1

منصوري وحيداً: فعلت المطلوب مني… ماذا عنكم؟

يواجه حاكم مصرف لبنان بالوكالة، النائب الأول للحاكم، وسيم منصوري تحدّياً غير مسبوق منذ 1 آب، تاريخ استلامه للمهمّة الجديدة بعد انتهاء ولاية رياض سلامة الذي أورث خَلَفه كما اللبنانيين تركة ثقيلة جداً تنوء بها الجبال.

يعرف منصوري انّه وُضع تحت المجهر وانّ هناك من يريد أن يضعه تحت المقصلة، ولذلك فهو كان يسعى، قبل استلامه الحاكمية، إلى تأمين شبكة حماية سياسية وقانونية له وللمصرف، تقيهما من مخاطر الأعيب الطبقة السياسية التي تحترف التحايل على الحقائق والوقائع، ويمكن ان «تضحّي» به بكل بساطة لشراء مزيد من الوقت على قاعدة تقطيع المرحلة كيفما كان وبأي كلفة، ومن بعدنا الطوفان.

يدرك منصوري انّ المجازفة كبيرة وانّه بمن وما يمثل في بلد التصنيفات المذهبية والطائفية، يخوض تحدّي إثبات القدرة على إدارة أهم مركز نقدي – مالي في الدولة اللبنانية ومنع حصول مزيد من الانهيار في سعر الصرف، وسط بيئة عامة غير صالحة وغير آمنة، يملؤها الكيد والنكد، وهو بالتأكيد لا يريد أن تحرقه هذه التجربة ولا أن يترحّم الناس على حقبة سلامة المنتهية بالمقارنة مع ايامه.

ويوحي منصوري بأنه لم يستلم موقع الحاكم للاستمرار في إدارة الأزمة، بل هو تصرّف والنواب الآخرون على قاعدة تحويل التهديد الى فرصة، وبالتالي عدم الاكتفاء بتصريف الأعمال في البنك المركزي وإنما البناء على خروج سلامة لتغيير السياسات النقدية الملتوية التي كان يعتمدها، والتأسيس لمرحلة جديدة تحكمها الضوابط القانونية وتحمي ما «نجا» حتى الآن من أموال المودعين.

وانطلاقاً من هذه المقاربة، طرح منصوري والنواب الآخرون خطة اصلاحية ترمي إلى الخروج المتدرج من دهاليز سلامة وسياسات الحكومات المتعاقبة، بدءاً من تأمين التغطية القانونية لإنفاق مصرف لبنان على الاحتياجات الضرورية للدولة، ضمن فترة محدّدة وانتقالية، على أن تعمد الحكومة الى سداد القرض بعد حين، وصولاً الى إقرار موازنة وقوانين إصلاحية تنهي عصر الفوضى المالية والنقدية.

دلّ منصوري الحكومة على الوسائل الممكنة والعملية لتتكّل على نفسها وتزيد إيراداتها، من دون أن يقطع عنها التنفّس الاصطناعي عبر «أوكسيجين» الاقتراض بين ليلة وضحاها، فوافق على الاستمرار في تمويل نفقاتها الالزامية لأشهر قليلة، انما على أساس تأمين التشريع القانوني لهذا التمويل وتعهّد الحكومة بأن تعيد الدين خلال مهلة محدّدة.

حصل منصوري ورفاقه بعد التلويح الشهير بالاستقالة على تطمينات وضمانات بأنّ ما يطلبونه سيتحقّق، ولكن سرعان ما بدأ التنصّل من الاتفاقات والتعهّدات عندما حان أوان تسييلها.
ولعلّ اكثر ما يخشاه منصوري ان يكون قد حصل على شيكات من دون رصيد، وان يظهر انّ الإيجابيات التي أوحى بها بعض مَن في السلطة عشية رحيل سلامة تفتقر إلى «السيولة» السياسية، وسط محاولات لتضييع المسؤوليات ورميها من مكان إلى آخر.

بهذا المعنى يشعر منصوري بأنّه تُرك وحيداً في لحظة الحقيقة، بعدما فعل ما يتوجب عليه من تحمّل للمسؤولية وعدم الاستقالة ووضع سياسة نقدية متوازنة ومتزنة وضبط سعر الدولار الذي كان يتخوّف البعض من انفلاته، فيما تنكّر الآخرون لواجباتهم وأنكروا التزاماتهم حتى قبل صياح الديك.

ويؤكّد العارفون انّ منصوري لوّح أمس بالتوقف عن تمويل الدولة كلياً من مصرف لبنان إذا لم يتوافر التشريع اللازم، في ما يبدو أنّه نوع من الضغط على القوى السياسية لإقرار قانون تغطية الإنفاق، وهو أبلغ القريبين منه بأنّه لن يهتز ولن يتأثر بأي تهويل لثنيه عن خياراته ودفعه الى مواصلة سياسة الخضوع لطلبات السياسيين، مرّة بالمونة ومرة أخرى بالضغط، كما كان يجري في حقبة سلامة.

ويوضح المطلعون انّ منصوري يعتمد حالياً استراتيجية تستند إلى الركائز الآتية:
– الانسحاب التدريجي من ميدان الإنفاق على متطلبات الدولة لحماية ما تبقّى من ودائع وتثبيت الاستقرار النقدي، وبالتالي لا مجاملات في الصرف وكذلك لا صرف من دون تدقيق.
– محاولة ضبط سعر الليرة من دون المساس بالاحتياطي الالزامي. وقد نجح خلال الأيام الأولى لتولّيه الحاكمية في إبقاء الدولار مستقراً خلافاً لكل التوقعات، على الرغم من التوتر الأمني في مخيم عين الحلوة والمراوحة السياسية.
– تسديد رواتب موظفي القطاع العام على أساس منصّة صيرفة لئلا يكونوا ضحية التصحيح المالي كما كانوا ضحية الإخفاقات.
– مراعاة مطالبات القوى العسكرية والأمنية لحماية الاستقرار الداخلي.
– اعتماد الشفافية في إدارة البنك المركزي وعرض الأرقام المتعلقة به على الملأ. وعُلم في هذا الإطار انّ منصوري في صدد الكشف عن موجودات العملة الصعبة واحتياط الذهب، لتبيان ما له وما عليه عندما يسلّم موقعه الى حاكم أصيل.

ويأمل منصوري في أن تتخلّى بعض القوى السياسية عن الشعبوية والمزايدة في سلوكها، وان تقتنع بأنّه لم يعد ممكناً لها الاستمرار في «طعجة» الصرف غير المقونن، وانّ لا بدّ من إقرار الإصلاحات التي توقف الاعتماد على مصرف لبنان.

وإذا كانت سوق النقد قد تجاوزت بسلام حتى الآن صدمة عدم تعيين حاكم أصيل، واذا كان منصوري قد وُفّق في «ترويض» الدولار لغاية اليوم، فلا يجب الاطمئنان الى انّ الخطر انتهى، ولا تجوز المجازفة بالثبات النقدي الظرفي المتحقق، لأنّ هذا الستاتيكو سينهار ما لم تتمّ مواكبته بمعالجات جذرية تطوره نحو حلول مستدامة.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




الحاكم بالوكالة يضع الكرة في ملعب السُلطة

د. زكريا حمودان

بعد مخاض شاق وعاصف انتهت ولاية حاكم المصرف المركزي رياض سلامة وبدأت مرحلة جديدة وتاريخية في حاكمية مصرف لبنان، ولكن، مع نائب الحاكم بحكم الفراغ الرئاسي.
مرحلة جديدة وواعدة بدأها نائب الحاكم الذي لم نعتد على كلامه في الإعلام، كما اننا لم نعتد على هكذا نوع من العرض للملفات التقنية على المستوى المالي تحديدًا.

منصوري قدم أوراق البراءة قبل أن يبدأ

كثيرون ممن سارعوا في الحكم على نواب الحاكم، منهم من قال إنهم وافقوا على عمل الحاكم دون أي اعتراض، ومنهم من قال إنهم منتفعون، ومنهم من قال إنهم لا يفقهون شيئًا. المشترك بين مختلف الذين اتهموا نواب الحاكم هو النكد السياسي، في وقتٍ هناك من كان يخطط لاستمرار مسار البلد في الإطار القانوني الطبيعي ولكن ضمن المسار المنطقي وليس المسار المتعرج على الطريقة اللبنانية.

قدم وسيم منصوري ما لديه من أوراق تثبت أولًا أنه على اطلاع على سلبيات وايجابيات نشاط الحاكم. كما أفصح عن الضوابط القانونية التي كانت تسمح له بالتصريح بالاضافة الى تلك التي كانت تمنعه من ذلك، قدم أوراق ومستندات البراءة وسار باتجاه الخطوة الثانية والأهم، ضوابط عمله ونواب الحاكم إلى حين انتخاب رئيس.

“ضوابط الاستقرار ليست عندي”.. منصوري يتبرأ قبل البدء

قبل أن يبدأ مهامه بالوكالة عن الحاكم المنتهية ولايته، قدم منصوري أوراق اعتماده للشعب اللبناني وأبلغهم وبالعناوين العريضة لخطة عمل منطقية وبسيطة، كاشفًا عن الحقيقة دون الغوص في السلبيات.

ما يجب التركيز عليه في حديث الحاكم الجديد بالوكالة هو الجانب المنطقي، تحدد المسؤوليات بوضوح وبالتدريج، كما تحديد هامش المس بأموال المودعين بالإضافة الى علاقته مع الحكومة ومجلس النواب وما تبقى من أموال المودعين، حدد منصوري الضوابط دون ذكر الانهيار.

قد لا يحبذ البعض الحديث عن انهيار في بلد منهار، لكن من يغص في كلام منصوري يدرك أن الرجل أسهب في الشرح لكي يوضح لمن يريد أن يفهم أنه إذا لم تتم المبادرة الى تنفيذ المطلوب فسيحصل الانهيار.

ما عرضه منصوري كان واضحًا، خطة عمل مرتبطة بالآخرين، بممثلي الشعب وبالسلطة التنفيذية، أما حقيقة عمل المصرف المركزي فهي تقنية وتأتي بناء على مسار منطقي لا يحتاج الى الألاعيب الخفية التي كانت تحصل سابقًا.

عرض منصوري خطة علمية وأنهى حديثه بوضوح، أما المسؤولية فهي باتت في عهدة المجلس النيابي والحكومة.

المصدر:موقع العهد




انفجار مرفأ بيروت.. عندما تاجر بعض القضاء بدماء الشهداء

د. زكريا حمودان

منذ دوي صوت الانفجار المهول وسقوط الشهداء الذين كان من الممكن أن يكون أي واحدٍ منا بينهم في 4 آب 2000، بدأ مسلسل قديم جديد يُكتب عبر ضمير بعض القضاة الطامحين دائمًا إلى تحقيق شيءٍ ما على المستوى السياسي أو ربما على حساب الأمن القومي.

أسئلة مشروعة برسم القضاء!

ثلاث سنوات مرت على تفجير مرفأ بيروت. لا شيء يعيد تلك الأرواح البريئة التي سقطت، لكن ما قد يساهم في تبريد قلوب أهالي من سقطوا هو بعض الإجابات عن أسئلة مشروعة لا يمكن التغاضي عنها وأهمها:

١- لماذا سعى القاضي طارق البيطار إلى إبراز أسماء سياسية دون اعتماده تقنيًا على وضع مسؤولية مباشرة على المسبب المباشر للانفجار؟
٢- لماذا لم يتم إخبار أهالي الضحايا بالرواية الحقيقية لقصة النيترات؟ وكيف سُمح أن تُتداول في الإعلام عشرات الروايات التي تهدف الى الفتنة وذات بُعد سياسي؟
٣- لماذا لم يتم اخبار أهالي اللبنانيين عن حقيقة الانفجار؟ كيف حصل ومن هي الجهة التي نفذت اذا لم يكن حادثًا مفاجئًا؟
٤- لماذا لم يُسأل القاضي بيطار عن أسباب تردد السفير الالماني الى منزله وتدخله السافر في ملف تحقيقات مرفأ بيروت؟

وغيرها من الأسئلة التي ربما لا يستطيع القاضي بيطار الإجابة عنها لأنه متورط في صناعة الفتن الداخلية والتي لم ينجح بها بسبب وجود بصيرة تحمي لبنان من هذه المخططات.

خفايا وايضاحات في ملف التحقيقات

عديدة هي الايضاحات التي يجب أن نتوقف عندها ليصبح بعدها القاضي بيطار متهمًا وليس قاضيًا، فهو لم يدخل الى القضية ليكتشف لأهالي الشهداء والجرحى كيف حصل انفجار مرفأ بيروت ومن نقل النيترات وخزنها. لقد ركز القاضي بيطار على نقطة واحدة فقط وهي: كيف يمكن أن أصنع بروباغندا سياسية من خلال تحميل المسؤولية لفريق سياسي وذلك من خلال اتهام بعض المسؤولين بتفاصيل غير اساسية والتغاضي عن الانفجار ومسببه؟

شيء ما يُشبه التفجير الذي اغتيل فيه الرئيس الشهيد رفيق الحريري. اتهام شخصيات من فريق سياسي محدد وزج البعض في السجون دون سبب واطلاق سراحهم وليس اخلاء سبيلهم. محاولات جر البلد الى الفتنه وغيرها من المؤامرات التي شارك فيها القاضي بيطار.

من أغرب القضايا التي تآمر بها القضاء من خلال ذريعة انفجار المرفأ قضيتان، المدير العام للجمارك الاستاذ بدري ضاهر ومدير عام الامن العام السابق اللواء عباس ابراهيم.

في قضية مدير عام الجمارك القضاء الظالم سجنه خلف القضبان، أبعده عن عائلته، ولكن في نهاية المطاف برأه من خلال اطلاق سراحه دون اعادته الى حيث هو حقه الطبيعي في وظيفته، ولم يُصدر القضاء غير العادل اخلاء سبيله بسند اقامة في حق ضاهر بل أطلق سراحه بعد تجريده من وظيفته، فأكملت السُلطة السياسية عدالتها المجهولة ولم تعده الى مكانته الطبيعية.

أما في قضية مدير عام الامن العام السابق اللواء عباس ابراهيم فكانت الكيدية الطائفية البغيضة تغوص في روح القضاء اللبناني، فكيف لهذا الرجل أن يحقق جميع هذه الانجازات؟ وكيف له أن يصول ويجول ويلعب جميع هذه الادوار من تفاوض وتباحث مع الغرب في قضايا هامة لتصب نتائج عمله في خدمة لبنان؟ وكيف للقضاء الساذج أن لا يبحث عن الذي أتى بالنيترات وفجره ولكن يبحث عن ورقة موقعة وأُخرى مرت من هنا، ليتهم جهة محددة وموظفين من جهات محددة، ليخرج تلك الضغينة من نفوس الحاقدين على الوطن؟

اليوم وبعد ٣ سنوات على انفجار المرفأ، لقد تاجر القضاء بدماء الشهداء، واتهم البعض بكيدية سياسية وهم أبرياء، وتغاضى عن أساسيات التحقيق ولم يسع الى تحقيق عدالة حقيقية، لقد سعى الى تنفيذ أجندة غربية فقط.

المصدر: موقع العهد




من ادخل النيترات؟ القاضي جاد معلوف ومدير الجمارك بالتفويض ريمون خوري في مستند مشترك

في ذكرى ٤ آب نستذكر من خلال هذا المستند وضوح العدالة التي تم تسيِّسها وهي اوضح من ان يغوص في طياتها القاضي طارق البيطار.

هذا المستند يوضح بأن القاضي جاد معلوف ومدير الجمارك بالتفويض ريمون خوري قرروا ونفذوا باصرار ادخال النيترات.

العدالة التي تبحثون عنها ليست في الاتهام والكيدية السياسية بحق فريق سياسي محدد، وما كان ادخال مدير عام الجمارك بدري ضاهر واتهام الوزيرين فنيانوس وعلي حسن خليل واتهام اللواء عباس ابراهيم الا خير دليل عن ان القاضي البيطار مُسيس ويعمل لدى السفارات.

على اهالي الجرحى والشهداء ان يبحثوا في التفاصيل الصحيحة وليخرجوا من دائرة كيل الاتهامات والكيدية السياسية.

خاص الوطنية




بعلبك.. رسالة الشمس والموسيقى من باخوس إلى الكون

أسدلت مدينة بعلبك في لبنان، الأسبوع الفائت، الستارة على آخر عروضها الفنية لهذا العام ضمن مهرجانات بعلبك الدولية التي تُقام سنويًا داخل هياكل المدينة الأثرية، وتحديدًا عند معبد باخوس، وكان العرض الأخير لعازف البيانو اللبناني- الفرنسي سيمون غريشي ترافقه الراقصة الإيرانية رنا غرغاني بعد فعاليات متنوعة انطلقت في الثامن من هذا الشهر رغم الأوضاع الاقتصادية والسياسية السيئة التي مر ولا يزال يمر فيها لبنان والتي بالترافق مع انتشار وباء كورونا أدّت إلى توقف فعاليات هذا الحدث السنوي منذ العام 2019. على أن تلك الظروف لم تمنع المشرفين من استضافة الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية عام 2020 في معبد باخوس من دون جمهور حيث أضيئت أعمدة قلعة بعلبك مع حفل واحد بعنوان “صوت الصمود”، وفي العام 2021 أقيم حفل بعنوان “شمس لبنان لا تغيب” لمجموعة من المواهب الموسيقية الشابة، وتمّ بثّ الحفلتين عبر شاشات التلفزة؛ علمًا أن تاريخ المهرجان يعود للعام 1955 وشهد على أعمال موسيقية ضخمة على الصعيد العربي والعالمي ولم يتوقف إلا مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 حتى العام 1997، لأن بعلبك هي المدينة التي تؤثّث للفرح والموسيقى والجمال رغم كل مآسي هذا اللبنان الصغير.

أول مدينة في العالم؟

تقع مدينة بعلبك في شمال شرقي لبنان على بُعد 85 كيلومترًا من بيروت، وعلى بُعد 56 كيلومترًا من دمشق. يحكي المؤرخون أن النقوش المحفورة على جدران المعابد القديمة بالمدينة تُظهر أنها كانت مأهولة قبل أكثر من عشرة آلاف عام، وأن الفينيقيين بنوا أول هيكل في المدينة لإله الشمس الموجود خلف أعمدة “معبد جوبيتير” في المنطقة الأثرية. كما تم العثور على مغارة للطحين تعود لآلاف السنين. وثمة حكايا وقصص كثيرة عن مدينة بعلبك؛ إحدى الحكايا تقول إن قابيل هو من أنشأ مدينة بعلبك، وأنها أول مدينة في العالم وأسماها “أخنوع” على اسم ابنه، وهي المدينة الوحيدة التي نجت من “طوفان نوح”، كما يُعتقد أن “جبل سعيد” في المدينة هو الجبل الذي كان النبي إبراهيم سيذبح فيه ابنه إسماعيل. كما أن هناك بعض الآثار في المدينة التي يُقال إنها تعود لقصر النبي سليمان ودير النبي إلياس، وفي المدينة أيضًا قبر النبي نوح، وقد ذُكرت المدينة في سفر يشوع بـ”بعلغاد” وفي سفر الملوك بـ”ببعلاث” المُدرجة ضمن مدن النبي سليمان. كما أن موقعها جعل منها ممرًا للقوافل التجارية القديمة فكانت تقع على مفترق طرق بين سورية وفلسطين والساحل المتوسطي.

وتأتي تسمية بعلبك من “بعل” و”بك”؛ وكان الفينيقيون يطلقون اسم “بعل” على إله الشمس كما أن “بك” تعني البيت. ويذكر الكاتب أنيس بن فريحة في كتابه “معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية” أن “بعل” يعني الرب، و”بك” تعود لسهل البقاع الذي يمتد على طول 120 كيلومترًا بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية، وأنّ الاسم يعني إله وادي البقاع. عندما غزا الإغريق مدينة بعلبك في العام 332 ق.م أطلقوا عليها اسم “هليوبوليس” وتعني “مدينة الشمس” في إشارة إلى عبادة الإغريقيين للشمس. كما أطلقوا على المدينة اسم “أهراءات روما” لوفرة محاصيلها الزراعية. وقد أمر يوليوس قيصر ببناء الثالوث الروماني “معبد جوبيتير” وهو إله السماء أو أب السماء، و”معبد باخوس”، وباخوس هو إله الخمرة، وهذا المعبد أصغر حجمَا من معبد جوبيتير ولكن ما يميزه أنه لا يزال محافظًا على معالمه رغم الزلازل والحروب التي مرت على المدينة، و”معبد فينوس” إلهة الحب والجمال. واستمر التوسع في بناء الهياكل الرومانية من عام 64 قبل الميلاد حتى عام 305 ميلادي على أيدي أكثر من 25 ألف عامل كما يذكر المؤرخون، كما أنه تم استقدام مهندسين ونحاتين، ويُقال إن النحاتين كانوا يستوحون تماثيلهم من صور عشيقاتهم وينحتونها بالصخر على شكل آلهة أو أنصاف آلهة. كما تبيّن لعلماء الأثار أن معبد جوبيتير تم بناؤه على أنقاض معبد قديم. وتتميز هذه الهياكل بضخامتها وبنقوشها الرائعة. وكانت بعلبك في المرحلة الرومانية مستعمرة وكان سكانها يتمتعون بنفس حقوق السكان في روما وعليهم نفس الواجبات، وقد أهدى “يوليوس قيصر” المدينة لابنته “جوليا دومنا” وسُميت وقتها “هيليوبولس جوليا دومنا كولني”، وقد صُكّت عملة تحت هذا الاسم.

ويعزو الكثير الفضل في الإعلام عن أهمية هياكل بعلبك في أوروبا إلى المعماري الأيرلندي روبرت وود (1717 – 1771)، وزميله جايمس داوكينز (1722 – 1757)، إثر زيارتهما إلى بعلبك بعدما زارا مدينة تدمر في سورية سنة 1751، وأصدرا كتابهما “أطلال بعلبك أو هليوبوليس في سوريا المجوفة” في لندن سنة 1757. وزوّدا كتابيهما برسوم عن القلعة وأعمدتها التسعة، وكان ذلك قبل أن يضرب زلزال عنيف بعلبك بقوة 9 ريختر في 19 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1759 فتسقط ثلاثة أعمدة، وقد أرسل الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني عام 1904 بعد زيارته للمدينة وفدًا من علماء الآثار للقيام بعمليات الترميم، وكذلك أرسلت فرنسا في العام 1930 وفدًا لمتابعة الحفر وإجراء الدراسات عن هياكل بعلبك. وفي العام 1984 تم ضمّ هذه المنطقة الأثرية إلى قائمة التراث العالمي لليونيسكو.

في العام 2021 تم إطلاق تطبيق “بعلبك ريبورن” Baalbeck Reborn أي “بعلبك تولد من جديد”، بالتعاون بين المديرية العامة للآثار اللبنانية والمعهد الألماني للآثار وشركة “فلاي أوفر زوون” الأميركية للتعرّف على القلعة الأثرية قبل تغيّرها عبر الزمن وذلك من خلال محاكاة بصرية ثلاثية الأبعاد صدمت المشاهدين. وكان هذا التطبيق ثمرة عمل استغرق عامين وشارك فيه مؤرخون وعلماء آثار ومهندسون، ويُظهر التطبيق أن الأعمدة المتبقية من هياكل بعلبك ويعرفها حاليًا زوار القلعة ليست سوى جزء صغير من هياكل كبيرة بناها الرومان تقوم على أعمدة كثيرة تهدّمت عبر العصور. 

كتبوا عنها

لم تكن مدينة بعلبك وهياكلها الأثرية عنصرًا جاذبًا لعلماء الآثار والمهندسين المعماريين فقط، فقد كتب عنها الأدباء منذ امرؤ القيس والمتنبي حتى يومنا هذا، ونعرض هنا لعدد منها.

للشاعر خليل مطران (1872- 1949) وهو من مدينة بعلبك قصيدة طويلة عن مدينته بعنوان “روائع الآثار” نختار منها هذه الأبيات: 

إِيهِ آثَارَ بَعْلَبَكَّ سَلاَمٌ/ بَعْدَ طولِ النَّوَى وَبُعْدِ المزَار../ ذَكَرِيني طُفُولَتِي وَأَعِيدِي/ رَسْمَ عَهْدٍ عَنْ أَعْيُنِي مُتَوَارِي…/ حَبَّذَا هِـنْدُ ذِلكَ العَهْـــدُ لَكِنْ/ كُلُّ شَيءٍ إِلَى الرَّدَى وَالبَوَارِ/ هَدَّ عَزْمِي النَّوَى وَقَــوَّضَ جِسْـمِي/ فَدَمَارٌ يَمشِي بِدَارِ دَمَارِ/ خِرَبٌ حَارَتِ الْبَرِيَّة فِيهَا/ فتْنة السَّامعِينَ وَالنُّظارِ/ مُعْجِزَاتٌ مِــنَ البِنَاءِ كِبَارٌ/ لأُنَاسٍ مِلْءَ الزَّمَانِ كِبَارِ…/ مَعْبَدٌ لِلأَسْرَارِ قَامَ وَلَكِنْ/ صنْعُهُ كَانَ أَعْـظَمَ الأَسْرَارِ/ مثّل القَوْمُ كُلَّ شَيء عَجِيبٍ/ فِيهِ تَـمْثِيلَ حِكْمَةٍ وَاقْتِدَار/ صنَعُوا مِنْ جَمَادِهِ ثَمَرًا يُجْنَى/ وَلَكِنْ بالعـقلِ وَالأَبـصارِ/ وَشُمُـوسًا مُـضِـيئَةً وَشِعَاعـًا/ بَاهِـرَاتٍ لَكِنَّهـَا مِنْ حِجَار/ وَطُيُورًا ذَوَاهِـبـًا آيِبَاتٍ/ خَالِدَاتِ الغَدُوِّ وَالإِبكار/ في جنانٍ معَلَّقاتٍ زَوَاهٍ/ بِـصُـنُوفِ النُّجـُومِ وَالأَنْوَارِ/ وَأُسُودًا يُخْـشَى التَّحـَفـزُ منها/ ويروعُ السَّكوتُ كالتَّزْآر/ عَابِـساتِ الوُجوهِ غَيرَ غِـضابٍ/ بَـادِيَاتِ الأَنْيَابِ غَيرَ ضوَارِي…/ تـلْكَ آيَاتُهُم وَما بَـرِحتْ فِي/ كلِّ آنٍ رَوَائِعَ الزُّوَّارِ/ ضمَّهـا كُلَّهَا بَدِيعُ نِظَامٍ/ دَقَّ حَتَّى كَأَنَّها في انْتِثارِ/ فِي مقامٍ لِلحُسْـنِ يُـعْـبَـدُ بَـعْـدَ/ العَـقْـلِ فِـيـهِ وَالعَقْلُ بَعْدَ الْبَارِي/ منْـتَهَـى ما يُجادُ رَسْـمـًا وَأَبْهَـى/ ما تَحُجُّ الْقُـلُوبُ فِـي الأَنْـظَـارِ/ أَهلَ فِيـنيقِيا سَـلاَمٌ عَـلَيْكُم/ يَوْمَ تَفْنَى بَقِيَّة الأَدْهَارِ/ لَكُمُ الأَرْضُ خَالِدِينَ عَلَيْهَا/ بِعَظيمِ الأَعمال والآثار/ خضتم البحر يوم كان عَصيـًا/ لم يُـسخَّر لقوَّةٍ مِن بُخارِ/ وَرَكِـبتُمْ منهُ جوادًا حرُونـًا/ قلقـًا بِالمُمَرَّسِ المِغوَارِ/ إِنْ تمَادَى عدْوًا بِهمْ كَبَـحُوهُ/ وَأَقالُوهُ إِنْ كـبا مِنْ عِثَارِ/ وَإِذَا مَا طغى بِهِـمْ أَوْشَـكوا أَنْ/ يأْخذُوا لاَعبِينَ بالأَقْـمَارِ/ غَـيْـرُ صَعْـبٍ تَخلِيدُ ذِكْرٍ عَلَى الأَرْ/ ضِ لِمنْ خَلَّدُوهُ فَـوْقَ البِحَارِ/ شَيَّدُوها لِلشَّمـسِ دَارَ صَلاَةٍ/ وَأَتَـمِّ الرُّومانُ حَلْيَ الدَّار/ هُـم دُعاةُ الفَلاحِ في ذلِكَ/ العَصْرِ وَأَهْلُ العُمْرَانِ فِي الأَمصارِ/ نحـتوا الرَّاسِـيَـاتِ تَـحْـتَ صُـخُـورٍ/ وَأَبانُوا دَقائِقَ الأَفكَارِ/ وَأَجادُوا الدمَى فَجَازَ عَـلَيْهِـمْ/ أَنَّها الآمِـرَاتُ في الأَقدَارِ/ سَجَدُوا لِلَّذِي همُ صَنَعُوهُ/ سجَـدَاتِ الإِجلاَلِ وَالإِكـبارِ…

ويكتب الشاعر اللبناني وديع عقل (1882-1933) في قصيدته عن بعلبك:

يا بعلبك أطوف فيك كأنني/ شبحٌ يطوف بمدفن الأجيالِ/ وأطلُّ منك على الوجود فلا أرى/ في الشرق غير مفاخر الأطلال/ ذهب التليد ولا طريف بعده/ وعفا الجديدُ فكل شيءٍ بال/ لم يبقَ للأحفاد من أجدادهم/ إلا رسوم معاقل ومعالي/ هممٌ طوينَ وما ولدن نظائرًا/ وأماثلٌ درجوا بلا أمثال/ وحقيقة مرت وما تركت لنا/ إلا مجال توهّمٍ وخيال/ إن الأُولى في بعلبك تزاحموا/ لعبادة الأوثان والأبعال/ بلغوا من الدين المسفه فوق ما/ بلغ الأولى عبدوا الاله العالي/ فلو أن دين الشرق دين واحد/ لوقفت لا أرثي الزمان الخالي.

ولجبران خليل جبران (1883- 1931) قصيدة “كم وقفة في بعلبك وقفتها” يقول فيها:

كم وقفة في بعلبك وقفتها/ أرمي الجهات بناظر رواد/ بينا أعيد الطرف عنها راويا/ عجبًا وإعجابًا إذا هو صاد/ أرنو ومربأتي بقايا هيكل/ من أعجب الآثار والأبلاد/ الروضة الخضراء تحت مظلة/ من ناصع النوار في الأعواد/ والسهل يبسط للنواظر بعدها/ طرفًا روائعها بلا تعداد/ لطف التناسق بينها حتى انتفى/ ما بينها من شاسع الأبعاد.

ويقول الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي (1897-1977):

جــئت أطـلال بـعـلبـك أنـاجي/ ذكريات لها بقـلبـي انتفاض/ زرتها والشـباب غـضٌّ وباقٍ/ مني اليوم مثلها أنقاض/ لسـت أفنى وليـس تـفـنـى كلانا/ جوهـر لا تزيله الأعراض/ يشتهي الشعر وصفها والخيال الـ/ نـسـر قـصّـت جـناحـه الأمراض.

أما إيتيل عدنان (1925- 2021) فكانت لها مطوّلة شعرية بعنوان “بعلبك” نختار مقتطفات منها:

من “أورفيوس” إلى “ماياكوفسكي”/ دارت الشمسُ حول رأسي/ تتوهّج كتلةَ من ذَهَبٍ ونُور/ هي الألوهة الأولى/ التي انتصبتْ/ من أجلها/ معابدٌ من حجر/ تزورني/ وهي الأخيرة بالتأكيد/ بين الأنصاب والأعمدة الأعلى منها/ أدركتُ، طفلةَ/ أن مملكتي ستكون/ من هذه الحجارة/ ومن لَيلها.

أمسكني الجفافُ/ من حلقي/ لن أغني/ المعبدُ موجود، حقًا موجود/ ومدرجاته صلدة/ والآلهة/ كي لا يبارحنه، رقصوا/ ثم قرروا ان يموتوا/ خلّفوا وراءهم شمسًا/ أحببناها/ مع أنها همجية.

الجدول الجاري/ تحت المعبد/ هو سِلك “آريان”/ الذي يقودني إلى “المينوتور”/ قبل أن يغور في مزارع القطن..

هنا الهواء جاف/ والأحياء يهربون/ مثل خيول جامحة/ تعدو في البعيد/ بين سلسلة لبنان الغربية/ وسلسلة لبنان الشرقية.

يتمتّع العالم بذكاءٍ تام/ ونحن لنا/ كل الأعمدة المنتصبة/ أينما كانت/ لأننا الوحيدون الذين نعتني بها.

عند منقلب الجبل/ يمتد البحر الأبيض المتوسط/ ينفخ في مراكب/ تخترق جسدَه/ مع أنه بقي على قيد الحياة/ بعد قرطاجة وأفلاطون/ والمتنبي/ مثلنا/ هل إن هؤلاء متفردون/ أم متحاورون؟/ من أين لنا أن نعرف؟

ما شأن الذاكرة/ بين هذه الحجارة/ التي تتكرر أبدًا/ وهي الأعتق من الخليقة/ وتصرّ على قول ذلك/ “أورفيوس” يتنّزه في ساحة القرية/ لهذا، الريح في براءتها/ تُبعِثر الشموسَ التي تغيب/ وتلتحق بلهاثنا/ لتقودنا إلى هذه الأمكنة، حيث “التاريخ” و”العدم” يمزجان مياههما العظيمة.

كان الأسد/ أولَ حيوان أحببته/ منحوتًا على جدار من حجرٍ/ وبَرْد/ أما الثاني/ فقد كشف لي/ عُمقَ البَشَرة المذهل/ والعطرَ الذي تختزنه/ كان الحجر/ في الشرق/ أما الحُب/ ففي مكان آخر.

إحذروا الماضي/ إنه سُمُّ/ حقولنا الجافة/ إحذروا أعمدته/ إنها أشجار بلا/ ربيع ولا شتاء/ يتآكلها هي أيضًا/ القلقُ في مواجهة القَدَر.

عادت الحجارة إلى حواراتها/ لكي نعترف بأن المادة/ تتجاوز مداركنا/ الأشياء هي أطفال ظلالها.

في بعلبك/ معبدٌ لمجد “باخوس” و”بوليناس”/ هو “قصر الليل”/ الذي تحرسه “جوان كيغر” بأشعارها/ فقد شاهدتهما بعيون طفولتي التي كانت/ تجذب صغار ماسحي الأحذية/ في أزقة بيروت/ فيما البحر يتفجّر بالنُور والقيظ.

من تحت أقدامنا/ ترتفع ذكرى خفيفة/ لا تلبث أن تتبخّر/ ضاجةً أو هامسةً/ لأن بلادنا لن تلبث/ أن تتبدّد في دخان.

أود أن ألقاني وسط بدايات تلك الآثار/ في نوع من جنون سائل/ يتحوّل إلى سماء/ فوق رأسي/ في وتيرة متسارعة/ لا اسم لها.

نعم، أنا في جوع إلى تلك الحجارة التي أركض بينها/ في زمنٍ سابق على ما قبل التاريخ/ الرغبات والأفكار المودعة في الذاكرة/ تنطفئ/ واحدة بعد أخرى/ سوف أسافر طوال ذلك الليل/ دون حراك.

صعدتُ مدرّجات الغرانيت الوردي/ ومن ذلك الارتفاع/ شاهدتُ ولادة آسيا/ أعظم القارات/ حيث اجتمع التاريخ واللازمن/ ثم توقّف كل شيء/ لم يبقَ غير السماء/ قاسية، نائية، خالدة/ فجأةً/ بدا أن كل شيء صار أليفًا/ يسهم في نظام واحد:/ لا شيء أقرب إلى المقدّس من العدم.

لن أعود لاسمع غناء “إلّلا فيتزجيرالد”/ ينداح فوق الأعمدة/ ولا هي سوف تعود.

لآثار ذخائر ونحن أنسباؤها/  بغض النظر عن السلالة.

طلال حيدر أقرب إلى الحقيقة مني/ ما دام ينتمي إلى هذا المكان/ كان يلتقط القمر بين الحجارة/ ويحمله إلى سريره وهو ينحني، في هذه الأيام/ ليلتقط زهرة/ فيعثر على خيط دَم.

وكتب الأخوان رحباني لبعلبك قصيدة “بعلبك أنا شمعة على دراجك”، وغنتها فيروز:

بعلبك/ أنا شمعة على دراجك/ وردة على سياجك/ أنا نقطة زيت بسراجك/ بعلبك/ يا قصّة عزّ عليانة/ بالبال حليانة/ يا معمّرة بقلوب وغناني/ هون نحنا هون/ لوين بدنا نروح/ يا قلب يا مشبّك/ بحجارة بعلبك/ عالدهر/ عَ سنين العمر/ هون نحنا هون/ وضوّ القمر مشلوح/ عا أهلنا الحلوين/ عَ بيوت غرقانين/ بالعطر/ بغمار الزهر/ هون رح نبقى نسعد ونشقى/ نزرع السجرة، وحدّا الغنّية/ وللدني نحكي حكاية إلهية/ وبعلبك بهالدهر مضوية/ وعَ إسمها السهرات مسمية.

كما كتب الأخوان رحباني قصيدة “يا قلبي لا تتعب قلبك” وغنتها فيروز، ومنها:

يا قلبي لا تتعب قلبك/ بحبك على طول بحبك/ بتروح كثير وبتغيب كثير/ وبترجع ع دراج بعلبك/ يا قلبي لا تتعب قلبك/ ماشي والقمر ماشي .. تبْعَتْ مَرَاسيلْ/ يا قلبي الْـ متل فراشِة .. حَوْل القناديلْ/ لا بتعرف وَهْج النار .. ولا بتكَفّي المشوارْ، وملبَّك بالحبّ ملبَّك/ وتروح وترجع عَ بْعَلْبَك…

وللشاعر عبد الغني طليس (مواليد 1955)، وهو من بلدة بريتال (من قرى قضاء بعلبك)، قصيدة “كأني سوف أرثي بعلبك” نختار مقتطفًا منها:

الصُّبْحُ في عرشِهِ الأنقى يؤاخيها/ والليل مجنون موسيقى يُناجيها/ تلك الجميلةُ تُدْعى بعلَبَكَّ ولِي/ نبعٌ منَ الحبِّ قد أَجرَيتُهُ فيها/ يا بَعْلَبَكُّ هنا أهلي أُسلّمُهُمْ/ روحي، وأطلِقها والربُّ راعيها/ وكلّما جئتُ رأسَ العين يخنِقُني/ الحنينُ، يُبعَثُ حيًّا إذ أُحَيّيها/ أنا تَنَشّقتُ عطرًا منْ بنفسَجِها/ أنا حفَظتُ صلاتي في فَيافِيها/ وعندَ قلعتِها سَلّمْتُ أسلِحتي/ لكي تُزوّدَني  تيجانُها  تِيها/ أجِيئُها اليوم ..لا أدري لِمَ انْفتَحَتْ/ بيَ الجروحُ ..كأني سوف أرْثيها/ مِنْ بَعْلَبَكّ، أنا الطيرُ ارتَفَعْتُ غِوىً/ وما قَبلْتُ لصوتِ الريحِ تَنبيها/ يا خُبزَ تَنُّورِ سِتّي ما أكلْتُ أنا/ مِنْ بَعدِكَ الخبزَ  إلّا كانَ تَمويها…/ يا بعْلَبَكُّ وقد كنا على طَرَبٍ/ نُغوي حبيباتنا بالبدرِ تَشبيها/ وما تذكّرتُ حبًّا فيكِ مَرْمَرَني/ إلّا طلبْتُ لنفسي مَن يُداويها/ و”خَولةٌ” في “مقامٍ”  فَقْرُهُ مَلِكٌ/ تُعطيكَ من قبلِ أن تَبْدَا تَرجّيها/ وذاكَ خَطُّ قطارٍ ضاعَ سائقُهُ/ في السهلِ بين حكايا، ضاعَ حاكيها/ أينَ البساتينُ، هل ما زال يغمُرُها/ ثلْجٌ يُسَطّرُ أشعارًا ويُلقيها/ وليلةُ العِيدِ؟، لا نَومٌ، وأسألُكُمْ/ هل كانَ أطولَ يومُ العيدِ تَرفيها؟/ وجَمْعةُ الأهلِ والوِلْدانِ أينَ خَبَتْ/ والدارُ مِنْ حسَدٍ ضاقت نَواحيها/ وكيفَ حالُ الرّفاقِ الحاملينَ معي/ كأسَ الطفولةِ في أبهى معانيها/ لِلسيفِ أنت ولِلضيفِ الكريمِ ولِلْ/ رِجالِ خاضوا من الدنيا دَواهيها…/ إذا السياسةُ لا عَقلٌ يُحاسِبُها/ إذن سيطلُبُ أهلُ الكهفِ تَنويها!/ ما هكذا الأرضُ كانت، بَعْلَبَكُّ أنا/ عَرَفْتُها إذ تُنادي الحَقّ يأتيها/ كانت بروعةِ ما كنّا  نُدلِّلُها/ بالشوقِ نُطعِمُها، بالصبرِ نَسقيها/ لكنها الآنَ لا نَهرٌ  يُسامِرُها/ ولا رفيقٌ على البَلْوى يُواسيها/ يا بَعْلَبَكُّ أعِيدينا إلى لُغةٍ/ فيها نُعيدُ الأماني مِنْ مَنافيها/ وعلّمينا بأنّ اللهَ ليس لنا/ لِوَحدِنا، وبنا الأكوانَ يُنْهيها/ كنتِ العروبةَ لمّا لمْ يكنْ عربٌ/ وتلك راياتُ عِزٍّ  ليس نُخفيها/ وكنتِ أنشودةَ الإسلامِ ما رُفِعَتْ/ فيكِ المصاحفُ تَدْلِيسًا وتَسْفيها/ وكنتِ صوتَ فلسطينٍ وفِتْيَتِها/ وغيرُنا عاشَ حاميها حَراميها!…

امرؤ القيس والمتنبي

ويذكر امرؤ القيس بعلبك في قصيدته “لك شوق بعدما كان أقصر” يقول فيها:

لقد أنكرتني بعلبك وأهلها/ وجوًّا فَرَوّى نخل قيس بن شمّرا.

أما المتنبي فقد أقام في عدة أماكن لبنانية ومنها قرية نحلة من قرى قضاء بعلبك حيث كان في ضيافة صديقه أبي علي هارون بن عبد العزيز الأوراجي (الكاتب الذي كان يذهب إلى التصوف)، والذي مدحه المتنبي في قصيدة أخرى في ديوانه. يقول المتنبي:

ما مقامي بأرض نحلة إلا/ كمقام المسيح بين اليهود/ مفرشي صهوة الحصان ولكنّ/ قميصي مسرودة من حديدِ/ وفي هذه القصيدة أبيات في الفخر مشهورة، هي/ لا بقومي شرفتُ بل شرفوا بي/ وبنفسي فخرتُ لا بجدودي/ وبهم فخرُ كل من نطق الضادَ/ وعوذُ الجاني وغوثُ الطريدِ/ إن أكن معجبًا فعجبُ عجيبٍ/ لم يجد فوق نفسه من مزيد/ أنا تربُ الندى وربُّ القوافي/ وسمامُ العدى وغيظُ الحسود/ أنا في أمة تداركها الله/ غريبٌ كصالح في ثمود.

وفي قصيدته الأخرى يقول المتنبي:

أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت/ وإذا نطقتُ فإنني الجوزاءُ/ وإذا خليتُ على الغبيّ فعاذرٌ/ أن لا تراني مقلة عمياءُ/ بيني وبين أبي عليّ مثلُهُ/ شمُّ الجبالِ ومثلهنّ رجاءُ/ وعقاب لبنان وكيف بقطعها/ وهو الشتاءُ وصيفهن شتاءُ/ لبس الثلوج بها عليّ مسالكي/ فكأنها ببياضها سوداءُ/ وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ/ سال النضارُ بها وقام الماءُ.

لوحات تشكيلية

أما تشكيليًا فقد كان لبعلبك نصيب من الحب من فنانين بارزين في العالم، نختار هنا ستة أعمال فنية لفنانين من العالم صوّروا القلعة في أوقات مختلفة وهم:

لويس فرانسوا كاساس  Louis-François Cassas‏ (1756- 1827) هو رسام مناظر طبيعية ومعماري وأثري وجامع تحف فرنسي. تجول في الشرق ورسم العديد من الآثار والمناظر في كل من سورية وفلسطين ولبنان ومصر. عام 1785، زار كاساس مصر، حيث رسم آثار الإسكندرية والأهرامات ومساجد القاهرة، كما زار تدمر ورسم آثارها، وزار فلسطين ورسم بعض آثارها ورسم هياكل مدينة بعلبك. وعند اندلاع الثورة الفرنسية، عاد كاساس إلى فرنسا سنة 1792. وفي سنة 1799، نشر أعماله في كتاب “رحلة تصويرية في سورية وفينيقيا وفلسطين ومصر السفلى”  وقد أودعت أصول لوحاته الزيتية التي أنجزها في هذه الرحلات بالمكتبة الملكية الفرنسية. لوحته عن بعلبك بعنوان “بعلبك: معبد جوبيتير” ويتخيل فيها هياكل بعلبك قبل تعرّضها للدمار بسبب الحروب ومرور الزمن.

ديفيد روبرتس David Roberts (1796-1864)  وعمله بعنوان “مدخل قلعة بعلبك الذهبية”، وديفيد روبرتس هو رسام سكتلندي. اشتهر بمجموعة لوحاته التوثيقية عن مصر وعدد من بلدان الشرق الأوسط، أنتجها خلال فترة أربعينيات القرن التاسع عشر في رحلاته الاستكشافية عن المنطقة جاعلة منه من أهم المستشرقين البارزين.

فاسيلي بولينوف Vasily Polenov (1844-1927)  رسام روسي يهتم برسم المناظر الطبيعية. أطلق عليه معاصروه لقب “فارس الجمال” لأنه جسّد التقاليد الأوروبية والروسية للرسم. تم تلخيص رؤيته للحياة على النحو التالي: “يجب أن يعزز الفن السعادة والفرح”. كان يؤمن بالمهمة الحضارية للفن والثقافة والتعليم. عام 1881 قام برحلة إلى الشرق الأوسط فكانت له عدد من اللوحات عن الأماكن الأثرية في الشرق الأوسط، ورسم عن بعلبك عددًا من اللوحات منها لوحة “معبد جوبيتير- معبد الشمس” ينقل فيها رسمًا حيًا للقلعة وللمكان الذي يحيط بها، ولوحة “بعلبك” يرسم فيها مدخل القلعة.

إرنست كارل يوجين كورنر Ernest Karl Eugen Koerner  (1846-1927) وهو فنان تشكيلي ألماني عُرف برسمه للمناظر الطبيعية. أمضى معظم أيام حياته في السفر إلى بحر الشمال ودول البلطيق وجبال هارز وفرنسا وإنجلترا وإيطاليا واسكتلندا وإسبانيا. من عام 1873 إلى 1886، قام برحلات عديدة إلى مصر والشرق الأوسط، حيث رسم بعضًا من أشهر لوحاته ومنها لوحاته عن العمارة المصرية ولوحته الشهيرة عن بعلبك بعنوان “الساعة الذهبية بين المناظر الطبيعية” حيث رسم قلعة بعلبك قبيل غروب الشمس.

جورج ماكو George Macco (1863-1933) كان رسامًا ألمانيًا اهتم برسم المناظر الطبيعية، واشتهر في المقام الأول بأعماله الاستشراقية، فقد سافر في جميع أنحاء منطقة البحر الأبيض المتوسط، اسطنبول وبعلبك والقدس والقاهرة ومكة. أصبحت الأعمال التي أنتجها نتيجة لهذه الأسفار أكثر أعماله شعبية. عمله “بعلبك-لبنان” يصوّر فيه القلعة وخلفها يبدو جانب من سلسلة جبال لبنان الغربية المكسوة بالثلوج.

ألكسندر كريسويل Alexander Creswell (مواليد 1957) فنان بريطاني مشهور بمهاراته الفنية في الرسم بالألوان المائية. يجمع أسلوبه المميز في الألوان المائية بين التلوين الخفيف والبراعة الماهرة في الرسم جنبًا إلى جنب مع عمق الضوء الطبيعي. رسخ كريسويل مكانته في الرسم المعماري وهو معروف عالميًا بقدرته الاستثنائية على التقاط روح المكان. يعد السفر عنصرًا أساسيًا في عمل كريسويل، فهو يرسم باستمرار في رحلاته العديدة ويعيد المواد إلى الاستوديو الخاص به في المملكة المتحدة. رسم على نطاق واسع في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة وروسيا ومصر والشرق الأقصى والشرق الأوسط. قام مؤخرًا بإنشاء مجموعة من اللوحات من طريق الحرير في أوزبكستان، ويعمل حاليًا على سلسلة أعمال عن القدس والأراضي المقدسة. عمله “قلعة بعلبك” يرسم فيه معبد باخوس بدقة لامتناهية وكأننا أمام صورة حية للمكان.

دارين حوماني

المصدر: موقع ضفة ثالثة




“بين القصرين”: السراسقة من بيروت إلى روما

قبل فترةٍ غير بعيدة، أعيد افتتاح متحف سرسق في بيروت. المتحف، الذي كان قصرًا من قصور العائلة التي يحمل اسمها، يحوي ما تحويه المتاحف عادةً: الفنون البرجوازية، والتاريخ البرجوازي، والعلاقات في ما بينهما. لكن تاريخ العائلة أكبر من قصرها. وهو فصلُ قصير من فصول البرجوازية اللبنانية، وأدوارها التي تتجاوز الفنون والسياسة، إلى المشاركة في بناء المدينة ونسج العلاقات الاجتماعية فيها، وفي الانسحاب منها بعد أفول الزمن الإمبراطوري وظهور الدولة القومية. في القصر، ليست التحف فقط ما يمكنك أن تراه.
بعد أقل من شهر على انفجار المرفأ، توفيت السيدة إيڤون سرسق متأثرة بجراحها. في لحظة الانفجار، كانت على الشرفة. وكانت الشرفة التي تطلّ على تاريخ سحيق، معزولة تقريبًا عن التحولات في المدينة منذ وقتٍ بعيد، منذ انكفاء العائلة عن كل شيء إلا عن تاريخها البرجوازي، ودور هذا التاريخ في تشكيل هذا الجزء من المدينة، الذي بقي قائمًا حتى الانفجار. وكانت الراحلة، هي الابنة الوحيدة لألفرد سرسق، من زوجته ماريا تيريزا سيرا دي كاسانو. أما فرانشسكو سيرا، جد إيڤون، فكان دوق كاسانو السابع، الذي تعود أصوله إلى البحر أيضًا. لكن إلى جنوى، وليس إلى القسطنطينية، أو إلى بيروت. أحد أجداد السيدة إيڤون، في قرونٍ غابرة، كان هو الآخر ملكًا على سردينيا.
ولا تتوقف الدماء الإيطالية في عائلة سرسق على ما تركته ماريا تيريزا من كاسانو في عروق ابنتها الراحلة إيڤون. في أوائل القرن السادس عشر، تحديدًا عام 1527، هاجم جنود شارلز الخامس روما. ولولا التحالف الذي عقدته عائلة كولونا الإيطالية مع إمبراطورية الهابسبورغ لكان القصر قد تعرض للنهب والتخريب، كما حلّ بمعظم القصور في حادثة “احتلال روما” آنذاك. هذا القصر الرهيب ستسكنه سيدة لبنانية، وتترك أثرًا كبيرًا فيه، حتى رحيلها أواخر ثمانينيات القرن الفائت. هذه السيدة هي إيزابيل سرسق، التي ولدت في بيروت عام 1889. غالبًا في الشارع نفسه الذي هزّه انفجار المرفأ قبل عامين. في كثيرٍ من المصادر الإيطالية، حتى المعاصرة منها، يعرّف عن “دونا إيزابيل إيلين سرسق” بأنها من عائلة مسيحية أورثوذكسية يونانية من أصل بيزنطي، وأنها من أهم العائلات في بيروت. وفي أحيانٍ كثيرة، لا نجد أثرًا لتجارة الحرير التي كان لها دور كبير في صعود العائلة، وإنما يبدأ التحقيب في تاريخ عائلتها منذ قدومها إلى إيطاليا. وفي ذلك الوقت، كان “السراسقة” مصرفيين وصرافين وأثرياء للغاية فعلًا. كذلك، لا تعترف هذه المصادر بمحل إقامتها العثماني في الزمن الإمبراطوري، ولا اللبناني في بداية نشوء القوميات، وبالتالي بهويتها لحظة ذهابها إلى روما لكي تتزوج مارك أنطونيو السابع. زوجها، الذي يعود نسله هو الآخر إلى العرش البابوي المنتصر على العثمانيين في معركة ليبانتو عام 1571، والتي كانت أساسية لتأكيد السيطرة الغربية على البحر الأبيض المتوسط.
وكما لعبت إيڤون سرسق في ترميم قصر العائلة ومتحفها في بيروت، لعبت إيزابيل دورًا كبيرًا في ترميم “قصر كولونا”، الذي بني على أسس معبدٍ روماني شهير هو سيرابيس في روما، وعبر مراحل عدة تاريخيًا. من بين المهندسين الكبار الذي عملوا بإشرافها في ترميم القصر، أندريا بوزيري، ڤيشي وفدريكو زِري، وتوماسو بوتزي. وخلال عملية الترميم، نقلت إيزابيل معها أطيافًا من بيروت إلى روما. بلغةٍ أكثر دقة، كان يمكننا القول: نقلت شيئًا من المعرفة البرجوازية الناشئة على الحوض الشرقي للمتوسط، إلى البرجوازية العريقة في غربه. وإن لم تكن هذه المعرفة معرفةً بالمعنى الذي نتخيله، بل كانت مجرد رخام. فتاريخ البرجوازيات للأمكنة والأزمنة هو تاريخها نفسها في تلك الأزمنة وفي تلك الأمكنة، وليس تاريخًا واقعيًا للعالم وللعلاقات بين جميع الطبقات. يبقى أنّ ذلك الرخام الشرقي كان حدثًا، وقد رأى نقاد إيطاليون وقتها أنه يحوي شيئًا من “روح الشرق الأدنى الفرنسي”. والتسمية في حد ذاتها تفتح نقاشًا طويلًا عن العلاقات الاستعمارية بعد الاستعمار، وعن التحالفات البرجوازية قبله، وعن تاريخ المتوسط المأسور بهذه العلاقات.

لا ورثة للسراسقة. والقصد أنه لا ورثة للدور الأرستقراطي الذي لعبته العائلة في زمانها. رغم ذلك، في زمنها، لقبت إيزابيل سرسق كولونا بأنها “وصيفة ملكة إيطاليا”، لشدّة ما كانت كاريزمية، ولشدّة ما كانت محبوبة في أوساط البرجوازية الإيطالية. كان دورها كبيرًا في حماية القصر في كولونا، وفي حماية تحفه وأثاثه خلال الغزو النازي لروما في الحرب العالمية الثانية، بعد أن خبأتها في ملجأ تابع للسفارة الإسبانية، وأعيدت إليه بعد الحرب. يشمل هذا الأعمال الانطباعية الكلاسيكية في القصر، ولا سيما أعمال ڤانڤيتِللي، وپينتوريكّيو، وپومارانشو، بالإضافة إلى أعمال پيتر موريل، وغاسپار دوغيت.
يمكننا التسليم أن ما بين كولونا وسرسق هو علاقات طبيعية بين الأسر البرجوازية في ذلك الوقت. كذلك الأمر العلاقة بين القصرين وبين محتوياتهما التحفية، لما نعرفه عن العلاقة بين تلك الأسر والفنون. قد يكون الأمر برمته مجرد رخام. لكن “تفسير الرخام”، على ما يذهب الشاعر، ليس أمرًا سهلًا. تعود أصول آل سرسق إلى القسطنطينية قبل سقوطها، ولكن ليس أصول القصر. فالقصر بيروتي ولبناني وشاهد على مرحلةٍ لبنانية. مرحلة أفرطت التقاليد اللبنانوية في التأريخ بأسطرتها، وكذلك أفرطت السرديات المضادة في ذمها والتقليل من حضورها في مراحل نشوء المدينة وتطورها. لكن التاريخ يبقى تاريخًا، تهيمن عليه الأيديولوجيا أحيانًا، وفي أحيانٍ أخرى يمحو الوقت أجزاءً من الصورة. كيف لا يكون كذلك، وقد عاشت العائلة العريقة في مرسين العثمانية قبل وصولها إلى جبيل على السواحل الشمالية للبنان، قبل أن يكون “لبنان الكبير”، وهذا يعني أن أصولها الثقافية، قبل أن تصبح واحدة من أكبر البرجوازيات في المنطقة، هي أصول مختلطة. في جبيل، أقامت العائلة في البربارة، وهي واحدة من 7 قرى شكلت “قرنة الروم” على السواحل الشمالية اللبنانية، قبل وصولها إلى بيروت. والمقصود بهذه القرنة، القرى الأورثوذكسية في المحيط الماروني. وفي بيروت، لا يبدو تتبع الأيام الأولى للعائلة سهلًا، فقد عاشوا في بيروت منذ 1712، لكن الوثيقة الأولى التي تثبت وجود السراسقة في بيروت تعود إلى 1832، وقد كانت المدينة محتلة آنذاك من قوات إبراهيم باشا. لكن الوثائق الأخرى في أرشيف العائلة كثيرة، وهي التي دقق فيها الباحث الإيطالي لورنزو ترومبتا. تشير هذه الوثائق إلى أن أشياء كثيرة حول تاريخ البرجوازية اللبنانية وعلاقاتها مع السلطات العثمانية، وبين البرجوازية وبين ممثلي الدول الغربية في سياقٍ مواز.

آخر “الورثة” المعاصرين والمعروفين في بيروت هو نقولا، الذي أصبح القصر متحفًا بناءً على رغبته. ومن ناحية تقنية، يجب الإشارة إلى أن المتحف خضع لعملية ترميم قبل انفجار المرفأ، وبعده أيضًا. وهو يحوي اليوم مجموعات ثابتة، في مثل المجموعة الشرقية، التي يمكن تبدأ بالأيقونات البيزنطية، وتمر بالتحف الإسلامية، وتنتهي ببعض الأعمال التي تعود إلى المراحل الأخيرة في العهد العثماني. وكذلك، هنالك مجموعة الفن المعاصر، التي تضم أعمالًا متنوعة لفنانين متنوعين. وهناك مجموعة فؤاد دباس للصور الفوتوغرافية، والتي تشكّل أرشيفًا بصريًا ثمينًا يمتد على قرنٍ كامل (بين أواسط القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين) ليس فقط للبنان، إنما لكل المنطقة. وفي المتحف أيضًا، تمثال “الباكيتان” الشهير، ليوسف الحويّك، الذي أزيل من ساحة الشهداء في وسط بيروت قبل الحرب الأهلية. لكن ما ليس موجودًا في التحف قد يكون موجودًا في الوثائق التاريخية. في أبحاثه، يذكر ترومبتا أن آل سرسق كانوا ملاكًا غائبين للعقارات في مرج ابن عامر شمال فلسطين. ومن بين ما يذكره أن منظمات الاستيطان أبرمت عقودًا لشراء 71356 دونمًا في المرج من آل سرسق، مشيرًا إلى أن حادثة البيع هذه مشهورة، وإلى أن السلطات العثمانية فشلت في منع الوكالة اليهودية من الاستحواذ على أراضي الفلسطينيين، لأنها “كانت مقيدة بالضغوط الأوروبية، وبجشع كبار المالكين للأراضي”. بعد هذه العملية، تم طرد المزارعين الأصليين. أما الحجة التي تذرع بها البريطانيون، فكانت أنّ المزارعين يدفعون العشور لآل سرسق، مقابل حقهم في العمل في الأراضي التي استحوذت عليها العائلة الأرستقراطية في أوقاتٍ سابقة. هكذا تذرع الانتداب البريطاني بأن المزارعين كانوا “مُستأجِرين”، وأيدوا عملية الشراء التي قام بها الصندوق القومي اليهودي.

 لعبت إيڤون سرسق دورًا في ترميم قصر العائلة ومتحفها في بيروت

في مكان إقامتهم، كان الأمر مختلفًا. كان آل سرسق راسخين في بيروت… وفي روما. لا تعرف إن كان القصر متحفًا، أم أن الحدس خاطئ، والأمر بالمقلوب، فيكون المتحف قصرًا. وهذا فصل من فصول العلاقة بين البرجوازية وبين تاريخ الفنون، التي خضعت لهيمنة طويلة واحتكار طويل من أصحاب القدرة على الهيمنة والاحتكار. وإن كان نبذ التسلّط الطبقي وهيمنة الناتج عنه من تأريخ ومعارف مسألة طبيعية، إلا أن فتنة الفنون تبقى حدثًا يبعث دائمًا على الدهشة، وتدفع دائمًا إلى رغبةٍ بالتمسك بها كجزء من هوية جماعية، لا يمكن التنصل منها. هناك في سرسق على باب المتحف، ينتهي القصر وتبدأ بيروت. يمكن معاينة المطرانية القريبة والمباني البرجوازية الأخرى والطريق مفتوح إلى شرايين الأحياء. أما المدينة فهي خلف الحديقة. مدينة كان وجودها في الزمن البرجوازي حديقةً خلفية للقصر، واليوم صارت، أكثر من أي وقتٍ مضى، حاجةً ملحة للمتحف، وهو حاجة ملحة إليها، قبل أن تصير كلها أشلاء في ذاكرة.
تعبر الذاكرة إلى روما، من خلف القصر، عبر البحر المتوسط. كثيرون هم الذين يذكرون أودري هيبورن على دراجة نارية. تلك الصورة الشهيرة من عام 1953، على ملصق فيلم “عطلة رومانية”، أحد أبرز الأفلام السينمائية عن روما. الفيلم الذي ينتهي هناك، في قصر كولونا، في زمن سيدة القصر نفسها التي تحدثنا عنها. ولا نقصد أودري هيبورن، إنما ايزابيل سرسق. وصيفة ملكة إيطاليا كما لقبت في الأوساط (البرجوازية) الإيطالية، الآتية من بيروت، من حي سرسق الشهير بالتحديد، الذي سيدمره انفجار هائل، عصر الرابع من آب/ أغسطس عام 2020.

أحمد محسن

المصدر: موقع ضفة ثالثة




لودريان يحذّر من أن «الخماسي» سيسحب يده حال فشل مفاوضات سبتمبر ومصدر لـ «الأنباء»: ميقاتي ترك وحيداً لكنه مطمئن بأن «الستاتيكو النقدي» لن يتغير

كتب داوود رمال في الأنباء:

لودريان يحذّر من أن «الخماسي» سيسحب يده حال فشل مفاوضات سبتمبر ومصدر لـ «الأنباء»: ميقاتي ترك وحيداً لكنه مطمئن بأن «الستاتيكو النقدي» لن يتغير.
وبالعودة إلى حاكم المصرف رياض سلامة الذي يغادر منصبه منتصف ليل الاثنين الثلاثاء المقبلين، بعد ثلاثين عاما على رأس الحاكمية، يقول مصدر حكومي لـ «الأ نباء»: «للمرة الأولى يجد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي نفسه وحيدا في ميدان البحث عن حل يمنع تداعيات شغور موقع الحاكمية، بعدما جرت سلسلة من المناورات للقوى السياسية التي تبين لاحقا انها تقول شيئا وتضمر نقيضه».

ويوضح المصدر ان «ملف حاكمية مصرف لبنان فتح منذ انفجار مرفأ بيروت في أغسطس عام 2020 عندما قام الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون بزيارتين الى لبنان وجمع ممثلي الأحزاب والقوى السياسية في قصر الصنوبر، ويومها اصطحب معه المصرفي سمير عساف طارحا تعيينه حاكما لمصرف لبنان ضمن سلة من الإصلاحات والإجراءات، فلا مشاريع الإصلاحات التي وافق عليها الفرقاء سلكت الطريق إلى الإقرار في المؤسسات الدستورية، ولم يتجرأ أي أحد على المساس برياض سلامة، واستمر الوضع على حاله».

ويضيف المصدر أنه «عند اقتراب انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان جرت اتصالات ومشاورات وعقدت لقاءات، كما قدمت عدة مقترحات حلول انطلاقا من أنه لا يجوز التعيين في مواقع حساسة في ظل خلو سدة الرئاسة، ومن هذه المقترحات التجديد لرياض سلامة الأمر الذي جوبه برفض القوى المسيحية الرئيسية ومعها حزب الله، ثم جرى الانتقال إلى طرح آخر يقول بالتمديد الإداري للحاكم ونوابه بعد استقالتهم الى نهاية العام الحالي، وايضا سقط هذا الاقتراح، حينها جرى التلويح باستقالة نواب الحاكم في حال لم يتم تعيين حاكم جديد او إقرار تشريعات تحمي نواب الحاكم عندما يتسلمون المسؤولية وفق قانون النقد والتسليف، وبدأت التسريبات عن مواعيد تقديم الاستقالات، الى حين تحديد جلسة لمجلس الوزراء الاثنين الماضي للبحث في ملف الحاكمية وذلك بعد لقاء جمع الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي بمقر الرئاسة الثانية في عين التينة، حيث أعلن بري ان الجلسة لتعيين حاكم».

ويتابع المصدر قائلا: «إن حشد القوى المعترضة على التعيين ازداد عنادا في رفض اي تعيين، وهذه المرة كان إجماع للقوى المسيحية مع انضمام تيار المردة بزعامة سليمان فرنجية الى القوى المعترضة ومعهم أيضا حزب الله، فطار نصاب جلسة مجلس الوزراء التي اعلن ميقاتي إلغاءها، وكان استبقها بعقد اجتماعين مع نواب الحاكم وتلا الالغاء اجتماع ثالث انتهى الى تفاهم على ان يتولى النائب الاول لحاكم مصرف لبنان وسيم منصوري المسؤولية بمعاونة النواب الآخرين على ان يتم تسريع إقرار التشريع المطلوب لحمايتهم فيما يخص تمويل الحكومة».

ويشير المصدر الى ان «ميقاتي الذي ترك وحيدا بعدما انفض الجميع عن تحمل المسؤولية التشاركية في إيجاد الحل لشغور موقع الحاكم، استطاع ان يضمن استمرارية المرفق العام من خلال الوصول الى حل بشأن تهديد نواب الحاكم بالاستقالة، بعدما أبلغوه انهم لن يستقيلوا ربطا بإقرار ما طلبوه من تشريع».

ويكشف المصدر عن «اتصالات داخلية وخارجية أجراها ميقاتي لتأمين مظلة حماية تمنع الانهيار النقدي مع انتهاء ولاية الحاكم، وان هناك مؤشرات حاسمة وصلت من عواصم معنية مباشرة بالقضية اللبنانية مفادها أن المجتمع الدولي، وخلافا لكل ما يشاع، لن يسمح بذهاب لبنان إلى الانهيار التام والفوضى، وبالتالي هناك اطمئنان بأن سعر صرف الدولار لن يحلق عاليا جدا كما بدأت بعض الجهات والمنصات تشيع».

ويؤكد المصدر أنه «إذا تمكن ميقاتي من الحفاظ على الستاتيكو القائم حتى نهاية العام الحالي، لعله يكون الانفراج الرئاسي قد حصل، يكون بذلك قد حقق إنجازا مهما، وهذا ما يعمل عليه بقوة مسخرا كل علاقاته الخارجية في هذا الاتجاه، مع مواصلته خطواته باتجاه كل القوى عبر حوار بعيد عن الأضواء، واضعا الجميع امام مسؤولياتهم في حماية الاستقرار والسلم الاهلي من خلال منع الفوضى المجتمعية».

المصدر: الأنباء

https://www.alanba.com.kw/1193510




قراءات سياسية » مَهمَة لودريان المستحيلة، الرئاسة لم تعد اولًا

د.زكريا حمودان

جولة انتخاب برلمانية دون نتيجة عملية أتى بعدها الموفد الفرنسي الى لبنان في استعراض كذلك لم يكن ذات نتيجة تُذكر في ظل الاستعصاء السياسي المستشري. 
لم تُظهر القوى السياسية المعنية في التوصل الى حلول اي حماسة حقيقية في تذليل العقبات أمام انتخاب رئيس ينقذ ما تبقى من لبنان، الامر الذي يطرح علامات استفهام حول مستقبل المرحلة المقبلة. 
الرئاسة في خبر كان
لا احد من القوى المعنية يتحدث عن الرئاسة اليوم، لا يوجد لديهم مرشح ولا يريدون ترشيح احد، فقط لديهم هاجس واحد هو سحب ترشيح سليمان فرنجية. هكذا هو المشهد اليوم، الرئاسة في خبر كان دون ان نعرف السبب المنطقي للفراغ، فعندما وصلنا الى ملف المدير العام للامن العام قالوا بأنَّ الازمة الاساس كانت في الرئاسة، لكن لم نرى اندفاعة حقيقية لانتخاب رئيس. 
اما عندما وصلنا اليوم الى ملف حاكم مصرف لبنان، كذلك انفسنا امام معضلة انتخاب رئيس، وها نحن نتجه نحو قيادة الجيش، وربما لاحقًا نحو مراكز اساسية حساسة في البلاد، نبحث عن حلول ترقيعية، لكن نضع الرئاسة للمستقبل المجهول، نضعها في خبر كان دون ان نطرق ابواب الحل، فتُطرح امامنا تساؤلات عديدة اهمها:
١- ماذا يريد الافرقاء السياسيين داخل لبنان من لبنان؟
٢- ماذا يريد الغرب من لبنان؟
٣- الى ماذا يُخطط الغرب حاليًا؟ 
أما الأجوبة فيمكن البحث عنها في مَهمة لودريان المستحيلة عشية وصوله الى لبنان. 
مَهمة لودريان والافرقاء الوطنيين
عندما يصل لودريان سيلتقي مع الافرقاء السياسيين، بعضهم سيطلب منه الاسراع في فرض عقوبات على الافرقاء السياسيين في البلاد، اما البعض الآخر سيطرح نفسه مرشحًا طالما لا يوجد حظوظ لايصال رئيس للبلاد، اما الفريق المقابل سيشرح للموفد الفرنسي-الخماسي اسباب تمسكه بترشيح سليمان فرنجية وسيشرح له طروحاته المستقبلية في الرئاسة وما بعدها، ويستفسرون منه عن تفاصيل مطروحة وأُخرى طُرحت في لقاء الدول الخمسة كما سيبحثون عن أفق المرحلة، لكن بحسب بعض التوقعات لن يجدوا اجوبة، سيخرجون بانطباع استراتيجي ان الازمة ليست في ترشيح سليمان فرنجية، الازمة تقبع في اروقة الادارات الخارجية، هي ابعد من ازمة رئاسة على الشكل التالي:
١- لا خلاص للبنان بدون تسوية دولية شاملة. 
٢- لن تسفر زيارة لودريان عن شيء طالما ان بعض القوى السياسية لا تبحث عن رئيس. 
٣- بعد تهويل الدول الخمسة، لن تكون لقاءات الموفد الفرنسي سهلة ولن يرى القوى السياسية تقف في الصف تنتظره برحابة صدر. 
في الخلاصة، يبدو ان مهمة الموفد الفرنسي شبه مستحيلة، فالرئاسة لم تعد اولًا ويبقى جمع اللبنانيين حول بعض النقاط اقصى ما يمكن ان يحصل عليه الموفد الفرنسي اليوم. 

المصدر: موقع مجموعة الخدمات البحثية




للتاريخ، ميقاتي يُنجي لبنان من عبث المتهورين

يعيش لبنان أزمة حكم خطيرة للغاية، لكن هذه الأزمة تتزامن مع حالة شاذة لبعض المتهورين الطامحين الى بناء أمجاد على حساب الوطن.

ما نعيشه اليوم ليس حالة طبيعية، وليست أزمة انتهاء ولاية حاكم للمصرف المركزي وبداية حقبة جديدة تخلف حقبة رياض سلامة المليئة بالأحداث المتنوعة. منهم من كان يعتبر الحاكم هو عراب الاستقرار المالي وصاحب الانجازات في الاستقرار والتقدم والازدهار في ظل الانهيارات التي حولنا، حيث شاعت مسطلحات تشيد بثبات ليرتنا في ظل الدمار الذي حولنا وغيرها من التعابير التي سقطت الواحدة تليها الأُخرى.

بعد سقوط التعابير بدأت الليرة تنهار، كل ذلك لم يكن رئيس الحكومة الحالي نجيب ميقاتي في الحكم، سار الانهيار مساره وتطورت الأحداث تدريجيًا في البلاد الى ان وصلت الى مسار مُعقد، وبالرغم من تعقيداته كان موقف تحمل المسؤولية هو موقف ثابت وحكيم من دولة الرئيس نجيب ميقاتي.

الرجُل الذي لم يهادن احد على المستوى المالي، صاحب الخبرة في تدوير الزوايا لاخراج البلد من الأزمة، عراب انقاذ البلد من الانهيار المالي في مرحلة انشاء موازنة في ظل الازمة ها هو اليوم يقف أمام مسؤولياته ولكن هذه المرة للتاريخ، نجيب ميقاتي يُنقذ البلد.

الأزمة المتفجرة في ملف الحاكم تثير الاستغراب على مستوى اداء القوى السياسية، فالنكد السياسي فاق المعقول ووصل لدى البعض الى عدم المبالاه في تدمير البلد مقابل ارضاء بعض الرغبات السياسية.

موقف رئيس حكومة تصريف الاعمال كان واضحًا، ممنوع ان يغرق لبنان خلال وجوده في سدة الرئاسة ولو حتى كانت تصريف للاعمال، كما انه لن يسمح لبعض الهواة ان يلاعبوه على حساب الامن والسلم الاهلي.

نجيب ميقاتي القادم من خارج الذهنية التحاصصية لا يبحث عن صفقة هنا او كرسي هناك، يبحث عن الحفاظ على استقرار لبنان وعدم السماح باستهداف الثلاثية الذهبية: جيش-شعب-مقاومة. كما انه اثبت خلال ادارته لأزمة ملف الحاكم انه يملك كلمة السر لكي لا يسمح لاحد بفتح باب الانهيار الكلي.

ماذا يعني الانهيار الكُلي؟ الانهيار الكُلي يعني اننا خلال ٤٨ ساعة من بعد خروج حاكم المصرف المركزي سنجد الليرة مسحوقة، والناس في الشوارع، والفوضى الخلاقة. هنا السؤال المشروع: من يريد ادخال لبنان في هذه الدوامة؟

ما بات معروف اليوم للجميع، لن يسمح نجيب ميقاتي لأحد بأن يُدخل لبنان في دوامة المؤامرة، وها هو يسير بخطى ثابته لينجي لبنان من عبث المتهورين.

الكاتب: أحمد المحمد




اجتماع الدوحة يستبق مهمة لودريان بتعديل مهمته

انتصفت مهمة الموفد الفرنسي الخاص جان ايف لودريان اجتماعيْ باريس والدوحة. زيارته الاولى توخى منها الاستطلاع. الثانية تفترض انه سيعود بتصوّر لحوار نادى به في المرة السابقة على انه مدخل الى انتخاب او تسهيلاً له في احسن الاحوال. بيد ان اجتماع الدوحة قطع الطريق عليه

بين الاجتماع الخماسي الأول في باريس في 6 شباط والاجتماع الثاني في الدوحة في 17 تموز طرأت تبدلات كثيرة:

اولها، تسمية الرئيس نبيه برّي في الاول من آذار النائب السابق سليمان فرنجية مرشح الثنائي الشيعي لرئاسة الجمهورية، ثم ملاقاة الامين العام لحزب السيد حسن نصرالله الترشيح في 6 آذار. مذذاك لم يعد في الامكان تجاوز الموقف الشيعي المعبَّر عنه بالثنائي ومرشحه، مصرّاً مرة بعد اخرى على تمسكه به.
ثانيها، انضمام باريس بلا افصاح الى ترشيح فرنجية خلافاً لما ناقشه الاجتماع الخماسي على اراضيها دونما تطرقه الى اسم اي من المرشحين او تزكيته، مخالفة بذلك شركاءها الى الطاولة قبل ان تضيف الى تأييدها الضمني هذا اقتراح اقران انتخاب فرنجية بوصول السفير نواف سلام الى رئاسة الحكومة، على انها تسوية متوازنة بين فريقيْ الاشتباك الداخلي.
ثالثها نشاط فرنسي عبر السفيرة في بيروت آن غريو لدى الافرقاء والكتل بغية تشجيعهم على انتخاب رئيس بناء على التسوية المقترحة، زاد في تبريره حتى عشية جلسة 14 حزيران ترشيح المعارضة الوزير السابق جهاد ازعور. بذلك انتظم ظاهراً على الاقل شرطا المنافسة واللعبة الديموقراطية.
رابعها، الايحاء بانتقال ملف لبنان من يد الى اخرى بتعيين الوزير السابق جان ايف لوديان موفداً رئاسياً خاصاً للرئيس ايمانويل ماكرون بديلاً من باتريك دوريل الذي حضر اجتماع باريس ثم غاب عن اجتماع الدوحة بأن حضره لودريان. تباين تفسير مغزى ابدال احدهما بالآخر، من غير ان تُضلل صفة الموفد الرئاسي الخاص المهمة نفسها. لم يخض فيها دوريل الا بصفته ممثلاً للرئيس. كذلك فعل ولا يزال لودريان. لم يُفهَم مذذاك هل ارتقى الاهتمام الفرنسي الى اكثر مما كان او تدنى. في كلا اجتماعيْ باريس والدوحة شاركت الدول الخمس بموظفين كبار لا على مستوى وزراء من شأنهم التلميح الى دلالة اكثر ايجابية. ليس لهؤلاء سوى التزوّد تعليمات اداراتهم وابداء الموقف في نطاقها دونما امتلاك اي منهم حق الاجتهاد قبل ان يعودوا الى الاصحاب الفعليين للقرار.

ليست الاحداث فحسب فصلت بين اجتماعيْ الدول الخمس. ما صدر عنهما كذلك اعطى اشارات تبَايَنَ تفسيرها: ان لا يصدر عن الاول في باريس بيان رسمي ما خلا تسريبات تولتها الخارجية الفرنسية، وان يكتفي بالحض على انتخاب رئيس دونما تحديد مواصفاته، وان يلوح باجراءات ترجمت في بيروت على انها عقوبات. اما ما صدر عن الثاني في الدوحة فأبعد بكثير مما سبقه واكثر اسهاباً في ما لا يدخل في وظيفته، المفترض انها مقصورة على التشديد على انهاء الشغور الرئاسي في لبنان. قال بانتخاب الرئيس. الا انه اضاف اليه مواصفات يصعب في الوقت الحاضر في ظل الاشتباك الحالي اعتراف كل من الفريقين بانطباقها على مرشح ما يحوز موافقته عليه. كرر اجتماع الدوحة ذكر اجراءات محتملة ضد معرقلي الانتخاب فُهِم انها ربما عقوبات. اما ما يتخطى الوظيفة الفعلية للدول الخمس ومرمى مهمتها في باريس ثم في الدوحة، فايرادها لائحة مطالب ليست في صلب انتخاب الرئيس كاستحقاق دستوري معطل. اقرب ما تكون الى بنود تسوية اكثر منها تكريس ثوابت قائمة: دعم تطبيق قرارات مجلس الامن والجامعة العربية واتفاق الطائف وتأكيد سيادة لبنان في اشارة ضمنية الى رفض الدول الخمس اي تدخّل خارجي في هذا البلد كما في الاستحقاق وشؤونه. كلا الاجتماعين اكدا ضرورة اصلاح الاقتصاد وتفاديا الاتيان على اسماء. لم يجلُ اجتماعا الدول الخمس فحوى التقدم الذي احرزه الثاني على الاول. كلاهما بقيا على مستوى الموظفين. الاكثر مثاراً للانتباه في ما انتهى اليه، وخصوصاً البيان الرسمي المعلن، تجاهله فرنسا ودعم مبادرتها وتكاد تكون الوحيدة الفعلية تنخرط في انتخابات الرئاسة اللبنانية.

رغم جلوس لودريان الى طاولة شركائه في الدول الخمس، لم يُشر هؤلاء من قريب او بعيد الى الدور الفرنسي الذي غالباً ما اظهر نفسه على انه جزء لا يتجزأ من تفاهم عربي – غربي على الاهتمام بلبنان. ذلك ما اتاح تأويل هذا التجاهل كما لو ان الملف اللبناني انتقل من يد باريس الى مجموعة الدول الخمس. كان من الطبيعي ان يُعثر في البيان الختامي على البصمة الاميركية في الدعوة الى تطبيق القرارات الدولية وفي المناداة بالاصلاحين المصرفي والقضائي، والعثور على البصمة السعودية في التمسك باتفاق الطائف وتطبيق القرارات العربية.
قبل وصوله الى بيروت استبق المسؤولون اللبنانيون زيارة الموفد الفرنسي الخاص ببضعة انطباعات:
1 – سواء كان الحوار قبل انتخاب الرئيس صائباً أم لا، الواضح ان لودريان يعود خالي الوفاض بموقف يدعم سعيه اليه، بعدما اقترحه في زيارته الاولى لبيروت وغض بيان الدوحة الطرف عنه كأنه ليس بين الاقتراحات المتداولة. انتقد الثنائي الشيعي البيان لخلوه من تأييده الحوار بينما رحب به الفريق الآخر. ليس ذلك سوى صورة مكملة للجلسات الاثنتي عشرة لانتخاب الرئيس. البرلمان موزّع بين نصفين تقريباً، كل منهما يملك الفيتو الطائفي والسياسي والدستوري. من دون احدهما لا انتخاب للرئيس.

حال الحوار مماثلة: ان يرفضه نصف اللبنانيين مؤداه ان النصف الآخر لا يملك ان يفرضه. غير ان تجاهل الدول الخمس الحوار يضاعف الاستعصاء برفض ذهاب الثنائي الشيعي الى انتخاب رئيس – ان لم يكن فرنجية – بلا ضمانات سياسية موثقة في اجتماع وطني. على نحو كهذا يمسي الحوار كانتخاب الرئيس مأزقاً ومشكلة لفريقيْ النزاع الداخلي.
2 – تبعاً للمعلومات لدى المسؤولين الرسميين، لم يخض اجتماع الدوحة في اسماء مرشحين محتملين للرئاسة اللبنانية. لا يعفي ذلك اياً من الدول الخمس ان تكون فكرة في اسم ترشحه او تطمئن الى وجوده على رأس الدولة اللبنانية. ليس خافياً ان الدولة المضيفة تؤيد انتخاب قائد الجيش العماد جوزف عون، وباريس لم تتخلّ بعد عن فرنجية، وواشنطن كما السعودية معنيتان بتعهدات المرشح لا باسمه ما دامتا متأكدتين ان اي رئيس منتخب للبنان لا يسعه ان يكون ضدهما.
3 ـ لم يحن اوان ظهور المرشح الثالث ما لم يُبدِ كلا الطرفين تخليهما عن مرشحيْهما الحاليين، فرنجية وأزعور، في معزل عن حظوظ اي منهما في الوصول الى الرئاسة. ليس الاصرار عليهما، ورفض كل منهما مرشح الآخر، الا تأكيداً على ان ابواب انتخاب الرئيس لا تزال موصدة بإحكام. ذلك ما اكدته جلسة 14 حزيران وأقلقت لودريان قبل وصوله الى بيروت، وعبّر امام مَن التقى بهم انه استشم منها إعطاباً لمبادرته حينذاك.
4 – ليست مواصفات الرئيس المدلاة في بيان الدوحة، الملتبسة والغامضة والمثالية الى حد عندما تحدثت عن نزاهته ومقدرته على جمع اوسع ائتلاف وطني شامل لاجراء الاصلاح في البلاد، سوى بديل من ضائع لم يُعثر عليه بعد. لكن المؤكد ان اياً من المرشحين الحاليين، فرنجية وازعور كما عون، لا يطابق المواصفات تلك ما دام اي منهم لا يحظى بأوسع تأييد يمكّن من انتخابه بنصاب دستوري سياسي.

نقولا ناصيف

المصدر: صحيفة الأخبار