1

غزة: حصار إسرائيلي خانق منذ 17 عاما وحملة «افتحوا الموانئ» تذكر العالم بمأساة مليوني مواطن

رغم تزاحم الأحداث العالمية، إلا أن الضوء سلط من جديد على قطاع غزة الساحلي ذو المساحة الضيقة، بسبب معاناة سكانه الذين يفوق عددهم المليوني مواطن جراء الحصار الإسرائيلي المشدد المفروض عليهم منذ 17 عاما، والذي يحرمهم من كل مقومات الحياة الطبيعية لأي شعب على وجه الكرة الأرضية، وفي مقدمتها حق السفر والتنقل بحرية، علاوة عن آثاره الكارثية على المستوى الاقتصادي، التي رفعت معدات الفقر والبطالة، وحولت حياة السكان إلى جحيم.

وفي قطاع غزة ضيق المساحة البالغة 365 كيلو مترا مربعا، تتحكم سلطات الاحتلال بالمعابر فيه سواء ذلك المخصص للأفراد وهو بيت حانون «إيرز» أو المخصص للبضائع «كرم أبو سالم» فيما تبقى حركة السفر على معبر رفح الفاصل عن الأراضي المصرية بطيئة جدا، ولا تلبي حاجة السكان المحاصرين، وهو ما دفع جهات عدة للتفكير في إطلاق حملة، هدفها التخفيف من حدة الحصار، بالابتعاد عن مسارات المعابر الإسرائيلية، التي يقتصر المرور بها للحالات الإنسانية والمرضية فقط، تقوم على أساس إيجاد ميناء بحري للقطاع، يسهل حياة السكان.

الحصار طال الغذاء الأساسي

وفرضت إسرائيل حصارها على قطاع غزة، بعد سيطرة حركة حماس على الأوضاع، واعتبرت القطاع «كيانا معاديا» وزعمت وقتها أن هدفها من الحصار هو إضعاف الحركة وإسقاط حكمها، غير أن الحصار طال جميع مناحي حياة السكان، وحولها إلى جحيم، وكثيرا ما دعت الأمم المتحدة إلى رفع الحصار بشكل فوري، غير أن طلباتها لم تجد أي تجاوب.
وهنا السكان في قطاع غزة، عانوا وما زالوا من آثار الحصار الإسرائيلي الذي فرض عليهم بشكل مشدد منذ منتصف شهر حزيران/يونيو من العام 2007. فبموجب الحصار شددت سلطات الاحتلال إجراءات تحكمها في البداية ليس في كمية البضائع الغذائية الأساسية التي تمر إلى قطاع غزة، بل تحكمت في كمية السعرات الحرارية التي تخصص لكل ساكن في القطاع، في دلالة على حجم الرقابة على المعابر، والتي حرمت وقتها السكان من الحصول على العديد من المواد الغذائية، بحجة أنها غير أساسية، إلى جانب تقليص كميات الدقيق والزيوت والبقوليات.
وقد حول الحصار قطاع غزة لسجن كبير، فمن الشمال والشرق هناك أسلاك شائكة وجدران أسمنتية تفصل القطاع عن حدود المستوطنات الإسرائيلية، وفي الغرب البحر الذي يخضع لتشديدات عسكرية ومراقبة من البحرية الإسرائيلية، ومن الجنوب الحدود مع مصر، والتي يوجد فيها معبر رفح، الذي يعمل بطاقة قليلة، لا تفي احتياجات السكان.
ولم تكن ادعاءات سلطات الاحتلال بإدخال تسهيلات على الحصار سوى «ذرا للرماد في العيون» فالتسهيلات اشتملت فقط على زيادة في كميات السلع التموينية الأساسية، التي تعتبر حقا لكل مواطن، وزيادة أيضا في كمية البضائع التي تمر لصالح المؤسسات الدولية التي تقدمها على شكل مساعدات، وإدخال مواد بناء مقننة لصالح مشاريع دولية، فيما يجري التحكم في الكميات الأخرى، إلى جانب تقنين دخول بعض المواد الخام، ومنع إدخال عشرات الأصناف من تلك المواد الخام.
ويعني كل هذا الأمر، أن التسهيلات التي أدخلت، هدفها تخفيف حدة الجوع، وليس القضاء على الفقر والبطالة، فالمساعدات والمواد التموينية جعلتها متوفرة في الأسواق، في الوقت نفسه فإن غالبية السكان لا يستطيعون شرائها لعدم توفر الأموال اللازمة بحوزتهم، مع استمرار تصنيفهم ضمن صفوف البطالة المرتفعة، وهو أمر يعود بالدرجة الأولى إلى توقف مئات المصانع وورش العمل، بسبب الحصار الذي لا يزال يمنع إدخال المواد الخام المخصصة لها، كما أجبرت الكثير من تلك المصانع والورش على التوقف، بسبب استهدافها بالقصف والتدمير خلال هجمات شنتها قوات الاحتلال في السنوات الماضية، وقد كان يلاحظ في كل حرب أو تصعيد عسكري، أن لتلك المنشآت نصيبا واضحا في التدمير الممنهج.

ارتفاع معدلات الفقر والبطالة

وفي دلالة على عدم اتخاذ أي إجراءات ملموسة لإنهاء الحصار، حسب الطلبات الدولية، يستمر واقع الحياة الأليم الذي يعاني منه السكان، حيث لا تزال معدلات الفقر والبطالة على حالها، إذ تقدر نسبة البطالة بنحو 50 في المئة من عدد السكان، فيما تفوق نسبة الفقر الـ 65 في المئة من السكان، ولا يزال 80 في المئة منهم يعتمدون على مساعدات خارجية لتدبير أمور حياتهم اليومية.
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة البطالة في صفوف الشباب الخريجين وصلت لـ 75 في المئة حيث يعاني 162 ألف خريج من البطالة من قرابة 300 ألف عاطل عن العمل.
ويمكن ملاحظة هذا الأمر من كم الشباب والرجال الذين إما تراهم يتجولون في الشوارع، أو يجلسون أمام منازلهم، في ساعات الصباح والظهيرة، لعدم توفر العمل اللازم لهم، كما يمكن ملاحظة الأمر عند المرور أمام المصانع والورش الصناعية، التي إما لا تزال مغلقة، أو تعمل بالحد الأدنى، بعد أن قلصت عدد العاملين.
ويؤكد المسؤولون في الغرفة التجارية، أن العمل في الكثير من المصانع بقدرات مقلصة، يعود أيضا إلى وقف سلطات الاحتلال عملية التصدير لبضائع غزة المصنعة، واقتصار عملية التصدير المقننة على كميات قليلة من الخضروات.
ويقول ماهر الطباع مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية بغزة، الحصار تسبب في مؤشرات اقتصادية كارثية لها انعكاسات سلبية على الواقع الاقتصادي في قطاع غزة، ويؤكد أن القطاع بحاجة إلى إنهاء كافة الأسباب التي أدت إلى هذا الارتفاع الهائل في معدل البطالة فيه، والمتمثلة في إنهاء الحصار، ورفع القيود المفروضة على غزة منذ سنوات طويلة، حتى تتحسن ظروف القطاع بشكل كبير. ويقول سلامة معروف رئيس المكتب الإعلامي الحكومي، إن الحصار الإسرائيلي، تسبب في تراجع إنتاج القطاع الصناعي في الناتج المحلي إلى نحو 1 في المئة فقط بعد أن كان يساهم بـ5.7 في المئة من الناتج، وأنه أدى إلى توقف أكثر من 2500 منشأة ومصنع، تم تدميرها بشكل كلي أو جزئي خلال السنوات الماضية، ما تسبب بتفاهم المعاناة.
ويوضح معروف أن الاحتلال لا يزال يمنع إدخال أكثر 1200 مادة من المواد الخام، إضافة لإعاقة حركة التصدير التي تمثل مورداً مهماً من موارد الاقتصاد الفلسطيني، كما يعاني من الحصار قطاع الصيادين، حيث أدى إلى تراج عدد العالمين في هذا القطاع إلى 2000 بعد أن كان يصل لنحو 5000 وذلك جراء سياسة التقييد التي يمارسها الاحتلال على الصيادين، ومصادرة أدواتهم ومراكبهم والانتهاكات الممارسة بحقهم باستمرار.
كما ترك الحصار آثارا خطيرة على القطاع الصحي، تمثلت في منع الاحتلال أكثر من 6000 مريض سنوياً من الخروج للعلاج عبر معبر بيت حانون، ما تسبب فقدان أكثر من 400 مريض لحياتهم، كما أوضح أن الحصار تسبب بفقدان ما يقارب من 43 في المئة من الأدوية داخل وزارة الصحة وأكثر من 25 في المئة من المستهلكات الطبية، إضافة إلى أن الاحتلال يمنع إدخال عشرات الأجهزة التشخيصية والطبية، وقطع غيار العشرات من الأجهزة الطبية المتوقفة عن العمل.
ويقول سامي العمصي رئيس نقابة العمال في غزة، إن الحصار ينذر بانفجار الأوضاع داخل القطاع وخروجها عن السيطرة، وأشار إلى أن إسرائيل بإجراءاتها تعمل على «تعميق الأزمة الإنسانية لسكان القطاع، من خلال سياسة منع دخول البضائع أو الأدوية أو الوفود الطبية والإغاثية».
ودعا المؤسسات الدولية ووكالة الغوث بتحمل مسؤوليتها وزيادة المساعدات الإنسانية المقدمة لأهالي قطاع غزة في ظل استمرار الحصار المفروض من الاحتلال الإسرائيلي، كما شدد على ضرورة أن تخرج الدول العربية والمجتمع الدولي عن صمتهم والعمل الجدي والحقيقي على كسر الحصار، وتخفيف المعاناة الإنسانية والأوضاع الاقتصادية التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

حملة افتحوا الموانئ

شهدت الأيام الماضية حدثين مهمين بسبب إجراءات الحصار المشددة المفروضة على قطاع غزة، الأول تمثل بعودة تنظيم مسيرات شعبية للشبان قرب الحدود الشرقية، شهدت مواجهات شعبية حامية الوطيس، أسفرت عن سقوط عدد من الشهداء وعشرات الجرحى، ودامت تلك الفعاليات لمدة أسبوعين، لجأت في بدايتها سلطات الاحتلال بدلا من تخفيف إجراءات الحصار، إلى تشديده وذلك من خلال إغلاق معبر بيت حانون «إيرز» في وجه العمال لمدة 13 يوما، ما كبد القطاع خسائر مالية قدرها 1.5 مليون دولار يوميا، قبل أن تعيد فتحه من جديد، بالتزامن مع وقف تلك الفعاليات بناء على وعود بتخفيف وطأة الحصار، وليس إنهاءه بالكامل، رغم أن هناك مطالبات ودعوات دولية مستمرة تشدد على وجوب إنهاء هذا الوضع المتدهور الذي يعيشه سكان غزة.
أما الحدث الثاني، فتمثل في انطلاق، الحملة العالمية لكسر الحصار عن غزة، بعنوان «افتحوا موانئ غزة» وهي حملة هدفت إلى تسليط الضوء على معاناة سكان القطاع المستمرة.
وجاء ذلك في مؤتمر صحافي عقدته الحملة في دولة الكويت، حيث انطلقت أول فعاليات الحملة يوم 22 اب/أغسطس، وتقرر أن تستمر حتى نهاية الشهر، لتشمل على عدة فعاليات أبرزها التظاهرة البحرية التي نظمت في عدة عواصم عربية وأوروبية في وقت متزامن.
وأكدت حملة «افتحوا موانئ غزة» على مسؤولية العالم أجمع في توفير أبسط مقومات العيش الكريم لأهل قطاع غزة، والاستمرار في دعم الشعب الفلسطيني، وأشارت إلى أن الواقع الاجتماعي والإنساني والاقتصادي في القطاع يتدهور كل لحظة بسبب الحصار المتواصل، نظراً إلى عجز المجتمع الدولي عن إنهاء الحصار الذي وصف حسب تقارير أممية، بأنه جريمة ضد الإنسانية، ولا سيما بسبب حالة التجويع وانعدام الأمن الغذائي بسبب هذه السياسة، ودعت اتحاد المحامين العرب لرفع دعوى أمام محكمة العدل الدولية ضد الكيان الصهيوني لمطالبته برفع هذا الحصار، ومعاقبته على كل الجرائم الإنسانية التي ترتبت عنه.
وخلال انطلاق فعاليات الحملة في غزة، التي تمثل في تظاهرة بحرية، من خلال مراكب خرجت من مرفأ الصيادين بمدينة غزة، صوب الحدود البحرية الشمالية للقطاع مع دولة الاحتلال، رافعة للأعلام الفلسطينية ولافتات تنادي بإنهاء الحصار، قال يسرى درويش، متحدثا باسم مؤسسات المجتمع المدني، إن الشعب الفلسطيني لن يقبل بأن يتعرض للموت البطيء، مؤكدا أن هذه الفعاليات تعد جزءا من عمل مشترك ومستمر لايصال عدة رسائل للعالم بأن الشعب الفلسطيني له الحق بإقامة دولته الفلسطينية على أرضه وله الحق بأن يستخدم موانئه ومعابره. وأكد أن هذه الفعاليات توجه رسالة بأن افتحوا موانئ غزة، بحيث ترسل رسائل عديدة بان يتم رفع الحصار عن غزة وأنه لا يمكن السكوت عن الظلم الذي يتعرض له، وقال مستهجنا «لا يعقل ان يستمر الحصار على مدار 17 عاماً بها تقييد لحرية السفر والتضييق على الصيادين وتكدس الخريجين العاطلين عن العمل وتعطيل حركة التجارة البحرية والبرية لخارج القطاع» وشدد على ضرورة اعتبار الحصار المفروض على غزة «جريمة يعاقب عليها المجتمع الدولي» قائلا إن رفع الحصار مسؤولية العالم.
وأشار إلى أن هذه الفعالية تأتي ضمن حملة دولية في 25 تجمعا من دول عربية وأوروبية، وترسل رسائل عديدة تقول للعالم أنه لا يمكن أن نبقى صامتين ولن نقبل استمرار الحصار على غزة.
وضمن تلك الفعاليات، نفذ حشد من المواطنين في لبنان قبل أيام، وقفة تضامنية لكسر الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، في إطار الحملة الدولية «افتحوا موانئ غزة» كما نظمت فعاليات أخرى في تركيا والأردن وعدة عواصم أجنبية.
وبهدف إسناد الحملة، نظمت حملة تغريد على مواقع التواصل على وسم «»#افتحوا موانئ غزة» و «#»opengazaports ركزت على فضح سياسات الاحتلال، وما يعانيه سكان غزة بسبب الحصار.
وتهدف الحملة إلى التعريف بمأساة السكان في غزة، ودفع الدول والمؤسسات الإغاثية، نحو تفعيل نشاطها الخيري، وتنفيذ مشاريع تساهم في تخفيف الحصار.

منع وصول القوافل البحرية

والجدير ذكره أن الاحتلال ألغى مشروع إقامة ميناء تجاري لقطاع غزة، وذلك بعد اندلاع أحداث «انتفاضة الأقصى» قبل 23 عاما، بعد أن كان قد أعطى موافقة على المشروع، بناء على «اتفاقية أوسلو» كما دمر الاحتلال بعد اندلاع تلك الانتفاضة مطار غزة الدولي، الذي لم يدم العمل به إلا لوقت قصير، وكان يعتبر ممرا سهلا يسلكه السكان للعالم، من دون المرور بإجراءات السفر المعقدة عبر معابر الاحتلال، أو السفر عبر الأراضي المصرية وهي رحلة سفر طويلة جدا. وفي غزة يوجد مرفأ صغير مخصص لمراكب الصيادين، وكان هذا المرفأ قد استضاف في سنوات الحصار الأولى، عددا من السفن التي انطلقت من موانئ أوروبية بهدف كسر الحصار المفروض على السكان، وتلك السفن الصغيرة كانت تقل عددا من المتضامنين الأجانب.
لكن بعد تشكيل تحالفات دولية لكسر الحصار، من خلال تنظيم رحلات بحرية بسفن أكثر عددا، تقل بعض المساعدات والناشطين، لجأت سلطات الاحتلال إلى منع وصول تلك القوافل التي أطلق عليها اسم «أسطول الحرية» بالقوة، ولجأت إلى دفع قواتها الخاصة لاقتحام تلك السفن، وكان أعنف تلك الهجمات ما تعرض له أسطول الحرية الأول في شهر ايار/مايو من العام 2010 وقد أدى ذلك الهجوم إلى استشهاد عشرة متضامنين أجانب جميعهم يحملون الجنسية التركية، وإصابة العشرات بجراح، وقامت خلالها قوات الاحتلال بمصادرة تلك المراكب وما بداخلها من مساعدات، ومنعت إدخالها لسكان القطاع المحاصرين، ولجأت بعد ذلك إلى منع سفن أخرى من الوصول لغزة، بسبب تحكمها بشكل غير قانوني بالحدود البحرية، وقد ارتكبت بعض الهجمات على قوافل المساعدات ضمن الحدود البحرية الدولية.
كما قامت سلطات الاحتلال بمنع سفن بحرية تقل مسافرين من غزة للعالم، من الوصول إلى وجهتها، وكان ذلك حين اعترضت «سفينة الحرية» في تموز/يوليو من العام 2018 واعتقلت من عليها من طلبة ومرضى، قبل أن تطلق سراحهم بعد استجوابهم، لكنها أبقت على اعتقال ربانها لعدة سنوات.

أشرف الهور

المصدر: صحيفة القدس العربي




الفلسطينيون يقدمون 14 مطلبا للسعودية من أجل “إحياء” اتفاق أوسلو ضمن صفقة التطبيع مع إسرائيل

أكدت صحيفة “هآرتس” العبرية اليوم الأحد، ما قاله قيادي فلسطيني في رام الله لـ”القدس العربي” حول اندفاع السعودية نحو التطبيع مع إسرائيل دون التمسك بمبادرتها للسلام، والتي تحوّلت إلى مبادرة عربية بعد القمة العربية في بيروت عام 2002.

بخلاف ما جاء في صحف سعودية أمس السبت حول التزام الرياض بالمبادرة العريبة، وبأنها متأنية وليست مستعجلة من أمرها، تنقل “هآرتس” اليوم عن ثلاثة مصادر في الشرق الأوسط مطلعة على المداولات السرية، قولها إن السعودية مصمّمة على نيل تحالف عسكري مع الولايات المتحدة مقابل تطبيع مع إسرائيل، حتى لو لم تقدّم هذه الأخيرة “تنازلات” للفلسطينيين.

وتشير “هآرتس” أيضا لتصريحات وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن التي قال فيها إن شروط الفلسطينيين في “الاتفاق” مع السعودية وإسرائيل جوهرية جدا، وأنها ستدفع بخطوات نحو تسوية الدولتين. موضحا أنه بالنسبة لإدارة جو بايدن، يجب أن يشمل الاتفاق تقدما نحو هذه التسوية.

وتابع بلينكن: “التطبيع بين السعودية وإسرائيل قادر على خلق واقع أفضل في الشرق الأوسط، ولكن ليس على حساب الموضوع الفلسطيني أو بدلا منه”.

كذلك قال جون كيربي، مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، إن كل الأطراف المتداخلة في المداولات بين الولايات المتحدة والسعودية وإسرائيل، ستضطر للاتفاق على تنازلات وتسويات من أجل التوصّل لاتفاق.

لكن في المقابل، تنقل “هآرتس” عن المصادر الشرق أوسطية الثلاثة المطلعة على الاتصالات السرّية، قولها إن المطالب الفلسطينية لن تحقق طموحات الفلسطينيين بالدولة المستقلة والسيادة الواسعة، وسيضطرون للاكتفاء بـ”تسهيل القيود الإسرائيلية”.

تعزيز الكينونة الفلسطينية

هذا ما أكده مصدر فلسطيني مطلع في رام الله لـ”القدس العربي” أمس السبت، موضحا أن الجانب الفلسطيني توافق مع السفير السعودي نايف السديري خلال لقاءاته مع القيادة الفلسطينية قبل أيام، على أن الفرصة الراهنة غير متاحة لاتفاق يقيم دولة فلسطينية، وأن الممكن هو تلبية طلبات تعزّز الكينونة السياسية الفلسطينية، وتُبقي فكرة “الدولتين” على قيد الحياة، وتلبية مطالب عينية تخفّف على الفلسطينيين وزر الاحتلال.

ونقل المصدر عن السفير السعودي قوله للقيادة الفلسطينية، إن السعودية في الظروف الحالية لا تستطيع أن تأتي بدولة فلسطينية، وأنه اقترح عليها تقديم سلة طلبات فلسطينية “واقعية” تحيي اتفاق أوسلو لحملها إلى الولايات المتحدة ومتابعتها من أجل تحقيقها.

ويوضح المصدر لـ”القدس العربي” أن السلطة الفلسطينية متفهّمة للموقف السعودي، وقررت استخلاص العبر من تجربة تطبيع الإمارات والبحرين، والانتقال من الرفض الجارف، إلى المشاركة في الاتفاق المحتمل مع السعودية من أجل تحسين أحوالها، وتوسيع وتعزيز سيادتها ومناعتها.

وطبقا للمصدر، قدّم الجانب الفلسطيني 14 مطلبا تدعو لتطبيق اتفاق بنود أوسلو المعلّقة وأهمها: بناء مطار فلسطيني، سيادة فلسطينية كاملة على المنطقة “أ”، تطبيق “النبضة الثالثة” من الانسحابات الإسرائيلية في المنطقة “ج” والبالغة 13% من مساحتها، فتح اتفاق باريس الاقتصادي والإفراج عن العائدات المالية المستحقة للفلسطينيين والبالغة اليوم نحو 800 مليون دولار، تطبيق اتفاق المعابر الحدودية مع الأردن بتثبيت رجال أمن فلسطينيين فيها، وقف الإجراءات الإسرائيلية الأحادية كالاستيطان وغيره.

وقال المصدر الفلسطيني إن السلطة تراهن على أن تلبية هذه المطالب من شأنها تعزيز الكيان السياسي الفلسطيني، والاحتفاظ بحل الدولتين، وإحياء اتفاق أوسلو، وإفشال مخطط أوساط إسرائيلية حكومية تعمل من أجل انهيار السلطة الفلسطينية. وقال أيضا إن الجانب الفلسطيني قبل بالموقف السعودي الداعي لإرجاء المبادرة العربية للسلام في هذه المرحلة، لعدم وجود شريك لها في الجانب الإسرائيلي.

يذكر أن هناك تسريبات متواصلة تفيد بتحفظ المؤسسة الأمنية الإسرائيلية من الشق الأمني في المفاوضات، بما يشمل مطالب الرياض بالحصول على دعم أمريكي لتطوير برنامج نووي مدني على الأراضي السعودية، علاوة على تحفظ بعض الوزراء المتشددين تجاه أي “تنازلات” للفلسطينيين.

ولكن حتى الآن يلتزم المسؤولون في قيادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الصمت، ويتحاشون ​​التعليق على التقدم نحو الاتفاق مع السعودية، لحساسية الموضوع، رغم عدم وجود أي تغيير في موقفها المعارض بشكل منهجي لمشروع نووي خاص يشمل تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية خوفا من عدم الاستقرار فيها، ومن احتمال تبدل نظام الحكم وظهور حكام جدد معادين لإسرائيل.

ويشكك المسؤولون الأمنيون في إسرائيل، بقدرة الولايات المتحدة على ضمان بقاء تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية في نطاقه المدني، وألّا يعرض إسرائيل للخطر. ويؤكدون ضرورة عدم اتخاذ قرار نهائي بهذا الشأن، إلا بعد إجراء دراسات مستفيضة معمقة حيال هذه المسألة.

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




5 أشكال للتطبيع السعودي الإسرائيلي الموجود بالفعل

في حين أن توقيت صفقة محتملة لتطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية و”إسرائيل” لا يزال مجهولًا، فإن الحديث عن مثل هذه الخطوة يكتسب زخمًا سريعًا.

عندما سُئل ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، الأسبوع الماضي عن مدى قرب التوصل إلى اتفاق، قال: “كل يوم نقترب أكثر”.

لكن السعودية تؤكد منذ فترة طويلة أنها لن تقوم بتطبيع العلاقات مع “إسرائيل” حتى يحصل الفلسطينيون على دولتهم الخاصة، وهو أمر غير مرجح أكثر في ظل الحكومة الائتلافية اليمينية المتطرفة الحالية في “إسرائيل”.

وفي الأشهر الأخيرة؛ قادت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق بين السعودية و”إسرائيل”، والذي من شأنه أن يجعل الرياض تسير على خطى الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب والسودان، التي قامت بتطبيع العلاقات في سنة 2020 كجزء من ما يسمى باتفاقيات إبراهيم.

لكن أعضاء ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رفضوا أي تنازلات جدية للفلسطينيين، بما في ذلك تجميد البناء الاستيطاني غير القانوني على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وعلى هذا النحو، قد يكون الإعلان السعودي الرسمي بعيدًا. ولكن على الرغم من عدم وجود علاقات رسمية بينهما، فقد أقامت السعودية و”إسرائيل” علاقات وحافظتا عليها في عدد من المجالات على مدى العقد الماضي.

وفي كثير من الأحيان؛ عقد ممثلون من البلدين اجتماعات سرية، ولكنها أصبح علنية بشكل متزايد، وتعاونوا في مجالات الدفاع والتكنولوجيا وطرق التجارة والمجال الجوي. وقد شمل ذلك شراء السعودية لبرامج تجسس إسرائيلية الصنع لاختراق هواتف المعارضين، والتعاون العسكري لصد عدو مشترك وهو إيران، ومد كابلات الإنترنت من الألياف الضوئية التي تربط بين البلدين.

ويلقي موقع “ميدل إيست آي” نظرة على 5 طرق يجري بها بالفعل تطبيع العلاقات بين البلدين.

1- اجتماعات بين مسؤولين سعوديين وإسرائيليين

تم الإبلاغ عن حد ث سلسلة من الاجتماعات بين مسؤولين سعوديين وإسرائيليين، سرية في بعض الأحيان، منذ عدة سنوات.

لقد بدأ الأمر مع اجتماع معظم المسؤولين المتقاعدين مؤخرًا. ففي سنة 2015؛ صافح مدير عام جديد لوزارة الخارجية الإسرائيلية علناً جنرالاً سعودياً متقاعداً ومستشاراً سابقاً للمملكة.

وأعقب ذلك بعد مرور سنة، الأمير تركي الفيصل، رئيس المخابرات السابق والسفير السعودي في واشنطن، حيث تقاسم المنصة مع يعقوب أميدرور، الجنرال السابق والمستشار السابق لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، قاد مسؤول سعودي متقاعد آخر، هو الجنرال أنور عشقي، فريقًا من رجال الأعمال والأكاديميين إلى اجتماع مع مسؤولي وزارة الخارجية الإسرائيلية وأعضاء البرلمان الإسرائيلي في القدس، ومن المستبعد جدًا أن تتم مثل هذه الرحلة دون موافقة الرياض.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2017، أصبح وزير الطاقة الإسرائيلي آنذاك يوفال شتاينتز أول مسؤول كبير يؤكد وجود اتصالات سرية بين البلدين، والذي عندما سئل عن العلاقات مع الرياض، أجاب: “لدينا علاقات سرية جزئيًّا بالفعل مع العديد من الدول الإسلامية والعربية، وعادة نحن الطرف الذي لا يخجل”.

وأضاف: “إنه الجانب الآخر الذي يهتم بالحفاظ على العلاقات هادئة. معنا، عادة، لا توجد مشكلة، لكننا نحترم رغبة الطرف الآخر، عندما تتطور العلاقات، سواء كان ذلك مع السعودية أو مع الدول العربية الأخرى أو غيرها من الدول الإسلامية. هناك العديد من البلدان، لكننا نبقي الأمر سرًا”.

بالنسبة لأندرياس كريغ، الأستاذ المساعد في كلية كينغز في قسم دراسات الدفاع في لندن، فإن التدفق المستمر للاجتماعات هو جزء من “لعبة السعودية الطويلة” للتطبيع.

وقال كريغ لموقع “ميدل إيست آي”: “إنها إستراتيجية التجربة والخطأ، حيث يتخذون الكثير من الأساليب التكتيكية الأصغر لتحقيق الأهداف.. هناك الكثير من المياه الاختبارية”.

وبلغت الاتصالات الرسمية السرية ذروتها في سنة 2020 عندما التقى نتنياهو نفسه مع محمد بن سلمان في مدينة نيوم السعودية الضخمة والجديدة.

وانضم إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي رؤساء الجيش الإسرائيلي والأمن القومي والمخابرات، بالإضافة إلى وزير الخارجية الأمريكي آنذاك مايك بومبيو. ويُعتقد أن الجانب الإسرائيلي قد قام بتسريب الاجتماع عمدًا إلى وسائل الإعلام.

وقال كريغ: “يستخدم الإسرائيليون هذا أيضًا محليًا، وخاصة حكومة نتنياهو، لإظهار أنهم يحرزون تقدمًا، وأن لديهم ما يظهرونه لأنفسهم”.

2- الوفود

وفي حين أن بعض الزيارات والاجتماعات كانت سرية، إلا أنه كان هناك ارتفاع طفيف في الوفود والزيارات العامة من كلا الجانبين.

ففي سنة 2019، ذهب محمد سعود، المدوِّن السعودي الذي نصب نفسه المعجب الصريح ب”إسرائيل”، في رحلة إلى “إسرائيل” وفلسطين برعاية رسمية من وزارة الخارجية الإسرائيلية.

سعود الذي دعا إلى التطبيع بين البلدين، تم طرده من الفلسطينيين من المسجد الأقصى في القدس الشرقية المحتلة، ووصفوه بـ”القمامة” و”الرخيص” و”الصهيوني”، وبصقوا في وجهه.

على الجانب الآخر، سافر المراسل العسكري للقناة 13 الإسرائيلية، ألون بن دافيد، بجواز سفر غير إسرائيلي إلى العاصمة السعودية في تموز/يوليو 2022، لتقصي ردود الفعل السعودية على وجوده هناك كإسرائيلي. وقال إنه تلقى ردود فعل متباينة، وأن التطبيع “سيكون أبطأ بكثير مع السعودية”.

وفي الأسابيع الأخيرة على وجه الخصوص، تسارعت وتيرة الوفود الإسرائيلية المعلن عنها إلى السعودية.

ففي الشهر الماضيإ تنافس ثلاثة إسرائيليين في بطولة دولية للألعاب الإلكترونية في الرياض، ووصلوا إلى السعودية باستخدام جوازات سفر إسرائيلية.

خلال التدريبات على حفل الافتتاح، تم تصوير الثلاثة وهم يغنون النشيد الوطني الإسرائيلي ويحملون العلم الإسرائيلي،  وبعد ذلك قرر المنظمون السعوديون عدم بث النشيد الوطني خلال الحدث الرئيسي.

وبعد أيام، شرع المسؤولون الإسرائيليون في إرسال أول وفد معلن عنه إلى المملكة العربية السعودية؛ حيث  وصلت فرقة من خمسة أعضاء لحضور اجتماع اليونسكو – الوكالة الثقافية التابعة للأمم المتحدة – لتحديث قائمة التراث العالمي للمواقع الثقافية والتاريخية.

وقال مسؤول إسرائيلي لوكالة فرانس برس في إشارة على ما يبدو إلى التطبيع: “نحن سعداء بوجودنا هنا. إنها خطوة أولى جيدة”.

وأعقب ذلك هذا الأسبوع أن أصبح وزير السياحة حاييم كاتس أول وزير إسرائيلي يزور رسميًا المملكة لحضور مؤتمر منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة.

وقال ميشال ياري، الباحث في شؤون دول الخليج في الجامعة العبرية في القدس، لموقع “ميدل إيست آي”: “السبب الرئيسي وراء أن المحادثات لم تعد سرية هو المصالح السياسية لبايدن ونتنياهو”،  مضيفًا: “إنهم يأملون أن يؤدي الاتفاق بين إسرائيل والسعودية إلى تحسين مكانتهم العامة”.

ويضيف كريغ أن ولي العهد السعودي سيحكم على رد فعل الجمهور تجاه المزيد من الإشارات الواضحة للعلاقات بين البلدين.

وأضاف: “إنه يحاول رؤية رد الفعل بين السكان السعوديين، والمسلمين والعرب على نطاق أوسع. ما نراه في هذه اللحظة هو تطبيع التطبيع”.

لكن كريغ شدد على أن مثل هذه المبادرات لا تعني بالضرورة أن التطبيع واسع النطاق وشيك، مع وجود العديد من النقاط الشائكة التي لم يتم حلها بعد، بما في ذلك التنازلات للفلسطينيين؛ حيث قال: “يمكنك إجراء تفاعلات مع كبار الشخصيات الإسرائيلية وحتى السماح للإسرائيليين بالانضمام إلى مؤتمر دولي في بلدك. لكن هذا لا يعني بالضرورة أنك ستقوم بالتطبيع مع إسرائيل”.

3- التعاون في مجال الدفاع

لقد تمحورت العديد من الاجتماعات السابقة بين المسؤولين السعوديين والإسرائيليين حول عدوهما الإقليمي المشترك، إيران.

ففي السنة الماضية؛ قال مسؤولون دبلوماسيون وأمنيون إسرائيليون لموقع “ميدل إيست آي” إنهم يجرون محادثات مع الإمارات والبحرين والسعودية لتثبيت برنامج دفاعي مشترك ضد تهديد الطائرات بدون طيار.

وكانت المبادرة، التي دعمتها واشنطن، جزءًا من جهد منسق لصد إيران ووكلائها في المنطقة، بما في ذلك الحوثيون في اليمن.

وفي شهر أذار/مارس الماضي، عُقد اجتماع رفيع المستوى بين مسؤولين عسكريين إسرائيليين وسعوديين في منتجع شرم الشيخ المصري، وفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال. وحضرت أيضا وفود من قطر والإمارات والبحرين والأردن، فضلًا عن رئيس سابق للقيادة المركزية الأمريكية.

وبحسب ما ورد توصل المشاركون إلى اتفاق غير ملزم لتنسيق أنظمة الإخطار السريع في حالة اكتشاف تهديد جوي من طائرات بدون طيار أو هجمات بالصواريخ الباليستية وصواريخ كروز.

وقال يعاري: “إن قدرات إسرائيل وقدرتها المؤكدة على مواجهة إيران جعلت منها حليفاً حاسماً لبعض دول الخليج،  وهكذا تحولت إسرائيل من مشكلة العالم العربي إلى حليف مهم”.

واستعادت السعودية علاقاتها مع إيران في آذار/مارس من هذه السنة، بعد تداعيات دامت 7 سنوات، وهو التطور الذي من المحتمل أنه لم يرضي إسرائيل.

لكن كريغ يشير إلى أن العديد من عناصر “الدولة العميقة” الإيرانية، بما في ذلك الحرس الثوري الإيراني وشبكات الوكلاء المتورطة في العراق واليمن، لا تزال موضع خلاف بالنسبة للرياض.

وقال كريغ: “لا ينبغي لنا أن نتوقع الكثير من هذا التطبيع. لا يزال هناك الكثير من عدم الثقة”.

والتحالف ضد إيران ليس التقرير الأول عن التنسيق الدفاعي بين السعودية وإسرائيل. ففي تموز/يوليو 2015، تحدث رئيس تحرير موقع “ميدل إيست آي” ديفيد هيرست، في مقال له، عن الروابط بين السعودية ومصر و”إسرائيل” التي تسعى إلى سحق حركة حماس الفلسطينية.

وانتقد سفير السعودية في المملكة المتحدة هيرست بسبب المقال، واتهمه بأنه يروج “أكاذيب لا أساس لها من الصحة”.

لكن موقع “ديبكافيل” الإخباري المعروف بقربه من وكالة الاستخبارات الإسرائيلية “الموساد”، أثبت العديد من تأكيدات هيرست بشأن ظهور تحالف سعودي إسرائيلي ضد حماس في غزة.

4- التكنولوجيا والتجارة

وكانت هناك علامات على وجود نشاط تجاري سري أيضًا، خاصة في مجال التكنولوجيا، بالإضافة إلى التزامات بالتعاون بشكل أكثر انفتاحًا في المستقبل.

وفي خطوة انتقدها نشطاء حقوق الإنسان والنشطاء الرقميون بشكل متكرر، تعتبر السعودية مشتريًا مزعومًا لبرنامج “بيغاسوس”، برنامج التجسس سيئ السمعة الذي تصنعه شركة “إن إس أو غروب” الإسرائيلية والذي تم استخدامه لاختراق هواتف المعارضين السياسيين.

واشترت الرياض البرنامج لأول مرة في 2017 مقابل 55 مليون دولار، بعد أن شارك فريق صغير من مسؤولي الدفاع الإسرائيليين في حوار سري مع الرياض، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

ورفضت وزارة الدفاع الإسرائيلية تجديد ترخيص الرياض لبرنامج التجسس بعد مزاعم بأنها استخدمت برنامج “بيغاسوس” لتعقب كاتب العمود في “موقع ميدل إيست آي” جمال خاشقجي قبل مقتله على يد عملاء سعوديين في تشرين الأول/أكتوبر 2018.

لكن بعد أن اتصل محمد بن سلمان مباشرة بنتنياهو، تم تجدي.. وينفي نتنياهو هذه التقارير.

وفي مكان آخر، قال شركة التكنولوجيا الإسرائيلية “إنتو فيو”، إنها عملت مع السعودية لمراقبة “الإرهابيين المحتملين”، كما قامت بمسح بيانات المواطنين السعوديين للمساعدة في تحديد إستراتيجية التنويع الاقتصادي لرؤية المملكة 2030، وقال مؤسس الشركة إنه أنشأ شركة خارجية لإخفاء هويته الإسرائيلية.

وهناك طموحات طويلة المدى أيضًا: فقد كشف موقع ميدل إيست آي في نيسان/أبريل أن كابل الألياف الضوئية المقترح لربط السعودية و”إسرائيل”، بدعم من صندوق استثمار إسرائيلي كبير، “يكتسب زخمًا” في الرياض.

وسيمر الكابل البالغ طوله 20 ألف كيلومتر، والمعروف باسم “نظام ترانس (العابر) أوروبا آسيا”، عبر الإمارات والبحرين وقطر وعمان، بالإضافة إلى الأردن وفلسطين على طريق بين مرسيليا في فرنسا ومومباي في الهند.

وقالت مصادر في صناعة الكابلات لموقع ميدل إيست آي إن المشروع حظي بتأييد في الرياض وكان مدعومًا أيضًا من الحكومة الأمريكية.

وقال أحد مستشاري الكابلات البحرية إن العلاقة بين إسرائيل والخليج لم يتم الكشف عنها بشكل أكثر صراحة لأن مجرد ذكر إسرائيل أمر حساس للغاية.

وفي مشروع مستقبلي آخر يربط بين البلدين، أعلنت إسرائيل أيضًا عن توسيع السكك الحديدية بقيمة 27 مليار دولار والتي تهدف إلى الوصول إلى المملكة الخليجية.

وقال نتنياهو في تموز/يوليو: “في المستقبل… سنكون قادرين أيضًا على ربط إسرائيل بالقطار مع المملكة العربية السعودية وشبه الجزيرة العربية”.

5- المجال الجوي

وفرت مسارات الطيران والمجال الجوي مجالًا آخر من الود بين البلدين. ففي تموز/يوليو 2022، أعلنت السعودية أنها ستفتح مجالها الجوي أمام جميع الرحلات الجوية المدنية، وكانت قد منعت في السابق الرحلات الجوية للشركات الإسرائيلية وغير الإسرائيلية التي تسافر من وإلى “إسرائيل”.

وجاء هذا الإعلان بعد ساعات فقط من سفر بايدن مباشرة إلى السعودية من “إسرائيل”.

ومنذ ذلك القرار، سُمح للرحلات الجوية من وإلى دول مثل الهند والصين مع إسرائيل بالمرور فوق شبه الجزيرة السعودية، مما أدى إلى خفض ساعات الطيران وكميات كبيرة من الوقود.

وفي الشهر الماضي، قامت طائرة تابعة لشركة طيران سيشل متجهة إلى تل أبيب بهبوط غير مبرمج في السعودية بعد أن واجهت مشكلات فنية. وأمضى 128 إسرائيليًّا كانوا على متن الطائرة الليل في جدة المدينة الساحلية السعودية.

ويُعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي يُسمح فيها لرحلة تجارية متجهة إلى “إسرائيل” بالهبوط في المجال الجوي السعودي.

وقال نتنياهو حينها: “أقدر كثيرا الترحيب الحار من قبل السلطات السعودية للركاب الإسرائيليين الذين واجهت طائرتهم صعوبات واضطرت إلى الهبوط في جدة، وأنا سعيد بعودة الجميع إلى وطنهم”.

وحذت السلطات العمانية حذوها وفتحت مجالها الجوي أمام شركات الطيران الإسرائيلية في شباط/فبراير.

وحتى تلك اللحظة، وحتى مع إتاحة المجال الجوي السعودي، لم تتمكن شركات الطيران الإسرائيلية من فتح ممر لرحلات جوية أطول للتحليق فوق المملكة، وبالتالي اضطرت إلى الاستمرار في تجاوز شبه الجزيرة العربية.

وفي خطوة أخرى نحو تطبيع العلاقات، تتفاوض “إسرائيل” مع السعودية للسماح للفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية بالسفر مباشرة إلى المملكة لأداء مناسك الحج والعمرة، ولم يتم بعد التوصل إلى اتفاق.

المصدر: ميدل إيست آي البريطاني

ترجمة: ريحان الدين – موقع نون بوست




الأغنية الشعبية الفلسطينية: دورٌ بارز في حفظ الهوية الفلسطينية

الأغاني الشعبية الفلسطينية شاركت تاريخياً في تجسيد صور المعاناة التي مرّت وما تزال تمرّ على فلسطين. وهي أيضاً في نظر الكثيرين فعل مقاومة خاص.

تُعَد الأغنية الشعبية واحدة من أهم عناصر التراث الفلسطيني التي لعبت دوراً هاماً في الحفاظ على الهوية الفلسطينية. وبطبيعة الحال، فإن ما قدمه التراث الغنائي الفلسطيني على المستوى الشعبي يحكي الكثير عن فلسطين وشعبها وتاريخها.

وتلعب الموسيقى دوراً أساسياً في الثقافة الفلسطينية، لانغراسها في التجمعات السياسية والمناسبات الاجتماعية. وللمعلومية، فإن الفولكلور الشعبي الفلسطيني يزخر بالإبداعات الشعرية والحرفية والموسيقية ومختلف أساليب التعبير. ويضاف إلى هذا الفولكلور أساليب العيش واللباس وألوان الدبكات والرقصات والعادات والتقاليد.

الأغنية الشعبية: خصائصها وأنواعها ومراحلها

سعى الكثير من الأكاديميين لتعريف الأغنية الشعبية الفلسطينية وتحديد الخصائص التي تعرّفنا بها. وبحسب الباحث إحسان الديك، فإنّ الأغنية الشعبية من أكثر فنون الأدب الشعبي شيوعاً وأهمية، فهي “تؤدى باللحن والكلمة معاً”. كما أنها، حالها حال الأدب كلّه، تعبّر عن “اللاشعور الجمعي للشعب واهتماماته وخلجاته النفسية، ويرتبط بالفطرة ويترك في كلّ جيل أثره”.

ووضع الدكتور أحمد مرسي خصائص عدّة للأغنية الشعبية الفلسطينية. ومن هذه الخصائص أن تكون الأغنية تكون شائعة، وأن يتم تناقلها عن طريق الرواية الشفوية. كما أن هذه الأغنية لا بدّ وأن تتّسم بالمرونة مما يساعدها على الديمومة. وإلى جانب ذلك، فإنّ أسماء الذين ألّفوا هذه الأغاني تكون مجهولة، عدا المحترفين الذين يكتب لهم مؤلفون أغاني ومواويل خاصة بهم.

وهناك أنواعٌ كثيرة للأغنية الشعبية الفلسطينية، منها الموّال بأنواعه البغدادي والأعرج والنعماني. وتختلف طبيعة الموّال وتسميته بحسب عدد الأبيات وتنويع القوافي. ويندرج في إطار الأغاني الشعبية أغاني الأعياد والاحتفالات الدينية، بالإضافة إلى أغاني الحب والغزل والأفراح والختان والميلاد.

وتشمل القائمة أيضاً أغاني الحرب والحماسة والحثّ على القتال. كما تمتاز الأغنية الشعبية الفلسطينية بتلوّن مقاصدها، فبعضها يتناول الجانب السياسي والبعض الآخر للرثاء أو منادمة الشراب أو سرد الحكايات.

وبحسب بعض المراجع، فإنّ الأغنية الشعبية الفلسطينية مرّت بثلاث مراحل وهي الكلاسيكية والرومانسية والواقعية. وتمحورت المرحلة الكلاسيكية حول “مفاهيم طبقة الإقطاع السائدة” في مرحلة ما قبل وقوع نكبة فلسطين. فالدين هو محورها، والقضاء والقدر والقبول التام إلى حد القناعة هو أقصى ما تقدمه هذه الأغاني لطبقة الفلاحين والفقراء والحرفيين. ومن أغاني تلك المرحلة:

يا زارع الوِد هو الود شجرة قُل
وسواقي الوداد نزحت وماءها قَل
أيام بناكل عسل وأيـام بناكل خَل
أيام ننام ع السرير وأيام ننام ع التّل
أيـام نلبس حـرير وأيـام نلبس فـل
أيام بتحكم على أولاد الكـرام تنذل

أما المرحلة الرومانسية فقد ظهرت مع نشوء البرجوازية الجديدة في فلسطين ما قبل النكبة. وفي هذه المرحلة الجديدة، وجد الشعراء وناظمو الأغاني الشعبية في الرومانسية منفذاً للطاقة الشعبية التي تدفقت في مناخ أوسع وأشمل. بيد أن هذا المنفذ لم يتجاوز الهوامش البرجوازية التي سادت تلك المرحلة. ومن أغاني هذه المرحلة:

مـن بعــد هشيـم العظـام لـيش التقطـيب
بتقطّبوني يا ناس وأنا أصلي كنت طـبيب
فتّـشت بالجسـم لقـيت جـرح بـلا تقطـيب
كل ما أخيّط دوايره يفلت مني ولا يطيب”

أما المرحلة الثالثة وهي الواقعية، فقد جاءت نتيجة لحتميّة تطور الصراع الوطني في فلسطين في مطلع القرن العشرين وبداية الثورات الوطنية الشعبية ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية. ومن أغاني هذه المرحلة:

مهما طال عتم الليل بتجليه شمس الحريّة
مهما طال الليل وطال وغطى سواده ع الأطلال
عنّا في الوطن أبطال بتعيد شمـس الحريــة
لأجـل الزيتونة والتوت وأشجار المندلينا
بدنا نحارب حتى نموت أو ترجع فلسطينا

الأغنية الشعبية والتأريخ حتى النكبة

لا يمكن تحديد بدايات الأغنية الشعبية الفلسطينية. وقد تعود البدايات إلى العهد الكنعاني أو الفرعوني. وتطوّرت هذه الأغنية بمفرداتها، وفقاً لمحمد البوجي، أستاذ الأدب العربي والشعبي الفلسطيني في جامعة الأزهر بغزة، منذ ظهور القضية الفلسطينية بداية القرن العشرين. وللمعلومية فإنّ هذا التطور ما زال متواصلاً حتى الآن.

ويشمل ذلك مرحلة الاحتلال البريطاني والنكبة وانطلاقة الثورات والانتفاضات الشعبية. وشكلت جميع هذه الأغاني جزءاً مهماً في تراث الفن الفلسطيني. وكانت تحمّس مشاعر الجماهير بشكل مستمر ضد المحتل.

ووفقاً لدراسة أجرتها الباحثة بنان صلاح الدين بعنوان “البعد الوطني في الأغنية الشعبية الفلسطينية 1917 – 1948″، فإنّ الأغنية الشعبية بدأت تطوّر مفرداتها لرفض الانتداب البريطاني ومقاومة مخططاته. وجاء ذلك منذ الإعلان عن وعد بلفور عام 1917. وثمة عتابا شهيرة من ذلك الوقت يجيء في آخرها:

بلفور وعدك مش على حساب
الضحايا المقتولين
يا حلالي يا مالي

واستمرت تطّور لغة الأغنية الشعبية الفلسطينية مع هبّة البراق التي شهدتها القدس في عام 1929. ومن أبرز الأغاني التي ظهرت حينذاك الأغنية التي أرّخت لإعدام الثوار الثلاثة فؤاد حجازي، عطا الزير، ومحمد جمجوم. وكتب هذه الأغنية الشاعر الشعبي نوح إبراهيم عام 1930 وغنّتها فرقة العاشقين بعد ذلك في الثمانينات. وبمرور الزمن، صارت هذه الأغنية من أبرز الأغاني الشعبية الفلسطينية.

وتابعت الأغنية الشعبية تكيّفها مع تطورات القضية الفلسطينية، لا سيّما الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936. وحاولت الأغاني تأريخ المعارك التي وقعت حينذاك، خصوصاً معارك بلعا وترشيحا وجبع وبني نعيم وغيرها. وواصلت الأغنية الشعبية مواكبة هذا التاريخ بأدق تفاصيله، حتى جاءت نكبة 1948. ومن الأمثلة الأغاني التي جاءت لسرد أحداث معركتي باب الواد والقسطل.

وبعد النكبة، ركزت الأغنية الشعبية اهتمامها على وصف معاناة اللاجئين الفلسطينيين وتأريخ مأساتهم. وتهكّمت بعض الأغاني على ما كانت تقدمه لهم المنظمات الدولية لهم، لا سيّما الصليب الأحمر ووكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا“. ومن تلك الأغاني:

الصليب الأحمر كبّوا طحيناته ضيّع الوطن يفضح خَوَاته
الصليب الأحمر كبّوا سردينه ضيّع الوطن الله يحرق دينه

وتقول أغنية دلعونا أخرى:

دشّرنا كروم العنب والتين وجينا ع ريحا نشحد طحين
دشّرنا بلاد العنب واللوز وجينا ع ريحا نشحد (زيت) كيكوز*

وثمة أغنية عن وكالة الأونروا تقول:

بيقولوا عنّا مهجّرين وبيعدّونا مساكين
بسلموا النفر كيلو طحين صدقة من الاستعمار
بنروح مركز التموين بنلاقي الناس مصطفين
عشان شوية طحين يا للمصيبة والعار

واستمرت الأغنية الشعبية بعد ذلك تحكي عن حنين اللاجئين لوطنهم ومعاناتهم في بلاد الاغتراب واللجوء.

ومن الأغاني الشعبية الفلسطينية الراسخة أغنيتان هما جفرا وهي يالربع ويا ظريف الطول، اللتان خصّص الباحث حسين سليم العطاري كتاباً للحديث عنهما.

المقاومة بالغناء: ربط الحاضر بالماضي

يرى الكاتب أشرف الحساني أنّ تراث الأغنية الفلسطينية لم يقتصر على التوثيق والأرشفة والتأريخ، بل ظلّت أصواته وموسيقاه تُحاكي زخم تموّجات الواقع الفلسطينيّ وما شهده من تحوّلاتٍ وتبدّلات. واخترقت الأغنية الطابع الروتيني لحياة الناس وعبّرت عن جروحهم ومآسيهم في نقد الاحتلال الإسرائيلي.

وبحسب الحساني، فإنّ الأغنية الشعبية وسّعت مفهوم المُقاومة الفلسطينيّة، وأضحت وسيلة للتعبير والنقد. ومنذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، باتت أغني المقاومة تلقى رواجاً وقبولاً كبيراً في الشارع العربي، كما أنها باتت اللون السائد للأغنية الشعبية الفلسطينية.

وهنا، لا بدّ من الإشارة لأهمية الحفاظ على التراث الفلسطيني ومن ضمنه الأغنية الشعبية الفلسطينية، سيّما وأنّه التراث يلعب دوراً مباشراً في مواجهة محاولات فصل الهوية الفلسطينية الحالية عن ماضيها. وبالتالي، فإنّ أي عمليّة استرجاع للتراث وزرعه في الحاضر والمُعاش الفلسطيني، يصبّ في ترسيخ الهوية الوطنية الفلسطينية.

وبطبيعة الحال، فإنّ الفلسطينيين يستحضرون تراثهم أكثر من غيرهم لأسبابٍ مختلفة. ويأتي على رأس هذه الأسباب تباين الظروف الاجتماعية والسياسية والتاريخية التي يعيشها الفلسطينيون في مختلف المناطق التي يعيشون فيها. وبحسب مجلّة رمّان الثقافية، فإنّ محاولات الفلسطينيين المتواصلة لاستحضار التراث الغنائي الفلسطيني ما هي إلا وسيلة للتأكيد على الهوية الثقافية للشعب الفلسطيني.

وهنا لا بد من الإشارة إلى وجود تجارب جماعية متعدّدة قام بها الفلسطينيون لإحياء تراثهم الفني والغنائي والموسيقي. ومن الفرق التي برزت بشكلٍ كبير فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية وفرقة الحنّونة وفرقة العاشقين وفرقة ديرتنا للفنون الشعبية وفرقة أصايل وفرقة جفرا.

أما التجارب الفردية الكثيرة يمكن أن نذكر منها تجربة عبد الله حداد وريم كيلاني وأمل مرقس وريم بنا وسناء موسى ودلال أبو آمنة.

إلى جانب هذه الجهود في إحياء التراث، ثمة جهودٌ أخرى من أجل الحفاظ على التراث، ومبادرات لتوثيق الأغنية الشعبية الفلسطينية، مثل “مركز الفن الشعبي”. وبدأ هذا المركز عمله التوثيقي منذ عام 1994.

وفي نهاية المطاف، يمكن القول إن الأغاني الشعبية الفلسطينية شاركت تاريخياً في تجسيد صور المعاناة التي مرّت وما تزال تمرّ على فلسطين. كما أنها ساهمت بشكل خاص في توثيق الأحداث التاريخية. وهي أيضاً في نظر الكثيرين فعل مقاومة خاص، يرسخ الهوية الوطنية الفلسطينية عبر ربط حاضرها بماضيها أمام المحاولات الكثيرة لفصل هذا الحاضر عن ماضيه.

يوسف شرقاوي

المصدر: موقع fanack.com




حكومة نتنياهو توقف برنامجاً لمنع الجريمة في الوسط العربي

قال تقرير إسرائيلي إن حكومة بنيامين نتنياهو أوقفت برنامج منع الجريمة في الوسط العربي، المعروف باسم «المسار الآمن»، وكانت أطلقته الحكومة السابقة برئاسة يائير لبيد، وهو ما يفسر الارتفاع غير المسبوق في الجريمة هذا العام.

وجاء في تقرير بثه موقع «تايمز أوف إسرائيل» أن حكومة نتنياهو أوقفت البرنامج الذي كان من المقرر تنفيذه على مدى 4 سنوات، نهاية عام 2022، مع انهيار حكومة لبيد ونقل السلطة إلى وزارة الأمن القومي باسمها الجديد، تحت قيادة اليميني المتطرف إيتمار بن غفير.

البرنامج تم تصميمه ووضعه منتصف عام 2021، وكان الغرض الرئيسي منه تحديد وإدانة المجرمين ذوي التأثير الأكبر على عالم الجريمة.

وقال يوآف سيغالوفيتش، نائب وزير الشرطة في حكومة لبيد، الذي أشرف على البرنامج وتولى دور منسق السياسات لمكافحة الجريمة في المجتمع العربية في تلك الفترة، إن البرنامج تبنى نهجاً شاملاً لتكثيف الضغوط على المجرمين، خصوصاً على الجانب المالي، و«وضع حداً لشعورهم بالإفلات من العقاب من خلال جعلهم يفهمون أن قواعد اللعبة قد تغيرت»، على حد تعبيره.

وبحسب سيغالوفيتش، اعتمد البرنامج نهجاً ثلاثي المحاور، فتعاملت إحدى فرق العمل مع تسلل العصابات الإجرامية إلى مناقصات المشروعات العامة، وتناولت فرقة أخرى مقرضي الأموال «الرماديين» و«السود»، وتناولت فرقة ثالثة التهرب الضريبي وغسل الأموال من خلال تتبع الفواتير المزيفة ومقدمي الخدمات المالية مثل صرف العملات المستخدمة كغطاء، على سبيل المثال.

وارتفعت الجريمة هذا العام بشكل غير مسبوق في الوسط العربي بإسرائيل، وحصدت أرواح نحو 190 حتى الآن، وراحت تصبح دموية أكثر. وقتل 6 أشخاص يوم الأربعاء، بينهم 5 من عائلة واحدة، وقتل شخصان يوم الخميس.

وفي حين قال المفوض العام للشرطة الإسرائيلية، كوبي شبتاي، بحسب تسريبات إسرائيلية، إن «قتل بعضهم بعضاً، هو جزء من طبيعة وعقلية العرب، فإن القيادات العربية تتهم الحكومة الإسرائيلية بالتواطؤ».

وقال رئيس بلدية أم الفحم، سمير محاميد، إنه منذ توقف «المسار الآمن» في نهاية 2022، تغير الواقع على الأرض بشكل واضح.

وأضاف: «كنا نرى سيارات المجرمين تتم مصادرتها. كانت هناك ملاحقات مالية من قبل بنك إسرائيل، وكان هناك انخفاض في عدد القتلى والجرحى، وارتفاع في عدد القضايا التي تم حلها لدى الشرطة. واليوم، لم نعد نرى ذلك. لا يوجد رادع على الأرض».

واتهم محاميد الحكومة بأنها لا تبدي تعاوناً، وقال إن إيتمار بن غفير «غير ملائم لمنصب وزير. لأنه عنصري والقادة المحليون العرب لا يريدون الحوار معه، ورأسماله السياسي بني على حساب المواطنين العرب».

وأضاف: «ثانياً، نحكم عليه استناداً إلى إنجازاته، والدرجة التي نمنحها له هي فشل تام. فقد تضاعفت معدلات الجريمة منذ العام الماضي، كما انخفضت القضايا التي تم حلها من قبل الشرطة بنسبة 10 في المائة، والثقة في سلطات إنفاذ القانون تآكلت بشدة. من المفترض أن تقدم الشرطة خدمة للمواطنين، بما في ذلك المواطنون العرب. وبدلاً من ذلك، نشعر بأنهم يأتون إلى هنا فقط لفرض السيادة والسيطرة».

وشدد محاميد على أن منع الجريمة لا يمكن أن تتحمله السلطات المحلية وحدها، و«هي مسؤولية تقع أولاً وقبل كل شيء على عاتق الحكومة والشرطة والسلطات المالية. نحن كقادة محليين لا نستطيع أن نفعل الكثير، ولكن هذا واجبهم في النهاية».

ولا تستجيب الحكومة الإسرائيلية الحالية لإعادة برنامج المسار الآمن، الذي أثبت فاعليته العام الماضي.

وكانت الأرقام أظهرت نجاحاً واضحاً، خلال الأشهر الستة الأولى من البرنامج، إذ وجهت الشرطة 188 تهمة ابتزاز عن طريق التهديد، بزيادة قدرها 90 في المائة مقارنة بالعام السابق، وصادرت أسلحة إضافية بنسبة 40 في المائة.

ومن بين 1400 مشتبه بهم مستهدفين تم تحديدهم في بداية البرنامج، وجهت لوائح اتهام إلى 456 منهم في غضون عام واحد. بالإضافة إلى ذلك، بحلول نهاية عام 2022، تم إغلاق 47 «مقدم خدمات مالية»، وتمت مصادرة عشرات الملايين من الشواقل، وضبط أكثر من 530 قطعة سلاح، من بينها مسدسات وبنادق وقنابل يدوية وعبوات ناسفة وقذائف هاون.

كفاح زبون

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




الاحتلال يحوّل القدس إلى ثكنة عسكرية مع بدء الاحتفالات بـ”عيد العرش”

حوّلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي البلدة القديمة من القدس منذ صباح اليوم السبت، إلى ثكنة عسكرية مع بدء أولى الاحتفالات اليهودية بما يسمى عيد العرش، التي تستمر حتى السابع من أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

وكانت قوات الاحتلال قد أرغمت صباح اليوم العشرات من أصحاب المحال التجارية في سوق القطانين المؤدي إلى المسجد الأقصى لتمكين المستوطنين من القيام بصلوات وطقوس تلمودية داخل السوق، حيث وصلت منذ الصباح مجموعات من هؤلاء المستوطنين إلى هناك، وشرعت بأداء طقوسها الاستفزازية. 

ويعد “عيد العُرش” أحد “أعياد الحج” الثلاثة لدى اليهود وفق النصوص الدينية، وتسعى جماعات الهيكل خلاله لإدخال القرابين النباتية إلى المسجد الأقصى، وزيادة أعداد المقتحمين طوال أيامه الثمانية التي تنتهي بيوم “ختمة التوراة”.

وفي هذا الإطار، توعدت جماعات الهيكل المزعوم، خلال العيد بكسر الأرقام السابقة لأعداد المقتحمين للمسجد الأقصى؛ حيث أعلنت تلك الجماعات أنها ستوفر لأجل ذلك المواصلات المجانية من مختلف المناطق، وستوفر أيضاً الوجبات الخفيفة على باب المغاربة.

وعلاوة على ذلك، دعت جماعات الهيكل إلى صلاة صباحية مضافة في الأقصى للدعاء “لتطهير الهيكل”؛ أي لإزالة الأقصى من الوجود، تسبقها صلوات ترافقها الموسيقى في القصور الأموية، وذلك بعد غد الاثنين، الموافق لليوم الثاني لاقتحامات “عيد العُرش”.

ودعت منظمة “جبل الهيكل في أيدينا” جمهورها إلى التبرع لتحقيق هذه الغاية؛ عارضة أمامهم أدوات عدة يمكن تمويل المنظمة من خلالها.

وتتخذ جماعات الهيكل المتطرفة من عيد العرش التوراتي مناسبة سنوية لرفع أعداد المقتحمين السنوي، باعتباره أحد “أعياد الحج” الثلاثة وفق النصوص الدينية، ويمتد لثمانية أيام، ويشكل ذروة موسم الأعياد الطويل؛ ما يجعل تعويل تلك الجماعات عليه مضاعفاً للتقدم في أجندتها لتهويد المسجد الأقصى.

وتزامن تصعيد جماعات الهيكل هذا العام مع الذكرى الثالثة والعشرين لهبّة القدس والأقصى في عام 2000، حين اقتحم وزير جيش الاحتلال آنذاك المسجد الأقصى، ما سبّب مواجهات وانتفاضة عارمة وارتقاء عشرات الشهداء والجرحى برصاص قوات الاحتلال التي اقتحمت الأقصى وأطلقت النار عشوائياً على المصلين.

وفي حديث لـ”العربي الجديد”، أكد رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس، الشيخ عكرمة صبري، أن اقتحام شارون للأقصى، الذي أسس لاقتحامات المستوطنين، لن تثني المقدسيين عن الدفاع عن مسجدهم مهما كانت التضحيات، مشدداً على فشل محاولات الاحتلال في التقسيم الزماني والمكاني للمسجد.

وحثّ صبري أبناء الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة داخل الوطن إلى شد الرحال للمسجد الأقصى والرباط فيه.

في سياق منفصل، أُصيب شاب فلسطيني، فجر اليوم السبت، بجروح برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي، خلال مواجهات شهدتها مدينة أريحا شرقيّ الضفة، فيما أُصيب مواطن فلسطيني إثر اعتداء مستوطنين عليه في طريق المعرجات شمال غرب أريحا، مساء يوم أمس الجمعة، واعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس الجمعة، شاباً في أثناء مروره على حاجز عسكري جنوب أريحا.

إلى ذلك، أُصيب عدد من الفلسطينيين بالاختناق بالغاز السام المسيل للدموع، مساء أمس الجمعة، في قرية جلبون شمال شرق جنين، واعتقلت قوات الاحتلال شاباً من قرية العرقة، غرب جنين، واعتقلت أيضاً الأسير المحرر إسلام أبو شنب من مدينة طولكرم شماليّ الضفة، في أثناء مروره على حاجز شوفة العسكري جنوب شرقيّ طولكرم.

محمد عبد ربه – محمود السعدي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




عبر اللغة العبرية ومنهاج تعليمي محرّف.. إسرائيل تسعى لإخضاع المقدسيين 

مع بداية كل عام دراسي، تكثّف إسرائيل محاولاتها لفرض منهاجها التعليمي على المدارس الفلسطينية في مدينة القدس الشرقية المحتلة.
غير أن العام الدراسي الحالي، الذي بدأ في وقت سابق من سبتمبر/ أيلول الجاري، يبدأ مختلفاً، مع تخصيص حكومة الاحتلال المزيد من الميزانيات لتعليم اللغة العبرية وتنظيم أنشطة لا منهجية بالعبرية في المدينة.
وبلغ عدد سكان القدس بشطريها الشرقي والغربي 965 ألف نسمة، بينهم 375 ألف فلسطيني، أي حوالي 38.8% من السكان، بحسب دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية، في وسط 2022.
ومن بين الفلسطينيين، بلغت نسب مَن هم دون 34 عاماً كما يلي: ما دون 14 سنة 36%، 14-19 سنة 12%، 20-24 سنة 10%، 25-29 سنة 8%، 30-34 سنة 6%.
ويشكو الفلسطينيون من أن حكومة الاحتلال تعمل على إخضاع شباب المدينة عبر تعليم العبرية، كخطوة نحو “دمج” المجتمع المقدسي في المجتمع الإسرائيلي.

تعيد إسرائيل طباعة المنهاج الدراسي الفلسطيني مع شطب كل ما يشير إلى الرواية والهوية الفلسطينيتين منه، ومحاولة فرضه على المدارس

رواية غير حقيقية

رئيس مؤسسة فيصل الحسيني (خاصة) عبد القادر الحسيني قال لـ “الأناضول”: “من الواضح أن الإسرائيليين بعد كل هذه السنوات فشلوا في أن يقلّلوا من عددنا، أو أن يسيطروا علينا ثقافياً، وبالتالي فإنهم بدأوا بتغيير مسارهم باتجاه محاولة دمج الفلسطينيين المقدسيين”.
وتابع أن “هذا يحتاج إلى عمل كثير في مجال الثقافة وغسيل الأدمغة، وهذا ما تفعله إسرائيل بدءاً بطرح رواية مختلفة عن روايتنا الحقيقية (بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة) ومحاولة فرضها على مدارسنا”.
ويقول المقدسيون إنه إضافة إلى محاولة فرض المنهاج التعليمي الإسرائيلي على المدارس في القدس، تعيد إسرائيل طباعة المنهاج الدراسي الفلسطيني مع شطب كل ما يشير إلى الرواية والهوية الفلسطينيتين منه، ومحاولة فرضه على المدارس.
وترفض غالبية المدارس في المدينة توزيع هذه الكتب، ويطلق عليها الفلسطينيون اسم “المنهاج المحرّف” .
وخلال الأشهر الماضية، وجّهت كل من بلدية الاحتلال في القدس ودائرة المعارف الإسرائيلية تهديدات إلى إدارات مدارس في المدينة بسحب تراخيص عملها، في حال وزّعت كتب المنهاج التعليمي الفلسطيني على الطلاب.
ومستنكراً، قال الحسيني: “يأتون برواية معادية لنا، ولا تحكي تاريخنا الحقيقي، وإنما تحكي عن تاريخ مزيف، ويحاولون فرضها علينا”.
وأضاف: “في المدارس الحكومية التابعة لإسرائيل، أدخلت حوالي 24 من أصل 100 مدرسة مساق المنهاج الإسرائيلي “الباجروت”، وهناك أيضاً 8 مدارس خاصة معظمها صغيرة أدخلت هذا المنهاج”.
الحسيني استدرك: “ولكن معظم المدارس، بما فيها تلك التي تدار من قِبل الاحتلال الإسرائيلي، تعّلم المنهاج التعليمي الفلسطيني التوجيهي”.

أسرلة التعليم

ولا تخفي إسرائيل سعيها إلى فرض المنهاج الإسرائيلي على المدارس قي القدس الشرقية كخطوة نحو “الاندماج في المجتمع الإسرائيلي”.
وفي اجتماع للجنة البرلمانية لبرامج التعليم بالقدس الشرقية، في يوليو/ تموز الماضي، قال عضو الكنيست من حزب “هناك مستقبل” موشيه طور باز: “إذا قامت اللجنة بتشجيع هذا الاقتراح (فرض المنهاج الإسرائيلي)، فإن معظم سكان القدس الشرقية سيسعدون بتعلّم المنهاج الإسرائيلي والاندماج بشكل ملائم في المجتمع الإسرائيلي”.
وفي نهاية أغسطس/آب الماضي، أقرّت الحكومة خطة خمسية للسنوات 2024 وحتى 2028 بقيمة 3.2 مليار شيكل (843 مليون دولار) لأسرلة التعليم، وتنفيذ مشاريع استيطانية بالقدس الشرقية.
وتخصص الخطة ما لا يقل عن 800 مليون شيكل (209 ملايين دولار) لفرض المنهاج التعليمي الإسرائيلي وبرامج اللغة العبرية في المدينة، بحسب نص الخطة التي اطلعت عليها “الأناضول”.
وآنذاك، اعتبر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أنه من خلال الخطة “نغّير وجه القدس”، مضيفاً: “نحن نعزّز الحكم في القدس، نحن نوحّد القدس”.
وبموازاة ذلك، ازدادت بشكل ملحوظ في القدس الشرقية مراكز تعليم اللغة العبرية، وتم مؤخراً افتتاح مركز إسرائيلي لدراسات التكنولوجيا المتقدمة في وسط المدينة.
ويدرس القسم الأكبر من الطلاب الفلسطينيين في المدينة بالجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية، أو الجامعات خارج الأراضي الفلسطينية وقسم أقل في الجامعات والمعاهد الإسرائيلية.
ولكن إسرائيل تشجع هؤلاء الطلاب على الدراسة في جامعاتها ومعاهدها، وتعتبر أن الطريق لذلك يبدأ بدراسة المنهاج الإسرائيلي في المدارس.

القوة العاملة الرئيسية

“بعد فشل طردنا من المدينة، فإنهم يلجأون إلى محاولة الاحتواء والدمج”، كما أضاف الحسيني.
وأردف: “ديمغرافية القدس الغربية هي في غالبيتها من اليهود المتدينين الذين لا يعملون في الكثير من الوظائف، ونحن في القدس الشرقية، القوة العاملة الرئيسية في المستقبل، وبالتالي من الممكن أن الإسرائيليين وجدوا أن من الضروري دمجنا شريطة أن نبقى في أدنى السلم الاقتصادي والاجتماعي”.
الحسيني تابع أنه “من أجل ذلك نلاحظ أن هناك تعليم لغة عبرية، ومحاولة فرض المنهاج”.
وقال الائتلاف الأهلي لحقوق الفلسطينيين في القدس (مؤسسة أهلية)، في بيان مؤخراً: “جزء كبير من ميزانية الخطة، حوالي 800 مليون شيكل، يذهب الى أسرلة وتهويد التعليم، حيث ربط دعم التعليم بتطبيق نظام التعليم الإسرائيلي من خلال زيادة عدد المدارس التي تستخدم نظام “الباجروت” وتدريس المنهاج الاسرائيلي وزيادة عدد الطلبة الذين يدرسون ضمن المنهاج الإسرائيلي”.

وجّهت كل من بلدية الاحتلال في القدس ودائرة المعارف الإسرائيلية تهديدات إلى إدارات مدارس في المدينة بسحب تراخيص عملها، في حال وزّعت كتب المنهاج التعليمي الفلسطيني على الطلاب

أما الحسيني فشدد على أن “هذه السياسة الإسرائيلية مبنية على أساس أمني، فحتى إدارة التعليم الإسرائيلية يديرها أناس مع خلفيات أمنية، وهي لن تجلب لا استقرار ولا سلام ولا هدوء، وإنما الكبت الشديد الذي سيولد في لحظة معينة الانفجار”.

قلب الدولة الفلسطينية

وعبَّرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية مراراً عن قلقها من تصاعد الاتجاه الوطني لدى الشباب الفلسطيني في القدس الشرقية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالاعتداءات على المسجد الأقصى.
وفي خطب الجمعة، يدعو خطباء المساجد الأهالي إلى الامتناع عن إرسال أبنائهم إلى المدارس التي تعلم المنهاج الإسرائيلي، وعلى شبكات التواصل الاجتماعي يحذر نشطاء من هذا المنهاج.
وقال الحسيني: “لدينا مدارسنا ومؤسساتنا ومراكزنا، صحيح أنها تعاني بشكل كبير، ولكنها الضمانة الوحيدة لكي نحافظ على هويتنا وعلى روايتنا وعلى وجودنا وعلى طموحنا بأن نكون جزءاً لا يتجزأ وقلب الدولة الفلسطينية”.

الحسيني: السياسة الإسرائيلية مبنية على أساس أمني، فحتى إدارة التعليم الإسرائيلية يديرها أناس مع خلفيات أمنية، وهي لن تجلب لا استقرار ولا سلام ولا هدوء

وزاد بأنه “إذا كان الإسرائيلي يريد أن يعمل الشيء الصحيح، فمن المفترض أنه بدلاً من محاولة احتواء الفلسطيني بالقدس أن يحترم طموح الفلسطيني، فنحن نريد استقلالنا وأن نكون جزءاً من الدولة الفلسطينية”.
الحسيني أردف: “طالما أن هناك مخاوف، فهذا يعني أن هناك وعياً، وهذا ما نعبّر عنه من خلال الرسائل، بأن على الناس أن يكونوا معتدّين بثقافتهم ومتمسكين بحقهم في الحرية والاستقلال، فلقمة العيش مهمة، ولكن من حقك أيضاً أن تحصل على استقلالك”.
وتزعم إسرائيل أن القدس، بشطريها الشرقي والغربي، عاصمةً لها، بينما يتمسك الفلسطينيون بالقدس الشرقية عاصمةً لدولتهم المأمولة، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية، التي لا تعترف باحتلال إسرائيل للمدينة عام 1967 ولا بضمّها إليها في 1981.

المصدر: وكالة الأناضول




للوسط العربي في إسرائيل: هبوا لعصيان مدني في وجه دولة عنصرية لا تراكم فيها مواطنين

حوالي 2000 مواطن عربي قتلوا منذ بداية العام 2000 في دولة إسرائيل. غالبيتهم الساحقة على يد عصابات الجريمة المنظمة في المجتمع العربي الفلسطيني. في الدولة، التي كلها أذرع أمن وتمتد على مساحة جغرافية صغيرة نسبياً، نشاهد ظاهرة واضحة ومدمرة: نفس هذه الدولة، مع الأجهزة الأمنية والشرطية، يمكنها توفير الأمن لمعظم مواطنيها اليهود الذين يشكلون 80 في المئة من إجمالي سكانها، وتحرم المجتمع العربي من الأمن، الذي يشكل 20 في المئة من إجمالي سكانها.
منذ سنوات، يناضل جميع زعماء المجتمع العربي في إسرائيل لتقوم الدولة بدورها الأساسي والأهم – توفير الأمن لجميع المواطنين ومكافحة الجريمة المنظمة الآخذة في الازدياد. المجتمع العربي الفلسطيني استخدم جميع الوسائل القانونية لزيادة الوعي وتحدي الجريمة فيه. خلال سنوات، أغلقنا الشوارع ونظمنا اعتصامات احتجاج وإضرابات والتظاهر في عدة أماكن، طرحنا الموضوع في وسائل الإعلام، وكل أعضاء الكنيست طرحوا الموضوع للنقاش في الكنيست ولجانها، وتم عقد عشرات الجلسات مع قيادة الشرطة. وكل ذلك لم يؤد إلى استئصال الجريمة، بل ازدادت قوة منظمات الجريمة في المجتمع العربي.
بعد تقويض جميع الادعاءات المستخفة والعنصرية التي استهدفت تبرير عجز الشرطة بذريعة الثقافة الفاسدة وعدم التعاون من السكان العرب وغير ذلك، نقف في هذه الأثناء أمام صراع وهمي: تبادل الاتهامات بين “الشاباك” والشرطة حول من هو المسؤول منهما عن الوضع البائس الذي وصلنا إليه، والذي تسيطر فيه عصابات الجريمة على كل جزء جيد في المجتمع العربي وتدمره. في الوقت نفسه، لم نسمع عن قادة كبار في “الشاباك” أو في الشرطة أقيلوا من وظائفهم بسبب الكارثة التي تسببوا بها في أعقاب السياسة العنصرية والتمييز بين الدم اليهودي والدم العربي.
عدم رغبة الشرطة وأجهزة الأمن والحكومات المختلفة في استئصال الجريمة في المجتمع العربي – الفلسطيني في إسرائيل، لا يترك أمامنا أي خيار عدا التوجه إلى النضال بوسائل أخرى. علينا البدء في الانتظام لقيادة عصيان مدني لإنقاذ حياتنا ومستقبلنا ومستقبل أولادنا. هذا العصيان يشمل نشاطات جماهيرية غير عنيفة تهدف إلى إحداث التغيير في سياسة الشرطة والحكومة في قضية مكافحة الجريمة المنظمة في المجتمع العربي.
بدون أدنى شك، الأغلبية اليهودية في الدولة التي لا تواجه تحدياً مشابهاً، قد يبدو هذا الأمر سخيفاً لها، ولكن الأقلية الفلسطينية في 2023، التي حُرمت من جزء كبير من الحقوق وهي تتعرض للتمييز في كل مجالات الحياة، في الدولة اليهودية والديمقراطية، أصبحت مضطرة للكفاح من أجل حق أساسي، وهو فوق كل قانون – الحق في الحياة.
السبب الرئيسي للحاجة إلى عصيان مدني من أجل النضال على حق أساسي هو عنصرية الشرطة وأجهزة الأمن والمستوى السياسي في الدولة اليهودية. لو أنه كان لحياة المواطن العربي نفس الأهمية في نظر الشرطة ومتخذي القرارات كما هي الحال بالنسبة للمواطن اليهودي، لما وصلنا إلى الوضع الخطير الذي وصل إليه المجتمع العربي في السنوات الأخيرة. لذلك، فإن جزءاً من النضال من أجل الحق في الحياة بأمان هو مكافحة العنصرية التي تلون أجهزة ومؤسسات الدولة اليهودية.
لقد حان الوقت لتغيير المرحلة وإعداد المجتمع لعصيان مدني طويل المدى. لن يكون هذا سهلاً، لكنه سيكون بداية طريق جديدة في العلاقات بين الأقلية الفلسطينية ودولة إسرائيل.
سامي أبو شحادة

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية




موت أوسلو ونهاية حل الدولتَين

في الذكرى الثلاثين للاتفاقية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، يجب الإصرار على مقاربة مبنيّة على الحقوق المتساوية لمواجهة التعنّت الإسرائيلي.


صادف يوم الثالث عشر من هذا الشهر الذكرى الثلاثين على توقيع اتفاقية أوسلو بين الجانبَين الفلسطيني والإسرائيلي. بعد مرور كل هذا الوقت، هل حقّقت أوسلو ما كان يصبو إليه الجانب الفلسطيني؟ من المهم التذكير بالأُسس التي قامت عليها هذه الاتفاقية. فقد تم الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وتم الاتفاق على سلطة فلسطينية انتقالية، تُقام أولا في غزة وأريحا، وتمتد تدريجيًا إلى مناطق في الضفة الغربية، قُسِّمت إلى “أ” و”ب” و”ج”، تبعًا للقدر الذي تسيطر فيه السلطة الانتقالية عليها. وتم الاتفاق على تأجيل البحث في قضايا الوضع النهائي، أي قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية، إلى ما بعد ثلاث سنوات من بدء العمل بالسلطة الفلسطينية الانتقالية، على أن تنتهي هذه المفاوضات خلال سنتَين من بدئها، أي بعد خمس سنوات من إنشاء السلطة الفلسطينية، وينتج عنها حل دائم للقضية الفلسطينية بحلول شهر 5 في العام 1999.

وقد جوبهت الاتفاقية بمعارضة فلسطينية وعربية وإسرائيلية، ولكن حجة الرئيس ياسر عرفات كانت آنذاك أنها تؤسّس لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ولو بالتدريج. ومع أن أوسلو لم تشِر إلى قيام دولة فلسطينية بعد خمس سنوات، فإن الجانب الفلسطيني والعربي والدولي كان يأمل بذلك، ما دعاه إلى قبول مبدأ حل الدولتَين والتقدّم بمبادرات دولية عدة لتحقيق ذلك، وعلّل الجانب الفلسطيني قبوله بعدم تجميد المستوطنات منذ لحظة التوقيع على أوسلو بأن ثلاث سنوات من بناء المستوطنات لن تغيّر الواقع كثيرًا على الأرض.

بعد ثلاثين عامًا، يبدو واضحًا أن كل الفرضيات التي بُنيت عليها الاتفاقية، تم نسفها. الفرضية الأولى نادت بانتهاء المفاوضات بعد خمس سنوات. واليوم، غدا واضحًا أن ما من مفاوضات فلسطينية إسرائيلية بعد الآن، وأن الفجوة بين الجانبَين أكبر بكثير من تلك قبل ثلاثين عامًا.

الفرضية الثانية كانت تفضي إلى أن نظرية الفصل بين الجانبَين ستؤسّس لحل الدولتين. أما اليوم، فإن عملية بناء المستوطنات التي لم تتوقف، أدت إلى ازدياد عدد المستوطنين من مئتَين وخمسين ألفًا غداة توقيع أوسلو، إلى أكثر من سبعمئة وخمسين ألف مستوطن اليوم، ما يجعل إمكانية فصل الجانبين مستحيلة.

الفرضية الثالثة هي أن المرحلة الانتقالية ستسهم في بناء الثقة بين الجانبَين، ما سيساعد في مفاوضات الوضع النهائي. من الواضح اليوم ليس فقط أن الثقة بين الجانبَين شبه معدومة، ولكن أيضًا أن المجتمع الإسرائيلي آخذٌ في التوغل في عنصريته وتديّنه، وأن قلة تكاد تُعدّ على أصابع اليد الواحدة في الكنيست الإسرائيلي هي من تدعو لمفاوضات تؤدي إلى حل الدولتَين.

إن الموقف المعلن للحكومة الإسرائيلية اليوم هو رفض الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، ورفض إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، بما فيها القدس الشرقية. يُضاف إلى ذلك أن التعويل على أن موقف الحكومة الإسرائيلية اليوم قد يكون مؤقتًا وقد تأتي حكومة جديدة أقل تشدّدًا، لا ينسجم مع الحقائق. فالتحوّل إلى اليمين العنصري في المجتمع الإسرائيلي آخذٌ في الازدياد منذ عشرين عامًا، ولا يمكن وصفه بتحوّل مرحلي، والانقسام الداخلي الإسرائيلي اليوم ليس بين المؤيدين لعملية السلام والمعارضين لها، كما كان الحال في السابق، ولكنه انقسام بين المؤيدين لنتنياهو والمعارضين له فقط. أما تجاهل إقامة دولة فلسطينية، فيحظى بإجماع كبير في الكنيست والمجتمع الإسرائيلي اليوم.

ماذا بقي من إطار أوسلو إذًا؟ لم يبق شيء. فكيف نفسر هذا التشبّث الدولي بهذه الاتفاقية؟ لقد رفعت الإدارة الأميركية يدها عن محاولة رعاية مفاوضات تؤدي إلى حل على أساس الدولتَين منذ عشر سنوات، واستعاضت عن ذلك علنًا بمحاولة تهدئة الوضع لفترة طويلة حتى تتهيأ الظروف، بقدرة قادر، على استئناف المفاوضات، إضافةً إلى محاولتها إدخال المملكة العربية السعودية في ما يُدعى بـ”الاتفاقات الإبراهيمية”، ما يعطي الانطباع بأن السلام ممكن في المنطقة من دون الجانب الفلسطيني، ما يؤدي عمليًا إلى وأد المبادرة العربية للسلام. تفسّر الإدارة الأميركية هذا الموقف باقتناعها بعدم جدوى محاولة التوصّل إلى حل في هذه المرحلة، وما لم تقله علنًا هو عدم رغبتها في الدخول في مواجهة مع إسرائيل لاعتبارات داخلية.

أما المجتمع الدولي، وبالأخص الاتحاد الأوروبي، فهو يسير خلف الموقف الأميركي بتأييد لفظي لحل الدولتَين، من دون إقرانه بأي خطة لتنفيذه أيضًا، تجنّبًا لأي مواجهة مباشرة مع إسرائيل. وهو موقف ترتاح له إسرائيل كثيرًا، لأنه يساعدها على ابتلاع المزيد من الأرض وزيادة عدد المستوطنين والمستوطنات وقتل حل الدولتَين، بينما يتغنّى المجتمع الدولي بهذا الحل صباح مساء. إن كان المجتمع الدولي متوغّلًا في لعبة لن تؤدي إلى حل لأسبابه التي أوردتها، فما حجة الموقف العربي؟

الدول العربية الأربع التي وقّعت “الاتفاقات الإبراهيمية” مع إسرائيل فعلت ذلك لتحقيق مكاسب مع الولايات المتحدة تحديدًا، ومن دون تحقيق أي تنازلات حقيقية من إسرائيل. وما يجري من مفاوضات مع السعودية يندرج تحت هذا الإطار. لقد تقلّص الاهتمام الحقيقي بحل الدولتَين إلى ثلاث جهات عربية هي السلطة الوطنية الفلسطينية والأردن ومصر. لا تريد السلطة الفلسطينية التخلّي عن هذا الحل بعد بنائها مؤسسات فلسطينية وتحقيقها امتيازات لأفرادها لا تريد خسارتها، وهي تختزل اليوم الهوية الوطنية الفلسطينية بهذه المؤسسات، غير مكترثة بجيل فلسطيني جديد ولد معظمه بعد أوسلو وفقد الأمل بشكل شبه كامل بقيادته وبأي أفق دبلوماسي لتخليصه من نير الاحتلال.

الموقف المصري ينظر اليوم إلى القضية الفلسطينية من منظور أمني يتعلق بحفظ الأمن في سيناء، وانحسر دوره إلى حدٍّ كبير في الملف السياسي للقضية، كما كان سابقًا. أما الموقف الأردني، فهو مرتبط بالهاجس المبرّر، وهو محاولة إسرائيل فرض حل على حسابه إن مات حل الدولتَين، ولذا فهو متمسك بهذا الحل، وإن كان على الأغلب يعرف في قرارة نفسه أن هذا الحل بات مستحيلًا. لم يقدّم المسؤول الأردني حتى اليوم حجة متماسكة مقنعة لربط التمسك بحل الدولتَين مع هدف منع التوصّل إلى حل على حسابه، وهو يدرك تمامًا المطامع الإسرائيلية في الاحتفاظ بالقدس والضفة الغربية ورفضها العملي لهذا الحل.

ثلاثون عامًا كافية للوصول إلى قناعة لا لبس فيها بأن إطار أوسلو قد مات. قد لا يكون المطلوب من دول كالأردن أو مصر، أو من السلطة الوطنية الفلسطينية التخلّي عن حل الدولتَين رسميًا، ولكن اعتماد مقاربة وحيدة غير مقرونة بأي تحرك دبلوماسي آخر ليس مقنعًا. ثمة الكثير مما يمكن فعله من استعمال القنوات والمحافل الدولية لفضح الممارسات العنصرية الإسرائيلية مثلًا، أو الإصرار على مقاربة مبنيّة على أساس الحقوق المتساوية بغضّ النظر عن شكل الحل، أو التوقف عن معاملة إسرائيل كدولة صديقة ومراجعة مشاريع مشتركة في قطاعات كالطاقة والمياه تعظم الاعتماد على إسرائيل في قطاعات حيوية.

إطار أوسلو قد انتهى، وكذلك حل الدولتَين والمبادرة العربية للسلام. نحسن صنعًا إن أدركنا ذلك وبدأنا بوضع بدائل لصنع القرار أكثر نجاعة لمواجهة التعنّت الإسرائيلي.

مروان المعشر

المصدر: إصدار ديوان من مركز كارنيغي




إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الأيديولوجيا والهيمنة الخطابية: دراسة بنية الخطاب الإسرائيلي على “إكس” (تويتر سابقًا) و”فيسبوك”

تبحث الدراسة دور شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الهيمنة الخطابية عبر النفاذ التفضيلي والمُقَيَّد؛ إذ تفترض أن النشاط الرقمي للمستخدمين يخضع لتراتبية وتصنيف في القدرة على النفاذ إلى الأحداث التواصلية والخطاب العام كما هي حال الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي. ويَنْتُج عن هذا التفاوت في القدرة على النفاذ تحكُّم تلك المنصات في الخطاب العام عبر تحديد مجالاته وموضوعاته وقضاياه وأشكال تدفُّقه وسياقاته، وتكريس الهيمنة الخطابية للذات الإسرائيلية من خلال حسابات بعض الصحفيين والباحثين والحسابات الرسمية الإسرائيلية على منصتي “إكس” (تويتر سابقًا) و”فيسبوك”، بلغ مجموعها 8 حسابات باللغة العربية خلال العام 2022. وتستعين الدراسة في فهم وتحليل الخطاب الإسرائيلي بالنموذج المعرفي الخماسي لأنماط اشتغال الأيديولوجيا كما أصَّله جون تومبسون في دراسته للأيديولوجيا والثقافة المعاصرة، والبحث في الطرق التي تعمل بها المعاني لتأسيس علاقات الهيمنة والحفاظ عليها.


مقدمة

في ظل الانتشار الواسع لشبكات التواصل الاجتماعي، وتحوُّلها إلى وسائط سائدة يستخدمها الأفراد والجماعات والمنظمات وحتى الدول، فَقَدَ النموذجُ التقليدي للاتصال الذي يجعل المتلقي هدفًا للعملية الاتصالية فاعليتَه ونجاعتَه. وبرز أيضًا دور الشبكات في التدفُّق الاتصالي بأشكاله الرمزية المختلفة؛ إذ ظهر مفهوم الإعلام الفردي الذي سمح للمستخدمين بامتلاك وسائل إعلامهم الخاصة (منصات إذاعية وقنوات تليفزيونية رقمية…) عبر النفاذ لشبكات التواصل الاجتماعي، فأصبح المتلقي منتجًا ومرسلًا وموزعًا ومؤثرًا في المجال العام التقليدي والرقمي.

واهتم بعض الدراسات اهتمامًا كبيرًا بتأثير هذه المنصات في ديناميات الأحداث السياسية وتطوراتها كما حدث في فهم وتفسير الحالة السياسية العربية التي نشأت في سياق ما سُميِّ بالربيع العربي أوائل العام 2011. فظهر بعض المصطلحات التي تصف خصوصية هذه الحالة، وتشير إلى أهمية المتغير التكنولوجي/الرقمي في التحولات السياسية، مثل “ثورة تويتر” و”ثورة فيسبوك” وغيرهما؛ إذ مكَّنت الشبكات مستخدميها من امتلاك وسائل للاتصال والتعبئة لطالما ظلت تحتكرها السلطة ورموزها السياسية والاجتماعية والثقافية في نشر الخطاب الرسمي والترويج لأطروحاته ودعايته.

إزاء هذا “الخطاب التقني المتفائل”، كما يُسمِّيه الأكاديمي جون ماري شينو (Jean M. Chenou) -الذي يعكس رؤية حتمية في العلاقة بين التكنولوجيا والمجتمع ويرى في الويب 2 والتطبيقات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي تعزيزًا لديمقراطية الاتصال والمشاركة السياسية وتقدمًا نحو الديمقراطية- برز أيضًا خطاب تقني نقدي يعتبر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وشبكات التواصل الاجتماعي أدوات تُسهِم في ظهور الاستبداد بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح، والتضييق على الحريات. ويصف هذا الخطاب النقدي خوارزميات الشبكات الاجتماعية والمنصات الرقمية بـ”أسلحة الدمار الحسابي”، كما ورد في دراسة كاتي أونيل (Cathy O’Neil)، أو “خوارزميات القمع”، مثلما ترى الباحثة صفية نوبل (Safiya Noble). وهكذا انتقلت شبكات التواصل الاجتماعي -بحسب حجج هذا الخطاب وأدلته البرهانية- من أداة للتمكين الفردي ودَمَقْرَطَة الاتصال إلى بيئة يجري فيها توظيف و”تسليح” المعلومات لتحقيق مكاسب جيوسياسية. 

يكشف هذان الخطابان، رغم اختلاف منطلقاتهما وأهدافهما، أن شبكات التواصل الاجتماعي لها القَدارَة على تشكيل الاستخدام وتكييفه مع أهدافها وإستراتيجياتها وتأطيره، وهو ما يعني التحكُّم في طرقه ومنافذه كما يحصل في التعليمات البرمجية (الخوارزميات) المرتبطة بهذه الشبكات. وهنا، تفترض الدراسة أن شبكات التواصل الاجتماعي تمارس سلطة خطابية على الأفعال التواصلية؛ ما يجعل نشاط وحركة المستخدمين تخضع لتراتبية وتصنيف في القدرة على النفاذ (نفاذ تفضيلي، ونفاذ مُقَيَّد/مُتَحَكَّم فيه) إلى الخطاب العام والأحداث التواصلية. وينتج عن هذا التفاوت في القدرة على النفاذ التفضيلي تحكُّم تلك المنصات في الخطاب العام، وتحديد الموضوعات والقضايا وأشكال تدفُّقها، وإنتاج الهيمنة الخطابية (استمرار الأيديولوجيات المهيمنة في الخطابات الشائعة كمنظور أحادي شمولي). وبذلك تترسخ “السيطرة” على مؤشرات السياق وإنتاج الخطاب المهيمن؛ إذ يُحدِّد النفاذ التفضيلي مَنْ يستخدم المنصة؟ ومَنْ يشارك في الحدث التواصلي والخطاب العام؟ وما الذي ينبغي أن يقال؟ وكيف يمكن صَوْغ بنية الخطاب وتوزيعه؟ ولمن يُوجَّه الخطاب؟ وفي أي سياق؟

وكلما قَلَّ أو كان النفاذ محدودًا (النفاذ المُقَيَّد) إلى الخطاب والأفعال التواصلية وسياقاتهما انحسرت مشاركة المستخدمين في إنتاج الخطاب العام، بل قد يُسْلَب بعضُهم حرية التدوين والكتابة فيُمْنَع من التعبير عن الرأي، ولا يُفسَح له في المجال للتعليق أو حتى نشر صورة أو كاريكاتير أو إعادة التغريد. ويعني تقييد المشاركة، ومن ثم المنع، انتهاك حق المستخدمين في تلبية احتياجاتهم التواصلية والمعرفية والثقافية والسياسية، وهو ما يؤثر في مواقفهم ومعاييرهم وقيمهم وأيديولوجياتهم ويؤدي إلى التمييز ضدهم وعدم المساواة في الحقوق. وهنا، يصبح النفاذ إلى الأحداث التواصلية والخطاب العام أحد العناصر الرئيسية في استمرار الهيمنة، لأن الخطاب -كما لاحظ توين فان دايك (Teun V. Dijk)- مثل الموارد الاجتماعية القيمة الأخرى التي تمثِّل قاعدة السلطة؛ إذ لا يمكن أن يكون المدخل إليها متكافئًا(1). 

وتُبرِز بعض الأحداث التواصلية خلال السنوات الماضية طبيعةَ العلاقة الارتباطية بين متغيرات الفرضية التي تنطلق منها هذه الدراسة؛ إذ يسمح النفاذ التفضيلي في شبكات التواصل الاجتماعي بتحكُّم الذات المتكلمة/المُخَاطِب في مؤشرات السياق وإنتاج الخطاب المهيمن. أما النفاذ المُقَيَّد لنشاط وحركة المستخدمين فيَحْرِم الذوات الأخرى/المُهَيْمَن عليها من حرية التعبير والمنع من الكتابة والتعليق. ففي سياق الحرب الروسية-الأوكرانية، أفسحت شبكة فيسبوك في المجال لخطاب مناهض للجيش الروسي في أوكرانيا، واستثنته من ضوابطها وقواعدها التي تمنع أي محتوى يدعو إلى العنف والكراهية. بينما فرضت إدارة فيسبوك نفسها ومنصات أخرى قيودًا على الحسابات الرسمية لبعض وسائل الإعلام الروسية (قناة زفيزدا المرتبطة بوزارة الدفاع، ووكالة الأنباء نوفوستي…)، ولم تستثن هذه القيود أيضًا بعض الأفراد في استخدامهم لشبكات التواصل الاجتماعي. وفي انتخابات الرئاسة الأميركية، أوائل 2021، قرَّر بعض هذه المنصات (فيسبوك، إنستغرام، تويتر، يوتيوب) إغلاق حسابات الرئيس دونالد ترامب، الذي وجد نفسه ممنوعًا من النفاذ لتلك الشبكات واستخدامها في التواصل مع أنصاره وقاعدته الانتخابية. وقبل ذلك، وفي ذروة الاحتجاجات التي شهدتها إيران فيما سُمِّي بـ”الحركة الخضراء”، عام 2009، طلبت إدارة الرئيس أوباما -عبر مستشار وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون- من شبكة تويتر تأجيل الصيانة من أجل عدم المساس بوسيلة مهمة يستخدمها المحتجون (أنصار زعيم الحركة، مير حسين موسوي) في تغطية الأحداث ونقل صورة الوضع الداخلي إلى العالم الخارجي. 

وتبدو الأحداث التواصلية المرتبطة بالقضية الفلسطينية أكثر الأفعال الدالة على العلاقة الارتباطية بين متغيرات الفرضية التي تُؤَسِّس لمنطلقات الدراسة؛ حيث تَبرُز بوضوح القيود التي تفرضها شبكات التواصل الاجتماعي (النفاذ المقيد) في حصار الرواية الفلسطينية بشأن الانتهاكات والخروقات التي يتعرض لها الفلسطينيون من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي وسياساته. فتمارس أشكالًا مختلفة من السلطة والسيطرة على الخطاب الفلسطيني، سواء الذي ينتجه المستخدمون أو وسائل الإعلام التقليدية والرقمية، والتحكُّم في سياقات إنتاجه عبر الحذف والحجب والمنع وإلغاء الحسابات الشخصية (مَنْ يُدوِّن أو يكتب؟ وماذا يكتب؟ وكيف يكتب؟ ومتى يكتب؟ وأين يكتب؟ ولمن يكتب؟). في المقابل، تسمح هذه الشبكات للمستخدمين الإسرائيليين بالنفاذ التفضيلي الذي وظَّفه عدد من الصحفيين وكتَّاب الرأي، فضلًا عن مؤسسة الجيش الإسرائيلي، في تحويل المنصات الاجتماعية إلى مجال رقمي عسكري لنشر صور الجنود وقصصهم في ساحة الحرب، ولإنتاج خطاب يتجاوز القواعد والضوابط التي تمنع أي محتوى يُشيد بالعنف والكراهية، بل يحرض هذا الخطاب على قتل الفلسطينيين عبر حملات منظمة و”سحقهم سحقًا”، وهو ما أسماه الأكاديميان المتخصصان في السياسات الرقمية، عدي كونتسمان (Adi Kuntsman) وربيكا ستين (Rebecca Stein)، بـ”العسكرة الرقمية” للمنصات، والتي تُبيِّن إستراتيجيات تلك المنصات في دعم الرواية الإسرائيلية والترويج لها والمساهمة في إنتاج خطاب أيديولوجي عبر شبكات التواصل الاجتماعي(2).

وفي سياق تحليل الخطاب الإسرائيلي وتحديد إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الهيمنة الخطابية، ستركز الدراسة على عينة قصدية لعدد من الحسابات على منصتي تويتر وفيسبوك باللغة العربية لصحفيين وباحثين إسرائيليين، إضافة إلى حسابات لجهات رسمية، يبلغ مجموعها 8 حسابات، وهو ما سيتيح إمكانية المقارنة بينهما(3). ومن خلال الملاحظة وتتبُّع الباحث لآثار السلوك الاتصالي لهذه الحسابات، يبدو النشاط الرقمي لأفرادها مُنَظَّمًا كما لو أن هناك “هيئة تحرير” تشرف على عملها، مثلما سنرى لاحقًا، ويكاد المحتوى (المنشورات والتعليقات والصور والكاريكاتير) يكون هو نفسه، حيث يجري تدويره في المنصتين. لذلك ستركز الدراسة على النماذج المنشورة في تويتر خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني 2022 إلى ديسمبر/كانون الأول 2022.

وتعتمد الدراسة إستراتيجية بحثية مُركَّبة ترتكز على منظورين تحليلين متكاملين يُوجِّهان مسارها البحثي في تحليل إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الأيديولوجيا والهيمنة الخطابية من خلال دراسة بنية الخطاب الإسرائيلي المنشور على فيسبوك وتويتر: أولهما: الإطار النظري والمنهجي للتحليل النقدي للخطاب- كما أسَّسته أعمال نورمان فاركلوف (Norman Fairclough) وروث ووداك (Ruth Wodak)، ولاحقًا دراسات توين فان دايك (Teun Van Dijk). وثانيهما: الإثنوغرافيا الرقمية. ويَبْرُز هذا التكامل في رؤيتهما للخطاب باعتباره جزءًا من الأحداث الاجتماعية التي تُبلوِرها وتُنتِجها قُدرات البنى الاجتماعية، وهو (الخطاب) يُحدد رؤيةَ الفاعلين للعلاقات الاجتماعية والهوية وللعالم. وهنا، يهتم التحليل النقدي للخطاب بدراسة ضُروب الخطاب وطُرقه المختلفة في تَمْثِيل العالم والسيرورات والعلاقات الاجتماعية والبنى في العالم المحسوس، و”العالم العقلي”، الذي يحوي الأفكار والمشاعر والمعتقدات، والعالم الاجتماعي. وتُشكِّل ضروب الخطاب منظورات مختلفة موضوعها العالم ومرتبطة بالعلاقات المختلفة بين الناس والعالم، علمًا بأن هذه العلاقات تستند إلى مواقع الناس في العالم وهوياتهم الاجتماعية والشخصية والعلاقات الاجتماعية التي تربطهم بالآخرين(4). لذلك يُمثِّل الخطاب المجتمعَ والثقافةَ؛ إذ يُعد نمطًا من أنماط الفعل الاجتماعي ويَنْتُج في إطار التفاعل مع البيئة الاجتماعية، وتكون العلاقة بين النص والمجتمع علاقة توسطية، بل يُجسِّد الخطاب عملًا أيديولوجيًّا(5).

ويظهر الخطاب بثلاثة أشكال في الممارسة الاجتماعية، كأصناف (طُرق الفعل) وهي طرق مختلفة في الفعل والتفاعل الخطابي، وكضروب (طُرق تمثيل) وتعكس العالم المحسوس والممارسات الاجتماعية الأخرى، وكأساليب (طرق كينونة). ولذلك عندما يقوم التحليل النقدي للخطاب بتحليل نصوص معينة كجزء من أحداث معينة يقوم بشيئين مترابطين: أولًا: يعالجها من منطلق جوانب المعنى الثلاثة (الفعل، والتمثيل، وتحديد الهوية) وكيفية تحققها في سمات النص المختلفة. وثانيًا: يقيم التحليل رابطًا بين الحدث الاجتماعي المحسوس والممارسات الاجتماعية الأكثر تجريدًا بالتساؤل حول كيفية استناد النصوص المدروسة إلى الأصناف وضروب الخطاب والأساليب، وكيفية تمفصل هذه العناصر الثلاثة مع بعضها بعضًا في النص(6).

ويتعزَّز هذا المنظور التحليلي للخطاب باعتماد الدراسة أيضًا المنهج الإثنوغرافي الرقمي في تحليل إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الأيديولوجيا والهيمنة الخطابية عبر تتبُّع الآثار الرقمية للمستخدمين وجمع المشاركات التي يُنتِجها أفراد العينة والحسابات المختلفة، وتحديد الآليات والقواعد التي تحكم سياسة شبكات التواصل الاجتماعي في هذه المشاركات، والتعرف على أهدافها وخلفياتها. لذلك تبرز أهمية الإثنوغرافيا الرقمية باعتبارها إستراتيجية بحثية لدراسة استخدامات الإنترنت، والممارسات الاجتماعية عبر الخط، والكيفية التي يشترك بها الناس في علاقات شبكية، وتفسير النظام الأخلاقي لأنشطتهم. كما تركز هذه الإستراتيجية البحثية على تحليل ظروف إنتاج المحتوى واستقباله واستهلاكه، وتطوير فهم للجمهور النشط من خلال استكشاف قراءات النوع، وقضايا العرق والجنس، والحياة العائلية والهوية من أجل فهم الإعلام باعتباره شكلًا ثقافيًّا(7). وفي سياق هذا المنظور الثقافي، تهتم الإثنوغرافيا الرقمية بأقوال الناس وأفعالهم، بما في ذلك الشروط المادية لوجودهم، ورؤيتهم للعالم، أي كيف يُشيِّد الناس المعنى فيما يتعلق بتجاربهم وأفعالهم(8). ويستعين الباحث في النفاذ إلى رؤية العالم التي يُكوِّنها أفراد العينة (الذات الإسرائيلية) عن القضايا والموضوعات وصيرورة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بأداة الملاحظة عبر الخط التي تسمح له بتتبُّع مشاركاتهم ومراقبة آثار سلوكهم الاتصالي في المنصات الاجتماعية. وإجمالًا، تتقاطع مجالات اهتمام الإثنوغرافيا الرقمية وتتكامل مع مرتكزات التحليل النقدي للخطاب في النظر إلى الفعل الاجتماعي باعتباره خطابًا ينتج في إطار التفاعل الاجتماعي يمكن دراسته عبر ثلاثة مستويات: طرق (الفعل) و(التمثيل) و(الكينونة).

1. شبكة مفاهيمية (مدخل نظري)

أولًا: السلطة الاجتماعية للخوارزميات

تستعين الدراسة في فهم وتحليل إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الأيديولوجيا والهيمنة الخطابية بما بات يُعرَف في دراسات وتحليل الشبكات الاجتماعية بـ”السلطة الاجتماعية للخوارزميات”، وهو المفهوم الذي أصَّله عدد من البحوث والأعمال الفكرية التي اهتمت بآليات اشتغاله وعمليات ترميزه وأهدافه وعلاقته بالأيديولوجيا والهيمنة، خاصة العمل البحثي الذي أشرف عليه وأعدَّه الأكاديمي والمتخصص في علم الاجتماع ودراسة التقاطعات بين التكنولوجيا والإعلام والثقافة والمجتمع، ديفيد بير (David Beer)، بمشاركة مجموعة من الباحثين الآخرين وحمل نفس العنوان: “السلطة الاجتماعية للخوارزميات”(9). وظهر أيضًا عمل بحثي آخر في الفترة ذاتها للأكاديمية المتخصصة في دراسات المعلومات، صفية نوبل، بعنوان “خوارزميات القمع”، التي تعتبرها معطى أساسيًّا في تشغيل نظام الإنترنت وليست خللًا في بنية أو نسق شبكة الإنترنت؛ إذ إن لها تأثيرًا مباشرًا على المستخدمين وحياتهم وقيمهم المجتمعية؛ إذ يخضع الوصول إلى المعلومات لآلة الخوارزميات المعقدة التي تقوم باختيار وتحديد أولويات المستخدمين(10). وقبل ذلك بيَّنت عالمة البيانات، كاتي أونيل، في كتاب بعنوان “أسلحة الدمار الحسابي”، أن شبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، وعلماء الاجتماع الذين يعملون في هذه المنصات، يتلاعبون بالنظام السياسي من خلال السلطة التي تملكها الشبكات للتأثير فيما يمكن أن يعرفه المستخدمون، وفي مشاعرهم، وفيما إذا كانوا سيصوتون(11). والسؤال هنا: ما الذي تقوم به الأنظمة الخوارزمية لتصبح سلطة اجتماعية؟ أو كيف تتشكَّل السلطة الاجتماعية للخوارزميات؟ سيكون المدخل لذلك التعريف أولًا بمفهوم الخوارزميات.

تُعرِّف الأكاديمية وعالمة الرياضيات، هانا فراي (Hannah Fry)، الخوارزم بسلسلة من التعليمات المنطقية والمكتفية ذاتيًّا التي توضح كيفية تنفيذ مهمة أو تحقيق هدف معين من البداية إلى النهاية. وتكون الخوارزميات في الغالب أدوات رياضية؛ إذ تستخدم مجموعة من العمليات الرياضية -مثل المعادلات والحسابات والجبر والتفاضل والتكامل والمنطق والاحتمالات- وتترجمها إلى كود كمبيوتر. وتُغَذَّى ببيانات من العالم الحقيقي ويُعطى لها هدف، ثم تمضي مجرية حساباتها لتحقيق غاياتها(12). ويمثِّل هذا الهدف الوظيفةَ التي من أجلها تم تصميم الخوارزمية/البرنامج، وتشمل تنفيذ كافة المهام الحسابية والمنطقية البسيطة والمعقدة التي يمكن للحاسب القيام بها عبر توفير آلية الجمع والطرح وفَلْتَرَة الكلمات التي يُدخِلها المستخدمون في محركات البحث وربطها بنوعيات محددة من المحتوى. وكأي برنامج يقوم بوظيفة محددة، تخضع الخوارزميات لعمليات تحديث مستمرة من جانب المُطوِّرين لتحسين آلية عملها في تحقيق الأهداف المطلوبة(13). ويربط الأكاديمي ديفيد بير دور الخوارزميات بـ”صنع القرار” عبر سلسلة من التعليمات البرمجية التي تخضع للتحليل وتتميز بالفعالية، وهو ما يعني أن دراسة الخوارزميات باعتبارها أداة تقنية وكائنًا قائمًا بذاته مفصولًا عن النظام الاجتماعي ليست صائبة، لأن تصميمها يتم بشكل حتمي على أساس رؤى للعالم الاجتماعي تأخذ بعين الاعتبار النتائج التي تتأثر بالمصالح التجارية وغيرها من المصالح والأجندة. وانطلاقًا من هذا المنظور، يجري بناء نظام الخوارزميات في الهياكل والبنيات التنظيمية، والتفكير في كيفية تشكيل القرارات، أو دمجها في الخيارات التي يتم اتخاذها، وكيف تصبح هذه الخيارات جزءًا من حياة الناس(14).

تقود هذه التعريفات لدور الخوارزميات ووظيفتها -باعتبارها أنظمة برامجية مرتبطة برؤى للعالم الاجتماعي وبالمصالح التجارية وغيرها من الأجندة لتشكيل وصناعة اتخاذ القرارات- إلى البحث في ميكانيزمات وآليات عملها واشتغالها، ومن ثم الكيفية التي تتجسد عبرها السلطة الاجتماعية للخوارزميات. 

تستعين الدراسة في تحديد السلطة الاجتماعية التي تحكم أنظمة الخوارزميات بأطروحة الباحثة فلورا فانسان (Flora Vincent) التي ترى أن “تشفير الخوارزمية هو أشبه ما يكون بكتابة نص؛ إذ يحتوي على نصيب من الذاتية التي تتجلى في اختيار الكلمات، وصياغة الجمل، حتى وإن كان لدينا انطباع بأننا نكتب نصًّا لا يتجاوز سرد الوقائع…”. وتعتبر الخوارزمية ثمرة سلسلة من الأسباب التي تتداخل في المراحل المختلفة من بنائها… “وغالبًا ما نقوم فقط بإعادة إنتاج الأنماط اللاواعية التي نستبطنها طيلة حياتنا وبحكم تربيتنا”(15). يحيل هذا الربط بين تشفير (الخوارزمية) و(النص) إلى الجانب الخطابي، أو “الممارسة الخطابية”، في الأنظمة والأنساق الخوارزمية، وهو الأمر الذي انتبه إليه أيضًا ديفيد بير عندما اعتبر الخوارزميات جزءًا من النسق المعرفي الذي يتم من خلاله تفعيل السلطة؛ إذ إن هناك رابطًا بين الخطاب والمفاهيم والمؤسسات، لأن الخوارزميات لا توجد من خلال الترميز فقط، وإنما أيضًا عبر الوعي الاجتماعي كمفهوم أو مصطلح يستخدم بشكل متكرر للدلالة على شيء معين. لذلك أصبحت تمثِّل اليوم حضورًا ثقافيًّا أيقونيًّا ليس بسبب ما يمكن أن تقوم به، ولكن كذلك بسبب إسقاطات استخدام مقولة الخوارزميات(16).

إذن، ندرك من خلال هذا الحضور المعرفي/الثقافي للخوارزميات -باعتبارها “ممارسة خطابية” و”تأطيرًا” للمفاهيم والقضايا- قَدَارَة (قوة تنبع من توظيف واستخدام) أنظمتها البرامجية على إنتاج ما تراه مُمَثِّلًا لـ”الحقيقة” أو “الحقائق” حول الأحداث والموضوعات والأشياء (الأخطار، المذاق، الصحة، وغير ذلك)، وهو ما يجعل “الخوارزميات جزءًا من ديناميات السلطة، ويمكن التفكير في ذلك عبر طريقتين؛ إذ تعمل على إنتاج الحقائق عبر أنساق المدخلات أو المخرجات، وتعمل أيضًا كجزء خطابي لتعزيز معايير خاصة، ومقاربات وأنماط الاستدلال”(17). كما تعكس الخوارزميات مقولات معينة حول النظام الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والثقافي، أو تستخدم للتأثير والإقناع بشأن قضايا معينة.

وقد دَرَس الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (Michel Foucault) هذه العلاقة الارتباطية بين الحقيقة والخطاب في سياق اهتمامه بنظام الخطاب وتعبيراته عن أنساق السلطة، فهو يرى أن الحقيقة متمركزة على شكل الخطاب، وتُعد موضوع نشر واستهلاك ويتم إنتاجها ونقلها تحت المراقبة المُهَيْمِنَة لبعض الأجهزة السياسية أو الاقتصادية الكبرى. كما تمثِّل مدار النقاش السياسي وكل صراع اجتماعي… ويعتقد فوكو أن هناك صراعًا من أجل الحقيقة أو على الأقل حول الحقيقة ومكانتها وقيمتها والدور السياسي والاقتصادي الذي تلعبه. ولذلك ترتبط دائريًّا بأنساق السلطة التي تنتجها وبالآثار التي تولدها وتسوسها، وهو ما يدعى نظام الحقيقة(18). ومن الطبيعي هنا أن يكون الخطاب الذي يحمل حقيقة أو حقائق معينة هو جوهر الصراع (الرمزي والمادي) والسلطة معًا، وهو ما يفسر أشكال المنع أو الحذف أو التضييق…إلخ التي يمكن أن يتعرض لها الخطاب أو حتى منع “الذات المتكلمة” -بتعبير فوكو- من الكلام وإنتاج الخطاب.

ومن هذا المنطلق، تَبرُز سلطة الخوازرميات باعتبارها ممارسة خطابية وتأطيرًا للمفاهيم والقضايا والأشياء؛ إذ يصبح الخطاب موضوعًا للرغبة، كما أشار فوكو، بل “ما نصارع من أجله، وما نصارع به، وهو السلطة التي نحاول الاستيلاء عليها”؛ إذ يملك القدرة على الإثبات وتشكيل مجالات من الموضوعات (الوضعيات) يمكن أن تثبت أو تنفي قضايا صحيحة أو خاطئة. كما أن مناطق الخطاب ليست مفتوحة كلها بنفس الدرجة وقابلة للاختراق بنفس الدرجة. فبعضها محروس وممنوع علانية (مناطق مميَّزة ومميِّزة)، في حين أن البعض الآخر يبدو مفتوحًا تقريبًا أمام كل الرياح وموضوعًا رهن إشارة كل ذات متكلمة بدون حصر مسبق(19).    

وقد أجمل ديفيد بير سلطة الخوارزميات في قدرتها على وضع الاختيارات، والتصنيف، والفرز، والترتيب، وتحديد القضايا، وما الذي يمكن أن يكون أكثر مشاهدة، وتُعد نتيجة البحث مثالًا واحدًا عن ذلك، وكذلك موجز أخبار شبكات التواصل الاجتماعي، أو قائمة التغريدات التي تظهر ضمن تبويب “بينما كُنتَ بعيدًا” (While you were away)(20)، وهو ما يمكِّن المستخدم من متابعة أهم التغريدات التي قد يفوته الاطلاع عليها خلال فترة ابتعاده عن منصة تويتر استنادًا إلى خوارزمية مبنية على آثار سلوكه الاتصالي. ويشير ذلك مرة أخرى إلى أن الأنظمة الخوارزمية لا تنشأ من الفراغ، وإنما تمثِّل قيمًا وأفكارًا ومقولات معينة لها أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية منتظمة في بنية الخطاب/الخوارزميات.

وتحدد الباحثة، هانا فراي، بصفة عامة أربع وظائف أو مهام رئيسية تقوم بها الخوارزميات في العالم الواقعي لكل واحد منهما هدفه المختلف وخواصه المتفردة(21):

– تحديد الأولويات: تَستخدِم هذه التقنيات معالجات حسابية من أجل ترتيب كل الخيارات الممكنة من حيث الأولوية، وعمل قوائم مرتبة؛ إذ يتنبَّأ مثلًا محرك البحث “غوغل” بالصفحات التي يبحث عنها المستخدِم من خلال ترتيب نتائج البحث بعضها فوق بعض. وتقترح منصة “نتفليكس” أيضًا أي فيلم يشاهده المتلقي بعد الفيلم الأول. 

– التصنيف: تُصنف هذه الخوارزمية المستخدِمين وفقًا لاهتماماتهم وخصائصهم وآثار سلوكهم الاتصالي، ويفضلها المُعْلِنون، لأنها تعمل على تصنيف الإعلانات بحسب تفضيلات الفئات العمرية لاختيار أحد الأنواع. وثمة خوارزميات بوسعها مثلًا تصنيف المحتويات غير اللائقة وإزالتها تلقائيًّا من على منصة يوتيوب.

وتعرف هذه الخوارزمية أيضًا بـ”نمذجة شخصيات المستخدِمين” التي تُصنِّف المستخدِمين وفقًا لنماذج نفسية معينة، وتسترشد بسلوكهم التفاعلي عبر شبكات التواصل الاجتماعي للقيام بعمليات التصنيف. ويشمل هذا السلوك النقر والإعجاب والمشاركة والتعليق والتدوين الإلكتروني والمدة الزمنية التي تُسْتغرَق يوميًّا في عمليات التصفح والتفاعل الشبكي. وتستخدم الخوازرميات هذه المعلومات لبناء نموذج شخصي مفهوم الاهتمامات وواضح المعالم لكل مستخدم يمكن الوصول إليه بدقة من قِبَل المعلنين والمسوقين(22).

– الربط: تُعنَى هذه الخوارزمية بإيجاد وتحديد العلاقات بين الأشياء، مثل محركات الاقتراحات في أمازون التي تربط بين ما يهتم به المستخدم مع اهتمامات زبائن سابقين.

– الفرز: تحتاج الخوارزميات لحذف بعض المعلومات للتركيز على ما هو مهم، مثلما يفعل فيسبوك وتويتر اللذان يفرزان القصص المتعلقة بالاهتمامات المعروفة للمستخدم وتصميم حائط منشورات خاص به.  

وتشير دراسات مختلفة إلى وظائف أخرى للخوارزميات، منها وظيفة التوجيه؛ إذ تواجه مواقع التواصل الاجتماعي اتهامات قوية باستخدام خوارزميات تؤدي إلى فرض وصاية توجيهية على المستخدمين بغرض التأثير على قراراتهم، وبخاصة تلك المتعلقة بالشأن السياسي. ثم هناك وظيفة المراقبة، والتي تعني أن خوارزميات الإنترنت المنتشرة في منصات التواصل الاجتماعي، وعددًا كبيرًا من محركات البحث، تراقب سلوك المستخدمين وتعرف عنهم أكثر مما يعرفون عن أنسفهم. وثمة أيضًا وظيفة التنبؤ والتوقع التي تعني أن الخوارزميات تستهدف تكوين إستراتيجية سلوكية لكل مستخدم يمكن من خلالها التنبؤ بالمحتوى الذي له قدرة على جذب الانتباه إلى الدرجة التي أدت لظهور علم جديد يسمى “اقتصاد الانتباه”(23).

إذن، يبدو واضحًا من خلال مصفوفة الأهداف السابقة أن السلطة الاجتماعية للخوارزميات وممارسة هذه السلطة تتم عن طريق السيطرة على الخطاب وإنتاج الخطاب نفسه، كما لاحظ توين فان دايك، أي عبر التحكُّم في سياقاته، مَنِ الذي يستطيع أن يقول أو يكتب عن شيء ما في موقف ما؟ ومَنِ الذي لديه منفذ إلى أنواع الخطاب وأنماطه المختلفة أو إلى وسائل إنتاجه؟(24). من هذا المنطلق، فإن مسألة تصميم أنظمة الخوارزميات -باعتبارها ممارسة خطابية وتأطيرًا- ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمسألة السلطة والتحكُّم، خاصة في حالة المؤسسات والشركات الكبرى عبر الإنترنت، مثلما يرى الأكاديمي وأستاذ دراسات الإنترنت في جامعة كيرتن الأسترالية، ميشيل ويلسون (Michele Willson)؛ إذ تشكِّل مخرجات الخوارزميات مصدرًا مُوجِّهًا لسلوك المستهلك، وتدعم اختيارات معينة، “وتُغيِّر أسلوب حياتنا والنظر إليها، فهي تحمل أفعالًا في بيئات مختلفة وتؤطرها، وتقول لنا ما الذي يمكن مشاهدته، وتُفَلْتِر وتعالج ما نشاهده عبر الإنترنت”، لأنها مندمجة في مجموعة معقدة من التفاعلات السياسية والتقنية والثقافية والاجتماعية(25).  وهو ما جعل ويلسون يعتبر الخوارزميات و”كالة” وسلطة تقوم بمَفْهَمَة (من المفهوم) القضايا(26) عبر إنتاج الحقائق والأفكار والمقولات كما لها الإمكانيات والقدارة على تغيير البنيات الثقافية والاجتماعية والتأثير المباشر في حياة الأفراد.

ثانيًا: الأيديولوجيا والهيمنة الخطابية

شكَّل موضوع الأيديولوجيا، والخطاب الأيديولوجي وأنماطه وإستراتيجيات هيمنته، مجالًا لاهتمام حقول معرفية مختلفة، لاسيما السياسية والفلسفية والاجتماعية والإثنوغرافية والدراسات السيمائية والثقافية والنقدية (كالتحليل النقدي للخطاب). وهو ما يفسر التنوع والتعدد في مقاربة مفهوم الأيديولوجيا والدلالات التي يشير إليها، وعلاقته بمفهوم الهيمنة، في معظم البحوث التي تناولت الفكر الأيديولوجي وأطروحاته وممارساته الخطابية كما هي الحال في دراسات هربرت شيلر (Herbert Schiller)(27)، وجون تومبسون (John Thompson)(28)، ونورمان فاركلوف(29)، وتوين فان دايك(30)…وباحثين آخرين.

في سياق هذا التنوع والتعدد المفاهيمي للأيديولوجيا، يميز بعض الباحثين بين فئتين أساسيتين أو “نمطين عامين لمفهوم الأيديولوجيا”، هما: المفاهيم المحايدة للأيديولوجيا، والمفاهيم النقدية للأيديولوجيا(31)، ويشترك كل نمط منهما في صفات أو أبعاد معينة رغم اختلاف منطلقات تلك المفاهيم ومرتكزاتها. فالمفاهيم المحايدة تصف الظاهرة بالأيديولوجيا دون الإيحاء بالضرورة بأنها مُضَلِّلَة أو خادعة أو تتوافق مع مصالح مجموعة محددة. وهي تمثِّل أحد مظاهر الحياة الاجتماعية، أو شكل من أشكال الاستقصاء الاجتماعي، ضمن جوانب أخرى، وليست أيضًا أكثر ولا أقل جاذبية أو إشكالية من أي أمر آخر. وقد تكون الأيديولوجيا حاضرة على سبيل المثال في أي برنامج سياسي، بغض النظر عما إذا كانت مُوَجَّهة نحو الثورة أو التجديد أو الإصلاح أو تطمح إلى التغيير أو الحفاظ على النظام الاجتماعي. وقد تكون الأيديولوجيا ضرورية لإخضاع الجماعات في كفاحها ضد النظام الاجتماعي كما هي ضرورية للجماعات المهيمنة في دفاعها عن الوضع الراهن(32). ومن النماذج البارزة التي قدمت منظورًا مجردًا من القدح والرؤية السلبية للأيديولوجيا وازدراء أفكارها وأطروحاتها أو الدعوة إلى مكافحتها أو التخلص منها، نجد المفكر الفرنسي ديستوت دو تراسي (Destut de Tracy)، وفلاديمير لينين (Vladimir Lenin)، وجورج لوكاش (György Lukács)؛ إذ انتقلت الأيديولوجيا من “فكر الآخر، فكر الخصم، وأصبحت فكرنا نحن أيضًا، وهذا ما سيخرج بها من إطار الصراع السياسي إلى مستوى التحليل السوسيولوجي”(33). كما اعتمد مفكرون آخرون، مثل مارتن سليغر (Martin Seliger)، وكليفورد غيرتز (Clifford Geertz)، وألفن جولدنر (Alvin Gouldner)، ولويس ألتسير (Louis Althusser)، مفهومًا للأيديولوجيا قريبًا مما سماه تومبسون المفاهيم المحايدة، أي نسقًا من المعتقدات أو أشكالًا وممارسات رمزية.

أما المفاهيم النقدية للأيديولوجيا فتحمل معنى سلبيًّا أو نقديًّا أو ازدرائيًّا لأطروحات الفكر الأيديولوجي، وتعتبر الظواهر الأيديولوجية مُضَلِّلَة أو خادعة أو أحادية الجانب، كما تحمل هذه المفاهيم في طياتها إدانة للأيديولوجيا. وهنا يبرز نموذج نابليون بونابرت (Napoléon Bonaparte)، وكارل ماركس (Karl Marx)، وكارل مانهايم (Karl Mannheim)، الذين قدَّموا معنى سلبيًّا ونقديًّا للأيديولوجيا باعتبارها أفكارًا خاطئة وغير عملية ومُضَلِّلَة ومنفصلة عن الحقائق والممارسات الواقعية (بونابرت). وظلت هذه الرؤية السلبية موجودة حتى في الأعمال الفكرية لماركس وإن كان يرى في الأيديولوجيا أفكارًا تُعبِّر عن مصالح الطبقة المهيمنة(34).

وخلافًا لهذين المنظورين، اهتمت دراسات أخرى بالأيديولوجيا كظاهرة رمزية/خطابية تمثِّل إطارًا إدراكيًّا يتجاوز المعتقدات والاتجاهات، وتتشكَّل في سياقات اجتماعية وسياسية وثقافية معينة، وهو الطرح الذي نجده في أعمال نورمان فاركلوف، وتوين فان دايك، وجون تومبسون وغيرهم. فالخطاب الذي يتضمن مسلَّمات موضوعها الموجود وحالته، والممكن والضروري، وما سيكون، وضروب الخطاب التي ترتبط بها، والمعاني المسلَّم بها، يمكن اعتباره خطابًا أيديولوجيًّا. كما أن النصوص تقوم بعمل أيديولوجي عندما تسلم بوجود شيء معين وتعتبره واقعًا لا شك فيه ولا يمكن تحاشيه (كالتسليم بوجود سوق عالمية)(35). لذلك فإن النتائج الأيديولوجية هي أحد أنواع النتائج التي تُسبِّبها النصوص، وتُعد الأيديولوجيات ممثليات (تمثيلات) لجوانب من العالم تتحقق في طرق الممارسة الاجتماعية، وتترسخ في هويات الفاعلين الاجتماعيين. ويمكن أن تمتلك الأيديولوجيات استمرارية وثباتًا يتخطيان النصوص الفردية أو مجموعات النصوص؛ إذ إن لها علاقة بضروب الخطاب وأصنافه وأساليبه(36).

وفي هذا السياق يُبيِّن تومبسون أن دراسة الأيديولوجيا لا تهتم بالمقولات وتحليل نسق الأفكار أو المعتقدات فقط، كما لا تهتم بتحليل الشكل أو النسق الرمزي لذاته، بل تُعنى هذه الدراسة بما يُسمِّيه “الاستخدامات الاجتماعية للأشكال الرمزية” وذلك لتحديد إلى أي مدى وكيف تعمل هذه الأشكال على إقامة علاقات الهيمنة والحفاظ عليها في السياقات الاجتماعية التي تُنْتَج فيها ويتم نقلها وتلقيها(37). وهو ما يعني أن الظواهر الأيديولوجية تكون رمزية وذات مغزى بقدر ما تعمل، في سياقات اجتماعية تاريخية معينة، على تأسيس علاقات الهيمنة والحفاظ عليها، ولن تكون كذلك إلا إذا توافر فيها هذا الشرط، وهو الحفاظ على علاقات الهيمنة. ويتضمن هذا التعريف ثلاثة أبعاد للأيديولوجيا، أولًا: مقولة المعاني (وهي معاني الأشكال الرمزية والمتضمنة في السياقات الاجتماعية وتروج في العالم الاجتماعي)، وثانيًا: مفهوم الهيمنة، وثالثًا: الطرق التي تعمل بها المعاني لتأسيس علاقات الهيمنة والحفاظ عليها(38).

ونجد هذا الربط بين الأيديولوجيا والهيمنة لدى فاركلوف أيضًا، وذلك عندما يقوم الخطاب بتحويل منظور واحد من مجمل المنظورات إلى مزاعم أو منزلة عالمية، كما أن “السعي وراء الهيمنة يهدف إلى جعل معان خاصة عالمية في سبيل تحقيق السيطرة وصيانتها (حمايتها)، وما هذا سوى عمل أيديولوجي”(39). ومن هذا المنظور، تكون الهيمنة والسيطرة كذلك خطابية (الهيمنة الخطابية) عبر التحكُّم في سياقات إنتاج الخطاب وتوزيعه والنفاذ إليه، والسيطرة على نمط التواصل وأسلوبه. وهو ما أشار إليه توين فان دايك أيضًا؛ إذ تؤثر المؤسسات المُهَيْمِنَة -عن طريق النفاذ إلى الخطاب أو السيطرة على وسائل التواصل العام- في بنية النص والحديث بأسلوب يؤثر في معرفة المتلقين ومواقفهم ومعاييرهم وقيمهم وأيديولوجياتهم بحيث تصب في مصلحة المجموعة المُهَيْمِنَة. لذلك فإن النفاذ إلى الخطاب والأحداث التواصلية عنصر أساسي في استمرار خطاب السلطة والهيمنة(40). ويتحقق ذلك أيضًا عبر السيطرة على اللغة المستعملة (اللغة السائدة، أو الفصحى أو العامية)، والسيطرة على أنواع الخطاب المسموح بها، والسيطرة على أنواع أفعال الكلام المسموح بها، أو السيطرة على تنظيم مجرى الحديث(41). 

يساعدنا هذا المفهوم (الهيمنة الخطابية) في دراسة أشكال التحكُّم والسيطرة التي تمارسها شبكات التواصل الاجتماعي في الترويج لأحداث تواصلية معينة، ودعم بعض الخطابات وتعزيز حضورها وتدفُّقها عبر المنصات الرقمية ومن خلال النفاذ التفضيلي، وتقييد حركة أو نشاط إنتاج خطابات أخرى والنفاذ إليها (النفاذ المُقَيَّد).

وتستعين الدراسة أيضًا بالنموذج المعرفي لعالم الاجتماع جون تومبسون، كما ورد في دراسته للأيديولوجيا والثقافة المعاصرة، في إبراز الأنماط العامة لاشتغال الأيديولوجيا في شبكات التواصل الاجتماعي، والبحث في الطرق التي تعمل بها المعاني لتأسيس علاقات الهيمنة والحفاظ عليها. فقد حدد خمسة أنماط رئيسية للأيديولوجيا تتمثَّل في: أيديولوجيا الشرعنة، وأيديولوجيا الحجب، وأيديولوجيا التوحيد، وأيديولوجيا التفتيت، وأيديولوجيا التشيؤ(42). وهي أنماط يمكن الإضافة إليها بحسب سياقات الخطاب وهوية المنتجين له، وهو ما ستفصِّله الدراسة أثناء تحليلها لأنماط الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي.

2. تمثلات الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي وأنماطه 

تركز الدراسة في هذا القسم التطبيقي على تحليل الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي الذي تُنتِجه بعض الصفحات الرسمية وحسابات بعض الصحفيين والباحثين الإسرائيليين على شبكات التواصل الاجتماعي، وتحديدًا تويتر وفيسبوك، كما ورد في وحدات العينة بالمقدمة، وتُبْرِز أيضًا الممارسات الخطابية أو إستراتيجيات هذا الخطاب في إنتاج الأيديولوجيا. وستنطلق الدراسة في ذلك من المستويات الثلاثة للخطاب، أولًا كأصناف (طُرق الفعل) وهي طرق مختلفة في الفعل والتفاعل الخطابي، وثانيًا كضروب (طُرق تمثيل) وتعكس العالم المحسوس والممارسات الاجتماعية الأخرى، وثالثًا كأساليب (طرق كينونة).

أولًا: طرق الفعل في بنية الخطاب

يهتم هذا المحور بتحليل بنية الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي ومحدداته وآليات صوغه، باعتباره خطابًا رمزيًّا (نصوصًا وصورًا) حاملًا لمسلَّمات عن حالة الوضع الإسرائيلي والفلسطيني الراهن كما تراه الذات الإسرائيلية المنتجة للخطاب، ولما تعتبره ممكنًا وضروريًّا، والمعاني المسلم بها التي لا يمكن تجاوزها أو نقضها في إطار الصراع بين الطرفين، وأيضًا خطابًا حاملًا لرؤى وأطروحات بشأن جوهر القضية الفلسطينية وكينونة الدولة الإسرائيلية ومستقبل حل الدولتين. وهنا تَبرُز أهمية البحث في أشكال التلفظ وأساليبه، وخصوصية البناء الرمزي للخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، الذي لا يتحقق فقط من خلال هذا البعد (الرمزي) وإنما يسعى منتجو هذا الخطاب أن تمثِّل مسلماته المنظور السائد والمهيمن في فهم الصراع، والحفاظ على علاقات الهيمنة في السياقات الاجتماعية والسياسية التي ينتج فيها الخطاب، أي الهيمنة الخطابية، كما سنبيِّن لاحقًا.

ولذلك فإن أهم ما يُثير الاهتمام في عينة الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي على مستوى التلفظ والتركيب المعجمي هو إستراتيجية التسمية أو إستراتيجية العلامة التي يُوسَم بها الأشخاص وتُدْمَغ بواسطتها التنظيميات والهيئات والمؤسسات الفلسطينية؛ إذ تصبح هذه العلامة -كما أوضح مؤسسا نظرية الاعتماد ملفين ديفلير (Melvin Defleur) وساندرا بول-روكيتش (Sandra Ball-Rokeach)- “صفة كبرى” أو “معنى عامًّا” لمن يُوصف بها، وتُحدد كيف يتصرف الآخرون تجاهه. ويظل هذا المعنى أو التصنيف مرشدًا لسلوكهم نحو الشخص الذي يحمل هذه الصفات أو العلامات(43). ومن أكثر التسميات أو العلامات التي وردت في هذا الخطاب تسمية “الإرهاب” التي تُطلق على الذات الفلسطينية/الآخر، في أي موقع أو فئة اجتماعية، سواء كان مسلحًا أو مدنيًّا أو مسؤولًا سياسيًّا أو إعلاميًّا أو مؤسسة اجتماعية أو حركة سياسية. ولا يستثني هذا التصنيف (المعنى) أيضًا الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، الذين يعتبرهم منتج الخطاب الإسرائيلي “إرهابيين”. وقد يستخدم هذا الخطاب بديلًا عن علامة “الإرهاب” تسمية “المخربون، والتخريب الفلسطيني”. ولذلك يستغرق هذا الوَسْم (العلامة) جميع مكونات المجتمع الفلسطيني في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، الذي يصفهم بـ”الإرهاب والإرهابيين”، ولذلك تكاد هذه التسمية تكون محمولًا أو حدًّا يضاف إلى الموضوع أو مسندًا إليه في أي خطاب يتناول الشأن الفلسطيني (انظر الجدول رقم 1). 

ولا تخلو الصور والكاريكاتير أيضًا من هذا المحمول (المحكوم به) الذي يُظهر الفلسطيني “مخربًا ومجرمًا وقاتلًا (إرهابيًّا)”، فيَنْسُب إليه منتج الخطاب كل هذه الصفات والنعوت التي تلازمه في جميع أنشطته العسكرية والمدنية/الاجتماعية والسياسية والإعلامية. ولترسيخ هذا المحمول، وحتى يصبح حكمًا ناجزًا (لا رجعة فيه)، يحاول الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي ربط نشاط الذات الفلسطينية بأعمال تنظيم “الدولة الإسلامية” لتكون نظيرًا ومماثلًا له في الحكم والتصور، وأيضًا لإثارة انتباه الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي بوجوب محاربتها (الذات الفلسطينية) كما يُحارَب هذا التنظيم في جميع بؤر التوتر ومناطق الصراع والحروب. وهو محمول يحرض -بحسب المنطوق والمسكوت عنه في الخطاب- على مواجهة الذات الفلسطينية لاجتثاثها واقتلاع جذورها. وهذا يعني أن الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي يحدد، أولًا، فهمه ورؤيته للقضية الفلسطينية وهوية المجتمع الفلسطيني (شيء يجب اجتثاثه/تشييء القضية)، وثانيًا: يحدد نوع العلاقة التي تربط بين الذات المتكلمة/منتج الخطاب، والذات المُتَكَلَّم عنها أو المُسمَّى، وثالثًا: يحدد الخطاب أيضًا نوع العلاقة التي يجب أن تربط المجتمع الدولي بالفلسطينيين، باعتبارهم مخربين خارجين عن القانون والشرعية الدولية.  

جدول (1): علامة “الإرهاب” في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي لوسم الذات الفلسطينية

م منتجو الخطاب الإسرائيلي علامات الخطاب الإسرائيلي لِدَمْغ الذات الفلسطينية
1 إسرائيل بالعربية منظمة حماس الإرهابية، مغامرات حماس الإرهابية، خمسة وثلاثون عامًا من الدمار، إرهابيو الجهاد الإسلامي، الجهاد الإسلامي تروج للإرهاب، الشباب الفلسطيني يرضع الإرهاب من حماس، إرهابي فلسطيني.
2 أفيخاي أدرعي # حماس35 عامًا_ في خدمة الإرهاب والقتل والإجرام، المخرب الإرهابي المدعو رعد حازم، مهمتنا إحباط الإرهاب، تنظيم الجهاد الإسلامي الإرهابي، ناطق باسم الجماعات الإرهابية في القطاع.
3 روني شالوم  محاربة العائلات الإجرامية والإرهاب، جنازة داعشي فلسطيني، جيش الدفاع قاهر الإرهابيين، الإرهابيون الفلسطينيون، المنظمات الفلسطينية الإرهابية، إرهابيو إيران، ميليشيات ونشطاء إرهابيون، ميليشيات إيران الإرهابية، تبرير جرائم الإرهابيين.
4 إيدي كوهين هؤلاء الإرهابيون (الفلسطينيون)، الإرهابيون داخل السجون.
5 ميرلان أوهاد المجرم الإرهابي الخنزير، المخربون الفلسطينيون، إرهابيو إيران يقتلون أهالي غزة.
6 جاي معيان إرهابيون فلسطينيون يقتلون صحفية داعمة للإرهاب.

وفي سياق إستراتيجية التسمية أو العلامة يستخدم منتجو الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي إحالات مرجعية كثيرة تحمل معاني وإيحاءات سلبية لمن يوسمون بها، وتشمل أيضًا جميع مكونات المجتمع الفلسطيني ولا تستثني أحدًا. فالرئيس الراحل ياسر عرفات يوصف بـ”السفاح المجرم”، و”العميل الصهيوني” لنزع الشرعية عن تاريخه ونضاله السياسيين في قيادة الثورة الفلسطينية، باعتباره “خادمًا للاحتلال الصهيوني”. ويصبح بعض الصحفيين في قنوات إخبارية عربية “أقلامًا مأجورة ومرتزقة”، وهو ما يجعلهم -بحسب منطوق الخطاب الإسرائيلي- “بوق البروباغندا” للدول المالكة لهذه القنوات، ويجردهم -بحسب المسكوت عنه في هذا الخطاب- من أخلاقيات العمل الإعلامي وقواعد الممارسة المهنية ليتحوَّلوا إلى صحافيين يتاجرون بالقضية الفلسطينية. كما يحيل منتجو الخطاب الإسرائيلي في نعتهم للسلوك الفلسطيني (“بلطجية فلسطينيون”، “الهمجية الفلسطينية”،) على معاني الفوضى والتخريب. ويلجأ هذ الخطاب إلى لغة التعريض في وصف الفلسطينيين وحركات المقاومة؛ إذ لا يرى الجهاد الإسلامي حركةً فلسطينيةً وإنما “حركة الجهاد الإيراني”، ولا تمثِّل حماس وحركات أخرى سوى “أذرع لأخطبوط الملالي”. وهي إحالات تنزع عن هذه الحركات الفلسطينية البعد الوطني ما يجعلها كيانات تخضع لقوى أجنبية (إيران) خدمة لأجندتها السياسية والإستراتيجية. ولذلك يصبح رجال المقاومة جنودًا تحركهم هذه القوى ويأتمرون بأوامرها “جندي برتبة عبد الخامنئي”، مثلما ورد في منشور لميرلان أوهاد (5 أغسطس/آب 2022).  كما أن رجال المقاومة في حركة حماس ليسوا سوى “صعاليك” (إيدي كوهين، 3 يناير/كانون الثاني 2023) وقُطَّاع طرق لا يهتمون بأحوال سكان قطاع غزة ولا يأبهون بمصيرهم، لذلك يعرِّضونهم لمخاطر الحرب. ويصف هذا الخطاب أيضًا القضية الفلسطينية بـ”المزيفة”، التي لا وجود لها في الأصل بل اختلقها الفلسطينيون، وهم يمثلون “أحفاد الصليبيين الذين احتلوا الأرض من اليهود” (روني شالوم، 26 مايو/أيار 2022). 

ويبدو المسكوت عنه في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي هو التشريع لاستعمال كل الوسائل بما في ذلك القوة العسكرية لمواجهة الشعب الفلسطيني وحركات المقاومة، وتشويه وشَيْطَنَة رموزه السياسية والتاريخية، من أجل إبراز وإعلاء الرواية الإسرائيلية التي يُراد لها أن تهيمن على الخطاب العام (الهيمنة الخطابية) عبر شبكات التواصل الاجتماعي والعمل على اندثار الرواية الفلسطينية. ويستعين منتجو الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي لتحقيق هذا الهدف بمعجم أخلاقي يصف الفلسطينيين بـ”الكذب والنفاق والدجل والنصب والاحتيال…” لدحض الرواية الفلسطينية، وإضفاء المصداقية على الأحداث التواصلية التي ترتبط بالشأن الإسرائيلي. وهنا، يحاول الخطاب أن يميز بين الذات الفلسطينية التي يَنْسُب إليها تزويرَ التاريخ وتزييفَ وقائعه و”سرقتَه”، وطمسَ الحقائق بشأن ما تعتبره الذات الإسرائيلية “أرض إسرائيل” و”عودة الشعب اليهودي إلى دياره وأرض أجداده الموروثة له من عند الله”، كما ورد في تغريدات “إسرائيل بالعربية”، و”إيدي كوهين”، و”جاي معيان”؛ حيث تبدو الذات الإسرائيلية مالكة للحقائق والرواية التاريخية الأصيلة.

1
صورة (1): رواية الخطاب الإسرائيلي عن جذور الشعب الإسرائيلي ونفيه لاحتلال فلسطين(44)

وهنا، نلاحظ أن بنية التلفظ في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي تقوم على البنى الاستقطابية المعتادة لتقديم الذات الإسرائيلية (نحن) إيجابيًّا، وتقديم الذات الفلسطينية (هم/الآخرون) سلبيًّا للتعبير عن الصراع الأيديولوجي بين هذه الذوات. ويهدف هذا الاستقطاب -كما لاحظ فان دايك- إلى تعزيز سلطة المُتَكَلِّم والتعالي الأخلاقي ومصداقية المُتَحَدِّث من جهة، والتقليل من شأن الذات المعارضة وإضعاف الثقة بها عن طريق التشكيك في مواقفها وتصنيفها مع العدو من جهة أخرى(45)، وهو ما يُفْقِدُها شرعية الوجود/الكينونة، في حالة الذات الفلسطينية، وتترتب على ذلك خطوات وإجراءات تُشَرِّع لمواجهتها بكل السبل.

ولذلك يعتبر الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي الذات الفلسطينية كيانًا “يجب سحقه سحقًا”، كما ورد في منشور للباحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية، روني شالوم: “اسحقوهم سحقًا، شكرًا لجيش الدفاع على أكثر من عملية ناجحة. وإن شاء الله للمزيد من الانتصارات على ميليشيات إيران الإرهابية في كل مكان وزمان. نحن هنا لنبقى صامدين في أرض أجدادنا غصبًا عن كل إرهابي وحاقد. نحن الإسرائيليون”(46).  فهذا التقابل أو الاستقطاب الأيديولوجي والصراع بين (نحن) و(هم) يؤسِّس لبنية التلفظ في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي كما ذكرنا، وهو ما يوضحه الجدول رقم (2).

جدول (2): البنى الاستقطابية بين الـ”نحن” والـ”هم” في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي

نحن هــم ما يفرق بين الـ”نحن” والـ”هم”
مهمتنا إحباط الإرهاب إرهابيو الجهاد إقامة الدولة الفلسطينية
قواتنا المسلحة الباسلة الجهاد الإيراني، صعاليك حماس تحرير الأرض من الاحتلال
صامدون في أرض أجدادنا الفلسطينيون أحفاد الصليبيين والروم الذين احتلوا الأرض من اليهود استعادة الحقوق
الشعب اليهودي ليس محتلًّا لأرض إسرائيل القضية المزيفة، احتلال فلسطين أكذوبة تهجير الشعب الفلسطيني من أرضه وتهويد مقدساته
إسرائيل تحارب الإرهاب الفلسطينيون يمجدون الإرهاب، ويرضعونه لأطفالهم الدفاع عن الوجود الفلسطيني ومقاومة الاحتلال
شعبنا في أمان حركة الجهاد الإيراني تقتل سكان غزة بالصواريخ الفاشلة، حماس تعزز طوفان نهب الأموال والقتل والإجرام الدفاع عن مقدسات الفلسطينيين بمشاركة جميع الفئات المجتمعية
إسرائيل دولة قوية زاهرة وشامخة وديمقراطية ومتطورة العرب غارقون في مستنقع النار والدماء والدموع أولوية الفلسطينيين العمل على جلاء الاحتلال وتحرير فلسطين

ويشمل الاستقطاب بين الـ”نحن” والـ”هم” قضايا مختلفة تتصل أيضًا بالعقائد الدينية والمسائل الغيبية “الإرهابيون الفلسطينيون في جهنم، أما أنبياؤنا عليهم السلام وعلى رأسهم أبونا إبراهيم عليه السلام في الجنة” (روني شالوم، 11 أغسطس/آب 2022). وتتسع دائرة هذا الاستقطاب لتتجاوز الصراع بين الذات الإسرائيلية والفلسطينية إلى أطراف أو ذوات أخرى، مثل إيران وبعض الدول العربية التي تساعد الفلسطينيين في الصمود داخل أراضيهم، وذلك بنقل المعركة إليها. ويسعى هذا الخطاب إلى تبرير السلوك السياسي والعسكري الإسرائيلي ضد ما يعتبره خطرًا وجوديًّا على كيانه، وشرعنة إجراءاته التي تستمد قوتها مما يراه حقًّا تاريخيًّا ومسلَّمات عقدية/إيمانية.

 ثانيًا: طرق التمثيل والكينونة (الهوية)

تركز الدراسة في هذا المحور على تحليل الطرق التي يُقدِّم بها الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي الذاتَ الإسرائيلية والذات الفلسطينية، وأيضًا تمثُّلاته ورؤيته للقضايا الكبرى التي تشكِّل مجالًا للصراع بين الطرفين، وترصد الهويات المُنْشَأَة لهما، وإن كان الفصل بين الأشكال الثلاثة من التحليل (طرق الفعل، طرق التمثيل، طرق الكينونة) يبدو أحيانًا غير إجرائي نظرًا لتداخل هذه المسارات في كل مرحلة من مراحل التحليل. فقد اشتمل المسار الأول (بنية التلفظ في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي) -كما نلاحظ- على جزء من التحليل الذي يخص “طرق التمثيل” (تمثيلات الذات الإسرائيلية والفلسطينية والرؤى التي تُقدَّم بها الأحداث والقضايا). لذلك سنحاول إبراز الهويات التي يُنْشِئُها هذا الخطاب -وتُمثِّل في بعض الحالات تصورات منتج الخطاب عن الـ”نحن” والـ”هم” والقضايا الكبرى- ولعل أول ما يلفت الانتباه في الهويات التي يشكِّلها الخطاب الإسرائيلي عن الذات الإسرائيلية هو الكينونة أو الوجود الإسرائيلي في “أرض إسرائيل” الذي يمتد عبر التاريخ “شعب يعود إلى أرضه بعد حوالي ألف عام من الشتات”، ويستمد شرعيته من البعد الديني/العقدي، وفي المقابل يُظهِر هذا الخطاب هوية الذات الفلسطينية بلا أرض وبلا تاريخ، بل مجموعة بشرية احتلت “أرض إسرائيل”.

ولذلك ينظر الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي إلى الفلسطينيين نظرة سلبية؛ إذ لا يمثِّل هؤلاء سوى “عصابات وبلطجية”، و”عائلات إجرامية”، وهو ما ينفي عن الفلسطينيين هوية (الشعب) الذي يسعى إلى التحرر من الاحتلال الإسرائيلي، والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية.

أما الذات الإسرائيلية فتبدو شعبًا وجيشًا يواجهان الإرهاب والحركات الإرهابية المرتبطة بمحاور أجنبية (إيران ودول عربية أخرى)، حيث تسعى إسرائيل إلى الدفاع عن مواطنيها والحفاظ على أمنهم واستقرارهم من التهديدات والهجمات الصاروخية الفاشلة التي تقتل الفلسطينيين. وهنا، تبرز الهوية الإسرائيلية في موقع الضحية التي لا تملك سوى الرد على “الإرهاب” و”المخربين”، بينما تبدو الذاتُ الفلسطينية الطرفَ المعتدي على الوجود الإسرائيلي، لذلك يمجِّد الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي دور الجيش في الدفاع عن هذا الوجود.

ويُشيِّد هذا الخطاب أيضًا هوية للذات الفلسطينية باعتبارها مجموعات تتهافت على المصالح المادية والشخصية، و”قيادات” تبحث عن رغد الحياة في المهاجر وتخدم أجندات ومصالح أجنبية، ولا تربطها أي علاقة بالجهاد أو تحرير الأرض والدفاع عن الفلسطينيين، بل إن بعضها كان يخدم لأجل المصالح الإسرائيلية (العمالة)، بينما تبدو الذات الإسرائيلية دولة تسعى إلى رفاه مواطنيها والحفاظ على أطفالها من الإرهاب، وتنعم بالديمقراطية وحقوق الإنسان. وهو خطاب يحاول تجميل هوية هذه الذات، وإظهار القيم التي تؤمن بها ومظاهر الحياة العامة الإسرائيلية وسياساتها في صورة مناقضة للوضع الداخلي الفلسطيني الغارق في قتل الفلسطينيين والاقتتال الفصائلي. 

ثالثًا: أنماط الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي

في التعريف الذي قدَّمه تومبسون للأيديولوجيا حدد ثلاثة أبعاد للمفهوم (مقولة المعاني، والهيمنة، والطرق التي تعمل بها المعاني لتأسيس علاقات الهيمنة والحفاظ عليها)، كما ذُكِر آنفًا، ويعتبر البعد الثالث متغيرًا أساسيًّا محددًا للظاهرة الأيديولوجية التي تؤسِّس لعلاقات الهيمنة والحفاظ عليها. وهو ما يمكن رصده وتحليله في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، ويساعدنا في ذلك النمذجة التي حدَّدها تومبسون نفسه حول الأنماط العامة لاشتغال الأيديولوجيا. ومن خلال الملاحظة لعيِّنة الدراسة وتتبُّع آثار السلوك الاتصالي لمنتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، يتبيَّن أن أنماط هذا الخطاب تشمل:

– أيديولوجيا الشرعنة: يسعى الخطاب لتأسيس علاقات الهيمنة (الخطابية والسياسية والعسكرية أيضًا) والحفاظ عليها من خلال إبراز شرعية القضايا التي يتناولها، باعتبارها قضايا عادلة وجديرة بالدعم والدفاع عنها، وهو ما يعكسه المعنى الذي يُقدِّمه هذا الخطاب لـ”الوجود الإسرائيلي” في فلسطين؛ إذ إن ما يعتبره الفلسطيني “احتلالًا” لأرضه يراه الإسرائيلي ومعه العالم -بحسب منطوق الخطاب “نحن والعالم”- “عودة شعب إلى أرضه”. وتتم شرعنة هذا الوجود (الحق التاريخي في الأرض) أيضًا من خلال الرجوع إلى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، خاصة قرار التقسيم 181؛ إذ “كانت أول مرة بعد ألفي سنة تمكَّن فيها الشعب اليهودي من إعادة سيادته على وطنه التاريخي”(47). 

وهنا، يحاول الخطاب أن يؤسس هذه الشرعنة (شرعنة الوجود) على ثلاثة أسس: أولًا: الأسس القانونية/العقلانية عبر استدعاء شرعية المواثيق والقرارات الدولية التي تمثِّل إطارًا حاكمًا للعلاقات الدولية. وثانيًا: الأسس التقليدية التي تتمثَّل في استدعاء قدسية المعتقدات الدينية التي تشرعن للذات الإسرائيلية تصوراتها ومواقفها بخصوص الوجود الإسرائيلي في أرض أجداده الموروثة. وثالثًا: الأسس الكاريزمية التي تستدعي الصفات الاستثنائية للذات الإسرائيلية في محيط تعتبره معاديًا لها؛ حيث تسعى للحفاظ على أمنها واستقرارها وديمقراطيتها.

2
صورة (2): استدعاء قدسية المعتقدات الدينية لتبرير عودة الشعب الإسرائيلي إلى أرضه(48)

وفي سياق أيديولوجيا الشرعنة، نلاحظ تنويعًا في إستراتيجيات الترويج لها عبر استخدام تقنية السرد أو الرواية كما يبدو في التغريدة التي أعاد الإعلامي، جاي معيان، نشرها، وتنتشر هذه الإستراتيجية (الرواية) كثيرًا في الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، لاسيما خلال الحديث عن التاريخ اليهودي في المنطقة والرجوع إلى “المعتقدات الدينية” لتعزيز رؤى الذات الإسرائيلية عن وجودها، وخلق شعور بالانتماء إلى المجتمع والتاريخ الذي يتجاوز تجربة الصراع والاختلاف والانقسام لإقرار ما يراه حقيقة. وبذلك يحاول منتجو الخطاب عبر إستراتيجية التعميم إقناع المتلقي بأن الوجود الإسرائيلي سيكون لصالح شعوب المنطقة.

– أيديولوجيا الحجب (التعتيم): يبرز هذا النمط من الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي عبر محاولات الذات المُتَكَلِّمَة حجب الحقائق وإنكار الوقائع المعلومة لدى الرأي العام الدولي، والتعتيم على الأخبار والأحداث التي تناقلتها وسائل الإعلام والشبكات الدولية، كما هي الحال في العملية العسكرية التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، وكانت أطلقت عليها اسم “الفجر الصادق”، في أغسطس/آب 2022. وقد تسببت هذه العملية الإسرائيلية في مقتل 44 فلسطينيًّا، بينهم 15 طفلًا و4 سيدات، فيما وصل عدد الإصابات جراء الغارات 360 شخصًا بجروح مختلف(48)، بينما تُظهر أيديولوجيا التعتيم مسؤولية حركة الجهاد الإسلامي في قتل هؤلاء الأطفال -كما يشير منشور الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، عبر ما يسميه “الإطلاق الصواريخ الفاشل” (انظر الصورة رقم 3)، حيث لم تتجاوز تلك الصواريخ غلاف القطاع، ولم تصل إلى أهدافها بل كانت ترتد إلى سكان غزة.

3
صورة (3): التعتيم على أضرار الآلة العسكرية الإسرائيلية وإبراز مسؤولية الجهاد الإسلامي في قتل أطفال غزة(50)

وتهدف هذه الأيديولوجيا إلى حرف الأنظار عن الآلة العسكرية الإسرائيلية ونتائجها المدمرة في قتل المدنيين، وصرف الانتباه عن العمليات التي تقوم بها هذه القوات في تدمير البنية التحتية المدنية الفلسطينية، وهدم المنازل على رؤوس سكانيها. وهنا، يستخدم الخطاب الأيديولوجي إستراتيجية التشويه أو تلطيخ سمعة حركة الجهاد الإسلامي، التي تسببت صواريخها في مأساة إنسانية بالقطاع، وأيضًا إبراز فشل مشروعها الجهادي الذي أدى إلى حصد أرواح السكان المحليين. وفي المقابل، يلجأ هذا الخطاب -بحسب منطوق التلفظ- إلى إستراتيجية التلطيف أو التهوين من الآلة العسكرية الإسرائيلية التي تواجه “الإرهاب” فقط وليس المدنيين العزل.  

4
صورة (4): إستراتيجية تشويه وشيطنة حركة الجهاد الإسلامي والتشكيك في مشروعها الجهادي(51)

وفي سياق هذه الأيديولوجيا (الحجب) يُوظِّف منتجو الخطاب الكاريكاتير بصوة مكثفة إلى حد إلغاء المنطق والتاريخ وكل شروط الفهم المنهجي والإنساني، بحسب تعبير الأكاديمي عبد الله الغذامي، وهو ما أسماه بـ”جبروت الصورة”(52)؛ إذ يستدعي منتجو هذا الخطاب الحمولة الدلالية للإرهاب وربطه بحركات المقاومة الفلسطينية لدى الرأي العام الدولي. ومن ثم فالجهاد لا يعني سوى قتل المدنيين الفلسطينيين أولًا قبل أن يستهدف المواطنين الإسرائيليين، ما يثير أسئلة كثيرة بشأن الاستمرار في هذا النهج، والجدوى من الجهاد الذي يقتل الأطفال الفلسطينيين، وتعبئة المجتمع الدولي لمواجهة هذا النهج/الاختيار. 

– أيديولوجيا التوحيد: يبرز هذا النمط بوضوح من خلال حرص منتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي على إظهار وحدة “الشعب اليهودي” ومساندته للجيش الإسرائيلي في مواجهة “الإرهاب”، وأن “يد جيش الدفاع تصل إلى كل من يهدد أمن مواطنينا وسيادتنا”، مشيدًا بإنجازاته: “إنجازات عظيمة لقواتنا المسلحة الباسلة ونتمنى المزيد منها”. ويهدف منتجو الخطاب إلى إقامة علاقات الهيمنة والحفاظ عليها داخل المجتمع الإسرائيلي عبر هذا الشكل الرمزي الذي يُظهِر وحدة الهوية الإسرائيلية في مواجهة الأخطار التي تهددها من الخارج، أي حركات المقاومة الفلسطينية والجهات التي تدعمها بالمال والسلاح. لذلك سارعت أحزاب المعارضة إلى دعم الحكومة الإسرائيلية في هذه العملية، وهو ما يقود المجتمع الإسرائيلي باتجاه التنميط في التصورات والرؤى؛ ما يجعله كيانًا موحدًا خلف قيادته السياسية، وبذلك يحقق هذا الخطاب أهدافه في التوحيد عبر هذه الهيمنة الخطابية. 

5
                  صورة (5): أيديولوجيا توحيد صفوف الإسرائيليين لمواجهة ما تسميه “الإرهاب”(53)      

– أيديولوجية التفتيت: في مقابل أيديولوجية توحيد المجتمع/الذات الإسرائيلية، يبذل منتجو الخطاب الإسرائيلي جهدًا كبيرًا في العمل على إبراز انقسام الذات الفلسطينية، كما لاحظنا في تمثيلات هذا الخطاب وأبعاد الصورة التي يرسمها لقيادات حركات المقاومة ولأفراد المجتمع الفلسطيني عمومًا؛ حيث تعمل ضد مصالح الفلسطينيين بل تخدم أجندات أجنبية. ولا تتمتع هذه الحركات بحاضنة اجتماعية، حيث كانت سببًا في المأساة الإنسانية والاجتماعية التي يعيشها الفلسطينيون. وفي الوقت الذي تخدم فيه هذه القيادات مصالحها المالية والعائلية، تقدم باقي الفلسطينيين وقودًا لـ”الإرهاب” والمواجهات مع إسرائيل. ولأن منتج الخطاب يدرك القدرات العسكرية وإمكانات الصمود التي تمتلكها حركات المقاومة في تحدي الآلة العسكرية الإسرائيلية، فهو يحاول عبر إستراتيجية التمايز والاختلاف أن يظهر التباين بين مصالح هذه القيادات وعموم الفلسطينيين، فيبرز انغماس هؤلاء القادة وأبنائهم في متع الحياة ورغد العيش، وذلك من أجل إضعاف فاعلية هذه القدرات والتحدي الذي تشكله حركات المقاومة. وهنا، تظهر في هذا الخطاب أيضًا إستراتيجية تطهير الساحة الإسرائيلية من “الإرهاب”/الشر”/”العدو”، الذي تمثِّله حركات المقاومة من خلال توحيد جميع القوى والأحزاب الإسرائيلية وجهود الآلة العسكرية التي تمثِّل “الخير”. ويحاول هذا النمط من الأيديولوجيا الحفاظ على علاقات الهيمنة الإسرائيلية في الساحة الفلسطينية من خلال بث الفرقة في النسيج الاجتماعي الفلسطيني، كما تُظهِر الصورة التي نشرها الصحافي والأكاديمي، إيدي كوهين (الصورة رقم 6).

6
صورة (6): أيديولوجيا تفتيت الذات الفلسطينية عبر إبراز تناقضاتها(54)

– أيديولوجيا التشيؤ: يحاول هذا النمط من الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي أن يجرِّد الذات الفلسطينية من هويتها الفلسطينية وكينونتها التاريخية سعيًا لطمس الجوهر الأساسي لقضيتها التي تتمثَّل في الاحتلال. لذلك يستبعد الخطاب هذا الموضوع (الاحتلال)، بل يعتبره أكذوبة ويرى أن “إسرائيل ولأول مرة في تاريخها الوجيز ساعدت الفلسطينيين في إقامة السلطة الفلسطينية”، ومن ثم فإن الوضع الراهن للقضية الفلسطينية لا يمكن تغييره بل يمثِّل الحالة الدائمة في صيرورة الصراع بين الطرفين كما لو كان “شيئًا” خارج الزمن وليس له أي دور أو تأثير في إثبات الذات الفلسطينية واستعادة حقوقها. 

7
صورة (7): الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي يحوِّل الوضع الراهن للقضية الفلسطينية إلى حالة دائمة وإلى “شيء” خارج الزمن(55)

– أيديولوجيا العسكرة: تستغرق هذه الأيديولوجيا عموم الخطاب الإسرائيلي بصور وأشكال مختلفة تجعله مدغمًا مع خطاب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، ومنصهرًا مع بياناتها الإعلامية الحربية في كل الأوضاع والحالات. ويكاد منتجو هذا الخطاب يتحوَّلون إلى ناطقين باسم الجيش الإسرائيلي في أوقات الحرب والهدن، ويمثِّلون آلة دعائية لأنشطته وعملياته العسكرية قبل وأثناء وبعد أي عملية عسكرية. ومن أبرز الإستراتيجيات الخطابية التي تميز أيديولوجيا العسكرة هو الإشادة بما تسميه “التفوق والهيبة العسكرية الإسرائيلية” وبالمهام الحربية والعمليات العسكرية التي يشنها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين سواء في الضفة الغربية، أو قطاع غزة كما هي الحال خلال عملية “الفجر الصادق”، في صيف العام 2022. ويتوجه منتج الخطاب بـ”الشكر” للجيش الإسرائيلي معتبرًا الأعمال الحربية ضد الفلسطينيين “إنجازات عظيمة للقوات المسلحة الباسلة”، وتمثِّل مصدرًا للاعتزاز والفخر.   

8
صورة (8): خطاب النصر والإشادة بالعمليات العسكرية للجيش الإسرائيلي(56)

وهناك إستراتيجية أخرى تعتمدها أيديولوجيا العسكرة في محاولة لإقامة علاقات الهيمنة الخطابية والسياسية والحفاظ عليها، وتتجلى في تحريض المؤسسة العسكرية على الإمعان في قتل الفلسطينيين “وسحقهم سحقًا”، وهو ما يمثِّل دعوة صريحة لإبادة الذات الفلسطينية، كما ورد في منشور لروني شالوم (6 أغسطس/آب 2022)، وأيضًا مطالبة المؤسسة العسكرية بـ”المزيد” من القتل في صفوف قيادات حركة المقاومة “والمزيد قادم إن شاء الله”، كما جاء في منشور لميرلان أوهاد (5 أغسطس/آب 2022).

وتشير تقارير مختلفة إلى تصاعد خطاب الكراهية في إسرائيل عبر شبكات التواصل الاجتماعي، كما بيَّنت نتائج مؤشر العنصرية والتحريض في شبكات التواصل الاجتماعي الإسرائيلية خلال العام 2021(57)، والتي أوضحت ازديادًا في خطاب الكراهية تجاه العرب بنسبة 8% عن العام 2020؛ حيث أشارت النتائج إلى انتشار حوالي 620 ألف محادثة شملت خطابًا عنيفًا وتحريضًا تجاه العرب. كما تضاعفت نسبة الخطاب التحريضي على العنف 3 أضعاف خلال العام 2020، إضافة إلى ازدياد حدة الخطاب العنيف ضد العرب والفلسطينيين؛ حيث وصلت نسبة الخطاب العنيف من مجمل الخطاب حول العرب في الشبكة 11%، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2017. وتصدرت منصة تويتر الشبكات المستخدمة في نشر العنصرية والتحريض؛ حيث نُشر عبرها 58% من الخطاب العنيف، فيما شكلت منصة فيسبوك ما نسبته 19%.

ويتقاطع خطاب أيديولوجيا العسكرة مع أيديولوجيا التوحيد التي تجعل فئات المجتمع الإسرائيلي ذاتًا إسرائيلية واحدة لا يمكن الفصل بين مكوناتها المدنية والعسكرية، وينعكس ذلك على تصورات ورؤية منتجي الخطاب في تبني أطروحات المؤسسة العسكرية، ومن ثم تتحول حسابات هذه الذوات المُتَكَلِّمَة إلى منصات رقمية عسكرية. وقد اهتم الأكاديميان، عدي كونتسمان وربيكا ستين، بهذا الموضوع في عدد من الأبحاث، لاسيما في دراستهما المشتركة عن “العسكرة الرقمية: الاحتلال الإسرائيلي في عصر الإعلام الاجتماعي”؛ إذ لاحظ الباحثان أن شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت أدوات مهمة في أيدي المسؤولين العسكريين الإسرائيليين، لاسيما في زمن الحرب، وعززت هذه العسكرة الرقمية الإسرائيلية حالة العنف ضد الفلسطينيين(58). ففي العام 2014، انتقل الحلم الإسرائيلي في القتل خارج شبكات التواصل الاجتماعي، وبات هناك نوع من التطبيع مع العسكرة الرقمية. وتشير الدراسة إلى عدد من الوسوم (الهاشتاجات) التي انتشرت عبر منصات التواصل من قِبَل المستخدمين الإسرائيليين المتطرفين، والتي تدعو إلى الانتقام من الفلسطينيين مثلما ورد في هذا الهاشتاج الذي انتشر في فيسبوك عام 2014: “الشعب الإسرائيلي يطالب بالانتقام” (The People of Israel Demand Revenge)، وهي دعوة صريحة -كما أشار الباحثان- إلى القتل: “الموت للعرب”، وهو الشعار الذي كان يتردد في المظاهرات أيضًا والمحطات الإذاعية. كما تداول المستخدمون الإسرائيليون وسمًا آخر: “#كراهية العرب ليست عنصرية بل قيما” (Hating Arabs isn’t racism, it’s Values#) وقد خلَّفت هذه الحملة من الهاشتجات ضحايا في صفوف الفلسطينيين(59).

وتداول المستخدمون الإسرائيليون أيضًا وسمًا آخر بعد عملية القنص التي استهدفت أحد الجنود الإسرائيليين عند حدود قطاع غزة، في صيف العام 2021، ويدعو هذا الهاشتاج إلى “#أطلقوا أيدينا” (#Untie Our Hands)، ويمثِّل أيضًا دعوة صريحة إلى إطلاق أيدي الجمهور الإسرائيلي وتمكينه من قتل الفلسطينيين. وهو ما جعل الأكاديمية ربيكا ستين، تشير في دراسة أخرى، بعنوان “لقطات شاشة: عنف الدولة أمام الكاميرا في إسرائيل وفلسطين”، إلى تحول شبكات التواصل الاجتماعي -خلال الحرب على قطاع غزة (2008-2009) التي أسمتها إسرائيل بـ”الرصاص المصبوب”- إلى “منطقة أخرى للحرب”. فقد كان الجنود الإسرائيليون يبثون عبر منصة يوتيوب لقطات عن القصف الذي يستهدف سكان قطاع غزة(60)، فضلًا عن صور السيلفي التي ينشرها هؤلاء الجنود مع الفلسطينيين أثناء اعتقالهم.

9
صورة (9): عسكرة الخطاب الإسرائيلي والدعوة لإبادة الفلسطينيين(61)

ويبدو أن أنماط الأيديولوجيا الإسرائيلية السابقة (الشرعنة، الحجب، والتوحيد، والتفتيت، والتشيؤ، والعسكرة)، تنصهر جميعها في بوتقة العمل الذي يقوم به جهاز الدعاية الإسرائيلي (هاسبارا) لتجميل هوية الذات الإسرائيلية، وتبرير انتهاكاتها لحقوق الفلسطينيين خلال العمليات العسكرية والحروب التي شنتها على قطاع غزة، وحجب الأضرار التي ألحقتها بالسكان المدنيين الذين هُدِّمت البيوت فوق رؤوسهم، كما هُدِّمت مقرات وسائل الإعلام والشبكات الدولية، ناهيك عن عمليات قتل الصحفيين. لذلك تحولت منصات الشبكات الاجتماعية كما ذكرت ربيكا ستين إلى ساحة للحرب من أجل السيطرة والهيمنة الخطابية على المجال العام الرقمي. 

3. إستراتيجيات الشبكات الاجتماعية في تعزيز الهيمنة الخطابية للأيديولوجيا الإسرائيلية 

ساعدنا التحليل النقدي للخطاب في دراسة أنماط الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي وتمثيلاته للذات الإسرائيلية والذات الفلسطينية، وتأثيره في إقامة علاقات الهيمنة الخطابية والسياسية والحفاظ عليها، ويُعد ذلك مدخلًا أساسيًّا لفهم إستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي نفسها في تعزيز هذه الهيمنة. وهو ما ستبحثه الدراسة في هذا المحور عبر رصد القَدَارة التي تتمتع بها هذه المنصات في تمكين منتجي هذا الخطاب من السيطرة على السياقات العامة لإنتاج الأنماط الأيديولوجية المختلفة رغم الإشكالات الأخلاقية التي يثيرها الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي.

سنحتاج هنا إلى استحضار مفهوم الخوازرميات باعتبارها نصًّا أو خطابًا، أو جزءًا من النسق المعرفي الذي يتم من خلاله تفعيل السلطة كما أشار ديفيد بير؛ إذ إن هناك علاقة بين الخطاب والمفاهيم والمؤسسات، لأن الخوارزميات لا توجد من خلال الترميز فقط، وإنما أيضًا عبر الوعي الاجتماعي كمفهوم أو مصطلح يستخدم بشكل متكرر للدلالة على شيء معين. وهو ما يظهر في حالة الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي؛ إذ تعمل شبكات التواصل الاجتماعي (تويتر، فيسبوك) بحسب نسق معرفي ومنظومة خطابية-كما سنرى- يسمحان لمنتج هذا الخطاب بالنفاذ التفضيلي إلى هذه المنصات، حيث المسالك ممهدة للهيمنة الأيديولوجية عبر إستراتيجيات متعددة. 

– إستراتيجية الغمر النصي: في اللغة غَمَر الماء الشيء غَمْرًا واغْتَمَره: علاه وغطَّاه، وجيش يَغْتَمِر كل شيء: يُغطِّيه ويستغرقه، وضارب في غَمْرَة أي سابح في ماء كثير، ودخلت في غُمارِ الناس وغَمارِهم أي في زحمتهم وكثرتهم(62). وتشير هذه المعاني إلى التدفُّق والانسياب في حركة الشيء من كل جانب، ويحصل ذلك من دون شك لأسباب وعوامل مختلفة، سواء لقوة حركة الشيء (عوامل ذاتية) أو للظروف المساعدة على ذلك التدفُّق والانسياب (عوامل خارجية). ويجسد هذا الوضع قوة حركة النفاذ التفضيلي لمنتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي عبر شبكات التواصل الاجتماعي (تويتر، فيسبوك)، وزخم انسياب النصوص وتدفُّق المنشورات التي يبثها أفراد العينة في سياق أحداث تواصلية معينة ترتبط بهوية الذات الإسرائيلية مثلًا أو مستقبلها، أو نصوص لها علاقة بتطورات الوضع الداخلي الفلسطيني والإسرائيلي أو العمليات العسكرية التي يشنها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، أو فصول الحروب على قطاع غزة. فنلاحظ ما يشبه “التعبئة العامة” في صفوف منتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي الذين يتحوَّلون إلى كتلة أو وحدة مترابطة ومنظمة (كتيبة)، ويظهر بشكل واضح استعداداها وجاهزيتها وتأهبها لمواجهة موقف معين، كما لو أن هناك هيئة تحرير موحدة تشرف على نشاطها. فتتدفق النصوص والمنشورات والصور والفيديوهات والتعليقات التي تفيض بها حسابات أفراد العينة، ومن ثم تغمر شبكات التواصل الاجتماعي. وتتميز بوحدة نمط الخطاب الأيديولوجي الذي ينتجه أفراد هذه الكتلة، وبالتوارد أيضًا في بنية التلفظ لهذا الخطاب، وبالتجاوز في صوغ الأطروحات والرؤى والتعليقات والردود، فضلًا عن وحدة السياق الزمني للحدث التواصلي.

وهناك أمثلة كثيرة لما أسماه الباحث بالغمر النصي الذي ينتج عن النفاذ التفضيلي للخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ففي الحرب التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة في صيف العام 2022 (الفجر الصادق)، يمكن أن نلاحظ الاتجاه العام لنمط الخطاب الذي تميز بالعسكرة؛ إذ تحوَّل جميع أفراد العينة إلى ما يشبه وحدة/كتيبة مكلفة بمهام التعبئة والدعم والمساندة لقوى الجيش الإسرائيلي وتعزيز صموده في الجبهة. فينتجون نصوصًا متشابهة المضمون تتدفَّق عبر الحسابات المختلفة (تويتر وفيسبوك) لأفراد العينة. ويُحرِّض هذا الخطاب أفراد الجيش على قتل الفلسطينيين، بل “وسحقهم سحقًا”، وهي دعوة لإبادة الفلسطينيين، كما يفخر بالإنجازات التي حققتها الآلة العسكرية الإسرائيلية في التدمير وقتل الأبرياء من الفلسطينيين. ولا تزال هذه النصوص (دعوات الإبادة) منشورة على شبكات التواصل الاجتماعي حتى بعد تحرير هذه الدراسة، ولم تحاول منصتا تويتر وفيسبوك النظر فيها أو تقييمها واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها باعتبارها نصوصًا تحريضية تتجاوز كل الأعراف والقيم الأخلاقية في الأحداث التواصلية.

10
صورة (10): الغمر النصي للشبكات الاجتماعية بخطاب العسكرة الإسرائيلي

ويشير نمط هذا الخطاب وبنيته التلفظية (الممارسة الخطابية) إلى اقتران الذات المُتَكَلِّمَة بنوع مخصوص من الخطابات، وهو نمط أيديولوجيا العسكرة كما تُظهِر إستراتيجية الغمر النصي في عينة الدراسة، ثم تمليك هذا النمط من الخطاب لبعض أصناف الذوات، وهي الذات الإسرائيلية، وهو ما أسماه ميشيل فوكو بـ”التملك الاجتماعي للخطاب”(63). بينما لا تستطيع ذوات أخرى (الذات الفلسطينية) أن تنتج خطابًا مماثلًا له في البعد الرمزي ومناظرًا له في الطرح الأيديولوجي، ويسهم هذا التملك الاجتماعي في إخضاع الخطاب لمجموعة من الطقوس وتأطيره بعدد من المحددات انطلاقًا من النفاذ التفضيلي الذي تتمتع به الذات الإسرائيلية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

وهنا، تكرس هذه المنصات (تويتر وفيسبوك) السيطرة والهيمنة الخطابية للذات الإسرائيلية عبر تحكُّمها في مداخل الخطاب ومنافذه، ونمط التواصل (مكتوبًا أو مصورًا) وتمليك الذات الإسرائيلية لنمط مخصوص من الخطاب، أي التحكُّم في أفعال الكلام المسموح بها، واختيار المفردات والمصطلحات (القاموس اللغوي)، ومَنْ يتكلم؟ وكيف يتكلم؟ ومتى يتكلم؟ ويشير ذلك إلى قدرة الخوارزميات -باعتبارها خطابًا مُفَكَّرًا فيه- على إنتاج “الحقائق” كما تتصورها الذات الإسرائيلية، وتدخلها المادي في الترويج لخطابات معينة وتعزيز الرواية التي تدافع عنها؛ حيث تصبح شبكات التواصل الاجتماعي بمنزلة الحراس الجدد المراقبين لمنافذ المجال الرقمي.

وتثير حالة الهيمنة الخطابية للذات الإسرائيلية عبر النفاذ التفضيلي إشكالية أخرى أكثر تعقيدًا وترتبط بالنفاذ المُقَيَّد والمُتَحَكَّم فيه للخطاب الذي تنتجه الذات الفلسطينية، وهو ما يحول دون امتلاكها للخطاب والرواية أيضًا؛ الأمر الذي يعتبره البعض “تمييزًا رقميًّا” ضد المحتوى الفلسطيني. وقد عالجت هذه الإشكالية دراسات وتقارير أعدتها مراكز متخصصة، مثل مركز “صدى سوشال” الذي يرصد ويوثق الانتهاكات الرقمية ضد المحتوى الفلسطيني (تأسس في سبتمبر/أيلول 2017). فخلال الحرب التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة (الفجر الصادق)، في صيف 2022، وثَّق المركز أكثر من 360 حالة انتهاك للمحتوى الفلسطيني في شهر أغسطس/آب من العام نفسه، وجاءت المنصات التي تديرها شركة “ميتا” في أعلى المنصات ارتكابًا للانتهاكات بواقع 232 انتهاكًا على منصة فيسبوك توزعت ما بين حذف للمنشورات، ثم تقييد الوصول ومنع النشر واستخدام بعض الخصائص مثل البث المباشر والإعلانات والمشاركات في المجموعات لفترة زمنية معينة، وحذف الحساب بشكل كلي، إضافة إلى 53 انتهاكًا على إنستغرام وكانت في معظمها قصصًا رفعها أصحابها على المنصة، وتتعلق بالاعتداءات الإسرائيلية في مدينة نابلس والهجمات العسكرية على القطاع. كما رصد المركز 40 انتهاكًا على منصة تويتر، تبعه 12 انتهاكًا على واتساب تمثَّلت في حظر أرقام الصحفيين، ومجموعات إخبارية، و9 انتهاكات على منصة تيك توك(64).

ويشمل التمييز ضد المحتوى الفلسطيني أيضًا الصحفيين، والمؤسسات الإعلامية التي تُعد أكثر الجهات عرضة للانتهاكات الموثقة؛ إذ بلغت 260 انتهاكًا في حق صفحات المؤسسات الإعلامية وحسابات الصحفيين، منهم من حذفت حساباتهم بشكل كامل وذلك بسبب تغطيتهم أخبارًا تتعلق بالاعتداءات الإسرائيلية، ونقلهم قصصًا إنسانية فلسطينية(65).

تؤكد هذه النتائج، لاسيما على مستوى التمييز الرقمي ضد المحتوى الفلسطيني، ما أشارت إليه الدراسة بخصوص تأثير النفاذ المُقَيَّد للذات الفلسطينية عبر شبكات التواصل الاجتماعي في محاصرة الرواية الفلسطينية والتحكُّم في سياقات الخطاب وإنتاجه من خلال تحديد: مَنْ يستخدم المنصة؟ ومَنْ يشارك في الخطاب والحدث التواصلي؟ وما الذي ينبغي أن يقال؟  ومَنْ يتكلم؟ وماذا يقول؟ ما القاموس الذي يستخدمه في الخطاب؟ ومع مَنْ يتكلم ولمن توجه الذات المُتَكَلِّمَة خطابها؟ وهنا تبدو سلطة خطاب الخوارزميات في التحكُّم والضبط الاجتماعي من أجل الحيلولة دون تمكن الذات الفلسطينية من التملك الاجتماعي للخطاب، لذلك أطلقت عليها الباحثة، صفية نوبل “خوارزميات القمع”؛ إذ تعد العنصرية والتمييز من الطرق البنيوية الأساسية في عملها، وبروتوكولًا معياريًّا لبعض المنظمات على شبكة الويب(66)، لاسيما الشركات الكبرى المحتكرة للمعلومات، والتي تضع مصالحها التجارية والمالية فوق أي اعتبارات أخرى.

– إستراتيجية التلاعب الخطابي: تُعد هذه الإستراتيجية من مرتكزات مداخل التحليل النقدي للخطاب، وقد اهتم بها كثيرًا دارسو هذا الحقل، خاصة توين فان دايك، وقد عنى بها نشر المعلومات التي تصب في مصلحة الجهات والمؤسسات المهيمنة، أو محاولة عرقلة فهم هذه المعلومات التي لا تخدم مصالحها والعمل على تشويهها. ويقترن التلاعب الخطابي بنمط من التواصل والتفاعل أو الممارسات الاجتماعية التي تصب في مصلحة طرف واحد فحسب وتكون ضد المصلحة المفضلة لدى المتلقي، ويقدم أيضًا معلومات منحازة أو غير كاملة أو تدعم أحد الأطراف دون غيرها أو يحذف معلومات مهمة جدًّا أو يعمل على تزييف الحقائق أو الكذب، وغيرها من الأساليب بهدف التلاعب بعقول الناس ومعتقداتهم وآرائهم ومعارفهم والأيديولوجيات التي تسيطر على أفعالهم(67).

تستلهم الدراسة هذا المعنى الشامل لإستراتيجية التلاعب الخطابي التي تُقدِّم خلالها الذات المُتَكَلِّمَة معلومات مزيفة وكاذبة لتشويه الحقائق، ثم تقوم الوسائط الرقمية، وتحديدًا شبكات التواصل الاجتماعي، بالترويج لهذا الخطاب التلاعبي حتى لو انكشف زيف تلك المعلومات. وهو ما يجعل هذه المنصات تنخرط في الدعاية لأنماط أيديولوجية معينة، مثلما لاحظنا في دراسة خطاب أفراد العينة. فقد كانت منشورات كثيرة -بما في ذلك الصور والكاريكاتير- لمنتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي تقلب الحقائق وتُزَيِّف المعلومات حول تطورات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في صيف 2022، وتحاول تشويه الذات الفلسطينية (حركة المقاومة)، وتفتيت مكوناتها عبر خلق حالة الانقسام في صفوفها وفي النسيج الاجتماعي الفلسطيني. لذلك كان هذا الخطاب يُحمِّل مسؤولية الضحايا الذين يسقطون في هذه الحرب إلى حركة الجهاد الإسلامي، أو ما يسميه “حركة الجهاد الإيراني”؛ حيث كان “الإطلاق الصاروخي الفاشل للجهاد الإسلامي سببًا في مقتل 16 بريئًا”، كما ورد في منشور لأفيخاي أدرعي (16 أغسطس/آب 2022)، أو أن “الجهاد ارتكبت مجزرة ضد أبناء شعبها نتيجة إطلاق صاروخ فاشل، ولم يقم الجيش الإسرائيلي بأي قصف في منطقة جباليا. فالإرهاب الفلسطيني يضحي بحياة المدنيين بينما إسرائيل تحافظ عليهم”، بحسب ما ذكر يوفال كينغ في تغريدة على تويتر، (7 أغسطس/آب 2022)، أو أن “حركة الجهاد الإيراني تذبح أطفال غزة”، مثلما ورد في منشور لميرلان أوهاد (7 أغسطس/آب 2022).

11
صورة (11): تدفق التلاعب الخطابي لتشويه الذات الفلسطينية وتجميل الذات الإسرائيلية

يبدو من خلال هذه المنشورات أن إستراتيجية التلاعب الخطابي مُؤَسِّسَة لأكثر من نمط أيديولوجي إسرائيلي، لاسيما أيديولوجيا العسكرة؛ حيث تقوم هذه الإستراتيجية بتجميل هوية الجيش الإسرائيلي والدفاع عن صورته وتشويه الذات الفلسطينية التي تمثِّل في نظر هذا الخطاب “العدو”. كما تعمل بفاعلية في إطار أيديولوجيا تفتيت المجتمع الفلسطيني عبر توسيع حالة الانقسام بين فصائله والحاضنة الاجتماعية لحركات المقاومة. وتجد هذه الإستراتيجية صدى لها في الشبكات الاجتماعية (فيسبوك وتويتر) التي تتفاعل مع الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي فتعمل على نشره وترويجه، ولا تعرقله أو تحذفه أو تمنعه للحيلولة دون تشويه الجهات المتضررة منه.

وعلى الرغم من زيف الخطاب الإسرائيلي في تناوله لقضايا الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أو بعض الأحداث المرتبطة بالاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدف الصحفيين ووسائل الإعلام الفلسطينية، مثل تبني منتجي الخطاب الإسرائيلي للرواية الإسرائيلية الرسمية بشأن مقتل مراسلة قناة الجزيرة، شيرين أبو عاقلة؛ إذ حمَّل هؤلاء مسؤولية مقتلها إلى “المسلحين الفلسطينيين”. فقد لقيت المراسلة حتفها -بحسب منشور لروني شالوم- خلال “إطلاق نار بين ميليشيات فلسطينية في مدينة جنين” (11 مايو/أيار 2022)، واعتبر ميرلان أوهاد أن “الأسلحة الأوتوماتيكية للمخربين الفلسطينيين”، كانت السبب المباشر في مقتل شيرين أبو عاقلة (11 مايو/أيار 2022)، أما أفيخاي أدرعي فذهب إلى أن “إطلاق النار العشوائي من قبل مسلحين فلسطينيين” أدى إلى مقتلها، واعتبر جاي معيان أن “إرهابيين فلسطينيين قتلوا” الصحفية شيرين أبو عاقلة (11 مايو/أيار 2022). 

إذن، هذا التزييف في الوقائع والأحداث التي تهم الشأن الفلسطيني والكذب تَشْرَع له شبكات التواصل الاجتماعي منافذها، حتى يصبح خطاب مُهَيْمِنًا على أي خطاب آخر أو رواية مختلفة، ويمثِّل ذلك إستراتيجية في التلاعب الخطابي بالرأي العام لتزييف الوعي وخلق “حقائق بديلة” عما تؤكده شهادات الشهود والوثائق. وبذلك تكون شبكات التواصل الاجتماعي جزءًا من هذا الخطاب الذي ينحاز لسردية تحاول تجميل صورة الاحتلال الإسرائيلي.

– إستراتيجية التدوير: ويقصد بهذه الإستراتيجية إعادة تدوير أنماط الخطابات الأيديولوجية التي أنتجتها الذات المتكلمة/الإسرائيلية وذلك عبر حسابات أفراد العينة الذين يشكِّلون شبكة أو مجموعة متراصة تتقاسم نفس الأفكار وتشترك في ذات المنطلقات الأيديولوجية. ويهدف تدوير تلك الخطابات إلى توسيع نطاق ومساحة الغمر النصي لاستقطاب أكبر عدد من المستخدمين وتشكيل مجموعات مناصرة وداعمة للخطاب من غير الذات الإسرائيلية. وقد يكون للتلاعب الخطابي دور أكبر في هذا الهدف؛ حيث تسمح شبكات التواصل الاجتماعي لمنتجي الخطاب ليس فقط بالغمر النصي أو التلاعب الخطابي وإنما تمكنهم من إعادة نشر المعلومات المزيفة والأخبار الكاذبة والمفبركة. ولاحظ الباحث في دراسته لأنماط الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي نشاطًا كبيرًا لعملية التدوير بين حسابات أفراد العينة، خاصة فيما يتعلق بالمعلومات الزائفة والأخبار الكاذبة، مثل “إطلاق حركة الجهاد الإسلامي للصواريخ على أطفال قطاع غزة”، أو “قتل المسلحين الفلسطينيين لمراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة”، وغيرها من الوقائع، التي تبيِّن دور شبكات التواصل الاجتماعي في الترويج لهذه الخطابات المُضَلِّلة التي تُشوِّه صورة الذات الفلسطينية وتحمِّلها المسؤولية عما يحدث في الأراضي الفلسطينية، بينما تبدو صورة الاحتلال “نظيفة” و”طاهرة” تتبرَّأ من القتل والتدمير والتخريب.

12
صورة (12): تدوير الغمر النصي والتلاعب الخطاب

خلاصة  

تُظهِر أنماط الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي، وإستراتيجيات شبكات التواصل الاجتماعي في إنتاج الهيمنة الخطابية، دور أنظمة الخوارزميات في التملك الاجتماعي للخطاب والسيطرة على سياقاته، وهو ما يجعل الذات المتكلمة/الإسرائيلية تقترن بأنماط مخصوصة من الخطابات الأيديولوجية (الشرعنة، التعتيم، التوحيد، التفتيت، التشيؤ، العسكرة)، بينما لا تستطيع الذات الفلسطينية أن تنتج خطابًا مماثلًا له في البعد الرمزي، ومناظرًا له في الطرح الأيديولوجي. ويسهم هذا التملك الاجتماعي في إخضاع الخطاب لمجموعة من البنى الفكرية وتشكيل عدد من المجالات والموضوعات، وتأطيره بعدد من المحددات انطلاقًا من النفاذ التفضيلي الذي تتمتع به الذات الإسرائيلية عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ويُبيِّن التملك الخطابي أن الأنظمة الخوارزمية لشبكات التواصل الاجتماعي ليست برامج وعمليات حسابية وتشفيرًا وترميزًا فقط، ولا أنظمة تنشأ من الفراغ، وإنما تمثِّل ممارسة خطابية وتأطيرًا لقيم وأفكار ومقولات معينة لها أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، أي أنظمة برامجية مرتبطة برؤى للعالم الاجتماعي وبالمصالح السياسية والتجارية وغيرها من الأجندة لتشكيل وصناعة اتخاذ القرارات. ومن خلال هذا الحضور المعرفي للخوارزميات يمكن ملاحظة القَدَارَة التي تتميز بها أنظمتها البرامجية على إنتاج ما تراه مُمَثِّلًا لـ”الحقيقة” أو “الحقائق” حول الأحداث والموضوعات والأشياء، وهو ما يجعل الخوارزميات جزءًا من آليات وديناميات السيطرة والسلطة والهيمنة الخطابية/الثقافية. 

ويرتبط التملك الاجتماعي للخطاب أيضًا بالنفاذ التفضيلي لشبكات التواصل الاجتماعي؛ الأمر الذي فسح المجال واسعًا للذات الإسرائيلية لإنتاج أنماط أيديولوجية تعكس تصورًا معينًا للقضية الفلسطينية، ورؤية لعلاقتها بالذات الفلسطينية وللعالم أيضًا. وكانت هذه الأنماط الخطابية الستة المذكورة آنفًا تنصهر مع رؤى المؤسسات الإسرائيلية الرسمية في جميع المواقف والأحداث، خاصة العمليات العسكرية والحروب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة. كما أن قوة حركة النفاذ التفضيلي لمنتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي من خلال إستراتيجية الغمر النصي وتدفق المنشورات التي يبثها أفراد العينة، كان لها دور في “التعبئة العامة” في صفوف منتجي الخطاب الأيديولوجي الإسرائيلي الذين تحوَّلوا إلى كتلة/كتيبة مترابطة تتميز بوحدة نمط الخطاب الأيديولوجي الذي يُنتِجه أفرادها، وبالتوارد في بنية التلفظ لهذا الخطاب، وبالتجاوز في صوغ الأطروحات والرؤى والتعليقات والردود، فضلًا عن وحدة السياق الزمني للحدث التواصلي.

ويبدو أيضًا تأثير قوة حركة النفاذ التفضيلي في إستراتيجية التلاعب الخطابي التي تُقدِّم خلالها الذات المتكلمة/الإسرائيلية معلومات مزيفة تقلب الحقائق حول تطورات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في صيف 2022، وتحاول تشويه الذات الفلسطينية (حركة المقاومة)، وتفتيت مكوناتها عبر خلق حالة الانقسام في صفوفها وفي النسيج الاجتماعي الفلسطيني. لذلك كان هذا الخطاب مثلًا يُحمِّل مسؤولية الضحايا الذين يسقطون في هذه الحرب إلى حركة الجهاد الإسلامي، ويقوم بتجميل هوية الجيش الإسرائيلي والدفاع عن صورته أمام الذات الفلسطينية التي تمثِّل في نظر هذا الخطاب “العدو”. وتكرس هذه المنصات (تويتر وفيسبوك) السيطرة والهيمنة الخطابية للذات الإسرائيلية عبر تحكُّمها في مداخل الخطاب ومنافذه، ونمط التواصل (مكتوبًا أو مصورًا) وتمليك الذات الإسرائيلية لنمط مخصوص من الخطاب، أي التحكُّم في سياقاته. ويشير ذلك إلى قدرة الخوارزميات على إنتاج “الحقائق” كما تتصورها الذات الإسرائيلية، وتدخلها المادي في الترويج لخطابات معينة وتعزيز الرواية التي تدافع عنها؛ حيث تصبح شبكات التواصل الاجتماعي بمنزلة الحراس الجدد المراقبين للمجال الرقمي. ومن ثم تقاطع المصالح بين شبكات التواصل الاجتماعي والقوى المهيمنة على الخطاب.

نُشِرت الدراسة في العدد الثاني من مجلة الجزيرة لدراسات الاتصال والإعلام، للاطلاع على العدد كاملًا (اضغط هنا)

محمد الراجي – باحث بمركز الجزيرة للدراسات

مراجع

(1) توين فان دايك، الخطاب والسلطة، ترجمة غيداء العلي، ط 1 (القاهرة، المركز القومي للترجمة، 2014)، ص 150.

(2) Adi Kuntsman, Rebecca Stein, Digital Militarism: Israel’s Occupation in the Social Media Age, (Stanford, California: Stanford University Press, 2015), 95.

(3) جاي معيان (إعلامي في التليفزيون الإسرائيلي)، إيدي كوهين (صحفي إسرائيلي)، ميرلان أوهاد (محلل إسرائيلي)، يوفال كينغ (إعلامي وصحفي سابق)، روني شالوم (باحث في شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية)، مردخاي كيدار (باحث في جامعة بار إيلان)، إسرائيل بالعربية (حساب تويتر الرسمي لدولة إسرائيل)، أفيخاي أدرعي (المتحدث الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي).

(4) نورمان فاركلوف، تحليل الخطاب: التحليل النصي في البحث الاجتماعي، ترجمة طلال وهبة، ط 1 (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2009)، ص 233- 234.

(5) فان دايك، الخطاب والسلطة، مرجع سابق، ص 192.

(6) المرجع السابق، ص 64- 68.

(7) Elisenda Ardévol, Edgar Gómez-Cruz, “Digital Ethnography and Media Practices, The International Encyclopedia of Media Studies,” December 2, 2013, “accessed December 10, 2022”. https://bit.ly/3V1s45P.

(8) Ibid.

(9) David Beer et al., The Social Power of Algorithms, eds. David Beer et al., (New York: Routledge, 2018).

(10) Safiya U. Noble, Algorithms of Oppression: How Search Engines Reinforce Racism, (New York: New York University Press, 2018), 10-25.

(11) Cathy O’Neil, Weapons of Math Destruction, (New York: Penguin Books, 2016), 184.

(12) هانا فراي، أهلًا بالعالم: أن تكون إنسانًا في عصر الخوارزميات، ترجمة محمد جمال، ط 1 (دار كلمات للنشر والتوزيع، 2021)، ص 17-18.

(13) فاطمة الزهراء السيد، “الخوازرميات وهندسة تفضيلات مستخدمي الإعلام الاجتماعي”، مجلة لباب، (الدوحة، العدد 5، فبراير/شباط 2020)، ص 95.

(14) Beer, “The Social Power of Algorithms, in The Social Power of Algorithms, eds. David Beer et al., (New York: Routledge, 2018), 4.

(15) فلورا فانسان، “لابد من تثقيف الخوارزميات”، اليونسكو، أبريل/نيسان 2004، (تاريخ الدخول: 9 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3Zef142.

(16) Beer, “The Social Power of Algorithms,” 10-11.

(17) Ibid, 11.

(18) ميشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة محمد سبيلا، (بيروت، دار التنوير للطباعة والنشر، 2007)، ص 70-72. 

(19) المرجع السابق، ص 20-37.

(20) Beer, “The Social Power of Algorithms,” 6.

(21) فراي، أهلًا بالعالم، مرجع سابق، ص 18-20.

(22) السيد، “الخوارزميات وهندسة تفضيلات مستخدمي الإعلام الاجتماعي”، مرجع سابق، ص 100.

(23) المرجع السابق، ص 101-103.

(24) فان دايك، الخطاب والسلطة، مرجع سابق، ص 84.

(25) Michele Willson, “Algorithms (and the) Every Day,” in The Social Power of Algorithms, eds. David Beer et al., (New York: Routledge, 2018), 141-146.

(26) Ibid, 148.

(27) هربرت شيلر، الاتصال والهيمنة الثقافية، ترجمة وجيه سمعان عبد المسيح، ط 1 (القاهرة، الهيئة المصرية للكتاب، 2007).

(28) John B. Thompson, Ideology and Modern Culture, (Cambridge: Polity Press, 2007).

(29) فاركلوف، تحليل الخطاب، مرجع سابق.

(30) فان دايك، الخطاب والسلطة، مرجع سابق.

(31) Thompson, Ideology and Modern Culture, 53.

(32) Ibid, 53.

(33) محمد عجلان، “مفهوم الأيديولوجيا بين ماركس ولينين”، منوعات، 17 يناير/كانون الثاني 2017، (تاريخ الدخول: 15 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3QGBHWQ.

(34) Thompson, Ideology and Modern Culture, 55.

(35) فاركلوف، تحليل الخطاب، مرجع سابق، ص 125.

(36) المرجع السابق، ص 35-36.

(37) Thompson, Ideology and Modern Culture, 8.

(38) Ibid, 58.

(39) فان دايك، السلطة والخطاب، مرجع سابق، ص 157.

(40) فاركلوف، تحليل الخطاب، مرجع سابق، ص 151-152.

(41) المرجع السابق، ص 157.

(42) Thompson, Ideology and Modern Culture, 60.

(43) ملفين ديفلير، ساندرا بول-روكيتش، نظريات وسائل الإعلام، ترجمة كمال عبد الرؤوف، ط 4 (القاهرة، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، 2002)، ص 353.

(44) “تاريخ إسرائيل أكثر من 3000 سنة”، إسرائيل تتكلم بالعربية، @IsraelArabic، 24 يوليو/تموز 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3nroDdd.

(45) فان دايك، السلطة والخطاب، مرجع سابق، ص 476.

(46) روني شالوم، “اسحقوهم سحقًا!”، @Ronnyshalom، 6 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3we9aOT.

(47) “في مثل هذا اليوم”، إسرائيل تتكلم بالعربية، @IsraelArabic، 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3IV9v0x.

(48) “على الذين ينتحلون اسمًا رومانيًّا دخيلًا على المنطقة…”، ليفي، @lyfy59906109، 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 24 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3klONN2.

(49) “بالأرقام.. حصيلة 66 ساعة من العدوان الإسرائيلي على غزة”، الخليج الجديد، 8 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3JaBXf2.

(50) “خلال عملية الفجر الصادق”، @AvichayAdraee، 16 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3ksj7FJ.

(51) “الجهاد الإسلامي ضد أطفال غزة، هل هذا جهاد؟”، kedar_mordechai@، 7 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3ZTuCqf.

(52) عبد الله الغذامي، ثقافة تويتر: حرية التعبير أو مسؤولية التعبير، ط 1 (المغرب، المركز الثقافي العربي، 2016)، ص 105.

(53) “إنجازات عظيمة لقواتنا المسلحة الباسلة”، Ronnyshalom@، 7 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3QRcRna.

(54) “أبناء إسماعيل هنية”، @dredycohen، 12 مايو/أيار 2021، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3QLmHHl.

(55) Hananya Naftali, “The Palestinian propaganda…,” @HananyaNaftali, June 8, 2022, “accessed January 25, 2023”. https://bit.ly/3kuepYc.

(56) “نحن شعب لا يعرف الانكسار”، أفيخاي أدرعي، @AvichayAdraee، 8 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3IWG0vf.

(57) “مؤشر العنصرية والتحريض 2021: تضاعف العنصرية والتحريض ضد الفلسطينيين والعرب خلال العام 2021″، المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي، 17 يناير/كانون الثاني 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3WEVZRS.

(58) Adi Kuntsman, Rebecca Stein, Digital Militarism: Israel’s Occupation in the Social Media Age, (Stanford, California: Stanford University Press, 2015), 95.

(59) Ibid, 92-95.

(60) Rebecca Stein, Screen Shots: State Violence on Camera in Israel and Palestine, (Stanford, California: Stanford University Press, 2021), 136.

(61) “اسحقوهم سحقًا!”، روني شالوم، @Ronnyshalom، 6 أغسطس/آب 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3we9aOT.

(62) ابن منظور، لسان العرب، (بيروت، دار صادر، د.ت)، ج 11، ص 81-82.

(63) فوكو، نظام الخطاب، مرجع سابق، ص 23.

(64) “صدى سوشال: انتهاكات ميتا الأعلى منذ بداية العام…فيسبوك وإنستغرام تسكت الفلسطينيين”، 28 ديسمبر/كانون الأول 2022، (تاريخ الدخول: 25 يناير/كانون الثاني 2023)، https://bit.ly/3WMfzfd.

(65) المرجع السابق.

(66) Noble, Algorithms of Oppression, 4.

(67) فان دايك، الخطاب والسلطة، مرجع سابق، ص 437-444.