1

العدو يرعى الجريمة المنظّمة

عصابات تقتل المئات في الداخل الفلسطيني

مئات القتلى سنويًا، بيوت تُحرق أو تسلبها عصابات الإجرام من أهلها، تُضاف إلى عيش آلاف العائلات الفلسطينية تحت مطرقة ديون السوق السوداء والربا المترتّب عليها، وهجرة سلبية بدأت معالمها تتوضّح لفلسطينيي الداخل المحتلّ إلى دول أخرى لانعدام الأمان، وهيمنة «الخاوة» على حياة أصحاب المصالح، أي ما يسمّى بضريبة الحماية، فإمّا أن توالي عصابة إجرام أو أن تكون ضحية لعصابة أخرى. «الشعوب المقهورة تسوء أخلاقها» عبارة لابن خلدون قد تنطبق على الجانب المجتمعي لتطوّر مفهوم الجريمة المنظّمة في الداخل الفلسطيني وتحوّلها التدريجي إلى حالة عامة تشكل المشهد الاجتماعي الكامل، في ظل نداء وحيد للحراك السياسي والقيادة المحلية وهو «جمع السلاح غير المرخّص». فما دور الاحتلال الإسرائيلي في كل هذا وأين ذهب المجتمع الفلسطيني في الأراضي المحتلة 1948 وإلى أين يتّجه؟ 


حاول العدو الإسرائيلي منذ عام 2000 وبعد انتهاء انتفاضة الأقصى إيجاد مخرج له من تطور الحراك السياسي الوطني الفلسطيني الذي أثبت خطره الجدّي على حياة «الإسرائيليين» ورفاهيتهم. مراكز بحثية وقبضة شرطية وعسكرية، ومؤسسات ضخمة تروّج لـ«الأسرلة» بميزانيات فلكية لم تنجح في دفع الفلسطينيين في الداخل للانسلاخ عن هويتهم الفلسطينية وعلاقتهم بالأرض والمقدسات والهوية، ما ظهر جليًا في أحداث النضال ضد مخطط «برافر» الاقتلاعي عام 2013 واتضح في أحداث «هبّة الكرامة» الأخيرة 2021. 

في محاولة لتحليل الخط الزمني، يبدو أن النضال ضد مخطط «برافر» هو أكثر ما أثار انتباه المخابرات «الإسرائيلية» لضرورة التعامل مع الداخل الفلسطيني بمنهجية مختلفة. فبعد تجنيد كل الداخل الفلسطيني وقدرته على شل حركة الاحتلال الإسرائيلي في ثلاث مناسبات ضخمة سمّيت آنذاك بمظاهرات الغضب، كما التفاف مجموعات وحراكات حول نموذج الحراك الشبابي في باقي مناطق الوجود الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والشتات، تكونت للمرة الأولى في المناطق الفلسطينية نماذج نضالية فوق حزبية تغلّبت على سطوة الفصائل والأحزاب، كان تحركها ضرورة عينية لإسقاط مخطط »برافر – بيغن» وبالفعل نجحت في ذلك. 

عشر سنوات مضت منذ إغراق الداخل الفلسطيني في القروض السوداء، مرّت السنوات الخمس الأولى مع نسب قتل أقل بكثير، ودون فهم جمعي أن القتل تحرّكه منظومة واحدة فالمقتول إما مجرم أو مدين أو بريء وُجد في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. عند الاستماع لقصص أهالي المثلث الفلسطيني، نجد أنه كان سهلًا جدًا تحصيل قرض لأي غاية كانت، للضروريات أو حتى لتجديد المنزل أو لشراء سيارة أو أي شيء من الكماليّات. لكن، لم يعلم المُقترِض أن ثمن سداد هذا القرض قد يكون حياته، أو حياة إخوته وأقربائه، حتى بدأ القتل، فإذا تأخر في الدفع تتضاعف الدفعة أو يتضاعف المبلغ، وليس هو وحده المهدد بالقتل. فالمدين ليس مفيدًا وهو ميت لأنه لن يستطيع سداد الدين، لذلك يُقتل أخوه أو ابن عمه أو صديقه وفي بعض الحالات قُتلت أمّهات وأخوات. 

ربما فشلت القيادة السياسية الفلسطينية في القياس الحقيقي للواقع وليس فقط في معالجته، فالنداء الذي أطلقته قيادات الداخل الفلسطيني السياسية كان «جمع السلاح غير المرخّص، ومحاسبة الشرطة الإسرائيلية على تخاذلها، ومنهم من طالب الشرطة بتعزيز عملها في البلدات العربية». في ظل ذلك ارتفع عدد الضحايا عن السنوات السابقة ليبلغ 167 بينهم 11 امرأة حتى الثامن عشر من الشهر الجاري، وفق ما يشير موقع «عرب 48». (راجع الصفحة 8، «مجرمون مدعومون؟»).

هل حقًا الشرطة الإسرائيلية متخاذلة في عملها؟ 

يجادل كثيرون بأن من فرط العمى وصف دور الشرطة «الإسرائيلية» بالتخاذل، فشرطة الاحتلال وأدوات فرض السيادة الاستعمارية في الكيان شركاء مباشرون في القتل. إذ صرّح «وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي السابق» أمير أوحانا عام 2022، بأن الشرطة «الإسرائيلية» على تواصل مباشر مع معظم رؤوس الإجرام في الداخل الفلسطيني، كما أدلى سياسيون «إسرائيليون» كثيرون بتصريحات مشابهة. ففي النقب مثلًا، جنوب فلسطين، حيث لا توجد جريمة منظّمة ولا تستطيع عصابات الإجرام الكبرى في الداخل الفلسطيني ممارسة نشاطها بسبب قوة العشائر البدوية وهرميتها، وسطوة القضاء العشائري الذي يحتكم إليه الناس لا للقانون «الإسرائيلي»، تنخفض نسب جرائم القتل لأقل من 10% سنويًا عن باقي مناطق الداخل الفلسطيني، وتكون معظمها حالات ثأر تنتهي بمقتل القاتل. ولكن، شهدت السنوات الأخيرة تزايد حالات القتل بسبب تحريض الشرطة «الإسرائيلية» لمجرمين، فالقاتل قد يخرج من السجن بعد عام واحد من الأسر فقط، أو قد لا يسجن لعدم كفاية الأدلة، كذلك برزت منهجية صناعة الفتنة من طرف دائرة أراضي «إسرائيل» بين العائلات البدوية عبر الالتزام لأكثر من عائلة على  قطعة الأرض نفسها بهدف صناعة النزاع بين العائلات التي تعاني ضائقة سكنية شديدة بسبب سياسات مصادرة الأراضي.
من المعروف في الشارع النقباوي أن «إسرائيل» تحاول بشكل مستمر دعم وتصدير شيوخ «متأسرلين» لإضعاف وتدمير القضاء العشائري، وإضعاف سطوة الشيوخ الوطنيين. 

كذلك وقعت عشرات الجرائم باستخدام أسلحة كانت شرطة العدو قد صادرتها مسبقًا أو «مسروقة» منه، وهذا دليل على أنها طرف واضح في الصراع الاجتماعي ومروّج وداعم مباشر للجريمة المنظّمة. تعلم سلطات الاحتلال بكل قطع السلاح التي لم تصادر من أصحابها، وتتعقبّها في حال جرى استخدامها لدوافع وطنية.

فرِّق.. تسُد؟

نجح الاحتلال الإسرائيلي في إيجاد افضل أدوات العزل والتفريق والهيمنة على الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني وهي التفكيك من الداخل، ليس بالأموال أو الامتيازات لكن بقتل شعور الأمان الشخصي وتفكيك الروابط الاجتماعية وتدمير مفهوم العائلة والعشيرة. الإفقار والتضييق في البيوت أولًا، ثم ضخّ الأموال من السوق السوداء، وجمع السلاح من الناس العاديين وتركه في يد المجرمين، كذلك دعم عصابات الإجرام بالسلاح والامتيازات وغضّ الطرف عنها بالعقوبات. إذ بتنا نشاهد اليوم بثًا مباشرًا على منصة «تيكتوك» لرئيس عصابة إجرام من داخل سجنه «الإسرائيلي»، وقد نجد شبابًا متعلّمين يحبّون هذا الرئيس فهو بالنسبة لهم «روبن هوود» الداخل الفلسطيني، بعد تصريحه بأنه يريد إنهاء الخوة. ولكن أسوأ النتائج للفلسطينيين وأفضلها لـ«إسرائيل» هي تحرّك المجتمع في الـ48 خارج فكرة المجتمع الواحد وباتجاه العزلة الكاملة للأفراد، فالكل يريد أن يسلم من ابن عمه أو قريبه. حيث جرى اقتحام لإحدى البيوت وقتل كل من فيه من قبل عصابة إجرام دون أن يخرج لنصرتهم جارهم المسلّح. قد لا تتبقى جماعة فلسطينية واحدة متماسكة مع مرور الزمن، إذ بدأ كثيرون بالهجرة فعلًا.

معذّبو الأرض 

في كتابه «معذّبو الأرض» يتطرق فرانز فانون إلى انتشار الجريمة بشكل جارف في المجتمع الجزائري خلال الاستعمار الفرنسي للجزائر، حتى ارتبطت النظرة الاستعلائية للمستعمر الفرنسي بتغيير مصطلح مجرم في الوعي الفرنسي إلى تسمية جزائري، وفي المقابل يربط فرانز فانون أن اللحظة التي انتهت فيها الجريمة من المجتمع الجزائري كانت اللحظة التي انتهى فيها الاستعمار الفرنسي للجزائر. ومن دون الخوض في تأجيج فرنسا للجريمة في الجزائر أو رعاية «إسرائيل» للجريمة في الداخل الفلسطيني، يتوافق فانون مع ابن خلدون في أن القهر ينتج نفسية مهزومة سيّئة لا أخلاقية للإنسان، فانعدام السيادة على حياة المرء المتمثلة في السيادة على الأرض والشعور بالكرامة الوطنية والإنسانية والاستقلال الشعبي، والفكري، والنفسي تجعله يبحث عن دائرة قوة يمارس فيها هيمنته للتغطية على ضعفه في إطار الحيّز الضيّق الذي صنعه له المستعمر وفي حالتنا الجريمة. 

«برافر – بيغن» 

مشروع أقره كنيست الاحتلال يوم 24 يونيو/حزيران 2013 بناء على توصية من «وزير التخطيط الإسرائيلي» إيهود برافر عام 2011 للاستيلاء على مزيد من الأراضي العربية الفلسطينية في النقب.
يقضي المشروع بتهجير نحو 40 ألف شخص من عرب النقب، أي سكان 22 من أصل 39  قرية عربية غير معترف بها في النقب داخل مناطق التخطيط اليهودي.
 

رأفت أبو عايش

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




كيف وماذا يعني ترسيم الحدود؟

ترسيم الحدود بين لبنان والكيان المؤقت هي من النقاط المثيرة للجدل المطروحة على طاولة البحث والنقاش. خاصة وأن لبنان في السابق كان يحصر مطالبه بتطبيق القرار 425 قبل اندحار الاحتلال على أيدي المقاومة. وكان هذا التطبيق يفترض توضيح الحدود المعترف بها دولياً التي وردت في الفقرة الأولى من القرار 425.

ولا بد من تسجيل بعض الملاحظات الجوهرية في مجال ترسيم الحدود:

1 – إن الحدود بين الدول هي خطوط تحمل مفاهيم سياسية وحقوقية، وهي التي توضح الحيز الجغرافي لسيادة الدول.

2-إن نسبة لا تقل عن 17.2% من حدود بلدان العالم الثالث قد تم ترسيمها من قبل فرنسا، بينما 21.5% من حدود هذه البلدان قام بترسيمها الإنكليز.

3-إن نسبة لا تقل عن 35% من الحدود في قارة آسيا رسمت على أسس القمم أو خط تقاسم المياه Lignes de Crete ou de partage les eaux. وحدود لبنان مع فلسطين وكذلك حدود لبنان مع سوريا رسمت بشكل أساسي على أساس خط القمم أو خط تقاسم المياه.

4-في كثير من دول العالم ثمة مراكز متخصصة في متابعة مسائل الحدود على الصعيد الدولي بشكل عام، وحدودها بشكل خاص. بحيث تجمع هذه الدول كل الوثائق والدراسات المتعلقة بموضوع الحدود. ولبنان بدأ متأخراً في هذا المجال، فيما أن الكيان المؤقت عزز مراكز أبحاث عديدة في هذا المضمار، من أبرزها مركز في جامعة القدس، وكذلك معهد الدراسات الاستراتيجية في تل أبيب، الذي يديره عدد من العسكريين في الجيش الإسرائيلي.

5-إن ترسيم الحدود بين فلسطين ولبنان يجب في أن يًفهم في سياق مخططات تقاسم غرب آسيا والمشرق العربي أثناء وقبيل انتهاء الحرب العالمية الأولى وخلال اتفاقيات سايكس-بيكو عام 1916، واتفاقية سيفر، ومؤتمر سان ريموا، وما رافقها كلها من خروج روسيا من الاتفاقيات عام 1917، ونهوض تركيا الكمالية، وانبعاث القومية العربية، وأخيراً الصراع الفرنسي الإنكليزي على النفوذ في هذه المنطقة من الشرق الأوسط.

6-لقد شهدت الحدود بين لبنان وفلسطين تغيرات وتوسيع لصالح الأراضي الفلسطينية:

  • بحسب اتفاقية سايكس-بيكو كانت الحدود تنطلق من نقطة تقع شمال عكا حتى بحيرة طبريا.
  • الخط الذي تقرر بعد انتهاء الحرب عام 1918، وأطلق عليه الإنكليز خط OETA نقل الحدود أكثر نحو الشمال، وحاول الإنكليز إيصال الحدود إلى صيدا تحت تأثير الحركة الصهيونية.
  • اتفاق التسوية في 23 كانون الأول / ديسمبر 1920 بين الإنكليز والفرنسيين، كان أساس اتفاق ترسيم الحدود لاحقاً، وحصلت فلسطين على إصبع الجليل، وذلك تحت ضغط الوكالة اليهودية من أجل السيطرة على المياه.

 7-إن المقارنة بين ترسيم الحدود (اتفاق بوله-نيوكومب) وترسيم الحدود الثاني الذي حصل بعد اتفاقية الهدنة بين لبنان والكيان المؤقت يبّين ثمة تغييراً قد حصل في المنطقة الوسطى من الحدود.

8- مسألة ترسيم الحدود هي مفهوم حديث العهد قام به الدبلوماسيون والعسكريون، وبشكل عام فإن مسألة تخطيط الحدود وترميمها تمر بثلاث مراحل:

  • المرحلة الأولى: التعريف والتخطيط، توضع معاهدة الحدود، في هذه المرحلة، وتشمل المعاهدة على تسمية الأماكن الطبيعية (أسماء أودية، جبال، أنهار) والقرى والمدن إلخ. وعادة ما تكون المعاهدة مشتملة على الجزئيات وأسماء الأماكن التي تمر بها الحدود، وبقدر وضوح هذه الأمور تتضاءل إمكانيات التباين والصراع، والعكس صحيح.
  • المرحلة الثانية: التحديد؛ حيث يتم تحديد الحد، وهي تلي التعريف والتخطيط، وتقوم به لجنة من الطوبوغرافيين والجغرافيين والعسكريين بالاتفاق على هذا الحد من خلال خرائط طبيعية وجوية. وهذه المرحلة هي نقل الأسس النظرية التي تم الاتفاق عليها في المعاهدة الى الخرائط.
  • المرحلة الثالثة: هنا يتم التعليق الميداني على الطبيعة للخطوط النظرية، ويتجسد ذلك بوضع الأسلاك الشائكة، أو أعمدة من الحجارة أو من الاسمنت، وتسمى نقاط الحدود، وهي على نوعين أساسي وثانوي.

لعل هذه أسس تقنية في عملية ترسيم حدود ما، ولبنان ذاهب الى مفاوضات ترسيم الحدود، لكن الغريب أن حدودنا مع الكيان الغاصب واضحة ومُرسّمة، ولا شك أن المقاومة جاهزة لردع العدو، ودعم الوطن بالشهادة والدماء، ولن تقبل بأن يتنازل لبنان على ذرة تراب او نقطة غاز.

نسيب شمس

المصدر: موقع الخنادق




تحقيق.. شركات إسرائيلية تُطور أداة تجسس “مجنونة”

“نحن نعيش تحت المراقبة” باتت هذه حقيقة معترف بها عالميًا بشأن هذا العصر الرقمي؛ حيث تعرف شركات التكنولوجيا والإعلانية كل شيء تقريبًا عنا: أين نحن، وماذا نشتري، والتطبيقات التي ننزلها وكيف نستخدمها، وتاريخ بحثنا ومشترياتنا السابقة، وحتى ميولنا الجنسية والأنشطة التي نمارسها؛  لكن هناك شيء واحد فقط لا يستطيع المعلنون أن يصلوا إليه: وهو هويتنا، فمن المفترض أن يكون عالم الإعلانات والبيانات الذي يقف وراءه مجهولاً للعموم.

كلنا قرأنا منشور أحد الأصدقاء الذي عاد للتو من الإجازة، وبعد ساعات قليلة يظهر على شاشتنا إعلان عن فندق، ويلاحقنا مثله لأيام، يتابعنا عبر المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي؛ لكن القليل منا لديه فكرة كيف أو لماذا يحدث هذا.

كلما فتحنا تطبيقًا أو موقعًا إلكترونيًا على هاتفنا، دون أن نلاحظ ذلك، تحدث عملية سريعة من المفاوضات الجماعية، وينشأ سوق معقد وقوي يجسد اقتصاد الإنترنت بأكمله: في جزء من الثانية – أو جزء صغير من اللحظة التي تنقضي حتى تفتح الصفحة التي نريدها – تحدث عملية تقديم العطاءات التلقائية بين مئات الآلاف من المعلنين المختلفين؛ حيث إنهم يقاتلون من أجل  تقديم الإعلان لنا بالضبط في هذه اللحظة بالذات، وكلما كانت المعلومات التي يمتلكها المعلنون عنا أكثر دقة، وكلما كانت البيانات مجزأة ومستهدفة، زاد احتمال نقرنا فعليًا؛ وبالتالي يرتفع سعر الإعلان.

لكن البعض لديه القدرة على استغلال هذا الجزء من الثانية لأداء مهمة أكثر ضررًا: إرسال إعلان مميز إلى الأشخاص؛ حيث يبدو بريئًا ولكنه يحتوي على برامج تجسس متقدمة. على الرغم من أن الإعلان يبدو عاديًا تمامًا، إلا أنه في الواقع سلاح إلكتروني قادر على التسلل إلى الهاتف أو الكمبيوتر.

في الماضي؛ كان يُعتقد أن أجهزة استخبارات الدولة فقط هي التي تمتلك هذه القدرة، حيث تستغل عالم الإعلانات الرقمية، الذي من المفترض أن يكون مجهول الهوية تمامًا، لتجاوز آليات الأمان الخاصة بشركة آبل وغوغل ومايكروسوفت وتثبيت برامج تجسس متقدمة على أجهزتنا.

ويقول مصدر مطلع على هذه التكنولوجيا: “يمكن لهذه القدرات أن تحول أي إعلان إلى نوع من السلاح الرقمي”.

وقد بدأت التكنولوجيا الجديدة أيضًا في الانتشار إلى سوق الدفاع التجاري؛ حيث اكتشف تحقيق أجرته مجلة هاآرتس ومكتب التحقيق الوطني والأمن السيبراني التابع للصحيفة أنه في ظل جائحة الفيروس التاجي – عندما تم تطوير ونشر أدوات معينة لتتبع انتشار الفيروس – ظهرت صناعة تجسس إلكترونية جديدة ومثيرة للقلق في إسرائيل، وطوّرت عدد من الشركات الإسرائيلية تقنيات قادرة على استغلال الإعلانات لجمع البيانات ومراقبة المواطنين؛ حيث يمكن مراقبة مئات الآلاف – إن لم يكن الملايين – من الأشخاص بهذه الطريقة.

ويكشف التحقيق، الذي يستند إلى مقابلات مع أكثر من 15 مصدرًا من الصناعات السيبرانية والأمنية والدفاعية الهجومية الإسرائيلية، أن مجموعة صغيرة من نخبة الشركات قد نقلت هذه التقنيات إلى مستوى أعلى: فقد ابتكرت تكنولوجيا تستخدم الإعلانات لأغراض هجومية وتثبيت برامج التجسس. وبينما تتنافس ملايين الإعلانات على الحق في اختراق شاشاتنا، تبيع الشركات الإسرائيلية بشكل سري التكنولوجيا التي تحول هذه الإعلانات إلى أدوات مراقبة – أو حتى إلى أسلحة قادرة على اختراق أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف الخاصة بنا.

إحدى هذه الشركات هي “إنساينت”، التي يتم الإعلان عن وجودها في هذا التقرير لأول مرة، وكما يوحي اسمها، فهي تمتلك قدرات جنونية، وفقًا لمصادر في هذه الصناعة. وتأسست الشركة على يد عدد من رجال الأعمال المعروفين في مجالات الاستخبارات السيبرانية والرقمية الهجومية، وهي مملوكة لأعضاء سابقين رفيعي المستوى في مؤسسة الدفاع، بما في ذلك الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، داني أرديتي. ويكشف التحقيق أن الشركة طورت تقنية تستغل الإعلانات للتتبع والتجسس، وليس من قبيل الصدفة أن تقوم الشركة بتسمية منتجها باسم “شيرلوك”.

ونجح موظفو الشركة في الحصول على تصريح من وزارة الدفاع لبيع التكنولوجيا الخاصة بهم على مستوى العالم؛ حيث باعت “إنساينت” بالفعل التكنولوجيا إلى دولة غير ديمقراطية.

ووفقًا لنتائج التحقيق، فإن هذه هي الحالة الأولى في العالم التي يتم فيها بيع نظام من هذا النوع كتقنية، وليس كخدمة. وقامت شركة إسرائيلية أخرى، وهي “رايزون”، بتطوير منتج مماثل وحصلت هذه السنة على موافقة من حيث المبدأ لبيعه لعملائها في الدول الغربية، على الرغم من أن هذا لم يحدث بعد من الناحية العملية.

لكن الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أنه لا توجد حاليًا أي دفاعات ضد هذه التقنيات، وليس من الواضح ما إذا كان من الممكن حظرها على الإطلاق. على مر السنين، منعت شركات التكنولوجيا مثل آبل وغوغل مئات الاختراقات التي تمكنت من خلالها برامج التجسس مثل بيغاسوس من التسلل إلى الأجهزة. وفي هذا الأسبوع فقط؛ تم استغلال المحفظة الرقمية لشركة أبل لإرسال رسالة إلى أجهزة آيفون الخاصة بالمستخدمين تحتوي على صورة تحتوي على رمز ضار، وعلى خلفية ذلك تم حظر هذا الخرق الأمني. ولكن حتى أذكى الدفاعات وأكثرها تقدمًا لدى آبل وغوغل و مايكروسوفت تفتقر حاليًا إلى القدرة على درء هذا النوع من الاختراق. فحتى اليوم، كانت أنظمتهم الإعلانية، التي تحتوي على عدد لا يحصى من آليات الدفاع، تعتبر آمنة تمامًا.

ويكشف هذا  التحقيق عن التكنولوجيا التي تتجاوز قيود الأمان والخصوصية التي تفرضها آبل وغوغل، وتتسلل إلى الهواتف من خلال الاستخدام المتطور للمعلومات الإعلانية وكيفية تحول الإعلانات إلى أدوات حرب في ساحة المعركة الرقمية. تكشف القصة عن العلاقة الخطيرة بين عالم التجسس والسوق الخاصة، وتقدم مثالًا مناسبًا لما يشار إليه باسم “رأسمالية المراقبة”: وهو كيف تستغل الدول المعلومات التي يتم جمعها لأغراض تجارية لأغراض استخباراتية وتحولها – من خلال التعاون مع رواد الأعمال الإسرائيليين في مجال التكنولوجيا الفائقة – إلى منتج أمني، يمكن أن يصبح سلاحًا  يستهدف المواطنين العاديين.

في البداية كانت هناك شعارات. ففي سنة 1994؛ اشترت شركة “آي تي أند تي” أول إعلان على الإنترنت من موقع “هوت وايرد”،  ويسأل ذلك الموظف الذكي  الذي عمل لصالح  تلك الشركة، “هل سبق لك أن نقرت بالفأرة هنا؟”ويجيب على سؤاله بحزم “سوف تفعل”. ووفقا للمعلومات التي جمعها الموقع للمعلنين الجدد، فإن ما يقارب من نصف أولئك الذين شاهدوا الإعلان جعلوا النبوءة تتحقق ذاتيًّا.

بعد مرور ثلاثين سنة؛ ما زلنا ننقر على تلك الإعلانات، لكن عالم الإعلان الرقمي تغير تمامًا. اليوم؛  لا تتسم الإعلانات التي نراها على هواتفنا الذكية   بطابع عشوائي على الإطلاق: فهي تعرف الكثير عنا ويمكنها، على سبيل المثال، تحديد موقعنا الجغرافي وحتى الشارع، ومطابقة المعلومات مع سجل البحث الخاص بنا.

لقد أصبح الإعلان الرقمي اقتصادًا ضخمًا تبلغ قيمته مئات الملايين من الدولارات وآلاف الشركات وعشرات الآلاف من أنواع الخدمات لجمع البيانات وتحليلها وتقسيمها وتحسينها من أجل استهداف المستخدمين. ويشار إليه مجتمِعًا باسم “تكنولوجيا الإعلان”، وهو اقتصاد ثانوي ضخم نشأ أيضًا حول الإعلان الرقمي للأجهزة المحمولة والتطبيقات التي تعمل عليها؛ حيث يتنافس المعلنون على وقت شاشاتنا من خلال عمليات العطاءات المعقدة والآلية التي تغذيها بياناتنا وتستنير بها.

والجدير بالذكر أننا نمثل المنتج المجاني وعمليات تبادل الإعلانات (التي تسمى منصات جانب الطلب) وأسواق البيانات الإعلانية التي تقف خلفها هي المكان الذي يتم فيه بيع المنتج الذي نمثله كسلعة.

لكن كل هذه المعلومات من البيانات لا تخدم مصالح المعلنين فقط. فقبل بضع سنوات؛ اكتشف الناس أن البيانات التي تم جمعها للإعلان والاحتياجات التجارية يمكن استخدامها أيضًا لأغراض أخرى، وأن هذه التبادلات يمكن استخدامها أيضًا للتتبع الجغرافي ومراقبة موقعنا. ويسمى هذا المجال غير المعروف باسم (الإعلان الاستخباراتي) والذي يهدف إلى تحويل البيانات والمعلومات المجمعة لأغراض دعائية إلى معلومات استخباراتية.

يوضح أحد الأشخاص العاملين في صناعة  الإعلان الاستخباراتي  في إشارة إلى الشركتين اللتين تعمل أنظمة التشغيل الخاصة بهما على تشغيل معظم الهواتف الذكية: “بمعنى ما، أنشأت شركتا غوغل و آبل سوقًا للتجسس”، وأضاف قائلًا “لقد كانوا يأملون فقط ألا يفهم الناس أن المعلومات التي يجمعها المعلنون يمكن أن تكون أيضًا بمثابة ذهب استخباراتي. هناك طريقة أخرى للتفكير في الأمر وهي أن آبل وغوغل هما بحد ذاتهما  من إحدى شركات التجسس. هناك ببساطة بعض الذين يعرفون كيفية استغلال ذلك”.

هذه ليست محاولة لاختراق جهاز من الباب الخلفي، ولكن للسماح لشيء ما بالدخول إليه بذكاء من خلال النافذة الأمامية، وهي نافذة مفتوحة على مصراعيها بفضل عالم الإعلانات الذي يدعم اقتصاد الإنترنت بأكمله.

على ضوء حساسيتها المحتملة، من المفترض أن تكون المعلومات الإعلانية، وخاصة المعلومات المتعلقة بهواتفنا الذكية، مجهولة المصدر؛ حيث يحتوي كل هاتف ذكي على رقم تعريف إعلاني فريد، والذي يبدو من المستحيل مطابقته مع رقم هاتفنا أو اسمنا. الهدف واضح: منع استخدام بيانات الإعلان للتجسس على الأشخاص، وعدم السماح للمعلنين باستغلال معلوماتنا الخاصة. ويحظر قانون الخصوصية الرقمية في الاتحاد الأوروبي، والمعروف باسم اللائحة العامة لحماية البيانات، ذلك  بشكل واضح.

ولكن حتى المعلومات المجهولة المتوافقة مع قوانين الخصوصية هذه يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة من منظور استخباراتي. فعلى سبيل المثال؛ بمساعدة تكنولوجيا الإعلان، من الممكن وضع علامة رقمية على جميع الهواتف المحمولة الخاصة بالأشخاص الذين مروا عبر مطار معين في وقت محدد، ويمكن استخدام هذه الأداة الإعلانية البسيطة، على سبيل المثال، لإجراء تتبع الاتصال ومراقبة سلاسل العدوى أثناء الجائحة. أولًا؛ يتم جمع كافة معرفات الإعلانات الخاصة بالأجهزة التي كانت موجودة في المطار. إنها عملية بسيطة: في كل مرة نلتقط فيها هاتفنا ونفتح تطبيقًا يعرض الإعلانات، يرسل الهاتف مكان تواجدنا إلى المعلنين من أجل تحسين فعالية الإعلانات التي يرسلونها إلينا. يؤدي تحديد موقع هذه المعرفات إلى إنشاء قائمة بالأشخاص الذين كانوا في المطار في وقت معين. قد لا يعرف المعلنون أسماء هؤلاء الأشخاص، ولكن يمكن تصنيفهم كجزء من الجمهور المستهدف، والذي يمكن استهدافه بشكل مستمر من خلال قصفهم بوابل من الإعلانات،  التي من خلالها يمكن تتبع تحركاتهم في جميع أنحاء العالم.

هذه هي الطريقة التي ظهرت بها إلى حيز الوجود صناعة جديدة من الإعلانات الاستخباراتية، في ظل أزمة فيروس كورونا؛ حيث عرضت شركة أسسها “إريك بانون”، أحد رواد الهجوم السيبراني في إسرائيل، على جهاز الأمن الشاباك خدمة مراقبة تعتمد على الإعلانات. وكما ذكر “جور مجيدو” في  صحيفة “ذا ماركر” العبرية؛ كان الهدف هو إجراء هندسة عكسية للمعلومات حول المستخدمين في شبكات الإعلانات الكبيرة لأغراض استخباراتية. وفي هذه الحالة، كان الهدف هو المشاركة في مراقبة جماعية لتتبع انتشار الجائحة.

تُعرف هذه الشركة باسم “أنتلوس” ويسمى منتجها “أدهوك”، الذي يُسوق لوكالات إنفاذ القانون والعملاء من رجال الأعمال على حد السواء. ولا تعتبر منتجات الشركة ذات صلة بالأمن وبالتالي لا تخضع للتنظيم،  وتجدر الإشارة إلى أن هناك صناعة كاملة من الشركات المماثلة.

بشكل عام؛ لا تخضع المراقبة الجغرافية المجهولة عبر الإعلانات حاليًا لإشراف وزارة الدفاع لأنها تعتمد فقط على معلومات الملكية التي يمكن الحصول عليها تجاريًا. ومع ذلك؛ يمكن أيضًا استخدام هذه التقنيات لأهداف أمنية، مثل مراقبة الأهداف المشتبه بها، حتى دون معرفة معلومات شخصية عنها. ويمكن للمرء أن يتخيل، على سبيل المثال، حملة إعلانية موجهة نحو جمهور من العلماء النوويين من أصل إيراني الذين تتراوح أعمارهم بين 35 و65 عامًا والذين مروا عبر مطار طهران خلال السنة الماضية. وبعد تحديد هوية هؤلاء الأفراد وتلقي الإعلانات الأولى، يمكن الاستمرار في استهدافهم بمرور الوقت؛ وبالتالي، يمكن لهذه لتكنولوجيا تحديد أين سافروا ومتى.

في الواقع؛ ما بدأ كتتبع جماعي للاتصالات توسع بسرعة ليشمل مجالات إضافية للأمن الداخلي. فعلى سبيل المثال – ووفقًا للوثائق التي حصلت عليها صحيفة هاآرتس – تقدم “شركة كوب ويبز” الإسرائيلية، المتخصصة في الاستخبارات مفتوحة المصدر، تكنولوجيا مدنية يمكنها تحديد موقع جهاز محمول. وتبرز الشركة  قدراتها من خلال  استهداف أحد الإيرانيين، حيث يمكن رؤية كيف يتتبع البرنامج تحركات الهدف في الشارع.

يسلط مثال إيران الضوء على القيمة الاستخباراتية الفريدة التي تمتلكها  صناعة  الإعلان الاستخباراتي: فبينما تعتمد معظم أنواع المعلومات الاستخبارية الرقمية والسيبرانية الهجومية على الوصول المباشر إلى المعلومات والشبكات والبنى التحتية – البيانات التي من المفترض أن تمتلكها الدولة فقط – يعتمد الإعلان الاستخباراتي على المعلومات التي تعتبر مفتوحة، ويمكن العثور عليها من مصادر تعتبر تجارية. وفي هذه الحالة؛ يتم دمجهم معًا لتلبية الاحتياجات الاستخباراتية.

يمكن الحصول على المعلومات من قواعد البيانات الخاصة المختلفة – على سبيل المثال تلك المرتبطة بالمعلنين أو منصات جانب الطلب – أو من خلال طرق أكثر إبداعًا. فمن أجل العثور على موقع شخص ما، على سبيل المثال، لا تحتاج إلى أي شيء أكثر من المعلومات التي يمكن الوصول إليها من خلال تبادل الإعلانات الخلوية.

ووفقًا لمصادر في الصناعة، فإن اسم اللعبة في مجال الذكاء الاستخباراتي هو الاندماج، أو المطابقة المتبادلة لعدد كبير من مصادر المعلومات. وحتى مجرد المشاركة في عملية تقديم العطاءات يمكن أن يوفر معلومات جغرافية للمعلن؛ سواء كان معلنًا حقيقيًا أو معلنًا تستخدمه شركات استخباراتية.

ويقول مصدر في الصناعة: “من أجل الحصول على معلومات استخباراتية باستخدام  الإعلان، ينبغي توفير بنية تحتية إعلانية ضخمة، ويجب أن تكون متصلًا بطريقة أو بأخرى بأنظمة الإعلانات المختلفة حتى تتمكن من  تنفيذ  ما لا تريد  أبل وغوغل مطلقًا أن تكون قادرًا على القيام به:  وهو تتبع الأشخاص أو استخدام الملفات الشخصية الإعلانية بحثًا عن العدوى”.

لهذا السبب؛ ترتبط الشركات في هذا المجال بشكل عام بشركات إعلانية. وفي بعض الحالات؛ يقومون فعليًا بتشغيل شركة إعلانية خاصة بهم أو يعملون مع واحدة منها، مما يوفر غطاءً لنشاطهم الاستخباراتي والوصول إلى المعلومات التي يحتاجون إليها.

يُظهر التحقيق أن هناك عددًا من الشركات الإسرائيلية التي تقدم معلومات من هذا النوع للعديد من أنواع العملاء المختلفة. وإحدى هذه الشركات هي “رايزون”، والتي تعتبر رائدة في هذا المجال وقد صاغت بالفعل مصطلح الإعلان الاستخباراتي. ويطلق على منتجها،  اسم “إيكو”، الذي لا يخضع لإشراف الدولة لأنه يستخدم أيضًا معلومات تعتبر مفتوحة.  يباع هذا المنتج لجهات خاصة، لكن هيئة إسرائيلية رسمية أبدت أيضًا اهتمامًا بشرائه بغرض محاولة مراقبة الفلسطينيين في إسرائيل.

يوضح أحد الأشخاص العاملين في صناعة الإعلان الاستخباراتي: “بمعنى ما، أنشأت غوغل وآبل سوقًا للتجسس. لقد كانوا يأملون فقط ألا يفهم الناس أن المعلومات التي يجمعها المعلنون يمكن أن تكون أيضًا بمثابة ذهب استخباراتي”.

تقدم الشركات الأخرى منتجات أقل تقدمًا؛ حيث تقوم إحداها، التي تعرف باسم “بسايتفول”، بتسويق قدراتها للعاملين في عالم الإعلان الخاص. ووفقًا لمصادر في هذا المجال، يعتمد نشاط الشركة على مطابقة بيانات التصفح والمصادر الأخرى للمعلومات المتاحة تجاريًّا والتي يمكن شراؤها أو استخراجها أو استخلاصها بطريقة أخرى من الويب. وقد تم الاستحواذ على الشركة من قبل شركة إلكترونية أخرى، هي “كوغنايت”، التي تقدم خدمات مماثلة، ولكن للدول والقوات المسلحة. بمعنى آخر؛ نفس المعلومات ونفس التقنيات، ولكن مع استخدامات مختلفة: أحدهما تجاري والآخر استخباراتي.

لكن بعض الشركات لا تستخدم الإعلانات لأغراض المراقبة فقط، ويذهبون إلى أبعد من ذلك، حيث يقومون بإنشاء أدوات تستخدم الإعلانات لاختراق الهواتف وأجهزة الكمبيوتر.

كيف يعمل ذلك؟ يتم تجميع ملف تعريف إعلاني للجمهور المستهدف. بعد ذلك، يتم إنشاء حملة إعلانية مصممة خصيصًا للجمهور، ويتم ملؤها بالإعلانات، مما يسمح بالمراقبة الجغرافية الجماعية. بعد ذلك، يتم وضع برامج التجسس أو البرامج الضارة في الحملة.

وبمساعدة أحد المعلنين أو البنية التحتية للإعلان؛ يتم تحميل الإعلان المستهدف إلى تبادل الإعلانات وتبدأ المزايدة، حتى يتلقى الهدف الإعلان وتتسلل التعليمات البرمجية الضارة إلى الجهاز.

وتقول مصادر في الصناعة إنه كان من الواضح لهم منذ البداية أن التكنولوجيا سوف تصبح بسرعة منحدرًا كبيرًا، ويقول أحد هذه المصادر: “يعد “الذكاء الإعلاني” مجالًا مشروعًا، طالما ظل ضمن نطاق التتبع العام، وأولئك الذين يحولونها إلى سلاح يلعبون بالنار. كل ما هو مطلوب هو لغط واحد، وحالة إساءة واحدة، حتى يتم حرق التكنولوجيا بأكملها”.

لقد انخرطت الجهات الحكومية وعمالقة التكنولوجيا منذ فترة طويلة في لعبة القط والفأر. فقبل خمسة عشر سنة؛ عندما تحولنا جميعًا إلى الهواتف المحمولة، فقدت أجهزة الاستخبارات القدرة على التنصت على الناس عبر الخطوط الأرضية، وأصبحت الأجهزة المحمولة أكثر ذكاءً، والأهم من ذلك، أكثر تشفيرًا.

وعلى الرغم من أن شركات “أبل” و”غوغل” و”ميتا” تتعاون عادةً مع الطلبات القانونية التي تقدمها الهيئات الأمنية للحصول على المعلومات، خاصة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، إلا أنها لا تسمح لهم بالوصول الكامل إلى مكالماتنا أو أجهزتنا. وهناك سبب فني وسياسي لذلك: من الناحية الفنية، يعمل التشفير الشامل ولا يمكن اختراقه. ومن الناحية السياسية، لا ترغب شركات التكنولوجيا الكبرى في السماح للدول باستخدام هواتفنا للمراقبة، حتى لو كان ذلك قانونيًا، خاصة في ضوء الحالات التي تم فيها إساءة استخدام المراقبة لاستهداف الصحفيين ومنتقدي الحكومة ونشطاء حقوق الإنسان.

لكن هيئات الاستخبارات في العالم تتوق رغم ذلك للوصول إلى أجهزتنا، وقد قدمت الصناعة السيبرانية الهجومية لفترة طويلة مجموعة من الحلول على وجه التحديد للبلدان غير القادرة على تطوير هذه القدرات بمفردها. فلقد بدأت منذ ما يزيد قليلًا عن عقد من الزمن مع القرصنة والمراقبة عبر الشبكات الخلوية، واستمرت في شكل خروقات عبر الإنترنت اللاسلكي (واي فاي)، وتقدمت إلى المتصفحات وتطبيقات الهواتف الذكية والرسائل النصية الموبوءة بالبرامج الضارة.

إن القدرات الأكثر تقدمًا، والتي تم الإبلاغ عنها في السنوات الأخيرة والتي أثارت انتقادات شديدة، هي تلك التي طورتها شركات إسرائيلية مثل “إن إس أو” و”كانديرو”. وبمساعدة برامج التجسس الخاصة بها، وأشهرها برنامج “بيغاسوس” التابع لشركة “إن إس أو”، يمكن اختراق أجهزة مثل أيفون عبر عمليات استغلال بدون نقرات. وبعبارة أخرى؛ يتم إصابة جهاز الشخص دون علمه بذلك أو حتى اتخاذ أي إجراء.

تقوم برامج التجسس مثل “بيغاسوس” باختراق الهواتف الذكية من خلال استغلال الثغرات الأمنية في نظام تشغيل أيفون، لكننا نتحدث عن شيء مختلف هنا، فهذه ليست محاولة لاختراق جهاز عبر الباب الخلفي، ولكن للسماح لشيء ما بالدخول إليه بذكاء من خلال النافذة الأمامية، وهي نافذة مفتوحة على مصراعيها بفضل عالم الإعلانات الذي يدعم اقتصاد الإنترنت بأكمله.

في الواقع؛ تخلق هذه التقنية “ناقلًا” جديدًا في الجهاز لأولئك القادرين على تطوير برامج التجسس بأنفسهم، أو للعملاء الحاليين لشركات مثل “إن إس أو”. وإذا كانت “بيغاسوس”، كما يقول البعض، هي القنبلة النووية للعصر الرقمي، فيمكن تشبيه هذه القدرات الجديدة بالصاروخ الموجه الذي يُطلق عليه “الرأس الحربي النووي الرقمي”.

ولسبب وجيه؛ حاولت عدد من شركات الإنترنت الإسرائيلية في السنوات الأخيرة تطوير التكنولوجيا الهجومية التي تستغل الإعلانات ليس فقط للمراقبة ولكن أيضًا للإصابة ببرامج التجسس. وفي الواقع؛ شهدت السنوات الخمس الماضية سباق تسلح في الصناعة السيبرانية، شاركت فيه شركات مثل “كانديرو”، “باراغون” “نيميسيس”، “كوادريم”، وشركة “إن إس أو” نفسها.

ووفقًا للمصادر، أنشأت “إن إس أو” أيضًا منتجًا مسيئًا، يسمى “ترومان” يستخدم الإعلانات. ومع ذلك، مثل معظم هذه الشركات، لم تتمكن “إن إس أو” من الحصول على تصريح لبيع البرنامج؛ فقط “إنساينت” تمكنت من بيع منتجها.

تأسست “إنساينت” في سنة 2019 من قبل مجموعتين من رواد الأعمال. الأولى المؤلفة من رواد الأعمال السيبرانيين المخضرمين، ومن بينهم آرييل آيزن وروي ليمكين وداني أرديتي، والذين توصلوا إلى الاستثمار اللازم. ويعرف الثلاثة كمسوقين لشركات مثل “إن إس أو” (في الماضي) و”باراغون” (حاليًا) في أوروبا الغربية وآسيا، ويتمتعون بعلاقات ممتازة مع أجهزة المخابرات والأمن في إسرائيل وكذلك في تلك الأجزاء من العالم.

وتألفت المجموعة الثانية من رواد أعمال شباب، بعضهم لديه خلفية في الوحدات السيبرانية العسكرية الإسرائيلية، والذين قدموا الفكرة. وقبل تأسيس “إنساينت”، قاموا بتأسيس شركة متخصصة في تكنولوجيا الإعلانات، والتي باعوها منذ عدة سنوات.

وبالاعتماد على الخبرة التي اكتسبتها المجموعة الأخيرة في مؤسسة الدفاع الإسرائيلية وفي صناعة الإعلان، قاموا بتطوير أداة “شيرلوك”، وهي أداة تستغل نظام الإعلانات لاختراق أجهزة الكمبيوتر والأجهزة الخلوية.

ولتسويق المنتج؛ قامت الشركة بدراسة إمكانية التعاون مع شركات إلكترونية هجومية أخرى؛ حيث عرضت وثيقة “كانديرو” التسويقية لسنة 2019، والتي تم الكشف عنها في سنة 2020 بواسطة أميتاي زيف في صحيفة “ذا ماركر” العبرية؛ حيث عرض برنامج “شيرلوك” لعميل محتمل إلى جانب برنامج التجسس للكمبيوتر الشخصي الخاص بالشركة.

وأظهرت الوثيقة أن هذه القدرة كانت مكلفة للغاية: فاستخدام “شيرلوك” للفيروس سيكلف العميل 6 ملايين يورو إضافية (6.7 مليون دولار).

وكشفت الوثيقة أيضًا أن “شيرلوك” يمكنه اختراق أجهزة الكمبيوتر التي تعمل بنظام ويندوز بالإضافة إلى أجهزة آيفون وأندرويد. وحتى الآن؛ تخصصت شركات مختلفة في اختراق الأجهزة المختلفة، وبينما ركزت “كانديرو” على أجهزة الكمبيوتر الشخصية، في حين تمكنت “إن إس أو” من اختراق أجهزة آيفون، وكان منافسوها متخصصين في أجهزة أندرويد. ولكن مع هذا النظام، كما تظهر الوثائق، يمكن اختراق كل جهاز بشكل فعال.

ويوضح دونشا أو كيرهيل، الذي يرأس مختبر أمن التكنولوجيا التابع لمنظمة العفو الدولية، الوحدة التكنولوجية التابعة لمنظمة حقوق الإنسان، أن “هذا تطور جديد خطير للغاية”، مضيفًا: “قد تسمح القدرة الموصوفة للمهاجمين باستهداف الأفراد بناءً على الخصائص الديموغرافية والسلوكية التي تجمعها شبكات الإعلانات وبالتالي استهداف أشخاص من مجموعة عرقية معينة أو إعادة استهداف الأفراد الذين زاروا موقعًا إعلاميًا مستقلًا ينتقد الحكومة”.

وعلى الرغم من المخاوف؛ تم بيع منتج “إنساينت” بشكل قانوني وبترخيص من دولة إسرائيل؛ حيث حصلت الشركة في البداية على موافقة واسعة نسبيًا من وزارة الدفاع، على الأقل فيما يتعلق بالأسلحة الإلكترونية الحساسة. وبهذه الموافقة، تمكنت “إنساينت” من إكمال صفقة رئيسية واحدة على الأقل.

ولكن بعد ذلك تم تخفيض التصريح بشكل كبير؛ حيث تقول مصادر في الصناعة إن التغيير في السياسة كان مرتبطًا بثلاثة مخاوف حقيقية: الخوف من تسرب القدرات، والخوف من الغضب الأمريكي، والخوف من غضب عمالقة التكنولوجيا، الذين هم على أي حال في طريق الحرب ضد إسرائيل في مجال صناعة الإنترنت (فيسبوك وأبل، على سبيل المثال، يقاضيان شركة “إن إس أو”).

تم تقليص ترخيص شركة “إنساينت”؛ ولكن من الممكن الآن بيع “شيرلوك” كمنتج عسكري هجومي ــ وإن كان ذلك في ظل ظروف مقيدة للغاية وللدول الغربية فقط. وحتى لتقديمها إلى عميل محتمل في الغرب، يجب الحصول على تصريح محدد من وزارة الدفاع، ولا يتم منحه دائمًا.

إن حالة “إنساينت” وامتداد هذه التكنولوجيا إلى سوق الدفاع العام، هي قصة إسرائيلية كلاسيكية: روح تكنولوجية متطورة لريادة الأعمال تتحدى – وتستغل – آليات الرقابة التي تقادمت والتي لا تستطيع مواكبة العالم الذي لا يحبّذ الرغبة في تقنيات التجسس الرقمي المتقدمة. ويشعر العاملون في الصناعة بالقلق من أن القدرة على تقييد استخدام هذه التقنيات التي يحتمل أن تكون خطرة تتضاءل بسرعة. وبعضهم مقتنع بأن الصناعة قد خرجت عن نطاق السيطرة بالفعل.

منذ عدة سنوات؛ يقوم رجال الأعمال في هذا المجال باختبار المسؤولين عن الإشراف عليهم في وزارة الدفاع، وهناك جدل يدور حول مسألة ما إذا كانت تقنية “الذكاء الإعلاني” التي يعتمد الكثير منها على مصادر المعلومات المفتوحة، هي تقنية مدنية أم عسكرية.

حتى الآن، لم تكن الشركات التي عرفت نفسها على أنها تعمل فقط على أساس المصادر المفتوحة، للعملاء المدنيين، خاضعة لأي إشراف من الدولة. وفي المقابل؛ كانت الشركات السيبرانية تخضع لرقابة مشددة من قبل وزارة الدفاع.

ومع ذلك؛ فإن الحدود ليست واضحة دائمًا والقيود لم تنجح دائمًا. فعلى سبيل المثال؛ بعد رفض تصريح شركة “إن إس أو” بتصدير منتجها في هذا المجال، ومُنع موظفو الشركة من مجرد إخبار العملاء المحتملين عن وجودها، قامت الشركة بدراسة إمكانية دمج التكنولوجيا داخل شركة “بيغاسوس”، وربما قامت شركات أخرى بمحاولات مماثلة.

القيود المفروضة على التصريح الممنوح لشركة “إنساينت” لم توقف الشركة أو منافسيها. وفي الأشهر التي تلت تقييد نشاطها، أجرت الشركة محادثات مع شركات الإنترنت الهجومية التي تم رفض الترخيص لها. إحدى الأفكار التي تمت مناقشتها كانت توحيد الجهود والتغلب على العقبة التنظيمية: إذا لم تسمح إسرائيل ببيع منتج من هذا النوع كنظام مستقل، فربما تسمح بتجميع القدرات مع برامج التجسس التي تمت الموافقة عليها بالفعل للتصدير. وأجريت محادثات في هذا السياق مع “كانديرو” و”باراغون” و”نيمسيس”، وتم تقديم طلب ملموس إلى وزارة الدفاع يتضمن منتجًا متكاملًا. هذه هي خلفية ظهور “شيرلوك” في وثيقة “كانديرو” التسويقية، لكن هذه التحركات فشلت أيضًا في الحصول على موافقة الدولة.

لكن، ومع مرور الوقت، أدركت المؤسسة الأمنية بشكل متزايد أنه لم يعد من الممكن إبقاء القطة في الحقيبة. لقد فقدت الدولة – التي سمحت لصناعة “الذكاء الإعلاني” المتقدمة بشكل متزايد بالعمل بناءً على بيانات الملكية المفتوحة فقط – القدرة على كبح جماح السوق الهجومية التي حاولت الركوب على ظهرها.

وبناءً على ذلك؛ وبمجرد تقديم الأمر إلى “إنساينت” لتجنب مزاعم المحسوبية، قررت وزارة الدفاع هذا العام منح ترخيص لشركة “رايزون” أيضًا لبيع منتج قرصنة نشط.

وتوضح حالة “رايزون” مدى عدوانية سباق التسلح الذي كان يجري في هذا المجال؛ فلسنوات امتنعت شركة “رايزون” عن إنشاء أي منتج ضار واقتصرت على المعلومات الاستخبارية القائمة على التتبع الجغرافي عبر الشبكة الخلوية ومراقبة الاتصالات غير المشفرة. بمعنى آخر؛ حتى لو كان من المستحيل تتبع شخص ما وربما الاستماع إلى محادثة أو رؤية الرسائل، فمن الممكن معرفة من يتحدث مع من وأين ومتى، وهي قدرات تخضع للرقابة وتعتمد على جمع البيانات التي تعتبر حساسة وغير مفتوحة.

ومع ذلك، واستجابة لظهور السوق وطلب العملاء المتعطشين للقدرات الجديدة، طورت الشركة، بالإضافة إلى منتج المراقبة الجغرافية “إيكو”، أداة هجومية تمكن من الإصابة ببرامج التجسس القائمة على الإعلانات. وعلى الرغم من أنها كانت من أوائل الشركات التي قدمت الطلب، إلا أن وزارة الدفاع منحت الإذن من حيث المبدأ ببيع المنتج هذا العام فقط.

ويفكر البعض في إسرائيل الآن في إمكانية وضع مجال المعلومات الاستخبارية مفتوحة المصدر والقائمة على الإعلانات بالكامل تحت إشراف وزارة الدفاع. وفي الأشهر الأخيرة، جرت محادثات حول مراجعة الأنظمة التي تحكم هذا المجال.

سبب آخر للتغيير المحتمل في السياسة في هذا المجال المحدد ينبع من الاستجابة لتغيير أكثر شمولًا من قبل وزارة الدفاع. فبعد سنوات من الترويج لهذه الصناعة كجزء مما يسمى بالدبلوماسية السيبرانية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أصبحت الآن على خلاف مع الدولة.

قبل أقل من سنتين بقليل؛ قررت إسرائيل الإذعان للضغوط الأمريكية لكبح جماح الصناعة السيبرانية الهجومية. ومن قائمة تضم أكثر من 100 دولة عميلة محتملة، أصبح من المسموح الآن تصدير الأسلحة السيبرانية إلى ما يقل قليلا عن 40 دولة، معظمها في الغرب. ونتيجة لذلك، عدد من الشركات الإسرائيلية التي تستمد رزقها من عملاء في أجزاء أخرى أقل ديمقراطية من العالم أغلقت أبوابها.

نجحت هذه الخطوة جزئيًا في تهدئة المجال، ولكن كان لها آثار إشكالية على صناعة الأسلحة السيبرانية المحلية، فقد تم إغلاق الشركات وتم تحفيز العشرات من الإسرائيليين للانتقال إلى أوروبا والولايات المتحدة؛ حيث بدأت صناعة السيبرانية الهجومية المزدهرة في الظهور لحساب إسرائيل، وقد حاول الباحثون عن الكفاءات اصطياد أفضل المتسللين الإسرائيليين، ولكن أيضًا إلى آسيا، بعيدًا عن الهيئات التنظيمية الإسرائيلية. إحدى هذه الشركات هي شركة “ديفينس برايم”، التي يوجد مقرها في الولايات المتحدة ولكنها مملوكة لإسرائيليين؛ فقد جندت هذه الشركة موظفين إلكترونيين إسرائيليين هذا العام، بما في ذلك من مؤسسة الدفاع نفسها.

ومن الآثار الأخرى غير المقصودة الناجمة عن الأزمة التنظيمية على الإنترنت أن الشركات الأخرى بدأت في تغيير نموذج أعمالها وتحولت إلى المتاجرة ليس في برامج التجسس، بل في “برامج الاستغلال” (الحيل الفعلية المستخدمة لاختراق الأجهزة) ونقاط الضعف. فلديهم بنوك بها العديد من الخروقات جاهزة للبيع لشركات مثل “إن إس أو” وغيرها، والتي تحتاجها برامج التجسس من أجل الاستمرار في إصابة الأجهزة، حتى بعد أن تم حظر الخروقات السابقة بواسطة “أبل” أو “غوغل”. وهناك عدد من الشركات تقدم مثل هذه المنتجات وتعمل من سنغافورة وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة، وتوظف كبار الإسرائيليين في مناصب عليا في هذا المجال.

وتشعر المؤسسة الأمنية بقلق حقيقي من أن هذه القدرات التكنولوجية سيتم بيعها أيضًا من قبل شركات أجنبية لا تخضع للرقابة على الإطلاق. وبناءً على ذلك، وعلى أمل إبقاء المجال الجديد في إسرائيل، وتحت الإشراف، تقرر هذا العام محاولة تنظيم الصناعة، وذلك أيضًا بهدف محاولة استرضاء شركات الإنترنت المحلية الغاضبة من الأزمة التي شهدها مجالها المربح على مدى أكثر من عام؛ وتحديدًا الـ 20 شهرًا الماضية.

ومن المعروف منذ زمن طويل أن الدول لديها قدرات مراقبة ويمكنها استخدامها ضد مواطنيها، حتى في عصر الهواتف الذكية المشفرة. وفي السنوات الأخيرة، أدرك عامة الناس أن البلدان غير الغربية ــ في أفريقيا وآسيا وأميركا الوسطى والعالم العربي ــ تمتلك أيضًا هذه القدرات، ليس لأنها كانت قادرة على تطويرها بشكل مستقل، بل لأنها اكتسبتها في القطاع الخاص الدولي، سوق الأسلحة الرقمية.

وهذه القدرات، التي أنشأتها شركات إسرائيلية إلى حد كبير، كان المقصود منها في الأصل منع الإرهاب والجرائم الخطيرة، ويجري إساءة استخدامها أيضًا، خاصة من قبل الدول غير الليبرالية وغير الديمقراطية التي ليس لديها خبرة كبيرة في التعامل مع مثل هذه التقنيات المتقدمة. وكما هي الحال مع الأسلحة، فإلى جانب السوق القانونية المنظمة، تتشكل أيضًا أسواق أكثر قتامة وأقل خضوعًا للإشراف، والتي من خلالها تباع التكنولوجيات – سواء كانت أسلحة أو أسلحة رقمية – إلى دول مشبوهة تحظر حتى إسرائيل البيع لها، وربما حتى إلى هيئات خاصة. وتحذر مصادر في الصناعة من أنه هذه المرة أيضًا، كما حدث مع الهجمات السيبرانية، من المحتمل أن تكون هناك عواقب مماثلة.

تلقت صحيفة “هآرتس” الردود التالية من الشركات المذكورة في هذا المقال، والتي طلب منها جميعها التعليق:

ذكرت شركة “إنساينت”: “إن “إنساينت” هي شركة إسرائيلية تعمل مع الالتزام الكامل والمطلق بالقانون الإسرائيلي وتوجيهاته التنظيمية الصارمة”.

صرحت “رايزون”: “في السنوات الأخيرة، تركز الجزء الأكبر من نشاط “رايزون” على مجالين رئيسيين، وهما: تحليل البيانات الضخمة والحلول الواسعة في مجال الدفاع السيبراني لمجموعة من العملاء في إسرائيل وعلى المستوى الدولي، من بينهم الحكومات والعملاء التجاريون. وباعتبارها شركة خاصة، تلتزم “مجموعة رايزون” بالسرية ولا تشير إلى منتجاتها أو عملائها بشكل فردي”.

صرحت شركة “كوب.ويبس”: “تفخر الشركة بدعم عملائنا في مجال إنفاذ القانون الذين يتصدون ليلًا ونهارًا لحمايتنا من مجموعة واسعة من التهديدات العالمية: تمويل الإرهاب، والهجمات الإلكترونية، واستغلال الأطفال، وجرائم العنف، وتهريب الأسلحة، والاتجار بالبشر. وتستفيد هذه التهديدات من أساليب الاتصال المحلية والدولية التي تقوض القدرة على التعرف عليها والتعامل معها، وتتطلب تكنولوجيا متقدمة للتعامل مع قضايا مثل الذكاء المفتوح وتحليل البيانات الضخمة. لا تعلق شركة “كوب.ويبس” على العلاقات التجارية مع العملاء. ومن ناحية الخصوصية، نود أن نشير إلى أننا نعمل فقط وفقًا للقانون ونحرص بشدة على الالتزام باللوائح الصارمة مثل اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي”.

اختارت وزارة الدفاع و “إن إس أو” و”كانديرو” و”باراغون” و”إيه دي هوك” و”بي سايتفول” و”كوغنايت”، عدم الرد على هذا التقرير.

المصدر: هآرتس

ترجمة: عومر بن يعقوب – موقع نون بوست




لماذا يختار المقاومون “حوارة” لتنفيذ عملياتهم؟.. “شريان حياة”

يمر في وسط بلدة حوارة شارع رئيسي ضخم يصل بين مدن فلسطينية كبيرة، مثل نابلس ورام الله، ولكنه بالتزامن مع ذلك يصل بين أهم المستوطنات الإسرائيلية في شمال الضفة الغربية المحتلة ووسطها.

في ثمانينيات القرن الماضي افتتح الاحتلال الإسرائيلي شارعا لمستوطنيه يخترق بلدة حوارة كي يسهل عليهم التنقل بين المستوطنات، ومع مرور الوقت أصبحت البلدة مرتعاً لهم لينفذوا اعتداءاتهم اليومية بحماية ومراقبة قوات الاحتلال دون تحريك ساكن، بل إنها تشاركهم في الكثير من الأحيان.

تحولت البلدة إلى سوق تجاري للمستوطنين، ينزلون من مركباتهم ويبتاعون الخضار والبضاعة من المحال التجارية الفلسطينية التي إن اعترض أصحابها، فالجنود موجودون لعقابهم وإغلاق محالهم بمزيد من الظلم، في مشهد يشبه كثيرا ما كان يحدث في كل الدول المستعمرة.

ولكن منذ عدة أشهر تغيرت المعادلة؛ فأصبح المستوطنون الآن يحاولون تجنب دخول البلدة والسير في شوارعها، فعدة عمليات فدائية أوقعت أكثر من خمسة قتلى منهم كانت كفيلة بقلب المشهد.

ردع مباشر
غلاة المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية يجدون في بلدة حوارة مركزا لانطلاق اعتداءاتهم ورشق المركبات الفلسطينية بالحجارة، ولكنهم فوجئوا بأنها المكان الأخطر عليهم حاليا بعد أن ظنوا أنهم سيطروا عليها مع الوجود الدائم لقوات الاحتلال.

وربما كانت العملية الفدائية الأخيرة التي قتل فيها شاب فلسطيني مستوطنين اثنين أثناء غسل مركبتهما في مغسلة مركبات فلسطينية محلية داخل البلدة قبل شهر؛ هي الشعرة التي قصمت ظهر البعير وجعلت المستوطنين يفكرون ألف مرة قبل دخولها، بحسب مراقبين.

الكاتب والمحلل محمد القيق قال لـ”عربي21″ إن حوارة هي الموقع الجغرافي الذي يتداخل فيه المستوطنون والفلسطينيون من مسافة صفر بين راجل وراكب، والتي فيها السوق التجاري وممر المستوطنات ومدن شمال الضفة الفلسطينية إلى الوسط.

ويرى أنها أصبحت هدفا للمقاومين يختارونها لأسباب عدة؛ أهمها التواري الأمني السريع وتصعيب مهمة اعتقالهم نظرا للكثافة السكانية الكبيرة المزدحمة على الشارع الرئيسي، وكثرة وجود مركبات المستوطنين وسيرها ببطء، ما يعطي أولوية لهذه المنطقة، حيث إن الإصابة حتمية ومباشرة والعملية ناجحة مسبقاً.

قرب البلدة الكبير من مركز مدينة نابلس وتفرعها لعدة طرق يجعل خيارات المقاومين أسهل وأكثر؛ خلافا لهدف آخر على شارع التفافي طويل دون وجود تجمعات سكنية فلسطينية، ووجود حواجز إسرائيلية عسكرية كبيرة وسهولة التعقب عبر الكاميرات وسرعة السيارات على الشوارع الالتفافية ما سيضعف نجاح هذه العملية، بحسب قول القيق.

وأضاف: “العمليات المتتالية في حوارة هي رسالة رفض لسياسة الاحتلال بتحويل الفلسطينيين لعبيد يعملون على خدمة المستوطنين سواء في غسل مركباتهم أو إصلاحها أو تعزيز صورة الإسرائيلي أنه الذي يصول ويجول والفلسطيني يخدمه وهذا سيعزز الاستيطان”.

العمليات في هذه المواقع الجغرافية الحساسة تحقق أهدافا أخرى منها طرد المستوطنين وهدر أمنهم واستنزافهم وتعزيز كرامة الفلسطينيين وهيبتهم، وقطع الطريق على مشاريع الترويض في كل المجالات التي تمارسها “إسرائيل”، كما يقول القيق.

وتابع: “المستوطن الذي كان يعربد ويتبجح ويحرق ويقتل بات يكتب في هذه المنطقة حين يمر منها (ادعوا لنا أن نمر سالمين)، وهذا حققته المقاومة في إطار الردع المباشر”.

فشل الترويض
تمتد حوارة على مساحة 8 آلاف دونم، ولكن المنطقة المتاحة لبناء المنازل لا تتجاوز الألف دونم فقط حيث إن الأغلبية الساحقة من أراضيها مصنفة على أنها ضمن أراضي “ج” الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية وفقا لاتفاقية أوسلو الموقعة مع السلطة.

استولت مستوطنتا “يتسهار” و”براخا” على أكثر من 1100 دونم من أراضي حوارة، ويقطنهما مستوطنون متشددون يرفضون الوجود الفلسطيني في الضفة الغربية، ويعملون بالتالي على محاولة طردهم باستخدام وسائل ترهيب مختلفة.

هجمات المستوطنين الذين يحميهم الجيش الإسرائيلي تكاد لا تتوقف على أهالي البلدة، بما في ذلك إحراق المنازل والمنشآت والمحاصيل الزراعية وسرقة الثمار والاعتداء على الأهالي بمن فيهم الأطفال والنساء والشيوخ.

الباحث في الشأن الإسرائيلي معتصم سمارة قال لـ”عربي21″ إن بلدة حوارة مثلت منذ سنوات عديدة شريان الحياة بين عدة مدن فلسطينية، وكانت مثالا لما أسماه الاحتلال السلام الاقتصادي الذي كان يراد تسويقه للفلسطينيين، حيث كان المستوطنون يتجولون فيها ويشترون بضاعتهم وهم من سكان المستوطنات المقامة على أراضي حوارة، وأشهرها “يتسهار” التي يسكن فيها غلاة المستوطنين المتطرفين.

مؤخرا تبدلت الصورة وأصبحت البلدة في الإعلام الإسرائيلي رمزا للعمليات التي تنفذها المقاومة الفلسطينية ضد المستوطنين، لا يجدون طريقا آخر إلا عبر المرور منها وبالتالي كانوا هدفا سهلا أمام المقاومين.

وأوضح أن البلدة مهمة جدا للمستوطنين لأنها تربط بين مستوطنات “يتسهار” و”إيتمار” في جنوب نابلس والشمال “شافي شمرون” و”أفني حيفتس” وغيرها، فمن أراد من المستوطنين الذهاب إلى مستوطنات مقامة على أراضي سلفيت أو رام الله فلا بديل له إلا الشارع الرئيسي الذي يمر من حوارة.
والآن يقوم الاحتلال بشق طريق جديد يقضم أراضيها فقط لاستخدام المستوطنين، إذ يلتف حول البلدة لتأمين المستوطنين لتجاوز الاحتكاك مع الفلسطينيين.

وأشار إلى أن التواجد الكثيف داخل الشارع الرئيسي بمسافة ثلاثة كيلومترات مع وجود أكثر من سبع تجمعات للجيش الإسرائيلي عدا عن الحواجز الممتدة على طول البلدة التي يتم إيقاف المارة عبرها، لأن الاحتلال يراها نقطة هامة جدا أمنيا وتحتاج السيطرة عليها إلى كل هذا الجهد بالإضافة لزراعة عشرات آلات المراقبة على الشارع نفسه في محاولة للسيطرة على الوضع الأمني.

أفشلت حوارة مخططات السلام الاقتصادي كما غيرها من القرى والبلدات الفلسطينية، وأصبحت تعتبر واحدة من بؤر المقاومة الشرسة التي لا يجد الاحتلال أمامها أمناً لمستوطنيه.

فيحاء شلش

المصدر: موقع عربي 21




“تايمز أوف إسرائيل”: نجل عباس شارك مع وفد فلسطيني في “مباحثات التطبيع” مع السعودية

كشفت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، اليوم الجمعة، أن ياسر عباس، نجل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، شارك في “مباحثات التطبيع” التي تقودها واشنطن مع السعودية، رفقة وفد فلسطيني زار الرياض، الأسبوع الماضي.

وقالت الصحيفة إن الوفد الفلسطيني ضمّ وزير الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية حسين الشيخ، ورئيس المخابرات العامة الفلسطينية ماجد فرج، والمستشار الدبلوماسي لرئيس السلطة الفلسطينية مجدي الخالدي.

ونقلت الصحيفة الإسرائيلية عن مصدرين مطلعين، لم تسمهما، أن الوفد الفلسطيني أجرى مباحثات مع كبار المسؤولين السعوديين، بمن فيهم وزير الخارجية فيصل بن فرحان، إلى جانب مباحثات أخرى مع وفد أميركي.

واختارت السلطة الفلسطينية والسعودية وأميركا عدم إصدار بيانات أو صور عن الاجتماع، وهو ما سمح، بحسب الصحيفة، في إبقاء نجل عباس “تحت الرادار”.

وياسر عباس (62 عاماً) هو رجل أعمال برز خلال الفترة الأخيرة بعد مشاركته أكثر من مرة في الاجتماعات الرسمية مع والده، وكان يتم إرساله بشكل دوري إلى الخارج بصفة مبعوث خاص للرئيس الفلسطيني.

ووفقاً للصحيفة، فقد أكد المسؤولون السعوديون خلال لقائهم وفد السلطة الفلسطينية أنهم “لن يتخلوا” عن القضية الفلسطينية أثناء انخراطهم في مفاوضات مع الولايات المتحدة حول اتفاق تطبيع محتمل مع إسرائيل.

وطرح وفد السلطة الفلسطينية سلسلة من الإجراءات التي يود أن تراعيها السعودية في نص اتفاق التطبيع مع إسرائيل.

وأوضح المسؤولون الذين تحدثوا إلى الصحيفة أن محادثات أخرى سيتم عقدها، الأسبوع القادم، بين مسؤولين أميركيين وإسرائيليين وفلسطينيين وسعوديين، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

وكشفت الصحيفة، نقلاً عن المسؤولين، عن أن السعودية أوضحت للسلطة الفلسطينية أنها مستعدة للخروج عن موقفها العلني الرافض لتطبيع العلاقات مع إسرائيل، بسبب غياب أي مؤشرات واضحة لتطبيق حلّ الدولتين.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




قلق أمني إسرائيلي حيال مشروع التطبيع مع السعودية عشية لقاء نتنياهو وبايدن

قالت القناة 12 الإسرائيلية، مساء الاثنين، إن المستوى الأمني الإسرائيلي قلق حيال مناقشة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو مسألة التطبيع مع السعودية مع الرئيس الأميركي جو بايدن، الأربعاء، على هامش انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، دون اطلاع كبار المسؤولين الأمنيين على تفاصيل الاتفاق المحتمل.

وتعتبر قضية التطبيع بين إسرائيل والسعودية في إطار اتفاق تشارك فيه الولايات المتحدة أيضاً، على رأس القضايا التي سيبحثها الزعيمان، وقد تكون الأهم بالنسبة لنتنياهو.

وغادر نتنياهو إلى الولايات المتحدة ليل الأحد، دون عقد جلسة مع كبار المسؤولين الأمنيين للتباحث في شرط السعودية الحصول على برنامج نووي مدني يشمل تخصيباً ذاتياً لليورانيوم.

وذكرت ذات القناة أن المسؤولين الأمنيين متخوفون من أن “لا يقوم رئيس الحكومة (نتنياهو) بمشاركة الجهات ذات الصلة بتفاصيل الاتفاق”، وأنهم “غير راضين بتاتاً وينتقدون خطوة نتنياهو، لعدم قيامه بالدعوة الى جلسة بمشاركة الجيش الإسرائيلي والشاباك والموساد ولجنة الطاقة النووية، من أجل بحث الإسقاطات المحتملة للاتفاق، في حين كان يتوجب عليه القيام بذلك”.

من جانبه، طمأن رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي الجهات الأمنية، بأن جميع الجهات ذات الصلة ستكون مطّلعة على الأمور.

وأضافت القناة أنه في ظل النفي الأميركي لتوقف المحادثات مع السعودية بشأن التطبيع مع إسرائيل، أشار مسؤولون مطّلعون على التفاصيل، لم تسمهم، إلى تخوفات كبيرة من عدم عرض موقف إسرائيلي واضح في هذا السياق، حين يستمع نتنياهو لبايدن حول التفاهمات خلال لقائهما المشترك.

وتساءلت القناة إن كان نتنياهو مستعدا -من أجل تحقيق السلام مع السعودية- للمس بمصلحة أمنية إسرائيلية عليا من خلال الموافقة على تخصيب السعودية لليورانيوم بشكل مستقل، مضيفة أن كبار المسؤولين الأمنيين يعارضون ذلك، وأن نتنياهو نفسه يقول في الغرف المغلقة، إنه لن يمنح الضوء الأخضر لخطوة كهذه.

“تنازلات كبيرة”

من جانبه، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في تصريحات للتلفزيون الرسمي أمس الاثنين، إنه “لا يوجد حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني بدون دولة فلسطينية مستقلة”، مشدداً على أهمية إعادة حل الدولتين إلى الواجهة، ما قد يحمل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي بأن اتفاقية التطبيع يجب أن تشمل القضية الفلسطينية.

وذكرت تقارير إسرائيلية، في الأسابيع الأخيرة، أن الإدارة الأميركية أكدت للحكومة الإسرائيلية أنه سيتوجب عليها تقديم “تنازلات كبيرة” للفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، كجزء من أي اتفاقية تطبيع مستقبلية مع المملكة العربية السعودية، يتم توقيعها برعاية أميركية.

وفي وقت سابق من الشهر الجاري، قال رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنغبي، خلال المؤتمر السنوي الذي ينظمه “معهد سياسة مكافحة الإرهاب” في جامعة رايخمان، إنه تحدث مطوّلاً مع الفلسطينيين بشأن التطبيع الإسرائيلي مع السعودية.

وأوضح هنغبي أن “هناك ثماراً لحوارنا معهم، لأول مرة منذ اتفاقيات كامب ديفيد”، مضيفاً: “طلبنا منهم (أي الفلسطينيين) عدم تفويت هذه الفرصة، وأن يكونوا جزءًا من الحوار، وأن يساهموا في نجاحه، وأن يستفيدوا منه أيضًا. نحن نؤيد بشدة أن يكون هناك مكوّن فلسطيني مهم في هذا الاتفاق، باستثناء خطوات من شأنها أن تضر بأمن إسرائيل، ولكن كل ما هو دون ذلك، نحن على استعداد لمناقشته”.

بالمقابل تعارض عدة جهات في حكومة الاحتلال تقديم ما تعتبره “تنازلات” للفلسطينيين، وتهدد بحل الحكومة في حال حدث ذلك.

نايف زيداني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




اتصالات سرية.. هل تصمد إندونيسا أمام الضغوط للتطبيع مع إسرائيل؟

رغم غياب علاقات ديبلوماسية واقتصارها على تعاملات تجارية وسياحية وأمنية بين إسرائيل وإندونيسيا، إلا أن هذه الدولة المسلمة، تواجه محاذير داخلية صعبة تحول دون ركوب جاكرتا قطار التطبيع مع الكيان الإسرائيلي.

ففي وقت تصف فيه صحف إندونيسية ذهاب جاكرتا لتطبيع العلاقات مع تل أبيب في الوقت الراهن قبل نيل فلسطين استقلالها بأنه بمثابة “انتحار سياسي”، إلا أن إثارة الحديث عنه بين الفينة والأخرى يبدو أمرا معتادا.

إندونيسيا وإسرائيل

وأمام ذلك، أفاد تقرير لصحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، بأن تل أبيب تجري من وراء الكواليس اتصالات سرية مع مسؤولين مهمين في إندونيسيا بخصوص تطبيع العلاقات، وفق تقرير لها نشر بتاريخ 6 سبتمبر/أيلول 2023.

وذكر التقرير أن انتخابات هامة ستجرى في إندونيسيا خلال فبراير/شباط 2024، لاختيار رئيس وبرلمان جديدين، ونتائجها ستحسم إن كانت ستطبع علاقاتها مع إسرائيل.

ولا توجد حاليا علاقات دبلوماسية رسمية بين إسرائيل وإندونيسيا، بل توجد قنوات اتصال مباشرة مع عدة جهات إندونيسية معنية بتعزيز العلاقات، كما توجد بين الطرفين علاقات تجارية وسياحية وتعاون أمني.

وأضاف التقرير أن الأميركيين يعملون من وراء الكواليس لإقناع الإندونيسيين بتطبيع علاقاتهم مع إسرائيل، لافتا إلى أن هناك نقاشا في إسرائيل حول ما إذا كانت إندونيسيا ستطبع العلاقات  قبل السعودية، أو ستفضل التوجه لهذا التطبيع في أعقاب السعودية.

في حين أن “هناك من يأمل بتحركات من جانب جاكرتا تؤدي إلى دفء العلاقات بين الطرفين، وأن هناك مسؤولين إسرائيليين يعبرون عن شكوكهم حيال هذه القضية ويعتقدون أن الإندونيسيين غير مستعدين لذلك”، وفق الصحيفة.

ونقلت الصحيفة العبرية عن مسؤول إسرائيلي (لم تسمه) أن إندونيسيا تخشى من مظاهرات واحتجاجات شعبية، ولذلك ستنتظر أن تفعل قبلها السعودية، موضحا أنه مع التركيبة الحكومية الحالية سيكون من الصعب للغاية دفع الإندونيسيين إلى اتخاذ مثل هذه الخطوة.

ويعود تاريخ مأزق السياسة الخارجية بين إندونيسيا وإسرائيل إلى أربعينيات القرن العشرين.

وفي الواقع فإن إندونيسيا تدعم حل الدولتين للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وكانت من أنصار القضية الفلسطينية، ولهذا لم تقم بعد علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

وفي أكبر دولة إسلامية من حيث عدد السكان في العالم والبالغ عددهم 280 مليون نسمة، يكاد يكون دعم الدولة الفلسطينية عالميا.

رفض حكومي

ويسترشد الرافضون للتطبيع مع إسرائيل، من ديباجة الدستور الإندونيسي التي تمنع حاملي جوازات السفر الإسرائيلية – حتى لو كانوا فلسطينيين – من زيارة إندونيسيا منذ إعلان الدولة اليهودية استقلالها عام 1948.

أما رسميا، فكثيرا ما أعرب الرئيس الإندونيسي الحالي، جوكو ويدودو، مرارا وتكرارا عن دعمه لإقامة دولة فلسطينية حرة وفقا لما ينص عليه الدستور.

وناضلت إندونيسيا باستمرار من أجل استقلال فلسطين ونددت بوحشية إسرائيل.

وانضم العديد من الأفراد والجماعات إلى العمل الإنساني لمساعدة الفلسطينيين، بما في ذلك إنشاء المستشفيات في الأراضي المحتلة.

ومن الأمثلة الصارخة على التشدد حيال الموقف من فلسطين، رفض الرئيس ويدودو في عهد الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب عرضا بشكل علني بتقديم واشنطن لإندونيسيا ما يصل إلى 2 مليار دولار كمساعدات تنموية إذا وافقت على الاعتراف رسميا بإسرائيل وفتح علاقات دبلوماسية معها.

لكن ردت جاكرتا بأنها لن تقبل عرض ترمب إلا إذا اعترف بفلسطين كدولة حرة.

ويكاد يكون الموقف من التطبيع بين إندونيسيا وإسرائيل محل نقاش عميق.

إلا أن الجميع متفق على أن الخطوات نحو هذا الأمر الحساس، يجب أن تكون مدروسة نظرا لصلابة الموقف الشعبي الرافض للفكرة قبل حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة واستعادة أرضهم المحتلة.

فلا يخفى في المشهد السياسي إندونيسيا من وجود آراء متباينة حول الموقف من التطبيع ومدى أهمية ذلك في حضور هذا البلد بالساحة العالمية.

مواقف حاسمة

لكن رغم ذلك، هناك من يرى أن الفكرة شبه “مستحيلة في الوقت الراهن” ومن أبرز علامات ذلك؛ هو رفض جاكرتا إبداء اللين بشأن حضور رياضيين إسرائيليين لبطولات مقامة على أراضيها.

فضلا عن رفض استضافة بطولات بسبب نزول منتخبات إسرائيل بقوائم الدول المشاركة فيها، رغم أن هذا يحرم إندونيسيا من فوائد اقتصادية وسياحية كبيرة من عوائد تلك البطولات.

لكن مرد ذلك، كما تقول صحف محلية إندونيسية، لوجود كتلة صلبة داخل أروقة الحكم تعارض التطبيع، علاوة على وجود قاعدة شعبية دينية عريضة ترفض التطبيع.

ولهذا فإن الحكومة كانت مضطرة لاتخاذ قرار حاسم بمنع الرياضيين الإسرائيليين من الدخول لإندونيسيا للمشاركة في بطولات عالمية.

إذ تدرك جاكرتا أن هناك قوة فعالة للرياضة في تعزيز الاندماج بين الشعوب، ومن هناك تحاول إسرائيل تحقيق خرق في المجتمع الإندونيسي الذي يعطي أهمية كبير لاستضافة دوريات وبطولات عالمية في أكثر من صعيد رياضي.

فبينما يشتهر شعب جزيرة بالي الإندونيسية بالتسامح وكرم الضيافة، فقد رفض حاكمها وايان كوستر في أبريل/نيسان 2023 مشاركة الفريق الإسرائيلي في دورة الألعاب العالمية الشاطئية (النسخة الثانية) لعام 2023، التي كان مقررا إقامتها من 5 إلى 12 أغسطس من العام المذكور.

وقال حينها كوستر لصحيفة “جاكرتا بوست” إن الرياضيين الإسرائيليين غير مرحب بهم، مستشهدا بديباجة دستور البلاد التي تدعو إلى الإلغاء العالمي للاستعمار ودعم قيام الدولة الفلسطينية.

إلا أن المدينة الإندونيسية أعلنت الانسحاب من تنظيم دورة الألعاب العالمية الشاطئية؛ وأرجعت ذلك لكون الحكومة الإندونيسية لم تفرج عن الميزانية المخصصة للألعاب، دون أن تشير صراحة إلى رفض مشاركة اللاعبين الإسرائيليين بالبطولة.

وحينها خرجت متظاهرون إندونيسيون وقاموا بإغلاق طريق مركزي في جاكرتا، ورفعوا الأعلام البيضاء وهتفوا: “الله أكبر” و”إسرائيل، أخرجي من بطولة العالم”.

وكانت الجماعات الإسلامية التي نظمت احتجاجات بجاكرتا في مارس/آذار 2023، أحرقت خلالها الأعلام الإسرائيلية ورفعت لافتات كتب عليها “إسرائيل عدوة الإسلام”.

ورفضت إسرائيل آنذاك إخضاع رياضييها لشروط خاصة طرحها وزير الشباب والرياضة الإندونيسي، ديتو أريوتيجو، في محاولة اللحظة الأخيرة لإنقاذ الألعاب العالمية، مثل اللعب في ملاعب فارغة، أو عدم رفع العلم الإسرائيلي وعدم أداء النشيد الوطني الإسرائيلي المحظور في إندونيسيا.

لكن انسحاب إندونيسيا من هذه البطولة حرمها من استضافة بالي وجزيرتين أخريين لكأس العالم تحت 20 عاما 2023 كانت مقررة في مايو/أيار من العام المذكور.

وعقب ذلك ذكرت مواقع محلية، أن هذا سيؤثر مستقبلا على استضافة البلاد لأحداث رياضية دولية أخرى، بما في ذلك كأس العالم 2034 أو الألعاب الأولمبية 2036.

وغالبا ما يلقى الموقف المتشدد تجاه إسرائيل استحسان الناخبين المسلمين المحافظين هناك، وهم الكتلة الأكثر أهمية في أي انتخابات وطنية.

وذكرت مجلة الأخبار الإندونيسية “تيمبو” في وقت لاحق أن الرئيسة الإندونيسية السابقة، ميجاواتي سوكارنوبوتري، التي ترأس حاليا حزب النضال الديمقراطي الإندونيسي الحاكم – والذي يمثله كوستر – أمرته بحظر الرياضيين الإسرائيليين حتى يتمكن الحزب من تسجيل نقاط في الفترة التي تسبق الانتخابات المقبلة.

إذ يحظى التحرك لمنع الرياضيين الإسرائيليين من المشاركة في الأحداث الرياضية في إندونيسيا بدعم من مجلس العلماء، وهو أعلى هيئة لعلماء المسلمين في البلاد، بالإضافة إلى جبهة المدافعين عن الإسلام القوية، وهي منظمة إسلامية تمثل مجموعة ضغط وتتمتع بحضور بارز على وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها من المنظمات.

انتحار سياسي

وتقول صحيفة “جاكرتا بوست” في تقرير لها نشر في أبريل 2023، إن إسرائيل كثفت جهودها لإقناع إندونيسيا بالتوقيع على اتفاقيات “أبراهام” للتطبيع والتي بدأت تل أبيب توقيعها عام 2020 مع الإمارات والبحرين والمغرب والسودان.

وتضيف أن مثل هذه الاتفاقيات من شأنها أن تعرض جاكرتا لخطر الفوضى السياسية الكبيرة، كون سياستها الخارجية طويلة الأمد متمثلة في دعم استقلال فلسطين.

وصرح وزير تنسيق الشؤون السياسية والقانونية والأمنية، محفوظ إم دي، أخيرا بالقول: “ليس لدى إندونيسيا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وسيظل الأمر كذلك حتى تتحرر فلسطين”.

وضمن هذه الجزئية تصف الصحيفة هذه السياسة بـ”الكسولة كونها تهدر فرصة إندونيسيا للعب دور في التفاوض على حل الدولتين، الذي تؤيده”.

وهناك في إندونيسيا من يدفع لتفتح الحكومة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ويبرر هؤلاء مثل نائب الرئيس السابق يوسف كالا بقوله “إن ذلك يمكن جاكرتا من العمل كوسيط بين إسرائيل وفلسطين”.

لكن هناك من يرد على هذه الدعوة بالقول، بالنسبة للمسلمين الإندونيسيين، المعتدلين والمحافظين على حد سواء، طالما أن الشعب الفلسطيني مضطهد من قبل الإسرائيليين، فإنهم لن يؤيدوا فتح علاقات مع إسرائيل، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة “جاكرتا بوست” في 24 أغسطس/آب 2022.

وتضيف الصحيفة، أنه ليس من الواضح لماذا أثار كالا، رجل الأعمال والسياسي ورئيس مجلس المساجد الإندونيسي (DMI) والصليب الأحمر الإندونيسي (PMI)، هذه القضية الحساسة سياسيا في هذه اللحظة.

وراحت تقول: “ربما يحظى كالا بدعم حكومي، رغم أن الرئيس ويدودو لن يقبل الفكرة أبدا، لأن قول أي شيء جيد عن إسرائيل سيكون انتحارا سياسيا”.

كما أنه “من غير المتصور تقريبا أن تفكر الحكومة الحالية في فتح علاقة رسمية مع إسرائيل، إذ أنه حتى الآن تمر العلاقات التجارية والدفاعية بين البلدين عبر طرف ثالث”.

وزادت بالقول إن “فكرة كالا عن إسرائيل تستحق الدعم، لكن إندونيسيا لا يمكنها فتح علاقات دبلوماسية مع إسرائيل إلا بعد إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وهو أمر شبه مستحيل حتى الآن”.

وزار كالا الأراضي الفلسطينية المحتلة وإسرائيل وأكد أنه التقى بمسؤولين إسرائيليين وفلسطينيين بصفته الشخصية.

وسبق أن التقى بصفته نائبا للرئيس، برئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك بنيامين نتنياهو، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2018.

إندونيسيا عنيدة

وكان الرئيس الرابع لإندونيسيا، عبد الرحمن جوس دور وحيد، من أشد المؤيدين لإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ولم يتردد أبدا في إظهار موقفه.

وتواصل وحيد مع القادة الإسرائيليين، ومن بينهم شمعون بيريز، وبصفته رئيسا سابقا لأكبر منظمة إسلامية في البلاد “نهضة العلماء”، كان بإمكان وحيد تجنب أي رد فعل عنيف من الجماعات المناهضة لإسرائيل، لكنه ما زال غير قادر على تحقيق فكرته.

وضمن هذا الإطار، يقول الخبير في الشؤون الإندونيسية، جيورا اليراز، خلال مقابلة مع قناة “كان” العبرية في 21 مارس/آذار 2023 إن “إندونيسيا مقارنة مع دول عربية أكثر عنادا بكل العوامل المرتبطة بالاتصال السياسي”.

ومضى يقول: “الشارع هناك يشتعل حول كل ما يجري في إسرائيل والضفة وغزة. يوجد هناك جهات إسلامية ناشطة جدا، كما أن طبيعة النظام الذي يتمتع بخط ديموقراطي، يتيح للمجال العام أن يكون مشتعلا”.

وتوجد علاقات تجارية غير رسمية بين إسرائيل وإندونيسيا، ويشير موقع مكتب التجارة إسرائيل-إندونيسيا إلى أن “المواطنين الإسرائيليين لن يكونوا قادرين على الحصول على تأشيرات سياحة للأفراد، إنما تأشيرات تجارية لإندونيسيا فقط. يوجد عدد من وكالات السفر القادرة على توفير تأشيرة سياحية جماعية للإسرائيليين”.

ومن صور الممانعة الداخلية للتطبيع مع إسرائيل، دعت جمعيات إسلامية في إندونيسيا في 10 فبراير/شباط 2022 إلى إغلاق المعرض الأول للهولوكوست في البلاد، متهمة إياه بأنه “جزء من محاولة لتطبيع علاقات البلاد مع إسرائيل”.

وجرى إطلاق المعرض في اليوم الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست، في 27 يناير/ كانون الثاني 2022، داخل الكنيس اليهودي الوحيد في إندونيسيا والواقع في مقاطعة شمال سولاويزي.

وسبق أن زارت بعثة إسرائيلية تضم مستثمرين، وخبراء تكنولوجيين ومسؤولين تجاريين في يوليو/تموز 2022 إندونيسيا.

وذكرت وقتها صحيفة “إسرائيل هيوم” أن هدف الزيارة كان التعرف على إمكانات هذه الدولة للعلاقات مع إسرائيل، عن طريق الاستثمارات، والمشاريع والشركات الناشئة ومبادرات التأثير الاجتماعي.
تحميل

 المصادر:

1 تقرير: إسرائيل تجري اتصالات سرية مع أندونيسيا
2 Ban on Israelis could see Indonesia lose World Beach Games
3 الأرجنتين تطلب استضافة كأس العالم تحت 20 عاما بدلا من إندونيسيا والفيفا يرحب
4 Diplomatic ties with Israel unimaginable for Indonesian Muslims

المصدر: صحيفة الاستقلال التركية




صفقة سرية.. ماذا وراء التسليح الأميركي الإسرائيلي لقوات أمن سلطة عباس؟

بشرط استخدامها ضد المقاومة الفلسطينية، زود جيش الاحتلال الإسرائيلي، سلطة محمود عباس بـ 1500 قطعة سلاح، ضمنها بنادق إم 16 تعمل بالليزر.

وكشفت إذاعة جيش الاحتلال 13 سبتمبر/أيلول 2023 أن إسرائيل سمحت بتزويد السلطة بهذه الأسلحة بشرط استخدامها ضد مقاتلي حركتي المقاومة الإسلامية حماس والجهاد الإسلامي.

“دورون كادوش” المراسل العسكري لإذاعة “چالاتس” العسكرية الإسرائيلية كشف تفاصيل الصفقة، مؤكدا أن شرط إسرائيل “أن تُظهر السلطة قدرة على ضرب المقاومة، تحديدا في جنين (شمال الضفة الغربية) وأن تكثف التعاون الأمني”.

صحيفة “هآرتس” العبرية كشفت أيضا في 13 سبتمبر 2023 نقلا عن مصادر فلسطينية وإسرائيلية أنه “جرى توفير مركبات مدرعة أميركية للسلطة بموافقة إسرائيل”.

أكدت نقل هذا السلاح من قواعد أميركية في الأردن، عبر معبر اللنبي، بموافقة إسرائيلية، وجرى تسليمه لـ “الأمن العام ومكافحة التجسس والشرطة” الفلسطينية في الضفة الغربية التي انتعشت فيها المقاومة ضد الاحتلال.

وقالت مصادر سياسية في تل أبيب لموقع “نيوز 1” العبري 13 سبتمبر 2023 إن إدارة الرئيس جو بايدن مارست ضغوطاً كبيرة على إسرائيل للموافقة على هذه الخطوة.

وبينت أنه كان على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموافقة نظراً لقرب لقائه مع بايدن في نيويورك، وحتى لا تتهمه الإدارة الأميركية بإضعاف السلطة الفلسطينية. 

فور الإعلان عن هذه التفاصيل، انقسم الإسرائيليون بين فريق مؤيد لتسليح السلطة الفلسطينية وتقويتها كي تتصدي للمقاومة التي تقودها فصائل إسلامية في الضفة الغربية، وتسعي لنقل تجربة غزة لرام الله، ورجحوا أنه اتفاق سري جرى تسريبه.

فيما صرخ فريق آخر، يقوده اليمين اليهودي المتطرف الذي يمثله عدة وزراء في حكومة بنيامين نتنياهو وهددوا بإسقاط الحكومة.

خرج نتنياهو لينفي توريد سلاح للسلطة الفلسطينية، كما نفت ذلك الحكومة الأميركية التي قيل إنها هي التي وردت هذه الأسلحة، ضمن قرارات قمتي العقبة وشرم الشيخ، فبراير/شباط ومارس/آذار 2023، للتصدي للمقاومة.

وقال مسؤولون أمنيون فلسطينيون إن السلطة طلبت الأسلحة والمعدات بالفعل منذ أكثر من عام، لكن إسرائيل رفضت في الماضي، ثم سمحت عقب توصيات اتفاقي العقبة وشرم الشيخ، ونفى بعضهم وصول سلاح جديد لهم.

تفاصيل السلاح

لم تكن الصفقة، وفق وسائل الإعلام العبرية، تقتصر على نقل معدات عسكرية تشمل أسلحة وعدة عربات مدرعة إلى السلطة لدعم أجهزتها الأمنية في مواجهة المقاومة المتصاعدة ضد الاحتلال في الضفة فقط، وكانت إسرائيل على علم بها.

مصادر فلسطينية مطلعة قالت لصحيفة “القدس” المحلية، في 13 سبتمبر 2023 إن “الشحنة جرت بموافقة إسرائيل، وبمساعدة الأردن”.

وستستخدمها عدة فروع تابعة لقوات أمن السلطة الفلسطينية، في محاولة لاستعادة السيطرة على مناطق في الضفة الغربية أصبحت بؤراً لنشاطات مسلحة ضد الاحتلال.

صحيفة “يسرائيل هيوم” نقلت 12 سبتمبر 2023 عن مصادر فلسطينية أنه تم تزويد أجهزة أمن عباس أيضا بوسائل تكنولوجية متقدمة لتحسين قدراتها الاستخبارية.

أكدت تدريب “وحدة إلكترونية فلسطينية خاصة”، لمكافحة المحتوى المؤيد للمقاومة، واختراق التنظيمات خاصة في جنين ونابلس، بحسب مصدر فلسطيني تحدث لـ “يسرائيل هيوم”.

وقال المصدر إن هذا يمكن أن يسهل مهام قوات الأمن التابعة للسلطة، ويمنحها الأدوات اللازمة لتتبع المسلحين واعتقالهم.

وتابع: “تهدف هذه الإجراءات إلى تعزيز السلطة في حربها ضد حماس والجهاد وفصائل المقاومة في الضفة الغربية”.

الصحيفة أشارت إلى أن “المعدات الجديدة ستسمح للأجهزة الأمنية بتنفيذ عمليات تجسس وجمع معلومات استخباراتية، عبر اختراق الهواتف المحمولة التابعة لشركات الخلوي الفلسطيني.

وسيدرب خبراء أردنيون وأميركيون أعضاء الوحدة السيبرانية في السلطة، على كيفية استخدام الأجهزة، في مقر الأمن الوطني الفلسطيني (بيتونيا) لأن الوحدتين التكنولوجيتين المتوفرتين لدى أمن عباس حاليا غير كافيتين وضعيفتان مهنيا.

وكانت هذه التقنيات ممنوعة على الفلسطينيين في السابق بقرار إسرائيلي، خوفًا من استخدام الأجهزة الأمنية لها في كشف عملاء الشاباك (جهاز الأمن العام)”.

وخلال الشهور الـ 18 الماضية، نشر مقاومون شبكة متطورة من الكاميرات في مدينتي جنين ونابلس، مما سمح لهم بمراقبة تحركات قوات جيش الاحتلال وأمن السلطة على مدار الساعة، لذلك ستعمل المعدات الجديدة على اقتحام هذا النوع من أنظمة الكاميرات أيضًا.

وكان نتنياهو ووزير جيشه يوآف غالانت كشفا، وهما ينفيان توريد أسلحة جديدة للسلطة الفلسطينية، أنه تم بالفعل إدخال 10 مدرعات أميركية لها كانت قد وافقت عليها الحكومة السابقة.

صفقة سرية

إثر الكشف عن صفقة مد السلطة الفلسطينية بأسلحة أميركية بموافقة إسرائيل ومصر والأردن للتصدي للمقاومة، هدد وزيران متطرفان نتنياهو بعواقب وخيمة، بحسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” 14 سبتمبر 2023.

الوزيران اليمينيان بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير زعما أن هذه الخطوة جرت من دون علمهما، واتهما نتنياهو بالتخطيط لوضع أسس حكومة بديلة مع زعيم حزب “أبيض – أزرق” ووزير الجيش السابق “بيني غانتس”.

مكتب وزير المالية سموتريتش قال إن تسليم الأسلحة إلى السلطة الفلسطينية وخطوات التسوية بشأن ما يسمى “الإصلاح القضائي” في مقر إقامة رئيس الدولة الإسرائيلية هما “بمثابة دُفعة (من نتنياهو) إلى بيني غانتس لتأليف حكومة معه تسعى لإحياء اتفاق أوسلو للسلام.

وقال وزير الأمن القومي بن غفير في بيان صادر عنه، مخاطباً نتنياهو: “إذا كانت نيتك محاولة تأليف حكومة أوسلو 2، فيُرجى تبليغ وزرائك والجمهور لكي نتمكن من التصرف وفقاً لذلك”.

لكن نتنياهو رد نافيا تسليم أسلحة للسلطة الفلسطينية، ثم أقر بتسليم مركبات مدرعة، قائلا إنه جرى الاتفاق عليها مع الحكومة السابقة (حكومة نفتالي بينت – يائير لابيد) في يناير/كانون الثاني 2022، عندما كان غانتس وزيراً للجيش.

كما نفى وزير الجيش الحالي يوآف غالانت تسليم أسلحة إلى السلطة الفلسطينية خلال توليه المنصب.

لكن مكتبه، اعترف أنه جرى نقل 10 مدرعات أميركية للسلطة الفلسطينية، وسيتم في المستقبل نقل وسائل لتفريق المظاهرات، من أجل السماح لقوات عباس بالتحكم في جنين ونابلس.

أيضا نفت إدارة بايدن أنها أرسلت أسلحة أو ذخيرة إلى قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية.

كما نفى المتحدث باسم الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية، طلال دويكات، التقارير الإعلامية عن حصولهم على معدات أمنية عبر إسرائيل.

لكنه أكد أن للسلطة الفلسطينية الحق في الحصول على أي معدات تحتاجها للقيام بعملها الطبيعي، بحسب موقع “ميديا لاين” الأميركي 13 سبتمبر 2023.

ويبدو أن الصفقة كانت “سرية” باتفاق خاص بين مصر والاردن وأمريكا وحكومة نتنياهو والسلطة الفلسطينية، لكن مصادر في اليمين الإسرائيلي المتطرف داخل الحكومة سربتها للصحف.

“مسؤول أمني” إسرائيلي قال ​​في حديث مع القناة 12 العبرية: “لا يوجد شيء اسمه عدم إدخال أسلحة للسلطة، من المستحيل الإمساك بالعصا من كلا الطرفين، فلا يُعقل أن تطلب منهم العمل ضد منظمات المقاومة ثم لا تزودهم بالأدوات والذخيرة”.

قال إن المنظومة الأمنية للاحتلال لا تدعم ​​هذه الخطوة فحسب، بل تفكر أيضًا في اتخاذ وسائل مساعدة إضافية للسلطة.

وأشار إلى أن الـ 8 مدرعات التي نقلها الأميركان وبموافقة إسرائيلية إلى السلطة الفلسطينية، تهدف للسماح لأجهزة الأخيرة بالعمل في نابلس وجنين تحت النار وفقا لمصلحة إسرائيل، وبطلب أميركي يصعب رفضه.

وأوضح “يارون أبرهام” محلل الشؤون السياسية في القناة (12 N) أن أحد محاضر جلسة للجنة الخارجية والأمن في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) التي كشفت عقب الخلاف الإسرائيلي الداخلي حول نقل المعدات جاء فيها على لسان المسؤولين: “السلطة في رام الله حيوية لنا ونحن بحاجة إليها، وممنوع أن نسمح لها بالانهيار”.

ايضاً اقتبس أبرهام من محضر لجلسة كابينت سابقة جاء فيه: “في ظل عدم وجود تغيير في تقديرات إسرائيل، سنعمل على منع انهيار السلطة في رام الله”.

سبب القلق

سر القلق الصهيوني من تزويد السلطة الفلسطينية بأي أسلحة أو مدرعات جديدة هو الخوف من أن يسيطر المقاومون من حماس والجهاد على هذه المعدات والزحف بها نحو المستوطنات القريبة وتنفيذ عمليات.

الكاتب الصهيوني “جوناثان بولارد” لخص في مقال نشره بصحيفة اليمين المتطرف “إسرائيل هيوم” 12 سبتمبر 2023 المخاوف من نقل سلاح ومدرعات لمساعدة السلطة الفلسطينية، بتأكيده على خطورة استيلاء حماس عليها.

وأردف: “إذا جرى اختطاف واحدة أو أكثر من هذه المركبات المدرعة المنقولة من قبل هؤلاء الذين يرتدون الزي الرسمي للشرطة الفلسطينية ويعتنقون فكر المقاومة، واستخدامها لاقتحام مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، حينها ستحدث مذبحة بحق مواطنينا في المستوطنات”.

قال أيضا: “لنفترض أن السلطة الفلسطينية كانت تحاول اقتحام منطقة يقطنها مقاومون بقوتها المدرعة الجديدة وجرى الاستيلاء على واحدة منها من جانب المقاومين وتوجهت لضرب المستوطنات”.

زعم أن “كل الأسلحة التي قدمتها إسرائيل للسلطة الفلسطينية تحولت في نهاية المطاف ضدنا، ومن المحتمل أن يحدث نفس الشيء مع هذه المدرعات”.

وبين أن عدد المقاومين “الذين يخدمون في قوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية ارتفع بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية”.

عضو لجنة الخارجية والأمن، في الكنيست “داني دانون” قال أيضا لصحف عبرية: “لا يجوز الوثوق بالسلطة الفلسطينية في أي شيء، ومن الواضح لنا أنه إذا مر مسدس أو رصاصة، فلا نعرف إلى أين سينتهي به المطاف”.

وتابع: “لقد شهدنا محدودية قدرة السلطة على مكافحة المقاومة بالضفة، وكانت هناك حالات كثيرة نفذ فيها عناصر من الشرطة الفلسطينية عمليات، ولهذا نقول إننا لن نعتمد إلا على أنفسنا”.

وتصاعدت العمليات الفلسطينية خلال العام الأخير ضد الاحتلال في مدينتي نابلس وجنين شمال الضفة الغربية، في وقت تتهم إسرائيل عباس بمشاركة قواته بتنفيذ بعضها أو عدم سيطرتهم على السلاح الخاصة بهم ووقوعه في أيدي المقاومية.

سر التسليح

حين عُقدت قمتا “العقبة” في الأردن 26 فبراير 2023، ثم “شرم الشيخ” في 19 مارس 2023 كان هدفهما المعلن هو بحث الاعتداءات الإسرائيلية على مدن الضفة الغربية، وما يسمي “تصاعد العنف (أي المقاومة) هناك”.

لكن هدفهما الفعلي كما ظهر من تصريحات الإسرائيليين والأميركان كان تصفية الفدائيين الإسلاميين من حماس والجهاد في نابلس وجنين عن طريق دعم سلطة رام الله بسلاح أقوى، وبمباركة مصر والأردن وأميركا وإسرائيل.

كان هدف القمتين الواضح هو بحث تطبيق خطة جديدة للجنرال الأميركي “مايك فينزل” الخاصة بتجفيف بيئة المقاومة عبر عمل عسكري ضد الشباب المقاوم، بدلا من خطة “دايتون” للتنسيق الأمني فقط بين الاحتلال وإسرائيل.

وشجع وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس على “قبول وتنفيذ الخطة الأمنية” التي صاغها المنسق الأمني مايك فينزل، حسبما أفاد موقع “أكسيوس” الأميركي في فبراير 2023.

لكن قيل إن عباس تردد في قبول الخطة التي وضعتها إدارة بايدن لمحاربة المقاومة في الضفة الغربية، عبر إنشاء قوة فلسطينية خاصة لمحاربة المقاومة خشية أن تظهره كمقاول لإسرائيل لقمع شعبه، واقترح دعم أكبر لقواته عسكريا.

والسبب أنه “يخشى أن تؤدي حرب السلطة الفلسطينية ضد الجماعات المسلحة في الضفة الغربية، إلى إثارة غضب الشارع وتقود إلى حرب أهلية من شأنها زعزعة استقرار حكمه”، بحسب موقع “نيوز 1” الإسرائيلي 13 سبتمبر 2023.

وقد أشارت مصادر لصحيفة “جيروزاليم بوست” 12 سبتمبر 2023 أن الجانب الأميركي تفهم مطالب السلطة بهذا الشأن وعمل على تزويدها بالمعدات اللازمة سواء مدرعات أو أسلحة آلية حديثة بالليزر لاستخدامها في المداهمات والاشتباكات مع الخلايا المسلحة.

وقد أوضح “دورون كادوش” مراسل إذاعة “چالاتس” أن تزويد السلطة بالسلاح هو ترجمة لاجتماعي “العقبة” و”شرم الشيخ”، بمشاركة مصر والأردن.

إذ جاءت الموافقة على نقل السلاح للسلطة عقب قمتي العقبة وشرم، بعد حوار أجري مع منسق العمليات الإسرائيلي في الضفة.

وقال مسؤولون أمنيون إسرائيليون للإذاعة العبرية إن هذه خطوة ضمن سلسلة خطوات إضافية يجري دراستها لصالح تقوية السلطة الفلسطينية، لكن بموجب شرطين.

الأول، أن تُظهر السلطة “إنجازات عملية” ضد المقاومين في الضفة، وخاصة في جنين، والثاني أن تعمل على تقوية التنسيق الأمني.

وذكر مسؤولون أمنيون إسرائيليون لصحيفة “هآرتس” 13 سبتمبر 2023 أن “تقديم الدعم المادي للسلطة الفلسطينية في مصلحتنا” لأنه “يعد أيضًا المفتاح المحتمل للتطبيع مع المملكة العربية السعودية”.

وقد أشار لهذا الصحفي الإسرائيلي في موقع أكسيوس، باراك ريفيد، مؤكدا أن بلينكن قال في مقابلة مع بودكاست Pod Save The World إن قادة السعودية أخبروه أنه “من المهم بالنسبة لهم أن يكون لأي اتفاق تطبيع مع إسرائيل تأثير على الفلسطينيين”.

وقال الصحفي الإسرائيلي إن بلينكن أوضح هذه الأمور ليبين أن وجود “مكون فلسطيني” في اتفاق التطبيع مع إسرائيل ليس طموحا أميركيا فحسب، بل مطلب سعودي أيضا”.

وأضاف أن “الصراع حول توريد المركبات المدرعة لأجهزة الأمن الفلسطينية يبين مدى صعوبة أو استحالة تقديم الحكومة الإسرائيلية الحالية تنازلات من هذا النوع للسعودية”، ومن ثم تسهيلها التطبيع.

إسماعيل يوسف

المصدر: صحيفة ااستقلال التركية




إدراج أريحا القديمة على قائمة التراث العالمي.. فيديو يرصد فرحة عارمة بين وفود العرب وفلسطين بعد الفوز

أعلنت وزيرة السياحة والآثار الفلسطينية، رولا معايعة، الأحد 17 سبتمبر/أيلول 2023، نجاح بلادها في تسجيل موقع أريحا القديمة (تل السلطان) على قائمة التراث العالمي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”،  بعد أن صوتت لجنة التراث العالمي التابعة للأمم المتحدة لصالح فلسطين، وهو قرار من المرجح أن يثير غضب إسرائيل، التي تسيطر على المنطقة ولا تعترف بالدولة الفلسطينية.

إذ قالت رولا معايعة إن هذا الإنجاز تحقق خلال الجلسة 45 للجنة التراث العالمي المنعقدة في الرياض، ليصبح لدى فلسطين خمسة مواقع فلسطينية مسجلة رسمياً على القائمة بعد القدس (البلدة العتيقة وأسوارها)، وبيت لحم (مكان ولادة السيد المسيح: كنيسة المهد ومسار الحجاج)، وبتير (فلسطين أرض العنب والزيتون: المشهد الثقافي لجنوب القدس)، والخليل (البلدة القديمة في الخليل).

كما أكدت معايعة أهمية القرار باعتبار الموقع جزءاً أصيلاً من التراث الفلسطيني المتنوع ذي القيمة الإنسانية الاستثنائية، وأهميته العالمية كأقدم مدينة محصنة في العالم، ويستحق أن يكون أحد مواقع التراث العالمي.

يأتي ذلك فيما نشرت صحيفة إندبندنت فيديو يرصد فرحة عارمة بين وفود العرب وفلسطين، إثر فوز موقع “تل السلطان”، أريحا، بالأصوات اللازمة لتصنيفها على قائمة اليونسكو.

من جانبها، رحبت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية بقرار لجنة التراث العالمي، قائلة إنه “جاء نتيجة للجهد الدبلوماسي والفني الفلسطيني للحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني كافة وحمايتها، بما فيها الحقوق الثقافية”.

وأضافت أن هذا الإدراج يؤكد على القيمة العالمية الفريدة للموقع ولفلسطين بشكل عام “وشهادة عالمية استثنائية على واحدة من أقدم المجتمعات التي أنشأت أول نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي مجتمعي في العالم”.

وشددت وزارة الخارجية والمغتربين على “أهمية الحفاظ على فلسطين ومواقع التراث العالمي فيها، من محاولات التخريب المتعمد الذي تتعرض له من قبل سلطات الاحتلال الاستعماري الإسرائيلي وأدواته المختلفة، التي تحاول طمس هذا التراث وتدميره وتشويه وتزوير التاريخ والرواية”، كما طالبت دول المجتمع الدولي واليونسكو بحماية فلسطين وشعبها.

والأحد 3 سبتمبر/أيلول 2023، انتقدت إسرائيل بشدة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، بسبب خططها لتصنيف تل السلطان أو ما يُعرف بمدينة أريحا القديمة موقعاً للتراث العالمي الفلسطيني، بحسب صحيفة “يسرائيل هيوم” الإسرائيلية.

ووجه عضو الكنيست الإسرائيلي، دان إيلوز، رسالةً إلى الأمينة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، دعا فيها إلى إلغاء التصويت، بزعم أن هذا يعد تدخلاً سافراً من قِبل المنظمة في صراع معقد، وأن القرارات السابقة التي طالت مدينة الخليل والحرم القدسي أضرت بالعلاقات بين اليونسكو وإسرائيل.

عضو الكنيست دان إيلوز <br>
عضو الكنيست دان إيلوز 

وانتقد دان إيلوز (الليكود) القرار قائلاً: “أريحا هي أولاً وقبل كل شيء مدينة بارزة في الكتاب المقدس”.

وانسحبت إسرائيل من اليونسكو عام 2019، واتهمت المنظمة بالتحيز ضدها والانتقاص من ارتباطها بالأراضي المقدسة. كما اعترضت إسرائيل على قبول اليونسكو لفلسطين كدولة عضو في عام 2011.

وتعتبر أريحا نقطة جذب رئيسية للسياحة إلى الأراضي الفلسطينية، وذلك بسبب مواقعها التاريخية وقربها من البحر الميت.

موقع أريحا القديمة/رويترز
موقع أريحا القديمة/رويترز

وفي عام 2021، كشفت السلطة الفلسطينية عن تجديدات كبيرة لواحدة من أكبر الفسيفساء في الشرق الأوسط، في قصر بأريحا يعود تاريخه إلى القرن الثامن.

المصدر: وكالة رويترز




بعد 30 سنة.. شخصيات فلسطينية: علقنا في “أوسلو” وامتلأت الضفة بالمستوطنات

يرفرف في الميدان الرئيسي إعلان كبير الأمة مع شريكه في الاتفاق التاريخي. حوله هناك مسيرات واعتصامات تأييد، لافتات كتبت عليها كلمة سلام بالعربية والعبرية معلقة في كل مكان. غير بعيد من هناك، في متنزه بلاطة الذي كان ذات يوم مخيماً للاجئين، يفتتحون حديقة نباتات جديدة. وهنا محطة نابلس المركزية، التي انتهت الأعمال فيها والتي ستربط شمال الضفة والقدس بالقطار قريباً.

قبل ثلاثين سنة عندما مشى ياسر عرفات وإسحق رابين وبيل كلينتون على العشب الأخضر في البيت الأبيض، بدا ذلك مثل حلم ربما سيتحقق لاحقاً. الآن يبدو أنه حلم ليس أكثر من وهم تبدد.

13 أيلول 1993 كان يوماً لشكوك ممزوجة بالنشوة، أو العكس. اتفاقات أوسلو كانت خطوة أولية في الطريق لاتفاق شامل مع إسرائيل، بل خطوة كبيرة، على الأقل على الورق، لترسيخ الكيان الفلسطيني. للمرة الأولى منذ 1948 كان له أساس سياسي معترف به على أرض شرق الخط الأخضر. عرفات وكبار شخصيات م.ت.ف الذين اضطروا إلى الترحال بين الدول العربية، أصبح لهم الآن بيت رسمي، الذي اعترفت به إسرائيل والعالم. ولكن سؤالاً واحداً على الأقل يشكل لغزاً الآن: هل كانت الاتفاقات بذور الدولة الفلسطينية أم كانت وهماً؟ محاولة الإجابة على هذا السؤال في محادثات مع شخصيات رفيعة في السلطة، ووجهت بصعوبة معينة. هم على استعداد للتحدث، لكن بدون ذكر أسمائهم. “بعد 30 سنة، من الواضح أنه لا يمكن التحدث عن نجاحه”، قال أحدهم. “هذا اتفاق مؤقت لخمس سنوات، كان يمكن أن يرسخ اتفاقاً دائماً ويبدد الشكوك لدى الطرفين”. ولكن بعد خمس سنوات، أصبح واضحاً أن الأجندة الأصلية لن تخرج إلى حيز التنفيذ.

“اغتيال رابين، وبعد ذلك الانتخابات التي جلبت نتنياهو إلى سدة الحكم، كان المسمار الأول في نعش أوسلو”، قال حسن عصفور، الذي كان في التسعينيات أحد الأشخاص القريبين من عرفات، وكان على اطلاع بقضايا الاتصالات التي تحدث وراء الكواليس. “منذ ذلك الحين تلاشت كل أهمية أوسلو السياسية، بالأساس انسحاب إسرائيل الذي تم التخطيط له من مناطق “ب” و”ج”، والذي لم يحدث. في موازاة ذلك، حدثت عملية تعميق المستوطنات وإبعاد أي اتفاق سياسي مستقبلي”.

رغم قربه من رئيس السلطة الفلسطينية السابق، لم يكن عصفور من أبناء فتح. هذا القرب يبدو الآن بعيداً جداً، حيث إنه بات أحد أشد المنتقدين للسلطة، ولا يوفر انتقاده لحماس. عندما يحصي المحطات في طريق آلام اتفاق أوسلو، يعتقد بأن مؤتمر كامب ديفيد مع إيهود باراك في تموز 2000 (“باراك سعى لتهويد القدس، وعرفات رفض ذلك”) لم يكن نهاية الرحلة. حدث هذا بعد شهرين من ذلك عندما زار أريئيل شارون، الذي كان في حينه رئيس المعارضة، الحرم. لم تكن طريق للعودة من هناك. “بعد ذلك”، قال عصفور، “كل شيء تفجر”.

أقوال بروحية مشابهة قالها أيضاً مصدر فلسطيني رفيع، “كل شيء تشوش منذ ذلك الحين، تبنت إسرائيل نظرية “لا يوجد شريك”، واتهموا الفلسطينيين والعمليات”، وأضاف: “يكفي النظر إلى الخارطة كي نكتشف كيف سرعت إسرائيل البناء في المستوطنات وفصلت القدس عن الضفة الغربية، وهي تخطط لضم مناطق “ج” التي تشكل 60 في المئة من الضفة”. “هذا الأمر له تأثير بعيد المدى”، أكد هذا المصدر. “هذا ليس واقع جنوب لبنان مع قواعد عسكرية ومنشآت أمنية التي يمكن تفكيكها في أسبوع، بل ترسيخ حقائق على الأرض. بعد ثلاثين سنة، تقلصت المنطقة ومثلها تقلص فضاء عيش الفلسطينيين”.

       عمق الشرخ

بعد ثلاثين سنة، خارطة الضفة الغربية بدت كابوساً للفلسطينيين الذين عملوا في اتفاقات أوسلو. ولكن على الأقل رسمياً، لم يتم تخريب كل شيء. أوسلو، كما قال نبيل عمر في محادثة مع “هآرتس”، وهو المتحدث والمستشار السابق لياسر عرفات، منح الفلسطينيين قاعدة جغرافية في قطاع غزة والضفة الغربية، وأسس للمؤسسات الرسمية، بدءاً بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية ومروراً بتشكيل الحكومة وانتهاء بالحفاظ على السلطة الفلسطينية كجسم يعمل وله صلاحيات. “كون كل شيء متعثراً الآن، وجزء من المؤسسات لم يعمل، وأيضاً لم تكن انتخابات منذ 2006، كل ذلك لا يعني أن الأساس لم يكن صحيحاً”، قال.

نبيل عمر، الذي كان وزير الإعلام في الحكومة الأولى لمحمود عباس في 2003، لا يستخف بكل الموجود، لكن في ظل غياب أفق سياسي وغياب نية حقيقية من قبل إسرائيل بالتوصل إلى إنهاء النزاع، فهذا هو عزاء الفقراء في أفضل الحالات. “لا يمكن الحفاظ على الوضع القائم إلى الأبد”، وأضاف: “من الواضح أن ما تبقى من أوسلو هو فقط السيئ في أوسلو: سيطرة إسرائيل على حياة الفلسطينيين مع كل تبعات هذا الأمر. في نهاية المطاف، إسرائيل وبشكل كبير المجتمع الدولي والقيادة الفلسطينية أيضاً، أخذوا مزايا أوسلو وأبقوا الشعب الفلسطيني مع نواقصه. ما زال الاتفاق رسمياً ساري المفعول وينظم نشاطات السلطة من ناحية إدارية، وكذلك التنسيق والعلاقة بين الطرفين”. ولكن الحديث يدور -حسب قوله- عن أمور تقنية لا أفق لها. بالعكس، حقيقة أن هذا مستمر تثبت عمق الشرخ: الفلسطينيون عالقون في أزمة داخلية، في حين تدير إسرائيل الاحتلال وتعمقه على الأرض.

       ارتفاع عدد المستوطنين بمئات الآلاف

هذه الأزمة الداخلية غير المسبوقة بين الضفة وغزة وبين التنظيمات المختلفة فيما بينها، تشغل الآن الفلسطينيين على الأقل مثل اتفاق أوسلو وما تبقى منه. كثيرون يعتبرونها المفتاح للخروج من حالة الجمود، لكن المسؤولين عنها ليسوا أبناء فتح وحماس والجهاد الإسلامي والفصائل الأخرى فقط، بل هناك عدد غير قليل من الفلسطينيين الذين يوجهون سهام الانتقاد لواشنطن، وبدرجة أقل لعواصم أخرى في العالم. “لو أن المجتمع الدولي دعم واستخدم الضغط على الحكومة الإسرائيلية، لتغيرت الصورة”، قال عمر وعصفور. “حينها يمكن الخروج من الجمود الداخلي إلى عملية علاج الجراح والتجديد”.

“إذا وجدت رغبة، فيمكنهم اتخاذ خطوات عملية أمام إسرائيل وليس فقط إصدار بيانات إدانة ضعيفة”، قال عصفور. “صحيح أن هناك خلافاً داخلياً فلسطينياً، لكن لا يوجد خلاف حول الخطوط العامة. وإذا كان المجتمع الدولي يريد حل الدولتين، فيمكنه توفير مظلة للفلسطينيين مثل الاعتراف بحدود 1967 والإعلان عن تقديم حماية دولية. وأيضاً النضال الحقيقي ضد مشروع الاستيطان”.

“في السنوات الأخيرة، إسرائيل تتصرف وكأنه لا يوجد أي ضغط فعال. وفي ظل غياب رؤية فلسطينية واضحة حول الخطوة القادمة، فسيؤدي هذا إلى طريق مسدود”، قال عصفور. وليس عبثاً ذكر غياب الرؤية الفلسطينية. “بدون وحدة داخلية على قاعدة تجديد المنظومة السياسية وإجراء انتخابات تؤدي إلى تجديد شرعية القيادة، فلا يمكن توقع التقدم أو تحرك دولي فعال”. هذا بشكل خاص في الأيام التي تسيطر فيها حكومة يمينية متطرفة في إسرائيل، كل هدفها تدمير طموحات الفلسطينيين بتقرير المصير، أو تدمير الحركة الوطنية الفلسطينية.

       جيل ثان للاتفاق

أحمد (اسم مستعار) لا يعرف أوسلو إلا من خلال القصص؛ فقد ولد بعد التوقيع على الاتفاق، في وقت ما من مراحل تبدد الأمل. في الانتفاضة الثانية كان طفلاً. عهد السذاجة. الآن هناك جيل كامل استيقظ، يؤمن بأن فشل أوسلو هو الذي أوصل الفلسطينيين إلى المكان الذي هم فيه الآن، وأن الاتفاق هو الذي أدى إلى أن مخيم بلاطة للاجئين، مكان سكن أحمد، حيث ما زال قائماً. “أوسلو بالنسبة لأبناء جيلي هو السلطة الفلسطينية”، قال. “المعنى هو غياب أفق وغياب حلم. نحن لا نعرف إلى أين نذهب”.

إذا اعتبرت إقامة السلطة في تلك الفترة قاعدة لإقامة الدولة الفلسطينية المستقبلية، “فالعامل الذي يمنع المقاومة ويمنع الضغط على إسرائيل تعتبر الآن في نظر الشباب، لا سيما في مخيمات اللاجئين”، قال أحمد. “في الحقيقة السلطة تقوم بإبعاد تحقيق الطموحات الوطنية الفلسطينية”.

لا يقول أحمد ذك لإيمانه بأن المزيد من العمليات وعمليات إطلاق النار هي التي ستجلب الحل، بل المطلوب مظلة تنظيمية واستراتيجية واضحة. “نحن جيل أمل له”، قال بيأس. “القيادة منقسمة، والأفق السياسي مغلق، وهناك حكومة مستوطنين تسيطر على الأرض. مشاعر خيبة الأمل هذه ترافق جيل ما بعد أوسلو، جيل شهد الانتفاضة الثانية أو ولد بعدها. ومنذ ذلك الحين وهو يرى الواقع يزداد سوءاً”.

بقي للفلسطينيين الآن (ربما ليس فقط لهم) سؤال، وهو: ما الذي بقي بالأساس من اتفاق أوسلو؟ قال عصفور إنه لم يبق شيء. عملياً يمكن إلغاؤه في أي لحظة. في السنوات الأخيرة، فوّض المجلس الوطني الفلسطيني محمود عباس باتخاذ القرارات حول الاتفاقات التي تم التوقيع عليها مع إسرائيل. ولكنه حتى الآن يتجنب القيام بأي خطوة تحطم الأدوات. ربما، كما قال في السابق مصدر فلسطيني رفيع، أن أحد أسباب الجلوس على الجدار هو أن إلغاء الاتفاق يعتبر إلغاء للسلطة. ومن الذي سيتنازل عن التنظيم الذي يترأسه.

لكن ليس مستقبل أوسلو هو فقط محط التساؤل، بل ومستقبل حل الدولتين. “تداعيات أوسلو والواقع الآن يلزمان بإجراء تغيير في الاتجاه”، قال البروفيسور أسعد غانم من كلية العلوم السياسية في جامعة حيفا. في محادثة مع “هآرتس”، قال إن “التوقيت الذي وقع فيه اتفاق أوسلو كان مثالياً وكان هناك مجتمع مدني نشط، وكان المناخ أن إسرائيل مستعدة أيضاً لاتفاق سياسي”، لكن هذا لم يحدث. “الخطأ كان أن اليسار في إسرائيل خاف من الاتفاق الدائم أو أنه لم تكن لديه الشجاعة للتقدم بسرعة”، يفسر غانم الماضي. “في الساحة الفلسطينية، ذهبوا مع اتفاق مؤقت بدون وضوح كيف ستكون النهاية”. في الوقت الذي انقضى اليسار الإسرائيلي واختفى، تحول نتنياهو إلى الحاضر والمستقبل.

الآن، أصبح كل ذلك غير ذي صلة، قال غانم. الآن يجب أن يكون الأساس دولة واحدة للشعبين. “فيها مساواة وليس دولة أبرتهايد”، أكد، “هذا يحتاج إلى تغيير مقاربة الطرفين، لا سيما من ناحية القيادة الفلسطينية التي ستكون مبلورة وأيضاً تتوجه إلى المجتمع الدولي برؤية واضحة – بما أن حل الدولتين قد فشل، فقد حان الوقت لتغيير الاتجاه”.

 جاكي خوري

 هآرتس 15/9/2023