1

نظرة معمقة.. المقاومة حق تدعمه القوانين الدولية

مواقف الأمم المتحدة من القضايا الدولية باتت معروفة ومكررة، يعرفها القاصي والداني، عبارة قصيرة يتم تكرارها في كل مناسبة “نعرب عن قلقنا”، ولا شيء بعد القلق، لكن مقررة الأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيز تجاوزت هذه العبارات التقليدية موخرًا فيما يتعلق بالعدوان الإسرائيلي على غزة، وتحدثت عن حق الفلسطينيين في المقاومة بموجب القانون الدولي، وجرَّدت “إسرائيل” من حق الدفاع عن النفس باعتبارها قوة احتلال.

في سياق النزاع المسلح الدائر بين “إسرائيل” وحركة المقاومة الفلسطينية “حماس” في قطاع غزة، الذي يتابعه العالم بصمت مطبق، لا غنى عن تسليط الضوء على بعض القضايا القانونية الأساسية التي تؤكد على الحق في المقاومة التي يمارسها الفلسطينيون بإمكاناتهم العسكرية واللوجستية المحدودة، التي لا تخرج عن كونها ممارسة لحق شرعي وإنساني قبل أن تكون حقًا قانونيًا مقررًا بموجب المواثيق والاتفاقيات الدولية.

لماذا المقاومة؟

يواجه الفلسطينيون سلسلة من الحروب التي شنها جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ اغتصاب ما تبقى من أراضي الدولة الفلسطينية  في عام 1967، ومارس كل أشكال الانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني على أراضيه، وقتل الآلاف وأحدث دمارًا كبيرًا في جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية، وانتهج سياسة تتناقض مع أحكام القانون الدولي، بما في ذلك استخدام الذخيرة الحية والغاز المسيل للدموع، وحتى الضربات الجوية، وأسقط عددًا كبيرًا من القتلى والجرحى من المتظاهرين الذين تم تصنيفهم على أنهم “إرهابيون”.

وشهدت الأسابيع القليلة الماضية مجموعة من الأحداث التي تسلط الضوء على مدى قمع قوات الاحتلال الإسرائيلية للفلسطينيين المدنيين: التعذيب والقتل العمد والاعتقالات والاحتجازات التعسفية وفرض الإقامات الجبرية واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا، ونسف المنازل والمباني، وتهجير السكان خارج منازلهم، كل ذلك بهدف إرهابهم والقضاء على كل أشكال المقاومة المشروعة لديهم.

حمل الفلسطينيون السلاح، وتشكلت حركة مقاومة شعبية مسلحة دفاعًا عن حقوقهم المسلوبة، وسعيًا لتحرير أراضيهم المحتلة

هذه الأحداث شائعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وفي كل مرة، يتسم رد فعل “إسرائيل” على ممارسة الفلسطينيين لحقهم في المقاومة، المنصوص عليه في أعراف ومعاهدات القانون الدولي، بالوحشية، وغالبًا ما يكون الضحايا من الأطفال والشباب الذين، على الرغم من انتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي المتكررة والمعروفة ضد المدنيين الأبرياء، يصرون بجرأة على نضالهم من أجل الحرية.

ومن خلال تجريم أنشطة المقاومة السلمية، ومحاولة خنق الفلسطينيين بشكل فعال، تقدم “إسرائيل” ما وصفه اﻷﻛﺎدﻳﻤﻲ واﻟﻨﺎﺷﻂ اﻹﺳﺮاﺋﻴﻠﻲ جيف هالبر بـ”مصفوفة السيطرة”، وهي شبكة معقدة من الأدوات المصممة لتفتيت وعزل المجتمع الفلسطيني، وتميز سياسة “إسرائيل” تجاه الضفة الغربية وقطاع غزة منذ احتلالها في يونيو/حزيران عام 1967.

ومن الواضح أن “إسرائيل” تنكر أن قواعد القانون الدولي تنطبق على الظلم المنهجي والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، ويوضح البناء المستمر للجدران العنصرية الفاصلة والمستوطنات التي أصبحت تشكل ما وصفته فيديريكا داليساندرا، المديرة التنفيذية لبرنامج أكسفورد للسلم والأمن بـ”الشرعية البديلة” لـ”إسرائيل”، مدى الإنكار.

وبعد مرور 56 عامًا على صدور قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 242، الذي أمر “إسرائيل” بمغادرة الأراضي المحتلة، لا يزال الجدار الفاصل على طول أكثر من 7 آلاف كيلومتر في الحدود بين “إسرائيل” والضفة الغربية قائمًا، ويدمر حياة عشرات الآلاف الذين يعيشون في ظله.

ويواجه المدنيون الفلسطينيون الذين يرفضون هذه الشرعية الزائفة ويقررون المقاومة قوة غير متكافئة من جيش الاحتلال، ليس أقلها المداهمات الروتينية والقتل الوحشي للأطفال والشباب على يد جنود مسلحين بالكامل ويرتدون خوذات كرد فعل على رمي الفلسطينيين الحجارة على الأشخاص أو الممتلكات.

ويعتبر إلقاء الحجارة وسيلة شائعة للتنديد بممارسات الاحتلال، وينظر إليها الكثيرون على أنها “رمزية وغير عنيفة” نظرًا للفارق في القوة والتجهيزات بين قوات الاحتلال والفلسطينيين، لكن لا يمكن التقليل من أهميتها المجازية، فقد كانت الطريقة الأساسية للمقاومة خلال الانتفاضة الأولى، وتحمل تاريخًا فلسطينيًا فريدًا، فهي أقرب إلى فعل التحدي وليس نية الايذاء الفعلي.

يعتبر إلقاء الحجارة وسيلة شائعة للتنديد بممارسات الاحتلال

ومع ذلك، شهد شهر يوليو/تموز 2015 موافقة الكنيست الإسرائيلي على مشروع قانون يشدد العقوبة على ملقي الحجارة بأحكام تصل إلى 20 عامًا من السجن، وهذا يعني الحكم على نحو مئات الأطفال سنويًا بهذه “الجريمة” في الأراضي المحتلة، ومن وجهة نظر القانون الدولي، لا يمكن تبرير ذلك ببساطة.

بالإضافة إلى ذلك، تعمل الدول الغربية التي تدعم “إسرائيل” التي تشن هجماتها الآن على غزة على إدامة السرد القائل بأن المضطِّهد له حقوق على المضطهدين في “الدفاع”، والواقع أن الفلسطينين هم من لهم الحق في المقاومة.

لكن الخطاب الدولي السائد في الغرب، وخاصة تغطية وسائل الإعلام، يحجب واقع ملايين الفلسطينيين، وتصور استعاراته ومصطلحاته بشكل خاطئ كل حادثة جديدة على أنها مرحلة أخرى من “دوامة العنف” التي ابتليت بها المنطقة، ويعمل على إدامة وترسيخ الصورة النمطية للفلسطيني على أنه “إرهابي”، والتقليل من قسوة نظام الفصل العنصري، وتجاهل المعاهدات الدولية ذات الصلة، وبالتالي تشويه الحق في المقاومة.

ومن الواضح أنه عندما يصف الغرب بقيادة الولايات المتحدة المقاومة الفلسطينية بأنها “إرهابية”، فإن هدفه هو التغاضي عمدًا عن الجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها سلطات الاحتلال العسكري الإسرائيلي ضد السكان الفلسطينيين المدنيين العُزَّل الذين لم يلعبوا أي دور في الحرب الدائرة، ويسمح فشل المجتمع الدولي في إجبار “إسرائيل” على الالتزام بالقانون باستمرار هذا التجريم.

القانون الدولي لا لبس في تأييده للمقاومة، ليس فقط السلمية بل “الكفاح المسلح” للشعوب التي تسعى إلى تقرير المصير والتحرر من الهيمنة الاستعمارية والأجنبية

علاوة على ذلك، من المهم وضع هجوم حماس الأخير ضمن السياق الاستعماري التاريخي لفلسطين، فقد كانت “إسرائيل” دائمًا مشروعًا استعماريًا استيطانيًا، ومن أجل إنشاء أراضيها والحفاظ عليها وتوسيعها، مارست تطهيرًا عرقيًا ضد الفلسطينيين وطردتهم من أراضيهم ومنازلهم، ما أدى إلى نكبة الشعب الفلسطيني.

وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 750 ألف فلسطيني طردوا بالقوة من منازلهم وأصبحوا لاجئين، واليوم، هناك أكثر من 6 ملايين لاجئ فلسطيني مع استمرار نفس سياسات وممارسات التطهير العرقي وغير ذلك من جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي نراها اليوم، التي ما كانت لتُرتكب لو لم يتغاضى الغرب عن العدوان الإسرائيلي ضد فلسطين عام 1967.

كنتيجة حتمية، وردًا على كل ما سبق من انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي غير المشروع لحقوق الفلسطينيين على أراضيهم، ونتيجة لعجز المجتمع الدولي ممثلًا في منظمة الأمم المتحدة، والمجتمع العربي ممثلًا في جامعة الدول العربية، عن إنهاء هذا الاحتلال وآثاره، واستنفاد كل الطرق السلمية في مواجهة الاحتلال، حمل الفلسطينيون السلاح، وتشكلت حركة مقاومة شعبية مسلحة دفاعًا عن حقوقهم المسلوبة، وسعيًا لتحرير أراضيهم المحتلة والحصول على حقهم في الاستقلال وتقرير المصير.

بعد كل هذا، ما زال البعض يسأل: هل يحق للفلسطينيين المضطهدين أن يقاوموا العدوان الإسرائيلي المتواصل الذي يتعرضون له؟ لا يمكن أن يكون هناك إلا إجابة واحدة: نعم، فقد أكد هؤلاء منذ فترة طويلة على حقهم في المقاومة، الذي منحوه لأنفسهم، وهو حق مكرس منذ القدم لشعوب العالم التي تسعى إلى الحرية والاستقلال.

ويعود هذا الحق في جزء منه إلى سبارتاكوس، زعيم العبيد البيض ضد الإمبراطورية الرومانية، ووتوسان لوفرتور، زعيم العبيد السود ضد الهيمنة الأوروبية، في أثناء الاحتلال الفرنسي، وهذا ما فعله مقاتلو المقاومة المناهضة للاستعمار طوال القرن العشرين في الصين وفيتنام وكوريا والجزائر وأنجولا وموزمبيق، وغيرهم الكثير.

مشروعية المقاومة

على مدار 75 عامًا، ظل الفلسطينيون يقاومون مشروع “إسرائيل” الاستعماري، لا سيما العمليات الإرهابية والمجازر الوحشية، غير مبالين بما إذا كانوا قد اختاروا المقاومة العنيفة أو السلمية، فقد تعرضوا للقنص والقصف وإطلاق النار في أثناء الاحتجاجات، وهم محرومون من حقوق الإنسان الأساسية، بما في ذلك حرية التنقل والتحرر من العوز أو الخوف.

والواقع أن الموقف الدولي من الاعتراف بحق الشعوب في المقاومة لم يتغير بمرور السنين، كما أن القانون الدولي لا لبس في تأييده للمقاومة، ليس فقط السلمية بل “الكفاح المسلح” للشعوب التي تسعى إلى تقرير المصير والتحرر من الهيمنة الاستعمارية والأجنبية، وحرمان الشعوب من هذا الحق يعني حرمانها من حقها في المساواة والكرامة الإنسانية، وهو ما يتعارض مع المواثيق الدولية التي سبقت حتى قيام دولة الاحتلال.

بموجب القانون الدولي، فإن احتلال “إسرائيل” للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وللفلسطينيين الحق في الكفاح بكل صوره ضد الاحتلال

شهد عام 1899 في مدينة لاهاي المؤتمر الأول الذي اعترف بقانونية المقاومة، وفي عام 1907، عرَّفت لائحة لاهاي الشعب القائم أو المنتفض في وجه العدو بأنه “مجموعة من المواطنين من السكان في الأراضي المحتلة الذي يحملون السلاح ويتقدمون لقتال العدو”، وبناءً على ذلك، فإن المقاومة التي يبديها الشعب الفلسطيني في ظل الغطرسة الصهيونية تكتسب المشروعية وفق القانون الدولي لحقوق الإنسان.

أمَّا ميثاق الأمم المتحدة، فلم يكتف بتجريم الحرب واستخدام القوة، بل ذهب أبعد من ذلك فجَّرم التهديد باستخدامها (الفقرة 4 من المادة 2)، وهذا يعني أن الأمم المتحدة ألغت مبدأ الحرب القانونية في القانون الدولي، واعتبرت أن كل حرب هجومية هي حرب عدوانية، ولم يسمح الميثاق بالحرب إلا في حالة الدفاع عن النفس.

لكن الدول الاستعمارية، ومن بينها “إسرائيل”، أصرَّت على تفسير حق الدفاع عن النفس بشكل غير واقعي، وادَّعت أنه يقتصر فقط على الدول، ولا ينطبق على الشعوب، ورفضت بالتالي مبدأ حروب التحرر وحركات المقاومة الشعبية، غير أن المشرِّعين الدوليين رفضوا هذا المنطق، واعتبروا أن للدول المحتلة الحق في الدفاع المشروع عن نفسها بمختلف أشكالها، ويتسع هذا الحق ليشمل بالإضافة إلى الدول، الشعوب والأفراد وحركات المقاومة الشعبية.

ومع ذلك، أدانت القوى الغربية، من الولايات المتحدة إلى دول الاتحاد الأوروبي، التي سارعت في وقت سابق إلى تمجيد مقاومة الأوكرانيين بعد الغزو الروسي، هجوم حماس الأخير، وأعلنت “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، وأعطى هذا الدعم المطلق الضوء الأخضر للاحتلال لشن عدوانه الغاشم ضد الفلسطينيين، في حين تزايدت الأصوات المطالبة بإعلان حماس منظمة إرهابية.

وفق الصحفي الفرنسي آلان غريش، فإن كل هذا يمثل جزءًا من التاريخ الاستعماري والإمبريالي الطويل والمستمر للولايات المتحدة والدول الأوروبية، الذي ينكر أي حق في المقاومة للشعوب المضطهدة، ويصف أولئك الذين يناضلون ضد الاستعمار أو الاحتلال أو الاستبداد، بأنهم “إرهابيون يجب قمعهم بالعنف”، وهي كلمات تعمل على عدم تسييس نضالهم، وتقديمه على أنه مواجهة بين الخير و الشر.

وكان هذا هو الحال مع العديد من المنظمات التي تعرضت للتشهير على هذا النحو خلال التاريخ الحديث، ثم أصبحت اليوم طرفًا شرعيًا ولم تعد منبوذة، مثل جبهة التحرير الوطني الجزائرية (كانت تمثل الجناح السياسي لجيش التحرير الوطني قبل الاستقلال عن فرنسا)، والمؤتمر الوطني الإفريقي (الحزب السياسي الحاكم في جنوب إفريقيا منذ إلغاء الفصل العنصري)، والجيش الجمهوري الأيرلندي (منظمة فدائية سعت لتحرير إيرلندا الشمالية من الحكم البريطاني)، ومنظمة التحرير الفلسطينية قبل اتفاق أوسلو، والقائمة تطول.

وكان هذا هو الحال بشكل خاص فيما يتعلق بنضال فلسطين المستمر من أجل التحرير، وبشكل أكثر تحديدًا في قطاع غزة الذي كان سجنًا مفتوحًا خاضعًا لحصار مميت لأكثر من 15 عامًا منذ سيطرة حماس عليه، والواقع أن الفلسطينيين، مثلهم مثل أي مجموعة سكانية أخرى تواجه نفس التهديدات، يتمتعون بمثل هذه الحقوق.

والحقيقة أنه وفقًا لمنطق “إسرائيل” والغرب فإن المحتل الاستعماري هو الذي يتمتع بحق مشروع في الدفاع عن النفس، وهو المصطلح الذي يفضله قادة “إسرائيل” بشكل خاص لأنه يجعل من الممكن التعتيم على جذور الاحتلال، في حين أن الفلسطينيين المستعمَرين والمضطهَدين هم المعتدون الذين يجب تدميرهم، وهي السردية التي تخالف الاتفاقيات والمواثيق الدولية.

الحق في الدفاع عن النفس

مقاومة الشعب الفلسطيني بكل الوسائل المتاحة له ضد قوة احتلال غير شرعية هي عمل مشروع بموجب القوانين والمنظومة الدولية، ولا تتعارض هذه المقاومة مع حظر استخدام القوة، لأنها شكل من أشكال الدفاع الجماعي عن النفس للشعوب.

كما أن مثل هذه المقاومة لا يحظرها القانون الإنساني الدولي، الذي بموجبه لا يكون الناس ملزمين بالولاء لقوة الاحتلال، وبالتالي يُسمح لهم باللجوء إلى السلاح في مقاومتهم ضد قوة احتلال غير شرعية.

وبموجب القانون الدولي، فإن احتلال “إسرائيل” للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وللفلسطينيين الحق في الكفاح بكل صوره ضد الاحتلال، الذي لولاه ما كنا لنشهد موجة العنف الحاليّة، وبالتالي فإن للفلسطينيين بحكم الأمر الواقع الحق في الدفاع عن أنفسهم ضد “إسرائيل”.

أما ادعاء “إسرائيل” بحقها في الدفاع عن نفسها، الذي تروِّج له دائمًا، كما حدث في أعقاب الهجوم الذي شنته حركة “حماس” في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، فإنه يستند إلى المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، التي تخول للدولة صد أي هجوم يأتي من دولة أخرى، ومع ذلك، لا يمكن أن ينطبق هذا في سياق احتلال “إسرائيل” العسكري لدولة أخرى وشعب آخر وفقًا لتشريع محكمة العدل الدولية.

هذا الحق أيضًا بالنسبة لـ”إسرائيل” ليس على نفس القدر من المشروعية التي تتمتع بها المقاومة الفلسطينية، إذ لا يوجد تكافؤ أخلاقي أو سياسي أو عسكري بالنسبة للجانبين، وفي الوقت نفسه، لا يمكن لأحد أن يضع المقاومة الفلسطينية على قدم المساواة مع كيان محتل يمتلك واحدة من أكبر ترسانات الأسلحة المشروعة والمحرمة دوليًا، التي يستخدمها ضد الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال منذ عام 1967.

ولا يمكن لأي شخص يتتبع أطول احتلال عسكري غير قانوني في التاريخ الحديث أن يقارن الأعمال التي قام بها الفلسطينيون المضطهدون الذين يحاولون استعادة كرامتهم، ويدينهم الغرب بسهولة في دعمه الأحادي الذي لا يتزعزع لقوة الاحتلال، مع شدة وحجم العدوان الذي يشنه الاحتلال على الأراضي الفلسطينية.

هذه الحقيقة تقوض وفق الكاتب المتخصص في شؤون الصراع والإرهاب، سي جي ويرلمان، كل محاولة إسرائيلية لتبرير عنفها ضد الشعب الفلسطيني بدعوى الدفاع عن النفس، وتقلل من جدوى الجهود التي تبذلها “إسرائيل” لإخفاء واقع القانون الدولي، لأنه في الصراع بين الاحتلال والمحتل، يكون للمحتل فقط حق قانوني وأخلاقي في الدفاع عن نفسه.

الحق في المقاومة

يقف القانون الدولي والعرفي إلى جانب حق الفلسطينيين في مقاومة احتلالهم ونضالهم من أجل التحرر، ويعارض بشدة تجاوزات “إسرائيل”، وهي حقيقة ينكرها الاحتلال وينتهكها، وتتجاهلها بقية دول العالم عمدًا، فقد مكنت القوى الغربية “إسرائيل” من أن تصبح دولة تنتهك مبادئ وقواعد واتفاقيات القانون الدولي، بما في ذلك حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال غير القانوني.

على سبيل المثال، يضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان “حرية اعتناق الآراء دون أي تدخل، وتلقي ونقل المعلومات والأفكار بأي وسيلة إعلامية وبغض النظر عن الحدود”، ومع ذلك، تنتهك سلطات الاحتلال هذه القواعد التي تضمن لأعضاء ومؤيدي حركات التحرير الحماية من انتهاكات حقوق الإنسان، مثل التعذيب والاعتقال التعسفي والإعدام خارج نطاق القضاء.

وبدلاً من ذلك، ترتكب سلطات الاحتلال الأعمال القمعية المنافية لحقوق الإنسان ضد السكان المدنيين، وتشمل هذه الممارسات انتهاك حرمة المنازل والاغتصاب ونهب الممتلكات ومنع التجول والحرمان من العمل واستخدام الأسلحة المحرمة دوليًا وتدنيس حرمة المساجد والكنائس وقصف المستشفيات والمدارس وتغيير مناهج الدراسة.

عندما يدعم الفلسطينيون أشكال المقاومة السلمية، مثل “حركات المقاطعة”، فإن “إسرائيل” تشوِّه صورتهم وتتهمهم بـ”معاداة للسامية”

كذلك لا يجوز انتهاك الحق في التجمع السلمي، وهو حق منصوص عليه في كل من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهذا الحق بمثابة أداة تيسّر ممارسة العديد من الحقوق الأخرى التي يكفلها القانون الدولي، وتشكل مجتمعةً أساس المشاركة في الاحتجاجات السلمية، لا سيما الحق في حرية التعبير والحق في المشاركة في إدارة الشؤون العامة.

خلافًا لهذا الحق، الحظر الإسرائيلي على المظاهرات وحرية التعبير ليس سوى مثال واحد على مئات الأوامر العسكرية التي تجرد الفلسطينيين من حقهم في المقاومة والدفاع عن أنفسهم، حيث يحظر الأمر العسكري رقم (101) تجمع أكثر من عشرة أشخاص في المرة الواحدة، ويحظر الأمر (107) مجموعة من الكتب المدرسية، بما في ذلك الكتب المتعلقة بقواعد اللغة العربية والحروب الصليبية والقومية العربية، ونشر الأمر (1079) قائمة تضم أكثر من ألف مادة محظورة تتعلق بالروايات والشعر الفلسطيني، وقبل كل ذلك، يعتبر الاحتلال المقاومة بكل أشكالها أنشطة مُعاقَب عليها.

علاوة على ذلك، فإن العدد الكبير من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تؤكد حق الشعوب في الكفاح والمقاومة، وتعترف صراحة “بشرعية الكفاح من أجل التحرر من الهيمنة الاستعمارية والأجنبية بكل الوسائل المتاحة” لا تؤدي إلا إلى تعزيز الأساس القانوني لحق المقاومة، وهذا يعطي للفلسطينيين الحق في مقاومة العدوان بأي وسيلة.

ولا يقتصر حق الفلسطينيين في اللجوء إلى المقاومة المسلحة على الحرب التقليدية المنصوص عليها في القانون الإنساني الدولي مثل بروتوكول جنيف الثاني، بل يشمل أيضًا استخدام تكتيكات حرب العصابات وغيرها من أشكال المقاومة المسلحة في الصراع الأطول أمدًا، وقد مارست شعوب أوروبا هذا الأسلوب ضد العدوان النازي.

وهكذا فإن القانون الدولي المعاصر أضحى يعترف بالصفة الدولية لحركات المقاومة الشعبية المسلحة ويضفي عليها شرعية دولية، وتجسَّد ذلك في اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949 وبروتوكوليها لعام 1977، بالإضافة إلى القرارات العديدة التي أصدرتها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية – لاسيما جامعة الدول العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية – التي اعترفت بحضور اجتماعاتها ومؤتمراتها، وممارسات الدول التي تجسدت في اعتراف عدد كبير منها بهذه الحركات وأقامت علاقات دولية معها.

ومع ذلك، عندما يدعم الفلسطينيون أشكال المقاومة السلمية، مثل “حركات المقاطعة”، فإن “إسرائيل” تشوِّه صورتهم وتتهمهم بـ”معاداة للسامية”، وعندما يحتجون بغضب على أشكال الظلم التي يتعرضون لها، يتم تشويه سمعتهم على أنهم “عنيفون”، وعندما يلجأون إلى العنف المبرر ردًا على القمع والانتهاكات يتم تصنيفهم على أنهم “إرهابيون ومتطرفون”.

يشير ذلك وفق محللين إلى أن القضية بالنسبة للاحتلال ليست في الواقع طبيعة أعمال المقاومة التي يقوم بها الفلسطينيون، سواء كانت سلمية أم مسلحة، أم حتى أيديولوجيتها، بل إن أي تحد للاحتلال والاستعمار يجب تجريمه وقمعه، فقبل وجود حماس وحتى اليوم، عانت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، من المنظمات اليسارية إلى فتح، وحتى المدنيين الذين ليس لديهم أي أيديولوجية واضحة، من القمع الإسرائيلي.

المقاومة في القانون الدولي

هناك عدد من المواثيق والقرارات والإعلانات الدولية التي تدعم حق الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال في الدفاع عن النفس، وهذا الحق غير مستمد من أي حكومة أو قانون، لكنه متأصل في جميع البشر، وتشمل هذه القرارات:

  • قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3314) لعام 1974 بشأن تعريف العدوان ليصبح معرَّفًا ومحظورًا ليس من القانون الدولي العام فحسب بل أيضًا من القانون الجنائي الدولي. وعلى هذا النحو، فإن الاحتلال الإسرائيلي في حد ذاته شكل من أشكال العدوان المستمر على الشعب الخاضع له، ما يعطي الحق للشعب الفلسطيني في الدفاع عن النفس ضد الأعمال العدائية التي يرتكبها هذا النظام بحقه.
  • قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3246) لعام 1974 بشأن حماية السكان المدنيين تحت الاحتلال الأجنبي، ويحمل هذا القرار عنوان “حقوق الشعب الفلسطيني”، وفيه يؤكد الحقوق الثابتة لشعب فلسطين: الحق في تقرير المصير دون تدخل خارجي والاستقلال والسيادة الوطنيين.
  • قرار الأمم المتحدة رقم (3236) لعام 1974 الذي كرَّس الحق في المقاومة، واعترف بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل، التي من ضمنها الكفاح المسلح ضد ما يتعرض له من أبشع أنواع الجرائم اللاإنسانية.
  • قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2787)، ويشير إلى حقوق جميع الشعوب غير القابلة للتصرف، وعلى وجه التحديد “الشعب الفلسطيني” من بين شعوب دول أخرى مثل زيمبابوي وناميبيا وأنجولا وموزمبيق وغينا بيساو، وجاء في هذا القرار “تأكيد شرعية نضال الشعوب في سبيل الحرية والمساواة وتقرير المصير والتحرر من الاستعمار والتسلط والاستعباد الأجنبي بما في ذلك شعب فلسطين”.
  • كذلك يؤكد قرار الأمم المتحدة 37/43، الصادر بتاريخ 3 ديسمبر/كانون الأول 1982، “شرعية نضال الشعوب من أجل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرر من السيطرة الاستعمارية والأجنبية والاحتلال الأجنبي بكل الوسائل المتاحة بما في ذلك الكفاح المسلح”.

هذا القرار يضفي الشرعية على جميع نضالات التحرير الوطني، وعلى وجه الخصوص، نضال الشعب الفلسطيني من أجل حريته، بما في ذلك جميع الإجراءات التي اتخذها الفلسطينيون خلال العمليات العسكرية التي شنتها قوات الاحتلال، وأسفرت عن آلاف الشهداء وتدمير البنية التحتية في المدن الفلسطينية، ورغم انتهائها ومرور سنوات على بعضها، و إقرار منظمات دولية وحقوقية بوقوع جرائم حرب بحق المدنيين الفلسطينيين، لم يُعاقب قادة الاحتلال على جرائمهم.

علاوة على ذلك، فإن ديباجة هذا القرار الأممي توضح أنها لا تشير إلى فرضية مجردة، بل تشير على وجه التحديد إلى حقوق الفلسطينيين، وجاء فيها: “وإذ ترى أن إنكار حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في تقرير المصير والسيادة والاستقلال والعودة إلى فلسطين والأعمال العدوانية المتكررة من جانب إسرائيل ضد شعوب المنطقة تشكل تهديدًا خطيرًا للسلم والأمن الدوليين”.

وتشمل المواثيق أيضًا قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 (1970) بشأن إعلان مبادئ حقوق الإنسان، والبروتوكول الأول لاتفاقيات جنيف لعام 1977 بشأن النزاعات المسلحة الدولية، والقانون الدولي المتعلق بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، وإعلان الاتحاد الإفريقي بشأن حق الشعوب في تقرير المصير، وميثاق جامعة الدول العربية، وميثاق منظمة التعاون الإسلامي.

وفي مجال القانون الدولي العرفي، يستحق إعلان محكمة العدل الدولية الاهتمام أيضًا، ففي عام 2004، أصدرت قرارها ضد جدار الفصل العنصري في الضفة  الغربية، مشيرة إلى أن مسار الجدار – الذي يمر 80% منه عبر الأراضي الفلسطينية، خارج حدود “إسرائيل” المعترف بها دوليًا – غير قانوني.

وشددت على التزامات “إسرائيل” “بإنهاء خروقاتها للقانون الدولي” ووقف بناء الجدار، فضلًا عن تقديم تعويضات مناسبة للفلسطينيين عن الأضرار التي لحقت بهم، كما اعتبر تقرير محكمة العدل الدولية عدم قانونية بناء المستوطنات الإسرائيلية داخل الأراضي المحتلة، مؤكدًا على قابلية تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة، التي تنص على أنه “لا يجوز لقوة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءًا من سكانها المدنيين إلى الأراضي المحتلة، ولا يجوز لها أن تحجز الأشخاص المحميين في منطقة معرضة بشكل خاص لأخطار الحرب”.

وفي ضوء قائمة انتهاكات “إسرائيل” التي لا نهاية لها ضد الاتفاقية الرابعة، فإن وجود حق أخلاقي مواز في المقاومة يصبح واضحًا، خاصة أن العديد من هيئات الأمم المتحدة قد ذكرت بشكل لا لبس فيه أن القانون الإنساني الدولي – بما في ذلك اتفاقيات جنيف – فضلًا عن حقوق الإنسان الدولية، يجب أن تحترمه “إسرائيل” باعتبارها قوة محتلة.

حق تقرير المصير

بخلاف رفض التمييز بين الكفاح المسلح المشروع والأعمال الإرهابية، فإن قمع “إسرائيل” المستمر للاحتجاجات السلمية يسلط الضوء على محاولاتها لنزع الشرعية الكاملة عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، بموجب هذا الحق يكون لها الحق في التخلص من الاحتلال والتمييز العنصري، وأن تحكم نفسها بنفسها.

ومن الواضح أن حركات التحرير تتمتع بوضع معين بموجب القانون الدولي، فهي ليست دولًا ذات سيادة، لكن لها حقوق ثابتة، وتخضع لالتزامات معينة، وعلى سبيل المثال، يحق لحركات التحرر الحق في تقرير المصير في نضالها، وهذا يعني أن لهم الحق في النضال من أجل استقلالهم وإقامة حكومتهم.

وقد تأكد هذا الحق في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهو أولى الاتفاقيات متعددة الأطراف التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد إنشائها في القرار 2200، الذي صادقت عليه “إسرائيل” عام 1966، وتنص مادته الأولى على أن “لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها بنفسها، بما في ذلك الشعوب التي تعيش داخل دولة أو في الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، أو تلك تسعى وتحقق الارتباط أو التكامل مع دولة أخرى”.

هذه القرارات والصكوك الدولية تدحض بما لا يدع مجالًا للشك الوصف الإسرائيلي الكاذب لحركة المقاومة الفلسطينية المسلحة بأنها “إرهابية”

سبق ذلك مواثيق دولية أخرى تعترف لشعوب الدول بحقها في تقرير مصيرها، ومنها إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة لعام 1960، وقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (2621) لعام 1970 عن حق الشعوب في النضال بكل الوسائل الضرورية لنيل حريتها، وطالب الدول بتقديم المساعدات المادية والمعنوية لها في نضالها من أجل تحقيق الاستقلال.

وفي عام 1975، أنشأت الجمعية الأممية لجنة معنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف المتمثلة في تقرير المصير والاستقلال والسيادة على أراضيه والعودة إلى دياره وممتلكاته التي شُرِّد منها، عملًا بقرارها رقم (3376)، وقد أيدت الجمعية العامة توصيات اللجنة، وأنشأت شعبة حقوق الفلسطينيين لتقوم بمهام أمانة اللجنة، ووسّعت تدريجًيا نطاق ولاية اللجنة بمرور الوقت.

وتعتبر فلسطين واحدة من الدول التي اعترفت الأمم المتحدة بحقها في تقرير المصير، لكنها لم تنل هذا الحق بعد، وعلى الرغم من صدور عدة قرارات من الأمم المتحدة تؤيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، فإن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعيق الوصول إلى هذا الحق من خلال رفض التفاوض مع ممثلي الشعب الفلسطيني، واستمرار الاحتلال والاستيطان، وهذا يجعل من حق الفلسطينيين أن يستخدموا ما يرونه مناسبًا من الوسائل غير السلمية من أجل الحصول على حقهن في تقرير المصير.

واتبع الفلسطينيون سبلًا متنوعةً لتحقيق شكل ما من أشكال تقرير المصير، فقط ليجدوا أن آمالهم تُحبط باستمرار من كل حزب سياسي إسرائيلي، ومع ذلك، فإن مقاومتهم ضد القمع، لا سيما من خلال حركات مثل حركة المقاطعة السلمية خارج حدود فلسطين المحتلة، حققت نجاحًا جزئيًا وحظيت باعتراف دولي، لكن هذا لا ينفي أن التضامن مع النضال الفلسطيني أصبح موضع تجريم متزايد في الدول الغربية.

قرارات الأمم المتحدة تؤيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره

كما تجدر الإشارة إلى أن محكمة العدل الدولية تناولت هذا الحق المشروع في سياق الحق في تقرير المصير كحق أساسي من حقوق الإنسان المنصوص عليه في القانون الدولي، هذا هو حق الشعب في أن يحدد بحرية وضعه السياسي، ويسعى بحرية إلى تحقيق تنميته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وأكدت محكمة العدل الدولية حق تقرير المصير في عدد من القضايا، من بينها الآثار القانونية لفصل أرخبيل تشاغوس عن موريشيوس في قضية تعود إلى عام 2019، وفي هذه القضية، رأت المحكمة أيضًا أن المملكة المتحدة انتهكت حق موريشيوس في تقرير المصير من خلال فصل أرخبيل تشاغوس عن موريشيوس دون موافقة شعب موريشيوس.

هذه القرارات والصكوك الدولية المذكورة أعلاه، والتي تعكس آراء غالبية الدول ذات السيادة، تدحض بما لا يدع مجالًا للشك الوصف الإسرائيلي الكاذب لحركة المقاومة الفلسطينية المسلحة بأنها “إرهابية”، وتؤكد على حرمان الفلسطينيين بإصرار وغطرسة الاحتلال من حقهم الأصيل والطبيعي في تقرير المصير، والذي يشكل قاعدة آمرة وذات حق في القانون الدولي.

إسراء سيد

المصدر: موقع نون بوست




مقتل 5 جنود إسرائيليين برتب عسكرية عالية أربعة منهم قضوا بانفجار مدخل نفق مفخخ

أعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، مقتل 5 جنود خلال المعارك الدائرة في قطاع غزة مع مقاتلين فلسطينيين، ما يرفع حصيلة قتلاه إلى 43 منذ بدء العملية البرية في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان: “إن 5 جنود قتلوا في معارك شمال قطاع غزة، وهم من لواء نخبة الاحتياط”.

وبحسب البيان، فإن “القتلى من رتب عسكرية عالية”.

بدوره، قال مراسل صحيفة “يديعوت أحرنوت” يوسي يوهوشوا، إنه “من خلال تحقيق أولي، فإن أربعة من القتلى هم جنود في لواء نخبة احتياط، قتلوا بانفجار مدخل نفق مفخخ، قرب مسجد في منطقة بيت حانون (شمال قطاع غزة)”.

وتخوض القوات الإسرائيلية المتوغلة في قطاع غزة اشتباكات عنيفة مع مقاتلين فلسطينيين، على محاور التقدم شمال القطاع وجنوبه، بالإضافة إلى محاصرتها لمستشفيات القطاع المكتظة بالنازحين.

ومنذ 36 يوما، يشن الجيش الإسرائيلي حربا جوية وبرية وبحرية على غزة “دمر خلالها أحياء سكنية على رؤوس ساكنيها”، واستشهد فيها 11078 فلسطينيا بينهم 4506 أطفال و3027 سيدة و678 مسنا وأصيب 27490 بجراح مختلفة، بحسب مصادر رسمية، حتى ظهر الجمعة.

المصدر: وكالة الأناضول




بسبب نفاد الوقود.. السيارات تختفي في غزة وتُستبدل بعربات تجرها الحيوانات

باتت العربات التي تجرها الحيوانات هي وسيلة المواصلات الأكثر استخداما في قطاع غزة بعد أن توقفت الغالبية العظمى من السيارات، بسبب نفاد الوقود، في مشهد أعاد الفلسطينيين نحو 50 عاما إلى الوراء.

في بداية أيام الحرب، حين كانت المواصلات شحيحة، وبالكاد يستطيع الساكن في قطاع غزة ركوب سيارة ودفع أجرة مرتفعة جدا، خاصة من شمال القطاع إلى جنوبه، كان الكثير من السكان يسيرون على أقدامهم ويقطعون مسافات طويلة سواء طويلة أو قصيرة.

وللتغلب على أزمة المشي المتعبة كثيرا لكبار السن، والتي تحتاج أيضا لوقت طويل، لجأ شبان وفتية إلى تخصيص العربات التي تجرها الحيوانات، سواء الحمار أو الحصان، للقيام بهذه المهمة، مقابل أجر مادي.

الحيوانات بدل السيارات

في مراكز مخيمات المناطق الوسطى بقطاع غزة، وكذلك في مدينة خانيونس، بدأت تلك العربات تقف في المكان الذي كان مخصصا قبل الحرب للسيارات، وهناك ينادي أصحابها بصوت مرتفع على الوجهة التي يسير إليها، لحمل السكان.

ويقول الشاب أحمد الذي يعمل في محل تجاري بمدينة خانيونس، تواصلت معه “القدس العربي” إنه كان يلاحظ في بداية عمل تلك العربات، أن ركابها كانوا في الأغلب من كبار السن والنساء، غير أن مواطنين من كافة الأعمار وفي مقدمتهم الشبان، بدأوا يستخدمون هذه الوسيلة للمواصلات.

ويشير إلى أن الكثير خاصة من سكان المناطق البعيدة عن مركز مدينة خانيونس يستقلون هذه المواصلات بعد العودة من السوق.

وفي مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، يقف شبان يملكون تلك العربات في وسط السوق المركزي، ويصدحون بأصوات عالية على وجهتهم، فينادي أحدهم “الزوايدة أو المخيم أو دير البلح”، وهذه مناطق يقع بعضها على أطراف النصيرات وأخرى خارجه، ويضطر سكان تلك المناطق للوصول إلى سوق النصيرات المركزي للتسوق، فيما يضطر سكان المخيم للذهاب مثلا إلى مدينة دير البلح، مركز المنطقة الوسطى، للوصول إلى المشفى المخصص للسكان في المدينة وهو مشفى شهداء الأقصى.

أحد الشبان الذي وضع فرشا من القماش على عربته التي يجرها حصان، يقول إنه قبل الحرب كان يعمل في نقل مواد البناء من حجارة وإسمنت وغيرها من المستلزمات، من السوق إلى أي مكان في المخيم.

ويشير هذا الشاب إلى أنه يوجد للعربات التي تجرها الحيوانات مكان مخصص معروف لجميع السكان يقع على أحد أطراف السوق، غير أنه وغيره من الشبان والفتية الذي يملكون تلك العربات، تركوا تلك الزاوية ويقفون في وسط السوق المركزي، وتحديدا في المكان الذي كان مخصصا لسيارات الأجرة، بعد أن أصبحت عرباتهم هي وسيلة النقل الأساسية في هذا الوقت.

ويوضح أيضا أن الأمر في بدايته كان لا يلاقي قبولا من غالبية السكان، الذين لم يعتادوا على هذه “الركوبة” حسب وصفه، فيما بدا الأمر عاديا للكثير من المواطنين.

ويلاحظ أن العربات التي تجرها الأحصنة التي تسير بشكل أسرع من تلك التي تجرها الحمير، تحمل السكان إلى المناطق الأبعد وخاصة مدينة دير البلح، فيما تحمل العربات الأخرى السكان إلى المناطق التي تقع في محيط المخيم.

ويقول محمد جبر، وهو شاب في منتصف الثلاثينات، إنه وقف ينتظر مرور سيارة تقله من مخيم النصيرات إلى مشفى دير البلح، للحصول من هناك على علاج لأحد أطفاله، لأكثر من ساعة دون أن يجد أي سيارة، وإنه اضطر في النهاية لركوب إحدى تلك العربات.

ويشير محمد لـ “القدس العربي” الذي التقته وقد قفز لتوّه من على ظهر العربة، عائدا من دير البلح، إلى أنه في السابق كان يقطع المسافة راكبا سيارة في أقل من 10 دقائق، فيما يقطعها حاليا في نحو 40 دقيقة.

وفي موقف العربات، ساعدت سيدتان امرأة مسنة، يفوق عمرها 65 عاما، على ركوب عربة، وقالت إحداهن وتدعى سامية، إنهن قدمن من بلدة الزوايدة للتسوق، ولم يقدرن على العودة مشيا، فاضطررن لركوب العربة.

تبديل دور العمل

أما صاحب العربة ويدعى سميح، والذي كان يعمل أيضا في مهنة النقل، سواء أثاث المنازل أو الأدوات الكهربائية، إن أحدا لم يعد يطلب منه القيام بذلك، فاضطر من أجل الحصول على قوت يومه، استخدام العربة في نقل السكان.

وهذا الشاب يكرر العملية عدة مرات في اليوم، يتخللها إراحة الحيوان الذي يجر العربة، لإطعامه وسقايته الماء، وقبل حلول الظلام يعود إلى منزله. ويقول لـ”القدس العربي” إنه كغيره من الركاب يسيرون في رحلة الذهاب أو العودة، ولا يعرفون إن كانوا سيصلون إلى وجهتهم أم لا، في ظل القصف الإسرائيلي.

ويضيف: “يمكن (ربما) يكون في قصف لمنزل تمشي من قدامه (أمامه)، أو يسقط صاروخ في الشارع”.

واضطر مواطنون  لنقل مصابين على تلك العربات، كما قامت أسر بسبب عدم توفر السيارات، بنقل جثث الشهداء إلى المقابر، كما لجأ التجار أصحاب مخازن البضائع الذين يوزعونها على المحال التجارية، إلى استخدم هذه العربات في عملية التوزيع، بدلا من شاحناتهم التي توقفت بفعل نفاد الوقود.

وتُرى هذه العربات وهي تحمل البضائع وتنتقل من دكان لآخر وسط الأحياء السكنية، وعربات أخرى تنقل المياه المخصصة للشرب والمتوفرة بكميات قليلة، وذلك عبر جالونات ترص جنبا إلى جنب على ظهر العربة، بدلا من الشاحنات الصغيرة التي كانت تقوم بهذه المهمة قبل الحرب.

وقد كان هذا الأمر سائدا في قطاع غزة، قبل أكثر من 50 عاما، حين بدأ السكان بالاعتماد على السيارات في التنقل والحركة.

حركة صعبة بين المدن

لكن هذا الأمر لا ينطبق على السكان الراغبين بالتنقل بين محافظات وسط وجنوب قطاع غزة، حيث يصعب هذا الأمر ويقتصر على الحالات الضرورية جدا.

وفي مثل هذا الوضع، يضطر من يريد التنقل مجبرا، أن يدفع ثمنا مرتفعا لصاحب المركبة، وفي بعض الأوقات يطلب أصحاب المركبات أن يوفر لهم الشخص الذي يريد التنقل، كمية من الغاز للسيارة إن كانت تعمل بهذا النوع من الوقود، أو كمية من الديزل.

وبسبب صعوبة المواصلات بين المحافظات والمدن، جرى تشييع جثامين شهداء، دون أن يتمكن أشقاؤهم وأقاربهم، من المشاركة في الوداع الأخير والتشييع.

أشرف الهور

المصدر: صحيفة القدس العربي




حرب إسرائيل على مستشفيات غزة: قصف وحصار وقنص على غرف العناية المكثفة

في اليوم الخامس والثلاثين للعدوان الإسرائيلي على غزة، سقط عشرات الشهداء في قصف للاحتلال على مدرسة البراق، وعدد من المستشفيات، فضلا عن استهداف قوافل نازحين حاولوا الانتقال إلى وسط وجنوب القطاع.
وأكد مدير مستشفى الشفاء، محمد أبو سلمية، أن «حوالى 50 شهيدا تم انتشالهم من داخل مدرسة البراق في شارع اللبابيدي في حي النصر في غزة بعد قصف صاروخي ومدفعي طال المدرسة صباح اليوم (أمس)».
ووفق مكتب الإعلام الحكومي في القطاع، فإن عدداً من الدبابات يتمركز على بعد مئتي متر من مدرسة البراق في حي النصر حيث تحاصر الدبابات مستشفيات النصر للأطفال والرنتيسي للسرطانات والأطفال والعيون ومستشفى الأمراض العقلية والنفسية.
كذلك استشهد 13 على الأقل وأصيب العشرات في قصف على مجمع الشفاء. حسب ما أعلنت حكومة غزة، وأبو سلمية، فإن أمس الجمعة هو يوم «استهداف المستشفيات».
وأضاف أنه بينما كانت أصوات الرصاص تُسمع خارج المستشفى فإن «الاحتلال استهدف جميع المستشفيات، نقول للاحتلال والعالم جميعا إننا ما زلنا في المستشفى مع المرضى ومع آلاف من النازحين ومع الجرحى والطواقم الطبية».
وزاد «سنخدم في هذا المستشفى ولن نبرحه وسنبقى مع الجرحى والمرضى حتى لو عالجناهم على ضوء الشمع».
وحذّر من أن «الوقود سينفد خلال ساعات»، مؤكدا «سنبقى معهم ولن نغادر هذا المكان مهما كلف الأمر، ونقول للعالم إن المستشفيات محمية بموجب القانون الدولي والإنساني حسب اتفاقية جنيف الرابعة».
وتابع «نحن لا نستطيع إخلاء مجمع الشفاء الطبي لأن هناك أكثر من 60 مريضا في العناية المكثفة، وأكثر من خمسين رضيعا في قسم الخدج والحضانة، وأكثر من 500 مريض في أقسام غسيل الكلى».
وتعرضت المناطق المحيطة بعدد من المستشفيات في شمال القطاع للقصف ليل الخميس – الجمعة، حسب وزارة الصحة، بما في ذلك مجمع الشفاء حيث لجأ 60 ألف شخص، ومستشفى الرنتيسي والمستشفى الإندونيسي.
وأكدت منظمة الصحة العالمية أن مستشفى الشفاء، ومستشفى آخر فيه أطفال متصلون بأجهزة إعاشة تعرضا للقصف.
وأضافت أن 20 مستشفى في غزة خرجت تماما الآن عن الخدمة.
وقالت المتحدثة مارغريت هاريس إن مستشفى الرنتيسي فيه أطفال متصلون بأجهزة إعاشة ويخضعون لغسل الكلى، وإن من المستحيل تنفيذ إجلائهم بأمان.
في السياق، أعلن الهلال الأحمر الفلسطيني أن «قناصة الاحتلال يستهدفون مستشفى القدس وإطلاق النار بشكل مباشر على الموجودين في المبنى، مما أسفر عن استشهاد شخص واحد وإصابة 28 شخصا بينهم إصابتان بحالة حرجة».
وأكد عبر منصات التواصل «أن قوات الاحتلال تطلق النار على غرفة العناية المكثفة في مستشفى القدس»، مرفقا ذلك بوسم «انقذوا مستشفى القدس».
وطالبت دولة قطر المجتمع الدولي بتدخل عاجل لحماية مجمع الشفاء، واعتبرت التأخر عن ذلك إشارة لإسرائيل باستهدافه.
وحثت وزارة الخارجية القطرية في بيان «المجتمع الدولي للتدخل العاجل لتوفير الحماية للمجمع ومن فيه»، مشددة على أن «التأخر في الضغط على الاحتلال لثنيه عن هذه الجريمة سيعطي إشارة له بأن يمضي قدما في استهداف المجمع والمنشآت الصحية الأخرى دون تمييز».
في غضون ذلك، استشهد وجرح العشرات في ثلاث غارات إسرائيلية على الأقل استهدفت فلسطينيين لدى نزوحهم في شارع صلاح الدين الرئيسي من مدينة غزة وشمالها إلى وسط وجنوب القطاع، حسب المصادر.
وصرح القدرة خلال مؤتمر صحافي بأن 260 فلسطينيا قضوا خلال 24 ساعة الماضية جراء تواصل غارات إسرائيل التي اتهمها بارتكاب 1130 «مجزرة» بحق المدنيين في القطاع.
وأفاد بأن إجمالي حصيلة الشهداء في غزة وصلت إلى 11078 من بينهم 4506 أطفال و3027 سيدة و678 مسنا، فيما أصيب أكثر من 27 ألفأ آخرين بجروح مختلفة.

المصدر: صحيفة القدس العربي




“بوليتيكو”: صفقة التبادل بين حماس وإسرائيل تمر بمنعطف حاسم

قال موقع “بوليتيكو” الإخباري الأميركي إن قادة الاحتلال الإسرائيلي يبدون تفاؤلاً متصاعداً بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق مع حركة حماس بخصوص الأسرى والمحتجزين، مشيراً إلى أن اتفاقا مماثلا قد يكون محدودا في مدته وفي عدد من سيشملهم.

ونقل الموقع عن مسؤولين إسرائيليين قولهما إن الصفقة قد تشمل فقط بضع عشرات من المحتجزين الإسرائيليين، وسيكونون من الأطفال وكبار السن، وحملة الجنسيات المزدوجة، بمن فيهم أميركيون.

وأضاف التقرير عن المسؤولين، اللذين لم يكشف اسميهما، تأكيدهما أن إقرار “هدن إنسانية” في شمال غزة ساعد في التقدم في المحادثات بشأن صفقة المحتجزين، والتي تجري بوساطة قطرية ومصرية.

وأعلنت الإدارة الأميركية، الخميس، أن الاحتلال الإسرائيلي وافق على “هدن إنسانية” شماليّ قطاع غزة، وذلك بواقع أربع ساعات يومياً، تكفّ خلالها قوات الاحتلال عن القيام بأي عمليات عسكرية من أجل السماح بخروج المدنيين.

في الأثناء، أورد “بوليتيكو” عن مصدريه الإسرائيليين تحذيرهما من وجود العديد من الإشكاليات العالقة التي يمكن أن تخرج الصفقة عن مسارها الصحيح، بما في ذلك ما قالا إنه حجب حركة حماس للائحة الكاملة للمحتجزين الإسرائيليين بقطاع غزة. وأضاف الموقع، عن المسؤولين ذاتهما، أن القيادة العسكرية لحماس تطالب بوقف إطلاق نار، أو هدنة إنسانية تمتد لأسبوع.

وكان رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد قال عقب إعلان البيت الأبيض عن “الهدن الإنسانية” إن “القتال في غزة مستمر، ولن يكون هناك وقف لإطلاق النار دون الإفراج عن مخطوفينا”، في إشارة إلى المحتجزين لدى حركة حماس، ويقدَّر عددهم بنحو 240. وقالت حماس إنها مستعدة لإجراء صفقة تبادل بشأنهم إما كلياً وإما جزئياً، لا تشمل المحتجزين مزدوجي الجنسية الذين أكدت أنها ستفرج عنهم متى سمحت الظروف بذلك.

إلى ذلك، أورد “بوليتيكو” عن ضابط الاستخبارات السابق بجهاز “الموساد”، ديفيد ميدان، الذي سبق أن عمل لبعض الوقت منسقا لدى نتنياهو في ما يتعلق بشؤون الأسرى، اعتقاده أن “شيئا ما يتحرك تحت السطح”، في ما يخص الصفقة. وأضاف في تصريح للموقع أن “الهدن الإنسانية” التي وافق عليها نتنياهو “يمكن أن تقود إلى خطوات إيجابية”.

وأوضح تقرير الموقع أن ميدان شارك قبل أكثر من عقد من الزمان في التفاوض في الصفقة التي أفضت إلى إطلاق حماس سراح الجندي جلعاد شاليط، مقابل الإفراج عن 1027 أسيراً فلسطينياً، مشيراً إلى أنه يقدم نصائحه لعائلات المحتجزين الحاليين، وطلب مشورته دبلوماسيون أميركيون ومبعوث ملف المحتجزين الذي عينه نتنياهو حديثاً، غال هيرش.

وبحسب ما أورده الموقع فإن ميدان نصح هيرش والأميركيين بعدم تضييع الوقت في البحث عن قنوات مختلفة للتواصل، وتركيز جهودهم بدل ذلك على تحديد الوسطاء القادرين على الوصول إلى صناع القرار الرئيسيين، وتحديداً القادة العسكريين لحماس بغزة. وقال الموقع إن ميدان أخبرهم أن القادة السياسيين خارج غزة بقطر يمكن أن يلعبوا دوراً في نقل الرسائل مع قادة حماس العسكريين.

وكانت معلومات حصل عليها “العربي الجديد” قد تحدثت عن وساطة تُجريها قطر لإطلاق سراح محتجزين لدى حركة حماس في عملية تبادل في ظل هدنة إنسانية، غير أنّ عقبة أساسية تعترض إتمام صفقة التبادل وتتمثل في عدد أيام هذه الهدنة.

وبحسب المعلومات، فإنّ مفاوضات كانت جارية من أجل إتمام صفقة تبادل تتمثل في إطلاق سراح جميع المحتجزين من النساء والأطفال لدى “حماس”، مقابل إطلاق سراح النساء والأطفال الأسرى في سجون الاحتلال، لكن لم يُتوصّل إلى صفقة بهذا الشأن بسبب الرفض الإسرائيلي.

وكانت قناة “كان” التابعة لهيئة البث الإسرائيلي، قد ذكرت أن هناك تقدّماً في الاتصالات من أجل إطلاق سراح عشرات المحتجزين الإسرائيليين في قطاع غزة.

ونقلت القناة عن مسؤول إسرائيلي مطلع على الملف، قوله إنّ عدد المحتجزين الإسرائيليين الذين يمكن الإفراج عنهم يصل إلى نحو 100 محتجز، دون مزيد من التفاصيل.

وتأتي هذه الصفقة، بحسب القناة، بوساطة كل من الولايات المتحدة ودولة قطر، مضيفةً أن ثمة تفاؤلاً في إسرائيل بشأن هذه الصفقة.

وبحسب القناة فإن هناك بعض التخوفات داخل إسرائيل من أن تكون حركة حماس لا تنوي الإفراج عن 100 أسير خلال وقف إطلاق النار الذي سيشمله الاتفاق، كما تخشى إسرائيل أيضاً من أن حماس تحاول عرقلة التوغل البري الإسرائيلي في غزة من خلال المفاوضات.

وتعتقد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية أنه في حال تم الضغط على حركة حماس بشكل أكبر من خلال العملية البرية، فإن ذلك قد يدفعها إلى الموافقة على الشروط الإسرائيلية، بحسب القناة الإسرائيلية “12”.

وأفادت القناة نفسها بأن إسرائيل تريد ضمانات لصفقة تشمل خطوات تدريجية، بمعنى أن يتم الاتفاق على عمليات إطلاق سراح المحتجزين خلال عدة مراحل على مدار الأيام التي يتم الاتفاق على هدنة فيها.

وتقترح إسرائيل، وفقاً للقناة ذاتها، مطلب الإفراج عن الأسرى عبر مراحل من أجل ضمان التزام حركة حماس بعمليات الإفراج.

المصدر: صحيفة بوليتيكو الأميركية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




طوفان الأقصى: انهيار الردع الإسرائيلي ومحاولات استعادته

نجحت المقاومة الفلسطينية في إلحاق هزيمة غير مسبوقة بالاحتلال الإسرائيلي، فردَّت إسرائيل بشن عدوان على غزة بدعم غربي كامل، يهدف إلى القضاء على حماس، وإقامة سلطة موالية بغزة، لكن عوامل كثيرة قد تحول دون ذلك، كما حدث في حروب مشابهة.


بدأت الحرب بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، في السادسة من صباح السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بهجوم نوعي وواسع النطاق قامت به قوات القسام التابعة لحماس على معسكرات ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة. أطلقت حماس عمليتها، كما يبدو، ردًّا على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة منذ تشكيل حكومة نتنياهو على الحصار المفروض على غزة وتمدد المستوطنات في الضفة الغربية والتضييق على حياة الفلسطينيين ومعاشهم فيها، والإجراءات الإسرائيلية لتقسيم المسجد الأقصى الشريف مكانيًّا وزمانيًّا. والواضح، أن قيادة القسام بالرغم من تخطيطها لهجوم نوعي، في 7 أكتوبر/تشرين الأول، إلا أنها حققت إنجازات قد تكون فاقت تطلعاتها.

بعد ساعات من بدء الهجوم، كان مقر قيادة القوة العسكرية الإسرائيلية المكلفة بالتعامل مع قطاع غزة قد وقع تحت سيطرة المهاجمين الفلسطينيين، وأصيبت كافة القوات الإسرائيلية في جوار القطاع بالارتباك. خلال ما تبقى من يوم الحرب الأول، وبفعل الاضطراب الذي ساد محيط قطاع غزة، وتدخل مسلحين فلسطينيين آخرين وأناس عاديين، وقع في الأسر والحجز أعداد كبيرة من الجنود والمدنيين، فاقوا 200 شخص، وقتلت القوات الإسرائيلية، حسب تقارير إسرائيلية، أعدادًا كبيرة من المدنيين الإسرائيليين أثناء محاولاتها منع الفلسطينيين من أسرهم أو احتجازهم. وقد بلغ عدد القتلى الإسرائيليين نحو 1400 شخص، نصفهم جنود والبقية مدنيون.

 منذ اليوم الثاني للحرب، بدأ الجانب الإسرائيلي قصفًا غير مسبوق لكافة مدن وبلدات قطاع غزة، اتسم في الأغلب بطابع عشوائي واستهدف إيقاع أكبر عدد من الخسائر بسكان القطاع وسكنهم وأماكن عملهم وتعليمهم. قُصفت عمارات متعددة الطوابق بدون إنذار وبعضها بإنذارات قصيرة جدًّا، ودُمِّرت معظم مباني الجامعتين الرئيستين في القطاع والعديد من المقار الحكومية، كما دمرت معامل وورشات صناعية صغيرة ومتوسطة. في أنحاء مختلفة، أصاب الدمار أحياء بأكملها، وارتفع عدد الشهداء بمعدلات هائلة حتى فاقوا 10000 شهيد بعد شهر من العدوان، نصفهم من النساء والأطفال.

بالرغم من أن عملية 7 أكتوبر/ تشرين الأول كانت، بأي مقياس عسكري ممكن، عملية محدودة، فقد وصفها مسؤولون إسرائيليون بالتهديد الوجودي لدولة إسرائيل. وسواء في خطاب أهداف الحرب على قطاع غزة، أو في استدعاء الدعم الغربي، تحدث المسؤولون الإسرائيليون بلغة البقاء أو الموت، و”إما نحن أو هم”.

ساعد خطاب التهديد الوجودي في حشد غير مسبوق للدول الغربية، سيما الولايات المتحدة، خلف إسرائيل. ولم يلبث قادة الدول الغربية أن توافدوا، الواحد منهم خلف الآخر، إلى تل أبيب للإعراب عن الدعم الكامل والمطلق وغير المشروط للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. رفضت الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية الرئيسة الدعوة لوقف إطلاق النار، ودعت لإعطاء إسرائيل فرصة لاستعادة الأمن وقوة الردع بالقضاء الكامل على تنظيم حماس العسكري والسياسي. ولكن صور الدمار والقتل غير التمييزي في قطاع غزة، وتصاعد حركات الاحتجاج على الحرب في العواصم الغربية، عملت على إحداث تغيير طفيف في مواقف الدول الغربية. فرنسا، مثلًا، صوتت في الجمعية العامة لصالح مشروع القرار العربي الداعي لوقف إطلاق النار. ومع بداية أسبوع الحرب الرابع، بدأت واشنطن في التوكيد على ضرورة إدخال الإعانات إلى قطاع غزة بوتيرة أكبر، كما دعت لهدنة إنسانية مؤقتة.

فإلى أين تمضي الحرب على غزة؟ وأية آثار سياسية يمكن أن تترتب عليها؟

المسار العسكري: القتال في متاهة

سارع رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، إلى دعوة قادة المعارضة، الذين استجاب عدد منهم بالفعل، إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تدير الحرب. في البداية، أعلن نتنياهو أن هدف الحرب هو اقتلاع حماس نهائيًّا وكليًّا من قطاع غزة. ولكن صعوبة الحرب والضغوط التي مارسها معلقون إسرائيليون وقادة غربيون، إضافة إلى تظاهرات أهالي الأسرى، دفعته إلى صياغة أوسع نطاقًا: اقتلاع حماس وتدمير مقدراتها العسكرية واستعادة الأسرى.

كان واضحًا من البداية أن تحقيق هذين الهدفين، أو حتى الأول منهما، غير ممكن بدون اجتياح عسكري أرضي. ولكن الواضح أيضًا أن حكومة الحرب الإسرائيلية أظهرت ترددًا حول قرار الاجتياح الأرضي، حول حجمه وطبيعته، وحول مداه. أخيرًا، وفي نهاية أكتوبر/تشرين الأول، وبعد تنفيذ عدة عمليات عسكرية استكشافية أرضية، اعتمدت بالأساس على القصف الجوي، في شمال القطاع وجنوب مدينة غزة، بدأ الجيش الإسرائيلي اختراقًا أرضيًّا من ثلاثة محاور: شمال شرق القطاع، وشمال غرب القطاع، وجنوب مدينة غزة، للإحاطة بمدينة غزة، عاصمة القطاع.

واجهت الاختراقات الإسرائيلية مقاومة عنيدة من عناصر المقاومة الفلسطينية، وحتى نهاية الشهر الأول من الحرب لم تكن القوات الإسرائيلية قد أحرزت أي تقدم ملموس أبعد من ذلك الذي وصلت إليه في يوم الحرب البرية الأول. ولكن، قليلًا قليلًا، وببطء بالغ، حققت القوات الإسرائيلية بعض التقدم في شمال غرب قطاع غزة، وفي موازاة ساحل البحر المتوسط، وفي محور الاجتياح جنوب مدينة غزة باتجاه ساحل المتوسط. وكما قام المقاومون الفلسطينيون ببث أشرطة تظهر نجاح هجماتهم ضد وحدات الجيش الإسرائيلي المدرعة في مناطق الاشتباك، قام الجيش الإسرائيلي ببث أشرطة تظهر تصميم الجنود الإسرائيليين وتقدمهم في قطاع غزة. ولكن الأشرطة الإسرائيلية لم تقدم دليلًا واحدًا بعد على نجاح الجيش المهاجم في تحرير محتجز واحد، أو تدمير مركز عسكري واحد للمقاومة الفلسطينية، أو نفق أو مركز تخزين صواريخ واحد.

المهم، أن بدء عمليات الاجتياح البري لم يؤد إلى توقف القصف الجوي بأي حال من الأحوال، سواء القصف المستدعى لمساعدة القوات الإسرائيلية المشتبكة على الأرض، أو القصف الذي يبدو أنه يستهدف وجود مقاومين في المناطق السكنية، أو الذي يُقصد به إيقاع المزيد من الخسائر بين المدنيين وإثارة الرعب والدفع بهم نحو جنوب القطاع وقد يكون تمهيدًا لدفعهم نحو التهجير إلى سيناء، كما دلَّت عدة شواهد إسرائيلية سواء تصريحات لمسؤولين أو وثائق رسمية مسربة.

ما يعنيه هذا كله أن تحقيق أهداف الحرب المعلنة عسكريًّا لن يكون أمرًا سهلًا وسيتطلب زمنًا طويلًا من القتال الشرس والمدمر، وربما يفضي إلى إيقاع خسائر فادحة في القوات الإسرائيلية. ليس ثمة شك في أن الجانب الإسرائيلي يتمتع بتفوق هائل في ميزان القوة الباطشة، جوًّا وأرضًا. في المقابل، يبدو أن المقاومين الفلسطينيين أكثر استعدادًا في هذه الجولة عما كانوا عليه في 2014، وأنهم يحاولون استغلال الفرصة التي تتيحها حرب القوى غير المتكافئة، وأنهم يقاتلون على أرضهم ووسط شعبهم.

ولكن المؤكد أن هناك أهدافًا غير معلنة للحرب، أبرزها بلا شك هو دفع أهل قطاع غزة، أو معظمهم على الأقل، إلى الهجرة من القطاع ودفعهم إلى مصر، ومنها ربما إلى دول متعددة أخرى سيجري الضغط عليها لاستقبال أعداد منهم كلاجئين. التخلص من سكان القطاع، من وجهة النظر الإسرائيلية، لن يحل مشكلة أمنية لإسرائيل، وحسب، ولكن سيمثل خطوة أولى نحو حل مشكلة التوازن الديمغرافي داخل حدود فلسطين الانتدابية بين العرب المسلمين والمسيحيين، من جهة، واليهود، من جهة أخرى. وهي خطوة أولى إذا نجحت تمهد، آجلًا أو عاجلًا، وفي ظرف موات، لتهجير آخر في الضفة الغربية.

والواضح أن إفشال مشروع التهجير يرتكز في لمقام الأول على ذاكرة النكبة التي لا تزال حية وتتناقلها الأجيال، ويتعلق أيضًا بوعي أهالي القطاع وإصرارهم على البقاء والصمود في بلادهم في وجه الموت والتجويع، ولكنه يتعلق أيضًا بصلابة الرفض المصري/الأردني والضغوط العربية والإسلامية على الولايات المتحدة لمنع تأييد نكبة فلسطينية أخرى في قطاع غزة.

تفاعلات الجوار: بين المناوشات والتنديدات

لم يكن خافيًا في كلمات قادة المقاومة الفلسطينية التي صاحبت بداية الحرب أنهم علقوا آمالًا على انفجار الوضع في الضفة الغربية، وعلى وقوف قوى ما بات يُعرف بمحور المقاومة إلى جانبهم، سيما بعد شيوع مفهوم “وحدة الساحات” في لغة الشرق الأوسط السياسية. لم يحاول أحد صياغة تصور محكم للمقصود بوحدة الساحات، ولكن ما بات مفهومًا إلى حدٍّ كبير أنها تعني وحدة مصير بين المقاومة الفلسطينية والفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، التي حرصت دائمًا على توكيد عدائها لدولة إسرائيل وحلفائها، وجعلت فلسطين الشعار الأعلى للنفوذ الإيراني الإقليمي.

طوال أسابيع الحرب الأربعة الأولى برزت تكهنات مختلفة حول إمكانية انخراط حزب الله في حرب شاملة، تأييدًا لحلفاء الحزب في غزة وتعزيزًا لمصداقية الشعارات التي رفعتها إيران وحلفاؤها حول الموقف من المسألة الفلسطينية وبيت المقدس. وكان الحزب قد بدأ منذ أيام الحرب الأولى في إحداث مواجهات مسلحة محدودة في منطقة الحدود الإسرائيلية الشمالية، سواء بقصف مواقع للجيش الإسرائيلي أو السماح لمسلحين فلسطينيين ولبنانيين آخرين بمحاولة اختراق الحدود ومهاجمة أهداف إسرائيلية.

ألقى الأمين العام لحزب الله خطابه الأول حول الحرب، يوم الجمعة 3 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد أربعة أسابيع على اندلاع الحرب. وقد حمل الخطاب، بعد تحليل تفصيلي لمجريات الحرب والتوكيد على أن قرارها كان فلسطينيًّا بحتًا، توجهًا نحو التهدئة ومحاولة للقول بأن الحزب يقوم بواجبه فعلًا في التضامن مع/والدعم لغزة، وتهديدًا غامضًا بأن انخراطًا أوسع في الحرب مشروط بتصاعد الهجمات الإسرائيلية على لبنان، أو بتدهور وضع المقاومين الفلسطينيين في غزة. كما أشار نصر الله في جزء آخر من خطابه إلى ما تقوم به القوى الموالية لإيران في العراق من هجمات على المواقع الأميركية، وإلى ما حاوله الحوثيون في اليمن (بدون نتيجة تُذكر)، من قصف لأهداف إسرائيلية في إيلات.

ما اتضح في نهاية الشهر الأول من الحرب أن تحالفًا ضمنيًّا بين السلطة الفلسطينية والإسرائيليين عمل على تقييد حركة الفلسطينيين وإجهاض أية محاولة لإشعال انتفاضة وطنية شاملة في الضفة الغربية. قبضة السلطة، من ناحية، والمداهمات وحملات الاعتقال الإسرائيلية واسعة النطاق، من ناحية أخرى، منعت نشاطات التضامن مع غزة في الضفة الغربية من التصاعد إلى ما هو أعلى من التظاهرات والإضرابات والهجمات المعزولة على مواقع تمركز الجيش الإسرائيلي.

في دول الجوار العربي، لم تختلف الأوضاع كثيرًا. نجحت أجهزة الأمن المصرية في منع أي حراك شعبي خارج الجامع الأزهر. أما في الأردن؛ حيث الامتداد التاريخي الإستراتيجي لفلسطين، فقد اشتعلت شوارع المدن الأردنية بحركات الاحتجاج على الحرب والتضامن مع غزة؛ ولكن قوات الأمن الأردنية حرصت على منع أي توجه شعبي أردني إلى منطقة الحدود الفاصلة بين الضفتين الشرقية والغربية. أخيرًا، وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، قامت الحكومة الأردنية باستدعاء سفيرها في تل أبيب، احتجاجًا على استمرار الحرب على غزة، بعد أن كان السفير الإسرائيلي في عَمَّان قد أُمر من قبل حكومته بمغادرة الأردن لأسباب أمنية.

في سوريا، لم ينبس الرئيس السوري ببنت شفة، ولا شهدت المدن السورية الواقعة تحت سيطرة النظام ولو تحركًا شعبيًّا واحدًا؛ وكأن النظام السوري أراد توجيه رسالة للقيادة الإسرائيلية والقوى الغربية بأنه غير معني بالحرب، وأنه ليس مسؤولًا عن أي تحرك معاد لإسرائيل عبر الحدود السورية، لأنه لا يسيطر على منطقة الحدود. فقط في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، سيما في إدلب وجوارها، نُظِّمت تحركات تضامنية مع غزة.

عمومًا، فإن الصورة في الجوار العربي لفلسطين لا تعني استبعاد توسع نطاق الحرب بصورة قاطعة. إن طالت العملية العسكرية فإن أحدًا لا يمكنه التحكم في مسارها. وربما يصبح من الصعب على دول الجوار التحكم في أمن الحدود، حتى إن أرادت تجنب الاحتكاك بالإسرائيليين، ليس في سوريا ولبنان وحسب، ولكن في الأردن أيضًا.

صدع دولي: الغرب والبقية

لم يكن خافيًا في أسابيع الحرب الأولى أن الدول الغربية، سيما الولايات المتحدة، تبنَّت مقولة التهديد الوجودي لدولة إسرائيل، واعتمدت الادعاءات الإسرائيلية حول ارتكاب المقاومين الفلسطينيين جرائم بحق المدنيين الإسرائيليين في هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وقد توافد الزعماء الغربيون، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي، جوزيف بايدن، الواحد تلو الآخر إلى تل أبيب للإعراب عن الدعم غير المتحفظ لإسرائيل.

ولكن لغة الدعم المطلق لإسرائيل، وتجاهل السياق الذي اندلعت فيه الحرب، وغض النظر عن القصف الإبادي لقطاع غزة، أخذت في التراجع منذ الأسبوع الرابع للحرب، وبدا كأن واشنطن على وجه الخصوص، بالنظر إلى الخسائر الهائلة في صفوف المدنيين الغزيين، تشعر بعدم الارتياح تجاه الطريقة التي تدير بها إسرائيل الحرب. وهذا ما دفع المسؤولين الأميركيين للضغط على القيادة الإسرائيلية للسماح بإدخال بعض المعونات من الجانب المصري إلى القطاع، والسماح بإرسال عدد من الجرحى الفلسطينيين إلى مصر للتعامل مع الحالات المعقدة، ولكن الموقف الأميركي من رفض الدعوة إلى وقف إطلاق النار لم يتغير.

وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، الذي يبدو أنه بات طرفًا رئيسًا في إدارة الأزمة، زار الشرق الأوسط مرتين منذ اندلاع الحرب، والتقى بنتنياهو، وحكومة الحرب الإسرائيلية، ونظرائه العرب (وزراء خارجية مصر والأردن والإمارات والسعودية وقطر)، والرئيس الفلسطيني، محمود عباس، وبوزير الخارجية التركي. في كافة لقاءاته، أصرَّ بلينكن على أن الدعوة لوقف إطلاق النار تعد بمنزلة خطوة انتحارية لإسرائيل، وأن الحرب لا يمكن أن تنتهي إلا بعد أن تستعيد إسرائيل الشعور بالأمن. وقال بلينكن: إن الممكن الوحيد الآن هو هدنة إنسانية مؤقتة لتوفير المساعدات لأهل غزة والإفراج عن المدنيين وأصحاب الجنسيات المزدوجة من المحتجزين الإسرائيليين لدى حماس. وبخلاف الموقف الفرنسي، الذي تحرك قليلًا بالتصويت مع القرار الداعي لوقف إطلاق النار في الجمعية العامة للأمم المتحدة، تكاد مواقف الدول الغربية كافة تتطابق مع الموقف الأميركي.

وقد ظهر الموقف الغربي الرسمي في تباين صارخ مع الموقفين، الروسي والصيني. لم يعرب المسؤولون الروس والصينيون عن تعاطفهم مع أهالي قطاع غزة وحسب، ولكنهم دعوا صراحة إلى وقف إطلاق النار ووضع نهاية للحرب، سواء في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، أو في لقاءات صحفية متفرقة. والواضح، أن كلًّا من موسكو وبيجين رأت في الحرب على قطاع غزة، والدعم الغربي الصريح لإسرائيل، فرصة لتوكيد دعوتها إلى بناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، وفرصة أخرى لتعزيز موقعها ونفوذها في الشرق الأوسط.

تركيا وإيران أعربتا عن موقف مؤيد لفلسطين وشعبها. وليس ثمة شك في أن الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي علَّق آمالًا كبيرة على تركيا، نظرًا لوزنها الإقليمي وعلاقاتها القوية بالمعسكر الغربي. ولأن الموقف التركي تطور بصورة أبطأ من المتوقع، تعرضت أنقرة لانتقادات حادة في أسابيع الحرب الأولى، بما في ذلك من قطاعات واسعة من الشعب التركي المؤيد لحزب العدالة والتنمية الحاكم.

في الواقع، اتخذت تركيا موقفًا صلبًا في مؤتمر وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي الذي عُقد بجدة، وكان الخلاف حول مسودة البيان الختامي المقترح من الوفد التركي أدى إلى تأجيل إصداره إلى مؤتمر لاحق للوزراء. وكان واضحًا على أية حال أن لا الولايات المتحدة ولا إسرائيل تريد إفساح الطريق لدورٍ تركيٍّ ما في الأزمة. وهذا ما أدى أخيرًا إلى صدور قرار بسحب السفير التركي من تل أبيب، بعد أن كان السفير الإسرائيلي في أنقرة قد سُحب لأسباب أمنية، وتصريح الرئيس التركي بوقف الاتصالات مع رئيس الحكومة الإسرائيلي، نتنياهو، ولكن أنقرة لم تتخذ قرارًا بقطع العلاقات، ربما لأنها قد تكون توازن بين مقتضيات مصالحها القومية ومقتضيات دعمها للقضية الفلسطينية، وكذلك ربما أن المسؤولين الأتراك لا زالوا يعتقدون أن بإمكان بلادهم لعب دور ما في إنهاء الحرب وفي الترتيبات التي يمكن أن تلي نهاية الحرب.   

على صعيد الرأي العام العالمي، بما في ذلك الرأي العام الغربي، تبلورت صورة مختلفة إلى حد كبير. فبعد تردد أولي، وحيرة تسبب فيها الانحياز الإعلامي الغربي الصارخ للرواية الإسرائيلية، تحركت جموع حاشدة في كافة مدن العالم الكبرى، دعت لوقف إطلاق النار وحملت الجانب الإسرائيلي المسؤولية عن اندلاع الحرب والكارثة الإنسانية التي يشهدها قطاع غزة.

نهاية الحرب وعواقبها

ليس من الممكن التنبؤ بحدود هذه الحرب، لا حدودها الزمنية ولا المكانية. ما إن تندلع الحروب متعددة الأبعاد حتى يتراجع اليقين، بل وحتى خطط الحرب المسبقة تصبح في أغلبها بلا جدوى. ثمة عدد من العوامل المتدافعة التي يمكن أن تقرر أفق الحرب ونهايتها:

  1. الخسائر التي يمكن أن يتكبدها الجيش الإسرائيلي في عملية الاجتياح الأرضي.
  2.  المدى الذي يمكن أن تصل إليه إسرائيل في تحقيق أهداف الحرب المعلنة وغير المعلنة.
  3.  تكشف حقائق الإبادة الجارية في قطاع غزة، وضغوط الرأي العام المتصاعدة، المطالبة بوقف الحرب، على الحكومات الغربية، سيما الولايات المتحدة.
  4.  مصير المحتجزين والأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة الفلسطينية.
  5. إمكانية توسع نطاق الحرب في الجوار العربي.

وحتى تنتهي الحرب، يميل النقاش الجاري إلى بناء تصورات لغزة سواء لوضع سكانها أو للسلطة التي تحكمها، فيعمل الجانب العربي الرسمي، وتركيا، على بقاء أهالي القطاع في بلادهم، ويدعو إلى إعادة إطلاق عملية سلام جادة للتوصل إلى حل نهائي للقضية الفلسطيينية وقيام دولة فلسطينية مستقلة. ويدور في سياق الحديث عن حكم غزة دون حماس أفكار حول تشكيل قوة أمنية من دول الجوار الإقليمي، تحافظ على أمن القطاع طوال مرحلة انتقالية، تصل إلى قيام دولة فلسطينية، وتشمل ربما عودة السلطة الفلسطينية إلى إدارة شؤون القطاع. وفي الظاهر، على الأقل، تبدو الولايات المتحدة، صاحبة القول الأهم في مجريات الأزمة، على استعداد لبحث هذه التصورات. لكن هذه التصورات قائمة على تقدير أن إسرائيل ستنجح في هزيمة حماس، لكن في التجارب المماثلة للقتال غير المتكافئ، مثل أفغانستان أو فيتنام والجزائر حال حرب التحرير، انتصرت حركات المقاومة، وفرضت على المناهضين لها الاعتراف بشرعيتها، ولا يمكن استبعاد هذا الاحتمال إذا صمدت حماس وحافظت على وجودها ومنعت إسرائيل من اقتلاع سلطتها.

في الجانب الإسرائيلي، تستند كافة الأفكار لما بعد الحرب إلى فرضية النجاح في تحقيق الأهداف الإسرائيلية؛ الأمر الذي لا يبدو مستندًا إلى تقديرات بمواصلة القوات الإسرائيلية القتال لفترة طويلة وإبادة عشرات، وربما مئات ألوف الغزيين. ثمة مؤشرات متزايدة على أن الحكومة الإسرائيلية لم تزل مصرة على تهجير جزئي أو كلي لأهالي القطاع، وعودة الجيش الإسرائيلي للسيطرة المباشرة على القطاع، سواء بضمه أو غير ضمه رسميًّا لإسرائيل. وحتى إن لم ينجح مشروع التهجير، يريد الإسرائيليون الاحتفاظ بدور أمني في القطاع، شبيه بالدور الذي يقومون به في الضفة الغربية.
على صعيد إقليمي ودولي أوسع، وبالرغم من المساحة الجغرافية المحدودة التي تجري عليها الحرب، فلابد أن يُنظر إلى هذه الحلقة من حلقات الصراع على فلسطين، ومهما كانت طبيعة نهايتها، باعتبارها أكبر أثرًا من حربي 1948 و1967. ثمة قوى إقليمية سترى تعاظمًا أو انحسارًا في نفوذها تبعًا لموقفها من/ودورها في الحرب. والمؤكد، أن الأنظمة العربية المتحالفة مع الغرب ستواجه تحديات أصعب وأكثر تعقيدًا من تلك التي واجهتها في سنوات الربيع العربي القصيرة، فلقد تباينت مواقفها بين دول حمَّلت إسرائيل المسؤولية الكاملة للعدوان شرعت في الابتعاد عن إسرائيل باستدعاء سفرائها مثل الأردن والبحرين، ودول أجَّلت مساعي التطبيع، ودول تشارك في المجهود الحربي الغربي. خلف ذلك كله، سيشهد النفوذ الغربي، الثقافي-الفكري والسياسي، تراجعًا ملموسًا في السنوات المقبلة. وإن كان هناك من رابح رئيس من هذه الحرب، فلابد أن تكون الصين وروسيا في مقدمة الرابحين.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




في غزة: قصص إنسانية تعجز هوليوود عن روايتها… وعبود البطاح يرث شيرين أبو عاقلة!

يعيش عالمنا اليوم حالة من الصدمة والذهول بعدما تجلت بوضوح ازدواجية المعايير والعنصرية واللا إنسانية التي تتغلغل في نفوس معظم حكام الغرب وسياسييها وبتواطؤ مروع مع رئيس أكبر بلاد العالم. رئيس لا يقدر أن يسند أقدامه على الأرض، ولكنه قادر على تصدير ترسانات الأسلحة إلى إسرائيل وإرسال حاملة طائرات وغواصة نووية لدعم معركة لم يذهب ضحيتها سوى مواطنين معظمهم أطفال لا تتعدى أعمارهم العشر سنوات. وبعضهم لم تعرف هوياتهم، بعد أن طحنت عظامهم وتفرقت أشلاؤهم مع أشلاء صغار آخرين تحت الركام.
مشاهد مرعبة تعصف بمن لديه، ولو ذرة واحدة من الضمير الإنساني. مشاهد حرب غزة القاسية لا يمكن إلا أن تشعل انتباه كل إنسان حر وتوجع قلوب الملايين حول العالم.
ففي هذا الزمن الذي يُظهر فيه الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي صورًا مباشرة من قلب الحدث تحكي لنا تفاصيل المأساة التي يعيشها الأطفال والمدنيون الأبرياء في غزة، نجد أنفسنا في مواجهة واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا وصدمة في تاريخ الإنسانية.
إن أكثر من خمسة آلاف طفل فقدوا حياتهم في هذا الصراع، ولا ذنب لهم سوى أنهم وُلدوا في أرض مشتعلة ومحتلة منذ 75 سنة. هؤلاء الأطفال لم يكونوا جزءًا من النزاع، ولكنهم دفعوا الثمن الأكبر. هم الضحايا الأبرياء، الذين دفعوا ثمن فشل السياسة. دفعوا صمت معظم الرؤساء العرب، الذين لا يعرفون سوى الإدلاء بالتصريحات من فوق المنصات العالية. وترديد كلمة «ندين» وأحياناً «تبهيرها» بكلمة «بشدة»! لقد وقع صغار غزة في شبكة التواطؤ الدولي المخجل والمعيب.
إن زعماء الغرب، الذين يزعمون دعم قيم الإنسانية وحقوق الإنسان، أولئك الذين ارتفعت أصواتهم لدعم وحماية أطفال أوكرانيا في الحرب التي شنتها روسيا على بلد أوروبي، لم تؤثر فيهم دماء أطفال فلسطين. معهم حق شو جاب لجاب: «دماء بسمنة ودماء بزيت». أكبر دليل على تخاذلهم هو عدم تفعيل القرارات للضغط على إسرائيل في ما يتعلق بوقف إطلاق النار، وذلك يمثل تناقضًا مثيراً للاشمئزاز.
لقد بتنا اليوم نتساءل عن مدى إمكانية تحقيق التغيير والعدالة في عالم مليء بالصراعات والسياسات القائمة على المصالح الدولية المتنكرة لأدنى الحقوق الإنسانية.

سندويتش دماء!

قصص الأطفال في فلسطين كثيرة ولا نعرف من أين نبدأ. هل نروي قصة «رغيف خبز مغمس بالدماء»؟! إنه ليس عنوان لرواية خطتها روائية ناشئة. إنها يوميات الحرب في غزة.
هكذا افترشت الأم الأرض لتصنع الخبز على الصاج وتقدمه لأطفالها الذين جلسوا من حولها. كانت تتلهف لتقديم الخبز لصغارها الجائعين بفعل سياسة التجويع، التي فرضها المحتل ولم تبد القارة العجوز وأمريكا المترفة أي اعتراض عليها. لقد نزحت الأم بأولادها إلى مكان قيل لها إنه آمن، وكانت تتلهف لسد جوعهم. وما إن قدمت لكل واحد منهم رغيفاً صغيراً، وقبل أن يقضموا لقمة واحدة، جاءت غارة وفتّتهم قطعاً صغيرة. ولم يبق على الأرض سوى أرغفة مغمسة بالماء!
إنها أكلة فلسطينية منتشرة يعرفها جيداً سكان غزة والضفة الغربية. فهم يموتون وأطفالهم يومياً، ومنذ زمن طويل، لأجل قضية عادلة يتنكر لها طغاة العالم ووحوشه. تلك الأرغفة المغمسة بالدماء ليست مجرد رمز لمعاناة الفلسطينيين، بل هي شاهدة على الإنسانية المعذبة في عهد بنيامين نتنياهو وحلفائه، مجرمي الحروب.
هذه القصة تجسد حالة الصدمة والعار، والتي يجب أن تشجعنا على التفكير في مسؤوليتنا الإنسانية، وعلى العمل من أجل نشر السلام والعدالة في العالم، لأن كل طفل في أي مكان يستحق حياة آمنة وخالية من الخوف.

موت يجر الموت

نعم إنه عنوان مروع آخر، ولكنه حقيقي. حكاية أخرى رصدتها إحدى الكاميرات. إنه طفل لا نعرف اسمه ولا يتعدى عمره 12 سنة. كل ما نعرفه عنه أنه كان يرتجف من رأسه حتى أخمص قدميه وهو يبكي ويحكي كيف انتشل رأس أخيه وركض بها، فيما حمل صديقه الباقي من الجسد كي يدفنوه قبل أن يقتلهما صاروخ جديد.
إنه موقف لا يقوى عليه الكبار فكيف شعر ذلك الطفل في تلك اللحظات؟ من تألم أكثر الطفل، الذي قُتِل أو أخوه الذي يواجه الموت والخوف، والخسارة، والضياع، والألم؟!
إن الموت يجر الموت. والقتل يجر القتل. والوحشية تلد الوحوش. أولئك الأطفال الذين دُمّرت بيوتهم وقتل أهاليهم أمام أعينهم، وهدمت مدارسهم فوق رؤوسهم، وحملوا أشلاء إخوتهم، هل سيكبرون ليصبحوا رسل سلام ومحبة؟ هل سيتخرجون أطباء ومهندسين ومحامين؟ هل سيبنون مجتمعات سليمة؟ هل سيعقدون الصلح على حساب دماء أهاليهم؟
إن القضية الفلسطينيّة لن تموت، حتى ولو استخدمت القنابل النووية واختفت بها غزة تماماً عن الوجود. ستولد غزة كل يوم من جديد مع ولادة كل طفل فلسطيني في العالم.

عينا غزة وصحن العدس!

هل هناك أصعب من أن تشاهد حشدًا من الملائكة الصغار يتصارعون ويتزاحمون على صحن عدس صغير؟
هؤلاء الأطفال، لو وصلنا إليهم، لأطعمناهم من قلوبنا. يروون لنا قصة حياة محاصرة وصمود في وجه المصاعب. ينادون العالم بأن يرحمهم، بأن يتدخل ويجلب السلام والأمان لهم. ومن بينهم يطل علينا بطل أصبح عينًا لغزة ومرآة لها. يمسك هاتفه الصغير بيده لينقل لنا الألم والخراب، يضحك وهو يحمل ألم الوطن على كتفيه. هو بطل بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا يخشى الموت ولا يهابه. ربما يخشى أن يُقتل قبل أن ينقل رسالته. قبل أن يؤدي واجبه تجاه شعبه.
إنه عبود بطاح، «أقوى مراسل في العالم»، كما يسمي نفسه، هو شهادة حية على قوة الإرادة والصمود. يمثل رمزًا للصحافيين ولكل من يعمل من أجل نشر الحقيقة وتسليط الضوء على الأزمات والصراعات. يقول وهو يبتسم كعادته في معظم فيديوهاته: «نحن شعب يحب الحياة بدلاً من أن نوقف عند المخبز تسع ساعات. نقف هنا، أنا والمصور، ونصنع خبز الصاج. هذا هو خبز بلادي. هذا الخبز منذ عام 1948 لم نتخل عنه.
وهنا يحضر محمود درويش بقوة ليذكرنا بقصيدته الشهيرة:
عَلَى هَذِهِ الأرْضِ مَا يَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ: عَلَى هَذِهِ الأرضِ سَيَّدَةُ
الأُرْضِ، أُمُّ البِدَايَاتِ، أُمَّ النِّهَايَاتِ. كَانَتْ تُسَمَّى فِلِسْطِين. صَارَتْ تُسَمَّى فلسْطِين. سَيِّدَتي: أَستحِقُّ، لأنَّكِ سيِّدَتِي، أَسْتَحِقُّ الحَيَاةْ.

مريم مشتاوي

المصدر: صحيفة القدس العربي




“فايننشيال تايمز”: مستقبل الشيكل الإسرائيلي يعتمد على حرب غزة

قال محللون إن مستقبل سعر صرف الشيكل الإسرائيلي يعتمد على مسار الحرب في غزة رغم التدخل المكثف للبنك المركزي الإسرائيلي في سوق الصرف وتدفق المساعدات الغربية على تل أبيب. وقال بنك إسرائيل، إنه باع 8.2 مليار دولار في أكتوبر/تشرين الأول للدفاع عن الشيكل الذي سجل أدنى مستوى له منذ 11 عاماً مقابل الدولار الشهر الماضي. وذلك وفقاً لما ذكره تقرير بصحيفة “فايننشيال تايمز” اليوم الأربعاء.

وسعى البنك المركزي الإسرائيلي من خلال التدخل المستمر في سوق الصرف خلال الشهر الماضي لمنع انهيار سعر العملة الإسرائيلية التي تعد الركيزة الرئيسية لسوق المال الإسرائيلي واستعادة الثقة في اقتصاد البلاد، ولكن خبراء يرون أن مستقبل صرف الشيكل مقابل الدولار يعتمد على مسار الحرب الشرسة التي يشنها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة أكثر من ضخم الأموال، وعما إذا كانت إسرائيل ستكون قادرة على استعادة ثقة المستثمرين لضخ أموال جديدة في اقتصادها البالغ حجمه نحو 521 مليار دولار. ونفذ البنك حتى الآن مقايضات بقيمة 400 مليون دولار.

وقال محللون بمصرف مورغان ستانلي، في تقرير: “إن التحسن الجزئي الذي شهده الشيكل يعود إلى التزام بنك إسرائيل بتزويد السوق بالدولارات والإبقاء على أسعار الفائدة  عند مستواها الحالي حتى اجتماع البنك المركزي في يناير/كانون الثاني المقبل. ولكن بالتأكيد فإن أي خفض في سعر الفائدة لمساعدة الاقتصاد على النمو ستكون له تداعيات سلبية على سعر صرف العملة الإسرائيلية”.

وكان مؤشر الأسهم الإسرائيلية قد خسر نحو 15% من قيمته السوقية، كما ارتفعت كلفة الاقتراض  الحكومي إلى نسبة 4.67% في أعقاب عملية “طوفان الأقصى”، قبل أن تتحسن في الأسبوع الماضي بسبب ضخ المساعدات الأجنبية من الأفراد والشركات الغربية.

في الصدد، قال رئيس الأسواق في وحدة إسرائيل التابعة لمصرف “سيتي بنك” جيل موشي: “اتخذ بنك إسرائيل إجراءات صارمة للغاية لحماية الشيكل”.

في الشأن، قال استراتيجيون في مجموعة “غولدمان ساكس” في تعليقات نقلتها وكالة بلومبيرغ، مساء الثلاثاء، إن التدفقات المالية من الخارج، بما في ذلك المساعدات، ربما ستدعم الشيكل في الأشهر المقبلة وتجعله في مستوياته الحالية، وذلك في حال لم تحدث متغيرات جديدة في مسار الحرب على قطاع غزة.

وحسب بلومبيرغ، فقد أدت تدخلات البنك المركزي في العملة إلى انخفاض احتياطيات إسرائيل الأجنبية إلى 191.2 مليار دولار، وهو أدنى مستوى لها منذ عام. وتعادل هذه الاحتياطيات ما يقرب من 40% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.
وتتجلى عواقب الحرب الشرسة على غزة على سوق  المال الإسرائيلي بشكل أكثر وضوحاً في مجال السندات، حيث يشعر المستثمرون بالقلق بعد أن أدت تحذيرات وكالات التصنيف الائتماني إلى أن إسرائيل  تقترب من أول تخفيض لتصنيفها الائتماني على الإطلاق. ويتوقع المحللون أن تؤدي الحرب إلى انكماش اقتصادي في هذا الربع، كما تؤدي كذلك إلى ارتفاع عجز الميزانية مع زيادة الإنفاق.

وعلى الرغم من تراجع  تكلفة تأمين ديون الحكومة الإسرائيلية من التخلف عن السداد إلى 130 نقطة أساس في الأسبوع الجاري، لكنها لا تزال قريبة من أعلى مستوى لها في عقد من الزمن عند حوالي 145 نقطة أساس تم الوصول إليها قبل أسبوعين. وحتى قبل الحرب، كانت أصول البلاد تحت ضغط من الاحتجاجات والاضطرابات المحيطة بتحركات الحكومة للسيطرة بشكل أكبر على النظام القضائي. وعادة ما تؤشر كلفة التأمين إلى ثقة المستثمرين في الاقتصاد، وكذلك على إلى أي مدى، أن سندات الدين السيادية محصنة ضد التخلف عن السداد. 

في الشأن، قال محلل بمصرف ويلز فارجو في تعليقات لوكالة بلومبيرغ: “لا يزال خطر خفض التصنيف الائتماني السيادي لإسرائيل مرتفعاً  بسبب الحرب ولكن لا تزال الإصلاحات القضائية تضعف الحوكمة في إسرائيل، وكذلك الحوافز المالية التي من المقرر صرفها لتعويض الأفراد والشركات عن خسائر الحرب”.      

وعلى الرغم من أن التدخل الكثيف للبنك المركزي الإسرائيلي ساهم في تحسن الشيكل بنسبة 0.7% ولكن من المرجح أن تؤدي  الحرب إلى انخفاض العملة إلى مستوى متدني يصل إلى 4.15 مقابل الدولار، وفقًا لمصرف “ويلز فارجو” الأميركي. ومن شأن ذلك أن يمثل أضعف مستوى للشيكل منذ العام 2009.  

وجرى تداول الشيكل عند نحو 4.05 للدولار، في أعقاب تقرير صادر عن وكالة موديز لخدمات المستثمرين، أوضح أن التصنيف الائتماني للبلاد معرض لخطر التخفيض.
ويرى محللون أن “خفض سعر الفائدة يمكن أن يؤدي إلى تفاقم ضغوط انخفاض قيمة الشيكل وإجبار بنك إسرائيل على التدخل الإضافي في العملات الأجنبية، وهو مزيج على الأرجح سيرغب البنك المركزي في تجنبه”.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




14 مؤشراً على انهيار الاقتصاد الإسرائيلي.. إليك الأرقام والتفاصيل

يعيش الاقتصاد الإسرائيلي في واحدة من أسوأ حقباته. وفي حين يستمر العدوان الوحشي على سكان غزة، تتهاوى غالبية المؤشرات أمام حكومة الاحتلال، وسط توقعات باستمرار الأزمة إلى سنوات مقبلة.

ومن العقارات والمصارف والبورصة، مروراً بالشيكل وسوق العمل وشركات التكنولوجيا وصولاً إلى عجز الموازنة والنمو الاقتصادي، يسود اللون الأحمر إيذاناً بانهيار يعمّق أزمة كانت أصلاً قد بدأت قبل الحرب بسبب الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية.

إليك ما رصده “العربي الجديد” من أرقام تدل على عمق الأزمة الاقتصادية لدى الاحتلال:

ارتفاع البطالة

أظهرت بيانات صادرة عن دائرة التوظيف الإسرائيلية أنّ ارتفاعاً حاداً طرأ في عدد الأفراد المسجلين كعاطلين من العمل خلال أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بالتزامن مع اندلاع الحرب على قطاع غزة.

وبحسب التقرير الشهري لدائرة التوظيف (حكومية)، نشرت تفاصيله صحيفة غلوبس الإسرائيلية، الأربعاء، فإنّ 70 ألف طلب تسجيل تقدم به إسرائيليون كعاطلين من العمل في أكتوبر الماضي. ويزيد هذا الرقم بنسبة 460% على أساس شهري، صعوداً من 12.5 ألف طلب سُجل في سبتمبر/أيلول السابق له.

ووفق إيكونوميست، فإنه منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، حشدت القوات المسلحة الإسرائيلية أكثر من 360 ألف جندي احتياطي، أو 8% من القوة العاملة في البلاد، وقد ترك معظمهم وظائفهم، مما أدى إلى فجوة هائلة في الاقتصاد الإسرائيلي.

ويشير التقرير إلى أن هناك مصدراً آخر لكارثة نقص العمالة، وهي أن حوالي 200 ألف فلسطيني كانوا يعملون لدى الاحتلال، لكن الاضطرابات في الضفة الغربية تعني أنه لا يُسمح للعديد من العمال بعبور الحدود. وخلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي استمرت من عام 2000 إلى عام 2005، كان العمال الفلسطينيون المفقودون من أكبر أزمات النمو الإسرائيلي، وفقاً لصندوق النقد الدولي.

مطلع الشهر الحالي، قال مسح أجراه مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، إن 37% من الشركات في إسرائيل كانت تعمل بخمس موظفيها أو أقل. فيما قدّرت وزارة العمل الإسرائيلية في تقريرها الأخير أن 18% من القوى العاملة معطلة بسبب الحرب. أما الضرر الأكبر، فعلى حدود غزة، حيث توفر 59% من الشركات الحد الأدنى من فرص العمل.

وفي السياق نفسه، تشير تقديرات شعبة الاستراتيجية في وزارة العمل، وفق موقع “ذا ماركر” الإسرائيلي، إلى أن 764 ألف عامل في إسرائيل، أي 18% من إجمالي العمالة في إسرائيل، أصبحوا عاطلين من العمل بسبب خدمتهم الاحتياطية في جيش الاحتلال، أو يعيشون في محيط غزة، أو يبقون في المنزل.

أزمة تطاول الشركات

أكد مؤشر ميلنيك لحالة الاقتصاد في مطلع الشهر الحالي، أنه في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، أظهر قطاع الأعمال في إسرائيل علامات نمو، حيث سجل مؤشر ميلنيك زيادة بنسبة 0.2 في المائة، لكن إعلان إسرائيل العدوان على غزة ألقى بظلال من عدم اليقين بشأن استقرار هذا النمو الهش.

وشرح موقع “ذا جيروزاليم بوست” الإسرائيلي أن مؤشر ميلنيك لحالة الاقتصاد يعد مؤشرًا رئيسيًا للأداء الاقتصادي في إسرائيل. ويعد الارتفاع المعلن عنه في شهر سبتمبر ذا أهمية خاصة بالنظر إلى التحديات الاقتصادية المستمرة التي يواجهها قطاع الأعمال الإسرائيلي في الأشهر الأخيرة. وكانت النتائج في أغسطس/آب قد سجلت زيادة متواضعة بنسبة 0.1 في المائة، مما يعكس النمو الفاتر.

وتلفت الصحيفة الإسرائيلية إلى أن العدوان على غزة من شأنه أن يؤدي إلى تعطيل هذا النمو الهش. وتشرح أن التداعيات كبيرة، حيث أدى الصراع إلى نقص في العمالة، وتكافح الشركات للعثور على العمال المتاحين بسبب استدعاء جيش الاحتلال الإسرائيلي لأكثر من 300 ألف جندي احتياطي إلى الخدمة.

وقد أظهرت بيانات رسمية لدى الاحتلال بخصوص الضربة التي ألحقتها الحرب بالاقتصاد الإسرائيلي أن حوالي 51% من الشركات أبلغت عن حدوث ضرر جسيم في الإيرادات، وأبلغت حوالي 12% فقط من الشركات عن حدوث ضرر طفيف في دخل الشركة.

في الصناعات التالية أبلغت معظم الشركات عن انخفاض يزيد عن 50% في إيراداتها: صناعات خدمات الضيافة (حوالي 82% سجلت انخفاضًا في الإيرادات)، وخدمات الأغذية والمشروبات (71%)، والبناء (74%). ويكون الضرر الذي يلحق بدخل الشركة أكثر حدة كلما صغر حجم الأعمال.

جاء ذلك بحسب استطلاع أجراه مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي يومي 24 و26 تشرين الأول/أكتوبر، ونشره موقع “ذا ماركر”. وتعكس البيانات تقارير المديرين بشأن وضع العمالة والأضرار التي لحقت بشركاتهم في الأسبوع الثالث من الحرب.

جمود العقارات

وضع العدوان على غزة آلاف الإسرائيليين في ضائقة مالية. واستمرار الحرب، ربما لأسابيع قليلة أخرى على الأقل، سيجبر الاحتلال وبنك إسرائيل والبنوك على التواصل مع الواقع، والذهاب إلى إجراءات لمنع أزمة رهون عقارية بدأت تلوح في الأفق.

وبحسب موقع “ذا ماركر” الإسرائيلي، فإنه في العام 2020، في خضم أزمة كورونا، كان رد فعل المشرفين الماليين بطيئًا، لكنهم في النهاية قدموا حلاً لحاملي القروض، لكن مع اندلاع الحرب، فإن الأضرار الجسيمة التي لحقت بالاقتصاد، وفق الموقع الإسرائيلي، لن تسمح للبنوك بتلبية جميع متطلبات تأجيل السداد وزيادة الائتمان، دون دعم كبير من البنك المركزي.

ويقول نوفر يعقوب، رئيس جمعية مستشاري الرهن العقاري: “حتى قبل الحرب، وبعد أكثر من عام من ارتفاع أسعار الفائدة، وصل العديد من الإسرائيليين إلى الحد الأقصى لقدرتهم على السداد”. عشية الحرب، كانت هناك زيادة بنسبة 26% في متأخرات الرهن العقاري، إلى جانب 23% في القروض الأخرى بالإضافة إلى عمليات السحب المكثفة من صناديق الادخار العامة، ومعاشات التقاعد والمدخرات.

ووفقاً لتقديرات المطورين الإسرائيليين، فقد تقلص نشاط البناء بنسبة تراوح ما بين 80 و90 في المائة. وتحت عنوان “ضربات اقتصادية يصعب التعافي منها”، يشرح “ذا ماركر” أن مسؤولين في الصناعة، وعلى رأسهم جمعية المقاولين، يحذرون من الانخفاض المتوقع في المعروض من الشقق حتى بعد الحرب.

ويتوقع أن تغلق العديد من الشركات أبوابها، ويتلقى العاملون لحسابهم الخاص والموظفون ضربات مالية سيكون من الصعب التعافي منها.

عواقب على المصارف

قالت وكالة “ستاندرد أند بورز”، مطلع الشهر الحالي، إنها عدلت نظرتها المستقبلية من مستقرة إلى سلبية لبنوك “لئومي”، و”هبوعليم”، و”مزراحي تفاهوت”، و”ديسكونت الإسرائيلي”. 

ورأت الوكالة أن “تطور الصراع ومدته وتأثيراته على الاقتصاد الإسرائيلي، وثقة قطاع الأعمال، قد تكون لها عواقب سلبية على القطاع المصرفي”. وأضافت: “لقد قمنا بتغيير نظرتنا المستقبلية لبنكي “هبوعليم بي.إم.” و”لئومي لإسرائيل بي.إم.” إلى سلبي من مستقر، وأكدنا التصنيف الائتماني للمُصدر على المدى الطويل والقصير عند (A/A-1)، كما قمنا بتثبيت جميع تصنيفات الإصدار على ديون البنوك”.

وتعكس إجراءات وكالة التصنيف وجهة نظر مفادها أن النظام المصرفي في دولة الاحتلال قد يواجه أخطاراً أعلى وسط تصاعد الأخطار الجيوسياسية.

ومن المتوقع أن تضر الحرب بأنشطة البنوك. ويتمثل الخطر الرئيسي في زيادة صعوبة سداد القروض من جانب الشركات والأسر، خاصة في قطاع العقارات. وهو ما دفع وكالة التصنيف الإسرائيلية “ميدروج” إلى الاستشهاد بهذه المخاطر في تقييم وضع البنوك في هذه الفترة.

تراجع الاحتياطي النقدي 

قال بنك إسرائيل المركزي، أمس الثلاثاء، إنه باع 8.2 مليارات دولار من النقد الأجنبي في أكتوبر، مما أدى إلى تراجع الاحتياطي إلى 191.235 مليار دولار، من 198.553 مليار دولار في سبتمبر، بتراجع بلغ 7.318 مليارات دولار.

وبتاريخ 9 أكتوبر الماضي، أعلن بنك إسرائيل (المركزي) ضخّ ما يصل إلى 45 مليار دولار في محاولة لتحقيق استقرار في سعر صرف الشيكل، لكن أرقام أسعار الصرف تظهر إخفاق خطة البنك. وهذه هي المرة الأولى على الإطلاق التي يبيع فيها النقد الأجنبي.

انكماش الاقتصاد

ذكر آخر تقرير لبنك جي بي مورغان، أنّ الاقتصاد الإسرائيلي قد ينكمش بنسبة 11% على أساس سنوي، في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الجاري، مع تصاعد الحرب على قطاع غزة. وكانت آخر مرة سجلت فيها إسرائيل هذا الانكماش خلال عام 2020، مع إغلاق الاقتصاد بسبب تفشي جائحة كورونا.

وأظهرت تقديرات إسرائيلية أولية، أنّ الحرب على غزة ستكلف ميزانية الدولة 200 مليار شيكل (51 مليار دولار). وقال اقتصاديون إسرائيليون إن إسرائيل تواجه ركوداً اقتصادياً كبيراً بسبب الحرب ضد قطاع غزة.

في هذا الشأن، قال الرئيس التنفيذي لصناديق الاستثمار في تل أبيب إيال غورين، لـنشرة “غلوبس” المالية الإسرائيلية، “إن الحرب التي اندلعت كانت بمثابة البجعة السوداء التي جلبت قدراً كبيراً من عدم اليقين والخوف والقلق في كل جانب من جوانب حياة الناس. وقد تسرب هذا من الحياة الشخصية إلى المحافظ الاستثمارية”. 

من جانبها، أشار موقع “ذا ماركر” إلى أن “إسرائيل دخلت الحرب وهي في حالة ركود، والتجارة حالياً صفر”.

وأشارت إلى تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لضربة خطيرة على يد عملية “طوفان الأقصى”، حيث خسر 3 مليارات دولار كتعويضات في اليوم الأول للحرب وحده، وهي حالة يقول بعض الاقتصاديين إنها أسوأ مما كانت عليه خلال حرب إسرائيل مع حزب الله في العام 2006.

وفي تحليل للتداعيات الاقتصادية للحرب، قالت صحيفة “هآرتس” اليومية إن الاقتصاد سيتضرر بشدة، إذ ستجف السياحة، وسيصاب النشاط الاقتصادي في الجنوب بالشلل، وسيزداد الإنفاق الدفاعي، وسيتعطل العمال، ويغيبون عن وظائفهم لأنهم في الاحتياط.

وكان الاقتصاد الإسرائيلي في حالة تعثر بالفعل، بسبب الصراعات السياسية التي أدخل بنيامين نتنياهو حكومته فيها على خلفية إقراره قانونًا يتغول فيه على صلاحيات المحكمة العليا، ما جعله غير مستعد على الإطلاق للحرب التي بدأها بعد عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.

وقف حقل تمار

وفي بداية الحرب، أمرت إسرائيل شركة شيفرون بوقف الإنتاج في حقل تمار للغاز الطبيعي لتقليل التعرض للصواريخ المحتملة، وقدر خبير الطاقة أميت مور أنّ الإغلاق قد يكلف إسرائيل 200 مليون دولار شهرياً من الإيرادات المفقودة من حقل تمار. وينتج حقل تمار نحو 7.1 إلى 8.5 ملايين متر مكعب يومياً من الغاز الطبيعي، بحسب موقع شيفرون عبر الإنترنت.

وتمار كما غيره من الحقول الذي نهبتها إسرائيل، يقع على بعد 24 كيلومتراً غرب عسقلان، شمال قطاع غزة، وفي حين يقطع الاحتلال الكهرباء عن القطاع، فإن تمار يوفر 70% من احتياجات استهلاك الطاقة في إسرائيل لتوليد الكهرباء. 

وتخطط هيئة الكهرباء الإسرائيلية لتخصيص الدخل الفائض من بيع محطة كهرباء أشكول لتغطية النفقات الإضافية بسبب العدوان على غزة، وفق تقرير نشره موقع “ذا ماركر” الإسرائيلي. وأفادت شركة الكهرباء بعد أسبوع من بدء العدوان بأنها اضطرت إلى سحب مليار شيكل من احتياطها النقدي لتمويل الزيادة في تكلفة شراء الوقود بسبب إغلاق حقل تمار للغاز مع بدء عملية طوفان الأقصى.

وأعلن الشركاء في حقل تمار عدم ورود أي تحديث من وزارة الطاقة بشأن موعد استئناف الإنتاج من الحقل. بعد إغلاقه، اضطرت شركة الكهرباء إلى شراء الغاز بسعر أعلى من محطة ليفياثان بالإضافة إلى شراء كميات زائدة من الديزل والفحم جزئيًا لتلبية الاحتياجات الطارئة لقطاع الكهرباء، بما في ذلك منتجو الكهرباء من القطاع الخاص.

علاوة على ذلك، تقوم شركة الكهرباء حالياً بتمويل من مصادرها الخاصة بترميم البنى التحتية الكهربائية التي تضررت بسبب الحرب، بحسب الموقع الإسرائيلي.

هبوط الشيكل 

وخلال الشهر الماضي، تراجع سعر صرف الشيكل الإسرائيلي أمام الدولار إلى أدنى مستوى له منذ عام 2012 إلى 4.08 شيكلات، قبل أن يرتد صعوداً في تعاملات الشهر الجاري إلى متوسط 3.94 شيكلات.

وفي 29 أكتوبر، تم تصنيف الشيكل الإسرائيلي العملة الأسوأ أداء بين العملات العالمية هذا العام بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة، والتعديلات القضائية التي نفذتها حكومة بنيامين نتنياهو، وفق ما أوردته وكالة بلومبيرغ الأميركية.

وذكرت “بلومبيرغ”، في تقرير لها، أنّ الشيكل الإسرائيلي خسر 14% من قيمته مقابل الدولار، خلال العام الجاري، وبات يعد العملة الأسوأ أداءً بين العملات؛ بسبب هروب المستثمرين من الأصول الإسرائيلية.

ومنذ عملية “طوفان الأقصى”، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول، واجهت العملة الإسرائيلية خسائر متواصلة وهجمات بيع مكثفة للسندات، بينما واصل الدولار الأميركي ارتفاعه مقابل الشيكل على الرغم من تدخل البنك المركزي لإنقاذه من الانهيار. 

عجز الموازنة

وقدر البنك المركزي، الشهر الماضي، أن عجز الموازنة سيبلغ 2.3% من الناتج الإجمالي المحلي في 2023 و3.5% في 2024، مقابل تحقيق فائض 2022 في حال بقاء الصراع مقصوراً على قطاع غزة، ولم يمتد لجبهات أخرى.

وشرحت “ذا إيكونوميست” في تقرير لها أن إنقاذ الشركات ودفع رواتب جنود الاحتياط وإيواء سكان قرى بأكملها في الفنادق سيكون لها أثرها. وبحسب التقرير، سوف يتطلب الأمر زيادة هائلة في الإنفاق الدفاعي من أجل تمويل الغزو البري على قطاع غزة.

وحتى قبل عملية طوفان الأقصى، تراجعت إيرادات الحكومة بنسبة 8% في سبتمبر/أيلول الماضي، والآن ترتفع تكلفة الاقتراض وتنهار القاعدة الضريبية. وبذلك، فإنّ حرباً أطول أمداً ستعني المزيد من الدمار، ولن تكون عملية إعادة الإعمار رخيصة الثمن بدورها.

تتوقع وكالة التصنيف الائتماني موديز أن يتسع العجز المالي في الميزانية الإسرائيلية إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العام الجاري، 2023، وإلى 7.8% في العام المقبل، 2024. كما تتوقع الوكالة في تقريرها،  الذي نشرت “غلوبس” الإسرائيلية مقتطفات منه، أن يقفز التضخم إلى 6.8% في إسرائيل في عام 2024 مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.4% فقط.

ووفقاً لـ “ذا ماركر” من المتوقع أن ينمو الإنفاق الحربي بشكل حاد، على الأقل في السنوات المقبلة، مما يعني أنه بدون زيادات ضريبية، من المتوقع أن يقفز العجز، أو أن الإنفاق على التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والبناء، والبنية الأساسية من المتوقع أن ينخفض، وهو ما من شأنه أن يلقي بظلاله على النمو الاقتصادي.

تراجع السياحة

أظهر تقرير لموقع “Secret Flights” المتتبع لرحلات الطيران في مطلع الشهر الحالي أن تراجعاً طرأ على رحلات الطيران من مطار بن غوريون الدولي وإليه، بنسبة 80% كمتوسط منذ اندلاع الحرب.

كما تراجعت حركة السياحة في إسرائيل خلال أكتوبر، بنسبة 76% على أساس سنوي، بسبب اندلاع الحرب على قطاع غزة، وإلغاء غالبية رحلات الطيران من تل أبيب وإليها.

جاء ذلك، بحسب تقرير شهري صادر عن مكتب الإحصاء الإسرائيلي في بيان في 28 أكتوبر، قال فيه إن 89.7 ألف سائح زاروا إسرائيل خلال أكتوبر، معظمهم دخلوا إلى البلاد قبل اليوم السابع من ذات الشهر (قبل اندلاع عملية طوفان الأقصى)، وذلك مقابل 369 ألفا في الشهر نفسه من عام 2022.

هبوط البورصة

في الحرب الحالية على غزة، تراجع مؤشر Tase35 لبورصة تل أبيب بنسبة 15 بالمائة، فيما تراجعت أسهم بعض الشركات فيه بأكثر من 35 بالمائة، مقارنة مع إغلاق عشية الحرب.

وفقدت القيمة السوقية للبورصة 25 مليار دولار، قبل أن تقلص خسائرها في تعاملات الأسبوع الماضي، مع ظهور مؤشرات أولية إلى الخسائر المتوقعة للحرب. ومنذ بداية الحرب حتى نهاية جلسات أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تراجعت أسهم أكبر خمسة بنوك مدرجة في بورصة تل أبيب بنسبة 20%، على أثر الحرب.

وواصل مستثمرون محليون وأجانب بيع أسهم لهم في الشركات الإسرائيلية المدرجة، بخاصة البنوك العاملة في السوق المحلية. ووفقا لتقرير “بلومبيرغ” في 30 اكتوبر، فإن الأسهم الإسرائيلية هي الأسوأ أداء في العالم منذ اندلاع القتال. 

الهروب من الزراعة

الشهر الماضي، أوردت صحيفة غلوبس المختصة بالاقتصاد الإسرائيلي، تقريراً تحدثت فيه عن أهمية أراضي مستوطنات غلاف غزة بالنسبة للأمن الغذائي الزراعي للسوق الإسرائيلية. ونقلت الصحيفة عن رئيس اتحاد المزارعين الإسرائيليين عميت يفراح قوله إن 75% من الخضروات المستهلكة في إسرائيل تأتي من غلاف غزة، فضلاً عن 20% من الفاكهة، و6.5% من الحليب.

وتُعرف المنطقة المحيطة بقطاع غزة باسم “رقعة الخضار الإسرائيلية”، وهي تحتوي أيضاً مزارع للدواجن والماشية، إلى جانب مزارع للأسماك.

كما تعرضت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في الشمال على الحدود مع لبنان إلى تعليق عمليات قطف المحاصيل بسبب التوترات الأمنية مع حزب الله اللبناني والفصائل اللبنانية والفلسطينية في جنوب لبنان.

ولم يأت حوالي 100 ألف عامل أجنبي إلى مواقع البناء والحقول الزراعية منذ اندلاع الحرب، وتم إغلاق أجزاء كبيرة من الاقتصاد. 

خفض التصنيف الائتماني

خفّض بنك جي بي مورغان الأميركي أخيراً بشكل حاد توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل في الربع الرابع، إلى 11 في المائة، مقارنة بالربع السابق، فيما كانت توقعاته السابقة تشير إلى انخفاض 1.5 في المائة فقط.

وسبق أن توقعت وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز، انخفاضاً أكثر حدة في الناتج المحلي في الربع الرابع، بمعدل 18.5 في المائة، وهو انخفاض نادر في القوة، ذكّر الاحتلال بمرحلة الهبوط الاقتصادي خلال انتشار فيروس كورونا في عام 2020، حين كان الانكماش 28.7 في المائة، بحسب بيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي.

خفّضت وكالة ستاندرد آند بورز نظرتها المستقبلية للاقتصاد الإسرائيلي من مستقرة إلى سلبية، وتوقعت الوكالة انكماش الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 5% في الربع الرابع من العام الجاري على أساس فصلي، ووضعت وكالة موديز لخدمات المستثمرين تصنيف ديون دولة الاحتلال قيد المراجعة لخفض التصنيف.

كما صنّفت وكالة “فيتش” البلاد تحت المراقبة السلبية. وقالت إن التصعيد الواسع النطاق، بالإضافة إلى الخسائر البشرية، يمكن أن يدفعا “إسرائيل” إلى إنفاق عسكري كبير وتدمير في البنية التحتية وتغيير مستدام في معنويات المستهلكين والاستثمار.

أزمة شركات التكنولوجيا

 تعتقد شركة “ستارت أب نيشن” أن 70% من شركات التكنولوجيا في إسرائيل تكافح من أجل أداء وظيفتها. ويكمن الخطر في أنه عندما تنتهي الحرب، سيكون هناك عدد أقل من الوظائف التي يمكن للموظفين العودة إليها.

وحسب تقرير بصحيفة “كالكاليست” الإسرائيلية التي تُعنى بالتقنية، فإن صناعة التقنية الإسرائيلية ستواجه في المستقبل 4 مخاطر رئيسية، وهي خسارة القوى العاملة وارتفاع كلفة التمويل ومقاطعة منتجاتها عالمياً وهروب الاستثمارات.  
وحسب تقرير حكومي إسرائيلي، فإن قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي شكّل عام 2022، نسبة 48.3% من إجمالي صادرات إسرائيل، بلغت قيمتها 71 مليار دولار. وعلى مدى العقد الماضي، تضاعفت صادرات إسرائيل من التكنولوجيا وكان النمو مدفوعًا في الغالب بالتوسع في خدمات البرمجيات، كما يوظف القطاع حوالي 14% من القوى العاملة في إسرائيل، وهو المسؤول عن توسع الطبقة الوسطى وزيادة القوة الشرائية في الاقتصاد.

ويقول التقرير أنه بالإضافة إلى الأضرار الكبيرة التي ستلحق بتطور شركات التقنية نتيجة الغياب الطويل لموظفيها، فإن القلق الأكبر هو في الشركات الكبيرة متعددة الجنسيات.

ويعمل حوالي ثلث قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي في 400 مركز بحث وتطوير لشركات أجنبية عملاقة مثل إنتل، ومايكروسوفت، وغوغل، ونفيديا، وأمازون، وميتا. وهذه الشركات ربما تخفض بنسبة كبيرة استثماراتها في إسرائيل وحتى ربما تفضل الهروب نهائياً من إسرائيل في حال طال أمد الحرب.

وعملياً، أبدى كبير العلماء في مركز الأبحاث والتطوير التابع لشركة مايكروسوفت إسرائيل، تومر سايمون، قلقه بشأن مستقبل قطاع التكنولوجيا الفائقة في دولة الاحتلال بسبب الحرب.

وحذر المسؤول، وفقاً لوكالة رويترز، من أنّ الشركات متعددة الجنسيات قد توقف أنشطة الأبحاث والتطوير في إسرائيل. وقال سايمون إنه عبر عن مخاوفه في رسالة إلى مستشار الأمن القومي الإسرائيلي تساحي هنجبي لكنه لم يتلق رداً.

وبعد اندلاع الحرب بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة منذ يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تم استدعاء نحو 15% من العاملين في القطاع إلى الخدمة العسكرية بعيدا عن مكاتبهم، وفق تقديرات جمعية “إس إن سي”.

وحتى قبل اندلاع الحرب، كانت شركات التكنولوجيا الإسرائيلية تعاني من انخفاض حاد في الاستثمارات بنسبة تصل إلى 70%، الذي تفاقم بسبب التباطؤ الاقتصادي العالمي وأزمة الإصلاح القضائي في البلاد.

ومؤخراً، نقل موقع ذا تايمز أوف إسرائيل عن الرئيس التنفيذي لهيئة الابتكار الإسرائيلية درور بن، أن “التباطؤ في دورات جمع الأموال وتعبئة جنود الاحتياط للحرب يشكل تحدياً لعدد كبير من شركات التكنولوجيا المتقدمة”. وحذّر بن من أنّ “شركات معرضة لخطر الإغلاق في الأشهر المقبلة”.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




يوميات أطفال غزة من “المقبرة”: هذه محرقتنا

“لا يمكن الوثوق بالطاغية ليكون مؤرخاً. دورنا هو الحِفظ. الذاكرة الجماعية فعلٌ تحرري. تذكروا، وبلّغوا”، هذه كلمات الكاتب الأميركي جيمس بالدوين. والذاكرة لا يحفظها الكبار فقط.

عشرات الأطفال والمراهقين، وأشهرهم آن فرانك (مذكرات آن فرانك أو يوميات فتاة صغيرة)، كتبوا مذكراتهم خلال المحرقة اليهودية (الهولوكوست). بعضهم كتبوا من بلاد اللجوء، والبعض الآخر كتبوا من مخابئهم، أو كعابرين، وآخرون كتبوا من غيتوهات في أوروبا الشرقية. كتبوا في ألمانيا، والنمسا، وهولندا، وفرنسا، ومحمية بوهيميا ومورافيا، وبولندا، وليتوانيا، ولاتفيا، وروسيا، ورومانيا، والمجر.

انتهت الحرب العالمية الثانية، لكن المجازر لم تنته. كتب أطفال من البوسنة والهرسك مذكراتهم (يوميات زلاتا: حياة طفل في زمن الحرب سراييفو بقلم زلاتا فيليبوفيتش، وطفولتي تحت النار: يوميات سراييفو لناديا هاليلبيغوفيتش). الفلسطينية ماري حزبون، المولودة في بيت لحم، لجأت إلى الفن لتوثق ولـ”تُشفى” من تجربة العيش تحت نير الاحتلال الإسرائيلي. العراقية هدى ثامر جهاد كانت في الـ18 من العمر عند الاجتياح الأميركي لبلادها في مارس/ آذار 2003. بعد الغزو بوقت قصير، بدأت بتدوين مذكراتها، على أمل “أن يساعدها ذلك في التنفس”. حتى أطفال أوكرانيا كتبوا مذكراتهم بعد الغزو الروسي لبلادهم في فبراير/ شباط 2022 (لا تعرفون ما الحرب: مذكرات فتاة من أوكرانيا ليافا سكاليتسكا).

والآن، يحاول أطفال غزة تدوين مذكراتهم أيضاً. كيف؟ من “المقبرة” حرفياً، ولا بالورقة والقلم، بل عبر منصات يفترض أنها ابتكرت لـ”التقاط وابتكار ما نحبه ومشاركته” (هذا وصف إنستغرام مثلاً للهدف منها)، لا لتكون نوافذ نتفرج من خلالها على المجازر.

أطفال غزة، وفي محاولتهم كتابة مذكراتهم، أطلوا الثلاثاء بمؤتمر صحافي. وقال من يمثلهم، وهو طفل أيضاً: “منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، نحن نتعرّض لإبادة وقتل وتهجير، وتسقط الصواريخ فوق رؤوسنا، أمام مرأى ومسمع العالم. يكذبون على العالم بأنهم يستهدفون المقاومين، لكن كأطفال نجونا من الموت أكثر من مرة. نحن كأطفال نجونا من الموت أكثر من مرة. وجئنا لنحتمي في الشفاء (مستشفى غرب مدينة غزة)، بعد تعرضنا للقصف مراراً، ونفاجأ أننا تحت الموت مجدداً، بعد استهداف مستشفى الشفاء. الاحتلال يجوعنا. نحن منذ أيام طويلة لا نجد ماء ولا طعاماً ولا خبزاً، ونشرب مياها ملوثة”.

وأضاف: “جئنا لنصرخ كأطفال، وندعوكم لحمايتنا. أوقفوا الموت. نريد الحياة. نريد السلام. نريد محاكمة القتلة. نريد الغذاء والدواء والتعليم، ونريد الحياة”.

أطفال غزة الذين وصفهم رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بينامين نتنياهو، بـ”أطفال الظلمات”، يريدون الحياة. يطلون علينا من “إنستغرام”، التي ابتكرت ليشارك مستخدموها “لحظات يحبونها”، وهم يبكون ويدفنون عصفوراً نفق من شدة القصف الإسرائيلي، أو ليخبرونا عن القطة “لولو” التي خاطروا بحياتهم لإنقاذها من شمال القطاع، لأنها “بتخاف (تخاف) من القصف. البسة (القطة) زيها زينا (مثلنا)”، أو عن قطة أخرى “مرتعبة من الحرب، فكل الدنيا مرتعبة من الحرب، حتى البسة”، أو تلك التي تريد أن تكون أميرة لمملكة من الحلوى والشوكولاتة، أو الذي يريد تعمير غزة، أو التي تريد أن تعيش وأطفال غزة بخير وأن تنتصر غزة، أو تلك التي أنقذت كتبها من القصف.

كل هذه المشاهد توثق يوميات أطفال غزة الذين لا يزالون أحياء، من دون استثناء المشاهد التي توثق بكائهم على الأهل والإخوة والأخوات والأقارب والأصدقاء، أو تلك التي ترصد نجاتهم من تحت الركام، والتي يلتقطها آخرون عنهم.

أمّا الطفل عبود بطاح، الذي يصف نفسه بأنه “الوريث الوحيد لشيرين أبو عاقلة” (الصحافية الفلسطينية التي اغتالها الاحتلال الإسرائيلي في مايو/ أيار 2022)، فيطل عبر “إنستغرام” حيث أصبح لديه نحو مليوني متابع، ليدوّن يومياته في غزة، وإن كانت تقدم إلينا على شكل موجز يختصر حياة عبود بطاح ليتطرق إلى أوضاع القطاع كلّه. هل هذا “ما يحب” عبود مشاركته عبر “إنستغرام”؟

هذه اليوميات التي تدون أمام العالم كله لحظة بلحظة لا تعكس إلا جزءاً من النكبة. فما لا يقوله أطفال غزة عن أنفسهم هو إن القطاع أصبح “مقبرتهم”.

إذ دعا الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، الاثنين، إلى وقف عاجل لإطلاق النار محذّراً من أن القطاع يتحوّل إلى “مقبرة للأطفال”. وأعربت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولياريتش إيغر، الثلاثاء، عن “صدمتها” لرؤية المعاناة التي يقاسيها أطفال غزة. ونقل بيان للصليب الأحمر عنها قولها إن “جراحو اللجنة الدولية للصليب الأحمر يعالجون في غزة أطفالاً تفحّم جلدهم من جراء حروق واسعة النطاق… مشاهد المعاناة والأطفال القتلى والجرحى ستطاردنا جميعاً. إنه إخفاق أخلاقي”. وأكد المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية، كريستيان ليندماير، الثلاثاء خلال المؤتمر الصحافي الدوري لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، أن “في المتوسط يقتل 160 طفلاً كل يوم في قطاع غزة”.

وحتى ظهر أمس الأربعاء، قال المتحدث باسم وزارة الصحة في غزة، خلال مؤتمر صحافي، إنّ حصيلة الشهداء في القطاع وصلت إلى 10569 شهيداً، من بينهم 4324 طفلاً و2823 امرأة، منذ بدء العدوان الإسرائيلي في 7 أكتوبر الماضي.

المصدر: صحيفة العربي الجديد