1

آلاف الموقوفين في السجون والمخافر

المراقبة بدل التوقيف لتخفيف الاكتظاظ

تشهد سجون لبنان الـ24 وعشرات مراكز الاحتجاز لدى مختلف الأجهزة الأمنية اكتظاظاً غير مسبوق نتيجة ارتفاع معدلات الجريمة مع ازدياد عدد الأجانب في البلاد في السنوات العشر الأخيرة. وإذ بات من الضروري جداً معالجة هذه الأزمة وفقاً للإمكانات المتاحة، باشر بعض قضاة التحقيق اللجوء إلى النص القانوني الذي أعطاهم الحق باستبدال التوقيف في أي جريمة بالمراقبة القضائية، فهل تتمكّن المادة 111 من أصول المحاكمات الجزائية من التخفيف من أزمة الاكتظاظ؟ 

بعد إحالة ملف الموقوف نور (اسم مستعار) البالغ من العمر 17 عاماً، للمحاكمة أمام محكمة جنايات الأحداث على خلفية اتهامه بجرائم عدة، جرت محاكمته والاكتفاء بمدة توقيفه التي استمرت 16 شهراً. لكن، خلال إتمام معاملات إخراجه من السجن تبيّن أن في حقّه محضر تحقيق في جرم اتجار بالمخدرات، كان يفترض ألا يُفصل عن الملف الأساسي، وخصوصاً أنه لا توجد بحق الموقوف القاصر مذكرة توقيف بسببه. ولإمكانية إصدار قرار بتركه يجب أن يساق للاستماع لإفادته أمام قاضي التحقيق الذي أحيل أمامه الملف بمحضر منفصل بجرم مخدرات. (راجع «القوس»، 22 تموز 2023، ما في «سَوق»).

فكان قرار قاضي التحقيق كالتالي:
«نقرر وبالنظر إلى ماهية الجرم ولما ورد في التحقيق، وخلافاً لطلب النيابة العامة، الاستعاضة عن توقيف المدعى عليه بتطبيق أحكام المادة 111 أصول محاكمات جزائية وإلزامه بدفع كفالة مالية مقدارها مائتي ألف ليرة لبنانية».
إذ تنصّ المادة 111، على أن «لقاضي التحقيق، مهما كان نوع الجرم، وبعد استطلاع رأي النيابة العامة، أن يستعيض عن توقيف المدعى عليه بوضعه تحت المراقبة القضائية». وحددت آلية تطبيق هذه الاستعاضة عبر فرض شروط على الموقوف لتسهيل المراقبة القضائية بديلاً عن التوقيف.
جاء قرار قاضي التحقيق في جبل لبنان خلافاً لرأي النيابة العامة التي رفضت تطبيق المادة 111 بعد استطلاع رأيها، الأمر الذي يكفله القانون لقاضي التحقيق الذي اطلع على الملف وتبيّن أن لا علاقة للقاصر بجرم المخدرات. ولأن أصول المحاكمات الجزائية واضحة لجهة عدم إمكانية البت بطلبات إخلاء السبيل أو الترك في الجناية إلا بعد استجواب المدعى عليه، ولأن «السَوق» هو أزمة مضافة إلى أزمات السجون والموقوفين، واقتناع القاضي بأن القاصر لا علاقة له بالمحضر المحال بموجبه أمامه بجرم الاتجار بالمخدرات، قرر أن يطبّق أحكام المادة 111 من أصول المحاكمات الجزائية ليخرج القاصر من السجن في أسرع وقت ممكن. إذ إن إصدار قرار ظني في ظل الظروف التي يمر بها التقاضي في لبنان سيُبقي القاصر في التوقيف لمدة قد تتجاوز شهرين، بعد أن أنهى حكمه وباتت كل ساعة إضافية تعادل المدة التي قضاها، نتيجة الظروف السيئة للسجناء داخل السجون. (راجع «القوس»، 25 آذار 2023، «ما عاد في محل»).
إلا أن قرار النيابة العامة باستئناف قرار قاضي التحقيق أمام الهيئة الاتهامية كان دليلاً على نهج النيابات العامة بالإصرار على التوقيف من ظاهر الملف ونوع الجرم المحال فيه (مخدرات)، وليس من الأدلة والبراهين المتوفرة، و لم يلحظ تدقيق النائب العام في الملف رأي قاضي التحقيق الذي تقع عليه مسؤولية التحقيق في الدرجة الأولى.

فقد جاء في قرار النيابة العامة ما يلي:
«جانب الهيئة الاتهامية في جبل لبنان
لدى التدقيق وحيث تبيّن أن حضرة قاضي التحقيق في تاريخ 5\7\2023 قرر الاستعاضة عن توقيف المدعى عليه سنداً للمادة 111 أ. م. ج. وبالنظر إلى ما ورد في الملف ومعطيات التحقيق توجب إبقاء المدعى عليه قيد التوقيف وبالتالي إصدار مذكرة توقيف وجاهية بحقه. 
لذلك نستأنف القرار المذكور…»

ورد في قرار النائب العام الذي رفض الترك أنه «بالنظر إلى معطيات التحقيق نستأنف القرار»… علماً أن من أجرى التحقيق، كما أشرنا، هو قاضي التحقيق الذي قرر أن يترك المدعى عليه خلافاً لرأي النيابة العامة، لأنه هو من بنى قراره بناءً على معطيات الملف وليس النيابة العامة.
فالقرار برفض إخلاءات السبيل أو استرداد مذكرات التوقيف الغيابية أو الترك سنداً للمادة 111 قد لا تمر مطلقاً عبر النيابة العامة نتيجة التوجه العام لديهم.

للعدالة في النص القانوني

كم من متّهم أحيل بموجب جرائم تبيّن أن لا أدلة فيها وأنها مجرد افتراءات أو شبهة لم تصل إلى حد الإدانة بسبب غياب الدليل، فهل يصحّ أن تتعنّت النيابات العامة في هذا النهج الرافض لتطبيق المادة 111، رغم كل الأزمات التي يعانيها البلد على صعيد المؤسسات وعلى صعيد المجتمع بجميع شرائحه بما فيها عناصر قوى الأمن المولجين بتطبيق القانون. 
ألا تستدعي الأزمة الخانقة التي نمر بها بعض إجراءات الوقاية الاحترازية أو الوقائية لتخفيف الأعباء على القضاة والقوى الأمنية والمواطنين وإنهاء العديد من الملفات في المخافر، من دون إحالتها أمام القضاء وتكديسها هي وأصحابها فوق رفوف متهالكة لن تبقى صامدة طويلاً. 
من المفترض أن يتحلّى القضاة بأعلى درجات المسؤولية تجاه المجتمع وأفراده كافة، وأن تُقدّم قواعد العدل والإنصاف والإصلاح على النص القانوني، وألا يكون العقاب لأجل العقاب بل لأجل إعادة التأهيل. لأن اتخاذ قرار باحتجاز حرية إنسان من أصعب القرارات وأخطرها ولا يجوز الاستهانة باتخاذه في ظل واقع لا وجود فيه لسياسات تأهيلية وإصلاحية داخل السجون المكتظّة، وبات السجن محطة لتخريج مجرمين بجرائم أكبر (راجع صفحة 4، سجون لتطوير السلوك الإجرامي: فشل وظيفة العقوبة). 

شروط الرقابة القضائية

إلزام المدعى عليه بموجب أو أكثر من الموجبات التي يعتبرها ضرورية لإنفاذ المراقبة القضائية، منها:
أ- التزام الإقامة في مدينة أو بلدة أو قرية ومنع مبارحتها واتخاذ محل إقامة فيها.
ب- عدم التردد على محلات أو أماكن معيّنة.
ج- إيداع جواز السفر لدى قلم دائرة التحقيق وإعلام المديرية العامة للأمن العام بذلك.
د- التعهد بعدم تجاوز دائرة المراقبة وإثبات الوجود دورياً لدى مركز المراقبة.
هـ- عدم ممارسة بعض المهن التي يحظر عليه قاضي التحقيق ممارستها طوال مدة المراقبة.
و- الخضوع للفحوصات الطبية والمخبرية دورياً في خلال مدة يعيّنها قاضي التحقيق.
ز- تقديم كفالة ضامنة يعيّن مقدارها قاضي التحقيق.
لقاضي التحقيق أن يعدّل في موجبات الرقابة التي فرضها كلما رأى ذلك مناسباً.
إذا أخلّ المدعى عليه بأحد موجبات المراقبة المفروضة عليه فلقاضي التحقيق أن يقرر، بعد استطلاع رأي النيابة العامة، إصدار مذكرة توقيف في حقه ومصادرة الكفالة لمصلحة الخزينة.
(المادة 111، من القانون رقم 328/2001، «أصول المحاكمات الجزائية»). 

فداء عبد الفتاح

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




شجاعة أرّخت لتاريخنا الصاخب

لطلال سلمان (1938 ـــ 2023)، مواعيدُ كثيرة، ليس آخرها بالتأكيد موعد رحيله أمس، طاوياً صفحةً تأسيسية في الصحافة اللبنانية حُبلى بالآمال الوطنية والقومية والمهنية. أحد آباء الصحافة المكتوبة والمقروءة، ابن قرية شمسطار البقاعية، أرّخ عبر «مواعيده» لا بلده لبنان فحسب، بل أيضاً شرقاً أوسطَ مليئاً بالقضايا، والانتصارات، والهزائم المدوّية. في 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 1977، جاء مانشيت صحيفته الأبدية «السفير»: «الساقط عند المغتصب» رداً على زيارة الرئيس المصري أنور السادات لكيان الاحتلال الصهيوني. هذه الشجاعة المدهشة أرّخت لأيامٍ كثيرة تحمّلتها حياته وقلبه المتعب وجريدته الأثيرة، وكانت شاهدةً على منعطفات ومحطات سياسية وتاريخية مفصلية في لبنان والوطن العربي.

أتى الشاب البقاعي إلى بيروت، حاملاً أربعين ليرة لبنانية أعطاه إياها والده الدركي إبراهيم، قائلاً له بعدما أنهى دراسته الثانوية بتدبّر أمر تعليمه وسكنه الجامعي، فهذا «أقصى ما أستطيع إعطاءك إياه». سرعان ما سيندمج الفتى في عالم الصحافة والكتابة، ويدخل صحيفة «الشرق» التي كانت تصدر ظهراً للأحداث السياسية والتاريخية آنذاك، وتحديداً العدوان الثلاثي على مصر. أضحى الشاب «قومياً عربياً» من دون أن يدري، ومن دون انتماءٍ سوى لـ«حركة القوميين العرب» الذي كان من مؤسّسيها شأن: جورج حبش، وديع حداد، غسان كنفاني، حيدر العاملي وسواهم. أصبح «ناصر» قارئاً لسلمان عبر زاويته الأخيرة «شطحة» في مجلّة «الحوادث»، ثم التقاه في عام 1958، مع الصحافيين: سليم اللوزي، شفيق الحوت، وأحمد شومان، إذ استقبلوه في دمشق لتهنئته بالوحدة و«الجمهورية العربية المتحدة». ذلك اللقاء أفرز صورةً أثيرة لدى سلمان، زيّنت ـــ ولا تزال ـــ «قاعة إبراهيم عامر» في الطابق الرابع من مبنى «السفير».

الشمسطاري الذي عمل بدون أجر في ميدان التصحيح في صحيفة «الشرق» بداية، وصل في سن العشرين إلى سكريتاريا التحرير في «الحوادث» التي ترأّس تحريرها سليم اللوزي، وتعرّف إليه بطريقةٍ مدهشة: اعتقل اللوزي المعروف بتأييده لعبد الناصر من قبل نظام الرئيس كميل شمعون عام 1958 على إثر انتخابات أُسقط فيها: كمال جنبلاط، صائب سلام وعبد الله اليافي. كان والد طلال سلمان هو رئيس «مخفر مستشفى الكرنتينا» الذي نقل إليه اللوزي. تلك المعرفة سرعان ما ترجمت عبر دخول الشاب إلى عالم «الحوادث»، وبعدها بسنتَين انتقل من «الحوادث» إلى صحيفة «الأحد» مديراً للتحرير، وفي سنٍ يافعة، أصبح «نجماً» صحافياً عربياً. هذه «الضجة» حوله نبّهت إليه الأجهزة الأمنية، فاعتقل للمرة الأولى عام 1961، بتهمة إقامة صلات مع «جبهة التحرير الجزائرية» (وتحديداً مع أحمد الصغير جابر ممثلها آنذاك)، مع اتهامات بالتحضير لـ«انقلاب وثورة». بقيَ سلمان عشرين يوماً في الاعتقال، لكن ذلك كان أول الغيث، إذ سيتعرّض لأكثر من محاولة اغتيال، كان أكبرها وأشدّها تلك التي وقعت في 14 تموز (يوليو) 1984 أمام منزله، فأصيب في فكّه وأنحاءٍ مختلفة من جسده.

بعد الإفراج عنه، توجّه إلى الكويت التي كانت صحيفتها المعروفة «الرأي العام» قد قررت إنشاء مجلة شبه «عروبية» تحت مسمّى «دنيا العروبة». هذه التجربة، التي لم تدم إلا أشهراً، اعتبرها سلمان بمثابة «تجربة عظيمة» عرّفته على العمل «الإداري» الصحافي ومختلف مجالات الإنتاج المطبوع، مشيراً إلى أنّه «لم يتسنّ لي حصد ثمار تعبي، فاضطرّتني بعض الوشايات ذات الطابع السياسي الى مغادرة الكويت، بجواز سفر بدل من ضائع وتذكرة استدنت ثمنها من صديق، وعدت الى بيروت عاطلاً عن العمل». هذه العطالة لم تدم طويلاً. سرعان ما يمّم شطر تجارب ثقافية شديدة الأهمية آنذاك: مجلة «الصياد»، و«الحرية» مجلة «حركة القوميين العرب». «الصياد» مع ناشرها اللبناني السوري سعيد فريحة، أعطته الكثير من معرفته وعلاقاته واتصالاته، و«الحرية» التي ترأّس تحريرها محسن إبراهيم، ضمّت اثنين من أهم المثقّفين الفلسطينيين: الشهيدان غسان كنفاني ورسام الكاريكاتور ناجي العلي. هذا العالم العربي سرعان ما سيصبح بمثابة «الذخيرة» و«البوابة» التي سينفذ من خلالها مشروعه الأهم: «السفير» ذات النفَس القومي العروبي التي صدر عددها الأوّل في 26 آذار (مارس) 1974 تحت شعار «صوت الذين لا صوت لهم». آنذاك فُتِنَ بتصميم شعار الصحيفة الوليدة الذي صنعه الفنان المصري المعروف حلمي التوني على شكل حمامة ذات لون برتقالي. الحمام هو حامل الرسائل، والبرتقال يعني الشام وفلسطين، «كانت فرحتي كبيرة جداً لأنه رفع عن كاهلي همّ الواجهة الأساسية التي ستعبّر عن روح الجريدة».

يومها، صدر العدد الأوّل من الصحيفة متضمّناً لقاءً مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وكان لافتاً أن الصحيفة في عددها الثاني كانت عرضةً للإغلاق، بعدما رفعت جمعية المصارف في لبنان دعوى قضائية ضدّها، لتصل عدد الدعاوى المرفوعة إلى 16 في العام الأوّل فقط. لم تكن تلك المرّة الأولى التي جرت فيها محاولة إسكات الجريدة: في تشرين الثاني (نوفمبر) 1980، فُجّرت المطابع في المبنى الجديد للجريدة، وفي العام التالي جرت محاولة لنسف منزله بأربع قذائف موقوتة لم تنفجر، وألقيت عبواتٍ ناسفة مرتين عام 1984، فيما قُصفت الجريدة مع بداية عام 1985 بصاروخ موجّه. كل هذا لم يثنِ طلال سلمان عن قوله ما يريد، إذ يكفيه عنوانه الشهير «بيروت تحترق ولا ترفع الأعلام البيضاء» إبّان الاجتياح الصهيوني عام 1982.

حافظ سلمان على نفَسٍ عروبي شديد الأصالة، ولم يحد عن ذلك التوجّه، معتبراً أنّ العروبة لا تكون بالكلام فحسب، بل بفتح صفحات الجريدة، كما روحها، على أقلامٍ عروبية أمثال عبد الرحمن منيف، عصمت سيف الدولة، سعد الله ونوس، طارق البشري، رفعت السعيد، عبد الرحمن الخميس، كلوفيس مقصود، وغيرهم كثرٌ ممن طردتهم أنظمتهم واضطهدتهم واحتضنتهم «السفير»، مسهمةً بذلك في نهضة بيروت الثقافية والإعلامية والفكرية.

لطلال سلمان، كما حياته المنهكة، المضنية، والمليئة بالعناوين والتواقيت والتواريخ المدهشة، أثرٌ لا نهاية له، لأسبابٍ كثيرة، هو الذي قال عن الصحافة بأنّها «الأرض الصالحة التي توحّد الناس حول قضاياهم وهمومهم وأفكارهم وطموحاتهم المشتركة».

عبد الرحمن الجاسم

المصدر: صحيفة الأخبار




صفحة تطوى من تاريخ الصحافة اللبنانية: طلال سلمان «يغيب ولا ينطفئ»

مَن عايش مرحلة الاقتتال الداخلي في لبنان وحروب الآخرين على أرضه، وكلّ ما سبقها وتلاها من حقبة ما بعد «الطائف» وتحرير الجنوب للوطن والانتفاضات الفلسطينية، وصولاً إلى «الخريف» العربي وأفول أنظمة عربية مع دولها وبدايات الحرب على سوريا، لا يسعه إلا أن يذكر طلال سلمان (1938 – 2023) و«جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان» التي أصدرها طوال 42 عاماً. ورغم غياب «السفير» مع وداع الساعة الأخيرة من عام 2016 بعد محاولة احتجاب سابقة تأجّلت أشهراً، إلّا أنّ الراحل أكمل مسيرته «على الطريق» حتى انطفأ أمس تحت وطأة المرض.

لا تبدأ الحكاية في 26 آذار (مارس) 1974 يوم صدرت «السفير»، لكنّ هذه المحطّة المفصلية أعطت للعودة إلى البدايات نكهةً مغايرة، وربّما استعادت تأريخ المحطّات السابقة وترسيخ المحطّات اللاحقة؛ فنتخيّل فتى بعلبكيّاً ريفيّاً من شمسطار يحزم طموحاته وتطلّعاته وعروبته في حقيبة أحلامه، والدنيا زمن مدّ ناصري بعد نكبة 1948 وما استنسلته من قضايا، وزمن دوَل عربية استقلت وأخرى تناضل للاستقلال، وزمن العدوان الثلاثي على مصر، وزمن الانقسام كالعادة على محورَين متضادَّين وربّما أكثر، وزمن حلف بغداد لـ«صدّ المدّ الشيوعي»، وزمن الـ 1958 بوحدة مصرية – سورية وثورتَين عراقية ولبنانية ووصول قائد الجيش اللبناني العلماني المعتدل فؤاد شهاب إلى سدّة الرئاسة خلفاً للرئيس كميل شمعون المحسوب على حلف بغداد والغرب…

في زمن النضال وإعادة صياغة الشرق والحوادث العنقودية هذا، يقصد فتى ريفي مدينة كوسموبوليتية حبلى بإرهاصات القضايا، ويباشر إقامة طويلة في مهنة المتاعب يستهلّها في أواخر خمسينيات القرن الماضي، مصحّحاً في جريدة «النضال»، فمراسلاً صحافيّاً في جريدة «الشرق»، ثمّ محرّراً وسكرتيراً للتحرير في مجلّة «الحوادث» لصاحبها الصحافي الشهيد سليم اللوزي الذي اغتيل عام 1980، فمديراً للتحرير في مجلّة «الأحد» التي أسّسها نقيب الصحافة الشهيد رياض طه سنة 1950، محقّقاً قفزة صحافية مميّزة بملاحقها وتبويبها. وقد اغتيل طه في 23 تموز (يوليو) 1980 أيضاً، في السنة ذاتها التي تعرّضت فيها مطابع «السفير» للتفجير في 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 1980، قبل أن يتعرّض طلال سلمان، بسبب صلابة موقفه، لمحاولات لتفجير منزله «تُوّجت» في 14 تموز 1984 بمحاولة اغتياله أمام منزله في رأس بيروت، ما ترك ندوباً في وجهه وصدره، بالإضافة إلى ملاحقته من السلطات وسجنه مرّات عدّة بسبب آرائه ومواقفه الجريئة.

وضع الراحل الحجر الأساس في الإعلام العربي الحديث


في خريف 1962، غادر طلال سلمان لبنان إلى الكويت ليصدر مجلّة «دنيا العروبة» عن «دار الرأي العام» لصاحبها عبد العزيز المساعيد، إلا أنّ ذلك لم يدم أكثر من ستّة أشهر، عاد بعدها سلمان إلى بيروت ليعمل مديراً للتحرير في مجلّة «الصياد» لصاحبها سعيد فريحة، ومحرّراً في مجلّة «الحرية» الأسبوعية السياسية العربية التي كانت لسان حال حركة القوميّين العرب منذ 1959، وأصبحت بعد نكسة 1967 ناطقة باسم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» ثم باسم «الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين» و«منظّمة العمل الشيوعي اللبناني» على إثر انشقاق 1969 في صفوف القوميّين العرب. هذه المجلّة انضمّ إليها الصحافي غسان كنفاني سنة 1961، وهو من بين شهداء الصحافة الجريئة الذين سقطوا أيضاً في بيروت وضواحيها، وقد اغتيل في 8 تموز 1972.
سنة 1974، وقد بلغ الشاب البعلبكي السادسة والثلاثين، أينعت تجربته التي بدأت أواخر الخمسينيات مغامرةً جريئة ستمتدّ حتى نهاية سنة 2016. ففي 26 آذار (مارس) 1974، أصدر العدد الأوّل من «السفير» في بيروت، ليبدأ بذلك النصف الآخر من حياته المهنية كما تجربة صحافية حدّثت معالم المهنة ومقارباتها. أُطلقت «السفير» على أنّها «يومية سياسية مستقلّة»، وحملت شعار «جريدة لبنان في الوطن العربي وجريدة الوطن العربي في لبنان» كما شعار «صوت الذين لا صوت لهم»، وحاول سلمان إظهار استقلاليتها قدر الإمكان. طوال أكثر من أربعة عقود، شكّلت الجريدة مرجعية إعلامية في الشؤون العربية واللبنانية تحظى بالتقدير وبالتأثير في الرأي العام. تضمّنت صفحاتها الأخبار والتغطية الميدانية للأحداث في السياسة والاقتصاد والثقافة والمجتمع والرياضة والترفيه، بالإضافة إلى التحقيقات الميدانية والعلمية والبيئية.

أعطت «السفير» أهمّية للأحداث اللبنانية التي لم يتناولها الإعلام المهيمن، كما للقضية الفلسطينية، واشتهرت بنشرها كاريكاتورات «حنظلة» للرسّام الفلسطيني الكبير ناجي العلي. واستمرّت في حمل لواء شخصية «حنظلة» ومبدعها بعد استشهاد ناجي العلي، كما في حمل لواء قضية فلسطين وقضايا العرب في افتتاحيات سلمان كل اثنين وفي كل ثنية من ثنايا الصحيفة.

(أرشيف)
وكان لجيل الشباب إضاءة خاصّة، فحظي بملحق في الجريدة تحت اسم «شباب». الملحق الذي كان قوام فريق عمله شباباً جامعيّين، أعاد فتح النقاش حول قضايا منسيّة تتعلّق بالمهمّشين، منتجاً فورة في الأوساط السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كما دأبت «السفير» لفترة على نشر ملحق «كتاب في جريدة» مع أعدادها، كان عبارة عن كتاب أسبوعي مجّاني ضمن سعيها لنشر الثقافة بيَد الجميع إيماناً منها بحقّ وصول مختلف طبقات المجتمع إلى المعرفة.
أفاق اللبنانيّون والعرب على عام 2017 من دون «السفير» بعد معاناتها من مشاكل جمّة، واعتبر ناشرها أنّها «تغيب… ولا تنطفئ». بعد مسيرة «السفير» الحافلة، خصّص وقته لخوض تجربة جديدة مع موقعه الإلكتروني الخاصّ الذي حمل اسمه، فنشر مع عدد من الزملاء وأصدقاء «السفير» مقالات أسبوعية تحت شعار «على الطريق»، واستمرّ في كتابة المقالات التحليلية حتّى الرمق الأخير. ويستمرّ الموقع تأكيداً على أنّ طلال سلمان يغيب ولا ينطفئ.
هكذا، تُطوى إحدى الصفحات الأخيرة لحقبة لن تعود من الصحافة اللبنانية والعربية. مع ذلك، وضع الراحل الحجر الأساس في الإعلام العربي الحديث، وسيبقى تأثيره حاضراً في أوساط المهنة مباشرةً أو مداورةً، بما ينفي نسبيّاً ما ذهبت إليه الجريدة في مانشيتها الأخيرة قبل احتجابها: «الوطن بلا السفير»، وينفي اليوم نسبيّاً ما قد يتبادر من تنويع على المانشيت المذكورة بالقول إنّ «الوطن بلا صاحب السفير».

نزار نمر

المصدر: صحيفة الأخبار




قانون النقد والتسليف نحو التعديل: تفكيك صلاحية الحاكم وهيمنته المطلقة

بعد الشوائب التي كشفها تقرير التدقيق الجنائي في الأصول المحاسبية في مصرف لبنان، يعمل رئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي على إدخال بعض التعديلات على قانون النقد والتسليف الذي وضع عام 1964. فما الخلل التي كشفه التدقيق الجنائي؟ وما التعديلات المطروحة على القانون؟

رأس ميقاتي أمس اجتماعاً للجنة المكلّفة وضع اقتراحات لتعديل قانون النقد والتسليف في السرايا، وشارك فيه وزير العدل هنري خوري، وزير المالية يوسف الخليل، الوزيران السابقان ابراهيم نجار وشكيب قرطباوي، الدكتور نصري دياب والخبراء عبد الحفيظ منصور، حسن صالح وغسان عياش.

واعلن خوري بعد اللقاء: «بحثت اللجنة في اقتراح أفكار جديدة لتعديل قانون النقد والتسليف. الأمور الأساسية في القانون لا تُمسّ، ولكن هناك بعض النقاط يمكن ان تطرأ عليها تعديلات تجميلية فقط».

في السياق، كشفت مصادر مشاركة في اللقاء لـ»الجمهورية»، انّ الاجتماع في السرايا كان تحضيرياً، بحيث من المتوقع ان تنطلق هذه اللجنة بعملها جدّياً اعتباراً من الاثنين المقبل. ووصفت المصادر جو الاجتماع بالمسؤول والممتاز. اضافت: «لا يزال من المبكر التصريح عن التعديلات المطروح ادخالها على قانون النقد والتسليف، لكن يمكن القول انّ هناك اجماعاً داخل اللجنة ورضى للإقدام على مثل هذه الخطوة»، مطمئنة الى انّ اللجنة تعمل بضمير بما هو لصالح الشأن العام.

تعديلات القانون
في سياق متصل، اعتبرت مصادر متابعة لـ»الجمهورية»، انّ «التعديلات في قانون النقد والتسليف تنبع مما تكشّف، كيف انّ الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة استأثر بالسلطة وحده، بحيث انّه لم يكترث لا لمجلس مركزي ولا لغيره، معرّضاً النظام المالي اللبناني برمته للخطر. انطلاقاً من ذلك هناك حاجة لوضع ضوابط على عمل الحاكم».

ورداً على سؤال عن التخوّف من ان تؤدي الضوابط إلى شلّ عمل المجلس المركزي وضياعه بالمحاصصة والتجاذبات السياسية والطائفية، وفق ما يحصل في بقية المرافق العامة الأساسية في الشأن العام، تقول المصادر: «انّ هذا الواقع قائم للأسف راهناً، إذ في حال مانَع الشيعي يتوقف كل شيء وإذا «زعل» السنّي يُجمّد كل شيء… وهذا دليل على انّ التأثير السياسي على البنك المركزي كبير جداً». اضافت المصادر: «انّ كل القوى السياسية سلّمت أمرها للحاكم السابق رياض سلامة، ومتى ارادت ان تضع حداً لتصرفاته حالت الرغبات السياسية دون ذلك».

أما عن المقصود بإجراء تعديلات لقانون النقد والتسليف في ما يتعلق بالاصول المحاسبية قالت المصادر: «لا شك انّه حصلت «تخبيصات» كثيرة في حسابات البنك المركزي، حتى بات الحاكم يتصرّف بالمحاسبة وفق ما يراه مناسباً «ع ذوقه»، على سبيل المثال سجّل الخسائر على انّها موجودات، ثم حوّل الخسائر إلى ارباح نتيجة إصدار العملة، بحيث انّه اصدر عملة لتغطية الخسائر… وهو في النتيجة «ركّب دينة الجرّة كما يريد»، لذا نحن نرى بضرورة العمل على التشدّد في موضوع المحاسبة بشكل يحدّ من حرية التصرّف بهذا الشكل». وذكّرت المصادر انّ «الحاكم سلامة لطالما كان يقول انّ محاسبة البنوك المركزية تختلف عن محاسبة المصارف التجارية».

وتوقعت المصادر أن تعمل اللجنة المكلّفة وضع اقتراحات لتعديل قانون النقد والتسليف، والتي اجتمعت امس في السرايا على موضوع الحوكمة على مصرف لبنان، وان تضع مبادئ للمحاسبة الصحيحة، وان تعمل على تصحيح العلاقة بين حاكم مصرف لبنان والمؤسسات التالية غير السليمة، فعلى سبيل المثال هل يجوز ان تكون لجنة الرقابة على المصارف تابعة للحاكم نفسه؟ هل يُعقل ان يرأس الحاكم هيئة التحقيق الخاصة؟ كذلك هو يرأس الهيئة المصرفية العليا والمجلس المركزي لمصرف لبنان». وشبّهت المصادر موقع وصلاحيات الحاكم المركزي بأسطول كبير مكوّن من سفينة واحدة، متى انضربت هذه السفينة يغرق الاسطول بأكمله، انطلاقاً من ذلك يجب تفكيك هذه التركيبة التي كانت قائمة والتي اودت بالبلاد الى الكارثة.

ورأت المصادر، انّ «هناك بعض التعديلات التي لا يمكن التنازل عنها، أهمها استقلالية لجنة الرقابة على المصارف. فعلى سبيل المثال لو كان هذه اللجنة مستقلة كانت منعت تطبيق قرار المصرف المركزي بإلزام المصارف ان تضع 70% من موجوداتها لديه، ولما كنا وصلنا الى الأزمة التي نحن فيها اليوم».

إيفا أبي حيدر

المصدر: صحيفة الجمهورية




هل يحوم شبح «داعش» مجدداً حول لبنان؟

وسط الإنشغال الداخلي بملفات سياسية واقتصادية، تتكرّر الخروقات الأمنية المتنقلة التي لا تزال تحت السيطرة، ولكنها كانت كافية لتحريك بعض المخاوف والهواجس.

ما حصل في حي السلم داخل الضاحية الجنوبية لبيروت مساء الجمعة الماضي، أظهر انّ «تسرّب» التكفيريين إلى الداخل اللبناني لا يزال خطراً داهماً يستدعي التنبّه والحذر، وبالتالي عدم النوم على حرير تحرير الجرود من الجماعات الإرهابية في مثل هذه الأيام قبل سنوات قليلة.

وبناءً على هذه القاعدة، نفّذ الجهاز الأمني في «حزب الله» عملية دهم عاجلة لأحد الأبنية في حي السلم، بغية القبض على السوري وسام مازن دلا، الذي تبيّن انّه كان صاحب دور أساسي في عملية التفجير الإرهابي الذي استهدف منطقة السيدة زينب في دمشق خلال عاشوراء.

ولكن دلا بادر إلى القفز من الطبقة السابعة للمبنى، تفادياً لوقوعه في قبضة القوة المداهمة، ما أدّى إلى مقتله، فيما يجري التحقيق مع قريبيه السوريين اللذين كانا يأويانه.

وانتحار دلا أعطى مؤشرات إلى انّ الرجل ينطوي على خطورة أمنية من الدرجة الأولى، وانّه ربما كان يخطّط لتنفيذ هجوم ارهابي في الداخل اللبناني او انّه يملك معلومات مهمّة لا يريد الإفصاح عنها، ولو كلّفه ذلك الموت انتحاراً كما فعل.

هذا التحرّك الاستباقي لـ «حزب الله» على الأرض أتى بعد ايام من تنبيه الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، إلى أنّه «يبدو أنّ هناك قراراً أميركياً بعودة «داعش» إلى العمل في مختلف الساحات».

والأرجح انّ تولّي الحزب بنفسه عملية الدهم إنما يعود إلى خصوصية ملف التفحير في منطقة السيدة زينب وطبيعة التنسيق بينه وبين الجهات السورية المختصة، لجهة تقّفي أثر دلا ورصد تحركاته، علماً انّ «داتا» الاتصالات ساهمت في انكشاف أمره.

ويشير المطلعون إلى انّه يجري استجواب الشخصين السوريين اللذين كانا برفقة دلا لمعرفة ما الذي كان يضمره، وهل تسلّله إلى الضاحية هو فقط لغرض الاختباء لدى من استضافه في الشقة، ام يرتبط بوجود تخطيط لأمر إجرامي ما.

إزاء هذه الوقائع، هل من خلايا إرهابية نائمة في لبنان، يمكن أن تستيقظ مجدداً على وقع محاولة تنظيم «داعش» إعادة تنشيط عملياته في أكثر من مكان؟

مصادر أمنية واسعة الاطلاع تؤكّد لـ «الجمهورية»، انّ ملف التكفيريين تحت السيطرة ويخضع لمتابعة حثيثة لدى الأجهزة المختصة، «ولكن ذلك لا ينفي على نحو كلّي وقطعي احتمال ظهور ذئاب منفردة، قد يصعب ضبطها كلها بالكامل، كون كل منها يتصرّف شخصياً وبقرار ذاتي».
وتشدّد المصادر على أنّ بنية «داعش» و»النصرة» في لبنان قد فُكّكت بعد المواجهة العسكرية التي حصلت معهما، «انما يجب الأخذ في الحسبان انّ هناك أفرادا متناثرين لا يزالون يدينون بالولاء لهما، وهم قيد الملاحقة المستمرة لدى مخابرات الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى».

وتلفت المصادر إلى أنّ التغلغل الواسع للسوريين في الداخل بفعل النزوح، يفرض تحدّيات ميدانية مستمرة ويتطلّب اليقظة المتواصلة، مؤكّدة أن لا استرخاء او تهاون في الرصد والمراقبة.

وتكشف المصادر، انّ مخابرات الجيش أوقفت خلال الأشهر الماضية عدداً من «الدواعش» الذين سبق لهم أن شاركوا في قتال الجيش ثم تواروا عن الأنظار بعد انتهاء المعارك وتخفّوا بأشكال مختلفة.

وتوضح المصادر الأمنية انّ الموقوفين لم يكونوا في صدد تنفيذ أعمال إرهابية فورية، انما وُجدت على هواتفهم تسجيلات تثبت بقاءهم على ولائهم لـ»داعش» و»النصرة» واستمرارهم في تتبّع أنشطتهما وإصداراتهما.

وقد أوقفت مديرية المخابرات في الجيش منذ 19 / 5 / 2023 حتى تاريخه 22 شخصاً، من بينهم 11 سورياً و 6 لبنانيين وشخص فلسطيني – سوري، وجميعهم كانوا سابقاً ضالعين في تنظيمي «داعش» و»النصرة»، ومنهم من قاتل الجيش في عرسال.

وضمن الموقوفين توجد مجموعة هي الأهم، كونها لا تزال على تواصل مع بعض عناصر»داعش»، حيث تمّ توقيف أعضائها في الشمال، وتضمّ: الفلسطيني – السوري ع. خروب، والسوري ي. الجمال، واللبنانيين (س. ي) و (ع. ق)، وقد ضُبطت معهم بندقية وذخائر حربية.

وتشدّد المصادر على أن لا تساهل في ملاحقة كل من قاتل الجيش او من يستمر في التواصل مع التنظيمات الإرهابية، حتى لو لم يكن منخرطاً حالياً في أفعال جرمية، لافتة إلى انّ هناك تعاطياً جدّياً وحازماً مع هذه المسألة.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




هل أتت منصّة الغاز لتفاوض على الكرسي الرئاسي؟

تعدّدت التسويات الرئاسية منذ انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، لكنها لم تأتِ بنتيجة وسطية بالرغم من التعقيدات المالية والاقتصادية التي يمرّ فيها لبنان والمنطقة.

لماذا وصلت منصّة الغاز قبل موعدها؟
لم تأتِ منصة الغاز بالتوقيت المفترض في أيلول، فالحرب الاوكرانية دفعت الدول المتضرّرة في أوروبا إلى استعجال الحل انطلاقًا من عوامل عدة:

1- معركة الغاز ترتكز اليوم على مخزون اوروبا الحالي انطلاقًا من أزمة العام المنصرم.
2- فشل مشاريع اوروبا في البحث عن حلول بديلة، بالتزامن مع خسارة مصادر طاقة أساسية، بعد توسّع دور روسيا في إفريقيا وزعزعة أمن الطاقة العالمي.
3- انفتاح دول الخليج على روسيا بالتزامن مع تنامي دور إيران العسكري في مضيق هرمز.
انطلاقًا منه كان فتح ملف أمن الطاقة اوروبيًا منذ بداية العام 2023، والذهاب نحو الاستثمار المباشر وتحديدًا من الفرنسيين، هو الحل الأنجع على المستوى الاستراتيجي.
الفرنسيون أرسلوا المنصّة وينتظرون النتائج التي يعرفونها مسبقًا، والتي تضع لبنان بين دول المنطقة الأساسية على مستوى الثروة الغازية، بالتالي كانت الحاجة إلى الأسراع في التنقيب وكذلك الأمر سيكون في الاستخراج.

منصّة الغاز والكرسي الرئاسي
اليوم منصّة الغاز باتت أمامنا، ورئاسة الجمهورية تشكّل الثقل الاستراتيجي لاستكمال موقع لبنان في المعادلة الإقليمية، الأمر الذي دفع «التيار الوطني الحر» بالتوجّه نحو طرح ورقته للتفاهم مع «حزب الله»، من دون ان ننسى انّ ذلك التفاهم سيضعه في تفاهم مباشر مع دولة الرئيس نبيه بري وتحديدًا في ظل العناوين المطروحة وأبعادها على الشكل التالي:
1 – إقرار قانون اللامركزية الموسّعة بمختلف أبعادها الإدارية والمالية من دون التطرّق لأي شق سياسي يضعها ممرراً للفيدرالية.

2 – إقرار صندوق ائتماني قد يكون متشعباً وبحاجة لدراسة معمّقة في البرلمان تحديدًا في ظلّ الأزمة المالية.
3 – مشروع بناء الدولة الذي يمكننا القول بأنّه مشروع فضفاض ويجب الغوص في مضمونه، بحيث لا يمكن الخروج من إطار البرلمان المخوّل الوحيد في إقرار تفاصيله.
كل ما تمّ ذكره في الورقة بالإضافة الى ما لم يتمّ ذكره، سيصبّ في البرلمان، حيث اللعبة السياسية ستكون سيّدة الموقف، الامر الذي يُحتّم ان تكون كرسي الرئاسي ممراً اولياً إلى إقرار المشاريع في البرلمان، والتي لا يكون لها اي قيمة من دون نتائج ايجابية لمنصّة البلوك 9.

المنصّة والحوار في ايلول
دخلت منصّة التنقيب بثقلها إلى المشهد السياسي، فأتت بالتزامن مع الورقة الفرنسية وانتظار قدوم الموفد الفرنسي في ايلول، وحديثه المسبق عن الحوار.
في ظلّ وجود المنصّة سيكون الحوار أكثر سخونة، من جهة يتشبث البعض في رفض اسم سليمان فرنجية، فيما فرنجية هو مرشح طبيعي لرئاسة الجمهورية، ويملك اليوم كتلة صلبة بدأت معالمها تظهر بناءً للمؤشرات التالية:
1 – إشارات إيجابية في حوار «التيار الوطني الحر» مع «حزب الله» في ظلّ المراسلات المتبادلة.
2 – تلويح «الحزب التقدمي الاشتراكي» بالإيجابية في عدم التعطيل في حال نجاح حوار التيار مع الحزب.

3 – المنصّة الفرنسية وحاجتها للوصول إلى حلول تستند إلى المبادرة السابقة والتي دعمت ترشيح سليمان فرنجية.
اليوم باتت كرسي الرئاسة في مهبّ الغاز والمنصّة الفرنسية، وايلول المقبل سيكون مفصلياً في تحديد مصادر الغاز الجديدة في اوروبا، والتي ستحدّد جزءاً مهمّاً من مستقبل الصراع العالمي في المتوسط. فبعد البلوك 9 سيعود الحديث عن مختلف البلوكات تدريجيًا، ولكن قبل ذلك يجب حسم ملف الرئاسة في لبنان.

د. زكريا حمودان

المصدر: صحيفة الجمهورية




أزمة تحويل الليرات في ظل غياب الخطة الشاملة

د. زكريا حمودان

منذ انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، بدأنا نعيش مرحلة مالية أكثر واقعية وأقل شعبوية بحسب الأداء الذي يُظهره حاكم المصرف المركزي بالوكالة.
يتحصن وسيم منصوري بالقانون الذي يعرف جيدًا أنه إذا خرقه سيكون قد دخل في معركة قانونية تجرمه إلى حد المساس بأموال المودعين من جهة، وهدر المال بشكل غير مشروع وبغير وجه حق من جهة أخرى.

الحاكم بالوكالة وسيم منصوري يتعاطى بواقعية مع الأزمة، فهو مؤتمن على ما صرح به في خزينة المصرف المركزي، كما هو محاصر ببعض ما صدر في تقرير التدقيق الجنائي المالي بالرغم من عدم التدقيق في حسابات ما بعد العام ٢٠٢٠.

عائدات الدولة بالليرة

حتى يومنا هذا ما زلنا نعيش أزمة “ليلرة ودولرة”، وبين “الليلرة والدولرة” نعيش أزمة مفهوم تصريف الأعمال والقدرات التي يمكن الاعتماد عليها في مواجهة أزمات البلد في ظل وجود السلطة التنفيذية فقط بشكلها الحالي وغير القادرة على مواجهة التضخم المالي الكبير جدًا والمتزايد.

عائدات الدولة حاليًا أغلبها بالليرة اللبنانية والسبب الرئيسي يعود الى غياب الموارد المالية بالعملة الصعبة التي تساهم في تحريك عجلة الدولة،. أما سبب الأخيرة فهو بكل بساطة طبيعة الاقتصاد الاستهلاكي وغير المُصدِّر، مما يعني الغياب الكلي لعائدات مالية خارجية باستثناء بعض ما تجنيه وزارة الأشغال بعد الجهود الكبيرة التي قام بها الوزير علي حمية مؤخرًا.

بعض الاقتراحات حول دولرة الخزينة

دولرة الخزينة أو أزمة تحويل الليرات إلى دولارات هي فعليًا ما تعيشه الحكومة اللبنانية اليوم. وإذا ما أردنا تقييِم واقعنا المالي فهو على الشكل التالي:

١- وضع خطة تثبيت جديدة لسعر الصرف وذلك بالتعاون مع حاكم المصرف المركزي بالوكالة ودوره في ضبط الاسواق من جهة، وقدرته على تحرير الليرة لترتاح حيث هي قيمتها الحقيقية.

٢- اهم عائد مالي يدخل الى لبنان من العملة الصعبة هو عبر شركات تحويل الاموال التي قد يكون وضع صيغة ثلاثية بينها وبين المصرف المركزي والحكومة امرًا في غاية الاهمية بهدف تحويل الليرات الى دولارات.

٣- تعزيز التصدير والذي يحتاج الى خطط متنوعة ومتداخلة بين الاقتصادية والمالية والسياسية.

٤- تأمين وديعة أجنبية ترتكز على قدرات الدولة من ثروات متنوعة تساهم في سحب قسم كبير من الليرات مما يساعد على تسهيل عملية تحرير الليرة.

٥- اطلاق مؤتمر دولي مالي لدعم استثمار المشاريع الواعدة في الداخل اللبناني كالكهرباء والسكك الحديدية والطرقات والاتصالات وغيرها.

٦- وضع خطة شاملة لسحب دولارات من السوق اللبنانية لصالح الخزينة دون المرور باللاعبين الذين شاركوا رياض سلامة في شفط الدولارات مما أدى إلى اضعاف الليرة مقابل الدولار والوصول الى ما وصلنا اليه اليوم.

أزمتنا اليوم بسيطة جدًا، فهي شبيهة بالسهل الممتنع، مجرد تحويل الليرات الى دولارات نعتبر أنفسنا حللنا نصف الأزمة، لكن كيف نحول هذه الليرات؟

تبدأ عملية تحويل الليرات عندما نضع خطة متكاملة بين الحكومة من جهة والمصرف المركزي من جهة أخرى، الأمر الذي يحقق المكاسب المشتركة للفريقين بالقانون والنظام الحقيقي ودون المس بأموال المودعين في نهاية المطاف.

المصدر: موقع العهد




خبراء: قطاع النفط والغاز في لبنان ينتظر انفراجة قريبة.. وهذه أبرز التحديات

توقّع خبراء أن يشهد قطاع النفط والغاز في لبنان انطلاقة كبرى بعد وصول منصة الحفر “ترانس أوشن” التي استأجرتها شركة توتال إنرجي إلى المياه الإقليمية اللبنانية متجهة نحو المربع 9 في 15 أغسطس/آب الجاري لبدء التنقيب.

وقد سبق هذه الخطوة إنهاء السلطات اللبنانية كل الإجراءات والتراخيص اللازمة لبدء عمليات الاستكشاف بالتعاون مع شركة توتال إنرجي، وفق ما طالعته منصة الطاقة المتخصصة.

وأعلنت السلطات في الدولة العربية الواقعة في آسيا أنها تتوقع ظهور نتائج التنقيب عن النفط والغاز في لبنان قبل نهاية العام الجاري (2023).

وتأتي هذه الانفراجة لقطاع النفط والغاز في لبنان نتيجة لفوز تحالف توتال إنرجي وإيني ونوفاتيك الروسية في جولة التراخيص الأولى عام (2017)، للتنقيب في المربعين 4 و9.

إلا أن شركة نوفاتيك قد انسحبت في سبتمبر/أيلول (2022)، فى أعقاب الحرب الروسية الأوكرانية، تاركةً حصتها للحكومة اللبنانية إلى أن حلت محلها قطر للطاقة.

تحضيرات إدارية ولوجستية

قالت مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية لوري هابتايان، إن وصول منصة الحفر “ترانس أوشن” للتنقيب عن النفط والغاز في لبنان في المربع 9، كانت خطوة متوقعة منذ إعلان شركة توتال خطة عملها في مطلع العام الجاري (2023)، بعد الاحتفال بتوقيع الاتفاق الجديد لدخول قطر للطاقة في تحالف الشركات الذي يضم توتال وإيني وخروج نوفاتيك الروسية.

وأضافت هابتايان -خلال تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أن هذه الخطوة قد سبقتها تحضيرات إدارية ولوجستية قامت بها شركة توتال بالتعاون مع الحكومة اللبنانية.

وتابعت أن شركة قد أعلنت -في بيان لها- بدء عمليات الحفر بنهاية شهر أغسطس/آب الجاري، موضحة أن مدة التنقيب عن النفط والغاز في لبنان ستتراوح بين 60 و70 يومًا، وربما تصل إلى 3 أشهر على أقصى تقدير في المربع 9 الواقع في جنوب لبنان.

مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوري هايتيان
مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لوري هايتيان

السيناريوهات المتوقعة

أفادت لوري هابتايان بأن هناك 3 سيناريوهات لمستقبل عمليات الحفر؛ السيناريو الأول يتوقع أن تكون البئر جافة، ولا يسفر الحفر عن أي اكتشافات نفطية كما حدث في المربع 4، مؤكدة أن هذا أمر طبيعي في عمليات التنقيب.

أما السيناريو الثاني؛ فقد أوضحت هابتايان أنه يتمثل في استخراج كميات من الغاز، ولكن ليس بأحجام كبيرة، ومن ثم لا يتم تطوير البئر أو إنتاج الغاز.

ولفتت هابتايان إلى أن السيناريو الأخير يتمثل في وجود النفط والغاز في لبنان، وتحديدًا في المربع 9 بكميات قابلة للتطوير، لافته إلى أن اللبنانيين -خاصة المسؤولين- يتطلعون إلى أن يُسفر الحفر عن نتائج إيجابية، وهو ما سيظهر بنهاية العام الجاري.

وأوضحت أنه إذا ما كان الاكتشاف قابلًا للتطوير والإنتاج، سيكون داخل المنطقة اللبنانية الخالصة، ومن ثَم سيُطبق الاتفاق الموقّع بين الحكومة اللبنانية والشركات الـ3 توتال وقطر للطاقة وإيني.

كما يتضمن اتفاق التنقيب عن النفط والغاز في لبنان خطة العمل التي تشتمل على المدة الزمنية التي يتطلبها إنشاء البنى التحتية للنقل إلى الأسواق الداخلية والخارجية.

استثمار سياسي

أبرزت مديرة معهد حوكمة الموارد الطبيعية أنه إذا كان الاستكشاف في المنطقة المتداخلة بين لبنان وإسرائيل؛ فلا بد من تطبيق اتفاقية ترسيم الحدود التي تحتم على شركة توتال المُشغل الأساسي -في البداية- أن توقّع على اتفاق مالي مع إسرائيل حول حصتها.

وأشارت هابتايان إلى أن الأنظار متجهة -الآن- إلى الحفارة ونتائج التنقيب عن النفط والغاز في لبنان، لافتةً إلى أن هذه النتائج ستحدد إذا ما كان بالإمكان الاستفادة من هذا الاستكشاف.

وأكدت أن عودة شركة توتال إلى لبنان تُعد خطوة إيجابية وإن كانت قد حدثت بعد ضغط سياسي من أميركا وفرنسا في إطار صفقة ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل.

ولفتت إلى أن اللبنانيين ربما لن يتمكنوا من تحقيق الاستفادة القصوى من استكشافات النفط والغاز في ظل الطبقة السياسية الموجودة -حاليًا- في لبنان، وما يشوبها من محاصصة وفساد واستغلال للنفوذ.

وأضافت: “نخشى ألا يستطيع اللبنانيون الاستفادة من هذا القطاع، وأن تكون فرصة ضائعة جديدة مثلما حدث مع عدد من القطاعات في لبنان، والذي ترتب عليه أن يصبح لبنان بلدًا مُفلسًا لا يستطيع جذب أي استثمارات”.

وسلطت هابتايان الضوء على أن استثمار توتال في المربع 9 يُعد استثمارًا سياسيًا أكثر منه اقتناعًا بجدوى العمل في لبنان في ظل الانهيار الكامل للمؤسسات والفراغ السياسي.

رأت لوري هابتايان أن نتائج الحفر -بعد 3 أشهر- ستحدد مستقبل قطاع النفط والغاز في لبنان، إذا ما كان مشرقًا أو قاتمًا.

انتظار نتائج الحفر

من جانبها، أشارت الرئيسة التنفيذية لشركة كريستول إنرجي الدكتورة كارول نخلة، إلى أن لبنان لم يتوصل إلى أي اكتشافات نفطية حتى الآن؛ ما يجعل الخطر الجيولوجي أعلى مقارنةً بجيرانه الذين سبقوه في اكتشافات الغاز.

النفط والغاز في لبنان
الرئيسة التنفيذية لشركة كريستول إنرجي الدكتورة كارول نخلة

وأوضحت كارول نخلة -خلال تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أنه إذا عُثِر على الغاز، وخاصة إذا كان الاكتشاف تجاريًا؛ فإن جاذبية لبنان لرأس المال الدولي ستتحسن.

وتوقعت أن يؤدي التوصل إلى اكتشافات في قطاع النفط والغاز في لبنان، إلى عدد من الفوائد الملموسة؛ أبرزها تطوير السوق المحلية، إذ لا وجود للغاز حاليًا، ويعتمد لبنان على واردات المشتقات النفطية لتوليد الكهرباء؛ ما ينتج عنه عبء اقتصادي وبيئي كبير، بالإضافة إلى أن اكتشاف الغاز في لبنان يمكن أن يؤدي إلى توليد الإيرادات التصديرية والضريبية.

غياب البنية التحتية

قالت الرئيسة التنفيذية لشركة كريستول إنرجي إنه من المبكر جدًا الاحتفال بوجود اكتشافات نفطية في لبنان؛ لأن العملية -من الناحية الفنية- تستغرق عدة أعوام حتى ينتقل الاكتشاف إلى مرحلة الإنتاج، خاصةً في غياب البنية التحتية، مشيرة إلى أن حقل ظهر في مصر استثناء وليس القاعدة.

وأضافت أن سجلات المؤسسات اللبنانية وأداءها في مؤشرات الحكم والفساد غير مُشجعة، بجانب مخاطر سوء إدارة القطاع وتبديد ثروته المحتملة لزيادة إثراء طبقته السياسية.

تابعت: “بسذاجة، يعتقد الكثيرون أن الحل يكمن في صندوق الثروة السيادية، لكن هذا الصندوق لا يحل محل الإدارة المالية الجيدة التي تفتقر إليها البلاد”.

بالإضافة إلى ذلك؛ فإن لبنان هو أحد البلدان القليلة في العالم الذي يسارع إلى إنشاء مثل هذا الصندوق قبل أي اكتشاف، وفقًا لنخلة.

واستطردت نخلة أنه على الرغم من تعرض لبنان لأكبر 3 انهيارات اقتصادية في العالم منذ خمسينيات القرن الـ19؛ فإن البلاد لم تُجرِ أي إصلاحات هيكلية.

عوائق لوجستية

رأى المدير التنفيذي لجمعية استدامة البترول والطاقة في لبنان مروان عبدالله، أنه لا يمكن توقع نتائج سريعة من وصول الحفار “ترانس أوشن” إلى المربع 9 من الجنوب اللبناني.

وأشار إلى أن نتائج التنقيب عن النفط والغاز في لبنان لن تؤتي ثمارها قبل 6 سنوات، إذا لم تتعرض لأي عقبات أو عوائق سياسية أو لوجستية حتى بدء إنتاج أول برميل نفط أو كمية غاز مُستخرجة.

النفط والغاز في لبنان
المدير التنفيذي لجمعية استدامة البترول والطاقة في لبنان مروان عبدالله

وأوضح مروان عبدالله -خلال تصريحات خاصة إلى منصة الطاقة المتخصصة- أنه لا يمكن بناء أي مكتسبات آنية على هذا الموقف، ولكنه يُعد خطوة طال انتظارها منذ 10 أعوام، ووجهت عقبات وظروف سياسية مُعرقلة.

وأشار عبدالله إلى أن الساحة اللبنانية -اليوم- تشهد معطيات جديدة مثل ترسيم الحدود، والحاجة الأوروبية والعالمية لمصادر جديدة من الغاز، لافتًا إلى أن هذه الأسباب قد سارعت بالخطوات في لبنان، ووضعتها على الطريق الصحيح لإنتاج النفط والغاز.

وقال عبدالله إن هناك تفاؤلًا شديدًا من قبل شركات النفط والغاز في لبنان؛ نظرًا إلى الاكتشافات التي وجدت في المياه الإسرائيلية المحازية للبنان، كما أن الأرقام والمسوحات تؤكد وجود بوادر جيدة ولكن هذا لن يتأكد إلا بعد الحفر لمعرفة الكميات والأحجام الموجودة في البئر.

وتوقع عبدالله أن تستغرق أعمال الحفر في البئر الاستكشافية مدة تمتد إلى 70 يومًا، تليها مدة تتراوح بين 3 و6 أشهر تقيّم خلالها الشركات جودة وأنواع خامات النفط والغاز المُستخرجين، ثم تصدر تقريرها وعلى أساسه توضع خطة مشتركة بين الحكومة اللبنانية والشركات المُشغلة، لتطوير الحقل وإنتاج النفط وعمل مسار لبدء سنوات الإنتاج.

داليا الهمشري

المصدر: منصة الطاقة




أدلّة تقرير التدقيق الجنائي: بداية الحساب؟

«يحتوي التقرير على أدلة تمهّد الطريق لملاحقات قضائية أمام المحاكم المختصّة، واقتراحات لتدابير يفترض اتخاذها لمنع تكرار الجرائم المالية للمصرف المركزي في المستقبل»، ربما كان هذا رجاء غالبية من سمع بتقرير التدقيق الجنائي لحسابات مصرف لبنان، الذي تأخر إصداره تسعة أشهر عن الموعد المحدّد مسبقاً (2022) من قبل شركة (A&M). ليصبح مادة للتداول الواسع بعد نشره وتعميمه مطلع الأسبوع المنصرم. فهل يتحقق فعلاً هذا الرجاء؟

قدّمت شركة «ألفاريز أند مارسال» (Alvarez & Marsal) تقريرها -الذي سمّته تقريراً مبدئيّاً- باعتباره التقرير الذي سيقطع الشكّ باليقين حول مصير الودائع والأموال المنهوبة. إلا أنه لم يكن بحجم التوقّعات. فاللبنانيون الذين ينوؤون تحت وطأة أكبر أزمة اقتصادية مرّت عليهم، كانوا يظنّون أن التّدقيق الجنائي سيشكّل الحجر الأساسي للمحاسبة (راجع «القوس»، 11 آذار 2023، «تقنيات التدقيق الجنائي»)

قد يكون هذا الأمر صحيحاً في كثير من البلدان، إلّا في لبنان، إذ إن أي تدقيق جنائي في أي إدارة عامة سيُظهر تجاوزات قانونية لرأسها، وتحكّمه بالإدارة أو المؤسّسة كيفما يشاء، يشتري ويتبرّع ويقدّم الهدايا ويعقد الصفقات من مال اللبنانيين، وكأن الملك العام ملك خاص له.

أبرز الملاحظات حول التقرير
1. تقرير التدقيق الجنائي «الأوّلي»، هكذا عنونت الشركة التقرير، وليس معلوماً السّبب الذي جعله تقريراً أوليّاً لا نهائياً.
2. لم يتضمّن التقرير تدقيقاً في التّحويلات المالية التي جرت بين عامَي 2019 و2020 رغم أنه يفترض أن تكون مشمولة بفترة التدقيق الجنائي المطلوب.
3. كرر التقرير بيانات سبق أن أعلنها مصرف لبنان، ولم يظهر أي جديد بشأنها.
4. نقص في المعلومات ومنها البيانات المطلوبة حول التحويلات، والتي قال التقرير إنه يقتضي إحضارها ولم يقم بذلك.
5. تضمّن تحليل الهندسات المالية بنداً حول حسابات الحاكم السابق رياض سلامة، في حين أن حساباته الشخصية وحسابات كبار الموظفين التنفيذيين في المصرف يجب أن تكون موضع تدقيق في فصل خاص.
6. تحليل النفقات التشغيلية للمصرف، رغم أهميتها، ليست هي بيت القصيد. فالمشكلة لا تكمن فقط في هدر 50 مليون دولار، أو في شركة يقتضي إدارتها بجدية لتربح، إنما تتعلق بسياسة مالية ونقدية من قبل مصرف لبنان أضاعت ما يزيد على 73 مليار دولار، وهذا ما يفترض الإجابة عنه.

7. أظهر التقرير غياب التعاون الكامل من مصرف لبنان رغم صدور قانون برفع السرية المصرفية لغايات هذا التدقيق.
8. طلبت الشركة مقابلة 47 موظفاً من المصرف فطلب الأخير خفض العدد إلى 9 فقط.
9. لم يسمح للشركة بالاجتماع مع الموظفين واقتصرت المقابلات على المراسلة الكتابية. إذ أرسلت الشركة أسئلة مكتوبة إلى 14 موظفاً في 31 تشرين الأول 2022 وتلقّت ردوداً مكتوبة منهم في 13 شباط 2023 (بعد أربعة أشهر).
10. أزيل جزء من بيانات التحويلات المالية قبل تسليمها للشركة بحجة قانون السرّية المصرفية، وقد حدّ هذا من قدرتها على تحديد المستفيد النهائي من التحويلات الماليّة، مع أن التقرير يورد أن الشركة أُبلغت من وزارة المالية بأن القانون علّق السرّية المصرفية ما يسمح لها بالولوج إلى البيانات.

11. زوّد مصرف لبنان الشركة بعدد من البيانات من دون جداول، أي على شاكلة نصوص غير منسّقة unformatted رغم أنها أرقام، ما استدعى إنشاء قاعدة بيانات لها من جديد.
12. نقل مصرف لبنان الكلفة إلى الخزينة العامة بهدف تجنّب تسجيل الخسائر والاعتراف بها.

13. نُقل بيان الوضع الموجز لمصرف لبنان الذي ينشره المصرف وجمع محتوياته من دون أي تعديل من الشركة.

الاحتياطات الأجنبية
في الفترة الممتدة بين 2015 و2020 تدنّت موجودات مصرف لبنان من العملات الأجنبية، وانتقل مصرف لبنان من فائض في العملات الأجنبية قدره 10.7 تريليون ليرة لبنانية (7.2 مليار دولار أميركي) إلى عجز في العملات الأجنبية قدره 76.4 تريليون ليرة لبنانية (50.7 مليار دولار أميركي).

حسابات رياض سلامة
أظهرت تحليلات الشركة للحسابات المملوكة من رياض سلامة بأنها تلقّت أرصدة الاعتمادات إلى حد كبير في شكل إيداع شيكات مصرفيّة، صافية من تحويلات العملات الأجنبية إلى 23 تحويلاً بين الحسابات، بقيمة 98.8 مليون دولار أميركي، خلال فترة المراجعة التي تبلغ 6 سنوات بمتوسط 16.5 مليون دولار أميركي سنوياً.

جرى تتبع 75 مليون دولار أميركي من خلال سجلات جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك (SWIFT) إلى 23 بنكاً في سويسرا، وألمانيا، ولوكسمبورغ، والمملكة المتحدة، ولبنان، والولايات المتحدة وفرنسا. تحتاج الشركة إلى مزيد من التحقيقات لتأكيد مصدر هذه الشيكات وتحديد المستفيدين النهائيين من التحويلات الخارجية.

اتفاقات «تلبيس طرابيش»
من الاتفاقات التي تتضمّن بيعاً وشراء للسندات الحكومية مع حفظ حق العمولة للعميل، ورد ما يلي:
1. تشتري شركة Societe Financiere Du Liban SAL سندات الخزينة بالقيمة الاسمية 228.000.000.000 ليرة لبنانية (151.243.781 دولار أميركي).
2. يشتري مصرف لبنان سندات الخزينة من Societe Financiere Du Liban SAL بالقيمة الاسمية.

3. يبيع مصرف لبنان 55.619.170.000 ليرة لبنانية (36.894.972 دولار أميركي) من سندات الخزينة إلى Optimum Invest SAL بالقيمة الاسمية.
4. أعاد مصرف لبنان على الفور شراء نفس سندات الخزينة من Optimum Invest SAL مع علاوة قدرها 18.743.660.290 ليرة لبنانية (12.433.605 دولار أميركي).
5. يُحوّل القسط الإضافي وقدره 18.743.660.290 ليرة لبنانية (12.433.605 دولار أميركي) (المدين) من حساب مقاصة العمليات المالية (RTGS) والاعتماد على حساب الاستشارات، وزيادة الرصيد الدائن في الحساب.


55 ألف دولار لتبديل «جاكوار» الحاكم
قدّمت شركة Saad & Trad SAL، وفق التقرير، عرض أسعار لـ«جاكوار XJ 2016»، بسعر إجمالي قدره 105,000 دولار أميركي، ويشمل حسم قيمة سيارة «جاكوار 2012» بقيمة 50 ألف دولار ليدفع المصرف المركزي 55 ألف دولار مقابل تبديل سيارة الحاكم القديمة بواحدة أحدث. ويفيد التقرير أن المصرف اشترى سيارة «جاكوار Jaguar XE 2017» ثانية لم يتّضح سبب الحاجة اليها.

333 مليون دولار لشركة «فوري»
أرسلت مدفوعات يبلغ مجموعها 333 مليون دولار أميركي بين نيسان 2002 وآذار 2015 من أحد حسابات مصرف لبنان ورقمه: IBAN LB02099900000001001260632009 لحساب HSBC (سويسرا) (SA – HSBC) الذي يحمل اسم «فوري» (Forry Associates Ltd)، الشركة التي أُفيد بأنها مملوكة لشقيق الحاكم رجا سلامة، وهي مسجلة في جزر فيرجن البريطانية (BVI).
سُدّدت المدفوعات بموجب اتفاق 6 نيسان 2002 بين مصرف لبنان وشركة «فوري»، فقامت الأخيرة بدور «وكيل طرح منتجات مصرف لبنان»، وحصلت على عمولة عبارة عن 3/8 من 1% من قيمة المعاملات في سندات «اليوروبوند» اللبنانية، وعدد من العمليات التي يجريها المصرف المركزي الذي يفيد بأن ذلك جرى بموافقة المجلس المركزي في 26 كانون الأول 2001.

صادق علوية

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




تاريخ طرابلس يمرّ في «خان الخيّاطين»

يعكس سوق طرابلس القديم الوجه الحقيقي لـ «أم الفقير» بكل تفاصيلها. فهو نواة المدينة والمكان الذي تعتاش منه وتقطنه أسر طرابلسية كثيرة. يعكس السوق بأزقته ودهاليزه حقبات ازدهار وانحسار طرابلس. فكل من حكمها في مختلف الحقبات، كان لا بد له من أن يضع بصمته المعمارية فيها للدلالة على أنّه «مرّ من هنا».
على الرغم من ملازمة الخياطة لطرابلس منذ القدم، إلّا أنّ إنشاء خان مخصص لهذه الحرفة يظهر الاهتمام الكبير بها. تاريخياً، لا وثيقة تحدّد تاريخ بناء «خان الخياطين» وهوية مؤسّسه، وفق ما يؤكّد المؤرّخ عمر تدمري في كتابه «تاريخ طرابلس الحضاري والسياسي». لكن الروايات المتداولة ترجّح أنّ يكون قد شيّد سنة 1341 على يد الأمير بدر الدين في العهد المملوكي. وتفيد بأنّ المماليك كانوا يسعون إلى تحويل الخياطة من موهبة إلى مهنة وتجارة، وخصوصاً بعد عثورهم على أكثر من 4 آلاف نول حياكة باقية من عهد الصليبيين. عمدوا إلى إيجاد مكان مناسب ليمارس الخياطون مهنتهم باحتراف، في إطار سعيهم إلى الحفاظ على حرفة الخياطة التي تشتهر بها طرابلس. هكذا، وُلد «خان الخيّاطين» الذي يشكّل شارعاً كاملاً من منطقة باب الحديد (تبلغ مساحته حوالى 1200 متر مربّع)، ويتكوّن أعلاه من سلسلة متناسقة من القناطر التي تجمع جهتيه اليمنى واليسرى، يفصل بينهما ممرّ عريض، وهو من طبقتين. كما أنّه يتميّز بأنّه مقفل ومسقوف. علماً أنّ الخانات قديماً كانت تُعرف باحتوائها على نزل للمسافرين في الطبقة العلوية تمكّنهم من الاستراحة من أعباء السفر، في الوقت الذي كانت فيه الطبقة السفلية تعجّ بالأسواق.

ازدهر «خان الخيّاطين» في العهد العثماني، وخصوصاً في القرن التاسع عشر، حيث كان عامل جذب للزبائن القادمين عبر البحر من المدن الأوروبية، فأصبح منصة لتصدير الأقمشة القادمة من حمص وحماه وحلب، كما استخدم لتصنيع الحرير الذي أضحت تجارته تشكل جزءاً كبيراً من اقتصاد متصرفية جبل لبنان. أصبح المزارعون القرويون في جبل لبنان يقصدونه بعد استخراج الحرير ليخيطونه حسب الطلب أو بالأشكال التي تعبّر عن أزياء المنطقة في مختلف الحقبات، تمهيداً لبيعه لاحقاً في أسواق الخان.

في تلك الفترة، كان الخان الذي عُرف أيضاً باسم «خان الحرير»، يعدّ من أهم نقاط خط التجارة العالمية، نظراً إلى جودة بضائعه والطلب الكبير على الحرير الجبلي اللبناني ومنتجاته، فضلاً عن قربه من البحر. فكان من الطبيعي أن يكون محصّناً يصعب الدخول إليه، وأن تكون المنتجات غالية الثمن في مكان بعيد عن متناول الزوّار.

أرخى تغيّر طرق صناعة الألبسة بظلاله على الخان، إذ احتلت الألبسة الجاهزة أسواقه في وقت لاحق، بسبب سهولة صنعها وانخفاض كلفتها. ومع سنين الحرب اللبنانية، تحوّل «خان الخيّاطين»، في ظلّ الإهمال الكبير، من نقطة حيوية ومهمّة إلى مجرّد جزء بسيط من سوق طرابلس القديم، يختصّ اليوم ببيع الأزياء الفولكلورية المتمثّلة في الطربوش، العباءة الرجالية، القفطان الرجالي، الشروال، القنباز والثوب النسائي المطّرز. ولا يقتصر شراء هذه القطع على السيّاح فقط، بل تسعى الفرق الفنية إلى شرائها.

لقطة حديثة بعدسة جمال ساعاتي
مع تبدّل وظيفة الخان من تجاري إلى سياحي ينشط بشكل خجول في المواسم، بات أكثر انفتاحاً على الزوّار تزامناً مع سهولة عرض البضائع بطريقة جذّابة، وخصوصاً مع عملية الترميم التي خضع لها عام 1992 بتمويل ألماني وطالتها انتقادات واسعة. ناهيك بأنّها استغرقت وقتاً طويلاً، جاءت نتيجتها غير منسجمة مع السياق التاريخي والثقافي للمكان، وأسهمت في ترسيخ الطابع التجاري ــ السياحي فقط.
اليوم، أضحى «خان الخيّاطين»، ككلّ خانات السوق القديم، كنزاً لا يمكن للمارّين فيه تصوّر أهميّته التاريخية والمراحل البارزة التي شهد عليها. إذ أصبح أشبه بأي من أقسام سوق طرابلس، أو أي سوق حديث كـ «الأحد» أو «صبرا». أما المساحات التي كانت غرف إقامة للمسافرين، فأمست مستودعات يستأجرها سكان المدينة والتجّار.
«خان الخيّاطين» صورة مصغّرة عن حجم الإهمال الممنهج الذي يطال «الفيحاء» وأبناءها، منذ قيام الجمهورية اللبنانية. لكن قد يكون لذلك جانب إيجابي يتمثّل في حماية المدينة من الانسلاخ عن هويتها، ومنع استبدال معالمها التراثية بموقف سيّارات ربّما أو مركز تجاري كبير أشبه بمدينة أشباح على الطريقة البيروتية.

هشام كشلي

المصدر: صحيفة الأخبار