هكذا سقط بند “حلّ الدولتين” من شروط التطبيع السعودي
|
منذ أشهر يتم تداول مسألة التطبيع بين الكيان المؤقت والسعودية على أنها مسألة وقت فقط، على الرغم من وصف شروط السعودية بالتعجيزية بالنسبة للكيان والولايات المتحدة. أول هذه الشروط هو الحصول على مفاعل نووي بالماء الثقيل لتحويله إلى سلاح نووي في وقت قصير، وهو الشرط الذي ترفضه إسرائيل. وثانيها هو اتفاق ضمان أمني شبيه بالناتو، أي أن تكون واشنطن جاهزة لتسليح السعودية تمامًا كما تسلح إسرائيل، وأن تكون مستعدة لخوض حروب السعودية في حال “الاعتداء عليها”. وهو الشرط الذي يقبله الإسرائيليون لأن مركزيته وتركيزه لا شكّ ستكون إيران. لكن ترفضه القاعدة الشعبية الديموقراطية في الولايات المتحدة، التي لا يزال شبح الخاشقجي يحلّق فوقها. أما البند الثالث الذي لم يحمله أحدٌ جديًا، ولم تتم مناقشته أصلًا في الأروقة السياسية الأمريكية ولا حتى الإسرائيلية، فهو بند حلّ الدولتين. وهو الأمر الذي أثار سؤال: هل السعودية جدية حقًا في هذا البند؟ أم أنه مجرّد واجهة ترضية حتى لا يقال إن “زعيمة” العالم الإسلامي تخلت عن مقدساتها؟
جاء الجواب بتاريخ 12/08/2023، في توقيت إعلان وزارة الخارجية السعودية تعيين سفيرًا فوق العادة لدى السلطة الفلسطينية. تمّ تحليله في الصحافة والإعلام على أنه رسالة للفلسطينيين بأن السعودية لم تنساهم. لكن السؤال هو لماذا تمّ تذكّرهم فقط في وقت متقدّم من التفاوض على البندين الأساسيين وفي ظلّ إصرار السعودية على التمسك بهما؟ وبذلك تكون الرسالة الحقيقية هي أنّ السعودية تستخدم هذه القضية كورقة ضغط للقبول بالشروط الأولى، خاصة أنها تعلم جيدًا، أن حلّ الدولتين ليس واردًا عند الإسرائيليين. لدرجة أنهم يرفضون فتح حتى بعثة دبلوماسية سعودية رمزية في القدس، وهذا تأكيد على ثابتة عدم قبول أي نوع من التنازل للفلسطينيين حتى لو كان شكليًا، فكيف بحلّ الدولتين.
خطوة التعيين أيضًا ليست بعيدة عن كونها إشارة للفلسطينيين مفادها أنهم يسيرون في اتجاه التطبيع. ذلكّ أنّ تعيين سفير سعودي في رام الله، والذي سيكون أيضًا قنصلًا في القدس، سيكون حلًا شكليًا ودبلوماسيًا لمأزق السعودية في التخلي عن فلسطين أمام الشعوب. فتأتي هذه الخطوة في إطار الحلول الشكلية التي من شأنها أن تخفف من حدة الانتقادات السياسية. لكن الأهم، هو ما أوردته صحيفة معاريف عندما أشارت إلى أن هذا التعيين التاريخي الأول من نوعه، قد يكون رسالة للأردن التي تتولى الوصاية على مدينة القدس، بأن السعودية هي من ستتسلم زمامها خلال هذه الصفقة. وبذلك تكون السعودية قد وضعت يدها على أبرز الرموز الإسلامية، مكة والمدينة والقدس، وتكون قد مارست سلطتها ونفوذها على الرغم من أنها قامت بخطوة التطبيع دون أن تفرض حلّ الدولتين. والحجة هي دعم الفلسطينيين وإدارة شؤونهم، وبالتالي لا تكون قد تخلّت عن الفلسطينيين على الرغم من التخلي عن القضية.
في تصريح لصحيفة هآرتس، قال مسؤول إسرائيلي مطلع على المحادثات إن الخطوة رمزية ولن نعارضها، في حين اتهمت يديعوت أحرنوت بن سلمان بأنه يسعى إلى احتلال مكانة مصر في قيادة العالم العربي، خاصة أن مصر اليوم هي دولة فقيرة ومتعثرة. وأنّ التعيين المفاجئ هو لفتح محور جديد نحو إسرائيل.
وعليه يمكن تلخيص الآراء حول خلفيات الخطوة السعودية على الشكل التالي:
الاتجاه الأول: يرى أن القرار السعودي يندرج ضمن تشديد الموقف تجاه صفقة التطبيع مع الكيان المؤقت للحصول على “تنازلات” لصالح الفلسطينيين، من ضمنها تنازلات تشمل القدس، وهو ما تفسره خطوة تعيين قنصل في القدس. وبالتالي فإنها تمهيد لإعلان صفقة التطبيع من خلال الترويج أنها تأتي بهدف تحصيل حقوق للفلسطينيين، على غرار خطاب الدول المطبعة التي سبقتها، وذلك لاستباق الرد على حملات الهجوم التي ستواجه المملكة.
الاتجاه الثاني: يرى أن تعيين قنصل عام في القدس يعني التمهيد لدور سعودي متزايد في الإشراف على الأماكن المقدسة الإسلامية في إطار مناكفة الأردن الوصية على المقدسات الدينية في القدس ومنافسة المكانة التاريخية لمصر فيما يخص أوضاع الفلسطينيين.
الاتجاه الثالث: يرى في الخطوة رسالة سعودية لأمريكا وحليفتها “إسرائيل”، تتلخص بتشديد شروط مفاوضات التطبيع في ظل العرقلة الأمريكية الإسرائيلية للملف النووي السعودي.
الاتجاه الرابع: يرى أن الخطوة لا تعدو كونها “خدعة” تحمل في طياتها عكس ما يروج له، إذ أن السفير السعودي هو سفير لدى “إسرائيل” في الحقيقة، ولكن تحت الغطاء الفلسطيني، بموجب اتفاق مسبق بين الأميركي والإسرائيلي والسعودي.
زينب عقيل
المصدر: موقع الخنادق
إرهاب المستوطنين.. جرائم بلا عقاب برعاية حكومة الاحتلال
|
رغم التصريحات العلنية لمسؤولين في جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) وسياسيين وغيرهم ممن وصفوا اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين بالإرهابية، فإن احتمالات محاكمة ومعاقبة هؤلاء ضئيلة، كونهم يحظون بدعم أوساط في الحكومة، فضلاً عن تجارب سابقة لم يُعاقب بها قتلة الفلسطينيين.
ولا يعني استنكار “الشاباك” وجيش الاحتلال أنهما أفضل من المستوطنين في ممارساتهما، ولكن لكل حسابته ودوره في حماية مصالح دولة الاحتلال، وعلى طريقته. والجيش الذي يعتبر إحراق بيوت الفلسطينيين والاعتداء عليهم وقتلهم إرهاباً، على غرار ما حدث مع الشاب الشهيد قصي معطان (19 عاماً) الذي قتله مستوطنان يوم الجمعة الماضي، هو ذات الجيش الذي دمّر مخيم جنين في الحملة العسكرية الأخيرة وقتل عدداً من المقاومين ولطالما استهدف المدنيين في الضفة الغربية وقطاع غزة وسائر فلسطين وارتكب جرائم فظيعة، وكثيراً ما كان ذلك بتهيئة الأرضية له مسبقاً من قبل الشاباك.
وتشهد الضفة الغربية المحتلة تصاعداً في اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين الأمر الذي قد يشعل الأوضاع.
وحذر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هغاري، من أن ازدياد الجرائم القومية الإرهابية من قبل المستوطنين ضد الفلسطينيين، قد يقود إلى عمليات فلسطينية ضد أهداف إسرائيلية. ويتوافق ذلك مع التحذيرات التي أطلقها رئيس جهاز الأمن العام الإسرائيلي (الشاباك) رونين بار.
ويشعر المستوطنون في الضفة الغربية المحتلة في الآونة الأخيرة، بحرية أكبر في تحركاتهم، في ضوء وجود أعضاء كنيست ووزراء داعمين لهم، بل هم بأنفسهم كانوا شركاء في تغذية هذا الفكر المتطرّف وممارسته على أرض الواقع، مثل وزير الأمن القومي ايتمار بن غفير ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل أيضاً منصب وزير في وزارة الأمن، من أجل تعزيز الاستيطان وممارسات المستوطنين في الضفة.
أما بن غفير فقد سمح لأعضاء كنيست متطرفين بزيارة المستوطن الجريح الذي قتل الشاب معطان، لتقديم الدعم له والدفاع عنه، من بينهم النائبة طالي غوتليب (الليكود) والنائب تسفي سوخوت (الصهيونية الدينية).
نظام مشوه
في غضون ذلك، تقول الكاتبة في صحيفة “هآرتس” يوعانا غونين، إن تجارب السابق، تشير إلى أن المستوطنين الضالعين في قتل الشاب قصي معطان قد لا يحاكمون على الأرجح، “وبالتأكيد لن يتم تحقيق أي عدالة في ظل نظام مشوه حيث يتم التعامل مع الإسرائيليين والفلسطينيين بشكل مختلف تمامًا من جهة القانون”.
واستعرضت الكاتبة واقعتين مشابهتين من العامين الأخيرين، إحداهما قيام مستوطن بقتل الشهيد علي حرب في قرية اسكاكا شرقي محافظة سلفيت في يونيو/ حزيران 2022، وذلك لدى وصول مجموعة مستوطنين إسرائيليين إلى أرض خاصة، في إطار مساعيهم لإقامة بؤرة استيطانية عشوائية بمحاذاة مدخل مستوطنة أريئيل. وعندما حاول الأهالي طردهم، أقدم مستوطن على طعن حرب مباشرة في قلبه.
وزعم القاتل أن طعنه للشهيد جاء في إطار دفاعه عن نفسه، رغم أن توثيقات نُشرت في حينه تكذّب روايته.
وتظاهر متطرفون من اليمين دعماً للمستوطن القاتل، كان بينهم سموتريتش الذي كان عضو كنيست في حينه، وكذلك بن غفير والنائبان سيمحا روتمان وآفي معوز.
ولم تتعمق الشرطة في تحقيقاتها، كما لم تعر اهتماماً لشهادات الفلسطينيين وبعد شهرين من الجريمة الإرهابية، قررت النيابة إغلاق الملف.
وشهد عام 2023 جريمة أخرى على خلفية قومية في منطقة سلفيت في شهر فبراير/ شباط بعد أن تشكّلت حكومة جديدة وتغيّر قائد هيئة اركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، لكن الواقع على الأرض لم يتغيّر في الضفة الغربية المحتلة، بل ربما يمكن الجزم اليوم بأنه أصبح أسوأ وبرعاية رسمية في عهد الحكومة الحالية.
فقد أقدم مستوطن على قتل الشهيد مثقال ريان، في بلدة قراوة بني حسان غرب سلفيت، خلال تصديه مع أهالي بلدته لهجوم مستوطنين من البؤرة الاستيطانية “حفات يئير”، على الجهة الشمالية للبلدة.
ولم تقم سلطات الاحتلال الإسرائيلي بجمع إفادات الفلسطينيين وشهاداتهم، فيما ادّعى المستوطنون أنهم تجوّلوا في المنطقة وأطلقوا النار في الهواء دفاعاً عن النفس لدى تعرضهم لهجوم، ولم يُحاكم أحد منهم.
وما أشبه اليوم بالأمس، حيث هاجمت مجموعة من المستوطنين المسلحين من مستوطنة “عوز تسيون” قرية برقة الفلسطينية يوم الجمعة الماضي، واقتحموا أراضي خاصة، هذه المرة بحجة رعي الأغنام، ولدى تصدي الأهالي لهم قتل مستوطن الشاب قصي معطان، فيما زعم المستوطنون أنهم أطلقوا النار دفاعاً عن النفس.
وتبين أن المستوطن المشتبه بالقتل هو أليشع ييرد، الناطق السابق باسم النائبة في الكنيست عن “القوة اليهودية” ليمور سون هار ميلخ.
ويحظى المستوطن بدعم مستوطنين ونشطاء في اليمين. وعدا عن النواب الذين زاروه، اعتبر بن غفير أن “من يدافع عن نفسه من إلقاء الحجارة يجب منحه وساما”، في إشارة واضحة إلى موقفه مما حدث.
وبناء على أحداث سابقة، فمن المتوقع أن يفلت القاتل بفعلته هذه المرة أيضاً، كما هي العادة في دولة الاحتلال وبنفس الذرائع.
وكثيراً ما يصل المستوطنون الإرهابيون الذين يعتدون على الفلسطينيين من بؤر استيطانية غير شرعية لم يتم إخلاؤها أبدًا، مع التأكيد على أن جميع المستوطنات والبؤر غير شرعية، فيما تغض قوات الأمن الطرف عن عنفهم الممنهج.
تأطير الإرهاب
وفي ظل هذا الواقع المعقّد، ليس للفلسطينيين سبيل قانوني للدفاع عن أنفسهم، بل “حين يستدعون الشرطة أو الجيش، فإن هؤلاء يقفون ضدهم أو يساعدون المستوطنين” بحسب مقال رأي للكاتبة في “هآرتس”، يوعانا غونين، نشر اليوم الثلاثاء، فيما “يقوم الإعلام بتأطير الإرهابيين على أنهم (فتية) والإرهاب على أنه (جدال)، بينما يمتدح السياسيون المجرمين والنيابة تغلق ملفات القضايا”.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن حكومة الاحتلال، تموّل مراقبة المستوطنين لتحركات الفلسطينيين على مستوى الزراعة والبناء في المناطق (ج)، وهي ميزانيات رصدتها حكومة “بينت – لبيد”، حكومة الاحتلال السابقة، وضاعفتها حكومة نتنياهو الحالية.
وفي هذا السياق، أشارت الكاتبة غونين إلى أنه ثمة من يريد تصوير المستوطنين كأنهم هم المشكلة، “ولكن الدعم المباشر وغير المباشر الذي يحصلون عليه، يكشف حقيقة أنهم مجرد مساعدين لسلطات الدولة الرسمية لتحقيق أهدافها: قمع السكان الفلسطينيين وممارسة التطهير العرقي في الضفة الغربية. وبعبارات أخرى، خلافاً للادعاء الذي انتشر في الأيام الأخيرة، فإن المستوطنين اليهود ليسوا الذراع العسكرية لحزب القوة اليهودية، بل الذراع العسكرية لدولة إسرائيل”.
نايف زيداني
المصدر: صحيفة العربي الجديد
“أبرتهايد رسمي”.. إسرائيل: لجأنا إلى “الانقلاب النظامي” لأنه وسيلتنا لـ”ضم الضفة”
|
لا حاجة لانقلاب نظامي في دولة المستوطنين. ما يريدون إحداثه في حدود إسرائيل يزدهر منذ زمن بعيد في المناطق المحتلة: واقع لا حكم فيه ولا حاكم.
الجمعة، قتل مستوطنون الفلسطيني ابن 19، وهو قصي معطان، في أراضي قرية برقة المجاورة لرام الله. روى السكان بأن مستوطنين مسلحين دخلوا إلى القرية وأفسدوا ممتلكات. في المواجهة التي اندلعت، رشقوا حجارة ولاحقاً فتحوا النار. قتلوه وأصابوا أربعة فلسطينيين آخرين.
اعتداءات المستوطنين ليست أمراً شاذاً، وهي في ميل ارتفاع، بخاصة حين يكون واضحاً لهم بأن ممثليهم يسيطرون على الحكومة ويساندونهم. انتهى الأمر بالقتل هذه المرة. ووفق مصدر أمني، جاء المستوطنون من بؤرة غير قانونية في المنطقة. هذه التعابير الكاذبة تجذرت عميقاً لدفع الجمهور كي ينسى أن مشروع المستوطنات غير قانوني وأن البناء “القانوني” في “المناطق” [الضفة الغربية] جريمة دولية.
لكنه تمييز سيختفي قريباً عن اللغة، وغير القانوني سيصبح قانونياً، إذ ستسن الكنيست ما يروقها دون كابح. وهي مجرد مسألة وقت إلى أن تنهي الحكومة إذلال محكمة العدل العليا، وإلى أن يسن الائتلاف المتزمت، الذي يقوده مستوطنون وفاسدون، قوانين تقول إنه لا يوجد إلزام باحترام الممتلكات الفلسطينية الخاصة، مثلاً، أو أن يفرض السيادة على المناطق ويؤمم كل الأراضي. من سيوقفه؟ لقد طلبت الإدارة المدنية إخلاء البؤرة الاستيطانية المجاورة “عوز تسيون”، لكن سموتريتش رفض الطلبات كونه يسيطر على مديرية الاستيطان في وزارة الدفاع.
أمس، اعتقل مستوطنان وأوقف خمسة آخرون للاشتباه بالمشاركة في الحادثة. وحسب مصدر في جهاز الأمن، المعتقلان هما ناشطان يمينيان متطرفان، أحدهما كان ناطقاً بلسان نائب من كتلة “قوة يهودية”، وكان يعتبر هدفاً مركزياً لـ “الشاباك”. وهذا يدلنا على أنه لا فرق بين “فتيان التلال” وممثليهم في الكنيست والحكومة.
حتى قبل أن يسيطر إيتمار بن غفير على وزارة الأمن القومي، وسموتريتش على الإدارة المدنية، كان من الصعب أن نتوقع استنفاد القانون مع المجرمين المستوطنين. المشروع الاستيطاني ما كان ليزدهر لولا دعم كل حكومات إسرائيل. لكن واضح أن عنف المستوطنين سيتعزز تحت الحكومة الحالية، وأن كلاً من القدرة والدافعية لدى الجيش لقمعه ستترديان، وأن جهاز القضاء سيفقد قوته في توفير ولو القليل من الدفاع الذي كان يوفره للفلسطينيين. والتصعيد الأمني بات مسألة وقت، كما تبين لنا أمس في عملية الثأر في تل أبيب
علينا ألا ننسى: الانقلاب النظامي ليس سوى وسيلة فقط، أما الغاية فهي السيطرة على المناطق كلها بأبرتهايد رسمي: ملايين الفلسطينيين تحت سيادة إسرائيلية، بلا مواطنة أو حقوق. السبيل لوقف هذا الميل هو احتجاج جماهيري وتدخل دولي.
هآرتس 6/8/2023
ترجمة: صحيفة القدس العربي
قوات الاحتلال الإسرائيلي تغتال 3 فلسطينيين في سيارة قرب جنين
|
زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، أن قوات تابعة له، قضت على “خلية مسلحة” في منطقة جنين شمالي الضفة الغربية. وقال الجيش في بيان: “قوات الأمن تقضي قبل قليل على خلية مخربين في منطقة جنين، يتبع لاحقًا” دون مزيد من التفاصيل.
وقال حازم قاسم المتحدث باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إن اغتيال الشهداء لن يمر دون عقاب.
وأضاف في بيان “العدو الصهيوني يرتكب جريمة جديدة باغتياله لثلاثة من أبناء شعبنا الفلسطيني في جنين، في تصعيد لعدوانه وإرهابه المتواصل على شعبنا”.
وقال “الاحتلال لن يفلت من دفع ثمن جرائمه”.
بدورها، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية (رسمية) أن “قوة من وحدة اليمام الخاصة التابعة لشرطة حرس الحدود، تمكنت من اغتيال خلية مسلحة قرب جنين”. ويأتي ذلك، قبل أقل من 24 ساعة على تنفيذ عملية إطلاق نار، وسط مدينة تل أبيب، استشهد فيها منفذ العملية، وقتل رجل أمن إسرائيلي. ونقل شهود عيان، بأن قوة خاصة للاحتلال كانت تستقل مركبة مدنية، اعترضت مركبة فلسطينية في منطقة “بير الباشا” جنوبي جنين، شمال الضفة الغربية. وأضاف أن القوة الخاصة أطلقت وابلا كثيفا من النيران تجاه المركبة، وأفادت وسائل إعلام عبرية اغتيال 3 فلسطينيين كانوا داخل المركبة.
المصدر: صحيفة القدس العربي
جنين: فكرة المقاومة المتراكمة
|
في إبريل/نيسان 2022، اعتبر قائد منطقة جنين في جيش الاحتلال؛ إريك مويال، في مقابلة مع الصحافة العبرية، أن سكان جنين؛ يقصد المدينة والريف، يكرهون مخيم اللاجئين، و”معظمهم يسعى لكسب رزقه في النهاية”. مضيفاً “كان الاقتصاد في جنين مجنونًا في السنوات الأخيرة. في أيام السبت، تدخل أكثر من 3000 مركبةٍ عربيةٍ إسرائيليةٍ، يأتون إلى هنا للتسوق، ويتركون ملايين الشواكل في جنين. المتاجر والتجارة مزدهرة….. إنه جيد للاقتصاد المحلي، وهو جيد لنا لأن لديهم ما يخسرونه”.
منذ نهاية انتفاضة الأقصى (2000-2005)، رُسخت المقاربة الاقتصادية، ومنظومة “التسهيلات”، كأداة سيطرةٍ استعماريةٍ إسرائيليةٍ، تنتج تلقائيًا؛ وفق هذه الرؤية الإسرائيلية، استقرارًا أمنيًا. فجاءت وثيقة مؤتمر هرتسليا عام 2009 على نموذج جنين، كحالة نجاحٍ يجلب الاستقرار الأمني، عبر تخفيف القيود الاقتصادية. لكن السنوات الأخيرة، وضعت هذه المقاربة على المحك.
فرغم تصاعد القيود الإسرائيلية على الاقتصاد في جنين، والتي تصل تكلفتها إلى حوالي 6 ملايين شيكل لكل يوم إغلاق، إلا أن جنين، بمدينتها وريفها، قد صعّدت من مستويات احتضانها للمخيم على اعتباره حالة مقاومةٍ جمعيةٍ، وصولًا إلى يوليو/تموز 2023. فشهد المخيم حالة دعمٍ شعبيٍ شاملٍ غير مسبوقة، تجاوزت حسابات الربح والخسارة، التي تفهمها إسرائيل، واسقطت فرضية مويال حول انعزال حالة المخيم.
في الحقيقة، تلقت المقاومة في مخيم جنين، الدعم الشعبي الشامل لعدة أسبابٍ، هي: ابتعاد سلاحها عن الاستعراض، وابتعادها عن الاستقطاب الداخلي، وعن الصدامات المتولدة عن ذلك، ومراكمتها لإنجازاتها ولقدراتها، وهويتها الجمعية الشاملة والعابرة للفصائل، إلى جانب حالة العجز العام وغياب البدائل المقبولة فلسطينيًا. ففي جنين، من الصعب التفريق ميدانيًا بين كتيبة جنين؛ سرايا القدس، ولواء الشهداء؛ كتائب شهداء الأقصى، وهما الفاعلان الميدانيان الأبرز على الأرض، وهذا ما دللت عليه أيضًا عملية استهداف جنديٍ إسرائيليٍ خلال انسحاب القوات المهاجمة من جنين بداية يوليو/تموز 2023، والتي تبنتها كلٌ من الكتيبة وكتائب شهداء الأقصى وكتائب القسام وكتائب أبو علي مصطفى.
في عدوان يوليو؛ وظفت إسرائيل أكثر من ألف جنديٍ، مدعومين بالطيران المروحي والمسيرات، ومعززين بالمركبات المدرعة والجرافات العسكرية، في عمليةٍ واسعةٍ أطلقت عليها إسرائيل اسم “البيت والحديقة”، وأسمتها المقاومة “بأس جنين”. اعتمدت قوات الاحتلال المباغتة عبر ضرباتٍ جويةٍ، تلاها تقدمٌ واسعٌ نحو المخيم من عدة محاور، تسبقها الجرافات العسكرية، التي حفرت الشوارع المؤدية إلى المخيم، تحسبًا لأية عبواتٍ ناسفةٍ مزروعةٍ. لتقوم قوات الاحتلال بضرب طوقٍ كاملٍ حول المخيم، مدعومًا بغطاءٍ جويٍ عبر مسيراتٍ استطلاعيةٍ، قبل أن تتقدم ببطء من الأطراف.
حاول الاحتلال استهداف الحاضنة الشعبية، عبر إعمال قوةٍ تدميريةٍ كبيرةٍ في البنية التحتية، وفي المنشآت والمنازل، واستُخدمت جرافة الـ D9 العسكرية، ذات القدرة التدميرية الكبيرة، التي يَحملُ أهالي مخيم جنين ذكرياتٍ صعبةً معها، منذ اجتياح 2002. كما استهدف الاحتلال أهل المخيم، عبر تهجيرٍ مرعبٍ ليلة اليوم الأول من العدوان، والذي طاول 3000 مواطنٍ فلسطينييٍ، كان إخلاؤهم من منازلهم تهديدًا مباشرًا بمسح بيوتهم، في تهجيرٍ ثالثٍ بعد نكبة 1948 واجتياح 2002.
وعلى الطرف الآخر؛ واجهت قوات الاحتلال شكلًا جديدًا في الضفة الغربية من الكمائن المدروسة، التي استَخدمت فيها المقاومة العبوات الناسفة المزروعة في الأرض، والاستهداف بمواقع محددةٍ، والانسحاب المدروس، ما قلل الخسائر في صفوف المقاومة إلى حدها الأدنى؛ اعتقالًا وقتلًا، ووضع الاحتلال أمام حلولٍ ضيقةٍ، في ظل الحسابات السياسية المصاحبة للعملية.
المخيم: الفكرة تنتشر
تكمن أهمية المخيم بالنسبة للمقاومة في كونه مساحةً آمنةً؛ نوعًا ما، يلتجئ إليها المقاومون، وينظمون أنفسهم، ويطورون قدراتهم، ويبنون خططهم، فالتجأ العديد من منفذي العمليات ضد أهدافٍ إسرائيليةٍ إلى المخيم على اعتباره مساحةً حصينةً. في عدوانه الأخير؛ هدف الاحتلال إلى كسر هذه المساحة، وتحويل المقاوم إلى مطاردٍ بلا غطاءٍ، وبالتالي إذابة الحالة في جنين، لكن هذه المساحة توسعت وكسبت حاضنةً أوسع في الريف والمدينة.
عزز العدوان الأخير؛ وما نتج عنه، مكانة جنين باعتبارها حاضنةً لمقاومةٍ شعبيةٍ شاملةٍ، ينخرط فيها المخيم والريف والمدينة، فرغم أن الاحتلال استهدف عزل المخيم وقضمه تدريجيًا، إلا أنه واجه مقاومةً عنيفةً في شوارع جنين لا المخيم، حيث دارت أعنف الاشتباكات في مركز المدينة، وفي المربع التجاري، إلى جانب مدخل المدينة الشمالي. اللافت أن المقاومة على هذه المحاور تنوعت بين مسلحة، وشعبية بالحجارة، وانخرط فيها الفتية والشبان من المدينة وريفها، في محاولةٍ لإسناد المخيم.
في الريف، برزت دعوات لمَسيرات بالمركبات تتوجه إلى جنين، لإسناد المخيم وفك الحصار عنه، ووصلت عدة مبادراتٍ منها إلى مبتغاها، ووصل شبانٌ إلى المدينة وأطراف المخيم، واشتبكوا مع دوريات الاحتلال بالحجارة على نطاقٍ واسعٍ، إلى جانب تتابع مبادرات الدعم والإسناد المادي واللوجستي للمدينة والمخيم، خلال وبعد العدوان.
عمليًا؛ كان هذا النمط المقاوم جزءًا من تاريخ جنين، فخلال الثورة الكبرى، التي كانت المنطقة أحد أهم مراكزها، اتسمت المقاومة ومعاركها البارزة مع الاحتلال بكونها شاملةً وواسعة النطاق، كما اتسمت بانتشار “النجدات”، التي كانت تحسم المعارك مع القوات البريطانية، ومنها معركة اليامون (1938)، ومعركة جبع (1936)، وهي مجموعاتٌ من المقاتلين الذين كانوا يهبون من القرى المحيطة بموقع المعركة، لفك الحصار وفتح الثغرات. ومعركة جنين في العام 1948، التي انخرط فيها المقاومون من الريف مع الجيش العراقي، وحرروا المدينة بعد احتلالها من قبل المليشيات الصهيونية.
أيضًا، رسَّخ هذا العدوان موقع المخيم كمفهومٍ وطنيٍ عابرٍ للجغرافيا، وهي هويةٌ تراكمت خلال السنوات الثماني الأخيرة، وتوجت في يوليو، تمحورت حول اعتبار المقاومة فعلًا جامعًا، والمخيم كيانًا وطنيًا مقاومًا، وأن التناقض الواضح مع الاحتلال تناقضٌ وحيدٌ يوحد كل الفلسطينيين. ولا يمكن عزل هذا المفهوم عن جذوره في الذاكرة الوطنية الحية والمستمرة منذ العام 1918 حتى اليوم، التي تتجلى في جنين في اتصال هذه الذاكرة على مستواها المعاصر مع اجتياح 2002، كونه حالةً بطوليةً وانتصارًا بالصمود، وبين ما يحدث اليوم على الأرض، والذي يستعاد من خلاله رمزيات الاجتياح ومواجهته، في خطاب المقاومة والخطابات السياسية المحيطة، وتعود هذه الذاكرة إلى تجربة انتفاضة الحجارة 1987، التي برز فيها المخيم مساحةً حصينةً، استعصى على الاحتلال اقتحامها، ترسخت فيه بنى التنظيم الذاتي المقاوم، كما كان مخيم جنين، إحدى أهم نقاط ارتكاز الأذرع العسكرية المقاومة للفصائل الوطنية خلال تلك الفترة، كالفهد الأسود؛ فتح، والنسر الأحمر؛ الجبهة الشعبية.
وعلى المستوى الوطني؛ اعتبر الفلسطينيون في قرى التماس مع المستوطنين أن جنين ردعت هجمات المستوطنين، ولو جزئيًا. ما عمم الثقة والإيمان بالحالة وطنيًا، في ظل العجز العام، وغياب أية حلولٍ أو خياراتٍ أخرى.
لم تنجح القوة العسكرية، والمقاربة الاقتصادية، في تذويب الحالة المقاومة في جنين، بل على العكس. لكن ما تزال الذهنية العسكرية الإسرائيلية تطالب بمعالجة فشل القوة بمزيدٍ من القوة، وهذا طبيعي مع البنية الاستعمارية ومحدداتها. يتصاعد اليوم في الإعلام الإسرائيلي الحديث عن “لبننة” جنين، وسيرها بخطى ثابتة نحو نموذج جنوب لبنان، أو نموذج غزّة، من حيث تطوير القدرات العسكرية، ورفع مستوى الجهوزية، والقدرة على الانتقال من الدفاع إلى المبادرة؛ المقاومة. كما أثار الحديث عن ضبط مشاريعَ أوليةٍ لصواريخ أطلقت، أو كانت معدةً للإطلاق، خوفًا من أن يصبح “غلاف جنين” نموذجًا أكثر إيلامًا من “غلاف غزّة”. لكن يبقى السؤال الأبرز الآن: ما الذي يمكن للاحتلال أن يفعله في المخيم أكثر مما فعل وفشل به، إلا المسح الشامل؟
إبراهيم ربايعة
المصدر: صحيفة العربي الجديد
الشعب الفلسطيني تحت قهر الاحتلال والمقاومة ردة فعل طبيعية
|
يعيش الشعب الفلسطيني في ظروفٍ قاهرة تفرضها عليه إسرائيل بالنار والحديد. ولذلك، فإنّ أيّ عمل من قبله هو ردة فعلٍ طبيعية على الاحتلال والقهر والامتهان.
يعيش الشعب الفلسطيني في ظروفٍ قاهرة تفرضها عليه إسرائيل بالنار والحديد. ومنذ بداية عام 2023، لقي 174 فلسطينياً مصرعهم برصاص الجيش الإسرائيلي. وفي عام 2022، قتل 232 من الفلسطينيين. وإذا ما استثنينا ضحايا الحروب الإسرائيلية على غزّة، فإن عام 2022 كان العام الذي لقي فيه أكبر عدد من الفلسطينيين مصرعهم على يد إسرائيل. وللعلم، فإن أغلب الضحايا كانوا من فلسطينيي الضفة الغربية.
وبطبيعة الحال، فإن الأرقام السابقة تشير إلى واقع الحال في فلسطين. فإسرائيل تحتل أراضي الفلسطينيين، ولا تبالي بالقرارات الدولية المنصفة لحقوق الفلسطينيين. كما أن هذه الدولة تتمتع بجبروت عسكري لا يضاهى. وفوق كلّ ذلك، فإنها تهيمن على الفلسطينيين ومواردهم وحركاتهم.
وإذا ما مضينا بالإحصائيات، فإننا سنشعر بما يعيشه الفلسطينيون من وضعٍ بائس. وأقل ما توصف فيه خسائر الفلسطينيين البشرية بين عامي 2006 و2021 بالفادحة. وإذا ما احتسبنا ضحايا الحروب التي شنتها إسرائيل على غزة، فإن عدد القتلى الفلسطينيين في تلك الفترة يصل إلى 7269 شخصاً، بمعدل 484 فلسطيني سنويا. في المقابل، فقد خسرت إسرائيل 340 إسرائيلياً في نفس الفترة. وبكلماتٍ أخرى، فإن خسائر الفلسطينيين تبلغ 21 ضعف خسائر الإسرائيليين.
أما على مستوى الجرحى الفلسطينيين في تلك الفترة، فإنّ عددهم يبلغ 104919 فلسطينياً، مقابلهم 3143 إسرائيلياً. أي أنّ الجرحى الفلسطينيين يشكلون 23 ضعفا من الجرحى الإسرائيليين، علما بأنّ إصابات الفلسطينيين أشد أو أكثر ضررا.
العامان الحالي والماضي شهدا موجة عملياتٍ فدائية جريئة. وفي أغلب الأحيان، استخدم في هذه العمليات أسلحةٌٌ نارية. واتسمت هذه العمليات بالفرديّة، والاستقلالية عن الفصائل. واستهدفت هذه الموجة في أغلب الأحيان جنودا ومستوطنين، وشملت أحيانا مدنا إسرائيلية. ومنفذو هذه العمليات أشخاصٌ من الجيل الشاب. أغلبهم نشأ بعد الانتفاضة الثانية.
الموجة الجديدة هي امتدادٌ للموجات التي شهدتها الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 2015. وتلك الموجات اتسمت أيضاً بالفردية، مع استخدام السكاكين والدهس. وكلها تعتبر امتداداً للهبات الشعبية التي شهدتها الأراضي الفلسطينية، سيّما في القدس.
ما يفترض لفت الانتباه إليه، أو التذكير به، هو أنّ الشعب الفلسطيني يرزح تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، على الأقل منذ 1967، أي منذ 56 عاما. وكلّ هذا الكلام عن الاحتلال يتوافق مع ما صادقت عليه قرارات مجلس الأمن الدولي وكلّ هيئات الأمم المتحدة.
وبكلماتٍ أخرى، فإن الفلسطينيين ضحية احتلال إسرائيل لأراضيهم والسيطرة على حياتهم بالقوة. وهم يعيشون حالة القهر، والإحباط، والغضب، وفقدان الأمل، سيما بعد انسداد أي أفق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ويترافق ذلك مع انتشار حالة الفقر، والبطالة، وافتقاد فرص العيش الكريم. ولذلك، فإنّ أيّ عمل من قبلهم، وضمنه المقاومة، هو ردة فعلٍ طبيعية على الاحتلال والقهر والامتهان؛ هذا أولا.
ثانيا، ثمة تحولٌ كبير وخطير يحدث اليوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبات الفلسطينيون في مواجهة جيش الدولة الاستعمارية العنصرية، وفي مواجهة جيش آخر وهو ميليشيات المستوطنين المتطرفين. وللمعلومية، فإن هؤلاء المستوطنين يقيمون بشكل غير شرعي في أراضي الفلسطينيين، ويعتدون على أملاكهم، ويهددون حياتهم. ويعني هذا الوضع أن الصراع بين الطرفين عاد إلى المرحلة الصفرية، بحيث بات على الوجود، وليس على شكل الوجود فقط.
ثالثا، تأتي مقاومة الفلسطينيين لمواجهة سياسات إسرائيل التي تتمثل بالاستيطان ومصادرة الأراضي وهدم البيوت والاعتقال والقتل. وهنا، لا بدّ وأن نقول إنّ ما تتبعه إسرائيل من سياسات يغلق أيّ نافذة أملٍ لدى الفلسطينيين بشأن حياةٍ طبيعية ومنصفة لهم في أراضيهم.
رابعا، ثمة ملاحظةٌ مهمة مفادها أن خسائر إسرائيل البشرية، والمعنوية، من عمليات فدائية متفرقة، نفذها شبابٌ أفراد، مستقلين عن الفصائل. وهذا التطور ناجمٌ عن الغضب الناتج عن سياسات إسرائيل القمعية والقهرية والتي تمتهن الفلسطينيين. وفاقم من أثر تلك السياسات اعتداءات المستوطنين الهمجية على بيوت الفلسطينيين الشباب وأهاليهم، وعلى حاضرهم ومستقبلهم. وكلّ تلك الاعتداءات تجري تحت حماية الجيش الإسرائيلي، وضمن قوانين تحرّم على الفلسطينيين الحق الطبيعي في الدفاع عن النفس.
خامسا، ثمة ترابط بين سياسات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي يقودها بنيامين نتنياهو تجاه الفلسطينيين وسياساتها لتقويض الطابع الديمقراطي لإسرائيل نسبة لمواطنيها اليهود. ويشمل ذلك وضع يد الحكومة على السلطة القضائية، بتقويض دور المحكمة العليا. وفي مقالة رأي أخيرة نشرها على موقع هآرتس، قال المحلل الإسرائيلي روجل الفر عن ذلك وعن الإرهاب اليهودي ضد الفلسطينيين:
“المستوطنون الذين يحرقون البيوت ويخربون السيارات والمحلات التجارية والبيوت والحقول في القرى الفلسطينية، وصمة عار على جبين المجتمع الإسرائيلي. الحديث يدور عن عنف متوحش وقاتل بصورته الخام والحيوانية والقبلية المشبعة بالسخرية المريرة. الليبراليون يحتجون على الديكتاتورية لأنّها تهددهم بشكل مباشر، كأنّ الإرهاب اليهودي موجهٌ فقط للفلسطينيين. لكن الليبراليين مخطئون، فالإرهاب اليهودي وبحق يهدّدهم بشكل مباشر. وسيأتي يومٌ وسيوجّه ضدهم، بصورته الخام مع المشاعل والعصي. إسرائيل تدهورت إلى حالة فوضى لا حدود معروفة لها. نصف مليون من مواطنيها يعيشون في مستوطنات مسوّرة وغير قانونية حسب القانون الدولي. وقد تفككت إلى قبائل. لا يوجد في إسرائيل قانونٌ واحد أو أخلاقٌ واحدة. وفي ظل غيابها، سيتم حسم الصراعات الداخلية الوطنية على الأغلب بحرب أهلية”.
ماجد كيالي
المصدر: موقع fanack.com
“حرب الآبار”.. فلسطينيون يتمسكون بأرضهم رغم جبروت الاحتلال
|
يتشبث المزارع الفلسطيني جابر دبابسة البقاء في أرضه ومنزله منذ عام ٢٠١٨ رغم التضييقات الإسرائيلية، فأهالي قريته خلة الضبع في منطقة مسافر يطا جنوب الخليل جنوب الضفة المحتلة؛ يتعرضون لحرب معلنة منذ عدة سنوات بهدف تهجيرهم من أرضهم.
كان دبابسة يملك عدة آبار مياه لري أرضه الزراعية؛ ولكن آلة الهدم الإسرائيلية كانت تلاحقه وتهدمها في كل مرة، ليصل عدد الآبار التي تم هدمها له أكثر من ستة، من بين ٤٠ بئرا تعرضت للهدم أو تم تسليم أصحابها إخطارات بذلك.
ويقول المزارع لـ”عربي٢١”؛ إن الآبار في القرية معظمها كان محفورا منذ أكثر من ثمانين عاما، فقام الأهالي بترميمها وإصلاحها لاستخدامها في الري والحياة اليومية، وذلك بسبب عدم وجود شبكة مياه تخدم القرى والتجمعات البدوية في منطقة المسافر.
البنية التحتية المعدومة في مسافر يطا جزء من الخطة الإسرائيلية التي وضعت قبل أكثر من خمسة أعوام للسيطرة على أراضيها لصالح التوسع الاستيطاني، حيث سمحت سلطات الاحتلال بإقامة ست بؤر استيطانية عشوائية في المنطقة، بعد أن صادقت المحكمة العليا على طرد السكان الفلسطينيين الأصليين منها، بذريعة أنها منطقة تدريبات عسكرية وإطلاق النار الحي.
والبؤر الاستيطانية العشوائية تكون على شكل مزارع يوجد في كل واحدة منها قطيع من المواشي على الأقل، وأقيمت بالقرب من البؤر الاستيطانية العشوائية “متسبي يائير” و”أفيغيل” و”حَفات ماعون”.
ويوضح الدبابسة أن أهالي خلة الضبع يعتمدون على الزراعة في حياتهم بشكل رئيسي، ما يعني حاجتهم المستمرة للمياه، مبينا أن الاحتلال بدأ يعمل على حرمانهم منها، وفق خطة استراتيجية محكمة لاقتلاعهم من أرضهم.
الهجمة على الآبار تزامنت مع اعتداء واسع على الأهالي في عام ٢٠١٨، حيث تم هدم المنازل بشكل مكثف، وقطع شبكات المياه والكهرباء في منطقة مسافر يطا لتحقيق هدف تهجير الفلسطينيين.
وحين فشلت كل تلك الإجراءات في طرد الفلسطينيين من أراضيهم، قام الاحتلال بإطلاق يد المستوطنين عليهم، حيث بات السكان هدفا لمجموعات المستوطنين التي حرقت الأراضي، وهاجمت المنازل واعتدت على الأهالي.
“تم هدم منزلي خمس مرات، خلالها خسرت ما يقارب ٣٠٠ ألف شيكل (٨٥ ألف دولار)، ولكنني لم أيأس وظللت أبنيه في كل مرة، وهدموا لي ما يقارب ست آبار، ولكنني مصر على البقاء في أرضي رغم عدم توفر أي دعم رسمي لنا”، يقول دبابسة.
في شهر أيلول/ سبتمبر من العام الماضي أصدرت محكمة الاحتلال قرارا بإخلاء عشرين تجمعا فلسطينيا في مسافر يطا لصالح الاستيطان بينها خلة الضبع، بالطبع لم يستجب الفلسطينيون للقرار الذي وصفوه بالعنصري، فزاد الاحتلال من انتهاكاته بحقهم، حتى باتت تسجل عمليات هدم شبه يومية في التجمعات البدوية.
ويضيف المزارع؛ أن الأهالي الآن بعد هدم آبار المياه، يضطرون لشراء خزانات في كل يوم بتكلفة لا تقل عن ٦٠٠ شيكل (قرابة ٢٠٠ دولار) لكل منها، علما أنه تم تمديد شبكة مياه جديدة لخدمة مسافر يطا، ولكنها تعرضت للتخريب من المستوطنين.
ويتابع:” نحن نزرع أشجار اللوز والحمضيات والفواكه والخضروات، ولكنها تكفي حاجتنا فقط، ونعتني بها كي تساعدنا على تثبيتنا في أرضنا”.
عنصرية كاملة البؤر الاستيطانية الجديدة في مسافر يطا ومناطق جنوب الخليل بشكل عام، يمكث فيها شبان وفتية من المستوطنين خلال الليل ويخرجون لرعي المواشي في النهار، بينما يسكن المستوطنون الأكبر سنا في البؤر الاستيطانية المقامة منذ سنين، وهذا النمط الاستيطاني معروف في مزارع استيطانية أخرى في أنحاء الضفة الغربية، حيث تتسع ظاهرة رعي المستوطنين الأبقار والأغنام بشكل كبير في السنوات العشر الأخيرة، وتوجد 23 بؤرة استيطانية عشوائية على شكل مزارع مواشي في منطقة جنوب جبل الخليل وحدها.
المستوطنون الرعاة، يمارسون الترهيب من أجل إبعاد وطرد الرعاة الفلسطينيين عن المناطق التي يرعون مواشيهم فيها منذ عشرات السنين، ويرسل المستوطنون مواشيهم إلى حقول الفلسطينيين المزروعة بالشعير والأشجار المثمرة من أجل تدمير المحاصيل فيها.
مسؤول اللجنة الشعبية في مسافر يطا فؤاد العمور قال لـ”عربي٢١”؛ إن عدد الآبار التي تم هدمها خلال عامي ٢٠٢٢ و٢٠٢٣ فاق ٣٥ بئرا في التجمعات البدوية، وخاصة آبار الجمع التي تم إنشاؤها منذ عشرين عاما.
وأوضح أن عمليات الهدم كانت تتم تحت حجة عدم الترخيص، أو أنها تقع في مناطق مصنفة على أنها “أراضي دولة” بحسب مزاعم الاحتلال، لكن الملاحظ أنه باستخدام المستوطنين، سيطر على عدد كبير من الآبار القديمة التي تعرف باسم “الكفرية”، أي التي يزيد عمرها على مئة عام.
السيطرة تلك كانت تتم بإقامة مستوطنات بالقرب من هذه الآبار، واستكمال المخطط بإقامة بؤر جديدة على مقربة منها وخاصة البؤر الرعوية، كما هو الحال في تجمع “الطوبا” وما تعرف بمنطقة “بير القط”، ففي منطقة الطوبا خلال هذا الأسبوع، تم السيطرة على بئر مياه فيها كان يخدم قرية كاملة، حيث جمع المستوطنون أغنامهم من الساعة الحادية عشرة صباحا حتى الساعة الثالثة عصرا حول البئر.
وأضاف: “هناك مخطط أخطر من مجرد السيطرة على البئر، هو مخطط محو التاريخ الفلسطيني وتزييف الحقائق، لإظهار تاريخ آخر للمستوطنين على أنهم أصحاب الأرض”.
ويوضح أن الاحتلال يستهدف كذلك الغرف الزراعية إلى جانب الآبار في مسافر يطا، حيث يقوم جنود الاحتلال بتصوير أي منشأة زراعية وتقديمه للقضاء الإسرائيلي، الذي يصدر إخطارا بالهدم والإخلاء أو وقف البناء، حيث باتت كل الغرف والمنشآت مخطرة بالهدم، ومنها ما تم تنفيذ أمر الهدم بحقها.
مسافر يطا تجمع من القرى الفلسطينية يعيش فيها حوالي ١٣٠٠ فلسطيني على تلال جنوب الخليل، وتواجه خطرا متزايدا بالإخلاء، وكجزء من عمليات التهجير حدد الاحتلال منذ أوائل الثمانينيات مساحات واسعة من مسافر يطا، ومن ضمنها تجمعات سكنية كمناطق عسكرية مغلقة لأغراض عسكرية، أو ما تسمى مناطق إطلاق النار.
المحاكم الإسرائيلية رفضت كل الالتماسات التي قدمت لها فيما يخص إخطارات الهدم والتهجير والإخلاء، منذ العام 2000 حتى 4 أيار/ مايو الماضي، وهذا الأمر يأتي تمهيداً لقرار الإخلاء الأخير، حيث ينفذ الاحتلال أساليب متعددة لتنفيذ قرار التهجير.
فيحاء شلش
المصدر: موقع عربي 21
الحرب على السردية الفلسطينية: محاصرة المحتوى الفلسطيني على شبكات التواصل الاجتماعي
|
تعالج الدراسة قضية العدوان المسلط على المحتوى الرقمي الصادر عن الجهات الفلسطينية أو الداعمة لها، وذلك في أشكاله المتعددة، مثل: الحجر والمنع والإقصاء والحذف والحظر والتبليغ، وغيرها من أشكال العدوان الرقمي ومظاهره التي قد تلحق الأفراد بمجرد أن يتضمن منشور ما أو تدوينة تعاطفًا أو ميلًا لتبليغ صورة منقوصة من سردية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وترى الدراسة أن المشكلة حول الموضوع المطروح تنبع من أن ما اصطُلِح عليه بالعدوان الرقمي فيه انتهاك للحقوق والحريات الرقمية، ومن ثم فإن حرية التعبير مهددة عالميًّا. كما أن قراءة إطار الصراع في حاجة ماسة إلى الانتباه لهذا المعطى بما يضمن تطور القراءة في ظل انتشار المسكوت عنه لقلَّة البيانات أو لطغيان الأيديولوجيات.
مقدمة
ما زالت القضية الفلسطينية مدار الاهتمام الإعلامي منذ بداية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وقد شكَّل إطار الصراع محور قراءات عديدة ومتنوعة، لكن المُلاحَظ هو أن أشكاله قد عرفت تطورًا بدءًا بالمواجهة بالسلاح وصولًا إلى أشكال جديدة ساحتها ليست الواقع المعيش بقدر ما هو الواقع الافتراضي.
على هذا الأساس لا يُمكن بأي حال من الأحوال تجاهل تأثير ظهور تكنولوجيا الاتصال الحديثة التي أحدثت ثورة في تغطية هذا الصراع. وقد أصبحت سرعة تدفُّق المعلومات وانتشارها الواسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي تجذب انتباه الجمهور الراغب في متابعة الأخبار المتعلقة بالإطار موضوع الحديث، بل إنها ومن جهة مقابلة لهذا الانتقال النوعي في التأطير تظهر النتائج على مستوى التلقي؛ إذ يؤثر استعمال وسائل التواصل الاجتماعي على قرارات السياسة المتعلقة بالصراع في ضوء ما يتوافر من المعلومات وتلقي الرأي العام لها.
أما على مستوى الأكاديميا، فركزت مجموعة كبيرة من المؤلفات المتوافرة حول تغطية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إما على مصادر الاتصال التقليدية، مثل: التليفزيون والراديو والصحف، أو منصات التواصل الاجتماعي بما في ذلك منصتا فيسبوك وتويتر وغيرها(1)، لكن وبالرغم مما توافر من معطيات، فإن مسألة العدوان الرقمي ظلت قليلة التناول في الدراسات العلمية.
إن هذا الوضع الذي اصطلحنا عليه في هذه الدراسة بالعدوان الرقمي أو الحرب على السردية الفلسطينية قد نبَّه إليه بعض الباحثين، لكن دون تسمية مباشرة تتعلق بحذف المحتوى بل بعدم توافر إمكانية إجراء عمليات بحث عبر محركات بحث محلي. فعلى سبيل المثال، انتظر الفلسطينيون إلى حدود شهر أغسطس/آب عام 2009 عندما أطلقت شركة غوغل موقع (Google.ps)، وهو محرك البحث المحلي في فلسطين، مما سمح للفلسطينيين بتلقي نتائج بحث محلية من الأراضي الفلسطينية. أما في السابق، أي قبل 2009، فكان على مستخدمي الإنترنت الفلسطينيين الانتقال إلى مواقع (Google.jo) أو (Google.eg) أو (Google.co.il) لإجراء عمليات بحث محلية باللغة العربية ولتفادي عجزهم والتضييق على حريتهم في استقصاء المعلومات بالرغم من أنه في عام 2000 مُنحت فلسطين الوضع الرسمي على الإنترنت من خلال اسم المجال الوطني أو ما يُسمَّى (Country code top level domain) الذي يرمز إليه اختصارًا بـ(CcTld). وهذا من شأنه أن يوضح مدى صعوبة استخدام الإنترنت في الفضاء الفلسطيني(2) .
في هذا السياق، تحاول الدراسة التعاملَ مع مسألة حذف المحتوى الفلسطيني في شبكات التواصل الاجتماعي من مدخل نظرية التأطير الإعلامي مع التركيز على أساليب هذا الحذف ومداخله والأسس التي تتحكَّم فيه، والكيفيات التي يحاول بها الفلسطينيون تحدي إجراءات هذه الشبكات، ومواصلة نضالهم ضمن إطار الصراع المتواصل في الزمان وانتقاله إلى أماكن وفضاءات جديدة (الإنترنت) وما يرتبط بها من مواقع ووسائط أصبحت اليوم تشهد إقبالًا واسع النطاق من قِبَل الرأي العام العالمي.
1. اعتبارات منهجية
خلفية الدراسة ومشكلتها
تشير جملة من الدراسات ذات الطابع الإحصائي والتحليلي، لاسيما التي أُنتِجت في الفضاء الناطق بغير العربية والمعنية بمتابعة تراكمات ظاهرة الرقمنة وعلاقتها بما هو إنساني تأثيرًا وتأثُّرًا، إلى حقيقة مفادها أن العالم شهد على امتداد السنوات القليلة الماضية توسعًا بالغ الأهمية على مستوى تأثير الإنترنت باعتبارها وسيلة لنشر المعلومات نشرًا بلغ فيما بلغ درجة تحدي وسائل الإعلام التقليدية وما يحف بها من الضوابط التي تفرضها حكومة ما، أو أي سلطة بالمعنى العام، لها تأثير على المنطوق التعبيري للفرد أو الجماعة بحسب سياسة ما يُراد لها أن ترسخ في الفضاء العمومي.
إن هذا التأثير المتزايد والمشار إليه في ثنايا الكلام سابقًا هو في واقع الأمر يتأتى بشكل مباشر من النمو الحاصل في عدد مستخدمي الإنترنت حول العالم؛ إذ إن أكثر من ملياريْ شخص لديهم الآن إمكانية الوصول إلى الإنترنت واعتمادها وسيلة من وسائل مباشرة الواقع ونقله من منظور ما أو حتى الحكم عليه نقدًا واستشرافًا لنماذج جديدة في تسييره، سواء أكان ذلك من مدخل يتم فيه تجزئة الموجود أو العمل عليه بما هو كلٌّ.
وبالرغم مما قد يبدو من تعاظم في استخدام الإنترنت، والوسائل المرتبطة بها مثل شبكات التواصل الاجتماعي، فإنه لا مراء في تقلص هامش الحقوق والحريات الأساسية ذات الصلة باستخدام هذه الوسائل والإنترنت بشكل عام. ذلك أن واقع الحال اليوم يشير بجلاء إلى أن عددًا كبيرًا من الأشخاص يستخدمون الإنترنت للتواصل، أو الحصول على المعلومات، أو الاختلاط بالآخرين من غير مواطنيهم وبلدانهم ودون قيد الجغرافيا والمكان، أو حتى لممارسة التجارة والأعمال ذات الطابع الربحي. ومع ذلك كثفت الحكومات، وكل ما يمكن تصنيفه في عداد السلطة، جهودها لتنظيم واقع الإنترنت، وفي بعض الحالات قد يصل الأمر بما هو في عداد السلطة تقديرًا أو تعيينًا إلى السيطرة الصارمة والكلية على الإنترنت، وكل ما يرتبط بها من وسائط وأدوات، ومن ثم الحريات التابعة لها ولاستخدامها.
يثير هذا الواقع ملاحظة ذات صلة بالخطاب الواصف للظاهرة أعلاه تتجلى فيما رُصد من زيادة في عدد التقارير عن ظواهر من قبيل حجب المواقع الإلكترونية، أو إغلاقها إغلاقًا كليًّا، والتلاعب بمحتوى المواد المنشورة في علاقة بموضوع هو مدار رفض من السلطة، وكذلك شنِّ حملات على المدونين واعتقالهم وسجنهم، ومن ثم خرق حرية التعبير والرأي.
في هذا السياق، وقصد مزيد إلقاء الضوء على طبيعة هذا التضييق على حرية التعبير أو الحرية الرقمية أو الحرية على النت، أو حرية الإنترنت في خيار ترجمة ممكنة للمعادل الإنجليزي (Freedom on the Net)، بما هي مصطلحات مرادفة لحرية التعبير وشكل من أشكالها الممكنة في عصر الرقمنة هذا، أجرت مؤسسة فريدوم هاوس دراسة شاملة في العام 2011 عن حرية الإنترنت في 37 دولة حول العالم، وفي العام 2022 بلغ عدد الدول التي كان محورًا للدراسة 70 بلدًا(3). وليست هذه التقارير سوى امتداد لتصور سابق في الزمن؛ إذ تم نشر نسخة تجريبية سابقة في العام 2009 بعنوان: “الحرية على النت: تقييم عالمي للإنترنت والوسائط الرقمية”. وقد غطت النسخة الأولى إحصائيًّا عينة تتكوَّن من 15 دولة، وهو ما يعني أن مسائل الاعتداء على الحقوق والحريات الرقمية أصبحت في مقدمة مشكلات الأبحاث والدراسات ووجب الانتباه إليها والاهتمام بها باعتبارها ظاهرة قابلة للدراسات بالنظر إلى توافر عناصر الطابع الإشكالي فيها وكذلك ملامحه الدالة عليه(4).
وعلى الرغم مما تشير إليه هذه الدراسات كل واحدة من جهتها إلى أن التهديدات لحرية الإنترنت في تزايد مستمر، وهي على درجة واسعة من التنوع وكذلك إلى معارضة مستخدمي الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لهذه التهديدات مما دفع بكثير منهم إلى البحث عن طرق لتجاوز هذه القيود واستخدام قوة المنصات الجديدة القائمة على الإنترنت والإقبال المتزايد عليها قصد الترويج لديمقراطية أكثر في التعبير وأكثر ارتباطًا بحقوق الإنسان، إلا أن تلك الدراسات اتسمت بالاختصار من حيث العينة المدروسة، بل غيَّبت بشكل صارخ قضية الحرية الرقمية في فلسطين، حيث لا إحالة عليها لا تصريحًا ولا تلميحًا(5).
ولسائل أن يسأل عن الكيفية التي يتم من خلالها كتمان حرية التعبير عبر الوسائل الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي من منظور داخلي. ثم إن هذا المنظور المعتمد بشكل أساسي في الأدبيات الغربية الناطقة بالألمانية تحت مسمى (Innenperspektive)، والسائد في الدراسات الكمية والنوعية على حد سواء، من شأنه الكشف عن عمق المدى الإشكالي للقضية المطروحة، وهو ما يقابل حركة السعي التي يعتمدها الباحث لفهم عناصر تكوين ما من الداخل حتى إذا ما باشر حركتها في سياقاتٍ ما فهم ما لها وما عليها في هذه العناصر في مجمل التكوين وما جعلها تكون على ذلك النحو بتوافر الأسباب.
من منظور داخلي يقوم المتحكِّمون في شبكة الإنترنت بحملة لتقسيم الإنترنت المفتوح إلى ما يمكن أن نُسمِّيه خليطًا من الجيوب القمعية، وبموجب ذلك تمارس الحكومات -وكل من يمكن أن يلعب دورًا رقابيًّا بالمفهوم الفوكوي نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (Michel Foucault)- أكثر من أي وقت مضى فعلَ السيطرة على ما يمكن للأشخاص الوصول إليه ومشاركته عبر الإنترنت عن طريق حظر مواقع الويب الأجنبية، وتخزين البيانات الشخصية، وتركيز البنية التحتية التقنية لبلدانهم لتكون موائمة لهذه الاتجاهات؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع حرية الإنترنت العالمية. وقد وصلت الرقابة على الإنترنت إلى أعلى مستوياتها، وذلك مع قيام عدد قياسي من الحكومات بحظر المحتوى السياسي أو الاجتماعي أو الديني. وغالبًا ما تُستهدف مصادر المعلومات الموجودة خارج حدودها بشكل كبير، لأن هذه المصادر قد تلعب دورين متلازمين هما تهييج الداخل، والتشهير به ثانيًا على نطاق خارجي.
ومن منظور إحصائي، يعيش أكثر من ثلثي مستخدمي الإنترنت في العالم الآن في بلدان تُعاقب فيها السلطات الأشخاص لممارستهم حقهم في حرية التعبير على الإنترنت. كما أن المثير للقلق أن هذه الانتهاكات المعادية للديمقراطية ليست العامل الوحيد وراء انقسام الإنترنت إلى قطاعات مسموحة وأخرى محظورة؛ إذ من الواضح أن بعض الحكومات تزرع مساحة رقمية محلية تُهيمِن فيها الروايات التي تدعمها الدولة، وتُقمَع فيها وسائل الإعلام المستقلة والمجتمع المدني والأصوات المهمشة بسهولة أكبر.
ويتزايد القلق والطابع الإشكالي في القضية المطروحة عمومًا بمجرد الانتباه إلى وجود أطراف هم في العادة غير مرتبطين مباشرة بسلطة الرقابة فيساهمون عن غير قصد في الحواجز من خلال جهودهم لمعالجة المعلومات المُضَلِّلة وحماية بيانات المستخدم وردع الجرائم الإلكترونية. ومهما كانت الأهداف والغايات التي تحكم أي فعل رقابي مقصود أو غير مقصود، فإن ذلك يؤدي إلى التجزئة المتزايدة للإنترنت، وتترتب عنه عواقب وخيمة على الحقوق الأساسية من جهة، وتعميق سلطة المشرفين الذين يسعون بشكل دائم إلى احتواء المعارضة عبر الإنترنت من خلال منع المواطنين من الوصول إلى مصادر المعلومات العالمية من جهة أخرى. ولكي يكون الطابع الإشكالي لمعالجة القضية المدروسة أكثر وضوحًا وجب التنبيه إلى أن مسألة كتمان الحرية هي جزء من منافسة عالمية متعددة الأوجه للسيطرة على المجال الرقمي. ومن هذا المنطلق، يمكن القول: إن واقع التضييق هو أكثر حدة وإشكالية في علاقته بالقضية الفلسطينية التي تواجه أشد أنواع التضييق وأكثر أشكال القيود على الحقوق والحريات(6).
وفي قراءة من مدخل حقوقي، يمكن القول: إن جميع هذه القيود المفروضة تشكِّل انتهاكًا واضحًا للإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يُقنِّن الحق في أن “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”(7).
ومما لا شك في قيمته الجوهرية أن مسألة الحقوق الرقمية تُعد امتدادًا لحقوق الإنسان وفلسفتها والإيتيقا التي تحكمها. فهذه الحقوق تتنزَّل -كما ذُكِر آنفًا- ضمن السياق التطوري الذي يخضع إليه فعل الوجود الإنساني، والذي يترجم من مدخل الزمانية، وهو تعبير صريح عن حاجة إنسانية ماسَّة في عصر الرقمنة الذي يجب ألا يكون حكرًا على مجموعة دون أخرى، وأن يلحق ما هو إنساني في كليته بعيدًا عن منطق التجزئة الفردية.
وفي هذا الإطار، لابد من الإشارة إلى أن القانون يحتاج إلى تكييف لحماية الحقوق الأساسية وضمانها. فالحقوق الرقمية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بحرية التعبير والخصوصية؛ إذ إنها اليوم تتنزَّل منزلة الضرورة التي تسمح للأشخاص بالوصول إلى الوسائط الرقمية واستخدامها وإنشائها ونشرها، فضلًا عن الوصول إلى أجهزة الكمبيوتر والأجهزة الإلكترونية الأخرى وشبكات الاتصالات واستخدامها(8).
على هذا الأساس، يجب أن تكون هذه الحقوق -في فلسفتها وفي ضبطها التشريعي- معترفًا بها ومحمية بموجب القوانين والمعاهدات الدولية. فقد أقرت الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان عددًا من القرارات التي تنص على أن نفس الحقوق التي يتمتع بها الناس في العالم الواقعي، يتوجب حمايتها أيضًا على الإنترنت. ويشمل هذا المصطلح الحق في حرية التعبير، والحق في الخصوصية، والحق في التحرر من الرقابة على الإنترنت، والحق في الوصول إلى شبكة الإنترنت التي تشكِّل في مجملها المفاهيم الأساسية للحريات الرقمية وفلسفتها، وجزءًا لا يتجزأ من حقوق الإنسان على عكس ما يذهب إليه كثيرون في اعتقادهم(9).
وبالرغم من أهمية هذه الحقوق ووضوحها إلا أن شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت تواصل حربها ضد المحتوى الفلسطيني، من خلال حظر وإغلاق معظم الصفحات الفلسطينية التي تنقل الرواية الفلسطينية، وتفضح ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين. وحتى الدراسات التي تتناول مسألة الحرية الرقمية -كما أسلفنا الذكر- لا تشير إلى فلسطين، وتنتهج منهج الاختصار وعدم التوضيح.
انطلاقًا مما سبق بيانه يتضح بجلاء عمق المدى الإشكالي لمسألة العدوان على الحقوق الرقمية الفلسطينية. فالظاهرة مركَّبة إلى حد التعقيد في خصوصيتها الفلسطينية وفي علاقتها بقضية الحريات الرقمية والتحكُّم فيها عمومًا.
أسئلة الدراسة
تنطلق الدراسة من مجموعة من الأسئلة الموجِّهة لأبعاد المشكلة البحثية، والتي نلخّصها في:
– ما الحقوق الرقمية؟ وكيف تعبِّر عن مشكلة بحثية، وعن تطور في منظومة الحقوق والحريات الإنسانية؟
– كيف تتجلى أهمية استخدام الفلسطينيين لشبكات التواصل الاجتماعي في الدفاع عن حقوقهم وقضيتهم؟
– ما دوافع حذف وحجب المحتوى الفلسطيني على شبكة الإنترنت؟
– ما الإستراتيجيات المُوجِّهة للحذف وفيم تتمثَّل الأساليب المتبعة لتحقيق تلك الإستراتيجيات؟
– ما الجهات التي تدفع شبكات التواصل الاجتماعي لاتخاذ هذه القرارات؟
– ما الأدوات والأساليب والخطوات التي يجب اتخاذها لوقف هذا العدوان على المحتوى الرقمي الفلسطيني؟
– إلى أي مدى يمكن الحديث عن إستراتيجيات دفاعية يعتمدها الفلسطينيون لممارسة حقهم في التعبير عبر شبكات التواصل الاجتماعي؟
أهمية وأهداف الدراسة
تكمن أهمية الدراسة في كونها تهدف إلى:
– تسليط الضوء على منصات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، وإنستغرام، وتويتر) في علاقتها بالقضية الفلسطينية وحرية التعبير التي ترافق هذه القضية.
– شرح مجمل الأساليب والآليات التي تعتمدها هذه المنصات في الرقابة على المحتوى الفلسطيني بكل أشكاله وحجب وإغلاق الحسابات، وذلك من خلال أرقام وإحصاءات وأمثلة لحسابات فلسطينية تم حجبها.
– تجاوز النقص الحاصل في المعطيات المتعلقة بالحريات الرقمية في فلسطين، والتي تكاد تكون ثغرة في الدراسات غير منتبه إليها أو مسكوتًا عنها لسبب من الأسباب.
منهجية الدراسة
تعتمد الدراسة المنهجَ الكيفي والكمي التحليلي من خلال دراسة محتوى حسابات فلسطينية وإسرائيلية حكومية وغير حكومية، والاستعانة بنظرية الإطار الإعلامي التي تقوم على تفسير الأحداث ومحاولة التنبؤ بها، وتساعد أيضًا في الكشف عن الطرق والآليات التي استخدمتها هذه الحسابات، سواء أكانت فلسطينية أو إسرائيلية، في تأطير القضايا والأخبار التي تنشرها. وتجدر الإشارة إلى أن الحاجة المنهجية إلى نظرية التأطير تنبع من كونها تهدف إلى تحديد المخططات التي يدرك من خلالها الأفراد العالم. ويتضح ذلك بجلاء بتتبُّع جذور هذه النظرية التي غالبًا ما تُعزى إلى عالم الاجتماع، إيرفينغ غوفمان (Erving Goffman)، الذي اعتبر أن النماذج أو التصاميم التفسيرية تشكِّل عناصر مركزية للتجربة اليومية في العالم. وبهذا تساعد الأطر على تقليل تعقيد المعلومات في علاقتها بتفسير الواقع وإعادة بنائه. ومن هذا المنطلق، فليس من المستغرب إذن أن تصبح نظرية التأطير مهمة لمجموعة متنوعة من القطاعات داخل مجتمع الإعلام اليوم، لاسيما أن العديد من الباحثين الإعلاميين يرونها مفيدة لتحليل الاختلالات وهياكل السلطة الكامنة التي تتحكَّم في الكثير من القضايا المتداولة في الواقع(10).
ولتحري مزيد من الدقة في الضبط المنهجي للدراسة نشير إلى أن الإطار المتَّبع في قراءة العدوان على الحقوق الرقمية الفلسطينية هو إطار الصراع الذي يتناول القضايا المتعلقة بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي والتطورات على أرض الواقع، وكذلك إطار الاهتمامات الإنسانية المتعلقة بالقضايا الإنسانية والاجتماعية الفلسطينية المختلفة، ثم الإطار الإستراتيجي قصد تسليط الضوء على مدارات المشكلة وتحليلها تحليلًا ذا إضافة.
2. أشكال العدوان الرقمي على المحتوى الفلسطيني
يُعد ظهور شبكات التواصل الاجتماعي من أحدث وأهم مظاهر الثورة الرقمية وتقنيات الاتصال التي كانت، منذ عدة عقود، إيذانًا ببداية حقبة ما بعد الصناعة، أي عصر المعلومات. وقد رافق هذا الظهور على نطاق عالمي سهولة في الانتشار بطريقة غير مسبوقة، ولُوحظ ذلك في السنوات الأخيرة من خلال الارتفاع السريع لتصنيع الأجهزة المحمولة المتصلة بالإنترنت كالحواسيب وأجيال الهواتف الذكية.
وأدى هذا الواقع إلى فرض واقع آخر تمثَّل في اعتماد هذه الوسائل قنوات للمعرفة، ومنابر للتصريح بالرأي وبالكلمة الحرة المبنية على رغبة الشخص فيما يريد أن يكون. وبهذه الحال أصبح كل فعل تعبيري تواصلي منخرطًا في سياق حرية التعبير، ويوضح ذلك مدى الإقبال على الوسائط الرقمية؛ إذ بقدر ما يتعاظم الإقبال تتكاثف الحاجة إلى فضاء حر يُعطي لكل فعل تواصلي معناه ضمن أفق التغيير الرقمي.
على هذا الأساس ومن منظور إحصائي، وبالنسبة إلى العديد من الأشخاص حول العالم، يمكن القول: إن وسائل التواصل الاجتماعي مثَّلت المصدر الرئيسي للمعلومات. ففي عام 2016، حصل 62% من المواطنين الأميركيين على أخبارهم من وسائل التواصل الاجتماعي بنسبة 44% من فيسبوك وحده(11).
وضمن هذا الإطار الإحصائي نفسه ووفقًا لدراسة أجريت على حوالي 5 آلاف شاب من 26 دولة، فإن شبكات التواصل الاجتماعي تجاوزت بالفعل التليفزيون كمصدر رئيسي للمعلومات لدى هذه الفئة(12).
إن هذا التحول المذهل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من شأنه أن يكون له تأثير على جميع جوانب الحياة، كالتعليم والاقتصاد والسياسة. وقد أدى تطور طرق الاتصالات والحوسبة وتخزين البيانات إلى تغييرات جذرية في مفاهيم الخصوصية والهوية والحقوق والحريات والحدود الوطنية.
ولفهم هذا الوضع المتحول والأنساق المتحكمة فيه، يكفي الانتباه على سبيل المثال إلى أن استعمال موقعي تويتر وفيسبوك يجعل من صوت المستخدمين مسموعًا مع السماح لهم بالاتصال بتكلفة أقل، وبخصوصية أكبر والتواصل مع بعضهم البعض بشكل مباشر أكثر من أي وقت مضى. هذا فضلًا عن أن إخفاء الهوية الممكن تقنيًّا، أي باسم بديل عن الاسم الشخصي الحقيقي، على شبكات التواصل الاجتماعي، يمكن أن يتيح أكثر من إمكان لممارسة الخصوصية. بينما يعتبره بعض الدارسين خيارًا تقنيًّا حاملًا لتناقض داخلي، ويتيح استعمالات تجمع في عمقها بين المباح والمحظور من منظور إيتيقي إذا ما افترضنا جدلًا أن استخدام شبكات التواصل الاجتماعي خاضع لإيتيقا ما قبلية يلتزم بها المستخدم. ولسائل أن يسأل عن هذه الازدواجية، وفي هذا الصدد يمكن القول: إن الخيار التقني المتمثِّل في إخفاء الهوية يمكن أن يشجع أولئك الذين ينشرون خطاب الكراهية، وكذلك أولئك الذين يحاربون الأنظمة الاستبدادية دون خوف من الانتقام على نشر خطابه.
وفي المحصلة يمكن القول: إن استخدامات شبكات التواصل الاجتماعي تنبني على خفايا وممكنات لا يمكن الحسم في أمرها، ولعل ذلك ما يُغري بمزيد متابعة دورها في ظل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؛ إذ توفر فرصًا جديدة لأولئك الذين يسعون إلى تعطيل نظام ما من خلال الاستفادة من الانفتاح المتأصل في الفضاء السيبراني. كما يمكن أن تُستغل شبكات التواصل الاجتماعي سلاحًا للتجنيد والدعاية. وقد تستخدم للتأثير في الديمقراطيات والكشف عن تهافتها، وتهافت الروايات الرسمية حولها، ونقد عمل المؤسسات، وكذلك لإظهار مدى تدخل الهامش في الشأن العام وفي حركة فاعلية المركز، هذا فضلًا عن تأطير أحداث الواقع اليومي المعيش إعلاميًّا بدرجة تفوق تغطية وسائل الإعلام التقليدية لها. هذا بشكل عام، أما في علاقة بموضوع الدراسة فيمكن الافتراض أن إطار الصراع عبر شبكات التواصل الاجتماعي أكثر إشكالية وأشد خصوصية مما يؤهله إلى مرتبة المعطى التحليلي. من هذا المنطلق تتساءل الدراسة -واضعة في اعتبارها البعد الإشكالي لاستخدام شبكات التواصل الاجتماعي- عن مظاهر العدوان الرقمي على الفلسطينيين من داخل إطار الصراع؟
أثناء الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت الفلسطينيين، في حي الشيخ جراح وباب العمود والمسجد الأقصى، في شهر مايو/أيار 2021، ندد العديد من الأصوات بـ”الرقابة” على المحتوى المؤيد للفلسطينيين عبر شبكات التواصل الاجتماعي. في هذا الإطار، تعرض موقع فيسبوك، على وجه الخصوص، لانتقادات بسبب حذفه العديد من المنشورات المؤيدة للفلسطينيين دون إبداء أسباب مقنعة. وتحت وسم (هاشتاغ) “فيسبوك يحجب القدس”، خاض نشطاء وصحفيون فلسطينيون حملة ضد عملاق شبكات التواصل الاجتماعي الأميركي المتهم بمحو المحتوى المؤيد للفلسطينيين من منصته عبر خوارزمياته.
إن إدارات مواقع التواصل لها سلطة رقابية كبيرة على المحتوى المنشور عبر صفحات مستخدميها، وتكتسب في ممارسة هذه الرقابة مشروعية من خلال ما تقرُّه من شروط الاستخدام التي يقتضي استعمال شبكات التواصل الاجتماعي الالتزام المسبق بها والموافقة عليها. ولئن اختلفت هذه الشروط من موقع ومن وسيط إلى آخر فإنها تتفق إجمالًا على الحق في مراجعة المحتوى أو حذف أي مضمون أو حساب يخالف سياسة الاستخدام(13).
فما مظاهر هذا التحكُّم في المحتوى الفلسطيني وكيف يمكن قراءته ضمن أفق نظرية التأطير الإعلامي أو بالأحرى عبر الأطر المتحكِّمة في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؟
يرصد الجدول رقم (1) استنادًا إلى وثائق من الصحافة العالمية ووكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية مجموعة منتخبة من مظاهر التدخل العدواني على المحتوى الفلسطيني، سواء أكان هذا المحتوى صادرًا عن أفراد أو جهات رسمية فلسطينية أو داعمة لفلسطين. وتجدر الإشارة إلى أن اختيار هذه الأحداث أخذ بعين الاعتبار شهرتها وما فيها من تنوع على مستوى وسائل الرقابة وطبيعتها، هذا فضلًا عن قابليتها للتحليل ضمن إطار الصراع. كما تجدر الإشارة إلى أن التحليل ينطلق من الخاص بمعنى الحالة المذكورة مشارًا إليها بحسب عددها الترتيبي ومن ثم الوصول إلى العام قصد إظهار الأنساق التي تدير هذا التحكُّم. كما يجب أن نضع في الاعتبار وجود حالات فردية متفرقة في الزمان والمكان ليست معلومة. وقد تم اقتباس نظام الجدولة هذا عن تقرير الوكالة الفلسطينية للأنباء والمعلومات (جدول تقييد حرية الصحافة لسنة 2018).
جدول (1): نماذج لمظاهر قمع المحتوى الفلسطيني
م
التاريخ
الإجراء الرقابي
الوسيط التواصلي
1
1 نوفمبر/تشرين الثاني 2016
حذف محتوى يُوثِّق لعنف الشرطة
فيسبوك
2
11 أكتوبر/تشرين الأول 2015
حذف قناة حركة حماس بناء على طلب من الخارجية الإسرائيلية
يوتيوب
3
16 أبريل/نيسان 2016
إغلاق موقع تويتر لحساب المتحدث الرسمي باسم كتائب القسام
تويتر
4
مطلع العام 2017
إغلاق 90 صفحة تابعة لحركة المقاومة الفلسطينية
فيسبوك
5
2012
حجب الرسائل بناء على تشريعات دولة الاحتلال
تويتر
6
4 ديسمبر/كانون الأول 2021
حذف مقطع فيديو نشرته الصحفية، كريستين ريناوي، يُظهر قوات الأمن الإسرائيلية في القدس وهي تطلق النار على رجل فلسطيني ملقى على الأرض
فيسبوك
7
2021
وفقًا لمركز صدى سوشيال، الذي يعنى بتوثيق الانتهاكات الرقمية ضد المحتوى الفلسطيني، تم حذف 600 حساب
فيسبوك
8
3 ديسمبر/كانون الأول 2018
حذف مقاطع فيديو صورها الصحفي محمد غفري
فيسبوك
9
غير محدد
قسم “الإنترنت” في وزارة العدل الإسرائيلية يبلغ عن المحتوى الذي يعتبره ضارًّا
فيسبوك وتويترويوتيوب
* ملاحظة: لا تلتزم هذه النماذج بكرونولوجية أحداث ومظاهر قمع المحتوى الفلسطيني بقدر ما تُعنى بإبراز أشكال العدوان الرقمي، أما عن الزمانية فإنها متأصلة في قدم الصراع؛ إذ ليس الغرض رصد الاعتداءات عبر الزمن بل النظر في طبيعة الاعتداءات وأنماطها.
3. البنى الحاكمة للعدوان الرقمي وتشكُّل إطار الصراع
نلاحظ من خلال الجدول السابق، ووفقًا لقراءة عامة، أن شبكات التواصل الاجتماعي، وعلى اختلاف منصاتها وأهدافها، تتبع سياسة واحدة مشتركة في تعاملها مع المحتوى الفلسطيني. ولئن تنوعت هذه السياسة في مضامينها كالحذف في الحالات (1 و2 و6 و7)، أو الحجب في الحالة (5)، أو الإغلاق في الحالات (3 و4)، أو الإبلاغ في الحالة (9)، فإنها جميعًا تدل على عمل إقصائي رافض لكل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية في تعدٍّ صارخ على حرية التعبير التي أصبحت ذات صلة جوهرية باستخدام الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي المرتبطة بها. كما تفضح هذه السياسة العدوان الصارخ على كل ما يمكن أن يكشف رواية بديلة ومن منظور آخر مخالفة للروايات الرسمية التي يصدرها المتحكِّمون في الشأن العام.
وهنا، يمكن أن نلاحظ أن الإجراءات الرقابية المذكورة تبدو أكثر في حدتها وفي منسوبها منذ العام 2010، لكنها شهدت أشد تجلياتها خلال أحداث الشيخ جراح والمسجد الأقصى سنة 2021، حيث عرف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي نقلة من حيث الآليات والإستراتيجيات المُوجِّهة له وفي توازنات القوى؛ إذ إن المواطن الفلسطيني ليس مطالبًا اليوم بالنزول إلى الشوارع للتظاهر أو للمواجهة المباشرة، فهو قادر من وراء شاشة حاسوبه أو هاتفه الذكي على نقل واقعه وتوجيه انتقادات وضربات موجعة من شأنها الكشف عن جرائم الجيش الإسرائيلي والمستوطنين.
في هذا الإطار، لا ينكر المتخصصون في قراءتهم لتلقي الدفق التعاملي بوسائل التواصل الاجتماعي أن النظر في توازن القوى بين الجهات الحكومية في النظام الدولي وبين من هم في إطار صراع ومواجهة، سواء أكانت معلنة أو غير معلنة، يتطلب الآن وأكثر من أي وقت مضى مراعاة القضايا المتعلقة بالفضاء السيبراني؛ ذلك أن أجهزة الكمبيوتر أصبحت أداة حيوية للتشغيل السليم لهياكل الدولة والرفيق اليومي لجزء كبير من الإنسانية مقارنة بالفترات الأولى لانبعاثها مكونًا من مكونات الواقع. كما أن توازن القوى هذا لم يكن يومًا لصالح كفة من يمتلك الأدوات والقدرة على السيطرة، وإن بدا هذا الأمر كذلك خاصة قبل العام 2010 الذي يعد حدثًا قادحًا؛ إذ يمثِّل تاريخ اندلاع ما يسمى بالربيع العربي الذي غالبًا ما يُصوَّر على أنه دخول وحشي لأنظمة المنطقة العربية في العصر الرقمي الجديد، وكأن منطقة جغرافية كبيرة كهذه يمكن إخراجها منه. هذا إذا ما سلمنا جدلًا بأن من يكتب ينطلق من خلفية التفوق تكنولوجيًّا ضمن رؤية تقرن بين التكنولوجيا والحضارة بالتلازم أو التوالد. ومهما يكن من أمر ذلك فمسألة الخمول التكنولوجي حاصلة لا محالة في تقدير من يقدر وذات مدى تأثيري غير قابل للإنكار(14).
ونتيجة للتحول المشار إليه سابقًا في مدى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي خاصة بعد العام 2010، يتضح بجلاء أن هذه التطبيقات التواصلية أصبحت تلعب دورًا رئيسيًّا في إعلام وتعبئة وتنظيم حركات فكرية ونضالية وإنسانية تمتد من دولة إلى أخرى بغض النظر عن الحدود. هذا فضلًا عما بثته من آمال وأمنيات في التحرر كما هي الحال مع القضية الفلسطينية؛ إذ أسست لشعور بالثقة في الذات. لكن في المقابل أدى انتشار استخدام التطبيقات بكل ما فيه من أمل وعزم بدوره إلى تعاظم دور الرقابة. وبالرغم من كل ما قيل فإن هذا التطور الرقمي لم ينبثق من صحراء رقمية. إنه، بطريقة ما، إرث التطور البطيء للصحافة العابرة للحدود والقنوات الفضائية وظهور وسائل الإعلام عبر الإنترنت التي سمحت بظهور شبكة ويب جديدة ونشيطة مما أعطى مكانة بدرجة الفخرية للمدونات ثم تطبيقات الوسائط الاجتماعية(15).
على هذا الأساس، فإن تزايد الرقابة على المحتوى الفلسطيني بتنوعاته كما يظهر في الجدول (1) يُعد نتيجة طبيعية لانخراط الطرف الفلسطيني -كغيره في المنطقة العربية- في مسار الثورة التكنولوجية والاستعمال المكثف لشبكات التواصل الاجتماعي بديلًا عن الإعلام التقليدي وبديلًا عن أساليب المواجهة القديمة. ولئن تغيرت هذه الأساليب ورسمت أفقًا آخر يوسع من مفهوم إطار الصراع فإن الفعل الرقابي في جوهره يُعد أكثر رسوخًا في ممارسات السلطة وإن تبدلت مظاهره، كما نظَّر لذلك ميشيل فوكو الذي اعتبر أن ثمة ثلاث طرائق رئيسية في المجتمع الرقابي الحديث؛ تتمثَّل الأولى في اتباع كل كيان في النظام لكيان أعلى بشكل متدرج هرمي من خلال التفاوت الحاصل في الأدوار. وهذه التراتبية قد تكون ظاهرة ماكروفيزيائية أو مخفية ميكروفيزيائية. أما الطريقة الثانية فهي الإصلاح تأديبيًّا، وتتبع المجتمعات الحديثة، أو بالأحرى يتحكَّم في العلاقة بين صاحب السلطة ومن تمارس عليه هذه السلطة ثنائية الفرض والتطبيع، بمعنى أن السلطة تسعى في عملها إلى فرض القانون وعادة ما يكون سائدًا ليسري في التداول بين الناس وقد يلحق حتى المناهج التعليمية. وتتمثَّل الطريقة الثالثة في الفحص، وهي تجمع بين الطريقتين السابقتين وتسمح بتوجيه الآراء والمواقف بناء على ما تريده السلطة أن يكون(16).
من هذا المنطلق يُشرع في تبيُّن الإجراءات الرقابية على المحتوى الفلسطيني في عملية إحياء لنظرية فوكو التي لم تُطرح ضمن أنظمة السلطة التي عالجتها مسألة وسائل التواصل الاجتماعي وهذا ليس خللًا بطبيعة الحال؛ إذ إنها جاءت في سياق مخصوص. ولو واصل فوكو عمله وامتد إلى الفترة الراهنة لكانت وسائل التواصل الاجتماعي في مقدمة أجهزة السلطة. فآليات من قبيل الحذف والحظر والإغلاق أو التبليغ تتَّبِع في اشتغالها النسقَ الذي رسمه فوكو في نظريته.
فالحالة الأولى على سبيل المثال في الجدول (1) تتمثَّل في حذف محتوى يُوثِّق اعتداء الشرطة الإسرائيلية؛ يعبِّر عن إجراء فحص للمحتوى المذكور ويأخذ في الاعتبار وجود قانون سائد يجب التطبيع معه، وهو أن الشرطة الإسرائيلية تمارس عملها الطبيعي في مقاومة الشغب وليس القمع كما في تقدير الطرف المقابل في إطار الصراع، وكل تجاوز لهذا القانون -أي قانون مكافحة الشغب ونقده والتشهير به- هو ضد عمل جهاز الشرطة في مكافحة الشغب. هذا فضلًا عن كونه فضحًا لسرية العمل الأمني، ينضاف إلى ذلك ما يعرف عن هذا الجهاز من كونه ذا وجود منطقي وإلزامي في الدول، وهو موضوع لأجل العامة لحمايتها وفرض حالة من الاستقرار تسمح بممارسة الحياة بشكل طبيعي ومنظم.
على هذا الأساس، فإن فحص المحتوى يتم بشكل ظاهري من قبل الوسيط التواصلي تحت غطاء الموضوعية كما يشرَّع لذلك في سياسات الاستخدام وقد يُتعامل مع المحتوى باعتباره حاملًا لمشاهد عنف لا يقبلها كل المتلقين بنفس الدرجة وفي ذلك موضوعية أيضًا، لكن هذه الموضوعية تنطوي على تحيز كبير ومن شأنها إخفاء جزء كبير من الواقع الفلسطيني المؤلم، هذا فضلًا عن الشروع في ممارسة المعاقبة باعتبارها خطوة طبيعية لفعل الفحص.
أما عن الحالة التاسعة فتتمثَّل في الإبلاغ عن المحتوى لفترات تعبِّر في عمقها عن الرقابة الممارسة عبر أجهزة السلطة الميكروفيزيائية غير الظاهرة في العلن، ذلك أن التبليغ عملية سرية يباشرها المحتكر للسلطة وعبرها يتمكن من فرض منهجيته في تصريف الواقع وكذلك روايته الرسمية.
إن هذه الأدوات الرقابية والإستراتيجيات الخاضعة لها تكشف عن عمق الصراع وتأججه بدرجة تفوق ما هو عليه في الواقع. فلئن كانت المواجهات المباشرة رغم تكرارها تتسم أحيانًا بالسكون والاستقرار فإنها في الفضاء الافتراضي ليست ثابتة على حال بل في تطور دائم، لاسيما إذا ما نُظر إلى إستراتيجيات المراقبة والتحكُّم من منظور آخر خارج دائرة المحدد الفوكوي.
تجدر الإشارة إلى أن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي الذي انتقل إلى شبكات التواصل الاجتماعي يُجسد نقطة ساخنة في مسار تشكُّل إطار الصراع، ومن هنا يمكن فهم أسباب الحذف والتبليغ وكل أشكال العدوان على المحتوى الفلسطيني. فهو ليس مجالًا للفعل بمفهومه المادي في إطار ما هو افتراضي، بقدر ما هو مجال للفعل بمفهومه القولي، ويفرض حالة نفي للتقاتل الذي قد تتكاثف حوله الأهواء والتقييمات والمشاعر حتى ولو كانت إنسانية فضلى وهو أيضًا غير خاضع لتفاوت في العدد أو في القدرة على مستوى العتاد والسلاح، لأنه في نهاية الأمر يفرض نسقًا من تحاور الأفكار والآراء التي تلعب على خلق تأثير فاعل لدى المتلقي، كما يسمح بإتاحة فرصة لفهم القضية وإنصاف أطراف الصراع على عكس ما يوجد في الحرب من تقاتل وما يصاحبها من فوضى في تلقي مختلف الأحداث.
وقد شرعت بعض الدراسات بالفعل في البحث عن محامل جاهزة وهادئة لقراءة إطار الصراع حيث يهدف بعض الدارسين إلى البحث في الكيفية التي تجعل من الكلمات المنطوقة سببًا ومبررًا لاستبعاد الآخر من أجل خلق استجابة بشكل أفضل لمطالب مجموعة رأي ما وللتعامل العقلاني مع التهديد الذي يمثِّله رأي الخصم ومواقفه وممارساته وربما لتبرير استخدام العنف ضده(17). فهذا الصنف من الدراسات يركز أساسًا على الإستراتيجيات الخطابية المعتمدة في المحتوى الذي ينشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
لذلك يُلاحظ، خلال تحليل تمثيلات الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني على فيسبوك، تكرار موضوعات من قبيل أوجه التشابه التي تم رسمها مع الحرب العالمية الثانية، وخاصة الحقبة النازية الألمانية.
تمثِّل هذه المقارنة مع النازية وسيلة غالبًا ما تستخدم بشكل متكرر لتشويه سمعة الخصم ونزع الصفة الإنسانية عنه(18). ومن المثير للاهتمام في هذا السياق أن هذا الشكل من التجريد من الإنسانية يعكس إستراتيجية خطابية لتأطير الصراع وجعله أقرب إلى المتلقي الغربي الذي يحمل في داخله خوفًا من تلك الحقبة ورفضًا كبيرًا. هذا فضلًا عن أن هذه المقارنة تذكِّر اليهود بمسألة المحرقة ومعاناتهم، وفي المقابل هم يُظهرون عدم اكتراث لما هو إنساني ولحق الشعوب في تقرير مصيرها ليخرجوا بذلك إلى العالم في حالة من المرض النفسي؛ حيث إنهم يُعامِلُون غيرهم كما كانوا يُعامَلُون بعنف وبربرية، وقد بنوا نظامهم على الانتقامية لا على عقد اجتماعي واضح المعالم يسمح بتسميتهم شعبًا ذا قضية بقدر ما هم عبارة عن قبيلة تبرم الأحلاف مع الإدارات المتحكمة والمالكة لوسائل التواصل الاجتماعي كي تغطي على جرائمهم الشنيعة، لاسيما موقع فيسبوك الذي يعكس تحيزًا كبيرًا وضروبًا شتى من الاستقطاب الواسع(19). ولعل هذا التحيز يظهر في التعامل مع مصطلحات وكلمات من قبيل عبارة “الشهيد”؛ حيث يُعامِل هذا الموقع العبارة بالحظر كما في الحالة التي يجسدها منشور للشاعر التونسي، سالم المساهلي، وهو لا يمثِّل إلا عينة من نماذج أخرى عديدة.
صورة (1): حجب أبيات شعرية للشاعر التونسي سالم المساهلي بعد استخدامه عبارة “الشهيد” والتهديد بتعطيل حسابه على فيسبوك(20)
ثم إن الصراع يزداد تعقيدًا وعمقًا بمجرد الانتباه إلى مسائل من قبيل أن أقسام التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي هي قبل كل شيء مساحات لتأكيد الذات وتقوية الروابط من خلال الشعور بالانتماء المشترك(21). وتعكس من خلال ما تتيحه من وسائل تعبيرية عبر أكثر من وسيط تبليغي كالكلام والصورة والرمز مشاريع المشترك الممكن والتفاوض بشأن الهويات(22)، لذلك يلاحظ دائمًا العمل على إضافة خوارزميات للتصرف فيها من قبل صاحب المنشور والتقليل منها.
يتضح بجلاء مما تقدم أن شبكات التواصل الاجتماعي على اختلافها أصبحت تمثِّل فضاء للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي يعضد واقع الصراع في الأراضي المحتلة. ولعل أركان هذا الصراع المتجدد في إطار القضية التاريخية الدائمة أكثر دقة وعمقًا دلاليًّا ضمن المسار النضالي العام، لكن أزمة العدوان الإسرائيلي لم تنفك تمارس ضغوطات وإجراءات رقابية مستغلة في ذلك تحيز الإدارة الأميركية وسياسات الخصوصية التي وضعتها الوسائط التواصلية للتضييق على الكلمة الحرة في اعتداء صارخ على حرية التعبير التي لابد أنها تطورت بموجب التطور التكنولوجي الذي لحق مختلف أصقاع العالم بدرجات متفاوتة.
تتنوع وسائل التضييق وأشكال العدوان وتكشف المنشورات على مواقع فيسبوك وتويتر ويوتيوب وغيرها عن إستراتيجيات خطابية ترسم في مجملها إطارًا عامًّا للصراع. فهي تكاد تكون غير قابلة للحصر العددي أو المضموني، كالحذف والحظر والإلغاء والتبليغ ورفض استعمال مصطلحات وعبارات من قبيل “الشهيد” أو “القدس عاصمة فلسطين” وغيرها من المصطلحات والعبارات التي تتشكَّل في سياق الأزمات تحت ما يسمى بـ”الهاشتاغ”. وقد يصل الأمر إلى الحيلولة دون إنشاء المحتوى حيث تعمد سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى محاصرة الناشطين والمدونين والصحفيين الفلسطينيين ومصادرة معدات عملهم واعتقالهم وتنظيم المحاكمات لهم مما يذكِّر بما ضربه فوكو في صلب نظريته عن السلطة وأدوات تحكمها فيمن يعيشون في كنفها وفي أفق ثنائيتي المعرفة والسلطة والمراقبة والمعاقبة.
ولتفادي العدوان الإسرائيلي على المحتوى الإلكتروني يسعى الفلسطينيون إلى تحدي خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي عبر المراسلات والتشهير والإدانة وابتداع شعارات ورموز تجعل المحتوى الذي ينشرونه يستمر في الظهور، ويحتل الصدارة في الأخبار العالمية، ويكون بذلك مصدرًا بديلًا للخبر الإعلامي. إن هذه الإجراءات الدفاعية التي يبتدعها الفلسطينيون يوميًّا لتفادي العنف الإلكتروني والتآمر على قضيتهم من شأنه أن يفتح الباب أمام مجالات ودلالات بحثية جديدة وأن يلفت النظر إلى مفهوم جديد للصراع.
كما تجدر الإشارة إلى أن الإجراءات الدفاعية التي ينتهجها الفلسطيني اليوم يجب أن يعضدها غطاء قانوني يتمثَّل في السعي إلى تفعيل الضمانات الحقوقية الدولية اللازمة لممارسة حرية التعبير وحق الحياة الخاصة، وفي التراسل بشكل خاص دون تدخل أو تعسف. وهذا ينطبق بشكل صريح على استعمال شبكات التواصل الاجتماعي؛ إذ تقر المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أنه “لا يجوز تعريض أحد لتدخُّل تعسُّفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمسُّ شرفه وسمعته. ولكلِّ شخص حقٌّ في أن يحميه القانون من مثل ذلك التدخل أو تلك الحملات”(23). وكما أسلفنا الذكر، فإن استخدام وسائط التواصل الاجتماعي بمختلف أنواعها ينضوي تحت هذا الحق، ويتقاطع بشكل متلازم مع التشريعات ذات الصلة بحرية التعبير والحق في الكلمة. ثم إن الاطلاع على النصوص والتشريعات الدولية، وضمنها ما ذُكر سابقًا، له دور فاعل في تنمية النضال الرقمي الفلسطيني، لاسيما إذا ما تم العمل عليه بشكل منظم قصد نيل التفعيل في الواقع، خاصة أن النصوص موجودة وهي مدار عمل دائم وثابتة في صيغتها التقريرية ولا يمكن المساس بها. وفي هذا الإطار، يمكن التذكير بأن “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حريته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء والأفكار وتلقِّيها ونقلها إلى الآخرين، بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”(24).
ولسائل أن يسأل في هذا الصدد: كيف نجعل هذه الحريات واقعًا غير قابل للنقاش قصد الاعتداد بها في عمليات النضال الرقمي الذي يُعد مسارًا جوهريًّا في فلسفة الحريات وتشريعها؟
يتطلب ذلك العمل على توفير بيئة تنظيمية وقانونية تسمح بظهور إعلام رقمي ونشاط على الإنترنت متعدد الآراء ومنفتح. ولابد كذلك من تفعيل دور الإدارة السياسية لدعم ذلك والضغط لتوفير القوانين واللوائح والقرارات الضامنة لاستمرارية وضع نضالي رقمي تحت عنوان نشاط رقمي منفتح. كما تتطلب هذه الحريات وجود قانون يضمن الحصول على المعلومة دون شرط أو قيد، وخاصة المعلومات عن الفضاء العمومي واليومي. هذا فضلًا عن العمل على توفير الكفايات التعليمية اللازمة لدى منتجي الأخبار والمحتوى ليتمكنوا من تحليل المعلومات تحليلًا نقديًّا وتجميع ما يصلهم منها لاستخدامها في حياتهم اليومية ولبناء روايات مؤثرة على الجمهور المتلقي بطريقة تجمع بين مخاطبة العقل والقلب.
استنتاجات
إن ما يمكن قوله على سبيل المراجعة والتلخيص لمحاور الدراسة:
– إن مفهوم الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي لم يعد مفهومًا تقليديًّا، بل عرف نقلة نوعية على مستوى الإستراتيجيات والسياسات الخطابية؛ الأمر الذي من شأنه أن يعدل موازين القوى بين الطرفين، لأنه ينبني على الرمز والكلمة والفعل التعبيري القولي. هذا فضلًا عن أن درجة تلقيه وطريقته قد سجلت تحولًا كبيرًا، وأصبح بذلك للفلسطينيين وقضيتهم مساندون أكثر عددًا بعيدًا عن منطق الاصطفاف الذي ركز عليه الطرف الفلسطيني في بداية مساره النضالي.
– شبكات التواصل الاجتماعي على اختلافها تعيش لحظة مهمة من عمرها تتعلق بمدى ارتباطها بحقوق الإنسان ومدى مواكبتها لها والتزامها بها، ويُعد الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دافعًا لمراجعات عميقة في العصر الراهن.
– الطرق التي يبتدعها الفلسطينيون لمواجهة غيرهم من شأنها أن تخلق مجتمع معرفة جديدًا؛ ففي خضم هذه المقاومة ترتسم لغة جديدة ورموز تعبيرية تفرض صلاحيتها الدراسية من منظور تحليل الخطاب والدراسات اللسانية والثقافية.
نُشِرت الدراسة في العدد الثاني من مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام، للاطلاع على العدد كاملًا (اضغط هنا)
نور الدين الميلادي – أستاذ الإعلام والاتصال ورئيس قسم الإعلام بجامعة قطر سابقاً
أنوار العرفي – صحافية وباحثة في مجال الصحافة والإعلام
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات
بريطانيا مطالبة بإنصاف ضحايا جرائمها المروعة في فلسطين
|
شهد أهالي البصة على الوحشية الإمبراطورية عندما داهم الجنود البريطانيون القرية بعد الفجر. فُتحت مدافع رشاشة مثبتة على سيارات رولز رويس مدرعة النار على سكان القرية الفلسطينية ثم وصلت مجموعات البنادق الملكية الإرلنديّة ومعها مشاعل نار وأحرقت المنازل بالكامل، بينما اعتُقل الناجون من أهالي القرية ليُجبروا في وقت لاحق على قيادة حافلة فوق لغم أرضي ليموت جميع من كانوا على متنها.
صوّر شرطي بريطاني هذا المشهد بينما كانت النساء يجمعن رفات موتاهن قبل دفن الأشلاء المشوهة في حفرة. كان ذلك في خريف 1938 وكانت القوات البريطانية تواجه تمردًا في فلسطين، التي كانت تحت السيطرة البريطانية بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية قبل عقدين من ذلك.
كانت الغارة البريطانية على البصة جزءا من سياسة معلنة من قبل القائد المحلي في إجراء “عقابي” ضد قرى فلسطينية بأكملها، وذلك بعد أن تسببت قنبلة مزروعة على جانب الطريق في قتل أربعة جنود بريطانيين، بغض النظر عن وجود أي دليل عن الطرف المسؤول.
نُشرت صور آثار انفجار قرية البصة في مذكرات جندي بريطاني.
رُفع الستار عن هذه الفظائع في روايات الجنود وأهالي القرية بعد عقود من مغادرة المملكة المتحدة البلاد. وقد أصبحت هذه الروايات تشكل جزءا من ملف يُعرض على الحكومة البريطانية للمطالبة بالمساءلة على ما تعرّض له الفلسطينيون من جرائم حرب مزعومة من قبل القوات البريطانية.
تطالب العريضة، التي تضم 300 صفحة من ملفات الأدلة، بإقرار واعتذار رسميين عن الانتهاكات خلال فترة الحكم البريطاني لفلسطين من سنة 1917 حتى 1948، وهي الفترة التي انسحبت بعدها بريطانيا بسرعة وتم الإعلان عن “دولة إسرائيل”.
تتضمن مراجعة البي بي سي للأدلة التاريخية المدرجة تفاصيل عن القتل التعسفي والتعذيب واستخدام الدروع البشرية وهدم المنازل كعقاب جماعي. نُفّذت معظم هذه الإجراءات في إطار المبادئ التوجيهية للسياسة الرسمية للقوات البريطانية في ذلك الوقت أو بموافقة كبار الضباط.
قال عيد حداد، وهو ابن اثنين من الناجين من البصة، في حديث خلال برنامج “بي بي سي نيوزنايت”: “أردت أن يعلم الناس أن والديّ كانا يعانيان منذ أن كانا في سن المراهقة. وعلينا الآن أن نتحدث نيابة عن الأشخاص الذين لاقوا حتفهم”. وفي بيان لها، قالت وزارة الدفاع البريطانية إنها كانت على علم بوجود ادعاءات تاريخية ضد أفراد القوات المسلحة خلال تلك الفترة، وإن أي دليل يتم تقديمه سيخضع “لمراجعة شاملة”.
من المرجح أن يؤدي طلب الاعتذار إلى إعادة إحياء النقاش حول تحقيق المساءلة العصريّة عن جرائم الحقبة الاستعمارية، بينما يسلّط الضوء أيضًا على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني المستمر. يُقيّم هذان المجتمعان الإرث التاريخي لبريطانيا من وجهات نظر مختلفة، وقد قاوم كلاهما في أوقات مختلفة العداء أو الإساءات أو الوعود الكاذبة خلال حكم المملكة المتحدة.
جاء هذا الطلب من طرف منيب المصري (88 عاما)، وهو رجل أعمال فلسطيني وسياسي سابق معروف أصيب برصاص القوات البريطانية عندما كان صبيا في سنة 1944. تحدّث المصري مع بي بي سي في منزله في نابلس بالضفة الغربية المحتلة قائلا: “أثّر [الدور الذي اضطلعت به بريطانيا] علي كثيرا لأنني رأيت كيف يتعرض الناس للمضايقات.. ليس لدينا أي حماية على الإطلاق ولا أحد ليدافع عنا”.
طلب المصري من محاميين دوليين معروفين مشاركين في المشروع إجراء مراجعة مستقلة للأدلة، وهما لويس مورينو أوكامبو، المدعي العام السابق في المحكمة الجنائية الدولية، والمحامي البريطاني بن إيمرسون، المقرر الخاص السابق للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب.
يقول إيمرسون إن الفريق القانوني قد اكتشف أدلة على “جرائم مروعة ارتكبتها عناصر معينة من قوات الانتداب البريطاني بشكل منهجي ضد السكان الفلسطينيين”، وصرّح لبي بي سي “أن بعض هذه الجرائم على درجة كبيرة من الخطورة لدرجة أنها كانت لتعتبر حينها انتهاكات للقانون الدولي العرفي”.
أقفاص الأسلاك الشائكة
من المقرر أن يقدم المصري الملف إلى حكومة المملكة المتحدة في لندن في وقت لاحق من هذا العام، ويشير التماسه إلى فظاعة أخرى وقعت في صيف 1939 عندما أجرى جنود من فوج بلاك ووتش عملية تفتيش للأسلحة في قرية حلحول الواقعة في الضفة الغربية.
وصفت الروايات المتعددة من كل من السكان والجنود البريطانيين بالتفصيل الطريقة التي تمت بها مداهمة المنازل واعتقال أهالي القرية تحت تهديد السلاح، قبل أن يتم جمع ما يصل إلى 150 رجلا في مكان خلف أحد المساجد وإجبار العديد منهم على البقاء داخل أقفاص من الأسلاك الشائكة. يقول محمد أبو ريان (88 عاما)، الذي كان صبيا عندما اقتحم الجنود البريطانيون منزله واحتلوا السطح: “هؤلاء ليسوا ثوارا بل مزارعون ذلك أن الثوار الحقيقيين يختبئون في الجبال”.
“تحوّلت الدولة بأكملها إلى سجن” البروفيسور والمؤرخ العسكري، ماثيو هيوز.
كان أبو ريان يعرف الكثير من الناجين من أقفاص حلحول. خلال أسبوعين من تعرّضهم للأسر في الحر الشديد، توفي 13 شخصا بسبب الجفاف، بينما أصيب شخص واحد على الأقل برصاصة أثناء محاولته الهرب. قال أبو ريان لبي بي سي في منزله في حلحول: “لقد بدأوا في حفر التربة محاولين أكل الجذور، ووضعوا الأوساخ المبللة على جلدهم فقط في محاولة لتبريد أجسادهم”.
قدر مسؤول بريطاني في ذلك الوقت أن عدد القتلى سجّل انخفاضا طفيفا. وكتب مفوض المقاطعة آنذاك إدوارد كيث روتش في رسالة خاصة: “بعد 48 ساعة من المكافحة، كان معظم الرجال مرضى للغاية وتوفي 11 من كبار السن والضعفاء، وقد تلقيت تعليمات بعدم إجراء تحقيق مدني”.
كشف وصف استثنائي قدمه المقدم اللورد دوغلاس جوردون، وهو تابع سابق لفوج بلاك ووتش، عن وجود “قفص جيد” يحتوي على خيام للمأوى وكميات مياه غير محدودة، بجوار “القفص السيئ حيث لم يكن لديهم مأوى، لقد تم توزيع، على ما أعتقد، نصف لتر من الماء يوميًا”.
توترات متزايدة
بدأت سيطرة بريطانيا على فلسطين خلال الحرب العالمية الأولى عندما طردت قواتها الإمبريالية القوات التركية العثمانية. في سنة 1917، تعهد وزير الخارجية آرثر بلفور للحركة الصهيونية بإنشاء وطن قومي لليهود فيما أصبح يعرف باسم وعد بلفور.
مُنحت المملكة المتحدة تفويضًا بالحكم، مما سمح بارتفاع مستويات الهجرة اليهودية والاستحواذ على الأراضي وأدى ذلك إلى تأجيج التوترات المتزايدة مع العرب الفلسطينيين والتي كثيرًا ما تحولت إلى أعمال عنف.
شهد الوجود البريطاني الذي دام ثلاثة عقود سلسلة من الانتكاسات الفوضوية في السياسة حيث كافحت القوات لاحتواء العنف المتزايد – بين الفلسطينيين واليهود، وفي مرات مختلفة، بين الجماعات المسلحة من كلا الجانبين ضد القوات البريطانية. اندلعت ثورة فلسطينية – تُعرف بالثورة العربية – منذ سنة 1936، وأغرقت لندن البلاد بالقوات.
قاد العرب في فلسطين ثورة ضد الحكم البريطاني من سنة 1936 إلى سنة 1939.
كانت الفظائع التي ارتكبتها بريطانيا في فلسطين “عنيفة ومثيرة” ولكنها “استثنائية”، وفقًا للمؤرخ العسكري البروفيسور ماثيو هيوز، الذي قال إن تكتيكات القوات البريطانية لم ترقَ عادة إلى مستويات الوحشية التي تمارسها في بعض المستعمرات الأخرى.
بدلاً من ذلك، فرضت بريطانيا – على حد تعبيره – نظام “التهدئة اليومية” الذي كان “أكثر جوهرية وتراكمية واستنزافًا في إنهاك الفلسطينيين”، مستشهدًا بإجراءات تشمل القيود على الحركة وحظر التجول ومصادرة الممتلكات أو المحاصيل كإجراءات عقابية فضلاً عن الاعتقال التعسفي واستخدام السخرة لبناء الطرق والقواعد العسكرية.
يقول البروفيسور هيوز، مؤلف كتاب “التهدئة البريطانية لفلسطين”: “أصبحت البلاد بأكملها سجنًا”. ويضيف أن المبادئ التوجيهية العسكرية للمملكة المتحدة سمحت للقوات بتنفيذ “عقوبات جماعية” – غالبًا ما تنطوي على هدم منازل – بالإضافة إلى “الانتقام” وإطلاق النار على مثيري الشغب، بينما كان من الشائع أيضًا إطلاق النار على المشتبه بهم الذين كانوا يفرون.
“ربطهم بالأحزمة وضربهم”
عُثر على مذكرات العديد من الجنود وضباط الشرطة البريطانيين في فلسطين في أرشيفات متحف الحرب الإمبراطوري في لندن. وتشرح بعض شرائط الفيديو التاريخية بالتفصيل روايات عن الحملات “العقابية” واستخدام الدروع البشرية والتعذيب.
قال فريد هوبروك، ضابط في كتبية مانشستر، إنهم ذهبوا إلى القرى و”هدموا بعض المنازل وأشياء من هذا القبيل” بينما كان السكان فقط يشاهدون ما يحدث. وصف جندي آخر من كتيبة مانشستر يدعى آرثر لين، كيف كانوا “ينزلون إلى سجن عكا ويستعيرون خمسة أو ثلاثة ثوار، ليجعلوهم يجلسون على غطاء محرك السيارة ليتمكن الرجل الموجود في أعلى التل من رؤية رجل عربي في الشاحنة حتى لا يفجرها … إذا كان الثائر سيئ الحظ، فإن الشاحنة القادمة من الخلف ستضربه. لكن لم يكلف أحد نفسه عناء جمع الجثث. لقد تُركوا”.
كما تحدث عن ممارسة فظيعة تسمى “الركض بين القفازات” حيث يُجبر الفلسطينيون المشتبه بهم على الركض بين صفين من الجنود البريطانيين حيث يتم “ربطهم بالأحزمة وضربهم” بأعقاب البنادق والفؤوس. وقال “كل من يموت، يُنقل إلى عربة الطبيب أخرى ثم يُرمون في إحدى القرى بعيداً”.
تم توثيق الممارسة الفظيعة “الركض بين القفازات” من قبل الجندي البريطاني آرثر لين.
شهدت فترة الانتداب البريطاني في نهاية المطاف استخدام “أساليب سيئة للسيطرة” على كل من اليهود والعرب، كما يقول المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف، مؤلف كتاب “فلسطين واحدة، كاملة”. وقال لبي بي سي: “أدرك البريطانيون في وقت مبكر من سنة 1937 أنه لا يمكن أن ينجح الأمر، وأنه يجب عليهم الخروج من هنا حقًا … وأن الصراع بين اليهود والعرب ليس له حل فعلياً”.
يظل العديد من الإسرائيليين ممتنين لوعد بلفور، يقول سيغيف إنه بحلول الأربعينيات من القرن الماضي، ازداد التوتر بين الصهاينة والبريطانيين “بشكل سيئ للغاية”، ويضيف: “شعر بعض اليهود أن البريطانيين يخونونهم”. وشهدت تلك الفترة إعادة بريطانيا لسفن الناجين من المحرقة النازية الذين كانوا يحاولون الوصول إلى فلسطين. ويتابع: “لقد كان البريطانيون قادة أقوياء للغاية وكل ما أرادوه هو: “اصمت، لا تزعجنا بمشاكلك، فنحن لا نهتم حقًا بمن هو على صواب ومن على خطأ”. ولذا فقد طبقوا أساليب إدارة سيئة للغاية.
في غضون ذلك، يسعى السيد منيب المصري إلى إظهار أن الصراع الذي أعقب ذلك ترك الفلسطينيين معرضين للخطر تمامًا، حيث تبنت “دولة إسرائيل” المنشأة حديثًا بعض الصلاحيات الاستثنائية التي تركها البريطانيون. حيال هذا الشأن، يقول: “يجب على بريطانيا أن تنظر في سبل ووسائل التعويض.. وأن تكون شجاعة وتقول: “نعتذر على ما ارتكبناه”.
التاريخ السري للحرب البيولوجية التي شنتها “إسرائيل” عام 1948
|
في 25 أيلول/ سبتمبر 1997، سمم عملاء الموساد من وحدة القوات الخاصة في كيدون رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في عمان (العاصمة الأردنية)، إذ قام أحد العناصر بحمل أنبوب صغير ورش أذن مشعل بالسم.
تتمثل طريقة عمل الموساد في إرسال أحد أطبائها إلى ساحة العمليات في حالة إصابة أحد عملائها وحاجته إلى علاج طبي وذلك دون المخاطرة بالكشف عن نفسه في مستشفى محلي. وقع الاختيار على طبيبة لمرافقة ميشكا بن دافيد، أحد ضباط استخبارات الموساد، لتنفيذ المهمة في الأردن. تظاهرا بأنهما زوجان إسرائيليان يقضيان إجازة في أحد فنادق عمان. وكان لدى الطبيبة وبن دافيد ترياق من شأنه أن يُبطل السم إذا تسرب وأصاب أحدهم بالخطأ، بينما احتفظت “إسرائيل” بترياق احتياطي في موقع آخر في عمان.
لكن المهمة فشلت. أظهر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إهمالاً وغطرسة في تنفيذ عملية على الأراضي الأردنية، الحليف الاستراتيجي لـ”إسرائيل” في الشرق الأوسط. قبل ثلاث سنوات فقط، وقّع الأردن معاهدة سلام مع الدولة اليهودية. كما كان من الصعب جمع معلومات استخباراتية، وكان أداء العناصر الميدانية دون المطلوب. ألقي القبض على عناصر الموساد الذين يحملون جوازات سفر كندية مزوّرة، بينما لجأ أربعة آخرون إلى السفارة الإسرائيلية.
في ذلك الوقت، هدّد العاهل الأردني الملك حسين باقتحام السفارة وإعدام العملاء. إرضاءً للملك وافقت “إسرائيل” على إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين مؤسس حماس وزعيمها الروحي وإنقاذ حياة مشعل. أعطت الطبيبة وبن دافيد الترياق لضابط مخابرات أردني، الذي أرسله بدوره إلى طبيب أردني. أنقذت “إسرائيل” حياة مشعل، العدو اللدود لـ”إسرائيل” حتى اليوم.
إلى جانب الأضرار التي ألحقتها “إسرائيل” بمصالحها الوطنية، كان أحد أكثر التداعيات إثارة للقلق حقيقة أن قضية مشعل أجبرت “إسرائيل” على الاعتراف علنًا بأنها استخدمت السم – وهو شكل من أشكال الحرب البيولوجية من خلال إجراء واحد على الأقل. حتى ذلك الحين، كانت التقارير حول استخدام عملاء المخابرات الإسرائيلية للسموم تُنسب دائمًا إلى “مصادر أجنبية”.
وديع حداد سنة 1970.
تحدّثت الصحافة العالمية عن واقعتين على الأقل من هذا النوع، كانت إحداها في سنة 1978 بعد وفاة وديع حداد، ضابط العمليات في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. كان حداد مهندس عملية الاختطاف المذهلة للطائرات الإسرائيلية والدولية في السبعينيات، بما في ذلك رحلة الخطوط الجوية الفرنسية التي تم تحويلها إلى عنتيبي في أوغندا في سنة 1976. وفي عملية جريئة، قتل الكوماندوز الإسرائيليون عناصر تابعين لحداد من بينهم أعضاء ألمان في “جماعة بادر ماينهوف” وأنقذوا معظم الرهائن.
على إثر ذلك، قرر الموساد الانتقام. ونظرا لأنهم يعلمون أن حداد يحب الحلويات، جنّد الموساد أحد مساعديه ليكون جاسوسًا. وفقًا لتعليمات موظفي الموساد، اشترى المساعد شوكولاتة كادبوري إنجليزية الصنع في بلجيكا. كانت الشوكولاتة مليئة بالسم الذي أعده علماء إسرائيليون للموساد. قام المساعد الفلسطيني بتسليمها بنفسه إلى حداد، فأكلها بمفرده. توفي حداد، الذي كان يعاني من أمراض خطيرة، بعد بضعة أسابيع في أحد مستشفيات برلين الشرقية. حتى اليوم، لا يزال قدامى المحاربين في الموساد يتجادلون حول ما إذا كان حداد قد مات بالسم أو بسبب مرضه، أو بسبب مزيج من العامليْن.
بعد مرور 13 سنة من محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت مشعل، نفّذ الموساد عملية أخرى. في سنة 2010، سمم عملاء الموساد الناشط الكبير في حماس محمود المبحوح – الذي عمل مع إيران لتهريب أسلحة إلى غزة – وهو في غرفة فندق في دبي. مات المبحوح وعاد جميع الأعضاء المنفذين للعملية سالمين إلى “إسرائيل”. لكن شرطة دبي تمكنت من إعادة تركيب الأحداث، وكشف أن الموساد استخدم جوازات سفر غربية مزورة لتنفيذ هذه العملية. في المقابل، تضررت هيبة الموساد وصورته، ناهيك عن أن القضية أضرت بعلاقات “إسرائيل” الخارجية.
قائد شرطة دبي يقدم أدلة على اغتيال محمود المبحوح في دبي سنة 2010
يحظر بروتوكول جنيف لسنة 1925 استخدام الأسلحة البيولوجية. بعد خمسين سنة، تم التوقيع على اتفاقية دولية أخرى: اتفاقية حظر تطوير وإنتاج وتخزين الأسلحة البكتريولوجية (البيولوجية) والتكسينية وتدمير تلك الأسلحة، التي يشار إليها عمومًا باسم اتفاقية الأسلحة البيولوجية. وبينما صادقت 183 دولة على المعاهدة، رفضت “إسرائيل” مع مصر والصومال وإريتريا وجزر القمر الانضمام إليها.
يُفترض على نطاق واسع أن المواد السامة المختلفة التي استخدمها الموساد للحالات التي تم الكشف عنها بالفعل، وقليل منها بقيت سرية، تم تصنيعها في المعهد الإسرائيلي للبحوث البيولوجية في نيس زيونا، الذي يقع على بعد 20 كيلومترًا جنوب تل أبيب. تأسس المعهد، الذي يعمل تحت إشراف مكتب رئيس الوزراء ووزارة الدفاع، في سنة 1952 ليحل محل الهيئة العلمية للجيش. وكان ألكسندر كينان أول مدير له.
ألكسندر كينان، أول مدير لمعهد “إسرائيل” للبحوث البيولوجية
هذه الوحدة الآن هي بطلة مقال يكشف عن التاريخ السري للحرب البيولوجية التي شنتها “إسرائيل” سنة 1948. وهذا المقال بعنوان “ألق الخبز: الحرب البيولوجية الإسرائيلية خلال حرب 1948″، من تأليف المؤرخين بيني موريس، أستاذ فخري في جامعة بن غوريون في بئر السبع، والأستاذ الفخري بنيامين زئيف كيدار من الجامعة العبرية في القدس، ونشرته مؤخرًا مجلة دراسات الشرق الأوسط.
يعد هذا المقال نادرًا لسببين. أولاً، يتعارض البحث والنشر ضد رغبات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي حاولت منذ سنوات منع الوصول إلى أي وثائق تاريخية محرجة عن تلك الحرب تكشف جرائم الحرب ضد العرب، مثل قتل الأسرى والتطهير العرقي وتدمير القرى. ثانيًا، يستند المقال إلى وثائق أصلية محفوظة في أرشيف دولة “إسرائيل” وأرشيفات أخرى.
كان موريس وكيدار قد اكتشفا بالفعل أن الاسم الرمزي للعملية كان “ألق الخبز” – مأخوذ من آية في سفر الجامعة (11: 1). واستنادًا إلى أبحاثهم، قاموا بتفصيل كيفية مشاركة علماء من الفيلق العلمي، جنبًا إلى جنب مع وحدات ساحة المعركة، في حملة منهجية لتسميم آبار المياه ونشر بكتيريا التيفود في القرى والمدن العربية وكذلك بين الجيوش الغازية لمصر والأردن. وكان الهدف تخويف السكان العرب الفلسطينيين وإجبارهم على المغادرة وإضعاف الجيوش العربية.
صدر أمر استخدام الحرب البيولوجية أو على الأقل وافق عليه مؤسس الدولة اليهودية ديفيد بن غوريون، الذي كان أول رئيس للوزراء ووزير دفاعها والذي تشاور مع كبار العلماء في ذلك الوقت، بمن فيهم البروفيسور ديفيد إرينست بيرغمان، الذي يعتبر الأب الروحي للبرنامج النووي الإسرائيلي؛ والبروفيسور إفرين كاتسير، الرئيس اللاحق للدولة؛ والبروفيسور أليكس كينان مؤسس معهد البحوث البيولوجية.
ضمّت أعلى المستويات العسكرية المطلعة على العملية السرية الجنرالان يوهانان راتنر وإيغال يادين، الذي كان بحكم الواقع رئيس الأركان خلال حرب 1948، ثم العقيد موشيه ديان، رئيس الأركان ووزير الخارجية لاحقا، الذي سلّمه العلماء الأنابيب التي تحتوي على بكتيريا التيفود. وكانت مهمته تسليمها إلى مرؤوسيه. وكانت التعليمات تقضي بصبها في آبار المياه قرب أريحا حيث انتشر الجيش الأردني وفي قرى منطقة القدس حيث دارت أعنف المعارك.
موشيه ديان في آب/ أغسطس 1948
ولكن أحد أنابيب دايان انكسر وأصيب ابنه عاصي الذي كان يبلغ من العمر 3 سنوات (كاتب وممثل ومخرج أفلام لاحقا) وظل طريح الفراش لعدة أيام. كما تم إرسال جراثيم التيفود في زجاجات إلى الجبهة الجنوبية. لكن القادة المحليين من ذوي الميول اليسارية رفضوا المشاركة في هذه العمليات. وقد اشتكوا إلى قائدهم الكبير حاييم بارليف، الذي سيكون أيضًا رئيسًا للأركان ووزيرًا في الحكومة لاحقا، والذي طلب منهم التخلص من الزجاجات. لكن عددا قليلا من الجنود الإسرائيليين اعتقدوا أن الزجاجات تحتوي على مشروبات غازية وشربوها، لكنهم لم يمرضوا بشكل خطير.
يسلط المقال الذي كتبه موريس وكيدار الضوء على عدد قليل من الحالات التي تم فيها الاستعانة بجنود إسرائيليين لتسميم قرية عكا وقرية عيلبون في الجليل. وحسب وثائق بريطانية عربية والصليب الأحمر، فقد أصيب العشرات من سكان عكا بالتسمم وأصيبوا بأمراض خطيرة، ومات عدد غير معروف منهم.
اُستُخدِم نفس الأسلوب أيضًا في أيار/ مايو 1948 في غزة بعد أسبوع من إعلان “إسرائيل” الاستقلال. تنكّر جنديان يهوديان من وحدة القوات الخاصة بزي عربي وتسلّلا إلى غزة بأنابيب تحتوي على جراثيم التيفود. كانت مهمتهما تسميم بئر المياه بغزة لوقف تقدم الجيش المصري. لكن تم اعتقالهما وتعذيبهما وحُكم عليهما بالإعدام في آب/ أغسطس 1948 من قبل محكمة عسكرية مصرية.
لم تعترف “إسرائيل” أبدًا بالطبيعة الحقيقية لمهمتهم ولكنها اعترفت بسقوطهم. ولا يحدد المقال العدد الفعلي للخسائر التي تسببت فيها عمليات الحرب البيولوجية. ربما لم يكن مهمًا ولم تكن منتشرة بسبب الطبيعة الهاوية لعملية “ألق الخبز” والصعوبات اللوجستية. مع ذلك، لا عجب أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تخجل من بعض فصول ماضيها وتحاول إخفاء المعلومات.