دون أن يصدر الشورى أي قرار بعد. ويؤكد إسطنبولي أن «لا صلاحيّة للقاضي العقاري بتحديد وتبيان الحدود الفاصلة بين الأقضية، خصوصاً أنّ النزاع يشمل أكثر من 10 كيلومترات. مع ذلك، قدّمنا الخرائط والمستندات التي تُثبت الحدود الجغرافية بين القضاءين منذ إنشاء لبنان الكبير».

بشري: نحتكم للقضاء
يلفت رئيس بلديّة بشري فريدي كيروز، من جهته، إلى «أنّنا نتابع الموضوع قضائياً ولا نريد أن نتعدى على أراضي أحد ولا نقبل أن يتعدّى علينا أحد»، مشدّداً على «أنّنا نرضى بما يصدر عن القضاء».
الوكيل القانوني للبلديّة المحامي عبدو لحود ينفي أن «تكون الدولة قد حدّدت الحدود بمراسيم جمهورية، وبالتالي أن يكون الخلاف بين البلديتين إدارياً، إذ إنّ الفرنسيين قبل جلائهم عن لبنان أتمّوا 30% من مهمّة مسح الأراضي اللبنانيّة قبل أن تكمل الدولة اللبنانية عملها بمسح 15%، فيما هناك 55% من الأراضي غير الممسوحة، من بينها القرنة السوداء ومحيطها». ويضيف: «لو كان الخلاف إدارياً، لكان القاضي العقاري رد الطلب لقضيّة مسبقة (أي سبق للدولة أن حسمتها)»، مشدّداً على «ضرورة ترك الأمر للقاضي العقاري بالتعاون مع مديريّة الشؤون العقاريّة ولجنة الخبراء للقيام بدورهم وحسم القضيّة».
ويسرد لحود المسار القضائي الذي انتهجته بلدية بشري منذ أن لاحظت عام 2019 أعمال حفر لبركة في سهل سمارة في محيط القرنة السوداء من دون احترام لقرار وزارة البيئة الذي يصنّف الأراضي التي تعلو عن 2400 متر بأنّها محميّات طبيعيّة. «حينها، راسلنا وزارة البيئة لإطلاعها على الأمر فطلبت دراسة أثر بيئي قبل أن تُصدر قرارها بوقف أعمال الحفر. كذلك أرسلنا عريضة إلى قاضي الأمور المستعجلة في بشري فأوقف تنفيذ أعمال الحفر قبل أن تعترض بلديّة بقاعصفرين ثم تستأنف، ليُحال الملف إلى محكمة الاستئناف في طرابلس، ويصدر محافظ الشمال قراراً بوقف الأعمال في محيط القرنة السوداء «حفاظاً على الوضع الأمني».

رغم ذلك، «بقيت الأمور تتفاقم بعدما أعطت وزارة الزراعة في عهد الوزير غازي زعيتر إذناً، بواسطة المشروع الأخضر، لإنشاء بركة لتجميع مياه في المنطقة، لافتاً إلى أنّ البلدية سارعت إلى تقديم مراجعة إداريّة إلى مجلس شورى الدولة الذي أصدر قراره بوقف الأعمال. كما تقدّمت بمراجعة إدارية مماثلة بعدما غيّرت بلديّة بقاعصفرين اسمها إلى «بلدية بقاعصفرين – القرنة السوداء»، ليُصدر قراره بالإبطال.
يؤكد لحود أنّ «القاضي العقاري هو الوحيد المخوّل بحسم هذه القضيّة وبترسيم الحدود وتحديدها». وعن المسار القضائي، يُشير إلى أنّ القاضي العقاري «أنشأ لجنة ترسيم منذ عامين تضم 4 مسّاحين (اثنان مسيحيان وآخران مسلمان). طالبتنا اللجنة بمستندات قدّمناها عبر لوائح لثلاث مرات متتالية لتسهيل عمل المساحين، من دون أن يكون هناك أي تطوّر في عملها».

وعن المستندات التي قدّمتها الجهة المقابلة، يقول: «لم تُقدّم بقاعصفرين أيّ مستندات باستثناء خرائط مديريّة الشؤون الجغرافية التي قالت أخيراً إنّها خرائط عسكريّة للانتشار الأمني ولا تعني تحديد الحدود».


المسيحيّون في الضنيّة
رغم الأكثريّة السنيّة التي تطغى على قضاء المنية – الضنية الذي يضمّ نحو 51 بلدة، إلا أنّ القضاء يضمّ نحو 20% من الناخبين من المسيحيين (غالبيتهم من الروم، وأقليّة مارونيّة) يعيشون في بلدات مسيحيّة وأخرى مختلطة. ويتركّز وجود الموارنة في ما يُسمّى «قرى المزارع» (كرم المهر، بحيوتة، عِمار، زغتغرين، كهف الملول) بين جبل الأربعين في جرد الضنيّة ومزيارة في قضاء زغرتا. فيما يتوزّع الروم على بلدات القضاء كحقل العزيمة وعصيموت والخرنوب والحوارة وكفر حبو وسير الضنيّة وعاصون ومراح السفيرة وبطرماز. تؤكد فاعليات بقاعصفرين أنّ العلاقة مع القرى المسيحيّة «ممتازة، ولم يحصل يوماً أي احتكاك حتّى في عز الحرب الأهليّة، ولم يحدث أي تهجير».
وعن الخلاف بين قضاءَي بشري والضنيّة على القرنة السوداء، يقول هؤلاء إنّ «مسيحيّي الضنيّة في العلن يؤكّدون أنّ القرنة لنا، كما أنّ عدداً من فاعليّات ومخاتير القرى المسيحيّة وقّعوا عريضة قدّمتها بقاعصفرين تطالب بملكيّة القرنة السوداء». غير أن مختار بلدة كهف الملول ماريو أيوب يُشدّد على «أنّنا لم نوقّع على أيّ عريضة، وخصوصاً أنّ رأينا لا يُغيّر في مسار الأمور باعتبار أنّ النزاع قضائي عقاري وعلى الدولة أن تحسمه، منعاً لإراقة الدماء وتكرار مثل هذه الحوادث المستنكرة».

«قرنة سُهدي»
يرفض أبناء بلدة بشرّي تسمية أعلى قمّة في جبل المكمل بالقرنة السوداء، باعتبار أنّ تسميتها الأصليّة ترتبط بتاريخهم وهويّتهم قبل أن «يضرب» الانتداب الفرنسي اسمها الحقيقي. يصرّ هؤلاء على أنّها «قرنة الشهداء»، وتحديداً «قرنة سُهدي» باللغة السريانية، والتي استُشهد دفاعاً عنها أكثر من 350 راهباً من رفاق شفيع الموارنة مار مارون. ويعود «البشرّانية» إلى التاريخ، حينما كان أجدادهم يقومون بحراسة الحدود، وأطلقوا على أنفسهم لقب «المردة» لردّ غزو المماليك عن أراضيهم.


في بشرّي… حزب الله هو المحرّض؟
يشدّد مختار بشري زياد طوق على أنّ «ما يربطنا بأهالي الضنيّة علاقات اجتماعيّة ممتازة وحُسن جوار وشراكات في بيْع الفواكه والخضار». وهو ما يقوله أيضاً رئيس بلدية بشري فريدي كيروز، لافتاً إلى أنّ «وجع أهالي الضنيّة من وجعنا، لكننا نُخاصم الخارجين عن القانون وتحديداً أولئك الذين قتلوا هيثم (طوق)». من هو، إذاً، «الخصم» الذي يُريد «أكل القرنة»؟ هنا يبدو واضحاً أن السردية القواتية تفعل فعلها حتى لدى من هم غير محسوبين على القوات اللبنانية.

يؤكد كيروز وطوق، كما العديد من أبناء منطقتهما، أنّ «مجموعات مُسلّحة» في الضنيّة تُريد «ضرب هذا التاريخ وإشعال نار الفتنة بين القضاءين». يُمسك أحد شبّان بشري بهاتفه ليؤكّد وجود أكثر من 4 دشم ومتاريس تقيمها هذه «المجموعات» عند تخوم القرنة السوداء. يقول كيروز: «لا أريد الدخول في السياسة ولكن ما أعرفه هو أن أهالي بشري يؤكّدون في العامين الأخيرين أنّهم يصادفون مجموعات تحمل أسلحة متوسّطة تتمركز في القرنة السوداء، وسبق أن أبلغت مديريّة المخابرات بهذا الأمر». فيما يشير مخايل طوق، شقيق الضحية مالك، إلى «أنّنا لسنا الدولة لنُفصح عن هويّات القتلة بل ننتظر التحقيق، تعبنا من القيام بدور الدولة على مدى 30 عاماً، فيما الدولة تتقاعس عن تبيان حدودنا ومنع التعديات على أرضنا».
السائد، بعد الأحداث الأخيرة بين البشرانيين أنّ «الحزب» (حزب الله) يُريد خلق فتنة بين السنّة والمسيحيين، وقد نجح في ذلك بعدما «جنّد» النائبين فيصل كرامي وجهاد الصمد لمشروعه، إذ إنّ «نائبي محور الممانعة (كرامي والصمد) هما المحرّكان الأساسيان والمعنويان لقضيّة القرنة السوداء». ويعود بعضهم إلى خطابٍ للصمد يقول فيه إنّ «الكعبة إذا أزيحت من مكانها في حدا يزيح القرنة السوداء من مكانها (في الضنيّة)»، للإشارة إلى أنّ «الصمد واحد ممن عمدوا إلى غسل أدمغة أبناء الضنيّة لإقناعهم بفتح معركة القرنة السوداء»، ومثله أيضاً كرامي. لا أحد مقتنع بأن ناس المقلب الآخر، في الضنية، هم أيضاً مقتنعون بأن ملكيّة القرنة تعود إليهم. بالنسبة إلى كثيرين، هنا، «حزب الله» أقنع بعضهم بذلك بسبب حاجتهم إلى المياه وسخّر لهم الإمكانات لتحويل القرنة السوداء إلى «مركزٍ للمجموعات المسلّحة»، واستهداف أبناء بشري.

«الاستغلال السياسي» لقضيّة القرنة السوداء يرسم هواجس عن إمكانيّة إفلات المجرمين من العقاب، إذ إنّها «ليست المرة الأولى التي يتدخّل فيها السياسيون لإطلاق الموقوفين». مع ذلك، يؤكّد كيروز وطوق أنّ «ثقتهما بالجيش والدولة مطلقة، ونحن نراقب ما يجري»، و«إلا سيكون لنا كلام آخر»، على ما يقول طوق. فيما يشدّد كيروز على أنّ «المهم ليس فقط توقيف القاتلين ومحاكمتهم بشفافيّة، وما نُريده هو محاسبة المحرّضين، الذين أوصلوا الأمر إلى وقوع قتيلين».


الضنيّة: أين حزب الله؟
يضحك رئيس بلديّة بقاعصفرين بلال زود من اتهامات مسؤولي بلدة بشري وأهاليها بوجود مجموعات مسلّحة من الضنيّة أقامت دشماً ومتاريس عند تخوم القرنة السوداء، ويقول: «لا شيء في القرنة سوى الحجال والذُّباب، فلمَن نُقيم الدشم والمتاريس؟»، مؤكداً أن هذه الدشم والمتاريس أقامها صيادو الحجال. ما يقوله أبناء بشري «محض افتراءات ومغالطات وتشويه للسمعة». والأمر نفسه يؤكده نائب رئيس البلديّة علي صبره الذي أطلقت سراحه مخابرات الجيش، أخيراً، إذ «لا وجود في القرنة السوداء إلا لرعاة المواشي، والحديث عن مسلّحين افتراء».
مختار بقاعصفرين، رئيس رابطة مخاتير الضنيّة، عمّار صبره، يُشدّد على أنّ «أبناء الضنيّة لا يمتلكون قناصة أو سلاحاً ثقيلاً عكس ما يتم ترويجه»، مضيفاً: «نحن مزارعون فقراء، ولم نحمل السلاح حتّى خلال الحرب الأهليّة، وهذا القضاء الوحيد تقريباً الذي لم يشهد اقتتالاً طائفياً، رغم أن نحو 20% من أبناء الضنية مسيحيون». ويضيف: «أبناء الضنيّة مسالمون، وحتى الخليّة التي سُمّيت باسمهم (خلية الضنيّة) عام 2000 لم تضمّ أياً من أبنائهم»، فضلاً عن أن الإشكالات في القضاء تبدو بسيطة مقارنةً مع بقيّة المناطق.

بالنسبة إلى صبره، استبق أبناء بشري التحقيقات واتهموا أهالي بقاعصفرين بالحادثة رغم أن «لا خلافات بين القضاءين، بل على العكس. العلاقة تاريخية بيننا، وأجدادنا كانوا شركاء أجدادهم في الماشية ويتقاسمون الزوّادة نفسها».
ما يقوله صبره يُكرّره أبناء الضنيّة الذين يُذكّرون بعدد الأصوات التي كان ينالها جبران طوق وبعده ستريدا جعجع عندما كان القضاءان في محافظةٍ واحدة، وكذلك إبان «شهر العسل» السياسي بين الرئيس سعد الحريري والقوات اللبنانية، ما انعكس تقارباً سياسياً واجتماعياً أكبر للمنطقتين.
النائبان فيصل كرامي وجهاد الصمد، اللذان يصفهما أبناء بشري بأنهما «تابعان لمحور الممانعة»، يؤكد أبناء الضنيّة «تمايزهما عن حزب الله». يُشدد نائب رئيس البلدية على أن كرامي لطالما سعى إلى حل الموضوع «وكان يُحذّرنا من حصول أي إشكال، لأن لا مصلحة لنا بوقوع حوادث أمنية، بل جلّ همّه كان تنفيذ مشروع بحيرة تجميع مياه لريّ المزروعات وتأمين المياه للماشية».
المحسوبون على تيّار المستقبل ينفون أيضاً أن يكون لـ«الحزب» وجود في المنطقة، خصوصاً أن الالتزام السياسيّ في المنطقة يُعدّ قليلاً مقارنةً بـ«الأهواء السياسيّة». رئيس البلدية السابق علي كنج، القريب من أجواء تيّار المستقبل، يُشدّد هو الآخر أن «لا وجود لحزب الله أو لسرايا المقاومة في المنطقة»، مضيفاً: «نحن في الأصل لا نحب حزب الله ولا نستسيغ وجوده بيننا»، مشيراً إلى أنّها «اتهامات باطلة. ولو كان الحزب موجوداً في المنطقة لكان على الأقل مدّنا بالمال والسلاح، فيما نحن فعلياً عُزّل».

لينا فخر الدين

المصدر: صحيفة الأخبار