1

الوكالة اليهودية ووزارة الهجرة: كيف تسلم الغرباء أراضي أجدادنا؟

قبل أن تعلن قيام كيانها على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، وبعد أن نفّذت تطهيرها العرقي وأعلنت نفسها كيانًا قائمًا، عمل اليهود من مستعمرين ومحتلين على استقطاب يهود العالم إلى فلسطين، تحقيقًا لمخرجات مؤتمر بازل الصهيوني عام 1897 بإقامة دولة يهودية في فلسطين، وترجمة فعلية لوعد بلفور “شعبٌ بلا أرض لأرضٍ بلا شعب”. 

تعدّ الهجرة اليهودية العامل الرئيسي وحجر الأساس في العملية الاستيطانية، حيث تسخّر “إسرائيل” كل طاقتها من مؤسسات ولوبي صهيوني في الخارج لتستقدم اليهود من مختلف دول العالم إلى الأراضي المحتلة، تمنحهم الجنسية والعمل والسكن، وتتذرّع بـ”معاداة السامية” لاستقطابهم.

والمعادلة بين المستوطنات والهجرة علاقة تبادلية، فـ”إسرائيل” تستقدم اليهود لتبني المستوطنات، وتبني المستوطنات لتستوعب اليهود القادمين، المهم ألّا تظل المستوطنات فارغة، وألّا يبقى شبرٌ في الأرض الفلسطينية لم تطله يد الاستيطان. 

في هذا التقرير من ملف “وكلاء الاستيطان”، يسلط “نون بوست” الضوء على جسمَين أساسيَّين في العملية الاستيطانية والهجرة اليهودية: الوكالة اليهودية ووزارة الهجرة والاستيعاب، مؤسستان تشكّلان وكيلًا مهمًّا في الجانب البشري من المخططات الاستيطانية. 

الوكالة اليهودية 

في المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897، بدأت الفكرة الأولى لإنشاء شركة يهودية تشكّل مؤسسة إنتاجية اقتصادية، وتطورت الفكرة حتى صارت هيئة سياسية تنفذ تخطيط المنظمة الصهيونية الخاصة بإنشاء “الوطن اليهودي”، فكانت فكرة الوكالة اليهودية قيد التطور.

بعد وعد بلفور عام 1917، وقبل أن يحل الانتداب البريطاني ضيفًا غير مرحّب به على فلسطين، عملت الوكالة اليهودية في أيام الانتداب كحكومة للمستوطنين الصهيونيين في فلسطين، ومارست نشاطها تحت حماية الانتداب بقصد إنشاء وطن قومي لليهود، بموجب المادة الرابعة من صكّ الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي منح الوكالة اليهودية اعترافًا بأنها “هيئة عامة لغرض تقديم المشورة والتعاون” مع سلطات الانتداب (بريطانيا) من أجل إنشاء الوطن القومي اليهودي. 

بشكل رسمي، تأسّست الوكالة اليهودية رسميًّا عام 1922 أثناء سيطرة الانتداب البريطاني على فلسطين، أي قبل إقامة دولة الاحتلال بنحو 20 عامًا، وقد عملت الوكالة منذ ذلك الوقت على تيسير قنوات الاتصال بين اليهود في فلسطين والمجتمعات اليهودية حول العالم، وتسهيل إجراءات الهجرة إلى فلسطين، والسعي الحثيث لإقامة قوة عسكرية (لحماية المستوطنات) هي في واقع الأمر قاعدة عصابة الهاغاناه.

من أجل ذلك، انخرطت الوكالة في نشاطات سياسية واجتماعية واقتصادية عديدة منذ نشأتها، مثل جمع الأموال لصالح “إسرائيل”، وتشجيع واستيعاب المهاجرين بالشراكة مع الحكومة الإسرائيلية، وإدارة برامج التعليم وبناء الهوية اليهودية في الداخل والخارج، وقد نجحت الوكالة في إنشاء الجامعة العبرية في عهد المندوب البريطاني الصهيوني السابق هربرت صموئيل عام 1925.

تنص رسالة الوكالة كما يلي: “توفر الوكالة الإطار العالمي لـ”عليا” (بالعبرية تعني الصعود ويقصد بها أيضًا الهجرة اليهودية إلى أرض الميعاد)، وتضمن الأمان لليهود في العالم، وتقوي الهوية اليهودية، وتربط اليهود بـ”إسرائيل” وتربط بعضهم بعضًا، وتنقل صوت الشعب اليهودي إلى دولة “إسرائيل” للمساعدة في تشكيل مجتمعها”.

عام 1929، مع عقد المؤتمر الصهيوني الثاني، تقرر توسيع الوكالة اليهودية، وحددت أهدافها بزيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وشراء الأراضي الفلسطينية لتكون ملكية يهودية عامة تكفي لتمكين حركة الاستيطان، وتشجيع الاستيطان الزراعي المبني على العمل اليهودي، ونشر اللغة والتراث العبريَّين داخل فلسطين.

استمرت بعملها في مجال الهجرة اليهودية حتى بعد احتلال فلسطين عام 1948، واعترفت الكنيست بموجب قانون أصدرته عام 1952 بأن المنظمة الصهيونية – الوكالة اليهودية ذات صلاحيات لمتابعة عملها داخل “إسرائيل”، بهدف تحسين عمليات الهجرة واستيعاب المهاجرين الجدد في المستوطنات الإسرائيلية.

وأطلقت بعد نكسة 1967 فرعًا جديدًا لها للهجرة، للمساعدة في إنشاء المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتلاحقت التعديلات القانونية في الوكالة، وسمح قانون وضع الوكالة اليهودية الذي أقرّه الكنيست عام 1952، بمنح لواء الاستيطان التابع للمنظمة الصهيونية العالمية نفوذًا فيما يتعلق بالاستيطان وحيازة الأراضي، وإنشاء وتوسيع مشاريع التنمية في “إسرائيل” عام 2015. 

واستغلت الوكالة حروب المنطقة وتأزُّم الأوضاع السياسية الدولية، حتى أعلن مسؤولون في دولة الاحتلال عام 2016 أن الوكالة نقلت آخر يهود اليمن إلى “إسرائيل”، كما نقلت الوكالة ما يزيد عن 60 ألف يهودي في روسيا و40 ألف يهودي في أوكرانيا إلى “إسرائيل” مع بدء الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، فيما أعلنت عن وجود 200 ألف يهودي في أوكرانيا مؤهّلين للقدوم إلى دولة الاحتلال. 

وزارة الهجرة والاستيعاب 

بشكل علني، يقول وزير الهجرة والاستيعاب في حكومة الاحتلال، عوفير سوفير، إن “الهجرة إلى “إسرائيل” والاستيطان في مناطق ذات أولوية قومية هي صهيونية عملية، ويسعدني أن أعلن لكثير من المستوطنات في الضفة والجولان وفي المدن المختلطة عن امتيازات إضافية تساعد في تشجيع الهجرة اليهودية إلى هناك”.

كما يظهر اسمها، تشكّل وزارة الهجرة والاستيعاب وكيلًا استيطانيًّا في رفد المستوطنات بمستوطنيها، وكان لافتًا في حكومة الاحتلال اليمينية المتطرفة الأخيرة، أن الوزارة أعلنت عن معايير وامتيازات أفضلية للمشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية ومدن الداخل الفلسطيني المحتل، أو ما يعرف بالمدن المختلطة.

تشكّل مدينة القدس هدفًا مهمًّا للوزارة كما بقية مؤسسات الاحتلال، وقد أعلنت وزارة الهجرة والاستيعاب بالإضافة إلى وزارة التعليم ووزارتَي الثقافة والرياضة في عام 2023، رصد 95 مليون شيكل من ميزانيتها (31.5 مليونًا في السنة وعلى مدار 3 سنوات) لتطبيق الخطة ومنح امتيازات وحوافز للمهاجرين.

وتهدف وزارة الاستيعاب من خلال خطتها الاستيطانية في القدس إلى “تقوية” مدينة القدس اقتصاديًّا وديموغرافيًّا، كما ستعمل جنبًا إلى جنب مع بلدية القدس على مساعدة المهاجرين المستوطنين بالقدس في التدريب المهني، والحصول على تراخيص عمل مناسبة تلائم مجالات عملهم ومهاراتهم.

وحسب بيانات وزارة الهجرة والاستيعاب الإسرائيلية والوكالة اليهودية، فقد انخفضت الهجرة إلى فلسطين بشكل حاد في النصف الأول من العام الجاري، حيث تراجعت نسبة استقدام اليهود بنحو 20% من أمريكا وأوروبا.

رغم كل محاولات مؤسسات الاحتلال لزيادة هجرة اليهود إلى فلسطين، إلا أن التوتر الأمني وتصاعد عمليات المقاومة الفلسطينية بالضفة الغربية، والأزمات الداخلية التي تعصف بالجبهة الداخلية الإسرائيلية، شكّلت وما زالت تشكّل عائقًا أمام إقناع اليهود بالقدوم والاستيطان في فلسطين.

نداء بسومي

المصدر: موقع نون بوست




تظاهرات ضدّ صلاة تفصل بين الجنسين يصفها نتنياهو بـ “العربدة اليسارية”

في العيد الذي من المفترض أن يتمّ فيه تجاوز الأزمات وإحياء الهوية اليهودية، يأتي قرار بن غفير بإقامة صلاة جماعية في “تل أبيب”، بالطبع حاملًا دوافع استفزازية ضد العلمانيين واليسار. فَصَلت هذه الصلاة بين الجنسين، وانطلقت تظاهرات يسارية وصفها نتنياهو على أنها “عربدة يسارية ضدّ اليهود”.

على غرار موقف رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، انتقد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، التظاهرات ضد الصلوات ضمن فصل بين الجنسين. وقال: “في يوم الغفران رأينا مبغضين يحاولون طرد اليهودية من النطاق العام… سأقيم صلاة عشاء في ميدان ديزنغوف في تل أبيب يوم الخميس القادم”.

بدوره، وصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، المتظاهرين بأنهم “حارقو غلال”. كما تطرق وزير الداخلية والصحة موشيه أربل، إلى الأحداث، قائلا إن “مشاهد يوم الغفران تثير أسفا وحزنا عميقا. أبناء شعبنا اختاروا الانقسام، اليهودية والديمقراطية لم تعد موجودة. هذا ليس احتجاجا شرعيا بل فوضوية صرفة“. من جانبه، أدان وزير الاتصالات شلومو كرعي، المتظاهرين ضد الصلوات ضمن فصل بين الجنسين، قائلا: “أنتم أقلية مختلة تغني أغنية يأسها وبفظاظة ضمن عربدة منفلتة العقال. زمنكم انتهى، نحن سنستمر من هنا”.

صحيفة “هآرتس” اليسارية، اعتبرت في افتتاحيتها، أن ما حدث في ميدان “ديزنغوف” في “تل أبيب”، عشية “يوم الغفران” لا يرتبط بحرية الدين، موضحة أن أعضاء منظمة “رأس يهودي”، الذين يصرّون على الصلاة بفصل بين الإناث والذكور في النطاق العام، لا يعملون ببراءة، وما طلبوا إقامته ليس حفلا دينيا بل عمل سياسي. وأضافت الصحيفة إن “نتنياهو عاد إلى مهنته التحريضية عندما قال إن متظاهري يسار عربدوا ضد يهود… إنها معركة على طابع إسرائيل، والطريقة الوحيدة للانتصار فيها هي القتال على الأرض مثلما منع متظاهرون أمس الأول إقامة صلاة بالفصل بين الجنسين في تل أبيب، وحيفا وفي مدن أخرى. لا مكان للتسامح تجاه قوى تدفع التفوق اليهودي والذكوري. ممنوع السماح بأن تمر”.

وفي ردود الأفعال، أدان الحاخام الرئيس لإسرائيل، دافيد لاو، أحداث العنف التي جرت في تل أبيب، في “يوم الغفران”، ودعا الأطراف إلى الكف عن العداء والعنف قبل “فوات الأوان”. وقال الحاخام لاو: “سمعت بأسى كبير عن الأحداث التي وقعت حول الصلاة في أقدس يوم لشعب إسرائيل. اليوم الأكثر خصوصية في السنة (العبرية) تحوّل بسبب تحريض همجي من جهات كارهة للدين إلى يوم حزين. هناك من نسوا جوهر اليوم وواصلوا أمواج الكراهية الجارية. سكان من تل أبيب وصلوا إلى الصلاة وهم يريدون الصلاة وفق الشريعة من دون أن يفرضوا شيئا على أحد، ثم رأينا من يمنعون بقناع الحرية جمهورا عريضا جدا من الصلاة وفق تقاليده. الأحداث تذكّر بأيام قاسية في التاريخ اليهودي”. وأضاف إن “دولة إسرائيل التي أُقيمت كبيت للشعب اليهودي يجب أن تشكّل مكانا للحياة فيه مثلما تُلزم اليهودية. كل الذين يزعمون أن دولة إسرائيل هي دولة يهودية وديمقراطية، تذكّروا أن اليهودية لا تقل أهمية عن الديمقراطية. ليس عندي شك أن غالبية سكان تل أبيب مشمئزون من أعمال الشغب والاحتجاج ضد صلوات يوم الغفران في أنحاء المدينة، وأدعو كل المستمرين في تأجيج الأنفس: توقفوا، توقفوا قبل أن يفوت الأوان”.

أما زعيم اليسار في الكيان ورئيس المعارضة يائير لابيد، فقد انتقد إقامة صلوات تفصل بين الجنسين في المجال العام في تل أبيب. وكتب على فايسبوك: “منذ سنوات وأنا أقدّم يوم الغفران كمثال إلى أن اليهودية لا تحتاج إلى فرضها. أتت إلى هنا نوى خلاصية وعنصرية تحاول أن تفرض علينا صيغتها لليهودية. ووصلت النواة الحردلية (حريديم قومية) إلى الحي، وقررت جلب حربٍ علينا. يصرون على الفصل بين الجنسين، في الخارج أيضا.. وباسم التسامح يسعون في حيّنا إلى أن يقرروا هم ما المسموح وما الممنوع”. بدوره، قال رئيس “معسكر الدولة” بيني غانتس، بعد الأحداث: “في مكان يوجد فيه من يدهوروننا إلى حرب أخوة، مهمتنا جميعا هي منعها”. وأضاف غانتس: “على مدى 75 سنة نجحت الغالبية في التوصل إلى توافقات على النطاق العام في يوم الغفران. الآن، من قرر الفصل بيننا نجح في انتهاك هذا اليوم المقدس بإكراه وكراهية مجانية. لا أحد سوى رئيس الحكومة، أكبر مُحدث للكراهية، هو الذي يختار الآن تأجيج النيران. أدعو كل القادة إلى إبداء مسؤولية ووقف السجال والأعمال المثيرة للمماحكات”.

وهكذا تتكشف المزيد من التصدّعات مع كل استحقاق لدى الإسرائيليين، لكن ما يميّز هذا الاستحقاق بأنه في الميدان الديني، وهو ما يجعله الأكثر خطورة من بين لاستحقاقات السياسية والأمنية. حيث إنه تطوّرٌ خطير يمسّ بهوية الدولة. ومن المتوقع أن نرى المزيد من الشروخات في الاستحقاقات القادمة.

المصدر: موقع الخنادق




بعد “صلاة الاستفزاز”: تل أبيب.. من مركز للعلمانية إلى نواة توراتية

لم تكن أي قدسية في قلوب من نظموا وأداروا الصلاة المنفصلة في ميدان “ديزنغوف”؛ لا الرغبة في الاجتماع حول الألم وتركيز الروح وإجراء الحساب، ولا تعذيب نفوسهم مثلما يفعل اليهود الحريديم والتقليديون، ولا طلب المغفرة بسبب خطاياهم. لم يكن هذا فعلاً دينياً، ولم تكن صلاة. بل هي مظاهرة واستفزاز. كانت نوعاً لقوة من يمين مسيحاني متطرف، ومحاولة احتلال أخرى على طريقة “شبر إثر شبر”، لحيز مادي ونفسي ليبرالي.

كلمة “صلاة” ليست مطهراً مطلقاً لتسويغ كل مفسدة. وعندما تصبح أداة تهكمية يمكنك في إطارها أن تخرق القانون وتفرض إرادتك بالقوة، فلا تتباكى ولا تدعي الضحية، لأن من ستأتي لتهدده سيقاتل في سبيل روحه وفي سبيل قيمه.

صعب وليس لطيفاً، أن نرى مصلين (معظمهم ببراءة وعن حق جاؤوا للصلاة) يتفرقون رغم أنوفهم. لكن الالتئام في جوقة تنديد ضد من لم يسمحوا بصلاة منفصلة، هو عمى عن المضمون. إن الصراع ضد توسيع الفصل بين النساء والرجال في الحيز العام بل وفي مجال هو قلب ورمز الليبرالية والحرية، ليس ملاحظة هامشية. كما أنه ليس صراعاً ضد الدين، هذا جزء من صراع أيديولوجي وتاريخي متواصل ضد قمع النساء. كما أنه صراع على احترام قرارات السلطة القضائية، وصراع مرير وبطولي على قيم ديمقراطية أساسية.

من لم يسمحوا بمظاهرة الفصل وباحتقار المحكمة لم يحتقروا قدسية اليوم ولو للحظة واحدة. لم يسافروا في يوم الغفران ولم يأكلوا في يوم الصيام. ليس لهذا الجمهور مصلحة في التظاهر في رفع الصوت وفي الإغاظة أو في التحدي في يوم الغفران. احترام اليوم المقدس ومضامينه، بطبيعية وبلا إكراه، هو من المزايا البارزة ليوم الغفران في تل أبيب. علمانيون كثيرون يصومون. بعضهم يرى أنه اليوم الوحيد في السنة الذي يذهبون فيه إلى الكنيس. كثيرون يتنزهون سيراً على الاقدام مع العائلة والأصدقاء، ويستخدمون الدراجات الهوائية، ويزو أحدهم الآخر دون تبليغ مسبق. الأجواء نقية وصافية، والهدوء يسود المكان حيث يسمع تغريد العصافير، ويجري الحديث ناعماً وبصوت خفيض. الهدوء الخارجي النادر يخلق أيضاً هدوء داخلياً وحساباً للنفس. كل هذا خرق بقدم فظة.

ليس مفاجئاً أن المنظمة التبشيرية “رأس يهودي”، هي التي خربت هذا اليوم الخاص، وثمة منظمة أخرى معها تؤمن بالتفوق اليهودي هي منظمة “الصلاة”، التي صرح مؤسسها إسرائيل زعيرا، بأن منظمته تعنى بنشر الدين، وأنه فخور بذلك. في موقع المنظمة، بلغة زائفة تستهدف أن تكون فخ عسل لتل أبيبيين أغبياء وفارغين في نظرهم يسمون أنفسهم “مركز الوعي الذاتي في قلب تل أبيب، الذي يمنح مضموناً وإلهاماً وتجربة نفسية”. أما عملياً فيدور الحديث عن جزء من مشروع لإقامة أنوية توراتية يمينية في قلب المدينة التي هي رمز الليبرالية والحرية. محاولة محسوبة لفرض جدول أعمال مناهض للإنسان، عنصري ومبعد للنساء.

زعيرا، بصفته المؤسس والمدير العام لشركة عقارية، مسؤول عن دعاية عرضت الشرقيين بشكل هازئ ومهين، ووعدت المشترين لسكن في محيط يهودي أشكنازي. وكان الحاخام المحرض يغئال لفنشتاين الذي أجرى “ورشة” بروح مذهبه “مركز الوعي الذاتي”، هو الآخر حل ضيف شرف. ليس مفاجئاً أن هذه العصبة تنخرط جيداً في روح العصر في ظل هذه الأجواء المتزمتة والمسيحانية والعنصرية التي تدور فيها حياتنا.

لقد فوجئوا برد الفعل واكتشفوا بأن شيئاً ما تغير في التل أبيبيين الذين يحتقرونهم ويحتقرون قيمهم. شيء ما انكسر. انتهى الاحتواء والاعتذار الدائم والخوف من أن يصفوهم بمقتلعي إسرائيل، وبالخونة، واليساريين، وغير اليهود. من دافعوا عن قيمهم في يوم الغفران، جاؤوا ليضعوا الحدود. الشرطة والبلدية على حد سواء، صمتوا في ضوء احتقار قرار المحكمة، وخلفوا فراغاً. وهم دخلوا إليه لانعدام البديل.

شيلي يحيموفيتش

المصدر: صحيفة يديعون أحرونوت الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




من الرابع الأكثر اهتماماً بتوقيع الصفقة مع بن سلمان؟

“يريد الرئيس الأمريكي جو بايدن صفقة سعودية، لأنه بحاجة إلى إنجاز على صعيد السياسة الخارجية كجزء من محاولة كبح نفوذ الصين في الشرق الأوسط، وهو موضوع يهمه بشكل خاص قبل الانتخابات في 2024″، في هذه الأقوال أربعة افتراضات أساسية خاطئة لا صلة لها بالواقع وبالتفكير السياسي لدى البيت الأبيض وحوله في الوقت الحالي.

معظم هذه الافتراضات الأساسية ازدهرت بحماسة محمومة في إسرائيل- ليس في الولايات المتحدة- بتشجيع من إحاطات أشخاص لهم مصالح في الإدارة الأمريكية، لكن الانشغال بهذا الموضوع تحول إلى هواية في واشنطن. فقد حول نتنياهو ومعارضوه “الصفقة السعودية” إلى حقيقة واقعة، كل لاعتباراته. ومن المؤسف أن بايدن لم يسمع عن ذلك.

بايدن يريد هذه الصفقة بكل جدية

إلامَ استندت وسائل الإعلام الإسرائيلية بقولها إن بايدن “يريد ذلك بكل جدية”؟ أقال ذلك؟ لا، لم يقله حتى في خطابه في الأمم المتحدة، أنسب منبر له. بايدن لا “يريد الصفقة” مع السعودية، وهي الدولة التي اعتبرها “منبوذة” عندما تسلم منصبه، ورفضت طلبات الولايات المتحدة لزيادة إنتاج النفط على خلفية نقصه في أوروبا عقب فرض العقوبات على تصدير النفط من روسيا. ولم تكن السعودية تستطيع توفير النقص في الفترة الزمنية القصيرة، وقد داس بايدن على كرامته وسافر إلى جدة قبل سنة، وصافح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي أقسم بايدن بأنه سيحوله إلى شخص منبوذ، ولم يحصل في المقابل على أي شيء من الدولة التي عاشت على الحراب الأمريكية منذ عقود.

من يريد مثل هذه الصفقة هي شركات إنتاج السلاح الكبرى، مثل “لوكهيد مارتن”، التي تنتج طائرات “اف35” ومنظومة الصواريخ التكتيكية “إي تي ك سي إم اس”. وهو السلاح الذي تريده السعودية شراءه مقابل مبلغ 30 مليار دولار تقريباً. القوة السياسية وقوة المساومة لمنتجات السلاح في واشنطن كبيرة، ولكن مشكوك فيه أن تعطي هذه الإدارة لشركات الدفاع تحديد ما إذا كان لصفقة ذات أهمية جيوسياسية أن تخرج إلى حيز التنفيذ. تجدر الإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية ترى في “الصفقة السعودية” صفقة ثنائية، أمريكية – سعودية. أدخلت إسرائيل شريكة صغيرة في إطار رغبة أمريكا في تحسين العلاقات مقابل تغيير سياسة حكومة نتنياهو – بن غفير – سموتريتش في “المناطق” (الضفة الغربية).

من يريد “هذه الصفقة بإلحاح” أيضاً هو نتنياهو: فهو يغير ولو بثمن بخس، جدول الأعمال ويواصل الانقلاب النظامي ويثبت للتاريخ الادعاء القديم بأنه يمكن صنع السلام مع كل العالم العربي بدون أي تكلفة في الموضوع الفلسطيني، وبدون أي تنازل عن أراض للفلسطينيين.

بايدن بحاجة إلى إنجاز في السياسة الخارجية

يدور الحديث عن مقولة أخرى باطلة. الإنجاز الكبير في سياسة بايدن الخارجية يبدأ وينتهي في روسيا: التصميم والحزم لفترة طويلة أمام موسكو منذ غزو أوكرانيا في شباط 2022 وإعادة تعريف هوية الناتو الذاتية وتعزيز وتوسيع الحلف وبث قوة ووحدة للحلف مع تزويد السلاح والمساعدة الكثيفة لأوكرانيا بحجم يفوق الأربعين مليار دولار. هذا نجاح كبير لمفاهيم السياسة الخارجية. حقيقة أن الصين لم تقف بشكل جدي إلى جانب روسيا، تشكل إنجازاً آخر في السياق الواسع استراتيجية شاملة للولايات المتحدة، التي تعتبر الصين عدوة عالمية تبني منظومة تحالفات مع اليابان وكوريا الجنوبية في شمال شرق آسيا، وتحالفات في المحيط الهندي – الهادئ وفي بحر الصين الجنوبي، بعيداً عن الشرق الأوسط.

السنوات التي كلت وأسست شخصية بايدن، هي سنوات الحرب الباردة. وبوتين، الذي اعتبره بايدن مركز المحور المستبد والمناهض لأمريكا في العالم، قام مجدداً بتأطير علاقات روسيا بعد ثلاثين سنة حاولت فيها الولايات المتحدة جذبها وإغراءها للاندماج في المنظومة الدولية. وهزيمة بوتين في سياق أوكرانيا والأوهام التي عول عليها بهز النظام العالمي وإعادة مكانة روسيا كمكانة الاتحاد السوفييتي (أو أبعد من ذلك، إلى عهد بطرس الأكبر)، ليست فقط إنجازاً لبايدن، بل هي إرثه بدرجة كبيرة، على الأقل في هذه المرحلة. الادعاء بأنه “يريد جداً” اتفاقاً أو صفقة مع السعودية لأن هذا سيعتبر “إنجازاً لامعاً”، ادعاء لا يستند إلى شيء.

الاتفاق استهدف كبح الصين

دخول الصين إلى الشرق الأوسط، سواء كجزء من مبادرة الرئيس شي جين بينغ “الحزام والطريق”، أو استفزاز واشنطن بشكل واضح، ينبع من رؤية المجموع الصفري للصين الذي تراه بكين في علاقاتها مع الولايات المتحدة. عملياً، هي لا تستطيع أن تحل محل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، سواء في الوجود العسكري أو من ناحية الروافع السياسية. ثانياً، لا يوجد أي شخص في واشنطن يفكر للحظة بأن محمد بن سلمان سيقطع علاقته مع الصين حتى في سياق اتفاق دفاع مشترك مع الولايات المتحدة. للسعودية سياسة خارجية تبلغ 360 درجة، أي مع الجميع. هي لم تعد وحيدة في مجال النفوذ الأمريكي، والولايات المتحدة أيضاً لا تعتبر ذلك كارثة كبيرة. فائدة السعودية كحليف هي أمر مشكوك فيه.

الصفقة مهمة لبايدن قبيل الانتخابات

الحديث يدور عن هراءات. الأمريكيون لا يصوتون وفقاً للسياسة الخارجية. 75 في المئة من اليهود في أمريكا (الذين تعد أهميتهم الانتخابية متدنية) سيصوتون لبايدن دون صلة بالصفقة مع السعودية أو إسرائيل. وإذا حدث ذلك عندما يحين الوقت، وعلى فرض أنه سيتم التوصل إلى اتفاق بناء على رأي بايدن، فسيتعين عليه تقديم الاتفاق للحصول على موافقة مجلس الشيوخ، وسيحتاج هناك إلى ثلثي الأصوات، أي 67 عضواً في مجلس الشيوخ. للديمقراطيين 51 عضواً، من بينهم 10 – 15 قد يعارضون الاتفاق. أي أن بايدن سيحتاج إلى أكثر من 30 عضواً في الحزب الجمهوري لتمرير الاتفاق. لماذا سيساعدونه؟ ستقولون “نتنياهو سيحضرهم له”. هذه أيضاً هراءات. مكانته بعيدة عما يتخيله، فهو لن يستطيع توفير مثل هذه البضاعة. “لكن”، ستقولون، “نتنياهو وبن سلمان يأملان فوز ترامب”. هل هذا صحيح؟ من قال إن ترامب سيفوز؟ من يراهن على أن يكون نتنياهو رئيس الحكومة في كانون الثاني 2025 عند تأدية الرئيس القادم لليمين؟ وأن مجلس الشيوخ في 2025 سيصادق على الصفقة؟

في ظروف محببة فإن “صفقة ثلاثية”، أمريكية – سعودية – إسرائيلية، قد تخرج إلى حيز التنفيذ، لكن بايدن لا يدفع نحو تحققها، ولديه شكوك حول إمكانية تحققها. في هذه المرحلة صادق على استمرار الحوار وفحص قدرة الطرفين على تحقيقها، ليس أكثر من ذلك. عملياً، المعادلة التي يعرضها نتنياهو، السلام مع السعودية مقابل الديمقراطية وبدون تكلفة في الموضوع الفلسطيني، ليست غريبة عنه. هكذا أيضاً طلبات السعودية المبالغ فيها من قبل الولايات المتحدة مقابل الاعتراف بإسرائيل.

في نهاية المطاف، بايدن لا يثق بأن نتنياهو وبن سلمان سيوفران البضاعة؛ فالأول لا يستطيع ولا يريد تغيير السياسة في “المناطق” (الضفة الغربية)، لأن ائتلافه سيتفكك بذلك. والثاني لا يثقون به بأي شكل من الأشكال. وبالاعتماد على أشخاص تحدثوا مع بايدن قبل وبعد اللقاء مع نتنياهو في نيويورك، فإنه متشكك جداً بخصوص إمكانية حدوث الصفقة، لا سيما بخصوص تكلفتها وفائدتها للولايات المتحدة.

في هذه المرحلة، ليس للولايات المتحدة مصلحة حيوية أو ملحة لمثل هذه الصفقة. بالعكس، الثمن المطلوب أن تدفعه – حلف دفاع كامل مع السعودية- يشمل ما يشبه البند الخامس في حلف الناتو حول الدفاع الجماعي والمتبادل، والسماح للسعودية بتخصيب اليورانيوم في أراضيها لتشغيل مفاعل نووي مدني، خلافاً للسياسة الأمريكية بمنع انتشار السلاح النووي منذ السبعينيات. هذا الثمن يبدو باهظاً جداً لعدد من أعضاء الكونغرس.

ألون بنكاس

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية




الإسرائيلي يستجم في الرياض والفلسطيني ينتزع من أرضه.. هل يحقق نتنياهو “إرثه الأخلاقي”؟

رياح التطبيع مع السعودية لم تحدث بعد سحب مطر، لكن التأثر هائل وبحق. فاتفاق سلام مع كل دولة عربية، فما بالك مع قوة عظمى عربية، هو إنجاز سياسي واستراتيجي هائل. لكن يخيل أن تيجاناً كثيرة عقدت على رأس هذا التطبيع، ومشكوك فيه أن يتمكن من حملها جميعها.

“ثورة تاريخية، بطاقة دخول إلى ناد معتبر في العالم العربي والحصري، إعطاء شرعية واعتراف غير مسبوق من العالم العربي في حق وجود دولة إسرائيل”، والذروة “نهاية النزاع الإسرائيلي- العربي”، كل هذه ليست أكثر من شعارات تسويق. فالاتفاق مع السعودية لن يبدأ التاريخ من لحظته، بل يأتي في نهايته؛ فمن دون اتفاقات السلام الخارقة للطريق مع مصر والأردن، وحتى دون اتفاق أوسلو الذي ينازع الحياة، ما كانت السعودية لتتقدم بمبادرة السلام العربية في 2002، أو موضوع التطبيع مع إسرائيل، بعد نحو عشرين سنة من ذلك. السعودية لا تصنع التاريخ، بل تكسب في أعقابه.

مرغوب فيه أيضاً ألا نقع في الأوهام. فلن ينجح أي اتفاق في إقامة سلام شامل مع “العالم العربي” أو الإسلامي، وحتى الاتفاق مع السعودية لا يضمن تحقيق هذا الحلم. ولا يمكن لأي اتفاق أن يلغي الصراع التاريخي، القومي والأخلاقي، الذي سيتواصل مع الفلسطينيين حتى بعد أن يستجم آلاف السياح الإسرائيليين في الرياض.

عملياً، يبدو أن مساعي نتنياهو لعرض الاتفاق كدليل مطلق للشرعية العربية التي تحظى بها إسرائيل، تمثل ذروة جديدة لانعدام ثقة الدولة في وجودها. من المؤكد أن من تتمنى إسرائيل أن تتلقى منه هذا الاعتراف هو زعيم تم قتل الصحافي خاشقجي في حكمه، وهو أيضاً وحده من يتحكم بجهاز القضاء في دولته. بدون لجنة تعيين قضاة، وبدون برلمان وصحافة حرة… هي دولة تجسد حلم نتنياهو وسمحا روتمان وياريف لفين. باختصار، دولة شقيقة. وفي تفكير آخر، لعل السعودية هي المخولة لأن تعطي إسرائيل نتنياهو الشرعية لوجودها.

من الشائق أن نرى كيف يذوب محبو الأخلاق والعدالة الإسرائيليون في ضوء المسرحية السعودية ويرون فيها فرصة لإصلاح جرائم دولتهم. هم يعترفون بأن الفلسطينيين لن يحصلوا على شيء، وإن كان، فالمهم أن يبقى لنتنياهو إرث، وأن تقبل إسرائيل كعضو مرغوب فيه في النادي الإقليمي للدول غير الأخلاقية. لليسار، خاصة ذاك الذي يرى نفسه كطاهر ونقي، لم تكن في أي مرة مشكلة في تربيع دوائره.

لكن، كما هو معروف، أسنان الجواد الذي يعطى هدية لا تخضع للفحص، حتى لو تأتي الهدية مع شارة ثمن استراتيجية ربما تصبح تهديداً وجودياً – على ألا تطلب وقف الاستيطان. كما أن إسرائيل ليست مطالبة بأن تكون ولية أكثر من البابا الأمريكي أو الأوروبي اللذين يريان في السعودية وبسلسلة دول غير ديمقراطية حلفاء استراتيجيين. ليس غنياً عن البيان القول إن الرئيس الأمريكي نفسه تعهد في حملته الانتخابية بأن يجعل السعودية “دولة منبوذة” ورفض اللقاء مع محمد بن سلمان إلى أن اضطر إلى خدماته.

الفارق أن الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية لا تعتمد على هذه العلاقات كدليل على حقها في الوجود، وعلى عدالة طريقها أو أخلاقياتها أو كخطوة تستقطع الاحتلال. وهكذا، ينبغي لإسرائيل أن ترى اتفاق التطبيع مع السعودية، لا كميتة سماء لزعيم فاسد يلوح به وكأن المحكمة برأت ساحته، ولا كنصر للروح الصهيونية على الوطنية الفلسطينية، وبالتأكيد ليس كمادة تنظيف لتطهير جرائم الحرب.

تسفي برئيل

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية




وزير السياحة الإسرائيلي: أشعر بالأمان في السعودية

عبر وزير السياحة الإسرائيلي، حاييم كاتس، عن ارتياحه لزيارة السعودية وشعوره “بالأمن” في الرياض حيث لاقى “ترحابا حارا”. وقال في مقابلة تلفزيونية “الكثير من الأشخاص استقبلونا بوجه بشوش”.

 ووصل الوزير الإسرائيلي السعودية، أمس الثلاثاء، فيما وصفه مكتبه بأنه أول زيارة علنية يقوم بها عضو في حكومة إسرائيلية للمملكة، لحضور مؤتمر للسياحة تعقده الأمم المتحدة.

وكتبت وزارة السياحة الإسرائيلية في منشور على موقع فيسبوك، اليوم الأربعاء، “ما هذا الضجيج الذي تسمعه؟ إنها أجنحة التطبيع في الشرق الأوسط”.

وتابعت “يسعدنا أن نخبركم عن الزيارة التاريخية لوزير السياحة حاييم كاتس وموظفي المكتب إلى المملكة العربية السعودية حيث يشارك الوفد اليوم في مؤتمر منظمة السياحة التابعة للأمم المتحدة المنعقد بالرياض”.

وأضاف المنشور “هذه أول زيارة رسمية على الإطلاق لوزير إسرائيلي إلى السعودية. وقد تم استقبال الوفد بترحاب جميل، وبمباركة وزير السياحة السعودي”.

وتابع المنشور “لإسرائيل دور مهم في المؤتمر… السياحة جسر بين الأمم والثقافات، ونحن نسير عليها بالأمان والأمل”.

وتأتي الزيارة التي تستغرق يومين في الوقت الذي تسعى فيه السعودية إلى اتفاق محتمل بوساطة أمريكية قد يصيغ شكلا لعلاقات رسمية مع إسرائيل.

وقال كاتس في بيان “سأعمل على إقامة تعاون لتعزيز السياحة والعلاقات الخارجية لإسرائيل”.

وسلط الإعلام العبري الضوء على زيارة الوزير إلى الرياض، مبرزا أنها “تطور كبير… ودليل آخر على أن التطبيع موجود بالفعل بطريقة ما”.

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، إن زيارة كاتس إلى السعودية ستتبعها “زيارات إضافية قريبا”.

وكان ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أكد الأسبوع الماضي أن بلاده “تقترب” من تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، مشدّدا على “أهمية القضية الفلسطينية” بالنسبة للمملكة.

وقال نتنياهو من جهته في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، إن إسرائيل على “عتبة” إقامة علاقات مع السعودية.

المصدر: صحيفة القدس العربي




من السويس إلى “مرج الدموع”.. شهادات عن صدمة الإسرائيليين وبسالة الجنود المصريين والسوريين في حرب 1973

ما زالت حرب 1973 تشغل الإسرائيليين بشكل مفرط بتقارير صحفية وتلفزيونية وأفلام وكتب ودراسات جديدة تحاول تعميق فهم ما جرى ومدى استخلاص الدروس منها، وهي في مجملها تعكس عمق الصدمة التي أصابت الجانب الإسرائيلي، ولا تخبو نارها حتى بعد 50 عاماً.

 يروي كتاب إسرائيلي جديد حرب 1973 وتحولاتها ويسلّط الضوء على الإخفاقات الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية، وعلى خطورة تلك الحرب التي كادت تودي بإسرائيل، لولا “المساعدات الغربية العاجلة، واستماتة الجيش الإسرائيلي، ونجاحه بالتالي بالانتقال من الدفاع لهجوم”.

تحت عنوان “الحرب.. خمسون عاماً على حرب 1973″، يشير الكاتب الصحفي البارز نسيم مشعال لبسالة الجنود المصريين والسوريين أيضاً خلال استعراضه معارك دامية في سيناء والجولان استناداً لمشاهداته كجندي صحفي شاب، علاوة على يوميات الحرب التي كتبها قادة وجنود إسرائيليون.

يقول مشعال في كتابه: “سرعان ما بدأنا نفهم النتائج الكارثية للحرب: قتلى وجرحى بالآلاف، أداء السياسيين والعسكريين الفاشل، وتنبهنا للندوب الباقية في أجسادنا وأرواحنا، وشاهدنا كيف تصدع الإجماع الوطني بكل ما يتعلق بأمن إسرائيل”. ويوضح مشعال أنه كصحفي مراسل شارك في الحرب كجندي ضمن وحدة المظليين في منطقة السويس، وخبر كل فظائعها، وشاهد القتلى وسمع صرخات الجرحى، وشعر بالصدمة التي جرفت كل الإسرائيليين، ولاحقاً تغلغلت فينا مشاعر الذهول جراء كبر الفشل: “شاركت في حماية البعثة الإسرائيلية العسكرية، برئاسة الجنرال أهارون ياريف، التي أدارت المحادثات لوقف النار مع البعثة المصرية، برئاسة الجنرال محمد الجمسي في موقع “الكيلومتر 101″، وما زلت أذكر كيف غمرتنا مشاعر الفرح لأننا رغبنا بوقف الحرب والعودة لبيوتنا”.

قال رجل لديان، بقلب ثقيل وصوت مخنوق: نجوتُ من المحرقة النازية في أوشفيتس، وربيّتُ ولداً هنا في البلاد، فمن أجل ماذا فعلت هذا؟ ربيّتُه حتى يُهْمَل حتى الموت من قبلكم؟

 كما يقول إنه يستذكر أحداثاً أخرى بعد الحرب، منها ندوة لوزير الأمن موشيه ديان في جامعة بار إيلان في تل أبيب، صرخ فيها إسرائيليون  ثكلوا أولادهم في حرب 1973: “أنت قاتل، أنت قاتل”. ويتابع: “في تلك الندوة نهض رجل، وقال لديان بقلب ثقيل وصوت مخنوق: “نجوتُ من المحرقة النازية في أوشفيتس، وربيّتُ ولداً هنا في البلاد، فمن أجل ماذا فعلت هذا؟ ربيّتُه حتى يُهْمَل حتى الموت من قبلكم؟”.

تفجّرت الندوة، وتمّ تهريب ديان من الباب الخلفي”.

ويستذكر مشعال استبدال القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية بعد الحرب، لكن ذلك لم يُهدّئ من روع الإسرائيليين، ولم يسكت حالة الغليان حتى تفجّرت الصدمة الجماهيرية بقوة، عام 1977، حينما وقع الانقلاب الكبير، وسقط حزب “العمل” وصعد حزب “الليكود” للحكم للمرة الأولى منذ قيام إسرائيل عام 1948. لكن قائد “الليكود” مناحم بيغن، رئيس الحكومة الإسرائيلية، فاجأ العالم بتوقيع اتفاق سلام مع مصر، بعدما استشرفَ المستقبل، ولاحقاً حاز على جائزة نوبل للسلام سوية مع السادات، وعن ذاك الانقلاب يضيف مشعال: “لم يؤد تغيير الحكومة إلى كامب ديفيد فقط، بل أدى لتغيير مكانة اليهود الشرقيين. بيغن الذي أدرك أهمية دعمهم له نجح بشخصيته الكريزمتية، ولغته الخطابية، بأن يشجّعهم، بتحسين أوضاعهم، وإحياء كرامتهم المخدوشة منذ جاءوا للبلاد، وفعلاً بعد وقت قصير صار اليهود الشرقيون يشغلون مناصب مركزية في السياسة وفي الاقتصاد والحكم المحلي وسلك التعليم وقيادة الجيش”.

تصاعد التوتّرات الاجتماعية

ويشير الصحفي الإسرائيلي في كتابه لنتائج أخرى لحرب 1973، بقوله إن التوتّرات الاجتماعية بدأت تتفاقم، وبرزت الفوارق والحدود بين اليهود الغربيين والشرقيين، بين المتدينين والعلمانيين، بين اليهود والعرب داخل إسرائيل، بين الإسرائيليين ككل والفلسطينيين في الأرض المحتلة عام 1967، وبين مهاجرين قدامى ومهاجرين جدد. ويضيف عن التغيير الجوهري في إسرائيل بعد تلك الحرب: “رويداً رويداً بدأ يتكوّن مجتمع إسرائيلي جديد مع تمايزات مختلفة وصراعات عقائدية قاسية، وذلك بقيادة حركتي “غوش إيمونيم” و “السلام الآن”، اللتين حوّلتا إسرائيل إلى مجتمع منقسم ومتشظ ومتنازع”.

ولادة زعماء جدد

وطبقاً لكتاب مشعال، أنبتت حرب 1973 قائدين إسرائيليين بارزين؛ إسحق رابين، الذي حلّ محلّ غولدا مئير في رئاسة الوزراء، والحاخام عوفاديا يوسيف، الذي عالج موضوع الإسرائيليات، أرامل فقدن أزواجهن في الحرب، وبادر لإصدار فتاوى تتيح لهن فكّ رباط الزواج، والزواج مجدداً، ما قرّبه من المجتمع الإسرائيلي، وصار يهتم بقضايا الأمن، ودأب الجيش على إطلاعه على  مستجدات. ويشير إلى أن حرب 1973 كانت الحرب الأخيرة التي حاربت فيها إسرائيل جيوشاً عربية نظامية، ومن وقتها توالت حروب مع منظمات فلسطينية ولبنانية “إرهابية، وعملياً كانت حرب 1973 آخر حرب هددّت وجودنا”.

مشعال: بعد حرب 1973، رويداً رويداً بدأ يتكوّن مجتمع إسرائيلي جديد مع تمايزات مختلفة وصراعات عقائدية قاسية، وذلك بقيادة حركتي “غوش إيمونيم” و “السلام الآن”، اللتين حوّلتا إسرائيل إلى مجتمع منقسم

دولة مصدومة

ويستذكر الكاتب كيف انهارت مشاعر النشوة الناجمة عن انتصار 1967 مرة واحدة، بعدما بددت صافرات الإنذار حالة الصمت، في ذاك السبت الأسود، وبعدما اهتزت سيناء من قوة النار المصرية: “1000 مدفع مصري أطلق النار في لحظة واحدة، ضمن هجمة ثقيلة على طول القناة، فيما غارت 200 طائرة مقاتلة على مواقع إسرائيلية تم اختيارها بـعناية؛ قواعد استخباراتية، قواعد سلاح الجو، وحدات اتصال ورقابة جوية، وقواعد أسلحة مضادة للطيران، ومنشآت للقيادة والتحكّم، وفي التزامن شرع 100 ألف من الجنود المصريين بعبور السويس على قوارب على 13 جسراً متحركاً، وخلال ثلاث ساعات عبَرت وحدات مصرية السويس بنجاح، وسط إسناد من الدبابات ووحدات الكوماندوز ووحدات الصواريخ المضادة للدروع، ومقابل كل هذه القوات وجد مقاتلو وحدة الدبابات 14 الإسرائيلية لوحدهم”.

وعن القتال في اليوم الأول: “نتيجة سوء تقدير لم يفعّل قائد القوات الإسرائيلية في سيناء خطة مبيّتة لصدّ العبور المصري، وعندما بدأت الدبابات الأولى تصل للجبهة كان مقاتلو وحدات الكوماندوز المصريون ينتظرونها بصواريخ من طراز “ساغر” و”آر بي جي”. ولم تكن لدى الجانب الإسرائيلي معلومات استخباراتية عن مواقع العبور وتعداد القوات المصرية ووجهتها”.

أخذتنا الحرب على حين غرة

وعن صدمة إسرائيل، التي أُخذت على حين غرة، يقول مشعال: “قبل أن يفهم الإسرائيليون ما الذي يحدث، كان الجيش قد تكبّد مئات القتلى في اليوم الأول من الحرب. في ذاك اليوم تلقينا هاتفاً عاجلاً يدعونا للدخول في الخندق فوراً. من فوقنا كنا نسمع هدير طائرات تطير على انخفاض تتجه من القناة لسيناء. في البداية اعتقدنا أنها طائراتنا، ولاحقاً فهمنا أن هذه طائرات مصرية من طراز “سوخوي”. كانت هذه البداية، وسرعان ما سقطت حولنا قذائف، وأصيبت وحدة دبابات مجاورة لنا إصابة مباشرة، فهربنا فوراً لداخل الخندق، وتركنا جندياً واحداً للمراقبة، وكان هذا المسكين يرجف من الخوف، كان يهاتفنا كل دقيقة، ويطلب منا البقاء داخل الخندق. وعندما اضطررنا للخروج، بدأنا نشعر ونفهم ما هي الحرب، وسمعت قائد الثكنة “ليطوف” يصرخ عبر جهاز اللاسلكي وهو يقول لقائد الوحدة: “عندي ثلاثة جنود جرحى، وجريحان، وإذا لم تساعدوني ستسقط الثكنة”، فكانت هذه الصدمة الأولى في الحرب. وهكذا في اليوم الثاني من الحرب؛ كانت طلبات المساعدة والاستغاثة في كل موقع وفق ما كنا نسمعه في جهاز اللاسلكي، ما أثار بي غضب وإحباط. في اليوم الثاني أيضاً هاجمتنا أربع طائرات مصرية من طراج “ميغ”، وكان هذا واحداً من أكثر المشاهد إثارة للرعب فينا، فهربت جانباً، وأدخلت جسمي في الرمل، فأصابت ثمانية جنود منا، والبقية أصيبوا بالهلع، وبعضهم لم يجرؤ على العودة للمدافع، وطائراتنا أسقطت ثلاثاً من المقاتلات المصرية، ولكن بالنسبة لي كان هذه متأخراً”.

السوريون على الجدران

وعن القتال داخل هضبة الجولان السوري المحتل، يقول مشعال إن “القوات الإسرائيلية نجحت في شمال الهضبة بصد السوريين، تأخرت في جنوبها، لكن القوات السورية عادت ونجحت، في اليوم الثالث من الحرب، من ضرب الجيش الإسرائيلي المستنزف، والذي عانى نقص الذخائر، فأصيبت أرتال من الدبابات الإسرائيلية بما فيها، ووصل الجنود السوريون لمسافة عشرات الأمتار منها”. وعن الرد الإسرائيلي يضيف: “أدرك الخطر قائد وحدة المدرعات رقم سبعة الجنرال يانوش بن غال، وخشي من اختراق سوري أخطر، فقرر تركيز كل قواته، بما فيها المدفعية ضد القوات السورية، وعيّن قائد السرية البرية 77 أفيغدور كهلاني قائداً للمنطقة الشمالية في الجولان، والتي عرفت لاحقاً بـ “وادي الدموع”، لكثرة الضحايا في الجانبين الإسرائيلي والسوري. ومع قوات معززّة نجح كهلاني بصد الهجوم السوري، بعد أربعة أيام قتالية دموية، ولاحقاً قال قائد لواء الشمال في الجيش الإسرائيلي يتسحاق حوفي إن كهلاني وقواته أنقذوا إسرائيل من الموت.

المعركة على جبل الشيخ

ويتوقف نسيم مشعال عند المعركة الدامية على جبل الشيخ، ويقول إنه بدون السيطرة على “التل 16” لم يكن بالإمكان استرداد جبل الشيخ الذي سقط في الأيام الأولى من الحرب بيد الجيش السوري. وعن ذلك يقول: “كل ثانية أصيب جندي إسرائيلي. شبكة الاتصالات اللاسلكية اكتظت بالبلاغات حول الإصابات والقتلى والجرحى، وتعالت أصوات القادة يصرخون يستغيثون طلباً للمساعدة. المعركة بدت خاسرة، وعندما طلع الفجر اكتشفنا أن عشرات الجنود القتلى والجرحى ممددين على الأرض، وبادر قائد الوحدة يوعيد زليبينسكي لجمع الجنود الذين كانوا ما زالوا قادرين على القتال، وجدد إطلاق نار المدفعية نحو السوريين، وتسببوا لهم إصابات كثيرة، وتمكّنَ الجيش الإسرائيلي من استعادة السيطرة على قمة جبل الشيخ بعد مقتل 56 جندياً وإصابة 80 جندياً آخر”.

 يشار إلى أن صحيفة “هآرتس” استعرضت، ضمن تقاريرها الواسعة جداً، المعركة الدامية في “مرج الدموع”، في التاسع من أكتوبر/ تشرين أول 1973، وتنقل ما كتبه قائد القوات الإسرائيلية هناك في ذاك المكان والزمان ضمن يوميات الحرب: “الوضع خطير. أنا على حافة اليأس، فالسوريون يدفعون بقوات كبيرة بهدف الوصول لشارع القنيطرة- مسعدة. الاقتتال محتدم، والسوريون يوقعون بنا خسائر فادحة، والقادة يقتلون تباعاً، وكنّا على حافة فقدان السيطرة حتى أنقذنا كهلاني في بقية قواته، ونجح بوقف الهجوم السوري، وسط القتال وجهاً لوجه، وعلى بعد 50\150 متراً فقط، وأحياناً وقعت اشتباكات بالأيدي والأسلحة الخفيفة، فكانت الحرب قاسية وموجعة للطرفين”.

وتستذكر “هآرتس” أن السوريين بدأوا الهجوم بقصف مدفعي، إلا أنهم فشلوا في تحريك دباباتهم عبر الخندق المضاد للدبابات. لكنهم تمكّنوا من اختراق الدفاعات الإسرائيلية في الليل بمساعدة أجهزة الرؤية الليلية. في الصباح التالي، شنّ السوريون هجوماً ثانياً، وفي إحدى لحظات الالتحام وجدت 40 دبابة إسرائيلية نفسها تواجه نحو 500 دبابة سورية. وفي اليوم الرابع، تلقى اللواء السابع المدرع الإسرائيلي تعزيزات عندما انخفض عديده إلى نحو 12 دبابة ونفذت ذخيرته. تقهقر السوريون لأسباب ما زالت موضع جدال. المؤرخ العسكري الإسرائيلي مارتن ڤان كرڤلد قال إن إسرائيل هددت سوريا بهجوم نووي”.

مشعال: تقهقرَ السوريون لأسباب ما زالت موضع جدال. المؤرخ الإسرائيلي كرڤلد قال إن إسرائيل هددت سوريا بهجوم نووي

وهذا ما أكدته مصادر إسرائيلية كثيرة، في الأيام الأخيرة، بقولها إن وزير الأمن الراحل موشيه ديان كاد ينهار، في الأيام الأولى من الحرب، وهو يتلقى أنباء الكوارث من سيناء والجولان، حتى بادر لمقترحه على غولدا مئير باستخدام السلاح النووي، لكنها صدّته، ورفضت، وذهب بعض المعلقين للقول إن غولدا كانت “الرجل الوحيد” في غرفة القيادة، في ظل اهتزاز الثقة بالرجال من الساسة والعسكريين الإسرائيليين في مطلع الحرب.

صدمة الإسرائيليين

في كتابه يقول مشعال إن الفشل الاستخباراتي والعسكري الكبير، وأعداد القتلى والجرحى المهولة في الجانب الإسرائيلي، كل ذلك أصاب المجتمع الإسرائيلي بالصدمة، بعدما تبيّن أن إسرائيل وقعت بفخ التضليل ببنات أفكار أنور السادات، رغم المؤشرات والإنذارات المتتالية باحتمال نشوب حرب.

ويشير مشعال إلى أن الإنذارات المذكورة شملت إنذاراً قدّمه العاهل الأردني الراحل الملك حسين، الذي أبلغ بشكل شخصي رئيسة حكومة إسرائيل غولدا مئير بنيّة مصر وسوريا شنّ حرب وشيكة، وقبل ذلك كان السادات بنفسه هدد بالحرب، وبالجاهزية للتضحية بمليون جندي من أجل استرداد سيناء. كما يقول إن المستشارين العسكريين السوفييت غادروا مصر، قبيل يوم واحد من الحرب، لكن الاستخبارات العسكرية، برئاسة الجنرال ايلي زعيرا، أبقت على تقديراتها المغلوطة بأن حرباً لن تنشب، وأن استعدادات الجيش المصري ليست سوى جزء من مناورة عسكرية مصرية.

المصدر: صحيفة القدس العربي




عملنا على منع نصر عربي.. كيسنجر يكشف تفاصيل جديدة عن حرب أكتوبر 73

كشف هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في الفترة من 1973 إلى عام 1977، تفاصيل جديدة عن حرب أكتوبر عام 1973، وتحركات واشنطن لمنع نصر عربي على إسرائيل.

وقال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، الملقب بـ”الثعلب العجوز” خلال مقابلة مع صحيفة “جيروزاليم بوست” روى خلالها كواليس مثيرة عن حرب أكتوبر 1973، “في الساعة السادسة والنصف صباحا، طلب مني جوزيف سيسكو، مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط آنذاك، مقابلتي بشكل عاجل، قائلا هناك أزمة في الشرق الأوسط، وإذا تصرفت على الفور، فلا يزال بإمكانك إيقاف ذلك”.

وذكر هنري كيسنجر أنه في ذلك الوقت كان مع كامل الفريق الرفيع المستوى في وزارة الخارجية بمناسبة انعقاد المؤتمر السنوي للأمم المتحدة، وكان الفجر قد بدأ بالبزوغ في “المدينة الأكثر يهودية خارج إسرائيل”، بحسب الصحيفة.

ويضيف الدبلوماسي الأمريكي الأسبق: “كانت التقارير غامضة، وقيل إن الإسرائيليين لا بد أنهم هاجموا، لأنه لم يعتقد أحد أن المصريين قادرون على شن هجوم عبر قناة السويس.. قلت الشيء الوحيد الذي لن يحدث هو أن الإسرائيليين سيهاجمون في يوم الغفران وهذا عمليا تقريبا مستحيل، ولكن بحلول منتصف النهار، أصبح من الواضح أن هذه كانت حربا نظامية، وأنها كانت هجوما واسع النطاق”.

ويتابع كيسنجر بالقول: “اعتقد فريقنا أن الإسرائيليين سوف يسحقونهم في غضون ساعات قليلة.. أول شيء قمت به هو التوجه إلى السفير الإسرائيلي سيمحا دينيتز.. ولم يكن في واشنطن، وقد كان في القدس”.

وأوضح “الثعلب العجوز” ردا على سؤال حول الوضع المتطور في الشرق الأوسط في خريف عام 1973: “لقد أصبحت وزيرا للخارجية قبل أسبوعين من بدء الحرب، لكنني كنت مستشارا للأمن القومي لمدة أربع سنوات ونصف السنة قبل ذلك، وفي المسار الطبيعي للأحداث، لم تتضمن التقارير الإستخبارية التي تلقيتها أي معلومات غير عادية.. تم تنصيبي كوزير للخارجية يوم السبت 3 سبتمبر وبعد ذلك رأيت تقارير عن تركز القوات العسكرية المصرية.. لا أتذكر أنهم أبلغوا عن أي شيء عن السوريين، لكنهم كانوا بالتأكيد يبلغون عن حشد عسكري”.

ويضيف: “اعتقدنا أن ذلك لا يعني الكثير، لأنه في السنوات السابقة كان الرئيس المصري أنور السادات، يهدد كثيرا ولم يفعل شيئا.. لذلك فكرت إذا كانوا يبنون فأنا أريد تقارير يومية عن الشرق الأوسط.. كل يوم كانوا يكررون نفس الشيء.. شعرت بعدم الارتياح إزاء تطور الوضع، ولكن لم تكن هناك أخبار تدعم مخاوفي، لقد حاولت إسرائيل طمأنتنا.. كانوا يخشون أن نمارس الضغط، فقالوا لنا إنهم لا يرون أي سبب للقلق بشكل خاص”.

ومضى قائلا: في إسرائيل أيضا، في الأيام التي سبقت اندلاع الحرب، تراكمت الأخبار عن تمركز قوات كبيرة غرب قناة السويس وقد فسرها قادة الجيش الإسرائيلي وأجهزة المخابرات باستثناء عدد قليل من الضباط ذوي الرتب المتوسطة على أنها جزء من مناورة، وكانوا مقتنعين بأن المصريين لا ينوون شن هجوم.. وقد رفضت الرقابة العسكرية تقارير المراسلين العسكريين حول حشد قوة مصرية غير عادية في سيناء، ولم تظهر المخاوف من حرب فعلية إلا يوم الجمعة 5 أكتوبر، عشية يوم الغفران”.

وأشارت الصحيفة العبرية إلى أن يعقوب إيرز، المراسل العسكري لصحيفة “معاريف” ورئيس تحريرها فيما بعد، قام بصياغة أحد هذه التقارير مع شطب أجزاء منه بقلم الرقابة السوداء الخاص بالرقابة العسكرية، وكان كبار الضباط الإسرائيليين يخشون من أن تؤدي هذه المعلومات إلى توتر غير ضروري على الجبهتين العسكرية والداخلية.

وتذكر الصحيفة نقلا عن كيسنجر: “كان الوقت مبكرا من المساء، عندما هبط رئيس الموساد آنذاك تسفي زامير، بشكل غير متوقع في العاصمة البريطانية، ولم يقم بزيارة الكنيس الكبير هناك.. لقد تم استدعاؤه للقاء “الملاك”، الاسم المستعار لأشرف مروان صهر عبد الناصر، الذي كان من أقرب مستشاري السادات، وعميل الموساد”.

وقبل 14 ساعة فقط من وقوع هجمات سيناء والجولان، أفاد مروان بأهم الأخبار عن ساعة الصفر وتنسيق الهجوم من قبل الرئيس المصري أنور السادات، والرئيس السوري حافظ الأسد.

وتوضح الصحيفة أنه في منتصف صيام يوم الغفران، بدأت تعبئة قوات الاحتياط في إسرائيل، وظهر قادة السرب ومعهم أوراق استدعاء للطوارئ في منازل الجنود، وانتشرت الكلمات الشفهية عبر المعابد، وركض العديد من المصلين إلى منازلهم لاستبدال شالات الصلاة الخاصة بهم بزي الجيش الإسرائيلي، المحتفظ به في خزائنهم لحالات الطوارئ، وفي حي ميا شعاريم في القدس وفي حي بني براك لليهود المتشددين، تشكلت طوابير بالقرب من وحدات نجمة داود الحمراء المتنقلة المكلفة بجمع التبرعات بالدماء للجرحى.

ويقول كيسنجر في هذا السياق: “في يوم الجمعة، الذي سبق بدء الحرب، تلقينا معلومات تفيد بأن الروس يسحبون أفرادهم من الشرق الأوسط، ثم بدأنا في بذل جهود نشطة لتهدئة الوضع.. لقد ناشدت المصريين، لا أعرف ما إذا كنا قد أرسلنا رسالة إلى سوريا، لكننا قلنا بالفعل إننا سنبذل جهدا دبلوماسيا، وقد عززنا ذلك”.

وأردف بالقول: “في واشنطن، قمت بتجميع ما نسميه مجموعة واشنطن للعمل الخاص، واجتمعنا في وقت متأخر من بعد الظهر لاتخاذ قرار بشأن الاستراتيجية.. كانت مجموعتي في ذلك الوقت مكونة من طاقم تخطيط عالي الجودة من البيت الأبيض، الذين أحضرتهم معي إلى وزارة الخارجية لتعزيز قسم تخطيط السياسات”.

وأضاف “كان القرار هو استغلال الهجوم المصري للترويج للعملية السياسية.. وكان القلق بين المستشارين الأمريكيين هو أن إسرائيل ستقرر المعركة بسرعة.. كنا نظن أنه في غضون أيام سيصل الجيش الإسرائيلي إلى الإسكندرية حتى قبل أن تطأ أقدام المصريين سيناء.. ولذلك، ومن أجل السماح بالحوار.. أردنا وقف القتال والعودة إلى الوضع السابق”.

ويذكر كيسنجر “في نهاية يوم من القتال، عندما اقترب وقت الظهر من يوم الأحد، كان من الواضح أن الجيشين المصري والسوري قد أحرزا تقدما كبيرا، لكننا صممنا منذ البداية على منع النصر العربي الذي كنا ننظر إليه على أنه انتصار سوفيتي.. لقد كنا على قناعة تامة منذ اللحظة الأولى بأننا سنعيد الوضع إلى ما كان عليه، ولكن بحلول نهاية اليوم الأول كان من الواضح أن الجيوش المهاجمة قد حققت تقدما واسع النطاق”.

وأكد الوزير الأسبق أن “مشهد المعركة كان مختلفا تماما عما تخيله الخبراء الأمريكيون عندما أصبحت أنباء الهجوم المصري معروفة، مضيفا: “عندما اندلع القتال، تمكن المصريون من اختراق خط “بارليف” وتسلل أكثر من 100 ألف جندي ونحو 400 دبابة ووحدات كوماندوز إلى سيناء، وبناء عدة جسور فوق القناة”.

وصرح بأنه وفي الأيام الأولى من الحرب، فقدت إسرائيل ما يقرب من 200 مقاتل يوميا وتم أسر العديد من جنود الخط الأول من قبل مصر، ولم يكن لدى القوات الجوية الإسرائيلية رد مناسب على الصواريخ المضادة للطائرات من طراز “SA6” سوفيتية الإنتاج.

وبين أن الطيارين الذين أصيبوا وتمكنوا من تشغيل المقاعد القاذفة انضموا إلى الجنود الذين تم أسرهم في تحصينات “بارليف”، مشيرا إلى أن الأرتال المدرعة الإسرائيلية التي تقدمت بشكل فوضوي إلى سيناء، تعرضت لهجوم جوي.

وقال “الثعلب العجوز” في الأيام الثلاثة الأولى من القتال، فقدت القوات الجوية الإسرائيلية 49 طائرة وتضررت 500 دبابة في سيناء.. كان هناك نقص في ذخائر المدفعية في مستودعات الطوارئ وتم اكتشاف أن المعدات صدئة جزئيا وغير صالحة للاستخدام.

وأكد كيسنجر أن الحكومة الإسرائيلية ذهلت وأن وزير الدفاع موشيه ديان، ورئيسة الوزراء غولدا مئير، على وشك الانهيار، موضحا أنه سرعان ما أصبحت الحاجة إلى استبدال الطائرات التي تم إسقاطها واضحة.

وحول الجسر الجوي الأمريكي لإسرائيل والذي “غيّر” شكل ساحة المعركة، يقول كيسنجر “طُرحت مسألة إعادة إمداد إسرائيل، تذكروا أننا بنينا مناقشاتنا المبكرة حول الحرب على حقيقة أن التفوق العسكري كان لصالح إسرائيل.. لم نكن نفكر بجدية مطلقا في حدوث تقدم مدعوم من السوفيت في الشرق الأوسط، لذلك عندما أصبح ذلك واضحا بدأنا نتحدث عن إعادة الإمداد.. وعارض البنتاغون بشدة أي إعادة إمداد بالمعدات الأمريكية.. لذلك رتبنا أن يرسل الإسرائيليون طائراتهم الخاصة وسنقوم بتحميلها.. في ذلك الوقت، كانت المعدات عالية التقنية هي التي يمكن استخدامها على الفور”.

ويمضي بقوله: “لم تكن هناك حاجة ملحة للاتصالات الإسرائيلية معنا على أعلى مستوى حتى صباح الثلاثاء.. عاد السفير الإسرائيلي سيمحا دينيتز وجاء برفقة الملحق العسكري الجنرال موتا جور إلى مكتبي.. ووصفوا حجم الخسائر الإسرائيلية خلال الـ 48 ساعة الماضية وطالبوا بشكل عاجل بتجديد الإمدادات.. كان ذلك هو اليوم الذي استقال فيه نائب الرئيس سبيرو أغنيو من منصبه بسبب اتهامات بالتهرب الضريبي والرشوة وكان على نيكسون أن يتعامل مع تلك الأزمة الدستورية.. هو نفسه تعرض للهجوم.. لقد كانت هذه ذروة التحقيق في فضيحة “ووترغيت” وجلسات الاستماع التي كانت مستمرة، لذلك لم أتمكن من رؤية نيكسون حتى الساعة الخامسة بعد ظهر يوم الثلاثاء.. قلت للسفير والملحق العسكري أنه عندها فقط أستطيع أن أعطيهم إجابة.. ناقشت الأمر مع نيكسون وفي حوالي الساعة 5:30 مساء أعطيت دينيتز إجابتي.. كانت هناك مشكلتان منفصلتان، المعركة المباشرة، والمعركة طويلة المدى.. وفي المعركة المباشرة، كان لزاما على إسرائيل أن توقف تقدم العدو وتشن هجوما قبل أن يتسنى التدخل الدبلوماسي الأمريكي بشكل ملموس.. ولقد حثثتهم على البدء بهجوم على بعض الجبهات وقلت إننا لن نتحرك دبلوماسيا إلا بعد نجاح ذلك”.

ويردف بالقول: “وفي هذه الأثناء، كنا ننظم جسرا جويا مدنيا إلى إسرائيل، يبدأ فورا، واعتقدنا أن ذلك يمكن أن يتم بسرعة كبيرة.. ويتكون الجسر الجوي المدني، بموجب هذا التفويض، من إخبار شركات الطيران المدنية بإتاحة طائراتها لجسر جوي مدني، تحت إدارتها، وفي الوقت نفسه، كنا نواصل إعادة الإمداد عبر الطائرات الإسرائيلية”.

ويفيد كيسنجر: “اتضح أن تنظيم جسر جوي مدني أكثر صعوبة لكن على المرء أن يرى ذلك من منظور عقلاني.. عندما قلت “صعب” كان ذلك يعني 48 ساعة لتنظيمه.. لذا كان الإسرائيليون على وشك شن هجوم على مرتفعات الجولان، وكانوا يناقشون عرض وقف إطلاق النار في نفس الوقت.. لقد عارضت بشدة التوصل إلى وقف لإطلاق النار بينما كانت المعركة تسير لصالح الهجوم، وعندما أصبح من الواضح أن الجسر الجوي المدني لا يمكن تنظيمه بالسرعة، التي كنا نعتقدها في البداية، ذهبت إلى نيكسون وأخبرته أننا بحاجة إلى مستوى آخر من الجسر الجوي للتأثير على الوضع، وأننا بحاجة إلى جسر جوي عسكري”.

وذكر أن نيكسون أمر بإجراء جسر جوي فوري للإسرائيليين، وبدأنا في تنفيذه، مساء الجمعة وعلى نطاق واسع صباح السبت، واستغرق الأمر ثلاثة أيام، لتعبئة الجسر الجوي العسكري الأمريكي بالكامل.

ومع رؤية إسرائيل تنهار أمام الجيشين المصري والسوري، يقول كيسنجر “وافقنا منذ صباح يوم السبت على اقتراح وقف إطلاق النار، الذي سيتم طرحه في الأمم المتحدة، ليس من قبل الولايات المتحدة ولكن من قبل دولة أخرى، وحاولنا إقناع أستراليا ومن ثم إنجلترا بتقديم الاقتراح.. لكن السادات رفض العرض لأنه ظن أنه ينتصر وأمر فرقتين مدرعتين بعبور القناة معتقدا أنهما قادرتان على ذلك لأن إسرائيل لم يكن لديها تفوق جوي هناك.. ومع ذلك، وبمجرد أن أصبحت خارج نطاق المدفعية والأسلحة السوفيتية المضادة للطائرات، أصبحت معرضة بشدة للقوات الجوية الإسرائيلية، وخسر السادات عدة مئات من الدبابات في معركة الأحد تلك”.

ويذكر وزير الخارجية الأسبق “عندما تحولت المعركة وعبرت القوات الإسرائيلية، يوم الثلاثاء (على ما أعتقد) قناة السويس.. لم يكن هناك أي تأخير في البداية بل بدأ من الليلة الأولى ولم يكن من المتصور قبل الحرب أن تحتاج إسرائيل إلى جسر جوي عندما تبدأ الحرب”.

وأردف بالقول: “بدأ التغيير في خريطة المعركة ملحوظا بعد الهجوم المضاد في الجولان، وتراجع القوات السورية إلى مسافة 40 كيلومترا من دمشق وطالبت سوريا مصر بزيادة القتال في الجنوب من أجل تخفيف الضغط في الجولان.. لقد حاول المصريون وفشلوا.. ثم جاء عبور القناة ومحاصرة الجيش الثالث المصري.. لقد دعاني السادات لزيارة موسكو وفي ذلك الوقت كانت القوات الإسرائيلية قد عبرت قناة السويس بالفعل، وعندما وصلت إلى هناك أصررت على وقف فوري لإطلاق النار.. منذ أن طلبت من بريجنيف وقف إطلاق النار حتى تنفيذه كانت هناك 48 ساعة أخرى، ما أدى إلى تحسين وضع إسرائيل في ساحة المعركة”.

وبين هنري أنه كان من الممكن تجنب الحرب فقط لو وافقت إسرائيل على الانسحاب إلى حدود 67، وهو ما لم يكن بوسعها القيام به لأن ذلك كان سيكشف الطريق بين تل أبيب وحيفا، وكان سيضعه تحت نيران الخصوم، كما أن كل حزب سياسي في إسرائيل كان يعارض مثل هذه الخطوة، لذلك كان لا بد من فرضها على إسرائيل، وهو ما رفضناه. 

وأوضح أنه وحتى في ذلك الوقت، لست متأكدا من أنها كانت ستتجنب الحرب لأن السادات، الذي تحول إلى مناصر رئيسي للسلام بعد الحرب، كان مقتنعا بأن العالم العربي يحتاج إلى بعض العمل العسكري الناجح، ولم يكن نيكسون راغبا على الإطلاق، مع موافقتي الشديدة، في النظر في هذا الأمر.

وعلى مر السنين تم الكشف عن وثائق وأشرطة سرية من إدارة نيكسون للجمهور، وتم تفسير بعض تصريحات كيسنجر حول اليهود واليهودية والدولة اليهودية على أنها كراهية للذات، وهروب من جذوره اليهودية ودعم وجهات النظر المعادية للسامية التي ميزت بيئته السياسية.

المصدر: صحيفة “جوريزاليم بوست” الإسرائيلية

ترجمة: موقع روسيا اليوم




ما بين نيودلهي وحيفا: مسار تاريخي واستراتيجي

ينطلق الكيان المؤقت في العلاقات التي ينسجها على الصعيدين الاقليمي والدولي، من منطلقين أساسيين هما: أولاً أنه كيان وظيفي من حيث المبدأ يكرس جهده في خدمة القوة الكبرى التي ترعاه، وهي الولايات المتحدة في الظرف الراهن، وثانياً أنه ذو نزعة توسعية ترمي إلى الهيمنة وإلى أداء دور “إمبريالية صغرى” في سياق الإمبريالية العالمية العامة.

وهذان المنطلقان يحكمان بالضرورة دور الكيان تجاه قارة آسيا حيث عمل ويعمل باستمرار على زرع قاعدة وجود ونفوذ له فيها، إما لمجابهة قوة إسلامية صاعدة مثل باكستان وإيران، وإما لإحباط ومحاصرة إمكانية بروز هذه القوة والتحكم في مسار حركتها المستقبلية مثلما هي الحال بالنسبة لدول آسيا الوسطى الإسلامية المتحررة من سيطرة الاتحاد السوفياتي السابق. وفي هذا المجال يسعى الكيان المؤقت لتوظيف إمكانياته الخاصة والإمكانيات التي سيحصل عليها من الدول الداعمة, خدمة لأغراضه الصهيونية التوسعية في فلسطين أولاً و في سائر الدول العربية ثانياً, في إطار مشروعه الممتد من الفرات إلى النيل مستفيداً من النسيج الأيديولوجي المتعدد الألوان الذي تتشكل منه الفكرة الصهيونية, من أجل الدخول في علاقات مرحلية مع الدول الآسيوية وفي مقدمتها الهند, وذلك ضمن رؤية جيوستراتيجية شاملة تنسجم مع نظرية “دول المحيط” او “السنتو”، أي الدول المحيطة بالعالمين العربي والإسلامي، التي كان ينادي بها الزعيم الصهيوني دافيد بن غوريون منذ مطلع الخمسينات, والتي ترمي إلى محاصرة أو احتواء قوة أية دولة عربية أو إسلامية تقوم سياستها على رفض المشروع الصهيوني التوسعي.

وحري بنا أن نتذكر أنه من المستحيل على الإسرائيليين أن يثقوا حقيقة بنوايا أية دولة عربية أو إسلامية مهما أظهرت من نوايا حسنة، ولهذا نجدهم يعملون على تطويق، بل وتهديد حتى الدول التي لهم معها اتفاقيات سلام مثل مصر، من خلال توثيق علاقاتهم مع دول أفريقية عديدة تحيط بمصر، ويمكن أن تؤثر عليها في أمنها القومي مثل أثيوبيا، وإريتريا، وأوغندا، وجيبوتي. والإسرائيليون يعملون لتكون لهم حصة واضحة ومهمة في صياغة الأمن الإقليمي وذلك على أساس قواعد ثابتة تخدم أمنهم القومي وهي:

1-التفوق العسكري والاستراتيجي على الدول العربية كافة من اجل ضمان التوسع الاقليمي، ولهذا يرفض الكيان المؤقت الاشارة الى اية حدود في وثائقه الرسمية. وقد عبر دافيد بن غوريون عن ذلك بقوله: “ان الحرب سوف ترسم حدود الدولة، وستكون هذه الحدود اوسع من تلك التي خصصتها الامم المتحدة”. وفصل موشيه ديان هذه الفكرة عام 1967 بقوله: “ان الهدف الاول للطريق الذي ننهجه هو ان نضع خريطة جديدة، ونهاية الصراع سوف تتحقق في التحليل الاخير الذي يتضمن الحقيقة الشاملة لوجود دولة يهودية هنا تكون من القوة والاهمية بحيث يصبح من المستحيل تدميرها وسيكون من الضروري التعايش معها”.

2-المساهمة في بناء حوض جيوستراتيجي متكامل يضم عدة دول ذات مصلحة مثل الهند وتركيا وأثيوبيا، وفقاً للمصالح المتحركة التي باتت الحركة الصهيونية تتحكم بالأهم فيها، وهذا كله بما ينسجم مع المصلحة الصهيونية في إدارة الصراع مع الفلسطينيين أولاً والعرب ثانياً.

3- ان نظرية الامن القومي الصهيونية تقوم، فيما تقوم عليه, على اتخاذ الاحتياطات الواجبة كافة بغرض تكريس السيادة اليهودية على الدولة ذات الحدود الزاحفة وحماية مصالحها الداخلية والخارجية المرتبطة ببنائها القومي, ومن هنا فهي لا تتضمن تعزيز القوة العسكرية فحسب, بل تشمل ايضا السياسة الخارجية والتقدير الاستراتيجي للواقع الجيوبوليتيكي المحيط بالدولة ­ الكيان, ومدى التناقض او التقارب الايديولوجي بينها وبين جيرانها الاقليميين, ودراسة امكانيات الدول ذات المصالح المتعارضة او المتوافقة وكيفية الاستفادة من

قدراتها العسكرية والبشرية والاقتصادية والجيوبوليتيكية والجيوستراتيجية، لاسيما وأن الكيان المؤقت يعاني من فقر في العنصر البشري والامني والاقتصادي، والذي يحاول توفيره من خلال العمل الديبلوماسي والتنسيق الاستراتيجي المناسب.

اتسمت العلاقات الهندية الإسرائيلية خلال النصف الثاني من القرن الماضي بالمحدودية، سواء على المستوى السياسي والدبلوماسي، أو الاقتصادي والتجاري، أو العلاقات الثقافية. فعلى الرغم من اعتراف الهند بالكيان المؤقت في سبتمبر/ أيلول عام 1950، وسعي الكيان المؤقت الحثيث خلال تلك الفترة إلى توسيع نطاق علاقاته الخارجية في محاولة لتكريس الاعتراف الدولي به كدولة، والالتفاف على التوجهات العدائية العربية تجاهه، إلا أنه لم ينجح في تطوير علاقاته مع الهند، واقتصر التمثيل السياسي عند مستوى التمثيل القنصلي فقط.

وعلاوة على ما سبق، فقد أدى وجود أقلية يهودية محدودة داخل الهند إلى ضعف تعاطف حركة التحرر الوطني الهندية، قبل الاستقلال، مع المسألة اليهودية. فرغم تفهم القيادات الوطنية الهندية للطموحات اليهودية في إقامة وطن خاص بهم، إلا أن حزب المؤتمر انتقد اعتمادهم على “الإمبريالية” البريطانية لإنجاز هذا الطموح، الأمر الذي أدى إلى نظرة الحزب للكيان المؤقت باعتباره مشروعا استعماريا. وقد استمر هذا الموقف من الدولة اليهودية الجديدة إلى ما بعد الاستقلال.

شهدت أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات بداية انفتاح واضح في العلاقات الهندية-الإسرائيلية، عكست تحولا بنيويا في توجهات السياسة الخارجية الهندية تجاه “إسرائيل”.

وقد حاولت الهند من جانبها رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية تدريجيا، إلا أن الكيان المؤقت أصر على العلاقات الدبلوماسية الكاملة، كشرط مسبق للمشاركة في مفاوضات مدريد للسلام في الشرق الأوسط-المفاوضات المتعددة الطرف، وهو ما اضطر الهند إلى القبول بالشرط الإسرائيلي، حيث تم الإعلان عن انتقال البلدين إلى مستوى العلاقات الدبلوماسية الكاملة في 29 كانون الثاني 1992 في عهد رئيس الوزراء الهندي “نارسيمها راو”(1991-1996).

ومثّلت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون للهند في أيلول 2003 نقطة تحول فارقة في علاقات البلدين، والتي أوضحت للعالم أن الهند لم يعد لديها أي تحفظ بشأن علاقاتها مع إسرائيل، بل وانتقالها إلى مستويات ومجالات نوعية بالمقارنة ليس فقط بمرحلة الحرب الباردة، ولكن بالمقارنة بعقد التسعينيات أيضا.

ومع التحول المهم الذي طال الخطاب الباكستاني بخصوص هذا الصراع، خاصة بعد إعلان الرئيس الباكستاني السابق برفيز مشرف في تشرين الأول 2004 استعداده التنازل عن تطبيق قرارات الأمم المتحدة التي تدعو إلى تسوية مشكلة كشمير من خلال تطبيق استفتاء حر في الإقليم، كما جاء التأكيد الثاني عليه مرة أخرى في عام 2006.

كما أن تزايد تراجع الأهمية النسبية للمحدد العربي لقضية كشمير في السياسة الهندية تجاه الكيان المؤقت في ضوء تزايد احتمالات تطبيع العلاقات الباكستانية-الإسرائيلية.

فقد أدى التطور المتسارع في الشراكة الهندية-الإسرائيلية، فضلا عن تزايد احتمالات إقدام باكستان على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ونقل هذه العلاقات من المستوى الفعلي إلى المستوى العلني.

وهكذا أصبحت الهند أكبر سوق لصادرات الأسلحة الإسرائيلية في العالم، إذ بلغت مبيعات السلاح الإسرائيلي للهند في عام 2006 مليار ونصف المليار دولار، ويعني ذلك أن السوق الهندية تستحوذ على أكثر من ثلث إجمالي قيمة مبيعات الأسلحة الإسرائيلية.

ولعل ما يؤكد أهمية الهند بالنسبة للكيان المؤقت في هذا المجال، أن السياسة الإسرائيلية تجاه الهند لم تأخذ بعين الاعتبار المبادرات والتوجهات الهندية تجاه اسرائيل خلال العقود السابقة على بدء الانفتاح السياسي الهندي على الكيان المؤقت في أوائل التسعينيات. إذ أنه رغم التوجهات الهندية المتحفظة ضد الانفتاح على إسرائيل، فقد حرصت هذه الأخيرة على إبقاء الباب مواربا أمام علاقات مستقبلية مع الهند تتجاوز اعتبارات وقيود تلك المرحلة.

ولعل ما يرجح هذا التحليل هو الحرص الإسرائيلي على تقديم الدعم السياسي للهند في صراعاتها الإقليمية، خاصة خلال الحرب الهندية-الصينية في عام 1962، والحرب الهندية-الباكستانية في عام 1965. وتمثل كشمير خلال مرحلة التحفظ الهندي على علاقات منفتحة مع الكيان المؤقت النموذج الأبرز لذلك الحرص الإسرائيلي.

ويتعلق الدافع الثاني بأهمية الهند كسوق لصادرات السلاح الإسرائيلي، ليس فقط من الناحية الكمية، بل اكتسبت السوق الهندية أهمية نوعية أيضا بالنسبة لإسرائيل.

من الملاحظ فيما يتعلق بمجالات التعاون الأساسية بين الهند والكيان المؤقت هي مركزية القضايا الأمنية والدفاعية. ويشكل التعاون لمكافحة الإرهاب أحد المجالات السياسية والأمنية الأبرز في العلاقات الهندية-الإسرائيلية، ورغم أن التعاون في هذا المجال قد شهد دفعة قوية وزخما جديدا بعد أحداث أيلول 2001، إلا أنه يعود إلى ما قبل ذلك التاريخ، خاصة بعد تشكيل اللجنة المشتركة لمحاربة الإرهاب في عام 2001.

تحاول الهند الاستفادة بشكل خاص من الخبرة الإسرائيلية في إدارة الصراعات المنخفضة الحدة مع التنظيمات الإسلامية المتشددة، وهو نمط الصراع ذاته الذي تواجهه الهند في كشمير، والذي واجهته لفترة طويلة في علاقاتها مع باكستان، قبل أن تشهد علاقات البلدين انفراجة واضحة منذ عام 2004.

كما يمثل التعاون في موضوع الدفاع المجال الأبرز في العلاقات الهندية الإسرائيلية، ويشمل هذا التعاون مجالات عدة، أبرزها تجارة السلاح، حيث تعد الهند في هذا الإطار أكبر سوق للسلاح الإسرائيلي. وقد جاء ذلك نتيجة عاملين، الأول هو انهيار الاتحاد السوفيتي، ومن ناحية ثانية، وتقادم الترسانة العسكرية الهندية السوفيتية المنشأ.

كما لعب الكيان المؤقت دورا مهما في إقناع الولايات المتحدة بالموافقة على حصول الهند على أسلحة إسرائيلية تتضمن تكنولوجيات عسكرية أمريكية كثيرا ما تحفظت الولايات المتحدة على حصول الهند عليها، ومن أمثلة ذلك نجاحه في إقناع إدارة كلينتون في منتصف عام 2000 بالموافقة على تزويد الهند بأنظمة الإنذار والسيطرة المحمولة جوا “أواكس” Airborne Warning and Controlling System (AWACS).

إضافة إلى التعاون الهندي-الإسرائيلي في مجالي الدفاع ومكافحة الإرهاب، سعت الهند إلى توسيع نطاق تحالفها مع الكيان المؤقت ليشمل الولايات المتحدة من خلال طرح مشروع تأسيس محور ثلاثي بين الدول الثلاث. وفي هذا الإطار، طرح مستشار الأمن القومي الهندي في حكومة آتال بيهاري فاجبايي، براجيش ميشرا Brajesh Mishra، أثناء حضوره العشاء السنوي الثامن والتسعين “للجنة اليهودية الأميركية” American Jewish Committee (AJC) بالولايات المتحدة الأميركية في الثامن من مايو/ أيار 2003، مشروعا لإنشاء محور ثلاثي يضم الدول الثلاث. وقد حدد ميشرا الهدف الرئيسي للمحور في محاربة الإرهاب الدولي.

كما أن تصاعد الدور السياسي للأمريكيين من ذوي الأصول الهندية داخل الولايات المتحدة، إذ ارتفع حجم هذه الشريحة من حوالي 815.5 ألف، وفقا لتعداد السكان الأميركي سنة 1990 إلى نحو 1.7 مليون وفقا لتعداد سنة 2000، إلى حوالي 2.6 مليون نسمة وفقا لبيانات مكتب الإحصاء الأميركي في سنة 2007. وتولي الحكومة الهندية اهتماما كبيرا لهذه الشريحة، بالإضافة إلى الجالية الهندية هناك، حيث تسعى إلى تأهيل الدور السياسي لهذه الشريحة داخل الولايات المتحدة بما يخدم مصالحها الوطنية، لتشكيل “لوبي هندي”، من خلال الاستفادة في هذا المجال من قدرات اللوبي اليهودي، ومن خلال تنمية أواصر التعاون بين الأميركيين الهنود واللوبي اليهودي، وهو التعاون الذي شهد نموا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة.

وقد نجح “اللوبي الهندي” في خلق حالة من التقارب والتعاون مع اللوبي اليهودي، وكان أهم مظاهر هذا التعاون تأسيس مبادرة الصداقة “الهندية-اليهودية-الأميركية” بين “اللجنة الأميركية اليهودية” و”لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية”

كما نجح “اللوبي الهندي” خلال السنوات الأخيرة في خلق حالة من التقارب والتعاون الشديد مع اللوبي اليهودي، وكان أهم مظاهر هذا التعاون تأسيس مبادرة الصداقة “الهندية- اليهودية-الأميركية” بين “اللجنة

الأميركية اليهودية” American Jewish Committee (AJC) و”لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية” (الإيباك) American Israeli Public Affairs Committee (AIPAC)، و”لجنة العمل السياسية الأميركية الهندية” US-Indian Political Action Committee (USINPAC) (20) وهي إحدى جماعات الضغط الخاصة بالهنود الأميركيين التي تم تأسيسها في عام 2002 ويتوقع أن تلعب دورا مؤثرا في الدفاع عن المصالح الهندية داخل الولايات المتحدة في المرحلة القادمة. وقد أطلق أحد أعضاء الكونغرس الأميركي على تلك المبادرة “الزواج العظيم”.

مما يميز تطور العلاقات الثنائية بين نيودلهي وتل أبيب، الصداقة الحميمة بين رئيسي الحكومة الهندية ناريندرا مودي الذي زار الكيان المؤقت   في 4 تموز 2017، والإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وقواسمهما المشتركة، ولا سيما فيما يتعلق بخطة الأخير لضم الضفة الغربية، التي تراجع عنها “مؤقتا”، وسياسة الأول تجاه إقليم كشمير.

لدى الاثنين توجهات أيديولوجية، لا يخجلان من تنفيذها، وفي حين يقود مودي توجها لإلغاء الحكم الذاتي للإقليم، فإنه يشبه ما كان ينوي القيام به نتنياهو لضم أجزاء من الضفة الغربية.

وفي 14 كانون الثاني 2018، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة رسمية إلى الهند مدتها ستة أيام، على رأس وفد سياسي واقتصادي كبير، ضم نحو 130 من رجال الأعمال الإسرائيليين. وكان الهدف من هذه الزيارة تعزيز العلاقات بين البلدين في المجال الأمني، وخصوصاً بحث الصفقة التي كانت الكيان المؤقت ستزوّد بموجبها الهند بصواريخ مضادة للدبابات من طراز “سبايك” والتي ألغتها نيو دلهي، وتوسيع هذه العلاقات في المجال الاقتصادي، إذ كان على جدول الأعمال توقيع تسع اتفاقيات في مجالات متنوعة، من ضمنها مجالات الأمن السيبراني، واستكشاف النفط والغاز، والطيران المدني، فضلاً عن التصديق على خطاب نوايا بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين.

كما أعلن الكيان المؤقت في منتصف عام 2023 عن توقيع اتفاقية مع الحكومة الهندية لاستقدام 10 آلاف عامل هندي للعمل في الداخل المحتل في ورش البناء ورعاية المسنين، وسيتم استقدامهم على مرحلتَين، نصفهم خلال عام واحد، والنصف الآخر لاحقًا، وذلك ضمن سلسلة اتفاقيات بين الطرفَين تسمح بوصول 42 ألف عامل هندي إلى الكيان المؤقت.

تأتي اتفاقية استقدام العمالة ضمن تعاون مستمر بين الهند والاحتلال الإسرائيلي وتبادل تجاري ضخم، إذ تعتبَر الهند ثالث أكبر شريك تجاري آسيوي للكيان المؤقت منذ عام 2014، وعاشر أكبر شريك تجاري بشكل عامّ، كما أن حجم تجارتهما البينية بلغ 5 مليارات دولار، مقارنة بـ 200 مليون دولار فقط لدى استئناف علاقاتهما الدبلوماسية عام 1992.

كما مثلت “اتفاقات أبراهام”، التي رعتها إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، لدمج الكيان المؤقت في النظام الإقليمي للمنطقة العربية، الأرضية التي نشأت على أساسها المجموعة الاقتصادية الجديدة I2 -U2؛ إذ تأسّست هذه المجموعة في تشرين الأول 2021، خلال اجتماع ضمّ وزراء خارجية الولايات المتحدة والكيان المؤقت والإمارات، بهدف متابعة تطبيق اتفاقات أبراهام التي أطلقت في أيلول 2020 عملية تطبيع العلاقات بين الإمارات والبحرين من جهة والكيان المؤقت من جهة أخرى. وقد انضمت الهند، التي أصبحت

تربطها بالكيان المؤقت علاقاتٌ استراتيجية، إلى المجموعة بعد أيام قليلة، وذلك في أثناء زيارة وزير خارجيتها، سوبرامنيام جاي شانكار، إلى الكيان المؤقت. وإثر ذلك، عُقد اجتماع افتراضي ضمّ الأطراف الأربعة في أثناء وجود وزير الخارجية الهندي في الكيان المؤقت، بالتزامن مع مشاركة طائرات من سلاح الجو الهندي في مناورات “العلم الأزرق 2021” التي استضافها الكيان المؤقت. وفي حين بدا مفهومًا إنشاء مجموعة ثلاثية تضم أطراف اتفاقات أبراهام (الكيان المؤقت والإمارات والولايات المتحدة)، فإن انضمام الهند إلى المجموعة أثار تساؤلات عديدة عن غاياته، وكذلك عن سبب اختيار الكيان المؤقت مكانًا لإعلان الهند الانضمام إليها.

يرتبط أطراف مجموعة I2 -U2 الأربعة بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والاستراتيجية والأمنية، كما تتفق نظرتها حيال العديد من القضايا الإقليمية والدولية.

منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأت المداولات حول خصخصة ميناء حيفا، في إطار سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية التي بدأها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي شجع مراراً على بيع الأصول العامة لتقليل الفساد وخفض التكاليف.

وعلى غرار الكواد وإيكواس في آسيا والمحيط الهادئ، تم تأسيس مجموعة آي 2 يو 2 أو مجموعة I2U2، وبعد قمة افتراضية لمجموعة I2-U2 خلال زيارة نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الشرق الأوسط، تم الإعلان عن عملية الاستحواذ الهندية على ميناء حيفا الإسرائيلي. ووفقاً لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سيكون ميناء حيفا بمثابة نقطة دخول وخروج لكمية كبيرة من البضائع التي ستنتقل مباشرة من المنطقة إلى البحر الأبيض المتوسط وأوروبا، متجاوزة شبه الجزيرة العربية ونقاط الاختناق الثلاثة، حسب تعبيره.

فازت مجموعة الهندي Gautam Adani بمناقصة لتشغيل ميناء حيفا حتى عام 2054 بالتعاون مع شركة “غادوت” الإسرائيلية، وبحصة لمجموعته تبلغ 70% مقابل مليار و800 مليون دولار، لذلك اعتبروه مالك الميناء.

ويعتبر ميناء حيفا ثاني أكبر موانئ الكيان المؤقت، وأبرزها من حيث عدد السفن السياحية التي تنقل السياح.

 ويعتبر ميناء حيفا الإسرائيلي حاسماً من وجهة نظر استراتيجية لعدة أسباب، أبرزها لأنه يقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط كمفترق طرق مهم للتجارة والتبادل التجاري بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا.

 كما يوفر ميناء حيفا وصولاً سريعاً إلى المدن الرئيسية والمراكز الصناعية في الكيان المؤقت، مما يسهل النقل الفعال للبضائع والموارد.

فيما يتعلق بالجيش الإسرائيلي، تعتبر حيفا قاعدة بحرية بالغة الأهمية توفر منطقة رسو آمنة للسفن الحربية وسفن الدعم.

كما تعد حيفا مركزاً مهماً لإنتاج وتوزيع المنتجات البترولية؛ لأنها موطن لمصفاة نفط كبيرة.

من ناحية أخرى، ستكون الهند قادرة على تحسين اتصالها بأوروبا والشرق الأوسط وآسيا مع اكتسابها السيطرة على ميناء حيفا. سيؤدي ذلك إلى تسهيل التنقل بين هذه المناطق على الأشخاص والسلع والموارد.

 كما إن الاستحواذ على سيطرة ميناء حيفا من شأنه أن يمنح الهند إمكانية الوصول إلى المزيد من الأسواق لمنتجاتها وخدماتها، مما يعزز صادراتها وتوسعها الاقتصادي. قد تؤدي ملكية الهند لميناء حيفا إلى نقل التكنولوجيا والخبرة من الكيان المؤقت إلى الهند، مما يساعد في تحديث وتحسين البنية التحتية لموانئ الهند.

وسوف تمنح السيطرة على ميناء حيفا الهند ميزة استراتيجية في المنطقة، مما يعزز أمنها البحري ويسمح لها بالوصول إلى ممرات الشحن الحيوية على غرار المساعي الصينية. قد تزداد المنافسة بسبب سيطرة الهند على ميناء حيفا؛ مما يؤثر على مصالح الصين التجارية والاستثمارية في الشرق الأوسط وأوروبا.

وفي ختام هذا العرض التاريخي للعلاقات الهندية الإسرائيلية، التي وصلت الى مرفأ حيفا، لا يسعنا إلا طرح السؤال على أهل الحل والعقد في لبنان؟ هل ثمة قرار بعزل لبنان عن العالم ومشاريعه الاقتصادية – الحيوية؟ سؤال بدأ يُطرح في الصالونات والأوساط المحلية، منذ الاعلان عن مشاريع دولية من التعاون الهندي الإسرائيلي عبر الممر الاقتصادي من الهند الى اوروبا عبر السعودية وصولا الى حيفا مقابل طريق الحرير من الصين الى اوروبا. فلماذا وقع الاختيار على مرفأ حيفا عوضاً عن مرفأ بيروت كمعبر الى اوروبا؟ هل تم الغاء دور لبنان كصلة بين الشرق والغرب؟ هل غاب لبنان عن الخارطة الجيوستراتيجية؟ ومن المسؤول عن التغييب؟

نسيب شمس

المصدر: موقع الخنادق




ذا ايكونوميست: التطبيع السعودي الاسرائيلي قد يؤثر على صورة الشرق الأوسط

تشير مجلة ذا ايكونوميست الأميركية إلى ان ولي العهد السعودي قد التقى رئيس وزراء الاحتلال مرة على الأقل منذ استلامه منصبه. وتقول في تقرير قام موقع “الخنادق” بترجمته، ان “غموض محمد بن سلمان بشأن الحقوق الفلسطينية هو اعتراف بمتاعب نتنياهو الداخلية”. وعلى الرغم من الدافع الكبير لدى الأطراف الثلاثة بانجاح الاتفاق وهذا ما يشهد زخماً فعلياً، تنقل المجلة عن نتنياهو قوله أنه “إذا لم نحقق ذلك في الأشهر القليلة المقبلة، فقد نؤخره لبضع سنوات”.

النص المترجم:

لا يفعل محمد بن سلمان الكثير لإخفاء استمتاعه باحتمال التوصل إلى اتفاق استراتيجي بين أمريكا وإسرائيل والسعودية. في مقابلة تلفزيونية نادرة في 20 أيلول/سبتمبر، أقر ولي العهد السعودي والحاكم الفعلي للبلاد بابتسامة بأن الاتفاق مطروح. “كل يوم نقترب. يبدو أنها لأول مرة حقيقية وجادة”. وقال إن الاتفاق سيكون “أكبر اتفاق تاريخي منذ الحرب الباردة”. وفي 22 أيلول/سبتمبر، أكد بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، أن الدول الثلاث “على أعتاب” التوصل إلى اتفاق. وقال إنها ستكون “قفزة نوعية”.

العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين السعودية، أغنى دولة عربية وأكثرها نفوذاً، وإسرائيل، الدولة اليهودية التي نبذتها المملكة منذ فترة طويلة، كانت قادمة منذ وقت طويل. منذ أن أصبح ولياً للعهد في عام 2017، عقد محمد بن سلمان، اجتماعاً سرياً واحداً على الأقل مع نتنياهو. لدى كلا البلدين منافس مشترك في إيران ويعقدان صفقات تجارية بهدوء. لكن في عام 2020 تم توقيع اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، بدون السعودية. قليلون توقعوا أن يتم إضفاء الطابع الرسمي على العلاقات الإسرائيلية السعودية خلال حياة الملك سلمان، الذي ينتمي إلى جيل لم يكن من الممكن تصور أي علاقة مع إسرائيل بالنسبة له.

ومع ذلك، فقد ازدادت حدة الحوافز للتوصل إلى اتفاق. بالنسبة للسعوديين، فإن الدافع هو تحالف استراتيجي جديد مع أمريكا. وتربط البلدين علاقة أمنية لكن المملكة تريد اتفاقاً دفاعياً أكثر رسمية لأسباب ليس أقلها أن برنامج إيران النووي المكثف يعني أنها الآن على عتبة امتلاك أسلحة نووية مما يقلب التوازن الأمني في المنطقة.

وتشمل المحادثات إمكانية قيام السعودية بتطوير برنامج مدني للطاقة النووية، مع منشأة لتخصيب اليورانيوم يديرها الأمريكيون على الأراضي السعودية، وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، مثلما كانت شركة أرامكو، عملاق النفط السعودي، تدار في الأصل من قبل الولايات المتحدة. وفي حين أن هذا الجهد سيكون مدنياً في طبيعته، وهدف أمريكا غير المعلن هو منع سباق التسلح النووي في الشرق الأوسط، يقول محمد بن سلمان إنه يحتفظ بالحق في السعي للحصول على أسلحة نووية إذا تجاوزت إيران العتبة. “إذا حصلوا على واحدة، فعلينا الحصول على واحدة … لكننا لا نريد أن نرى ذلك»، قال في مقابلته التلفزيونية.

بالنسبة للرئيس جو بايدن، فإن الإطار الدبلوماسي والدفاعي الجديد المدعوم من الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، والذي تم بناؤه حول القوتين الإقليميتين، سيكون إنجازاً كبيراً في السياسة الخارجية لدخول عام الانتخابات. خلال حملته الانتخابية قبل عدة سنوات وعد بمعاملة السعودية على أنها “منبوذة” بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي. ولكن السياسة الواقعية تحكم اليوم. وترى إدارته في الاتفاق وسيلة لأمريكا للتكيف مع حقبة جيوسياسية جديدة، تظل فيها الضامن النهائي لأمن دول الخليج لعقود قادمة حتى مع ميل اقتصاداتها نحو آسيا، وبالتالي إحباط إيران، وتهدئة أسواق الطاقة، ومنع الصين من جر الشرق الأوسط إلى مجال نفوذها.

ولا تزال العقبات المحلية كبيرة. ابدأ بالسعوديين. حتى الملكية شبه المطلقة يجب أن تأخذ في الاعتبار الرأي العام. 2٪ فقط من الشباب السعودي يؤيدون تطبيع العلاقات مع إسرائيل وفقاً لاستطلاع رأي الشباب العربي لعام 2023، مقارنة ب 75٪ في  و 73٪ في مصر (كلا البلدين لهما علاقات رسمية مع الدولة اليهودية). وهذا ما يفسر إشارات ولي العهد المتكررة في مقابلته إلى الاحتلال العسكري الإسرائيلي للفلسطينيين. “بالنسبة لنا، القضية الفلسطينية مهمة جداً. نحن بحاجة إلى حل هذا الجزء”. المحادثات الموازية بين السعوديين والفلسطينيين تتكثف. ومن المقرر أن يزور وفد فلسطيني رسمي الرياض في أكتوبر تشرين الأول. ويزور مسؤولون فلسطينيون العاصمة السعودية بشكل أسبوعي تقريباً في الأشهر القليلة الماضية، وفقاً لمصدر في الضفة الغربية.

لكن بن سلمان لم يشر في مقابلته التلفزيونية إلى مبادرة السلام العربية، وهي خطة أقرتها السعودية ودول عربية أخرى في عام 2002. ولم يتوخ ذلك العلاقات مع إسرائيل إلا بعد انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها في حرب الأيام الستة عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، وإقامة دولة فلسطينية. وبدلا من ذلك، قدم ولي العهد وعودا غامضة بالتوصل إلى اتفاق من شأنه أن يعطي الفلسطينيين “احتياجاتهم” ويضمن “حياة جيدة” لهم. ترسم جميع الأطراف صورة لشرق أوسط جديد، تربطه روابط جديدة للنقل والطاقة، حيث تتجاوز الفرص الاقتصادية الأحقاد القديمة.

إن غموض محمد بن سلمان بشأن الحقوق الفلسطينية هو اعتراف بمتاعب نتنياهو الداخلية. يتوق كل زعيم إسرائيلي إلى إنهاء العزلة الإقليمية لبلاده التي استمرت منذ تأسيسها في عام 1948. بالنسبة لنتنياهو، الذي يواجه احتجاجات واسعة النطاق ضد سياسات حكومته اليمينية المتطرفة، فضلاً عن تهم الفساد (التي ينكرها)، فإن السلام مع السعوديين هو أيضاً فرصة ذهبية لتلميع إرثه المشوه. قد تفسر الأشهر التسعة الأولى الفوضوية من رئاسته الأخيرة للوزراء لماذا يبدو السياسي الذي كان صريحاً جداً لسنوات عديدة حول مخاطر البرنامج النووي الإيراني على استعداد لتأييد تخصيب اليورانيوم السعودي كجزء من أي حزمة.

يمكن للاتفاق أن يخلق موجات صدمة في السياسة الإسرائيلية مع عواقب لا يمكن التنبؤ بها. ويضم ائتلافه المتشدد أحزاباً تمثل المستوطنين اليهود المتدينين في الضفة الغربية المحتلة الذين يعارضون أي تنازلات للفلسطينيين. كما أن المستوطنين ممثلون تمثيلاً جيداً داخل حزب الليكود الذي ينتمي إليه. ويحذر الجميع من أنهم سيعارضون أي تسوية أو أي اتفاق تضطر فيه إسرائيل إلى التخلي عن السيطرة على أي أراضي.

يبدو أن محمود عباس، الرئيس الفلسطيني، قد أدرك أن السعوديين لن ينتظروا بعد الآن قيام دولة فلسطينية قبل إقامة علاقات مع إسرائيل. لكنه يود أن تتوقف إسرائيل على الأقل عن بناء مستوطنات جديدة وأن تضمن قدراً أكبر من الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية. حتى هذا من شأنه أن يسقط ائتلاف نتنياهو الحالي. “الصيغة الوحيدة التي سيدافع عنها الائتلاف هي حصول الفلسطينيين على أموال سعودية لتلبية احتياجاتهم، ولكن ليس المزيد من الحقوق”، يقول سياسي يميني بارز.

وإذا دعم محمد بن سلمان حتى جزءاً من المطالب الفلسطينية، فمن المحتمل أن يفقد نتنياهو دعم بعض أعضاء ائتلافه، ومعه أغلبيته في الكنيست. وسيكون خياره الوحيد هو استغلال احتمال التوصل إلى اتفاق تاريخي لكسب دعم أحزاب الوسط التي رفضت حتى الآن الانضمام إلى حكومته وستطالب بتغييرات كبيرة في السياسة للقيام بذلك الآن. قد يرحب نتنياهو بفرصة إعادة تشكيل ائتلافه، واستبدال اليمين المتطرف بالوسطيين. ولكن في حين أن أحزاب الوسط بقيادة بيني غانتس ويائير لابيد تؤيد صفقة سعودية (على الرغم من أن لابيد قد أعرب عن تحفظات جدية بشأن احتمال التخصيب النووي السعودي)، فإن كلاهما لديه تجربة مريرة في الخدمة في حكوماته السابقة ولا يزالان مترددين بشكل مبرر في إعادة إحياء ذلك.

حتى بايدن قد يجد صعوبة في الترويج للصفقة في الداخل. إن احتمال وجود برنامج نووي سعودي سيقلق الأمريكيين القلقين من الانتشار النووي في المنطقة. فكل من التقدميين في حزبه الديمقراطي، الذين يمقتون سجل السعوديين في مجال حقوق الإنسان، والجمهوريين، الذين سيحاربون أي شيء تقترحه إدارته، قد يعرقلون ذلك. ويأمل أن يتمكن نتنياهو، الذي لا يزال يتمتع بشعبية بين الجمهوريين، من التأثير على خصومه. قد تكون إمكانية التوصل إلى اتفاق أمريكي سعودي إسرائيلي هائلة، لكن النافذة السياسية لتحقيقه صغيرة. وقال نتنياهو: “إذا لم نحقق ذلك في الأشهر القليلة المقبلة، فقد نؤخره لبضع سنوات”.

المصدر: مجلة ذا إيكونوميست الأميركية

ترجمة: موقع الخنادق