1

تنعدم الإستثمارات مع انعدام الإصلاحات

منذ العام 2011 بدأت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في لبنان أو ما يسمّى FDI Foreign Direct Investment تسجل انخفاضاً من ذروة بلغتها عند حوالى 5 مليارات دولار في 2010 وصولاً الى 2.63 مليار دولار في العام 2017، وفق أرقام مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «UNCTAD»، ثم الى 2,88 مليار في 2018، و2,2 مليار في 2019، و1,3 في 2020، علماً ان استثمارات العام 2020 نتجت عن نقل أرصدة من حسابات (غير مقيمة) في مصارف لبنان Non Resident Accounts لشراء عقارات بسبب الازمة المصرفية والمالية التي اندلعت في 2019، أي انها انتقلت من وديعة داخل لبنان الى عقار داخل لبنان.

وبالتالي، منذ العام 2021 ولغاية اليوم، فان الاستثمارات الاجنبية في لبنان ضحلة جداً بعد ان بلغت 605 ملايين دولار في العام 2021 وصولاً الى 458 مليون دولار في 2022.

جملة أسئلة تطرح نفسها


وسط حالة الانهيار المالي والاقتصادي والنقدي والاجتماعي الحالية في لبنان من دون أفق او خطة قيد التطبيق للاصلاح والخروج من الازمة المستفحلة، ما هي التوقعات بالنسبة للاستثمارات المستقبلية في بلد تغيب عنه دولة القانون وتنعدم فيه الثقة بالقضاء الذي أصبح مرتهناً للطبقة الحاكمة، ولا مجال للمساءلة والمحاسبة فيه، ولا رئيس لجمهوريته ولا سلطة تنفيذية وتشريعية فعالة او صالحة لاقرار وتنفيذ الاصلاحات الجذرية وفق الاتفاق مع صندوق النقد الدولي؟ علماً ان الاتفاق مع الصندوق حدد برنامج إنقاذ للسنوات القادمة وكان كفيلا» باستعادة ثقة المجتمع الدولي والمستثمرين الاجانب بالبلاد، لو تم البدء بتطبيق شروطه او اجراءاته المسبقة على الاقلّ!

وما هي التوقعات للاستثمارات الجديدة في لبنان في ظلّ عدم وجود قطاع مصرفي فعال وعدم البدء حتّى باعادة هيكلة هذا القطاع، وسط تهرّب واضح من كيفية معالجة الازمة المصرفية وسدّ الفجوة المالية في النظام المصرفي وإمعان في تذويب أموال المودعين. وكيف يمكن ان يستعيد لبنان ثقة الدول المانحة او المستثمرين الاجانب بعد تخلّفه عن سداد ديونه الخارجية وعدم الاتفاق بعد على خطة واضحة مع حملة سندات اليوروبوندز؟

عوامل الجذب شبه غائبة

ان عوامل جذب الاستثمارات الى لبنان صارت شبه غائبة تماماً، وهي المتمثلة أساساً بالحماية القانونية والضمانات من المخاطر التي يمكن ان يتعرض لها المستثمر في البلد المضيف من اضطرابات سياسية، ومخاطر الحروب، واعمال تمييزية بحقه، ومن تأميم، وقيود مفروضة على التحويلات، او تحامل القضاء ضده.

ومن أبرز العوامل الجاذبة التي يفتقر لها لبنان أيضاً: الاستقرار السياسي والامني والمالي والاقتصادي، الحد من البيروقراطية، مكافحة الفساد، وقف إساءة استخدام السلطة الموكلة لتحقيق مكاسب شخصية، تعزيز الشفافية والحوكمة والمساءلة والنزاهة على جميع المستويات وفى جميع القطاعات، التحول الرقمي الحكومي، الحوكمة وتعزيز الشفافية، بالاضافة الى تأهيل البنية التحتية وقوة الاقتصاد ونموه وتنوعه، واتساع حجم السوق مع استقرار وتحسن وتيرة النمو الاقتصادي، استقرار معدلات التضخم وبقاؤها عند مستويات منخفضة، وكذلك استقرار أسعار الصرف.

شارل عربيد

لا استقرار ولا ثقة

في هذا الاطار، رأى رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي شارل عربيد ان العامل الاساسي للاستثمار هو الثقة والاستقرار. وعلى الرغم من وجود فرص استثمارية، فان الاستقرار مفقود في لبنان ومصداقية البلاد country credibility «ليست في أحسن احوالها».

واشار عربيد الى اهمية القطاع المصرفي والقضاء والاصلاحات الجذرية المطلوبة لمكافحة الفساد كعوامل اساسية ايضاً لجذب الاستثمارات، مؤكداً لـ»نداء الوطن» انه عندما تغيب تلك العوامل مجتمعة، لا تعود فرص الاستثمار عامل جذب، علماً ان الدول ذات المخاطر الكبرى يكون مردود الاستثمار فيها كبيراً hish risk ) high return ) «إلا انه للاسف، أصبحت مخاطر لبنان كبيرة ومردود الاستثمار فيه ضئيل».

الكلفة التشغيلية مرتفعة
بالاضافة الى ذلك، لفت الى ان الكلفة التشغيلية المرتفعة في لبنان والبنية التحتية المتردية لا تشجعان على الاستثمار، فالقطاع الخاص على سبيل المثال ينتج طاقته الخاصة على حسابه، «وبالتالي لم يعد لبنان جاذباً للمستثمر اللبناني ولا للمستثمر الاجنبي».

الفرص والوقت
في المقابل، يعول عربيد على فرص تحقيق الاستقرار السياسي او وضوح الرؤية المستقبلية السياسية بناء على التفاهمات المحلية والاقليمية، وعلى امكانية استكشاف الغاز الذي يشكل عاملاً اقتصادياً جديداً في المعاجلة الاقتصادية للبلاد، ما من شأنه ان يحيي فرص اعادة الاهتمام بالاستثمار في لبنان او ان يفتح مجدداً شهية الاستثمار فيه.

وحذر عربيد من عامل الوقت الذي يداهمنا ومن فرص الاستثمار التي تخسرها البلاد نتيجة تلكؤ السلطة الحاكمة في تطبيق الاصلاحات، خصوصا في ظلّ المنافسة الكبيرة من قبل الدول المجاورة والتي تقدم حوافز وتسهيلات وتؤمن بيئة حاضنة للاستثمار اكثر بكثير من لبنان.

مازن سويد

الإتفاق مع صندوق النقد


بدوره، اعتبر رئيس مجلس إدارة مدير عام المؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان «إيدال» مازن سويد ان العائق الاساسي امام جذب الاستثمارات الخارجية هو عدم وضوح الرؤية الماكرو اقتصادية وعدم بتّ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في مقابل تصريح الطبقة الحاكمة التزامها به. مشيراً لـ»نداء الوطن» الى ان الاعلان عن عدم نيّتهم السير بالاتفاق مع الصندوق، سيكون أفضل من حالة المراوغة الحالية، كما ان طرح خطة بديلة والبدء بتطبيقها أفضل من الالتزام ببرنامج الصندوق غير القابل للتطبيق سياسيا.

لا وضوح مالي ونقدي

وسأل سويد: أي مستثمر سيقصد لبنان في ظلّ عدم وضوح السياسة الضريبية والسياسة النقدية؟ أي مستثمر سيخاطر بامواله في غياب سياسة لحركة رؤوس الاموال capital repatriation؟

وأكد ان عدم الوضوح في السياسات الثلاث المذكورة يبرر الحجم الخجول جدّاً في الاستثمارات الأجنبية. إلا انه رغم ذلك «استطعنا جذب حوالى 300 مليون دولار من الاستثمارات (عبر ايدال) خلال العامين الماضيين في قطاعات حيوية مثل صناعة الادوية والصناعات الغذائية، معظمهم مستثمرون لبنانيون مقيمون في الخارج استفادوا من فرصة تراجع القدرة الشرائية لمعظم اللبنانيين لتعزيز الصناعة المحلية كبديل عن الاستيراد. مشدداً في هذا السياق، على انه لو توفر الوضوح بالرؤية الاقتصادية الشاملة، لكان حجم تلك الاستثمارات بلغ 3 مليارات دولار بدل 300 مليون!

سدّ الفجوة

واكد سويد ردّاً على سؤال، ان سدّ الفجوة المالية لا يشكل عائقاً طالما ان المستثمر على دراية بنوعية الضرائب التي ستُفرض لتسديد تلك الفجوة. مقترحاً تصفير الفجوة المالية وتحرير سعر الصرف وجباية ايرادات الدولة من ضرائب ورسوم على اساس سعر الصرف المحرر وليس اسعار صرف وهمية، مما يؤمن ايرادات كافية لتمويل عجز الدولة، في موازاة خصخصة خدمات الدولة الاساسية مثل الكهرباء والاتصالات وغيرها، أي تلزيم ادارتها وتشغيلها للقطاع الخاص بشكل شفاف.

كما لفت سويد الى ان عدم وجود قطاع مصرفي فعال يشكل ايضاً عائقاً اساسياً، «لان المستثمرين لا يعوّلون على رأسمالهم فقط من اجل الاستثمار بل بحاجة الى حوافز مالية اضافية، علماً ان وظيفة القطاع المصرفي الاساسية هي تحويل الودائع الى استثمارات».

وفيما رأى ان الاستثمارات لن تصل الى الانعدام بشكل كامل بسبب وجود بعض المستثمرين المؤمنين بلبنان ومستعدين للاستثمار فيه، إلا ان ذلك لا يشكل الا نسبة من حجم الامكانات المتوفرة في حال وجود الاستقرار، كما ان حجم تلك الاستثمارات (300 مليون دولار) لا يشكل شيئاً مقابل قيمة عجز الميزان التجاري البالغة حوالى 9 مليارات دولار!

ايلي رزق

قطاع الغاز

من جهته، شدد رئيس هيئة تنمية العلاقات الاقتصادية اللبنانية الخليجية إيلي رزق على ان الثقة هي العامل الاساس لجذب الاستثمارات مجدداً الى لبنان، لافتا الى وجود العديد من القطاعات التي يبدي المستثمر الخليجي اهتماماً بها، اهمّها اليوم قطاع النفط والغاز الذي أبدى القطريون اهتمامهم به في البلوك 9، «علماً ان البلوكات الاخرى قادرة ايضا على جذب شركات خليجية ذات خبرة كبيرة في الاستثمار بالقطاع النفطي ومشتقاته، بالاضافة الى قطاع الطاقة المتجددة والكهرباء والمواصلات والنقل…»

لا ثقة بالإدارة السياسية

ولكنّ رزق أكد لـ»نداء الوطن» ان الاهتمام الخليجي بالاستثمار في لبنان يعبأ أوّلا وأخيرا بفقدان الثقة بالادارة السياسية للبلاد، مشيراً الى ان الدول الخليجية فقدت ثقتها بكافة الاحزاب والقوى السياسية بعدما تبيّن لها انها تجيد فقط الكلام بالسياسات ولا تملك خبرة بوضعها وتطبيقها لتعيد نهضة البلاد على المستوى الحكومي، «علماً ان القطاع الخاص استطاع النهوض والصمود وحافظ على الثقة به، ولكنه بحاجة الى الاستقرار الامني والسياسي كي يتمكن من جذب الاستثمارات وعقد الشراكات».

إتفاق الصندوق

واشار رزق الى ان اهمية الاتفاق مع صندوق النقد الدولي تكمن في امكانيته ضبط الفساد والهدر وحماية صناديق الاستثمار واموال الدولة بعدما فقد المجتمع الدولي ثقته بالقوى السياسية الحاكمة التي نهبت وسرقت ثروات واملاك الدولة والودائع المصرفية. معتبراً ان الاتفاق مع الصندوق قد يكون عاملاً لاستعادة الثقة إلا ان الاساس يبقى في تغيير شامل للقوى السياسية الحاكمة وتعيين رجال دولة وليس رجال سلطة، يستعيدون هيبة المؤسسات وقدراتها ويحررونها من هيمنة الاحزاب والميليشيات عليها.

إفتتاح 3 فنادق عالمية

وفي الختام، اكد رزق ان الاستثمارات الخليجية معدومة باستثناء الاستثمار القطري المتجه نحو قطاع الغاز، كاشفاً عن احياء استثمارات في قطاع الفنادق يملكها خليجيون (قطريون وسعوديون) والتي يعاد ترميمها حالياً و سيعاد افتتاحها مع بداية العام 2024 (3 فنادق 5 نجوم عالمية) بعدما اظهر القطاع الخاص خصوصاً السياحي في لبنان ازدهاره ونموه وتأقلمه مع الازمات.

رنى سعرتي

المصرد: صحيفة نداء الوطن – الملحق الاقتصادي




مشروع موازنة 2024: ثوابت قليلة ومتغيّرات كثيرة

*عجز 13.8% من غير المعروف كيفية سداده طالما لا إقراض بالليرة والدولار من مصرف لبنان

*رسوم وضرائب بالدولار قد ترفع الطلب على العملة الخضراء وتنسف ما يخطّط له البنك المركزي

*حالات عدم اليقين دفعت إلى وضع ثلث النفقات في إحتياطي الموازنة للصرف منه حسب المتغيّرات

*تأجيل النفقات الإستثمارية إلى سنوات لاحقة ما يعني أن أوضاع البنية التحتية مستمرّة بالتدهور

أعدّت وزارة المالية مشروع موازنة 2024 ورفعته الى مجلس الوزراء. يأتي المشروع في وقت مبكر على غير العادة. وهذا إيجابيّ قياساً بكثير من السنوات السابقة التي كانت تتأخر الموازنات ولا تقرّ إلا بعد قرب انتهاء السنة المالية. إستندت أرقام المشروع الجديد الى موازنة 2021 من حيث المقارنة. ما يعني أن الوزارة تعترف بأن موازنتي 2022 و2023 ليستا صحيحتين على الإطلاق للبناء عليهما من سنة الى أخرى. لكن ما الذي يدعو للاعتقاد أن مشروع 2024 هو أقرب للدقّة والتحقق؟ الجواب لا شيء تقريباً!

فالمشكلة الأساس تبقى في حالة عدم اليقين بشأن سعر الصرف. فإذا كان سعر صرف الدولار مستقرّاً منذ آذار الماضي، فلا شيء يؤكّد استقراره في الفترة المقبلة، خصوصاً أن البنك المركزي سيعتمد منصة بلومبيرغ في الشهرين المقبلين بناء على العرض والطلب الحقيقيين مع هامش ضئيل للتدخّل من قبل مصرف لبنان. ومن إشارات عدم اليقين في مشروع الموازنة الجديد وضع ثلث أرقام الإنفاق في احتياطي الموازنة بحيث يتمّ الصرف منه وفقاً لتطوّرات حاجة القطاعات والإدارات وأبواب الإنفاق المختلفة. وللسنة الرابعة على التوالي لا تلحظ الموازنة اعتمادات إنفاق استثماري وتؤجل ذلك للعام 2025 ولاحقاً.

ولحظت الموازنة نفقات مقدّرة بنحو 300.5 ترليون ليرة مقابل نفقات بنحو 258.7 ترليون ليرة ونسبة العجز 13.8%. فالوزارة لم تستطع تغيير المسار المنحدر منذ التسعينات والذي هو في أساس الأزمة في لبنان: عجز في الموازنة يفرض الاقتراض. لكن من أين الاقتراض إذا كان الحاكم الجديد للبنك المركزي (بالإنابة) يؤكد أنه لن يقرض الحكومة لا بالليرة ولا بالدولار، ولن يلجأ لطبع العملة الوطنية حتى لا يتأثر سعر الصرف. كما أن جديد الموازنة هو الاتجاه الى جباية رسوم وضرائب بالدولار. فهل سيزيد الطلب على العملة الخضراء لسداد تلك الضرائب والرسوم؟ وما مصير سعر الصرف في هذه الحالة؟ وهذا أيضاً متغيّر كبير لا يمكن الاستهانة به بحيث إنه قد ينسف الكثير من أرقام الإيرادات الواردة في الموازنة. ولحظ المشروع أيضاً رفع الضريبة على القيمة المضافة من 11% الى 12%، ورسوماً مقابل خدمة جمع النفايات الصّلبة ومعالجتها ويشمل ذلك مخيّمات اللاجئين النازحين وهي بالدولار إنما تُستوفى بالليرة، ورسم استهلاك للحفاظ على البيئة وهو عبارة عن رسم جمركي يشمل جميع السّلع المستوردة بين 1 و 4 بالألف (ما يزيد عن الـ1500 سلعة مستوردة) ولم يعرف كيف ستنفق حصيلة هذا الرسم على وجه التحديد بيئياً، واستيفاء عدد من الرسوم بالدولار ويشمل ذلك الرسوم الجمركية ورسم الاستهلاك الداخلي عند الاستيراد ورسوم كهرباء لبنان.

وجاء في تقرير أعدّته «الدولية للمعلومات»: أن إيرادات مشروع الموازنة مرتبطة بافتراض إقرار مشروع موازنة العام 2023 التي لم تقرّ من مجلس النواب بعد، وأضاف التقرير أن مشروع قانون الموازنة العامة للعام 2024 يتألف من 64 مادة موزّعة على أربعة فصول وأورد التقرير توضيحاً للمواد التي تضمّنها هذا المشروع وفق الملاحظات التالية:

أولاً: في النفقات عامة:

إن النفقات المقدّرة تضاعفت 7.35 مرات مقارنة بموازنة العام 2022 في المجموع العام. أما على صعيد الوزارات، فيتبيّن أن احتياطي الموازنة نال النّسبة الكبرى من الاعتمادات وهو أمر مستغرب وللمرة الأولى تصل نسبة هذا الاعتماد الى 33.7% من مجمل النفقات، وتكون في هذه الحالة نفقة غير محدّدة يتوقّف إنفاقها على نقل اعتماد منه.

تتوزّع النفقات بين الإدارات والوزارات حيث يظهر أنه تم تخفيض موازنة وزارة المالية عن مشروع العام 2023 من 45 ألف مليار الى 4.7 آلاف مليار، وكأن النفقات التشغيلية والرواتب ومعاشات التقاعد قد اختفت ما يظهر أنه تمّ نقل هذه النفقات الى احتياطي الموازنة.

نالت وزارة الدّفاع النسبة الكبرى من الاعتمادات حيث بلغت نسبة 13% من مجمل الموازنة تليها وزارة الصحة بنسبة 10.4%.

أما على صعيد تصنيف النّفقات، فقد بلغت النفقات التشغيلية حوالي 285 ألف مليار والتي تمثل النفقات العادية في حين أن نفقات الجزء الثاني من الموازنة بلغت فقط 15.5 ألف مليار وهي نفقات التجهيز والاستثمارات.

ثانياً: في الإيرادات:

أما على صعيد الإيرادات، فيبدو أن الحكومة افترضت أن مشروع موازنة 2023 مصدق وأوردت إيراداتها المرتقبة في الإيرادات المقدّرة في مشروع موازنة 2024، كما أوردت ضرائب ورسوماً جديدة فيها وفق ما يلي:

– قدّرت وزارة المال أنها ستحقّق إيرادات بمبلغ يوازي 16 ضعف ما تمّت جبايته في العام 2021 كرقم إجمالي، واعتبرت أن الضريبة على القيمة المضافة ستحقّق 90 ألف مليار أي 30 ضعف ما تمّت جبايته في العام 2021 حيث إنها لم تورد أرقام الجباية المحصّلة فعلياً في العام 2022 ولا العام 2023.

– لم تورد من أرباح إدارة حصر التبغ والتنباك سوى 1.3 ضعف عن الإيرادات التي حققتها عام 2021 رغم أنها أوردت أنها ستحقّق 27.7 ضعفاً إضافية عن رسوم التبغ والتنباك مقارنة بالإيرادات عن عام 2021. أما الجمارك فقد قدّرت المالية أنها ستحقّق 27.7 ضعف ما حققته سنة 2021.

ثالثاً: أحكام متفرّقة:

– أخضعت المادة 18 الحفلات الفنية والموسيقيّة أو الترفيهيّة للضريبة على القيمة المضافة ولو كانت حفلات عارضة.

– استحداث رسم بدل خدمات سريعة وطارئة لدى الإدارات العامة يستوفى من الراغبين في إنجاز معاملاتهم بسرعة ويوزّع حاصل الرسوم وفق الآتي:

%50 لموظفي المديرية المعنية

%5 لموظفي الهيئات الرقابية

%10 لموظفي الإدارات التي لا تقدّم خدمات

%15 لصندوق تعاضد موظفي الإدارات العامة

%20 للخزينة العامة

– الإجازة للمكلفين بتسديد الضرائب من حساباتهم المصرفية بالعملة الأجنبية (القديمة قبل 10/2019) عبر احتساب قيمتها على أساس 40% من سعر الدولار الأميركي على منصة صيرفة.

– استيفاء الضريبة من الرواتب المدفوعة بالعملة الأجنبية حيث يتم تحويل الراتب الى الليرة على أساس 40% من سعر الصرف على منصة صيرفة ثم يتم تحويل الضريبة المحتسبة الى العملة الأجنبية التي دفعت على أساس سعر صرف منصة صيرفة.

– رفع رسوم قانون براءات الاختراع وقانون حماية الملكية الأدبية والفنية ورسوم الملكية التجارية والصناعية كذلك ومنها ما وصل الى 25 ضعف الرسم السابق.

– رفع رسوم إجازات الاستيراد والتصدير وإعادة التصدير المنصوص عنها في الجدول رقم 9 الملحق بالقانون 280/1993 لتصبح الرسوم 5 ملايين بعد أن كانت 75 ألف ليرة.

– رفع الرسوم القضائية المتعلّقة بالسجل التجاري بشكل لافت حيث وصل رسم تسجيل التاجر مثلاً الى 100 مليون بعد أن كان يبلغ 2000 ليرة.

– إنشاء رسم جديد للحصول على ترخيص لاستثمار مؤسسة سياحية والحصول على إفادة تأكيد استمرارية الاستثمار بين 5 و25 مليوناً.

– زيادة الرسوم المقطوعة في قانون الرسوم والعلاوات البلدية الى 40 ضعفاً.

– استحداث رسوم بقيمة ما بين 300 و500 ألف في المديرية العامة للتعليم العالي واستحداث رسوم إضافية لجميع الإفادات.

– تعديل آلية احتساب الرسوم والغرامات المتوجّبة على مؤسسات التعليم العالي على أساس سعر صرف 1507 وضربها بسعر الصرف حسب المنصة الرسمية.

– إقرار رسوم على المعاملات التي يجريها القضاة الشرعيون لدعم صندوق تعاضد القضاة الشرعيين والمذهبيين.

– تعديل الرسوم التي تستوفيها وزارة العمل لا سيّما الموافقات المسبقة وإجازات العمل والمحاضر.

– فرض رسم على خدمة جمع النفايات الصلبة ومعالجتها ويكون رسماً شهرياً يتراوح بين حد أدنى وحد أقصى حسب نوع الوحدة السكنية أو الصناعية أو غيره ويشمل مخيّمات النازحين واللاجئين.

– رفع قيمة طابع المختار من 5 آلاف الى 50 ألفاً لدعم الصندوق التعاوني للمختارين وتشديد العقوبة على المختار الذي يمتنع عن إلصاق الطابع.

– ألغت المادة 62 من المشروع التصديق الحكمي المنصوص عنه في النظام العام للمؤسسات العامة لجهة التصديق الحكمي للقرارات التي تتّخذها المؤسسات العامة، وعبر اشتراط موافقة مجلس الوزراء.

– حظرت المادة 63 على المؤسسات العامة تغطية فروقات الاستشفاء ببوالص استشفاء لمستخدميها المستفيدين من تقديمات الضمان الاجتماعي.

ماذا عقارياً؟

إبقاء استمرار التخمين العقاري طالما لم تتعدّل الظروف والسماح للبلديات بإعادة النظر بالقيمة التأجيرية بعد مرور 3 سنوات على تخمينها عبر تعديل المادة 8 من القانون 60/1988 (الرسوم والعلاوات البلدية) (م.45 من المشروع)

– رفع القيمة التأجيرية للعقارات المعتمدة نسبة للزيادة الطارئة على الحد الأدنى الرسمي للاجور عبر إعادة العمل بالمادة 10 من القانون 60/1988 حيث إنه في كل مرة يزاد فيها الحد الأدنى الرسمي للأجور، ترفع القيم التأجيرية المعتمدة لفرض الرسم بمعدل نصف نسبة الزيادة الطارئة على ذلك الحد الأدنى. مع العلم أنه سبق أن أوقف العمل بالمادة العاشرة بموجب المادة الثانية من القانون 336 تاريخ 24/05/1994.

– تعديل الحد الأدنى لمعدلات الرسم على القيمة التأجيرية بحيث يبقى المعدل:

%5 للأماكن المستعملة للسكن.

%7 للأماكن المستعملة لغير السكن.

– على أن لا يقل مقدار الرسم السنوي المفروض في كل تكليف عن مليون بعد أن كان /25000/ل ل. في الأماكن المستعملة للسكن وعن مليونين بعد أن كان /50000/ل.ل في الأماكن المستعملة لغير السكن.

– رفع قيمة الغرامة على مالك العقار الذي يمتنع عن إعلام البلدية خطياً باشغال البناء سواء شغله بنفسه أو أجّره من الغير وبكل ما يطرأ على هذا الإشغال من تعديل في وجهة الاستعمال وتبديل في الشاغلين وذلك لغاية 31 كانون الأول من السنة التي جرى فيها الإشغال أو حصل فيها التعديل أو التبديل. (كانت 500 ليرة أصبحت ضعف الرسوم المتوجبة على القيمة التأجيرية من كل سنة).

– تعديل رسم الترخيص المقطوع من (10000) عشرة آلاف ليرة لبنانية الى مليون ليرة وهو يتوجّب عن كل ترميم أو تصليح لا تنتج عنه إقامة هيكل حديد (جدران حاملة وسقوفية او أعمدة وجسور سقوفية وعلى إقامة التصاوين)

– اعتبار رسم الأرصفة والمجاري سارياً على المالك بغضّ النظر عن إشغاله للعقار ولو لم يكن العقار مشغول فعلياً.

– رفع الرسم الذي تستوفيه البلدية من (2000 ل.ل.) الى 500 ألف في كل من الحالات الآتية:

1 – إعطاء بيان لمسطح تخطيط عن كل عقار.

2 – إعطاء بيان عن مستويات (شقلات) عن كل عقار.

3 – إعطاء بيان عن المجاري والمناطق الارتفاقية او أحدهما عن كل عقار.

4 – لقاء التدقيق في كل طلب إفراز.

5 – سائر الإفادات والبيانات ذات الطابع الفني.

المصدر: المعهد اللبناني لدراسة السوق




الوصول إلى الحقيقة لا يحتمل التبسيط

يمكن أن تختلف كلفة التحقيق الجنائي العلمي بشكل كبير اعتمادًا على الظروف المحددة والموارد المطلوبة للقضية. تشمل العوامل التي يمكن أن تؤثر على الكلفة طبيعة القضية وتعقيدها، وعدد الضباط والخبراء المشاركين، ومدة التحقيق والحاجة إلى معدّات أو خدمات متخصصة. بشكل عام، يمكن أن تتراوح كلفة التحقيق العلمي بين بضعة آلاف إلى مئات الآلاف من الدولارات، أو أكثر. لكن يبقى التدريب المستمر في المباحث العلمية ضروري للحفاظ على الكفاءة الفنّية للمحققين، بسبب دورها الأساسي في تقليص تكلفة التحقيق، عبر تزويدهم بالمعرفة والمهارات اللازمة للتعامل مع الأدلة بشكل صحيح وتحليلها وتفسيرها، وضمان استخدامهم للأدوات والتقنيات، والحفاظ على الدقة والموثوقية في عملهم وتجنّب التحيّزات أو تضارب المصالح

تحديد أتعاب التحقيق 

يُنظر عادةً في عوامل عدة لتحديد كلفة التحقيق الجنائي العلمي، منها:

–  الوحدات أو الخبرات المتخصصة:  قد تتطلب بعض التحقيقات وحدات أو خبرات متخصصة، مثل الأطباء الشرعيين، أو خبراء مسرح الجريمة، أو المتخصصين في العلم الجنائي الرقمي، أو غيرهم من الفنّيين. تعتمد التكلفة على عدد الخبراء الذين يُستعان بهم، ومستوى خبرتهم، ومدة مشاركتهم.
– المعدّات والتكنولوجيا المتخصصة: مثل أدوات الطب الشرعي والتحقيق العلمي، ومصادر الإضاءة الجنائية، ومعدّات جمع الأدلة، ومواد رفع البصمات، وغيرها. في بعض الأحيان، يكون هناك حاجة أيضًا إلى تكنولوجيا متقدمة أو أدوات تحليل البيانات. وتعتمد التكلفة على مدى توفّر المعدّات المحددة والموارد اللازمة، للجهاز المولج بالتحقيق، والحاجة إلى شرائها أو صيانتها.

– تحليل المختبر:  اعتمادًا على الأدلة التي جُمعت، قد يلزم إجراء تحليلات معيّنة في المختبر الجنائي يمكن أن تشمل تحليل الحمض النووي، وتحليل السموم، والاختبارات البالستية، وتحليل ومقارنة البصمات. تعتمد التكلفة على الاختبارات المحددة المطلوبة، وعدد العيّنات، وصعوبة التحليل.
– التنقّل: زيارة مسرح الجريمة أو إجراء مقابلات في مواقع مختلفة أو التعاون مع أجهزة أمنية أخرى.
– النفقات العامة والإدارية المختلفة: مثل حفظ السجلات، والتوثيق، والاتصالات، والطباعة والتدريب وغيرها.
– المدة والتعقيد: قد تتطلب التحقيقات الطويلة أو التي تنطوي على ظروف معقدة أو وجود عدة مشتبه فيهم أو أدلة مكثفة المزيد من الموارد وبالتالي تكلفة أعلى.

أنواع التحقيقات الجنائية

بعض الأنواع الشائعة من المعدّات المستخدمة في التحقيقات الجنائية لجرائم القتل:
1. أدوات تحقيق مسرح الجريمة: تُستخدم لتسجيل وجمع الأدلة في مسرح الجريمة، وقد تشمل:
– الكاميرات ومعدّات التصوير الفوتوغرافي لالتقاط صور مفصّلة لمسرح الجريمة والأدلة.
– أدوات قياس وتوثيق مسرح الجريمة، مثل أشرطة القياس والمساطر لتسجيل أبعاد وتخطيط مسرح الجريمة.
– مصادر الإضاءة الجنائية، مثل الأضواء فوق البنفسجية (UV)، لتحديد وتوثيق سوائل الجسم، وبصمات الأصابع، أو أي أدلة أثرية أخرى قد لا تكون مرئية في ظروف الإضاءة العادية.
– مجموعات جمع الأدلة، بما في ذلك الماسحات، وأكياس الأدلة، والحاويات، لجمع وحفظ أنواع مختلفة من الأدلة مثل عيّنات الحمض النووي، والألياف، أو مخلّفات إطلاق النار.
– معدّات لفحص علامات الأدوات، لتحليل العلامات والآثار التي تُركت على الأسطح أو الأشياء.
– أدوات رفع البصمات: مساحيق بصمات الأصابع، والفُرَش، والرافعات اللاصقة لجمع وحفظ بصمات الأصابع.
– أدوات تحليل أنماط بقع الدم، مثل مادة اللومينول (Luminol)، لتصوير وتسجيل أنماط بقع الدم في مسرح الجريمة.
– أدوات التحليل البالستي: مؤشرات ليزر لتحليل مسارات المقذوفات.
– مواد الصبّ (casting) لإنشاء قوالب لآثار الأقدام والإطارات وغيرها من العلامات.
– أدوات علم الحشرات الجنائي: أدوات لجمع الحشرات وقوارير لجمع وتحليل الأدلة الحشرية لتحديد وقت الوفاة أو الفاصل الزمني بعد الوفاة.

2. تجهيزات المختبر الجنائي:
– مجهر لفحص الأدلة الدقيقة بالتفصيل، مثل الشعر، والألياف، وشظايا الزجاج، وغيرها.
– معدّات تحليل الحمض النووي (DNA Sequencer وThermal Cyclers).
– أدوات التحليل الكيميائي (Mass Spectrometers وGas Chromatographs).  
– أدوات فحص الأسلحة النارية.
– أدوات التحليل الجنائي الرقمية، مثل البرامج والأجهزة المتخصصة، لاستخراج وتحليل البيانات من أجهزة الكمبيوتر، والأجهزة المحمولة، أو وسائط التخزين الرقمية الأخرى.
– قاعدة بيانات وماسحات ضوئية لبصمات الأصابع، وأنظمة التعرف على الوجه وماسحات قزحية العين، وبرامج التعرف على الصوت.
3. معدّات الحماية الشخصية.

لوازم الطب الشرعي
– نقاط مخصصة مصممة لإجراء عمليات التشريح مع طاولات المشرحة مجهزة بأنظمة صرف وارتفاع قابل للتعديل.
– أدوات التشريح وأخذ العيّنات: شفرات، وملقط، ومقص، ومناشير لتقطيع العظام، وقواطع أضلاع لإجراء عمليات تشريح وفحص داخلي.
– أجهزة رقمية لقياس وزن الأعضاء أو العيّنات.
– أجهزة الأشعة السينية، أو CT scanners، أو أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي MRI لفحص الإصابات الداخلية، أو الكسور، أو الأجسام الغريبة.
 

– أدوات طب الأسنان الشرعي، ومواد تحليل علامات العض لفحص الأسنان.
– معدّات أخذ عيّنات علم السموم: المحاقن، وحاويات جمع البول، أو الماسحات لجمع عيّنات لتحليل علم السموم.
– معدّات الحماية الشخصية: لباس كامل، وقفازات، وأقنعة، ونظارات واقية لحماية العاملين من المخاطر البيولوجية المحتملة وضمان سلامتهم.
– أدوات علم الأنسجة وعلم الأمراض: ميكروتومات (Microtomes) لتقطيع الأنسجة، وشرائح زجاجية مجهرية، ومجهر لفحص عيّنات الأنسجة.

الجرائم المعقدة والاحتيال..

التحقيق في الجرائم المالية المعقدة أو عمليات الاحتيال واسعة النطاق هو أحد أمثلة التحقيق المكلف. تتضمّن هذه الأنواع من التحقيقات غالبًا تحليلًا ماليًا مكثّفًا ومراجعة حسابات جنائية وضرورة اتّباع مسار مستندات يمر عبر محطات قضائية عدة. يمكن أن تضاف تكلفة توظيف محاسبين جنائيين متخصصين وخبراء ماليين ومحققين يمتلكون خبرة في هذه المجالات إلى التكلفة الإجمالية بشكل كبير.
كما يمكن أن تتكبّد التحقيقات في الجرائم المنظّمة أو عمليات تهريب المخدرات الكبيرة تكاليف باهظة. وغالبًا ما تكون هذه التحقيقات سرّية وتتطلب معدّات مراقبة، وتنسيق العديد من الأجهزة الأمنية

جنان الخطيب

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار

 




ممنوع الاتصال قبل الساعة 5؟

قضايا العنف الأسري، وفقاً للنص وظاهرياً، هي من القضايا التي تستدعي التدخل والتحرك السريعَين من قبل النيابات العامة الاستئنافية. فبموجب نص المادة 11 من قانون «حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري» الرقم 293\2014 يُلزم المحامي العام المكلّف تلقي شكاوى العنف الأسري باتخاذ الحد الأدنى من التدابير لحماية الضحية، كأن يحصل على تعهّد من المشكو منه بعدم التعرض لها، وفي حال وجود خطر محدق يُمنع المشكو منه من دخول البيت الأُسري لمدة 48 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة، إن لم تكن هناك وسيلة أخرى لحماية الضحية وأولادها. لكن، هل يطبّق هذا النص فعلاً على أرض الواقع؟


نعرض في ما يلي ما حصل مع إحدى النساء يوم الجمعة في 25 آب 2023.ريتا (اسم مستعار)، هي أم لثلاثة أولاد تعيش مع زوج لم يترك «للصلح مطرح» واختار المخدرات رفيقة له بدلاً من زوجته وأولاده. لم تعد تحتمل الزوجة بعد 17 سنة من الصبر ومحاولات الدعم والعلاج، التي لم تكتمل نتيجة رفض الزوج متابعتها، ففقدت السيطرة وبدأت بالصراخ والاعتراض على هذا الواقع المرير أمام أطفالها، فلم يكن من الزوج إلا أن طردها من المنزل مهدداً إيّاها بحرمانها من أولادها ومن السكن وكل ما يمكن أن تمتلك حتى ملابسها التي رفض أن تأخذ بعضاً منها. انتقلت للبقاء مؤقتاً في منزل قريبة الزوج، إذ لا سند لها أو معيل، فوالدها متوفى ووالدتها تعيش خارج لبنان، وتواصلت عبر إحدى صديقاتها مع محامية لاستشارتها. طلبت الأخيرة منها أن تتريّث باتخاذ أي موقف تصعيدي كي لا تستفز زوجها الذي بحوزته طفلتيها القاصرتين، وأن تحاول حلّ المشكلة من دون أي مواجهة مباشرة.إلا أن طلبها بالتروي تبخّر بعد أقل من ساعة على الاتصال، لأن الزوج قرر المجيء إليها لأخذ طفلتها الثالثة الأصغر سناً، التي كانت تبكي فزعاً من كل ما يجري أمامها. هاجم الزوج ريتا وطفلتهما، أثناء ركوبهما سيارة قريبته، وكاد أن يكسر زجاج السيارة على مرأى سكان الشارع الذين تجمّعوا لإيقافه وإبعاده. 

ما اضطرّ ريتا للاتصال بالخط الساخن 1745 فأحيلت إلى أقرب مخفر من مكان وقوع التهجّم. دخلت الأم خائفة ومرتبكة إلى المخفر، فكان الجواب الأوّلي لها إنه لا يمكن فتح محضر فوري لأن الزوج لم يضربها. وبعد تواصل المحامية مع المخفر وضّح العنصر الأمني أنه لا يستطيع فتح محضر من دون إشارة المحامي العام الاستئنافي المناوب حالياً، القاضي فرزلي، المكلّف بملفات العنف الأسري، ولا يستطيع الاتصال به قبل الساعة الخامسة عصراً «مهما كانت الأسباب».

حاولت المحامية أن توضح للعنصر الأمني مدى الخطر المتوقّع على الطفلتين القاصرتين مع أب يعاني حالة عصبية مزمنة وقوية نتيجة تعاطيه المخدرات، قد تؤدي لارتكابه تصرفاً مؤذياً بحقه وبحق ابنتيه. ولمجرد احتمال وجود خطر على قوى الأمن التحرك فوراً، فهذا هو جوهر قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري. 
لنفترض أن رواية الأم تحتمل الشكّ، أو أننا لم نتثبّت من صحّتها بالكامل، على الضابطة العدلية التأكد من سلامة الأولاد أولاً وتأمين الحماية لهم، وخاصة مع ورود معلومة عن حالة الوالد العصبية. لكن ما حصل أن المحامي العام المكلّف بحماية من يتعرض للعنف ورغم تواصل المحامية معه لشرح الحالة، رفض الاستماع إليها ولم يقبل حتى أن تشرح له مدى خطورة الحالة، كما رفض إعطاء الإذن لعنصر قوى الأمن بفتح محضر بالحادث الذي تعرضت له الزوجة. وقال إن عليها تقديم شكوى أمام النيابة العامة الاستئنافية يوم الإثنين 28 آب، أي بعد ثلاثة أيام، من الممكن أن يحصل خلالها أمور كثيرة لا تحمد عقباها، تاركاً ريتا وطفلتها الصغيرة معاً وطفلتين مراهقتين مع الأب في عين العاصفة. من دون أي حماية قانونية وأي قرار حتى بإعادة الأم إلى منزلها، فلم يعد لديها مكان آمن بعد أن رفضت قريبة الزوج استقبالها وابنتها من جديد خوفاً من ردّ فعله!
إن هذا النهج، في ما يتعلق بأسلوب التعاطي مع ملفات العنف الأسري، ليس موحّداً بل يختلف بين قاض وآخر باختلاف نظرة وموقف القاضي من هذه القضايا بشكل عام. وهذا أمر مقلق لأن على القاضي أن يلتزم تطبيق النصوص القانونية وألا يجعل مواقفه الشخصية تؤثر على اتخاذه أي قرار، وخاصة في قضايا العنف الأسري.

وهذا التريّث أو عدم اتخاذ أي قرار لحماية الضحية التي لجأت للقضاء في قضية عنف وإن كان محتمل الوقوع، لا مبرر له أمام نهج مغاير تماماً نرى فيه القاضي نفسه يسارع لإصدار مذكرات بحث وتحرٍّ أو إشارة لمداهمة أو توقيف شخص مدعى عليه بجرائم مالية، على سبيل المثال، أو شبهة جريمة جزائية رافضاً إخلاء السبيل بحجة حماية حقوق المدعي المالية.
بينما يُستخف بحماية أرواح أطفال قاصرين وامرأة معنّفة ومدمن ومريض أعصاب قد تكون حياتهم جميعاً مهددة بالخطر. إن مجرد الشك باحتمال تحقّق هذا الخطر، يستدعي استنفاراً كاملاً للأجهزة القضائية والأمنية في دولة من المفترض أنها تحترم الإنسان، وحقوقه هي القاعدة الأولى ولا شيء مقدّماً عليها.

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




العميل ريشا في قبضة الأمن العام

لا يكاد يمرّ يوم، من دون أن تعتقل الأجهزة الأمنية اللبنانية عملاء للعدوّ الإسرائيلي جرى تجنيدهم لجمع معلومات أو للقيام بأدوار تنفيذية، أو حتى لمجرد تسجيل نقاط ضد المقاومة اللبنانية والأجهزة الأمنية اللبنانية في الحرب الأمنية المفتوحة.

العميل بسام ريشا أحد الذين سقطوا في فخّ التعامل، وقبض عليه الأمن العام اللبناني في 22 شباط الماضي، بعدما أظهرت متابعته تورّطه مع العدو الإسرائيلي في جمع معطيات حول مواقع ومسؤولين في حزب الله ومسؤولين أمنيين رسميين وقاعدة للجيش اللبناني في جونيه، إلى جانب مهام تنفيذية أخرى.
لا يمتاز ريشا، على الأقل بما اعترف به حتى الآن، عن غيره من عملاء جمع المعلومات بكثير. إلّا أن أخطر ما في ملفّه أنه اعترف بلقاء مشغّليه، وعلى مدى سنوات، داخل لبنان، وفي منطقة جونيه ومحيطها تحديداً. وأظهرت التحقيقات أن مشغّلي ريشا كانوا يتنقّلون بأريحية داخل الأراضي اللبنانية وعلى فترات طويلة. والأغرب في الملفّ، هو عدم اعترافه بأيّ من النشاطات التي سئل عنها في مرحلة ما بعد عام 2015، الأمر الذي لم يقنع المحقّقين، علماً أن ريشا بات في عهدة القضاء العسكري الذي طلب في 31 أيار 2023 توقيفه بتهمة التعامل مع العدو.

بسام سمير ريشا، المولود عام 1969، مقيم في بلدة غبالة الكسروانية، وهو متأهّل وله ولدان. عام 1992، تطوّع في قوى الأمن الداخلي برتبة دركي، وأحيل إلى التقاعد عام 2015. في التحقيقات معه، قال إنه يعتبر نفسه سياسياً من مؤيدي حزب القوات اللبنانية. وقد عمل سائقاً ومرافقاً لأحد رجال الأعمال اللبنانيين، واستفاد من عمله في معرض للسيارات في جونيه للتعرف إلى شخصيات أمنية وإعلامية، كما عمل سائقاً لدى قنصل فخري لدولة أفريقية في لبنان.
في التحقيق معه، تذرّع ريشا بالأوضاع المادية لتبرير سعيه للعمل مع استخبارات العدوّ عام 2011، عبر التواصل مع العميل الفار المدعو دانيال النقوزي بواسطة تطبيق فايسبوك. وتبيّن للمحقّقين أن دانيال النقوزي هو العميل الفارّ وليد حسن نقوزي الذي صدرت بحقه عدة بلاغات تقصٍّ، بينها ما يتعلق بجرم التعامل مع العدو والدخول إلى أراضيه.
تطوّر التواصل بين ريشا ومشغّله النقوزي من فايسبوك إلى الهاتف، وكلّف العميل بتصوير مراكز أمنية وأخرى تابعة لحزب الله. وقال في التحقيق إنه أرسل ثلاث صور تخصّ حزب الله ادّعى بأنه حصل عليها من خلال البحث على شبكة الإنترنت. وأضاف أن التواصل مع النقوزي توقّف بعد إطلاق الأجهزة الأمنية حملة أدّت إلى توقيف عدة شبكات تتعامل مع العدو، وأن النقوزي أبلغه أنه سيكلّف شخصاً بالتواصل معه في الوقت المناسب.
بعد حوالي شهر، تواصل النقوزي مع ريشا عبر الفايسبوك، وطلب منه تأمين صور لمواقع عائدة لحزب الله. وزعم ريشا أنه عمد أيضاً إلى سحب صور عن الفايسبوك لأحد الحسابات الذي ينشر صوراً لمهرجانات الحزب. إلا أن النقوزي عاد وطلب منه صوراً أدقّ و«أهدافاً إستراتيجية» أكثر، فقال ريشا إنه يحتاج إلى وقت لتنفيذ ذلك. عندها أبلغه النقوزي أنه سيكلّف شخصاً بالتواصل معه من رقم غريب. وبعد حوالي شهر، تلقّى ريشا اتصالاً من رقم أجنبي (تبيّن أنه يُستخدم من قبل العدو)، ليتبين أن المتحدث كان امرأة عرّفت عن نفسها باسم «نور»، وطلبت منه تحديد مكان للقائه، وأبلغته أنها موجودة في الدكوانة – الجديدة، واتّفقا على اللقاء في مقهى ستارباكس في الزلقا على ساحل المتن الشمالي، حيث وصلت بسيارة من طراز BMW X3 سوداء. وقال ريشا إن اللقاء لم يدم أكثر من ربع ساعة، وإن «نور» كانت تريد التعرف إليه شخصياً، وأطلعته على صور وخرائط هي عبارة عن نموذج لطريقة تصوير الخرائط وتحديد الأهداف. وشرحت له طريقة تحديد المواقع جغرافياً واستخدام الصور الفضائية، واتفقت معه على طريقة العمل في ما خصّ تحديد الأهداف جغرافياً، وكلّفته بتأمين صور لمواقع حزب الله في قرى كسروان.

وبعد فترة، التقى الاثنان على أوتوستراد في الجديدة، وسلّم ريشا «نور» مظروفاً قال إنه وضع فيه الصور نفسها التي سلمها لدانيال. وعندما شاهدت الصور أبدت انزعاجها، وقامت بتوبيخه، مذكّرة إياه بأنها سبق أن شرحت له طريقة العمل. وادّعى بأنها دفعت له مبلغ خمسين دولاراً، واتفقت معه على اعتماد تطبيق السكايب للتواصل مستقبلاً.
بعد حوالي شهر، اتصلت «نور» به عبر سكايب أثناء تواجده في معرض السيارات، وشرحت له مجدداً كيفية التصرف أثناء تنفيذ المهمات من ناحية أمنية، وأطلعته على طريقة تشفير (لغة) ليستخدمها في التقارير التي سيرسلها لها بالبريد الإلكتروني، وزوّدته بعنوان بريدها الإلكتروني، وقال إنها كانت تقوم بتغييره بشكل دوري، وطلبت منه شراء هاتف جديد، نوع SAMSUNG G7 وشريحة خط ALFA بطريقة لا تلزمه بإظهار هويته للبائع، وأن يستخدمه فقط أثناء تنفيذ المهمات عبر تطبيق السكايب الذي قام بتحميله.

عام 2012، تم تكليف ريشا بعدة مهام، أبرزها جمع معلومات عن عدد من المسؤولين في الأجهزة الأمنية، وقد سلّم لائحة بالأسماء، وبعض هؤلاء من أبرز المعنيين بعمليات مكافحة التجسّس. وقال إنه كان يستغل الزيارات المتبادلة بين عدد من الضباط الأمنيين والقنصل الذي يعمل لديه، ليقوم بتصويرهم وتصوير لوحات سياراتهم والإبلاغ عن تحركاتهم قبل إرسال المعلومات إلى «نور».
وقال ريشا إنه كُلّف بتصوير مراكز لحزب الله في منطقة كسروان والقرى المحيطة بها، والعمل على تحديد المواقع العسكرية. وأضاف أنه زار بلدة زيتون في كسروان، وأجرى مسحاً شاملاً، وصوّر مركزاً قال إنه لحزب الله، كما أعدّ صوراً للشيخ زهير عمرو. كما زار بلدة المعيصرة، وأرسل صوراً للبلدة والمسجد وتجمّع لشباب ينتمون إلى حزب الله وأحد أعضاء البلدية بناءً على طلب مشغّلته. كما قام بتصوير بلدة الحسين من ساحة الكنيسة باتجاه آخر البلدة، إضافة إلى المسجد بهدف تصوير مركز للحزب بقربه، وكذلك قام بتصوير الوادي ومجرى النهر، وبأخذ صورة من القرية باتجاه البحر، كما جمع صوراً لأحد مخاتير البلدة. ولاحقاً عمل على تكرار الأمر في بلدة صنين حيث قام بتصوير مراكز قال إنها عائدة لحزب الله، لكنّه أبلغ مشغّلته بأنه لم يتمكن من التصوير في بلدة لاسا في جبيل.
بعد عام 2012، تلقّى ريشا اتصالاً عبر رقم أجنبي، من شخص عرّف عن نفسه بأنه «الجنرال أوسيل»، قدّم له التهنئة على ما قام به، وأبلغه أن مكافأته المالية ستصله بعد مدة. وفي وقت لاحق، اتصل به «الجنرال» طالباً منه التوجه إلى مفترق للطرق في منطقة غزير بكسروان. وقال ريشا، إن «الجنرال» حضر بسيارة رباعية الدفع، وسلّمه مبلغ 1500 دولار. وخلال التحقيق اعترف ريشا بأنه تلقّى عدة مبالغ مالية بالطريقة نفسها في منطقة غزير ومحيطها، وكان في كل مرة يتلقّى مبالغ تصل إلى ألف دولار أميركي.

وأقرّ ريشا في التحقيقات معه بأنه قام بعدد من المهام التنفيذية، أبرزها تصوير مقرّ البحرية التابع للجيش اللبناني في جونيه، ونادي الضباط. وفي إحدى المهام، طُلب إليه اصطحاب ثلاثة أشخاص (رجلين وامرأة) من المطار، فاستخدم سيارة نيسان سوداء لنقلهم إلى فندق ESCALIBER في المعاملتين، وطُلب منه الاهتمام بهم ومتابعة طلباتهم. ثم عاد ونقلهم إلى المطار بعد أربعة أيام.

لقاءات مع المشغّلين الإسرائيليين في ساحل المتن وجونيه واهتمام بحزب الله في كسروان

عام 2013، قال ريشا إن المشغّل «الجنرال» ربطه بشخص لبناني، وإن مهمته كانت محصورة بنقل هذا الشخص من منطقة جونيه إلى منطقة أدونيس، وإنه كان يحمل حقيبة بداخلها مبلغ من المال، واقتصر دور ريشا على القيادة، بينما كانت مهمة الشخص الثاني تحديد نقطة التوقف، وعند الوصول كان يقوم بوضع مبلغ مالي في ظرف داخل علبة البريد الموجودة في أسفل مبنى محدّد، وأحياناً كان يتوقّف عند مبنيين.

ريشا سُلم إلى المحكمة العسكرية قبل نحو شهرين، وهو ليس الأول ولن يكون الأخير في ظلّ اشتداد الحرب الأمنية بين المقاومة والأجهزة الأمنية من جهة وبين أجهزة العدو من جهة أخرى. إلّا أن الكشف المتواصل عن العملاء الذين يتذرّع معظمهم بالانهيار الاقتصادي لتبرير عمالتهم، يدفع بالجهات السياسية إلى التركيز على عمل القضاء اللبناني، ليكون أكثر تشدداً في الأحكام الصادرة بحق هؤلاء.
وفي حالة العميل ريشا، يتطلّب الأمر توسّعاً في التحقيق لفهم الظروف ومعالجة الأسباب التي تعطي هامش الحرية والحركة لخلايا العدو الإسرائيلي في الداخل اللبناني. وهو العميل الأول الذي يتحدث عن تواصل مباشرٍ بينه وبين عملاء ومشغّلين على الأراضي اللبنانية.

فراس الشوفي

المصدر: صحيفة الأخبار




حقوق للدولة لا تجبيها… مليارا دولار سنوياً

من التهريب الجمركي والتهرّب الضريبي وسوء الجباية وتقلّبات سعر الصرف

إقرار قانون إعادة هيكلة القطاع المصرفي يضع حدّاً للسوق النقدي والتهرّب الضريبي
ضاهر: 75% من إيرادات الدولة ضريبية و25% ناجمة عن أرباح المرافق العامة
تقديرات وزارة المالية للنفقات بالليرة اللبنانية جانبت الصواب تماماً في موازنة 2022

من المتوقّع أن يرتفع إجمالي عائدات الدولة للعام 2023 بنسبة 2% عن 2022، من 6% الى نحو 8% من إجمالي الناتج المحلي بعد أن قفزت العائدات بنسبة كبيرة منذ شهر أيار الماضي.

فإجمالي الناتج المحلي إستناداً الى صندوق النقد الدولي 21,8 مليار دولار في 2022 والمرجح ان يبلغ 16,2 مليار دولار في العام الجاري (الرقم الذي تعتبره وزارة المالية غير دقيق والذي تقدره بقيمة 20 مليار دولار). وبذلك تكون نسبة العائدات المتوقعة للدولة للعام الجاري 8% من 16.2 مليار دولار اي 1.296 مليار دولار و1,6 مليار دولار وفق ناتج بقيمة 20 مليار دولار.

إلا أنه اذا حصلت تعديلات وإصلاحات في موازنة 2023 إستناداً الى معلومات وزارة المالية فمن المفترض أن تقارب العائدات نسبة 14% من إجمالي الناتج المحلي، علماً ان النسبة كانت تتجه نحو 20% قبل بدء الأزمة المالية في البلاد. واذا صحّت نسبة الـ14% نتيجة للإصلاحات، فذلك يعني أن الدولة تجبي عائدات تمكّنها من سدّ حاجاتها خصوصاً اذا كانت النفقات هزيلة، واذا وسّعت قاعدة عائداتها بالدولار كأن تشمل الجباية بالدولار قطاع الكهرباء وقطاعات اخرى فتتجنّب الإقتراض من مصرف لبنان.

من أين تأتي الإيرادات؟

وفي هذا السياق أكّد مستشار رئيس الحكومة للشؤون الاقتصادية سمير ضاهر لـ»نداء الوطن»أن إيرادات الدولة المقدّرة من الناتج تبلغ 1,6 مليار دولار». لافتاً الى أن «نسبة 75% من تلك الإيرادات هي ضريبية و25% غير ضريبية ناجمة عن أرباح من المرفأ ومطار بيروت ورسوم الهبوط وغرامات وتسويات، والريجي، والكازينو (كان يحوّل 40 مليون دولار للخزينة العام الماض وهو رقم صغير) والهبات التي ترد للبلاد.

بالنسبة الى العائدات الضريبية وهي الضرائب المباشرة (الضريبة على الدخل، الرواتب والأرباح للشركات) فهي تمثل نحو 30% وغير المباشرة 70% (أي TVA ورسوم، مع الإشارة الى أن الضريبة العادلة تصاعدية وهي على الرواتب وتصل الى نسبة 25%.

حساب التهرّب

واذا اتخذت إجراءات للتخفيف من التهرّب الضريبي فإن العجز في الموازنة البالغ نسبة 2.5% من الناتج المحلي، سيتضاءل وقد يزول. ووفق تقرير المادة الرابعة Article 4 من صندوق النقد الدولي فإن التهرّب نتيجة التلاعب بالتصريح عن القيمة الحقيقية للإستيراد تشكّل نسبة 4.8% من الناتج المحلي»، (960 مليوناً اذا احتسب الناتج 20 مليار دولار) و800 مليون دولار خسارة (اذا احتسب الناتج على 16.2 مليار دولار). الى ذلك يضاف مبلغ مليار دولار آخر بسبب التهرب من الضرائب المباشرة وسوء الجباية وعدم القدرة على احتساب سعر الصرف كما يجب اولاً بأول.

وفي هذا السياق يقول ضاهر «يمكن الحدّ منها من خلال إجراءات لضبط التهرب والتلاعب بالرسوم الجمركية على الحدود. يضاف الى ذلك تفعيل الدوائر العقارية والسير والنافعة، ووقف سرقة الجمارك والتهرب الجمركي».

وذكّر ضاهر بالعائدات التي خسرتها الدولة بعد بدء الأزمة المالية مثل العائدات الضريبية من الفوائد المصرفية على الودائع التي تبلغ 1,5 مليار دولار والتي صارت اليوم صفراً، وعائدات قطاعات أخرى مثل شركات الخلوي والتي كانت 1,5 مليار دولار.

مصدران أساسيان للإيرادات

وشدد على أن هناك مصدرين أساسيين للإيرادات: الـ TVA والرسوم الجمركية، اذا فرضت رسوم على التبغ على سبيل المثال والكحول كونهما مضرّان بالصحة عندها تدرّ الدولة عائدات اكثر.

ويذكر أن نصف الإقتصاد نقدي، اذ أن بعض التجار يبيع منتجات من دون فاتورة وبذلك لا تترتب عليهم ضريبة على القيمة المضافة فيتهربون من الـTVA، من هنا تكمن ضرورة اقرار قوانين اعادة هيكلة المصارف والكابيتال كونترول لضبط النقد بالتداول وتوثيق عمليات البيع والشراء والتحويلات والحدّ من التهرّب الضريبي.

أساليب التهرّب

يرى خبير المحاسبة المجاز جمال ابراهيم الزغبي خلال حديثه مع «نداء الوطن» أن التهرب الضريبي يتم بعدة أشكال: فهناك الأشخاص الذين يقومون بأعمال التجارة والصناعة وكذلك الخدمات من دون تسجيلها في وزارة المالية، وبالتالي فان كافة إيراداتهم غائبة عن ضريبة الدخل، وكذلك الضريبة على القيمة المضافة وكافة الضرائب الأخرى كضريبة الرواتب في حال كان لديهم موظفون. وهناك الأشخاص المعنويون المسجلون في وزارة المالية الذين يتبعون أساليب غير قانونية للتهرب من كافة الضرائب، وذلك من خلال طرق عدة:

– الطريقة الأولى، تخفيض الإيرادات المحققة عما يجب أن تكون عليه، وبالتالي تخفيض ضريبة الدخل. ويتبعها كذلك ضريبة القيمة المضافة، إذ أنها تتبع مباشرة للايرادات وذلك بإصدار فواتير بقيمة مخفضة أو التلاعب بقيمة المبيعات وذلك بعد عملية البيع.

– الطريقة الثانية، زيادة النفقات من دون وجه حق مما يؤدي إلى انخفاض في الأرباح وبالتالي انخفاض في الضريبة المتوجبة.

– الطريقة الثالثة، القيام بالشراء والبيع لكافة العمليات الصناعية والخدماتية والتجارية عن طريق الشراء والبيع بدون فواتير رسمية مما يعني عدم تسجيل هذه العمليات وهروبها من الضرائب.

ضرائب لا تُجبى

وهناك انواع عدّة من الضرائب لا تتمّ جبايتها، حول ذلك قال الزغبي «صدر قانون خلال العام 2002 ينص على دفع رسم مقطوع سنوي على كافة المؤسسات والشركات والمهن وذلك بمبالغ مختلفة، حسب نوع الشركة، ولكن كان مصير هذا الرسم تأجيل تنفيذه سنوياً. كما هناك ضريبة غير المقيمين وتُدفع عن كل شخص مكتوم غير مسجل في وزارة المالية ولا يصدر فواتير وبالتالي تستحق عليه هذه الضريبة، ولكن لا يتم التصريح عنها في معظم الشركات والمؤسسات».

تخبط في تطبيق التعاميم وسعر الصرف

اذا قارنا التهرّب الضريبي بين الفترة السابقة والفترة الحالية، يتبيّن لنا استناداً الى الزغبي أن «التهرّب الضريبي زاد حالياً عن السابق بنسبة كبيرة جداً، إذ جرى تخبّط كبير في قراءة المراسيم والتعاميم الصادرة عن وزارة المالية ومصرف لبنان، ما أفسح المجال للاجتهادات المتعددة وبالتالي التلاعب بتفسيرها وأدّى حتماً إلى انخفاض كبير جداً في إيرادات الدولة.

ومن الأمثلة على ذلك، انخفاض تحصيل نسبة الضريبة على القيمة المضافة البالغة 11 في المئة على مبيع السلع والخدمات الخاضعة لها، بسبب تعدد اسعار الصرف منذ بدء الأزمة».

وأضاف الزغبي: «كانت تُباع السلع والخدمات على سعر صرف السوق، بينما كانت تسجل الضريبة على القيمة المضافة على سعر الصرف الرسمي والذي كان حتى كانون الثاني ٢٠٢٣ على سعر ١٥٠٧.٥ وارتفع في شهر شباط إلى 15000 ليرة، و في أول أيار ارتفع إلى سعر منصة «صيرفة «، ما يعني انخفاضاً كبيراً في تحصيل هذه الضريبة رغم التحسّن الكبير بعد رفعها في شهر أيار لتكون على منصة «صيرفة». وبذلك، نخلص في هذا الباب إلى القول إن المراسيم والتعاميم الصادرة كانت مساهمة في التلاعب بالضرائب التي من المفترض أن تكون على كاهل المكلف.

وفي قانون موازنة 2022، تمّ احتساب الدولار على سعر 15000 ليرة، بينما كان سعر الصرف وقت صدور الموازنة أكثر من 35 الف ليرة، ما يعني أن تقديرات وزارة المالية للنفقات بالليرة اللبنانية غير صحيحة. كذلك تقديراتها للايرادات غير صحيحة، لذا لا يمكن الاعتماد على موازنة 2022 لمعرفة مقدار الضرائب المفترض أن يقتطع من المكلّفين، وكانت الموازنة اقرت في 15 تشرين الثاني وبالتالي كانت كافة العمليات في الشركات قبل هذا التاريخ تتمّ على سعر رسمي هو ١٥٠٧.٥ ليرات، مما يعني أن لا وجود لسعر صرف الموازنة الا بعد اول شباط 2023».

خاطر: المستفيدون من الفساد والتَهَرُّب الضريبي وعدم الإمتثال يُطبِقون على مفاصل الحُكم

إن النظام الضريبي في لبنان كما أوضح الكاتب والباحث في الشؤون الماليَّة والاقتصاديَّة البروفسور مارون خاطر لـ»نداء الوطن» غير فعَّال وغير عادل ويحتاج لإصلاحات جذرية تعزز الامتثال الضريبي وتعمل على توسيع القاعدة الضرائبيَّة. يبقى ذلك مستحيلاً قبل استعادة الثقة بالدولة وتحقيق استقرار سياسي يَنتج عنه استقرار اقتصادي يضمن النموّ. مع الإشارة الى أن الاقتصادات النامية تَعتمد على الضريبة غير المباشرة كالجمارك والضريبة على القيمة المضافة».

ومعلوم أن الـTVA تؤمّن جزءاً كبيراً من ايرادات الدولة، وفي السياق قال خاطر «إنها تصطدم بالتهرُّب الضريبي. في ظلّ عدم ضبط الحدود والفساد المستشري في مؤسسات الدولة الرقابيَّة من جهة، وانهيار القطاع المصرفي ومعه ميزان المدفوعات والحساب الجاري من جهة أخرى، فأصبح تقييم وتتبُّع التدفقات النقدية الناتجة عن الضرائب غير المباشرة شبه مستحيل. من المُهِم في هذا السياق الإشارة إلى الخطر المتأتي من تنامي الاقتصاد النقدي الذي يَمنع بدوره تتبُّع حركة العمليات والأموال».

باتريسيا جلاد

المصدر: صحيفة نداء الوطن

مرة ً أخرى، تبرهن الوقائع كما قال «أنَّ حَلّ المُشكلات الاقتصاديَّة والماليَّة والنقديَّة والضريبية في لبنان لا بُدَّ أن يَنطلق من السياسة. فالاستقرار السياسي حاجة ملحة وملزمة من أجل توسيع الوعاء الضرائبي بهدف رفع الامتثال الضريبي لدى الأغنياء وأكثرهم من أصحاب النفوذ والسلطة، ولدى الفقراء المُهَمَّشين عبر تثقيفهم. السياسة نفسها ضرورية من أجل إقرار وتطبيق إصلاحات تعزز سيادة القانون على الحدود وفي الداخل وتضمن سير العدالة وتعيد الثقة إلى الدولة ومؤسساتها».

واعتبر أن «استعمال ايرادات الضرائب من أجل تحسين الواقع الاجتماعي والانمائي للمكلفين يساعد ببناء الثقة المفقودة مع الدولة. ليس ضعف تنفيذ القوانين واحترامها سوى نتيجة مباشرة لغياب المساواة بين اللبنانيين في حقوقهم وواجباتهم أمام دولتهم. فالبعض منهم لا يعترف بالدولة أصلاً والبعض الآخر يُسَخّر امكاناتها لخدمة مصالحه في إطار الزبائنيَّة السياسية المُتَجَذّرة. لقد اعاقت السياسة محاولات تحديث النظام الضرائبي بطريقةٍ مُمَنهجة بهدف الدفاع عن مصالح السياسيين وأزلامهم».

وعزا تحقيق الضرائب المباشرة إيرادات متدنية أيضاً الى الخلل في الضرائب التصاعديَّة وبسبب قانون السريَّة المصرفيَّة وعدم اعتماد ضريبة موحدة بالإضافة إلى الأسباب التي ذكرها سابقاً. معتبراً أن «تخطي العوائق السياسية بُغية الانتقال إلى «الحكومة الرقميَّة»، يشكّل المدخل الأساسي لمعالجة الناحية العملانية المتعلقة بثغرات بالنظام الضرائبي. فـ»الرَّقمنة» تساعد على التخفيف من التدخل المباشر للسياسيين النافذين في مفاصل الإدارة الضرائبية خدمةً للزبائنيَّة السياسيَّة. وتساعد «الرَّقمنة» على مكافحة التهرب الضريبي وتوسيع الوعاء الضريبي وعلى كشف السلوك الاحتيالي للمكلفين عبر وصل البيانات بين الجمارك والمصارف والشركات».

ورأى خاطر في المُحَصّلة «أن إصلاح النظام الضرائبي اللبناني يتطلب تصميماً ثابتاً يرتكز على قرار سياسي ودعم شعبي لا يمكن أن يتحقق ما دام المستفيدون من الفساد والتَهَرُّب وعدم الامتثال يُطبِقون على مفاصل الحُكم ويَعمَلون على إطالة مُدَّة حكمهم إلى منتهى الدُّهور!




الزراعة… قطاع مهمل رغم طاقاته الكامنة الكبيرة

غياب الكفاءة في استخدام المياه وعوامل الإنتاج وسوء حالة البنية التحتية

القوانين تفتقر إلى التنفيذ الفعّال لتحسين جودة الإنتاج والامتثال للمعايير الدولية

محدودية التمويل ونقص التقنيات وتحديات متعلّقة بالتوظيف واليد العاملة

عدم فعالية خدمات الإرشاد الزراعي والدعم المؤسسي المنسّق شبه غائب

أعدّ المركز اللبناني للدراسات دراسة عن القطاع الزراعي في لبنان أكّد فيها تأثّر القطاع بشكل كبير جرّاء الأزمة الاقتصادية التي يشهدها البلد. وأشار الى أنه في ظلّ التقلّبات الاقتصادية والسياسية المستمرّة، تبرز تحديات كثيرة أمام المزارعين تحدّ من قدرتهم على إنتاج المحاصيل والثروة الحيوانية. وفي ما يلي الجزء الأول من الدراسة:

قبل الأزمة، التي بدأت في شهر تشرين الأول من العام 2019، واجه القطاع الزراعي في لبنان بالفعل العديد من القيود التي تحول دون تعزيز الإنتاجية، إلى جانب محدودية مصادر التمويل ونقص التقنيات الزراعية والتحديات المتعلّقة بالتوظيف واليد العاملة، وغياب الكفاءة في استخدام المياه وعوامل الإنتاج الزراعي، وسوء حالة البنية التحتية وعدم فعالية خدمات الإرشاد الزراعي، والدعم المؤسسي شبه الغائب، بالإضافة إلى عدم المساواة بين الجنسين في ما يتعلّق بالوصول إلى الموارد والتحكّم فيها واتّخاذ القرارات والحصول على التمويل.

مع بروز الأزمة

ومع بروز الأزمة، تفاقمت المشكلات القائمة وأرخت بظلالها على القطاع الزراعي، وشكّلت تهديداً للأمن الغذائي في البلد كما عرّضت الكثير من المزارعين لخطر الإفلاس. وفي سياق التقلّبات السياسية والتحرّكات الاحتجاجية، وجد المزارعون صعوبة في نقل بضائعهم إلى الأسواق، ما تسبّب في تلف منتجاتهم وتكبيدهم خسائر مالية فادحة. ومع إغلاق الحدود والمعابر بسبب القيود المفروضة لمكافحة جائحة كوفيد 19 تعطّلت أسواق التصدير، ما أثّر بدوره على إيرادات المزارعين.

أبرز التحديات

ومن أبرز التحديات التي يواجهها المزارعون منذ سنوات، افتقارهم إلى الضروريات الأساسية مثل المحروقات والكهرباء ومصادر مياه الريّ الكافية. وكان لذلك أثر كبير على المحاصيل وجودتها وتكلفتها. يُشار إلى أن الحكومة وجدت صعوبة متزايدة في توفير إمدادات كافية من الوقود والكهرباء، ما أدّى إلى نقص كبير في الوقود وانقطاع متكرّر للتيار الكهربائي. وازدادت الأمور سوءاً عندما رفع الدعم عن الوقود في شهر أيلول 2022، فارتفعت أسعارها بشكل ملحوظ. علاوة على ذلك، وبسبب التدهور التدريجي لقيمة العملة الوطنية في لبنان، بات من الصعب على المزارعين تحمّل تكاليف عوامل الإنتاج الزراعي التي يحتاجون إليها، مثل الأسمدة والبذور والمبيدات، واستحالة الحصول على القروض بسبب انهيار القطاع المصرفي. والجدير ذكره أن برنامج «كفالات» كان من أكثر البرامج المفضّلة لدى المزارعين اللبنانيين وذلك لسهولة استخدامه (مع إطلاق برنامج تعزيز الاستثمار في العام 2015 بقيمة 30 مليون دولار) بيد أن المصرف المركزي لم يعد يوافق على منح مثل هذه القروض المدعومة.

إنخفاض الإستهلاك

بالإضافة إلى ذلك انخفض الاستهلاك عندما ارتفع سعر سلّة الحدّ الأدنى للإنفاق – وهو مؤشِّر تستخدمه المنظمات الإنسانية لتقدير الاحتياجات – حيث ارتفع من 38 ألف ليرة لبنانية في شهر أيلول من العام 2019 إلى 790 ألف ليرة لبنانية في شهر أيار من العام 2022 أي بزيادة قدرها 1300% تقريباً.

لمحة عامة

يهدف هذا الملخّص إلى تقديم لمحة عامة موجزة عن الوضع الحالي للقطاع الزراعي، وتسليط الضوء على التوصيات السياساتية الرئيسية لإحداث تغييرات جذرية. ولمعالجة هذه المسائل الملحة وإطلاق العنان لإمكانات القطاع الكاملة، لا بدّ من أن يولي صانعو السياسات الأولوية للإصلاحات الشاملة والحلول المبتكرة. إنه، ومن خلال التركيز على الممارسات المستدامة، واعتماد التكنولوجيا، وتنويع الأسواق والتنمية الريفية، يمكن زيادة الإنتاجية الزراعية مع تعزيز النمو الشامل في المجال الزراعي.

بعض الإحصاءات

تؤدي الزراعة دوراً ثانوياً نسبياً في اقتصاد لبنان وذلك على الرغم من احتواء البلاد على أعلى نسبة من الأراضي الصالحة للزراعة في العالم العربي. فمع أكثر من 200,000 هكتار(494,000 فدان)، تمثل الزراعة ما يناهز 5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي الوطني، وتستأثر بـ8 في المئة من اليد العاملة الفعّالة. ويُعتبر القطاع، بالإضافة إلى إنتاجه الزراعي الأساسي مساهماً رئيسياً في صناعة الأغذية الزراعية المهمة في لبنان والتي بدورها تسهم بنسبة 5 في المئة إضافية في إجمالي الناتج المحلي، وتوفّر فرص العمل لشريحة إضافية من القوى العاملة الفعّالة بنسبة 8 في المئة، وباتت تشكّل مصدراً رئيسياً ومتزايداً للوظائف في الاقتصاد.

وبحسب التقديرات، بلغ إجمالي المساحة الزراعية المزروعة ما يناهز 271,412 هكتاراً في العام 2021 (259,809 هكتارات في العام 2016) أي ما يشكّل حوالي 25% من مساحة الأراضي اللبنانية. وتشمل الحقول المزروعة بالمحاصيل الموسمية والأشجار المثمرة، بالإضافة إلى البيوت البلاستيكية.

شكّلت قيمة الإنتاج النباتي في عام 2016 (محاصيل موسمية 44%، ومحاصيل دائمة 66%) ما يناهز 73% من إجمالي قيمة الإنتاج الزراعي. وفي العام 2021 يُظهر الإحصاء انخفاضاً طفيفاً (-5 نقاط) في إنتاج الموارد النباتية، مقروناً بزيادة في الإنتاج الحيواني (+ 5 نقاط). إن الانخفاض في الإنتاج النباتي تحوّل إلى زيادة في الإنتاج الحيواني.

وفقاً لوزارة الزراعة، ينتج لبنان مجموعة متنوّعة من المنتجات الزراعية، بما في ذلك الفاكهة، مثل العنب (118,794 طناً)، والحمضيات (333,796 طناً)، والتفاح والفاكهة ذات النواة (552,850 طناً) والدرّاق والنكتارين (74,784 طناً)، والتبغ والزيتون (169,941 طناً)، وكذلك المنتجات ذات القيمة المضافة العالية. وفي هذا السياق، يُعتبر إنتاج النبيذ المحلي (6 ملايين زجاجة) من أهم الصناعات في قطاع الزراعة اللبناني. أمّا في ما يتعلّق بالإنتاج الحيواني، فتُقدّر القيمة الإجمالية (للأبقار والأغنام والماعز والدواجن والنحل) في العام 2021 بما يناهز 7,461 مليار ليرة لبنانية، ومن ضمنها 45% للدواجن، فيما بلغ إنتاج العسل ما يقارب 311 مليار ليرة لبنانية في العام 2021 مقابل 71 مليار ليرة لبنانية في العام 2016.

تغطية 20% من الحاجات

وتجدر الإشارة إلى أنّ المواد الغذائية الزراعية تشكّل نصيباً مهماً في التجارة اللبنانية. تُعدّ الزراعة (ومعظمها من الفواكه والخضراوات والتبغ الخام والتوابل والماشية) والأعمال التجارية الزراعية (ومعظمها من الأغذية المصنعة وشبه المصنعة) مصدراً رئيسياً للصادرات، إذ تستأثر بأكثر من 21% من إجمالي الصادرات. ومع ذلك، يعتبر لبنان مستورداً صافياً للغذاء، حيث يُلبّي الإنتاج المحلي 20 في المئة فقط من الاستهلاك المحلي ما يجعله عرضة لتقلب أسعار المنتجات الغذائية والزراعية.

الإستيراد والتصدير

بلغت المستوردات الزراعية في العام 2016 ما يقارب 3,27 مليارات دولار أميركي وتقدر بـ 14% تقريباً من إجمالي الواردات (22 مليار دولار أميركي),، كما سجلت المستوى نفسه في العام 2021. بيد أن الإحصاء يُظهر انخفاضاً في إجمالي الواردات والواردات الزراعية للعام2021، وذلك لأسباب عديدة أهمها تدهور قيمة الليرة اللبنانية وانتشار جائحة كوفيد – 19. أما بالنسبة إلى الصادرات الزراعية، فلا تزال الدول العربية تمثل سوق الصادرات الرئيسية للمنتجات الزراعية اللبنانية، إذ تشكّل أكثر من 90% من إجمالي الصادرات الزراعية. وتستأثر خمس دول عربية رئيسية (وهي الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر وسوريا) بما يناهز 68.4% من إجمالي الصادرات. وتمثل صادرات الفاكهة ما يُقارب 48% من الصادرات الزراعية.

بيئة السياسات العامة

على أية حال، إن بيئة السياسات العامة في لبنان تتميّز بغياب أنظمة شاملة للزراعة؛ فالقوانين التي تم اعتمادها تفتقر إلى التنفيذ الفعّال. وفي سعيها لتحسين جودة الإنتاج والامتثال للمعايير الدولية، قامت الحكومة بعدة مبادرات بهدف جعل المنتجات الغذائية اللبنانية أكثر أماناً وتنافسية في أسواق التصدير. في هذا السياق، تمّ تكليف لجنة خبراء متخصّصة بصياغة قانون يراعي قانون المجموعة الاقتصادية الأوروبية رقم 91/2092 لمراقبة الإنتاج العضوي في لبنان. ولم يسنّ قانون تنظيم الإنتاج العضوي حتى العام 2020 لضمان مطابقة المنتجات العضوية لمواصفات مؤسّسة المقاييس والمواصفات اللبنانية (ليبنور)، بحيث تستوفي جميع الشروط المطلوبة للإنتاج العضوي. كذلك، تكشف السياسات التي تنظم السوق، وصناعة الأغذية، والمسائل المتعلقة بسلامة الأغذية والآثار البيئية المهمة للتصنيع الغذائي، عن ثغرات مهمة في التشريع والتنفيذ. فالقوانين والأنظمة القائمة تطبق بشكل سيّئ بسبب الغرامات المنخفضة ونقص التنسيق بين الوكالات الحكومية المتعدّدة. ومن المعروف أن اتّساق السياسات في لبنان غائب، ويعود سبب ذلك جزئياً إلى نقص التنسيق بين المؤسسات الحكومية.

مخاوف السلامة

وأخيراً، يُشكّل التنفيذ الفعّال مصدر قلق يؤثر على الكثير من هذه التدابير السياساتية. وأشار تقرير حديث نشرته الجامعة الأميركية في بيروت في شهر تموز من العام 2022 إلى أن إدارة الغذاء والدواء الأميركية صادرت مواد غذائية من لبنان بسبب مخاوف تتعلّق بالسلامة الغذائية، ما قد يحدّ من صادرات البلد من الأغذية الزراعية، ما يشير إلى أن هذه القوانين والمقاييس اللبنانية قد تكون سيئة، أو ربما لا يتمّ إنفاذها كما ينبغي. ومن الأمثلة على هذه المنتجات، طحينة السمسم التي ضُبطت لتلوّثها ببكتيريا السالمونيلا.

إستراتيجية وخطة عمل سدّ الثغرات 

تحت عنوان استراتيجية وطنية وخطة عمل للتغذية (2021-2026)، وضعت وزارة الصحة العامة استراتيجيتها الخاصة في عام 2021 أقرّت فيها أيضاً بتشعّب النظم والهياكل الإدارية التي تنظم التغذية بين هيئات متعدّدة، بالإضافة إلى نقص التنسيق بين الوزارات، مشدّدة على أهمية الهيئة التنسيقية، ولكن هذه المرّة بالنسبة إلى قطاع التغذية. في الوقت الحالي، معظم المنتجات الشائعة في السوق ليست مغذية و/ أو مستوردة. السبب الرئيسي، وفقاً للاستراتيجية، هو الثغرات في الإنتاج الزراعي المحلي والتنويع مدفوعاً بضعف إدارة المزارع والموارد، والتنسيق المحدود بين الجهات الفاعلة.

كذلك، تُحدّد هذه الاستراتيجية الثغرات الموجودة في النظام الغذائي اللبناني على النحو التالي: المحتويات الغذائية للمنتجات غير الخاضعة للرقابة وتوسيمها غير المطابق، والإنفاذ غير المُحكّم لقانون سلامة الغذاء، وغياب الاكتفاء الذاتي، وزيادة حجم الواردات. وفي الوقت الراهن، نجد أن معظم المنتجات الشائعة في السوق ليست مغذية و/أو هي مستوردة. ويعود السبب الرئيسي لذلك، وفقاً للاستراتيجية، إلى الثغرات في الإنتاج الزراعي المحلي والتنويع، ونتيجة لضعف إدارة المزارع والموارد والتنسيق المحدود بين الجهات الفاعلة في سلسلة القيمة، والنقص في المعدات والمرافق للحفاظ على جودة المنتج في عملية الإنتاج وما بعد الحصاد.

الأمن الغذائي مشتّت المرجعيات

في الإطار المؤسسي اللبناني الحالي، يُعتبر الأمن الغذائي شأن عدة وزارات بموجب صلاحيات كل منها من هنا تبرز أهمية إنشاء هيئة تنسيق فعّالة لضمان مواءمة العمل بين جميع الوزارات والمؤسسات العامة المعنية، بالإضافة إلى المجتمع المدني، والقطاع الخاص، ومراكز الأبحاث والجامعات، وشركاء التنمية، وأصحاب المصلحة الآخرين فهذه خطوة ضرورية لتنفيذ استراتيجية وزارة الزراعة وتعبئة الموارد اللازمة، فضلاً عن تحديثها بانتظام لمواكبة الأزمة الاقتصادية والمالية المتسارعة التي يواجهها البلد.

المصدر: المركز اللبناني للدراسات




مخاوف من خريف ساخن

لا تزال الطبقة السياسية في غالبيتها تتعامل مع الوقت والتحديات بخفة واستخفاف، كما درجت ان تفعل منذ فترة بعيدة. ومع انّ المرحلة شديدة الصعوبة، الا انه يتم تقطيعها على قاعدة كل يوم بيومه، من دون الاستناد الى اي منهجية علمية في المقاربة.

بذرائع شتى، تمر الاشهر الثمينة، الواحد تلو الآخر، من غير أن توضع الحلول الجذرية للازمات المتراكمة، خصوصا الاقتصادية والمالية منها.

واذا كان حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري قد تمكن من إمرار آب في سلام، ونجح في تأمين رواتب الموظفين وحاجات الدولة الاساسية بهندسة مالية آمنة، الا انه ليس في كل مرة تسلم الجرة بالضرورة، خصوصا ان الرجل كان صريحا في التنبيه الى ان الاستقرار النقدي الحالي هو موضعي ولا يمكن أن يصبح ثابتا من دون تنفيذ الإصلاحات التي يمكن أن تعود على الدولة بمداخيل تحقق لها الحد الأدنى من الاكتفاء الذاتي وتعفيها من الاستدانة او التسول.

ولكن يبدو أن هناك في الطبقة السياسية من لا يزال يصرّ على اعتماد سياسة النعامة والإنكار، نائماً على حرير الهدوء الحَذر في سعر الصرف وممتنعا عن أي إصلاح بحجّة ان الاولوية الوحيدة في هذه المرحلة هي لانتخاب رئيس الجمهورية، علما انه اذا استمر ربط كل شيء بإنجاز الاستحقاق الرئاسي فقد نصل إلى لحظة نخسر فيها الجمهورية من غير ان نربح رئيساً.

ويحاول منصوري عبر تحذيراته المتكررة حشر القوى السياسية والضغط عليها لدفعها الى إنجاز ما يتوجب عليها من إقرار قوانين وتدابير تساهم في تحسين مردودها وصولاً الى تمكينها من «الفطام» عن المصرف المركزي.

ويلفت القريبون من الحاكم بالإنابة الى انّ هناك مجموعة إجراءات من شأنها، لو تم اعتمادها، ان تؤمن جزءاً لا بأس به من النفقات الضرورية للدولة والتي تقدّر بـ 200 مليون دولار شهريا، كمكافحة التهرب الجمركي الواسع النطاق والذي تلجأ اليه شركات كبرى وتفعيل معالجة ملف الأملاك البحرية، الى جانب إقرار القوانين الإصلاحية.

اما اذا لم تبادر السلطة السياسية الى تحمل مسؤولياتها خلال الأسابيع القليلة المقبلة، فإن العارفين يؤكدون ان منصوري كان ولا يزال مصمما على عدم صرف سنت واحد من اموال المودعين لحساب متطلبات الدولة وعلى عدم مخالفة قانون النقد والتسليف، مستندا في موقفه الى اعتبارين، الأول انه يعرف ان مدة إقامته في الحاكمية محدودة ولا يريد أن ينزلق خلالها الى اي ارتكابات يلعنه عليها التاريخ لاحقاً بل يطمح الى ان يترك بصمة إيجابية، والثاني انّ نموذج رياض سلامة ماثِل أمامه ويشكل أكبر درس له، وبالتالي هو لا يريد أن يكرر السياسات الملتوية التي انتهجها الحاكم السابق طوال عقود وقادَته كما البلد نحو مصير قاتم.

ويكشف المطلعون ان في استطاعة منصوري إمرار شهر أيلول على خير كما فعل في آب، لناحية تأمين كلفة الرواتب والضروريات، من غير الاستعانة بأموال المودعين ولا تهديد الاستقرار الهش لسعر الدولار، «أما بعد ذلك، فإنّ اي اهتزاز قد يحصل ستتحمل تبعاته القوى السياسية ما لم تلجأ الى تغيير سلوكها والخروج من دائرة المراوحة التي تشبه المستنقع الآسن».

وبناء عليه، يلفت العارفون الى ان منصوري لا يضمن صمود «الستاتيكو» الحالي الى ما لا نهاية، خصوصا اذا اتسَعت متطلبات الدولة وزادت الكتلة النقدية بالليرة في السوق، وبالتالي ليس في مستطاع احد التقدير بدقة ماذا سيجري بعد نهاية أيلول وفي أي اتجاه ستتطور الأمور، «ولكن الأكيد ان أفضل طريقة لتفادي الكوابيس المحتملة تكمن في تأدية الـ «homework» الإصلاحي المطلوب من الدولة والنجاح في امتحان اكتساب الثقة والصدقية».

ويشدد هؤلاء على أن البلد في حاجة ملحة الى خطة طوارئ تتجاوز الكيديات والنكايات، وتعتمد وسائل وأنماط غير كلاسيكية في معالجة الملفات، وإلا سيكون لبنان على موعد مع خريف ساخن ماليا واقتصاديا، خصوصا انّ المعروف عنه انه فصل الضغوط والهموم.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




متى يتجه لبنان شرقًا، منتدى فلاديفستوك الاقتصادي نموذجًا

يعيش لبنان ازمة مالية واقتصادية خانقة سببها الرئيسي هو الحصار الاميركي عليه بسبب الواقع السياسي المناهض لسياسات الغرب، بالاضافة الى فشل محاولات الثورات الملونة بالنجاح في لبنان.

منذ ١٧ تشرين الاول من العام ٢٠١٩ دخل لبنان ازمة مالية واقتصادية خانقة، فتحركت مجموعات تابعة للولايات المتحدة الامريكية وبعض الدول الغربية وقامت بتخريب الاقتصاد اللبناني من خلال الاقفالات المتنقلة بالاضافة الى تحريك بعض الاحزاب السياسية المؤيدة لها والمناهضة لما يسمى قوى ٨ آذار.

اثبتت التجربة بعد قرابة ال٤ سنوات ان ما حصل في لبنان قد دمر اقتصاده وحوله الى اقتصاد مدولر في ظل عدم وجود قطاعات انتاجية مهمة فيه.

في مقلب اخر من العالم لا تتوقف دول روسيا والصين وايران وغيرها من تعزيز دور الشرق الاستراتيجي، فعقدت اتفاقيات استراتيجية مهمة مع دول جنوب اميركا من جهة، ومع دول في وسط اسيا وغربها من جهة اخرى.

منتدى فلاديفستوك واحد من منتديات روسيا الاقتصادية المهمة للبنان

في روسيا لا تتوقف منظمة روس كونغرس عن عقد المؤتمرات على مختلف اشكالها، لكن تبقى المنتديات الاقتصادية الاهم خاصة انها تحقق المردود الايجابي للدول التي تبحث عن تعاون اقتصادي وتجاري مفيد للطرفين.

أما في لبنان فهناك حاجة مُلحة للتعاون مع الشرق من اجل الخروج من الحصار الاميركي لان سبل التعاون كثيرة على الشكل التالي:

١- التعاون في بناء المناطق الصناعية من اجل تعزيز الصناعة في لبنان.

٢- التعاون على مستوى المرافق العامة في سبيل تطويرها خاصة بأن روسيا تتمتع ببنية مطارات ومرافئ بحرية هامة جدًا.

٣- التعاون في مشاريع استخراج الغاز في طل تربع روسيا على قائمة اهم الدول المصدرة للغاز وامتلاكها تقنيات التنقيب والاستخراج الحديثة بالاضافة الى حيثيتها الجيوسياسية المتقدمة.

٤- التعاون في مجال الطاقة الكهربائية نظرًا لقدرات روسيا الاستثمارية الكبيرة.

لا شك ان لبنان يعيش حصار غربي كبير قد يؤدي الى جره لحروب داخلية في حال تطور الحصار المالي والاقتصادي المفروض عليه، لذلك فإنَّ التوجه شرقًا هو الحل الانسب للتخلص من الهيمنة الغربية خاصة بأن مستقبل لبنان الاستثماري واعد جدًا

خاص الوطنية




12 سنة على صدور التقرير الشامل

لا عدالة دون تأهيل السجون

يعترف جميع المسؤولين اللبنانيين بسوء أوضاع السجون. ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك أحياناً، فيطلقون وعوداً ويعلنون وضع خطط من أجل تحسينها، أو هدمها، أو إعادة بنائها، أو إنشاء سجون أخرى جديدة. وعود لا ينتج منها إلا تحسينات طفيفة غير قادرة على معالجة أزمة مستفحلة منذ عقود.
إن ملف السجون لا يعني السجناء وذويهم والحرس وبعض الجمعيات غير الحكومية التي تسعى إلى توفير حاجاتهم الأساسية فحسب، بل هو مرتبط بعجز نظام العدالة وترهّل دولة القانون في لبنان. يتطلّب إصلاح السجون استمرارية ومتابعة وموارد مالية وبشرية ليست متوفرة بانتظام، فهل من حلحلة لأزمة السجون أو أنها إلى تفاقم؟

نشرت وزارة الداخلية والبلديات التقرير الوطني الشامل الأول عن أوضاع السجون في لبنان منذ 11 سنة (انطلق المشروع يومها بتوجيهات من الوزير زياد بارود). ويبدو أن ما تضمّنه من معلومات وتوصيف للتحديات والصعوبات في السجون ما تزال نفسها اليوم. 
التقرير المؤلف من 25 مجلّداً خلُص إلى أن أوضاع السجون في لبنان لا تتناسب مع المعايير الدولية، لا من النواحي العدلية والحقوقية والعقابية ولا من النواحي الاجتماعية والإصلاحية. وأضاف أن جميع مباني السجون لا يمكن أن تستوعب أكثر من 1500 سجين وفق المعايير الدولية، بينما عدد السجناء الحالي يفوق الـ8000 يحشرون فيها وفي بعض المخافر، ما يؤدّي إلى اكتظاظ خانق. باستثناء مباني السجن المركزي في رومية وسجن زحلة للرجال، جميع مباني السجون غير مصممة لتكون سجوناً بل مراكز للشرطة أو مستودعات.

أدخلت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي تعديلات على هذه المباني، لكنها غير كافية لتحويلها إلى سجون تتوافق مع المعايير الدولية. إذ إن معظمها موجود في الطبقات السفلية لثكن ومراكز تابعة لقوى الأمن لا يدخلها النور والهواء الطبيعيان بكمية كافية (النبطية، وجب جنين، وراشيا، وحلبا، وزغرتا، وجبيل، وجزين)، أو سرايا قديمة يعود تاريخ إنشائها إلى العهد العثماني (صور، وبعلبك، وتبنين، وعاليه، وزحلة للنساء)، حيث لا وجود لمخارج طوارئ في حال وقوع حريق أو حوادث تستدعي إجلاء السجناء والحراس. أما في سجن رومية، حيث لحظ التصميم الأساسي وجود تلك المخارج، لكن لا يمكن استخدامها نتيجة إغلاقها النهائي لدواعٍ أمنية. يذكر أن معدّات الإطفاء غير متوفرة بما يكفي في السجون ولا تتناسب خصوصيات المباني مع المتطلبات الأمنية، حيث لا يوجد أبواب مصفّحة، غير قابلة للخلع، تفصل أقسام السجن عن بعضها بعضاً ولا كاميرات مراقبة كافية، كما تفتقر إلى أجهزة تفتيش (ماسحات ضوئية).

المجاري الصحية في معظم السجون تعتريها مشاكل انسداد بسبب عدم قدرتها على احتواء مياه الصرف الصحي، لأنها مصمّمة بالأصل لخدمة أقل من نصف نسبة الاستخدام الحالي ولم يجرِ توسيعها. كما تعاني السجون نقصاً حاداً في مياه الشرب والاغتسال. أما الإمدادات الكهربائية في جميع السجون فهي غير مناسبة وعشوائية، متشابكة ببعضها ومهترئة وقد تؤدي إلى احتكاك في الأسلاك يشكل خطراً على سلامة السجناء والحرس. 

يشغل الجيش اللبناني أحد المباني غير مكتملة البناء في رومية. كما تشغل مجموعة من قوى الأمن معنية بتدريب الكلاب البوليسية جزءاً آخر من السجن. بينما يعاني السجناء ضيقاً في مساحات النوم والأكل والنزهة والمواجهات مع الزوار ووكلائهم القانونيين، وضيقاً حتى في المساحة التي تتيح لكل منهم الحفاظ على الحد الأدنى من الخصوصية الفردية. أضف إلى ذلك أن عدد المراحيض والحمامات في السجون غير كافٍ لخدمة عدد السجناء. 

ولا توجد أماكن مناسبة لحفظ الأغراض الخاصة لكل سجين. كما يشكو السجناء من الطعام الذي تؤمنه إدارة السجن، إذ يدّعي بعضهم أن فيه أوساخاً وحشرات وأنه غير كافٍ ولا يصلهم بالأواني المناسبة.
أما من الناحية الصحية، فالخدمات الطبية في السجون غير كافية ولا تتناسب مع المعايير الدولية. حيث عدد الأطباء والممرضين قليل (وقد أعلنوا أخيراً الإضراب عن العمل)، كذلك المستوصفات، إن وجدت، فهي غير مجهزة بالكامل. أما في ما يخصّ السجلات الطبية للسجناء فهي غير متوفرة في عدد من السجون، وإذا توفرت فتكون ناقصة بغالبيتها ولا تتناسب مع المعايير الدولية.
المساحة المخصصة للنزهة ضيّقة في جميع السجون ولا تتيح للسجناء ممارسة نشاطات رياضية، مع انعدام وصول أشعة الشمس إلى ساحة النزهة في بعضها (زغرتا، وراشيا، وجب جنين، وصور، والنبطية، وجبيل، وطرابلس للرجال). كما تعاني السجون نقصاً أو غياباً تاماً للنشاطات التربوية والرياضية والتعليمية والمشاغل والبرامج العلاجية النفسية. ولا توجد هواتف ثابتة في عدد منها، أما تلك التي توفّرت فيها فلم تكن كافية.
تُهرّب الهواتف الخلوية  إلى عدد من السجناء من الخارج ولا توجد آلات تشويش عليها. كما يشكو بعضهم من استنسابية في تعامل إدارة السجن والحراس معهم. والدليل على ذلك نظام الشاويش والخدم، إذ تختار إدارة السجن الشاويش (للمساعدة في إدارة شؤون السجن) والخدم (للتنظيف وتوزيع الطعام) من بين السجناء من دون العودة إلى معايير قانونية مكتوبة. كذلك يشكو السجناء من عدم تناسب ظروف المواجهات مع حاجاتهم الإنسانية للتواصل مع زوارهم وأفراد عائلاتهم خاصة. فباستثناء مبنى المحكومين في السجن المركزي، لا يوجد في السجون الأخرى أماكن يمكن أن يعانق فيها السجين أولاده وسائر أفراد عائلته. 

إن الاهتمام بالسجون بعدِّها المرافق العقابية الأساسية في لبنان هو اهتمام بنظام العدالة الشامل، إذ إن مرحلة تنفيذ العقوبة هي المرحلة الثالثة من نظام العدالة بعد مرحلتَي الضبط والمحاكمة، وهي المرحلة التي تحدّد الفشل عبر عودة المحكوم إلى الجريمة أو النجاح عبر إصلاحه. 

عمر نشابة

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار