1

مشروع قانون «حماية الودائع» … أم حماية المصارف؟

تقدّم رئيس مجلس شورى الدولة القاضي فادي الياس بمسوّدة مشروع قانون يرمي، بحسب قوله، إلى حماية الودائع المصرفية وإعادتها إلى أصحابها.

بتحليل قانوني لموادّ المشروع الـ 26، يتبيّن أن الخزينة العامة، أي مجموع المواطنين سيتكفّلون بردّ الودائع إلى أصحابها، وأن المصارف من بين أصحاب الودائع هؤلاء!
يتناول القانون في مادته الثانية التزام الدولة بإيداع المبالغ المخصّصة لتسديد الودائع في حساب خاص لدى مصرف لبنان. وهو يحمّل الدولة (الخزينة العامة)، للمرة الرابعة، هذه المسؤولية، رغم تكبّدها خسائر كبرى وفوائد عن سندات الخزينة للمصارف وللمودعين. المرة الأولى كانت عند الاقتراض بفوائد عالية، والثانية عند إجراء هندسات مالية منحت المصارف أرباحاً استثنائية، وفي الثالثة مع تمنّع المصارف عن تحمّل مسؤولياتها في حماية أموال المودعين واستحواذها على العملات الصعبة مقابل منح المودعين فتات ودائعهم بالليرة.

قانوناً، يقع واجب صيانة حقوق المودعين على عاتق المصارف، بموجب المادة 156 من قانون النقد والتسليف التي تنص على أنه يتوجّب على المصارف أن تراعي في استعمال الأموال التي تتلقّاها من الجمهور القواعد التي تؤمّن صيانة حقوقه، وأن توفق بين مدة توظيفاتها وطبيعة مواردها. لكنّ المادة الثانية من المشروع تتضمن عبارة تتناول عطف مسؤولية الدولة على الموجب المنصوص عنه في المادة 113 من قانون النقد والتسليف. فما هي هذه المادة؟
تتناول المادة 113 الربح الصافي الذي يحققه مصرف لبنان، ويتكوّن من فائض الواردات على النفقات العامة والأعباء والاستهلاكات وسائر المؤونات، ويودع هذا الربح في حساب خاص في المصرف المركزي يُدعى «الاحتياط العام» ويُدفع 50% منه للخزينة. ولدى بلوغ هذا الاحتياط نصف رأسمال المصرف يتم توزيع الربح الصافي بنسبة 20% للاحتياط العام و80% للخزينة. وإذا كانت نتيجة سنة من السنين عجزاً، تُغطى الخسارة من الاحتياط، وفي حال عدم وجود هذا الاحتياط أو عدم كفايته «تُغطى الخسارة بدفعة موازية من الخزينة». ويكمن بيت القصيد في هذه العبارة الأخيرة، إذ يشير المشروع إلى قيام الخزينة بتغطية الفجوة المالية التي تتضمن الاحتياطي المودع من المصارف لدى مصرف لبنان. ولكن هل هناك احتياطي حقيقي للمصارف في «المركزي»؟
من الناحية القانونية، يلزم مصرف لبنان المصارف بأن تودع لديه أموالاً (احتياطي أدنى) حتى نسبة معينة من التزاماتها الناجمة عن الودائع والأموال المستقرضة، يحددها «المركزي» بموجب المادة 76 من قانون النقد والتسليف. غير أن المصرف المركزي نفسه كان يعتبر توظيفات المصارف في سندات حكومية أو سندات مصدّرة بكفالة الحكومة جزءاً من الاحتياطي، وذلك حتى نسبة معينة يقوم بتحديدها في كل مرة بموجب المادة نفسها. أي، عملياً، إعفاء المصارف من إيداع الجزء الأكبر من الاحتياطي، فكلّما أقرضت الحكومة مبلغاً يجاز لها بالمقابل أن تسحب من الاحتياطي المودع لدى «المركزي».

بازار لتسديد ديون الدولة لدى المصارف
الدولة، وإن كانت مسؤولة عن إعادة ترتيب الوضع المالي لمصرف لبنان، إلا أنها غير مسؤولة عن ترتيب الوضع المالي للمصارف الخاصة. غير أن لمشروع القانون وجهة نظر مختلفة، إذ يقدّم اعترافاً إكراهياً من الدولة بأن «ديون الدولة لدى المصارف هي أصلاً من أموال المودعين» كما ورد حرفيّاً في مادته الثالثة.
وهو يتضمن آلية لبيع واستثمار أملاك الدولة العمومية ومرافقها العامة وجميع شركاتها وعقاراتها، مقابل «تسديد ديون الدولة لدى المصارف»، كما يرد في نهاية المادة الثالثة التي تتناول كيفيّة استثمار الدولة لهذه المرافق، ليعود ويقرر إيداع الأرباح والعائدات والأموال المحصّلة من المزايدات والناتجة عن أعمال الإدارة في حساب مخصص لتسديد ديون الدولة لدى المصارف.
لا يمكن عاقلاً أن يصدر قانوناً ينص على أن إعادة ديون الدولة لدى المصارف تكون ببيع أملاك الدّولة تحت ستار حماية المودعين. أضف إلى ذلك أن قانون تحديد الأملاك العمومية ينص على أن هذه الأملاك هدفها مصلحة عمومية، وليس تخصيصها للمصارف. فيما يتغاضى المشروع عن أن الخزينة العامة هي مجموع أموال اللبنانيين وأملاكهم، وأن الأملاك العمومية تشمل جميع الأشياء المعدة بسبب طبيعتها لاستعمال مصلحة عمومية، وليس لبيعها بهدف إعادة ديون المصارف.

ويطلب المشروع أيضاً إجراء مسح وإحصاء شاملين للأملاك البحرية العامة لضمّها إلى البازار، ولا ينسى ضمان حصة المصارف من أي مال مستقبلي يمكن للدولة الحصول عليه خلافاً لأي نص أو منطق أو مبدأ، إذ ينص في مادته الرابعة على أن تقتطع الدولة 30% من ثمن مبيع الغاز المستخرج وتحويلها إلى الحساب المخصص لتسديد ديون المصارف. علماً أنه إذا كان هذا المشروع هبة للمصارف، فلا يجوز في حال من الأحوال أن تشمل الهبة أموال الواهب المستقبلية، وفقاً لأحكام المادة 513 من قانون الموجبات والعقود، إذ إن تخصيص إيراد لنفقة معيّنة يخالف مبدأ الشيوع، لأن الإيرادات تدخل في مجموع أموال الخزينة ولا يجوز تخصيص مشروع ما لنفقة معينة. ولكن، خلافاً لهذا المبدأ، يريد المشروع من الخزينة العامة أن توزّع المبالغ المحصّلة على المصارف الدائنة بشكل دوري كل ثلاثة أشهر وفقاً لقيمة دين كل منها «بهدف إعادتها إلى المودعين».

إعادة أموال الخارج بلا آليّات
ما يمكن وصفه بالإيجابي في المشروع، رغم عدم وجود آلية لتطبيقه، هو ما ورد تحت عنوان «موجبات المصارف»، إذ يلزم كل مصرف أجرى تحاويل من أمواله الخاصة إلى الخارج بعد 17/10/2019 من دون أسباب مبرّرة، بأن يعيد المبالغ الناتجة عنها نقداً وبالعملة نفسها. كما يوجب على المصرف الذي استفاد من الهندسات المالية أن يعيد إلى مصرف لبنان قيمة المبالغ التي تلقّاها بالدولار الأميركي نقداً نتيجة هذه الهندسات، وفي المقابل، تسترجع المصارف من الدولة قيمة الضرائب التي دفعتها عن الأرباح الناتجة عن هذه الهندسات. ولكن، هل يعلم واضع المشروع أن المصارف أعفيت حينذاك من أي ضريبة على تلك الهندسات؟

إلى ذلك، فهو حين نصّ على واجبات المصرف المركزي ألزمه بجمع أموال الدولة في حسابه الخاص تحت طائلة العقوبات الجزائية، وحين ألزم المصارف بإعادة الأموال للمودعين لم يكن واضحاً كفاية ولم يتناول العقوبات الجزائية، بل نصّ على تطبيق الأحكام المتعلقة بواجبات المصارف تحت رقابة وإشراف الهيئة المصرفية العليا لدى مصرف لبنان، وتطبق الهيئة على المصرف المخالف عند الاقتضاء العقوبات المبيّنة في المادة 208 من قانون النقد والتسليف، كالتنبيه وتخفيض تسهيلات التسليف المعطاة له أو تعليقها أو منعه من القيام ببعض العمليات أو فرض أيّ تحديدات أخرى في ممارسته المهنة أو تعيين مراقب أو مدير مؤقّت أو شطبه من لائحة المصارف.

كيف تسدّد المصارف الودائع بموجب المشروع؟
تُدفع الودائع مقسّطة على مدة 10 سنوات. أما في حال عودة المصرف إلى وضعه الطبيعي، فيتوجب عليه إعادة الودائع مقسّطة أقساطاً متساوية لمدة أقصاها 3 سنوات، وفي الأمر مخالفة صريحة لقانون التجارة الذي ينص في المادة 307 منه على أن المصرف الذي يتلقّى على سبيل الوديعة مبلغاً من المال يصبح مالكاً له، ويجب عليه أن يردّه بقيمة تعادله دفعة واحدة أو عدة دفعات عند أول طلب من المودع، أو بحسب شروط المهل أو الإعلان المسبق المعيّنة في العقد.

صادق علوية

المصدر: صحيفة الأخبار




مناورات الحاكم في آخر أيام ولايته: سلامة يوقف منصّة «صيرفة»

ثمّة مؤشّرات في السوق تُشتمّ منها رائحة تخريب قد يقوم به حاكم مصرف لبنان رياض سلامة وأعوانه من القوى السياسية والفاعلين في السوق. فقد تبيّن أن مصرف لبنان أوقف، يوم الجمعة الماضي، شراء الدولارات من السوق مقابل الليرات «حتى إشعار آخر»، وذلك بعدما عرض على نوابه الأربعة في الجلسة الأخيرة للمجلس المركزي ألا يلجأوا إلى تعديلات واسعة في منصّة «صيرفة» كالتي يعتزمون القيام بها، والتي وردته تقارير بشأنها من اللجنة التي يرئِسها النائب الثالث سليم شاهين وتجتمع مع ممثلين عن «بلومبيرغ» و«رويترز» والمسؤول في مصرف لبنان عن المنصة عباس عواضة.

رياض سلامة ذاهب إلى البيت، ويسعى لإظهار ما سيلي بأنه «الطوفان»، ولو أنه لن يقولها صراحة وعلناً في لقائه المتلفز غداً. لذا، سيكون الخميس المقبل يوماً حامياً، قد تصل فيه الأمور إلى حدّ استقالة النائب الأول وسيم منصوري والنائب الثاني بشير يقظان قبل نهاية ولاية سلامة. بحسب ما يرد من أخبار نواب الحاكم.
تتقاطع المعطيات بشأن ما حصل الجمعة الماضي لجهة توقّف مصرف لبنان عن ضخّ الليرات وشراء الدولارات من السوق. وقالت مصادر مصرفية إن سليم الخليل، وهو بمثابة صلة الوصل بين مصرف لبنان والصرّافين والمصارف، تلقّى تعليمات واضحة من الحاكم بتعليق ضخّ الليرات وشراء الدولارات من دون تحديد موعد لاستئناف العمل كالمعتاد. فالآلية التي أسّسها سلامة خلال الفترة الماضية، قضت بأن يكون الخليل، بالتعاون مع الاعتماد المصرفي، بمثابة موزّع حصري لليرات من مصرف لبنان إلى السوق.

وانتشر أمس خبر توقف العمل بالمنصة بعدما أبلغت مصارف زبائنها أن مصرف لبنان توقّف عن استقبال الطلبات، علماً أن مصرفيين أشاروا إلى تراجع العمل على المنصة منذ الأسبوع الماضي، ربطاً بمخاوف من انهيار وشيك في سعر الصرف، أو تأخر عمليات التحويل.
ولم تكن هذه هي الإشارة الوحيدة التي وجّهها سلامة إلى السوق قبل نحو عشرة أيام من نهاية ولايته، إذ إنه أبلغ نوابه الأربعة، في اجتماع المجلس المركزي الخميس الماضي، بأن أي منصّة جديدة أو أي تعديلات على منصّة «صيرفة» ستغيّر آليات العمل جذرياً وتحتاج إلى وقت، فيما مصرف لبنان «تعب حتى شكّل صيرفة». قال ذلك، وهو يدرك تماماً ما هي الخطوات التي يطلبها نوابه الأربعة لتسلّم النائب الأول وسيم منصوري منصب الحاكم. وألمح سلامة إلى أنه تصعب السيطرة على سوق الصرف، وأنه أسّس للآلية التي تمنحه هامشاً واسعاً من هذه السيطرة عبر «صيرفة». وأمام صعوبة الاستنتاج بأن «قلب الحاكم» على البلد وعلى سعر الصرف، فإن الاستنتاج الأوضح هو أن السوق سيفهم الإشارة جيداً إلى أن تأسيس منصّة جديدة سيؤدي إلى فلتان السوق وانهيار متسارع في سعر الليرة مقابل الدولار.

في هذا الاجتماع، كان يُفترض أن يناقش المجلس المركزي الآليات التي ستعرضها اللجنة المخصّصة لمناقشة «صيرفة» برئاسة النائب الثالث، وبحضور المسؤول عن المنصة وممثلين عن «رويترز» و«بلومبيرغ». وتدرس هذه اللجنة منذ وقت غير قصير آلية العمل على منصّة صيرفة، وسبل تحويلها إلى منصّة شفافة ذات عمق مالي يتيح لها التعامل مع سعر صرف غير مدعوم وإدارته بشكل علمي وتقني. وبالاستناد إلى مناقشات اللجنة والدراسات التي عرضها شاهين، فإن الأمر يتطلب تحرير سعر الصرف مع إبقاء نافذة دعم لرواتب موظفي القطاع العام. وهذه الخطوة تحتاج إلى تغطية تشريعية من مجلس النواب للإنفاق من موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية أو ما يُسمّى الاحتياطات الإلزامية، والتي يعتقد نواب الحاكم أنها تدنّت عن المستوى القانوني لها خلافاً لرغبتهم ولما صوّتوا عليه مرات عدة في المجلس المركزي.
تعامل سلامة مع الفريق الذي أنشأه لتشغيل «صيرفة»، ثم تلويحه بأن ما بعد المنصة هو انهيار في سعر الصرف، ليسا سوى رسالة واضحة منه لمن يريد أن يفهم. ورغم استبعاد أن تكون الرسالة موجّهة إلى الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي، ولا سيما أنهما منذ فترة نعيا علناً التمديد لسلامة أو أي آلية قانونية أو غير قانونية قد تتيح له الاستمرار لفترة أطول، إلا أن الرسالة يوم الجمعة جاءت مباشرة بعد تصريحات الرئيس برّي عن استحالة التمديد لسلامة. والرئيس ميقاتي هو الآخر، لا يزال يدرس أسماء المرشحين لخلافة سلامة أملاً بأن يتمكن من إقناع حزب الله، وربما التيار الوطني الحرّ أيضاً، بجلسة لمجلس الوزراء تُعيّن الخلف.

في السياق نفسه، يعتقد مصرفيون بأن الرسالة قد لا تنطوي على تهديد سياسي كالذي يُروّج له، إنما هي خطوة أولى في توجيه الإشارات إلى السوق قبل يوم غدٍ الأربعاء، أي حين سيظهر سلامة على التلفزيون وما ستتضمّنه كلماته من تهديدات مبطّنة وربما مباشرة بما ينطوي عليه الأمر من مخاطر تتعلق برمي كرة النار في أحضان القوى السياسية التي كان سلامة ينوب عنها في إدارة النقد والاقتصاد بكل التفاصيل.

محمد وهبة

المصدر: صحيفة الأخبار




شروطهم تعجيزية متعمّدة: مناورات نوّاب الحاكم تمهّد للتمديد لسلامة

من المبكر القول أنّ الأمور باتت مهيأة بشكل تام للتمديد لحاكم مصرف لبنان، بعد انتهاء ولايته في أواخر الشهر الحالي. إذ أنّ الضغط الدولي، وخشية معظم الأطراف السياسيّة من مواجهة الرأي العام بهذه الرغبة الدفينة، ما زالت تحول دون الشروع بالخطوات العمليّة التي تسمح بهذا التمديد. ومع ذلك، يمكن القول أنّ أسهم التمديد للحاكم ارتفعت بسرعة لافتة خلال الأيّام القليلة، مدفوعة بالضوضاء والتعقيدات التي أثارها نوّاب الحاكم، بشكل ملتبس وغير مفهوم.

عمليًا، لا يمكن الجزم بأن نوّاب الحاكم تعمّدوا الوصول إلى هذه النتيجة، بمعنى التواطؤ المقصود، لكن الأكيد هو التالي: إذا استمرّ نوّاب الحاكم بأداء الدور نفسه لغاية بداية الأسبوع المقبل، فمن المرتقب أن تؤدّي مناوراتهم إلى التمديد لرياض سلامة، خصوصًا إذا بلغت “حركة” نوّاب الحاكم حدود الاستقالة الجماعيّة كما يشيعون. وبينما تملك بعض القوى السياسيّة ما يكفي من أسباب لاشتهاء بقاء رياض سلامة، يقدّم نوّاب الحاكم اليوم أفضل الذرائع التي تسمح لهذه القوى بالإقدام على هذه الخطوة خلال الأسبوع المقبل.

نوّاب الحاكم: الضوضاء الملتبسة وغير المفهومة
كحال مرتا في إنجيل القدّيس لوقا، يهتم نوّاب الحاكم “بأمور كثيرة، فيما المطلوب واحد”. المطلوب من نوّاب الحاكم الأربعة، لم يكن سوى التالي: أن يستلم النائب الأوّل مهام الحاكم ابتداءً من بداية الشهر المقبل، في حال عدم تعيين حاكم جديد للمصرف، تمامًا كما تنص المادّة 25 من قانون النقد والتسليف. وأن يستمر النوّاب الثلاثة الآخرين بأداء مهامهم كأعضاء في المجلس المركزي، حيث لا تغيّر مغادرة سلامة أي شيء في مسؤوليّاتهم وصلاحيّاتهم.

وإذا كان نوّاب الحاكم الأربعة قد امتلكوا تحفّظاتهم على طريقة إدارة سلامة للمصرف، كما يقولون اليوم، فهم امتلكوا منذ ثلاث سنوات مطلق الصلاحيّة لفرض أولويّاتهم، بحكم امتلاكهم الأغلبيّة في المجلس المركزي لمصرف لبنان، الذي يختص بوضع السياسة النقديّة للمصرف.

وإذا كانوا يصرّون على إجراء تعديلات في هذه السياسة النقديّة، فسيمتلكون أيضًا بعد نهاية الشهر صلاحيّة تعديل ما يشتهون في آليّات عمل المصرف المركزي، وخصوصًا في ما يتعلّق بعمل منصّة صيرفة المخصصة للتداول بالعملات الأجنبيّة. ببساطة، لم يكن المطلوب من نوّاب الحاكم سوى تحمّل مسؤوليّتهم التي يحددها قانون النقد والتسليف، من دون تهويل، ومن دون ضوضاء غير مبرّرة (راجع المدن).

لكن وعلى العكس تمامًا، بدا أنّ نوّاب الحاكم ذهبوا بالاتجاه المعاكس تمامًا خلال الأيّام الماضية. في اجتماعهم مع لجنة والإدارة والعدل يوم أمس الخميس، فرض نوّاب الحاكم شروطًا شبه تعجيزيّة لأداء مهامهم، مقابل التلويح بالاستقالة في حال عدم تحقيق هذه الشروط.

ومن هذه الشروط مثلًا: إقرار موازنة العام الحالي بحلول الشهر المقبل، وتقديم موازنة العام المقبل خلال شهر تشرين الأوّل، وإقرار قانون الكابيتال كونترول خلال مهلة شهر واحد، بالإضافة إلى إقرار القوانين المرتبطة بإعادة هيكلة القطاع المصرفي وإعادة الانتظام إلى القطاع المالي بحلول شهر أيلول.

نص ركيك
ببساطة، ولكي يوافق نوّاب الحاكم على أداء مهامهم، سيكون على الحكومة والمجلس النيابي إنجاز ما لم يتم إنجازه منذ حصول الانهيار المالي، في أواخر العام 2019. ورغم أحقيّة هذا المطلب من ناحية المبدأ، يدرك نوّاب الحاكم أنّهم يطرحون شروطًا تجعل التمديد لسلامة السيناريو الأكثر واقعيّة أمام الرأي العام، كما يدركون أنّهم يطرحون شروطًا ترتبط بعمل السلطتين التشريعيّة والتنفيذيّة، لا بمسؤوليّتهم القانونيّة المباشرة كنوّاب لحاكم مصرف لبنان. أمّا المفارقة الأهم، فهي أنّ النوّاب الأربعة التفتوا إلى غياب كل هذه التشريعات الضروريّة، على أعتاب مغادرة رياض سلامة لمنصبه، بعد أن صمتوا إزاء غياب هذه التشريعات على مدى السنوات الثلاث الماضية.

في جميع الحالات، ما سمّاه نوّاب الحاكم “خطّة شاملة” لعملهم، في اجتماعهم مع لجنة الإدارة والعدل يوم أمس، لم يكون سوى نص ركيك من ثلاث صفحات، طلبوا بموجبه تعويم وتحرير سعر الصرف بحلول شهر أيلول المقبل، مع علمهم المسبق أن طلباً متسرّعاً من هذا النوع سيعني فرض تداعيات موجعة على المستوى المعيشي، وخصوصًا بالنسبة لموظفي القطاع العام. أمّا الشرط الأكثر تعجيزًا، فهو المطالبة بتشريع للإنفاق من الاحتياطي، مع مسبق علم نوّاب الحاكم أن طلبًا من هذا النوع يستحيل تنفيذه في ظل الشعبويّة التي تحكم أداء الكتل النيابيّة في المجلس، بل ومع علمهم أن تمرير ومناقشة كل هذه القوانين مستحيل في ظل الشغور الرئاسي، الذي يمنع المجلس من التشريع خارج إطار الضرورة.

في نهاية الجلسة يوم أمس، أكّد النائب الأوّل للحاكم المتوقّع والمؤكّد: لم يصل الاجتماع مع النوّاب إلى أي نتيجة، وسيكون على نوّاب الحاكم استكمال لقاءاتهم وإفادة الرأي العام بالنتيجة في بداية الأسبوع المقبل، في تلويح واضح إلى إمكانيّة امتناعهم عن أداء مهامهم كما ينص القانون. وعندها، سيُفرض شبح التمديد لسلامة على الجميع.

في جميع الحالات، تطول لائحة الأسئلة والشبهات، التي توحي بأن نوّاب الحاكم لم يحاولوا الوصول إلى حل يوم أمس، بل حاولوا التوصّل إلى المزيد من الإرباك الذي يمنع تحمّلهم لمسوؤليّتهم بعد نهاية الشهر الحالي. فعلى سبيل المثال: ما علاقة لجنة الإدارة والعدل أساسًا، لتحدد الاجتماعات معها إمكانيّة تمرير كل هذه القوانين الإصلاحيّة وبهذه المهل القصيرة؟ وما علاقة انتهاء ولاية سلامة، بفرض جميع هذه الشروط التعجيزيّة؟ وما الهدف من التهويل بتعويم سعر الصرف بشكل سريع، بدل أن يعمل نوّاب الحاكم على السياسة النقديّة الأمثل بعد انتهاء ولاية سلامة؟

ألا يدرك نوّاب الحاكم أن تعقيد المشهد على هذا النحو، وبهذا التهويل الصريح، سيمهّد للتمديد لحاكم مصرف لبنان؟ وفي هذه الحالة، ألن يتحمّل نوّاب الحاكم مسؤوليّة التجاوزات التي سيستمر الحاكم بارتكابها، إذا طلبت الحكومة استمرارهم بتصريف الأعمال بعد استقالتهم، تمامًا كما حصل منذ بداية ولايتهم ولايتهم على مدى السنوات الثلاث الماضية؟

تصاعد الحديث عن التمديد لسلامة
منذ البداية، وبعكس كل التصريحات والتسريبات السابقة، امتلك الرئيسان برّي وميقاتي الرغبة الدفينة بالتمديد لحاكم مصرف لبنان، لأسباب تتصل بالدور الذي يؤدّيه داخل المصرف المركزي، وبالمسؤوليّات والتجاوزات التي ما زال يوافق على تمريرها في هذا الوقت بالذات. ولذلك، جاءت الضوضاء التي أثارها نوّاب الحاكم خلال الأيّام الماضية كحجّة مثاليّة، لإعادة تحريك فكرة التمديد لحاكم مصرف لبنان، ولتسويقها بحجّة الحفاظ على الاستقرار النقدي في البلاد.

وعلى هذا الأساس، تحرّكت منذ بداية الأسبوع اتصالات عين التينة مع بكركي، التي أبدت تفاعلًا إيجابيًا مع فكرة التمديد لسلامة، من بوّابة الخشية من حصول الفراغ في الموقع الماروني أولًا، وبهدف تلافي الخضات النقديّة التي يمكن أن تنتج عن غياب الحاكم.

وبالتوازي مع هذه الاتصالات، عاد العمل على تسويق الفكرة إعلاميًّا، على ألسنة الخبراء المقرّبين من مصرف لبنان، ومن زاوية التصويب على السيناريوهات الخطيرة التي يمكن أن تنتج عن تطبيق “خطّة” نوّاب حاكم مصرف لبنان. وهنا، جاء التهويل التي صاحب الحديث عن وقف عمل منصّة صيرفة، ليزيد من المخاوف تجاه مستقبل الوضع النقدي بعد غياب حاكم مصرف لبنان.

أداء نوّاب حركة أمل في المجلس النيابي، تكامل يوم أمس مع هذا المشهد، بعد أن حضر معظمهم اجتماع لجنة الإدارة والعدل مع نوّاب الحاكم، وبعد أن أبدوا الكثير من الحرص على مواكبة النقاش وتسليط الضوء على هواجس نوّاب الحاكم الأربعة. وبهذا الشكل، بدا أن نوّاب حركة أمل مهتمّين بغسل يد النائب الأوّل بالتحديد من دم التمديد لحاكم مصرف لبنان، عبر التمهيد لاستقالته في نقاشات المجلس النيابي، من خلال تسليط الضوء على السجالات والخلافات القائمة.

في كل الحالات، وبحلول بداية الأسبوع، من المفترض أن تتضح جيّدًا نوايا فريق نوّاب حاكم مصرف لبنان، وتحديدًا إذا ما أفضت حركتهم الأخيرة إلى استقالتهم من مناصبهم، كما يلوّحون اليوم. وفي هذه الحالة، سيكون لبنان أمام إشكاليّات قانونيّة جديّة، إذا ما قرّر رئيس الحكومة ووزير الماليّة السير بفكرة التمديد لحاكم مصرف لبنان، خصوصًا أنّ النصوص القانونيّة المتاحة لا تسمح بتمديد تقني من هذا النوع. وبذلك، قد يكون لبنان أمام حاكم مختلف على شرعيّته، على رأس المصرف المركزي، بعدما بات هذا الحاكم نفسه متهمًا بجرائم شائنة في المحاكم الأجنبيّة، وهو ما سيزيد من سوداويّة المشهد على مستوى مصداقيّة إدارة المصرف المركزي.

علي نور الدين

المصدر: صحيفة المدن الإلكترونية




أرقام الصادرات الصناعية تتحسن:تحويل الأزمة إلى فرصة

رغم الانهيار الذي أمعن في ضرب أسس الاقتصاد اللبناني منذ العام 2019،  إلا أن القطاع الصناعي تمكن من الخروج من تأثيرات الأزمة بأقل التكاليف. ولاتزال الصناعات الغذائية والتجميلية، بالإضافة إلى المجوهرات والمنسوجات، تحتل جزءاً مهما ًمن الصادرات الصناعية إلى الخارج.

صمود محدود؟
الحديث عن صمود القطاع الصناعي اللبناني لا يعني ان الأخير حقق مكاسب مرتفعة كالتي كانت تسجل قبل الأزمة الاقتصادية، ولا يعني أيضاً أن القطاع لم يتكبد خسائر وإن كانت على المستوى التشغيلي والتطويري.

بالأرقام، انخفض عدد المنتسبين إلى غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان من أكثر من 15000 مؤسسة إلى نحو 9000، أي خرجت نحو 6000 مؤسسة صناعية من السوق اللبناني، وهو ما انعكس على الصناعيين والعاملين في المجال. تراجعت أعداد اليد العاملة بعدما قرر الكثير من الصناعيين مغادرة لبنان إلى الخارج. كما انعكست أزمة المصارف على قدرة الصناعيين  المالية لشراء المواد الأولية، لكنها في المقابل فتحت أمامهم فرصة اعتماد أسلوب جديد في الاقتصاد قائم على أساس “اقتصاد الكاش” وهو ما كانت نقطة تحول في قدرة الصناعيين على مواجهة التحديات.

يكشف نائب رئيس جمعية الصناعيين زياد بكداش لـ “المدن” إلى أن أرقام الصادرات اللبنانية شهدت تحسناً في الأشهر الأولى من العام الحالي، ووصلت قيمة الصادرات إلى ما يقارب من 325 مليون دولار، وتنوعت الوجهات الدولية ، إذ استقطبت القارة الأوروبية نصيباً وافراً، تبعتها الدول الإفريقية، وقد  وصلت قيمة البضائع المصدرة إلى أوروبا إلى نحو 475 مليون دولار، بحسب الجمارك اللبنانية، لكن بعض الأرقام تشير إلى وصولها لنحو 600 مليون دولار.

وبحسب بكداش، فإن صمود الصناعة اللبنانية على الرغم من التحديات سواء الانهيار الاقتصادي، وأزمة المصارف، وتبعتها أزمة كورونا وسلاسل التوريد، جاء نتيجة انخفاض قيمة المواد الأولية، وتحديدا ًالمواد المنتجة والمصنعة محلياً، وهو ما دفع بالصناعة اللبنانية للتنافس مع العديد من الدول.

تحويل الأزمة إلى فرصة
صحيح أن الصورة العامة للصناعات اللبنانية وبحسب بكداش تبدو وردية إلى حد ما، لكن الصورة ما هي إلا انعكاس لتحويل الصناعيين الأزمة إلى فرصة. فعلى سبيل المثال، تسببت تكلفة الطاقة المرتفعة وسط نقص كبير في المازوت وتهريبه، إلى إقفال مؤسسات عديدة، لكن في المقابل، ساهمت الأزمة في اللجوء إلى الطاقة البديلة، وخفض الأسعار حتى يتمكن الصناعي من المنافسة خارجياً.

تعد تكلفة الطاقة مرتفعة جداً، بالنسبة إلى الصناعيين، في ظل غياب أي دعم من الدولة اللبنانية، وتتباين تكلفة الطاقة حسب المجال الصناعي.

يشرح الخبير الصناعي ورئيس جمعية الصناعيين فادي الجميل إلى أن تكلفة الطاقة ارتفعت من 3.7 في المئة قبل الأزمة إلى نحو 10 في المئة من كلفة البضائع المبيعة، إلا أن هذا الارتفاع كانت تأثيراته متباينة، بالنسبة للمصانع المتخصصة بالبلاستيك، أو الورق وما شابه، زادت التكلفة بشكل كبير، لأن هذه الصناعات تعتمد بنسبة تصل إلى 70 في المئة على الطاقة، في المقابل، فإن صناعات أخرى، لم تتأثر بأزمة الطاقة، خاصة الصناعات الغذائية.

الدعم الداخلي
لا يمكن اغفال الدعم الداخلي  للصناعات اللبنانية. فالأزمة الاقتصادية وفرض تسعيرة البضائع المستوردة بالدولار، جعلت من الصعب على اللبنانيين شراء المنتجات المستوردة، وبالتالي برزت الصناعات الرديفة كحل أساسي لتعويض غياب القدرة الشرائية للسلع المستوردة. ركّز العديد من الصناعيين، بشكل أساسي على دعم السوق بالسلع الغذائية، وظهرت علامات تجارية موازية للعلامات التجارية المعروفة عالمياً، على غرار المعكرونة، الصلصة، السكاكر، المنتجات الصحية الأساسية، ومواد التنظيف، بالإضافة إلى الأدوية والمستحضرات التجميلية.

مستقبل واعد
يعتقد بكداش، أن مستقبل الصناعة اللبنانية واعد، خصوصاً المنتجات الغذائية، التي تلعب دوراً محورياً في دعم القطاع الصناعي. ويشير إلى أنه من المتوقع أن يبدأ لبنان في الفترة القادمة بتصدير العسل إلى الدول الأوروبية، خاصة بعد انتعاش هذه الصناعة في المناطق الريفية اللبنانية. ولفت إلى أن هناك محادثات مع  الاتحاد الأوروبي لاستيراد العسل. 
وإضافة إلى الصناعات الغذائية، تحتل صناعة المجوهرات وصناعة الألبسة مكانة متقدمة في القطاع الصناعي وازدياد نسبة التصدير إلى الخارج. وهي صناعات قابلة للازدهار وتوسيع اسواقها الخارجية مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات إيجابية على العائدات بالعملة الأجنبية من هذا القطاع المنتج.

بلقيس عبد الرضا

المصدر: صحيفة المدن الإلكترونية




البحث عن الحقيقة تحت سقف المبادئ القانونيّة الإجرائيّة

تمثيل الجريمة إجراء كَرَّسه الواقع العملي في التحقيق الجزائي، خصوصاً في جرائم القتل، بحيث يَنتقِل القائم بالتحقيق إلى مسرح الجريمة ومعه الأشخاص الذين اعترفوا بارتكابها لتمثيل الأفعال التي قاموا بها أثناء تنفيذها. هذا ما يحصل عادةً، لكن، يمكن اللجوء إلى هذا الإجراء أيضاً في حالة إنكار المشتبه فيه أو المُدَّعى عليه، مساهمته في الجريمة، فيتم تمثيلها من قِبَل الشهود وأحياناً من مشتبه فيهم أو مدّعى عليهم آخرين بحضوره، وذلك لمواجهته في مسرح الجريمة، بما هو متوافر في حقّه من معطيات وقرائن. هذا الواقع يفرض التساؤل عن السند القانوني لهذا الإجراء، وغايته، وكيفيّة تنفيذه ليكون منسجماً مع المبادئ القانونيّة الإجرائيّة.

لم يُقَيِّد المشترع سُلطات التحقيق بإجراءات محددة حصراً في معرض جمع الأدلّة، فقد ذَكَر بعضها كالتفتيش، والاستعانة بالخبرة الفنيّة والكشوفات الحسيّة على أماكن وقوع الجرائم على سبيل المثال، مُفسِحاً المجال أمام هذه السُّلطات، في أكثر من مكان في قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، للقيام بأي إجراءات تحقيقيّة ضروريّة لجمع الأدلة، شرط الالتزام بالمشروعيّة، وإثبات هذه الإجراءات خطياً.
تمثيل الجريمة إذاً، إجراء يجيزه القانون، متى كان ذلك لازماً لجمع الأدلّة. ويخضع هذا الأمر لتقدير المرجع القضائي الذي يتولّى التحقيق أو الإشراف عليه. قد يكون هذا الإجراء فعلاً وسيلة لتوفير دليل حاسم، وأعرض هنا مثلاً من إحدى القضايا، حيث أصرَّ المشتبه فيه على أنه نفَّذ جريمة القتل بمفرده، ونقل الجثة إلى المكان الذي عُثِر عليها فيه ودَفَنها تحت التراب. وعند «تمثيل الجريمة» تبيّن أنه يتعذّر عليه أن يحمل ما يساوي وزن الجثة بمفرده من مكان القتل إلى مكان الدفن، الذي يقع في مرتفعٍ جبلي، والحفر في ذلك المكان، ما وفّر دليلاً أكيداً على وجود أشخاص آخرين ساهموا معه في الجريمة، فاتّجه التحقيق إلى البحث عمّن تتوافر بحقهم شبهة المساهمة. 

في المقابل، يحصل تمثيل الجريمة في بعض الحالات بعد اكتمال التحقيق، ويكون الهدف منه غير مرتبط بجمع الأدلّة، إنما يُبرَّر بطمأنة الرأي العام حول جلاء ملابسات الجريمة التي تكون إجراءات التحقيق فيها موضِع متابعة منه. هذه الغاية مهمة، إلّا أنه يمكن بلوغها بوسائل أخرى غير تمثيل الجريمة، الذي يجب أن يبقى إجراءً تحقيقياً يهدف إلى جمع الأدلّة. في هذا الخصوص، من المهم الأخذ في الاعتبار ما اقترحه الدكتور سمير عالية لجهة استحداث مركز «الناطق باسم النيابة العامة»، المنوط به إصدار البيانات اللازمة، لإطلاع الرأي العام على مجريات التحقيقات التي يكون مُهتماً بالاطّلاع عليها، من دون الغوص في تفاصيلها حفاظاً على سريّة التحقيق.

إن أهميّة تمثيل الجريمة، متى كان لازماً، على صعيد نتائج التحقيق أمرٌ يفرض أن يُنفّذ مع التقيّد التام بالمبادئ القانونيّة الإجرائيّة. فمن جهة أولى، لا يجوز أن يُفرَض على المشتبه فيه، أو المدّعى عليه، تمثيل الجريمة خلافاً لإرادته، لأن القانون يوجِب صراحةً ألّا تكون إجراءات التحقيق مشوبة بعيوب الإكراه المعنوي أو المادي. فضلاً عن ذلك، يتمتَّع الأشخاص الخاضعون للإجراءات الجزائيّة بحق الصمت، فلا يجوز إلزامهم بالإجابة عن أي سؤال، لغاية تنفيذ تمثيل الجريمة إن هم اختاروا عدم الجواب.

من جهة ثانية، يفترض التنبُّه إلى أنه في معرض تمثيل الجريمة يحصل استجواب للمشتبه فيه، أو المدّعى عليه، إذ تُوجّه إليه الأسئلة ويُواجه بالأدلّة، ويكون له الحق بالاستفادة من جميع حقوقه الإجرائيّة المُلازمة للاستجواب، ومنها الحق في الاستعانة بمحامٍ. وينبغي إعلامه بحقوقه هذه، وتمكينه من ممارستها في حال رغب بذلك. 

من جهة ثالثة، أهمية التقيُّد بمبدأ سريّة التحقيق في المرحلة السابقة للمحاكمة الجزائيّة. ففي الكثير من الأحيان تُنقل إجراءات تمثيل الجريمة عبر شاشات التلفزة، ولا شك أن ظهور المشتبه فيه أو المدّعى عليه، على هذا النحو، وهو يُجيب على أسئلة القاضي ويُمثّل الجريمة يتناقض مع هذا المبدأ. كما يُشكّل هذا الظهور مساساً بمبدأ أصل البراءة المُتعارف على تسميته «قرينة البراءة»، إذ يُقدّم المُشتبه فيه، أو المدّعى عليه، بشكل جازم على أنه الفاعل، في حين أن قرينة البراءة لا تزول إلّا بصدور حكم جزائي مبرم بالإدانة. ولا يُغَيّر في ذلك أن يكون المشتبه فيه، أو المدّعى عليه، قد اعترف بارتكاب الجريمة، إذ إن الاعتراف في سياق الإجراءات الجزائيّة، بخلاف الإجراءات المدنيّة، لا يتمتّع بقوة ثبوتيّة مطلقة، بل هو دليل، يخضع لتقدير القاضي الذي يهمله إذا تبيّن له أنه غير مُطابق للواقع، مثل أي دليل آخر. والأمثلة كثيرة في الأحكام والقرارات القضائيّة التي انتهت إلى إعلان براءة الأشخاص المُلاحَقين، أو منع المحاكمة عنهم رغم اعترافاتهم، بعدما تبيّن أنها غير صحيحة، وقد حصلت لعدّة أسباب، منها قبض الأموال والتغطية على الفاعل الحقيقي.

في ما خصّ إثبات تنفيذ تمثيل الجريمة، يفترض تنظيم محضر خطّي يشتمل على دقائق التنفيذ، على أن يُذكَر فيه الأشخاص الذين حضروا هذا التنفيذ، وصفة كلّ منهم، ودوره في التحقيق. يقتضي أيضاً تسجيل تنفيذ هذا الإجراء بالصوت والصورة، إذ إن التدوين الخطي، لا يمكنه أن ينقل ما حصل بدقة لجهة وصف وقائع التمثيل وتفاعل الأشخاص المعنييّن، ولا سيّما للمراجع القضائية التي ستنظر في القضيّة في مراحل لاحقة.
خُلاصة القول: إن تمثيل الجريمة هو إجراء قانوني غايته خدمة مصلحة التحقيق عبر توفير الأدلّة اللازمة في معرض البحث عن الحقيقة. وبالنظر إلى أهميّته، يفترض عند تنفيذه الالتزام الكامل بالمبادئ القانونيّة التي ترعى الإجراءات الجزائيّة، وإلّا أصبحت نتائجه عرضة للبطلان، ما ينعكس سلباً على هذه المصلحة. 

زياد مكنا – دكتور في الحقوق ومحامٍ

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




التحقيقات الجنائية ليست Netflix

لتطوير معايير «إعادة تمثيل الجريمة»


يبدو أن التحقيق الجنائي أصبح «ممتعاً للمشاهدة». في حين أن إعادة تمثيل الجريمة هي إجراء يُستخدم غالباً في جرائم القتل ويُعدّ ضرورياً في بعض القضايا لجمع الأدلة، إلّا أن عرضه في الوسائل الإعلامية يشكّل انتهاكاً لحق المشتبه فيه في المحاكمة العادلة، ويُعدّ أمراً حسّاساً من الناحية الأخلاقية. كما يفترض أن يراعي هذا الإجراء عدداً من المبادئ القانونية والأخلاقية والمعايير العلمية، للحفاظ على سرّية التحقيق من جهة، ولحماية حقوق المشتبه فيهم وتأمين سلامتهم من جهة أخرى

«قُتلت راجية العاكوم على يد طليقها»، فُجعت بلدة بسابا الشّوفيّة بهذا الخبر المأساوي بتاريخ 25/5/2023، وفق ما جاء في بلاغ لقوى الأمن الداخلي. وقد أصدرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بلاغاً ثانياً بعد أيام جاء فيه: «جرى قبل ظهر اليوم 29-5-2023 تمثيل شجريمة القتل التي هزّت الرأي العام اللبناني. وقد مثّل الجاني جريمته بحضور المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي رامي عبدالله، قائد سريّة بيت الدّين في وحدة الدّرك الإقليمي المقدّم جوني بجّاني، قائد فصيلة شحيم النقيب حمد قيس، وعدد من ضبّاط ورتباء قوى الأمن الداخلي. وقد استمع الحاضرون إلى تفاصيل من الجاني تتعلّق بالجريمة، منذ بداية لقائه بطليقته إلى مجمل التفاصيل حول دهسه المغدورة، حتّى فارقت الحياة». وكانت قد انتشرت صور هذا «الإجراء السرّي» عبر الوسائل الإعلامية وجرى تناقلها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 

قد تكون إعادة تمثيل الجريمة أمراً ضرورياً للقضية لعرض وتوثيق الأفعال الجرمية بشكل منظّم وتحديد تسلسل الأحداث، في المكان والزمان الفعليين، مع مراعاة منطقية تسلسلها لتكون متّسقة مع الأدلة التي تم الحصول عليها من الموقع. يُستخدم هذا الإجراء كجزء من جمع الأدلة لإثبات ذنب أو براءة المشتبه فيه، ولاستخراج حقائق أكثر وضوحاً تتعلق بخطورة الفعل أو سبب أفعال المشتبه فيه أو تخفيف العقوبة، مثل ما إذا كان دفاعاً مشروعاً أو بسبب الضرورة.

عملياً، قد تواجه إعادة تمثيل الجريمة مشكلات تتعلق بانتهاك حقوق وكرامة المشتبه فيه، والحق في افتراض براءته، والحق في تأمين الحماية والسلامة من قبل الدولة. إلى جانب ذلك، تقوم الوسائل الإعلامية بتسجيل عملية المخالفة تلك وتنشرها على الملأ. الأمر الذي يؤدي أيضاً إلى تدمير سمعة المشتبه فيه وقيمته الاجتماعية، ولا سيّما أنه يُعرض خبر إعادة تمثيل الجريمة وبيان ملابساتها وأنماطها وإجراءاتها وطرق ارتكابها، من دون التستر على الوجه والاسم واللقب والمعلومات التي تبيّن هوية المتّهمين. نستعرض في ما يلي بعض المعايير التي قد تساعد في تطوير هذا النوع من الإجراءات، التي من المفترض أن تكون «سرّية»، مع الحفاظ على حقوق المشتبه فيهم. 

حماية الممثّل 

من المفترض ترتيب إعادة تمثيل الجريمة، لغرض جمع الأدلة، بطريقة تراعي حياة المشتبه فيه وتأمين الحماية في مسرح الجريمة. ففي بعض الأحيان يكون من الضروري مواجهة المشتبه فيه مع الضحية أو مع أقارب الضحية، الأمر الذي قد يعرّض المشتبه فيه لخطر الاعتداء. لذلك ينبغي أن يكون لدى ضبّاط وعناصر الشرطة خطة لتقييم ومعالجة الاضطرابات المختلفة التي قد تحدث. كذلك، يُفضّل تجنّب إعادة تمثيل الجريمة في الحالات التي يمكن من خلالها الحصول على النتائج والمعلومات المطلوبة على أساس شهادات شهود العيان في مسرح الجريمة.

لتطوير الإجراءات «السرّية» مع الحفاظ على حقوق المشتبه فيهم

خبير جنائي محترف

يُعدّ وجود خبير جنائي لديه المعرفة والقدرة اللازمتان أمراً أساسياً لتحديد ما إذا كانت اعترافات المشتبه فيه تتناسق مع الأدلة في مسرح الجريمة والعلاقة المتبادلة بينها، خاصة في الحالات التي تُنتزع فيها الاعترافات من المشتبه فيهم تحت الضغط، أو في الحالات التي يعترف المشتبه فيه بذنب لم يرتكبه لأغراض أخرى (المال، أو حماية المرتكب الحقيقي، أو غيرها).

ففي تلك الحالات يكون الخبير الجنائي قادراً على تحديد ما إذا كانت سلسلة الأحداث التي يصفها و«يمثّلها» المشتبه فيه قد أنتجت فعلاً الأدلة التي رُفعت ووُثّقت في مسرح الجريمة، بما في ذلك مسار الطلقة، والحركة في مسرح الجريمة والانسيابات الدموية وغيرها.
بالإضافة إلى ضرورة وجود محام للمشتبه فيه خلال إعادة تمثيل الجريمة. فإلى حين صدور الحكم المبرم من المحكمة، من حق المشتبه فيه وجود محامٍ من أجل تقديم المشورة الواضحة والمساعدة في كل خطوات التحقيق ولا سيّما في إجراءات إعادة تمثيل الجريمة. 

الحفاظ على قرينة البراءة

من الضروري أن يستند إجراء إعادة تمثيل الجريمة إلى مبادئ عملية واضحة ودقيقة، تحدد المتطلبات واللوائح القانونية التي تنص على نوع القضايا الواجب إعادة تمثيل الجريمة فيها، ونوع الإجراء الذي لا يجب القيام به. على أن تكون إعادة تمثيل الجريمة قائمةً على أساس المبدأ الذي يفترض أن المشتبه فيه لا يزال بريئاً حتى تحكم المحكمة بأنه مذنب. 

SCOOP

تعرض وسائل الإعلام الأخبار للجمهور على أساس «الحقيقة» بطريقة درامية تشحذ عواطف الناس لكراهية المشتبه فيه «البريء حتى تثبت إدانته». فعندما يعترف المشتبه فيه بارتكاب الجريمة، يُقدّم لإعادة تمثيل الجريمة، التي تكون في حضور الجمهور ووسائل الإعلام الذين يستجيبون بطرق مختلفة وفقاً لوجهات نظرهم وآرائهم وشعورهم، رغم أن المحكمة لم تحكم بعد إذا كان المشتبه فيه هو الجاني الحقيقي. 
من المفترض أن تكون إعادة تمثيل الجريمة بعيدة عن الوسائل الإعلامية والجمهور، فهي إجراء يُستخدم لغرض جمع الأدلة، أي يقع ضمن التحقيقات السرّية. ويُعدّ نشر الوسائل الإعلامية لإعادة تمثيل الجريمة خرقاً واضحاً للإجراءات القانونية العادلة وانتهاكاً للحق بالخصوصية للمشتبه فيه.

جنان الخطيب

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




نواب الحاكم إلى الاستقالة… والقطريون سبقوا لودريان إلى بيروت: تحذير من فوضى مالية وأمنية

خلال أيامٍ قليلة، قد ينقلِب المشهد رأساً على عقِب. كل المؤشرات تفيد بأن تداعيات التصعيد الأخير، منذ لقاء المجموعة الخماسية في الدوحة الإثنين الماضي، لن تتأخر في الظهور تباعاً، فوضى مالية واقتصادية واجتماعية وأمنية، مع اقتراب المواجهة من الساعة الصفر.

صورة شديدة القتامة يرسمها معظم المعنيين للأسابيع والأشهر المقبلة، بعد انتهاء شهور «الهدنة» الاضطرارية التي فرضتها المبادرة الفرنسية، وبعدما طوى لقاء الدوحة صفحة الدور الفرنسي، إيذاناً بجولة جديدة من إدارة الأزمة.
ويتزامن ذلك مع محطة حساسة تتمثل في انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة (نهاية الشهر الجاري) بعد ثلاثين عاماً من إحكام قبضته على عالم المال، ورفض نوابه الأربعة تولّي المسؤولية من بعده، ما يضع مصير الوضع النقدي على المحكّ. وأقل التقديرات: تحليق جديد للدولار مع ما يستجلبه من مزيد من التضخم وأزمات معيشية وتوترات متنقّلة في الشارع.

هذه ليست مجرد تقديرات، وإنما وفق مصادر مطّلعة، «نتيجة طبيعية» للتطورات الأخيرة المتعلقة بملفين أساسيين: الرئاسة وحاكمية مصرف لبنان.
ففي اليومين الماضيين، سقطت كل المحاولات الحثيثة (والمتواصلة حتى الآن) لإبقاء حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في منصبه، بالتمديد أو التجديد. كما سقطت كل محاولات نواب الحاكم الأربعة (وسيم منصوري، بشير يقظان، سليم شاهين وإلكسندر موراديان) لانتزاع «مشروعية» من مجلس النواب عبر طلب إقرار عدد من القوانين مثل موازنة 2024 وكابيتال كونترول، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي وحماية المودعين وقوانين مالية أخرى. كذلك فشلت محاولاتهم للحصول على غطاء لاستكمال «بهلوانيات» سلامة المصرفية والنقدية، ما جعلهم أكثر تردداً في قبول المهمة. وفي هذا الإطار، علمت «الأخبار» أن النواب الأربعة يتجهون إلى الاستقالة الجماعية الثلاثاء المقبل (في حال لم يطرأ أي تطور)، فيما أشارت مصادر مطّلعة إلى أن «رئيس مجلس النواب نبيه بري لا يزال يعارض تسلّم النائب الأول وسيم منصوري دفة الحاكمية، خوفاً من انفجار الوضع وتحميل المسؤولية للثنائي الشيعي». ولفتت إلى أن «النواب الأربعة سيستمرون في عملهم بعدَ الاستقالة لأن الحكومة ستطلب منهم ذلك تحت عنوان تسيير المرفق العام إلى حين تعيين حاكم مصرف جديد، إلا أن هذا الإجراء سيخفّف عنهم المسؤولية بحسب ما يقولون».
أما سياسياً، وفيما تقاطعت المعطيات التي توافرت عن اجتماع الخماسية في الدوحة عند «وجود نية للانتقال إلى مرحلة جديدة في التعامل مع الملف اللبناني»، كشفت أوساط سياسية أن «المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان سيصل إلى بيروت الثلاثاء أو الأربعاء المقبل من دون معرفة ما الذي يحمله من معطيات». وكشفت المصادر أن «القطريين سبقوا لودريان إلى بيروت، وبدأوا حراكاً موازياً، لكن مع هامش أكبر من الحراك الفرنسي»، مشيرة إلى أن «مسؤولين قطريين التقوا ببعض القوى السياسية من بينها نواب الاعتدال ومع مسؤولين من الثنائي». وأكّد أكثر من مصدر أن «القطريين نقلوا تقديراتهم بانتهاء المبادرة الفرنسية بعدَ الاجتماع الخماسي، وأن موضوع الحوار هو فكرة فرنسية، قد يحصل الحوار برعاية فرنسية لكن لا غطاء غربياً أو دولياً له». وكان لافتاً أن «القطريين لم ينقلوا جواً واحداً، فهم تناولوا اسم قائد الجيش جوزف عون مع بعض من التقوهم، وبحثوا معهم إمكانية وصوله إلى بعبدا وما إذا كانت المرحلة تسمح بتسويقه. لكنهم عمدوا مع قوى أخرى إلى نفي وجود مرشح للخماسية، مؤكدين أنهم لن يكرروا خطأ الفرنسيين في طرح الأسماء وحرقها».

واعتبرت مصادر مطّلعة أن «ما يقوم به القطريون حالياً يؤكد أن ثمة قراراً خارجياً بتقويض الدور الفرنسي وضرب مبادرة باريس، واستبدال الأخيرة بالدوحة. وستتبيّن في المرحلة المقبلة حقيقة الدور الموكل إليها».
ولا ينفصل التصعيد المستجدّ في الملف الرئاسي اللبناني عن المناخات الخارجية التي سادت في المرحلة الأخيرة والمعاكسة لأجواء التقارب والتصالح بين القوى الإقليمية، خصوصاً تلك المؤثّرة في المشهد اللبناني، لناحية التشدّد الأميركي في منع أي تأثير إيجابي للتقارب السعودي – الإيراني على ساحات سوريا واليمن ولبنان. وفي هذا الإطار، تقول المصادر إنّ «التصعيد الأخير الذي حمله بيان الخماسية الدولية، وأيضاً بيان البرلمان الأوروبي، يأتي في السياق الأميركي المتشدّد ذاته». وعليه، ترى المصادر أنّ «تحييد المسعى الفرنسي، وتقدّم الرؤية الأميركية للرئاسة اللبنانية، ومعها الرغبة السعودية، كلّ ذلك يمكن اعتباره محاولة جديدة للاستفادة من هذه المناخات لحلّ المعضلة الرئاسية على نحو يعطي للطرف المناوئ لحزب الله في لبنان انتصاراً رئاسياً يستكمل المشهد الذي لم يكتمل في الانتحابات النيابية الأخيرة»، وهذا «يُفسّر مسارعة القوات اللبنانية إلى رفض الحوار الداخلي ومجاهرة رئيسها سمير جعجع بأنّ الهدف هو هزيمة حزب الله في هذا الملف، الذي تمّ حصر الأحقية في البتّ فيه بالأطراف المسيحية وتصويره على أنه استحقاق مسيحي بالدرجة الأولى».

ad
وحذّرت المصادر من أنّ «الخطأ الذي قد ترتكبه أطراف الخُماسية هو إذا ما اعتقدت أنّ الموقف الداخلي الرافض للحلول المفروضة رغماً عن رؤيته، ضعيف أو قاصر، فالتجارب، خصوصاً الرئاسية منها، تقول إنّ الداخل هو الحجرُ الأساسُ في الانفراجات أو التسويات الخارجية، وإنّ تجاوز فريق داخلي لن يؤدي إلى حلّ، حتى لو كان هذا الحلّ مدعوماً أميركياً أو سعودياً». ولفتت المصادر إلى أن «هذا لا يعني أن الفريق الداعم لسليمان فرنجية لديه مشكلة مع قائد الجيش، لكن عدم وجود مشكلة مع العماد عون لا يعني أن يكون رئيساً للجمهورية».
من جهة أخرى، أفادت معلومات بأن السفيرة السويدية في بيروت، آن ديسمور، قرّرت مغادرة لبنان بعدما عزّزت السلطات الأمنية اللبنانية الإجراءات في محيط ‏السفارة السويدية في بيروت. وتأتي هذه الخطوة، بعدما دعا الأمين العام لحزب الله، في كلمة له أول من أمس «الشعوب العربية والإسلامية إلى مطالبة حكوماتها بسحب سفرائها من السويد وطرد سفراء السويد من بلدانها»، فيما تردّد أن وزارة «الخارجية» اللبنانية استدعت السفيرة حيث تم إبلاغها بأنه «من الأفضل لها المغادرة».

المصدر: صحيفة الأخبار




انهيار نظام القيم في لبنان على وقع تداعي القطاعات والمؤسسات

أ​كثر من حادثة اتسمت بالعنف، وأكثر من جريمة شهدها لبنان خلال الشهر الجاري، هزت المجتمع اللبناني، وطرحت أكثر من علامة استفهام عما إذا كان ما يحصل انهياراً لنظام القيم، وما إذا كان ذلك مرتبطاً بالأزمة المالية الحادة التي يشهدها البلد منذ عام 2019، والتي أدت لتداعي معظم القطاعات والمؤسسات.

ولم يعتد اللبنانيون هذا الكم من العنف الذي يطول الأطفال بشكل أساسي.

فقد افتُتح هذا الشهر على جريمة اغتصاب الطفلة لين طالب، ابنة الست سنوات، في منطقة عكّار (شمال لبنان)، والتي أدت إلى وفاتها. وادّعت المحامية العامة الاستئنافية في الشمال، القاضية ماتيلدا توما، على جدّ الطفلة لأمّها، كما على والدتها، في ملف الاعتداء عليها والتسبب بالإيذاء القصدي، والتستُّر على الجريمة بالنسبة إلى الأخيرة.

وبعد أيام على الكشف عن جريمة اغتصاب الطفلة ومقتلها، أثار مقطع فيديو يظهر تعرض عدد من الأطفال والرُّضَّع للضرب والتعنيف والإهانة داخل حضانة في لبنان، موجة من الغضب والصدمة. وقد ادَّعت النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان القاضية غادة عون على الموظفة، بجرم محاولة قتل وإيذاء أطفال. كما ادَّعت على صاحبة الحضانة بجرم الإيذاء، لعدم القيام بالمراقبة اللازمة في الحضانة.

وقبل أيام معدودة، اهتزَّ الرأي العام اللبناني مجدداً، مع العثور على 3 أطفال حديثي الولادة مرميين على قارعة الطريق، في حادثتين منفصلتين، إحداهما حصلت في طرابلس بالشمال، والأخرى في منطقة نهر إبراهيم بجبل لبنان.

ويوم الخميس الماضي، دخل العنف منازل اللبنانيين، نتيجة تضارب سياسي وإعلامي لبنانيين على الهواء مباشرة، أثناء حوار تلفزيوني. وتحولت مشادة كلامية، خلال برنامج «صار الوقت» الذي يقدمه الإعلامي مارسيل غانم، إلى تضارب، بعدما اعتدى رئيس حزب «التوحيد العربي» الوزير السابق وئام وهاب، على الإعلامي سيمون أبو فاضل، خلال مشاركتهما في البرنامج الحواري.

ويربط كثيرون تصاعد وتيرة العنف والإجرام بالضيق الذي يعيشه قسم كبير من اللبنانيين، نتيجة الأزمة المالية التي تعصف بالبلد منذ 3 أعوام ونصف عام. وتعدُّ الدكتورة منى فياض، الأستاذة في علم النفس أن «طول أمد الانهيار المالي دون أفق للحل، وترافقه مع انهيار معظم القطاعات، له الأثر الأكبر في تعدد مظاهر العنف»، لافتة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «عدم تطبيق القانون على جميع اللبنانيين سواسية، وشعورهم بأن هناك من هو فوق القانون، يشجع -لا شك- المجرمين على اقتراف جرائمهم».

وتضيف فياض: «من دون أن ننسى أن لدينا فائضاً من اللاجئين، وصراعاً على استهلاك الموارد القليلة، ما يؤثر على الوضع النفسي الشخصي كما الجماعي».

من جهتها، ترى مستشارة الصحة النفسية سابين صادر، أن «الإحباط نتيجة الأزمة المالية يفاقم مظاهر العنف؛ لكنه لا شك لا يمكن ربط هذه المظاهر حصراً بالأزمة؛ لأننا نتحدث هنا عن جرائم، والضيق المالي لا يؤدي وحده لمثل هذا النوع من الجرائم». وقالت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إننا في لبنان عشنا في السنوات الماضية أزمات متعددة، أدت لزيادة الخلل النفسي عند الأشخاص الذي يعانون أصلاً من هذا الخلل؛ سواء لجهة المكوث لأشهر طويلة في المنزل نتيجة (كورونا) أو انفجار مرفأ بيروت الذي أدى لصدمة كبيرة لدى الغالبية العظمى من الناس، وكلها أحداث تزامنت مع الأزمة المالية والانهيار الذي شهده البلد على الصعد كافة، ما أثر على الصحة النفسية للناس»، مضيفة: «لكن هناك أشخاصاً لا يحبذون اللجوء للعلاج النفسي، أو لا يعرفون أصلاً أنهم مضطربون نفسياً».

وتوضح صادر أنه «في كل المجتمعات هناك ظواهر من هذا النوع، وكذلك في المجتمع اللبناني ومنذ زمن بعيد. لكن ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتعددها، بتنا نسمع أكثر بهذه الجرائم وبسرعة أكبر»، مشددة على أنه «ما دام العقاب ليس على مستوى الجريمة، وما دام هناك من يلجأ للجريمة لقناعته بأنه لا خيار له إلا بأخذ حقه بيده في ظل غياب العدالة، فمثل هذه الجرائم ستتكرر؛ خاصة أن التضامن الشعبي مع الضحايا يستمر أياماً وأسابيع وينتهي بعدها، ويبقى هؤلاء الضحايا وعائلاتهم يصارعون وحدهم مصيرهم».

بولا أسطيح

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




نواب الحاكم: نريد غطاءً لـ«الإصلاح» أو نستقيل

في الجلسة الثانية التي عقدتها أمس لجنة الإدارة والعدل النيابية مع نواب حاكم مصرف لبنان (وسيم منصوري، بشير يقظان، سليم شاهين، وإلكسندر موراديان)، قدّم هؤلاء الأربعة جدول أعمال للتعامل مع الأزمة والتغطية اللازمة من السلطة التشريعية، يتضمّن مهلاً زمنية وخطوات محدّدة، مثل إقرار موازنة 2024 وكابيتال كونترول، وقوانين إعادة هيكلة القطاع المصرفي وحماية المودعين، وإصلاحات مالية أخرى. حتى إنه يتضمن تفاصيل محدّدة عن إيرادات الموازنة، وتحرير سعر الصرف بشكل «مُدار»… لكنه جدولٌ يعاكس كل ما قامت به قوى السلطة لجهة المماطلة في إقرار القوانين التي طلبها صندوق النقد الدولي، وهي أيضاً ترفض إلغاء صيرفة، وتمتنع عن تحديد وجهة الإنفاق من الاحتياط بالعملة الأجنبية. هذه الممانعة، لمسها نواب الحاكم أمس؛ بعض النواب طلبوا الاستمرار في «صيرفة»، وآخرون حذّروا من المسّ بالاحتياطات، ومنهم من شدّد على ثبات سعر الدولار وعدم المساس بالاحتياطات… رغبات متناقضة، دفعت منصوري إلى مخاطبة رئيس اللجنة النائب جورج عدوان، قائلاً: بهذا الجو، لماذا سأبقى في المجلس المركزي؟ وفي المحصّلة شكّكت الكتل النيابية في جدول أعمال نواب الحاكم الأربعة. وهؤلاء الأربعة، بدورهم، شكّكوا في نوايا النواب في الإصلاح. وبقيت الأسئلة بلا إجابات: ماذا سيكون مصير رواتب موظفي القطاع العام في مطلع الشهر عندما تنتهي ولاية رياض سلامة ويتسلّم منصوري مهامه، أصيلاً أو مستقيلاً؟ هل سيغطّي مجلس النواب منصوري ورفاقه للإنفاق من الاحتياط؟ هل لدى القوى السياسية رغبة في تبنّي جدول أعمال آخر غير «الانهيار»؟ هل ما عرضه نواب الحاكم مقبول؟ الإجابة الوحيدة التي تردّد صداها أمس، أن اللجنة ستجري مشاورات، وستبلّغ نتيجتها نوابَ الحاكم الأربعة في مطلع الأسبوع المقبل. و«بما أن الأجواء غير مشجّعة» بحسب ما قال أحد نواب الحاكم لـ«الأخبار»، «إذا لم نلمس لحين انتهاء ولاية سلامة في آخر تموز، جديّة في مقاربة طروحاتنا، بالتأكيد ستشكّل استقالاتنا موقفاً تجاه النوايا السيئة التي أُبديت تجاهنا. لكنّ الاستقالة لا تحدّد مصير موظفي القطاع العام الذين كانوا يحصلون على رواتب مدعومة على صيرفة. وليس لدى نواب الحاكم، أي تغطية قانونية بالإنفاق من الاحتياط الإلزامي، وليست لديهم تغطية حكومية بدعم رواتب القطاع العام. أما هؤلاء «المعتّرون»، فهم أكثر المتضرّرين».

خطّة بمهل زمنية
إذاً، ما هو جدول الأعمال الذي قدّمه نواب الحاكم الأربعة؟ عرض الأربعة خطّة مختصرة، مكتوبة باللغة الإنكليزية وليس العربية، تتضمن مهلاً زمنية محدّدة لتنفيذ البنود المطلوبة بحدّ أقصاه 6 أشهر «لوضع الحجر الأساس في عملية التعافي المالي». الخطوة الأولى في الخطة أن تقرّ موازنة 2023 خلال شهر، وأن تحيل الحكومة موازنة 2024 قبل تشرين الأول المقبل. وتطالب الخطّة بأن تصل جباية الخزينة إلى ما بين 240 تريليون ليرة و288 تريليون ليرة سنوياً بدلاً من 181 تريليون ليرة. وتستند الخطة إلى ما قاله البنك الدولي حول الإيرادات الضريبية التي يجب أن تتجاوز، في أي بلد، 15% من الناتج المحلي الإجمالي لتكون مفتاحاً أساسياً للنموّ الاقتصادي، ولتقليص الفقر. وبالتالي، فإن معدل الناتج بقيمة 20 مليار دولار يعني أن الإيرادات بالحدّ الأدنى يجب أن تبلغ 3 مليارات دولار. كذلك تضيف الخطة: «في سياق الجهد المبذول من أجل ضبط اقتصاد الكاش الذي بات يمثّل أكثر من 50% من الناتج، وفي سياق اتخاذ الإصلاحات الأساسية، فإن الإيرادات الضريبية يمكن أن تتجاوز 4.5 مليارات دولار».

كما حدّدت الخطّة مهلة شهر لإعادة دراسة وإقرار قانون الكابيتال كونترول، وصولاً إلى تحرير سعر الصرف بنهاية أيلول المقبل (يكون سعر الصرف مُداراً). وفي غضون ذلك، سيكون على الحكومة إقرار وإحالة مشاريع قوانين إلى مجلس النواب خلال شهرين، وأهمها: إعادة التوازن المالي وإعادة هيكلة المصارف. وتفترض الخطّة أن يكون هناك «تنسيق بين مصرف لبنان والحكومة ومجلس النواب، في سياق عملية تطوير سوق صرف للعملات الأجنبية، وفي ابتكار آلية محدّدة للصرف من الاحتياطي على أن تتعهّد الحكومة بإعادة كل الأموال المقترضة…». لهذا الغرض، تفترض الحكومة أن يقرّ مجلس النواب قانوناً يسمح لمصرف لبنان بإقراض الحكومة من الاحتياطي الإلزامي مبلغاً لا يتعدى 200 مليون دولار شهرياً شرط ألا تتخطى القيمة الإجمالية 1.2 مليار دولار خلال 6 أشهر. وبحسب الخطّة، سينتقل مصرف لبنان خلال شهر إلى منصّة صرف جديدة بديلة من منصة «صيرفة» وظيفتها إدارة سعر صرف عائم.

الكتل النيابية: مع وضدّ
لا يبدو أن هذا البرنامج راق للكتل النيابية، باستثناء حركة أمل التي حضر معظم نوابها الجلسة مطالبين بتأمين ضمانات لنواب الحاكم الأربعة حتى يتاح لهم إكمال مرحلة ما بعد رياض سلامة، أو لحين تعيين حاكم جديد. وفُسّر هذا الموقف من نواب كتل أخرى، بأنه خطّة مدروسة من «عين التينة» للتنصّل من المسؤولية ورميها على غيرهم. ويستدلّ هؤلاء على «المؤامرة»، بالدعوة المفاجئة للاستماع إلى نواب الحاكم الأربعة، ما يشي بأن هناك «سيناريو معدّاً مسبقاً غايته تبرئة ذمّة نائب الحاكم الأول وسيم منصوري باعتباره قدّم حلولاً، ولا يتحمّل هو أو الجهة السياسية التي يمثّلها مسؤولية الامتناع عن تطبيقها، حتى لو أن القانون يحتّم عليه إدارة المصرف بكل الأحوال». وثمّة كلام آخر جدّيته ليست واضحة، عن سيناريو يتضمن الطلب من رياض سلامة تسيير الأعمال لفترة وجيزة، إذ تقول مصادر نيابية إن هناك «سعياً لتأمين غطاء بكركي بشكل واضح للمضي في التمديد إلى حين انتخاب رئيس للجمهورية…»، ويجري الترويج لذلك على أساس الاختيار بين السيّئ والأسوأ.
أثناء الجلسة، بدا لافتاً كلام رئيس اللجنة جورج عدوان، عن عدم تنسيق ما بين الحكومة ونواب الحاكم متوجّهاً إليهم بالقول: «روحوا قعدوا واتفقوا»، علماً أنه هو من بادر إلى دعوتهم للاجتماع مع أعضاء لجنته التي لا تختصّ بهذه الأمور مثل لجنة المال والموازنة. كذلك، قال النائب جورج عقيص: «إن البرنامج المطروح لا دخل لنا فيه كمجلس نيابي». أما نواب حزب الله فغابوا عن الجلسة، ما فُسّر بأنه إشارة إلى عدم رضاهم عما يحصل، ولا سيما أنهم خرجوا من الجلسة السابقة قبل انتهائها. ورأى نواب التيار الوطني الحرّ، أن ما يُطرح هو برنامج تعرقله كتل نيابية منذ 4 سنوات وسط تدخلات من مصرف لبنان والمصارف، لافتين إلى أن الأمر يحتاج الى وجود رئيس جمهورية وحكومة فعّالة. أما نواب الحزب الاشتراكي، ولا سيما النائب بلال عبدالله، فقد وصفوا ما يجري بأنه تقاذف للكرة بين مصرف لبنان والحكومة ومجلس النواب، ويرون أن مطلب نواب الحاكم بتأمين الغطاء السياسي «يجري في ظل حكومة مشلولة ومجلس معطّل ومصرف مركزي يخرج عن الخدمة في نهاية الشهر. لذا، الأفضل تعيين حاكم أصيل».

من جهتها، سألت النائبة حليمة قعقور عن الدراسات التي بُنيت عليها هذه الخطة، مطالبة «النواب الأربعة» بالقيام بواجباتهم في إدارة المصرف المركزي من دون شروط، وبما يتوافق مع قانون النقد والتسليف ولا سيما المادة 33 منه. كذلك، حصل نقاش بين الكتل النيابية حول الجهة التي ستتحمّل مسؤولية القرارات الصعبة، مثل توحيد وتحرير سعر الصرف، وإلغاء صيرفة، وآليات التدخل في السوق، وصولاً إلى إصرار النواب الأربعة على وقف الصرف من الاحتياطي في أول آب المقبل، وضرورة إقرار قانون لإقراض الحكومة حتى تتمكن من دفع رواتب القطاع العام والاستمرار في الدعم الجزئي للدواء والقمح.


«صيرفة» بإدارة بلومبيرغ ورويترز؟
يعقد اليوم المجلس المركزي لمصرف لبنان جلسة دُعي إليها نواب الحاكم أمس. وتبلّغ الأعضاء في المجلس المركزي، من أمينة سرّ مكتب الحاكم رياض سلامة، أنه من خارج جدول الأعمال، سيطرح الحاكم على المجلس مسألة تتعلق بتعديلات على منصّة «صيرفة» تتضمن إدارتها بالتعاون مع «بلومبيرغ» و«رويترز» وفق آليات جديدة سيكون متروكاً النقاش فيها لمن يريد. واعتُبرت هذه الخطوة بمثابة إقرار أوّل نحو ضبط العمليات الجارية على «صيرفة» وفق ما يريده نواب الحاكم الأربعة، لكنها في الوقت نفسه قد تثير المخاوف من أنها ستكون عملية تطويق لخطّة النواب الأربعة بسائر فصولها وأبوابها المتعلقة بالموازنة والإصلاحات والقوانين المطلوب إقرارها

رلى إبراهيم – محمد وهبة

المصدر: صحيفة الأخبار




ورشة للترويج للمثلية في المدارس؟

بهدف «تقبّل الأساتذة المثليين في المدارس اللبنانية، ورفض رهاب المثلية، والخوف من المثليين والمتحوّلين جنسياً»، دعت منظمة «الدولية للتربية» (بمثابة نقابة دولية تضم تجمّعاً للنقابات) إلى ورشة تدريب نقابية في فندق «روديسون بلو» في بيروت، في الثاني من الشهر المقبل، موجّهة إلى «روابط التعليم الرّسمي بشكل عام، والأساسي بشكل خاص»، ويحضرها «6 أعضاء من كلّ فرع في التعليم الأساسي، و20 عضواً من بقية الروابط». وانقسمت روابط التعليم بين مؤيّد للحضور للاستفادة من مبلغ 800 دولار ستدفعها المنظمة لكلّ رابطة مشاركة و40 دولاراً لكلّ مدعو، ورافض بشكل قاطع لأصل الدعوة.

الأمين العام لمنظمة «الدولية للتربية» ديفيد إدوارد، أكّد في اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية، «لعبَ النقابة الدولية مع شركائها في العالم دوراً في كتابة مناهج تعليمية تروّج للمثليين والمتحوّلين جنسياً».
وكانت بعض مكوّنات روابط التعليم شاركت، العام الماضي، في مؤتمر «الدولية للتربية» في الأردن، وانتخبت عضو الهيئة الإدارية في رابطة التعليم الأساسي منال حديفة رئيسةً لـ«البنية العربية في الدولية للتربية». يومها، طرح نقابيون أسئلة حول «الجدوى من المشاركة في المنظمة، وآلية العمل على مستوى لبنان، وكيفية مناقشة القضايا التي تطرحها». وحذّروا من التهاون أمام هذه المنظمات وعدم التدقيق في خلفياتها، فـ«هي تستغلّ الأوضاع الاقتصادية لفرض أجندات، ما يقلّص من سيادة الدولة على الملف التربوي، خصوصاً أنّ المشاركين لم يطّلعوا على تفاصيل دستور النقابة الدولية الذي يفرض على الأعضاء الموافقة من دون تحفّظ على المقرّرات والمشاركة في كلّ الأنشطة».

حديفة نفت ما يُروّج بين الأساتذة حول «ربط المؤتمر في لبنان بالموجة العالمية المروّجة للمثلية»، مشيرةً إلى «جدولة الورشة التدريبية منذ عدّة سنوات، ولكنّ الظروف لم تكن مؤاتية لعقدها». وعن تنفيذ أجندة «الدولية للتربية» بحذافيرها، أكّدت أنّ «ما يقال عارٍ عن الصحة، فلكلّ بلد قوانينه وخصوصياته الاجتماعية، والبنية العربية تحترم هذا التنوع، وهي تضمّ عدداً كبيراً من الدول التي لا تعنيها التوجهات العالمية الداعمة لقضية ما، مثل المثلية، وما يمسّ تقاليد المجتمعات العربية لن نروّج له، فنحن حريصون على مجتمعنا». وأشارت إلى أن هدف الورشة التدريبية «تدريب الشباب على العمل النقابي، وستقام تحت لوغو البنية العربية الخالي من أيّ ألوان تستفزّ مشاعر البعض، لا شعار المنظمة الدولية».
إلا أن للمتخوّفين من «الدولية للتربية» وأجنداتها رأياً آخر، إذ إن «العنوان شيء، والمضمون أمر مغاير تماماً»، بحسب مصادر رابطة التعليم الأساسي التي تشهد انقساماً كبيراً بين رافض للورشة، ومصرّ على إقامتها في موعدها، بعكس «رابطة التعليم الثانوي الرّافضة بشكل تام لأيّ مشاركة، أو حضور في الورشة التدريبية الخاصة بالنقابة الدولية»، بحسب نائب الرئيس حيدر إسماعيل، إذ عمّمت على أعضاء الهيئة الإدارية بـ«أنّ المشاركة تكون شخصية، لا باسم الرابطة أو الأساتذة». وتساءل إسماعيل عن «سبب دفع مبلغ 800 دولار لكلّ رابطة»، محذّراً من «الشبهات التي تحوم حول هذه المؤتمرات، إذ يمكن للروابط تنظيم ورش تدريبيّة ببرنامجها النقابي الخاص، ولا ضرورة لاستيراد نقابيين من الخارج، والدخول تحت مقصلة المنظمات الدولية».

في رابطة التعليم الأساسي، بحسب رواية المصادر، فـ«خلال الاجتماعات في الأيام الماضية جرت محاولات لتمرير الموافقة على الحضور في الورشة الدولية، من دون تحديد المطلوب، أو البرنامج». في المقابل، أوضح عدد من أعضاء الهيئة الإدارية «رفضهم حتى فكرة شرب الشاي مع النقابة الدولية، ولا سيّما مع تبنّيها لسياسات لا ترضي توجّهات الأساتذة كافة، وهي ستكون محل سجال كبير، خصوصاً مع احتمال استخدام النقابة لصور الأساتذة المشاركين للترويج لأنشطتها في الخارج».
إلا أنّ رفض أغلبية أعضاء رابطة الأساسي لم يثنِ الرّاغبين في إقامة الورشة عن قرارهم، فـ«قاموا بالتواصل مباشرةً مع الأساتذة في المناطق لدعوتهم إليها»، الأمر الذي أدّى إلى «زيادة التوتر مع مسؤولي الفروع»، إذ رفض عدد منهم «تخطّيهم، والتواصل مع الأساتذة في المناطق مباشرةً، من دون المرور عبرهم».

فؤاد بزي

المصدر: صحيفة الأخبار