1

مسيحيو القدس يدعمون الكنيسة الأرمنية بعد محاولة تهويد قطعة أرض لهم

أصدر رؤساء الكنائس المسيحية في القدس نداءً مشتركاً نادراً، مطلع الأسبوع، محذرين من أن صفقة مثيرة للجدل لتأجير قطعة أرض تابعة للكنيسة الأرمنية يمكن أن تمحو وجود هذه الطائفة المستمر منذ قرون في البلدة القديمة.

وتملك الجالية الأرمنية حيها الخاص داخل بلدة القدس القديمة، وهو الأصغر بين أربعة أحياء تضم أيضاً المناطق الإسلامية واليهودية والمسيحية المتميزة للغاية.

ومع ذلك، يقول الأرمن إنهم يخاطرون باقتلاع جذورهم بسبب صفقة لتأجير نحو 25 بالمائة من حيهم لمطورين يرغبون في بناء فندق فاخر في الموقع.

ووقع الاتفاق رئيس الكنيسة الأرمنية في القدس، في يوليو/ تموز من عام 2021، لكن أفراداً من طائفته قالوا إنّهم أول ما سمعوا به كان عندما بدأ مساحون العمل في المنطقة هذا العام.

وأبلغ رئيس الكنيسة أتباعه بأنه تعرض لتضليل وبدأ إجراءات قانونية لإلغاء العقد. وفصل مجمع الكنيسة، في مايو/ أيار، القس الذي توسط في الصفقة نيابة عن رئيس الكنيسة، وغادر القدس.

ورغم الطعن أمام القضاء، وصلت جرافات الأسبوع الماضي وبدأت في هدم ساحة لانتظار السيارات في بعض الأرض المتنازع بشأنها. وعندما أوقف المتظاهرون العمل ظهر مستوطنون يهود إسرائيليون مسلحون في محاولة فاشلة لتفريق التظاهرة.

وكتب الزعماء المسيحيون، بمن فيهم رئيسا الكنيستين الأرثوذكسية والكاثوليكية، يقولون في بيان: “قرر المطورون المزعومون توظيف مثيري شغب قلائل مسلحين لعرقلة مداخل موقف السيارات في قطعة الأرض والقيام بأعمال هدم في المكان. نشعر بالقلق كون هكذا أحداث قد تُعرض الوجود الأرمني في القدس للخطر”.

وتقول الجالية الأرمنية إن المستثمر الذي يقف وراء صفقة تأجير الأرض هو رجل الأعمال الأسترالي الإسرائيلي داني روبنشتاين، الذي يملك مجموعة زانا كابيتال المسجلة في الإمارات. ووُضعت لافتة باسم الشركة في ساحة انتظار السيارات بعد وقت قصير من ظهور المساحين.

ولم يرد روبنشتاين على طلب للتعليق على المشروع المرسل عبر حسابه على “لينكد-إن”.

مساواة

تاريخياً، كانت أرمينيا أول مملكة تعتبر المسيحية ديناً للدولة في عام 301. وعلى الرغم من أن كنيستها أصغر كثيراً من كنيسة الروم الأرثوذكس والكنيسة الكاثوليكية، فإنها تتمتع بالمساواة في الحقوق بالمواقع المسيحية المقدسة في القدس.

وتقع في قلب حي الأرمن كاتدرائية سانت جيمس التي يعود تاريخها إلى عام 420 ميلادي، وهي مزينة بزخارف ومصابيح ثمينة ويشتهر رهبانها بوضع القلنسوة السوداء.

ويغطي الحي سدس مساحة القدس القديمة٬ ويسكنه 1000 شخص فقط، وهم جزء صغير من سكانها البالغ عددهم 35 ألفا.

ويقول السكان المحليون الأرمن إن مشروع تأجير الأرض لن يتضمن فقط موقف السيارات الخاص بهم، وهو أكبر مساحة مفتوحة في البلدة القديمة، ولكن أيضاً مكان تجمعهم وحديقة البطريرك والمعهد الديني وخمسة منازل لعائلات.

وقال هاغوب دجيرنازيان (23 عاما)، وهو طالب ضمن مجموعة تحرس موقف السيارات، بينما أحيط بأسلاك شائكة في محاولة لمنع دخول المطورين والمستوطنين: “الأرمن موجودون هنا منذ القرن الرابع٬ لكننا الآن نواجه خطر اقتلاعنا من جذورنا (…) علينا أن نقاتل من أجل وجودنا”.

وقال دانيال سيديمان، وهو محام إسرائيلي ناشط يراقب عن كثب انتشار المستوطنين اليهود في محيط القدس، إن المشروع يهدف إلى توسيع الحي اليهودي في البلدة القديمة.

واحتلت إسرائيل القدس الشرقية، التي تقع بها البلدة القديمة، بعد أن انتزعت السيطرة عليها من قوات أردنية في حرب عام 1967. وتعتبر إسرائيل المدينة بأكملها عاصمتها الأبدية والموحدة٬ بينما تعتبر المدينة عاصمة فلسطين التاريخية.

المصدر: وكالة رويترز




لاعبو منتخب فلسطين يروون معاناتهم: العالم الظالم صامت عن مجازر غزة

تحدّث عدد من نجوم منتخب فلسطين أثناء المعسكر التدريبي، من أجل خوض المواجهة ضد منتخب أستراليا في الكويت، الثلاثاء، ضمن الجولة الثانية من التصفيات الآسيوية المزدوجة، عن الصعوبات التي يواجهونها في ظل المجازر التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي منذ 44 يوماً.

وتحدث تامر صيام نجم منتخب فلسطين لقناة الكاس القطرية، الأحد، بقوله: “لم نتعب من السفر أو بعد الطريق، لكن من الأمور التي تحدث في بلدي بشكل عام وفي قطاع غزة بشكل خاص، من دمار ومجازر مروعة”.

وتابع: “الكل يشاهد ما يحدث، والعالم الظالم صامت عما يحدث. هناك لاعبان في المنتخب الفلسطيني من قطاع غزة، وأهاليهم في خانيونس، ونحن نواسيهم دائماً، ونواسي بعضنا في المنتخب، لأننا أسرة واحدة”.

بدوره، قال ميلاد تيرمانيني نجم منتخب فلسطين: “مبارياتنا جاءت وسط ظروف صعبة، وفي ظل حرب غاشمة وهمجية من قبل محتل على أهلنا، ونحن نحاول تقديم أفضل ما لدينا، من أجل رسم الابتسامة على شعبنا”.

أما محمد صالح، فأضاف: “كلنا نرى ما يحدث هناك. وإن شاء الله ربنا يفك كربة أهلنا في غزة. أنا لاعب خرجت من قطاع غزة واحترفت خارجه، ونعتبر أنفسنا نمثل القضية الفلسطينية، والمسؤولية زادت علينا، لأننا نريد إيصال رسالة أهلنا من قطاع غزة، حول الوضع الكارثي هناك”.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




هكذا عطّل هجوم إلكتروني مواقع 40 شركة بارزة في إسرائيل

أدى الهجوم السيبراني على موقع الشركة الإسرائيلية المضيفة Signature-IT إلى تعطيل النشاط عبر الإنترنت لعشرات الشركات في الاحتلال، بما في ذلك سلاسل هوم سنتر (Home Center) وكرافيتز (Kravitz)، وذلك على خلفية العدوان الوحشي الذي يقوم به الاحتلال الإسرائيلي في غزة.

ويوم الأحد، توقفت متاجر هوم سنتر وكرافيتز عبر الإنترنت عن العمل. وبحسب موقع “كالكلاليست” الإسرائيلي، فإن إغلاق المواقع الإلكترونية ليس نتيجة هجوم ضد الشركات نفسها ولكن ضد خوادم شركة Signature-IT التي توفر لها حلول التسوق عبر الإنترنت وخدمات استضافة المواقع. وتسبب الهجوم في أضرار جسيمة للخوادم، أثر على الشركات التي تقوم بتخزين مواقعها الإلكترونية ومعلوماتها في هذه الشركة”.

وقالت شركة Signature-IT إن نحو 40 شركة تأثرت نتيجة الهجوم، معظمها في مجال التجارة عبر الإنترنت. تضم الشركة بين عملائها شركات كبيرة في مجال الاقتصاد، بما في ذلك ايكيا إسرائيل، كيتر، شتراوس، كيل غاف، تنوفا ويونيلفر، بالإضافة إلى هيئات حكومية، منها وزارة الصحة ووزارة العمل والرعاية الاجتماعية. 

بالإضافة إلى ذلك، تمكن المهاجمون من الوصول إلى القوائم البريدية المخزنة على خوادم الشركة، والتي من خلالها قاموا بتوزيع رسائل نصية قصيرة ورسائل بريد إلكتروني داعمة للفلسطينيين. ووفقا للشركة، لا يتم تخزين أرقام بطاقات الائتمان على خوادمها.

وكما كشف موقع “Calcalist”، يعمل النظام السيبراني حاليًا على تعزيز لوائح الطوارئ، والتي ستمنحه سلطة توجيه مقدمي خدمات التخزين ومقدمي الخدمات الرقمية حول كيفية التصرف في حالة وقوع هجوم سيبراني على أنظمتهم. 

المصدر: صحيفة العربي الجديد




الأطفال والعدوان على غزة: كيف يتعامل الأهل مع أسئلة الصغار؟

يشكّل الحديث عن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، موضوعاً شائكاً بالنسبة إلى عدد كبير من الأهل الذين يرغبون في إطلاع أطفالهم على ما يحصل في القطاع، من دون تعريضهم، خصوصاً الصغار، مباشرةً لمشاهد العنف الكبير التي تبثها القنوات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي.
ورغم حرص كثيرين على إبعاد أطفالهم عن الشاشات حالياً، فإنّ حجب مشاهد العنف شبه مستحيل، خصوصاً أن أغلب الأطفال لديهم وصول مباشر إلى الهواتف والأجهزة اللوحية، وغيرها من الأجهزة الإلكترونية، وبالتالي إن الوصول إلى الصور والفيديوهات والمعلومات بات تلقائياً.
في حديث مع “العربي الجديد”، تشرح العاملة الاجتماعية والمستشارة في علم النفس الاجتماعي شفيقة عبدو كحالة، أهمية دور الأهل في متابعة الأولاد والاستماع إليهم وإلى تساؤلاتهم في مختلف المراحل العمرية، مؤكدة ضرورة اختيار التعابير بشكل دقيق يتناسب مع عمر كل طفل. إذ يعتبر النضج العاطفي عند الأطفال نقطة أساسية لفهم ما يجري حوله، من هنا من المهم مراعاة هذه النقطة عند إخباره عما يحصل في قطاع غزة.
وتركّز كحالة على نقاط أساسية في هذا الإطار، أبرزها:

  • إيجاد الوقت الكافي للحديث عن العدوان، والاستماع إلى كل تساؤلات الأطفال من دون تأجيل أو استهتار
  • اختيار تعابير بسيطة تتناسب مع عمر الطفل ونضجه العاطفي
  • توفير إجابات مطمئنة لكل أسئلة الأطفال، لتفادي دخولهم في دوامة من القلق
  • تجنب التفاصيل المروعة من خلال تقديم المعلومات بشكل متوازن
  • تشجيع الأطفال على التعبير عن كل مشاعرهم، حتى لو كانوا خائفين، من دون أحكام مسبقة عليهم

أما النقطة الأهم التي تلفت إليها كحالة، فهي عدم إغراق الطفل في أجواء سوداوية، والإبقاء على أمل ما، بأن الحرب ستنتهي، لأن الطفل لا يملك القدرة نفسها التي يملكها الراشد على التعامل واستيعاب هذا الكمّ من المعلومات والصور العنيفة.
لكن في بعض الحالات يكون الحديث مع الصغار متأخراً، خصوصاً إذا ما اكتشفوا ما يحصل في القطاع، ورأوا المشاهد الوحشية لما يرتكبه الاحتلال في غزة. وتشير كحالة إلى عوارض نفسية عدة تظهر على الأطفال في هذه الحالة، من بينها:

  • الخوف من الأصوات القوية
  • الحزن الدائم
  • اضطرابات النوم
  • الخوف المفاجئ من فقدان الأهل
  • تساؤلات عن الموت
  • تغيرات في السلوك اليومي، مثل العصبية الزائدة أو التوقف عن ممارسة النشاطات الروتينية
  • التصرفات العدوانية المفاجئة
  • المشاكل الجسدية مثل الصداع، والألم في المعدة، أو التعب بسبب التوتر النفسي.

كل هذه المؤشرات لا يمكن للأهل إهمالها، بل يفضّل استشارة اختصاصيين لمساعدتهم في علاج التوتر عند أطفالهم.

وفي ظل تعرّض الراشدين منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي للأخبار بشكل متواصل وعلى مدار اليوم، وحصر حديث الكثيرين منهم في العالم العربي والعالم، حول العدوان، فإن التوتر والغضب والخوف عند الاهل، ينتقل تلقائياً إلى الأطفال، لذا تؤكد كحالة دور الأهل في عدم تخويف الصغار من الواقع الأليم، من خلال تفادي التحدث بقلق أمامهم ومعهم، وتشير إلى أهمية التحكم بلغة الجسد عند الأهل التي ستؤثر بمشاعر الأطفال، خصوصاً إذا ما تعرّض الأبناء والبنات من دون أي رقابة راشدة للصور ومقاطع الفيديو، وحتى الأخبار القادمة من غزة، سواء تعلّق ذلك بصغار السن أو حتى بالأكبر سناً من الأطفال في بداية سنّ المراهقة الذين يتأثرون بالطريقة نفسها، بما يرونه أو يسمعونه عن العدوان.
لذا، يجب على الأهل شرح مشاعرهم لأبنائهم وبناتهم، وتوعيتهم على حقيقة ما يحصل من خلال الحوار معهم وشرح تفاصيل الحرب من دون الدخول في التفاصيل الوحشية . ويساعد التحدث مع الأبناء عن مشاعرهم حيال صور الحرب التي شاهدوها على تكوين وعي سياسي وفكري وإنساني لديهم لما يحصل. وتنصح كحالة الأهل بالتحدث مع أولادهم من خلال طرح عليهم الأسئلة الآتية: برأيك، ما سبب نشر هذه الصور؟ ما كان شعورك عندما رأيت هذه الصور؟ هل لا تزال تتردد في ذهنك صور الحرب؟
وإن عبّر الطفل عن خوفه مما رآه، أو عن خوف على نفسه، تنصح كحالة بترك مساحة للطفل للتعبير عن هذه المخاوف وعن تفاصيل ما يشعر به من دون توبيخه أو التقليل من مشاعره.

ليا عقيقي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




مجمع الشفاء… شهادات حول التنكيل بالمرضى وسرقة الجثامين

غادر الفوج الأخير من الغزيين المحتجزين في مجمع الشفاء الطبي صباح السبت، بعد أن تلقوا أوامر من جيش الاحتلال بإخلاء كامل المجمع، مع بقاء عدد محدود من المصابين أصحاب الحالات الخطرة، وبعض الطواقم الطبية التي تشرف عليهم. 
كانت مديحة الخطاب (46 سنة) وزوجها المصاب وأسرتها المكونة من أربعة أفراد تقبع مع مئات من النازحين داخل أحد الأقسام السفلية في مجمع الشفاء، حتى يحتموا من القذائف والشظايا المتطايرة نتيجة قصف المحيط، ثم قصف ساحات المجمع، إذ إن زوجها أصيب بكسر في ساقه، وحروق في عدد من مناطق جسده خلال قصف سابق على حي تل الهوا.
حين بدأ الاقتحام الإسرائيلي، في صباح يوم الأربعاء، كان ابنها الأكبر سليم (18 سنة) بالقرب من والده، وعندما توجه ناحية الباب لإحضار الماء من الممر، أوقفه أحد جنود الاحتلال، وقام بتفتيشه بقوة، فأخبرته أنه ابنها، وأنه يرافق والده المريض، فدخل الجندي إلى الغرفة التي كان فيها العديد من المصابين، والتي كانت غرفة استقبال للحالات الطارئة، وتحولت إلى مأوى للنازحين والمصابين.
تقول الخطاب لـ”العربي الجديد”: “اقترب الجندي الذي كان يتحدث العربية قليلاً، وسألني من أين أنتم؟ وماذا يعمل زوجك المصاب؟ فأخبرته أنه كان يعمل في أحد المتاجر، وهناك أصيب، فنظر إليّ وقال: لم يكن مع المخربين؟ فقلت: هل هذا وقت تحقيق وزوجي مصاب؟ ليس لنا علاقة بالسياسة. اتركونا في حالنا”. وتضيف: “بعدها بدأ التحقيق مع المصابين والمرضى، وطلبوا من المرافقين الوقوف، وقاموا بتفتيشهم، وكانوا لا يهتمون بآلام المصابين وصراخ الأطفال المرعوبين، وفجأة اقترب جندي من طفل محاولاً ملاطفته، فنهرته أم الطفل التي كانت بالقرب مني قائلة: كيف تريده أن ينظر إلى وجهك وأنت داخل بكلّ هذه الأسلحة. أنتم سببتم الرعب للأطفال”.
استطاع نجل الخطاب الحصول على كرسي متحرك بعد أن طلب منهم الاحتلال المغادرة عبر مكبرات الصوت، وتشير إلى أن “غالبية الكراسي التي كانت في المستشفى كانت محطمة، وكنا نفكر في إمكانية إصلاح أحدها حتى يتمكن زوجي من استخدامه للمغادرة، لكننا وجدنا كرسياً سليماً لاحقاً. استغرقنا نحو ثلاث ساعات في المسافة من مجمع الشفاء حتى شارع عشرة في حي الزيتون، ومررنا بحاجز للاحتلال يضع أجهزة تفتيش، وصولاً إلى شارع صلاح الدين، وقد وصلنا أخيراً إلى مدينة خانيونس“.
كان الطبيب رامز رضوان من بين الأطباء الذين طلب منهم الاحتلال مغادرة مجمع الشفاء إلى جنوبي قطاع غزة، وكانت معه أسرته التي نزحت سابقاً من منزلها إلى المجمع ليكونوا رفقته بالقرب من عمله، ويضمنوا بقاء التواصل معه، على الرغم من نزوح غالبية العائلات إلى الجنوب في بداية دخول الدبابات الإسرائيلية إلى محيط مدينة غزة.
يقول رضوان لـ”العربي الجديد”: “هددنا جيش الاحتلال مراراً، وقال بشكل مباشر إنه يجب علينا المغادرة باستثناء المصابين وطبيب وبعض الطواقم الطبية وبعض من طاقم التمريض لرعاية المصابين. عشت فظائع لم أرها طوال حياتي العملية التي تمتد لأكثر من 35 عاماً في مستشفيات وزارة الصحة، فعشرات الجثث كانت متحللة في الساحات، وكان الجنود يعبرون أمامها ولا يبالون، فهم مهتمون بأهدافهم العسكرية المزعومة. خلال الأيام الأخيرة، كانت أوضاع المرضى داخل مجمع الشفاء الطبي تزداد سوءاً مع نفاد الأدوية، وبات المستشفى أشبه بقطعة من الجحيم، حتى إن الطواقم الطبية أصبحت مجرد طواقم دعم نفسي للمرضى نتيجة العجز عن تأمين العلاج”.

المجزرة متواصلة في قطاع غزة (أحمد حسب الله/Getty)
المجزرة متواصلة في قطاع غزة (أحمد حسب الله/Getty)

ويتابع: “أثناء اقتحام جيش الاحتلال، كان عدد من المصابين في أقدامهم، وخصوصاً المصابين بكسور، مطالبين بالمغادرة رغم أنهم لا يقدرون على الحراك، ورغم ذلك دخل عليهم الجنود، وكانوا يصرخون عليهم إمعانا في التنكيل، وحققوا مع العديد من الممرضين والأطباء، وشخصياً سألوني عن اسمي وإقامتي، ومن معي من عائلتي، وعن تفاصيل حياتي، وحدث هذا مع كثير من المصابين والطواقم الطبية”.
ويضيف: “كنا نواجه نقصاً في الأدوية والمسكنات، وتظهر بكتيريا خطيرة على أقدام المصابين، حتى إنني رأيت ديدانا تخرج من الجروح، بينما لا نملك مضادات حيوية، ولا يوجد معمقات لتنظيف الجروح، ولا مياه نظيفة حتى يمكن أن نستخدمها في تطهير الجروح. دخل جنود الاحتلال مدججين بالأسلحة، واقتحموا ثلاجات الموتى، ونقلوا مئات من الجثث إلى مركباتهم، ولا أعرف إلى أين أخذوها”.

حصار واقتحام الاحتلال لمجمع الشفاء الطبي أوقعا مئات الشهداء

نزح شادي عيد (42 سنة)، رفقة والدته المصابة فايزة عيد (67 سنة) من حي الرمال إلى مجمع الشفاء، ويؤكد أن العديد من المرضى توفوا أمام ناظريه في المستشفى عندما اقتحمه الجيش الإسرائيلي، وأخبرته إحدى السيدات عندما نزلوا إلى ساحة المجمع للمغادرة، أن المصاب أبو خليل الذي كان ينازع الموت، كان لا يتحرك وأنه توفي.
يقول عيد لـ”العربي الجديد”: “نزحت أسرتي قبل أكثر من 10 أيام، وبقيت مع والدتي التي أصيبت في الرأس نتيجة قصف منزلنا، فهي لا تستطيع الحركة، وعندما دخل جيش الاحتلال طلب من الرجال الوقوف في صف داخل أحد الأقسام، ثم مرروا على أجسادنا جهازاً يدوياً للفحص. كان منهم من يتحدث اللغة العربية بطلاقة، وآخرون بتكسير، وكانوا يكررون السؤال إن كان هناك أحد تحت الأرض، وأحد الجنود الذي لا يفهم العربية سألني إن كنت أتحدث الإنكليزية، فأخبرته بإجادتي لها لأنني درست في الولايات المتحدة، وأعتقد أنه جندي من أصل أميركي لأنه يعرف الجامعة التي تخرجت منها في ولاية فيرجينيا”.

يقيم عيد حالياً داخل خيمة في إحدى مدارس وكالة “أونروا” مع والدته المسنة المريضة، ومعهما السيدة أم ريان العطار التي غادرت رفقتهم، وكانت ترعى والدته عندما يذهب لإحضار الطعام أو الماء.
تقول العطار لـ”العربي الجديد”: “كان الجنود لا يبالون بآلامنا أو رعبنا حين يدخلون الأقسام، لكنهم يواصلون التفتيش، وأحياناً التنكيل حتى بالمرضى الذين لا يستطيعون الحركة. ابنتي لمى (4 سنوات) كانت تبكي رعباً، ودخل علينا الجنود المدججون بالسلاح للتفتيش، فقلت لهم: نحن مجرد نساء وأطفال، فاقترب أحد الجنود وبدأ التحقيق معي، وكان يبدو عليه الخوف، فقلت له: لا تقلق فأنا لا أحمل سلاحاً، لو أني أحمل السلاح لما بقيت هنا”.

حاولت طواقم مجمع الشفاء الطبية دعم المرضى نفسياً لعجزهم عن تأمين العلاج

والأحد، أعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة، إجلاء الأطفال الـ31 الخدج من مجمع الشفاء الطبي، تمهيداً لنقلهم إلى مستشفيات في مصر، بينما ظل عشرات من المرضى المصابين بجروح خطيرة عالقين في المستشفى بعد أيام من اقتحامه من جيش الاحتلال. واستحوذ مصير الأطفال الخدج في مستشفى الشفاء على اهتمام عالمي بعد نشر صور تظهر الأطباء وهم يحاولون إبقاءهم دافئين، وأدى انقطاع التيار الكهربائي إلى إغلاق الحضانات، وتوقف المعدات، كما نفد الغذاء والمياه والإمدادات الطبية.
وزار فريق تابع لمنظمة الصحة العالمية مجمع الشفاء يوم السبت، وقال إنّ عشرات المصابين بأمراض خطيرة عالقون داخله، بينما تتمركز فيه القوات الإسرائيلية منذ الأسبوع الماضي، مع إجبار الموجودين فيه على المغادرة إلى جنوب القطاع، وقالت المنظمة إنه لا يزال 25 عاملاً صحياً مع 291 مريضاً في مجمع الشفاء.

وفي وقت سابق، قال المدير العام للمستشفيات في قطاع غزة، محمد زقوت، إن ما حصل في مجمع الشفاء الطبي ومحيطه أوقع مئات الشهداء، لكن منع وصول سيارات الإسعاف وطواقم الدفاع المدني أدى إلى عدم معرفة الأرقام، أو ما حصل للجثث، كما نفد الوقود اللازم لعمل الأجهزة، ونتيجة ذلك فارق معظم مرضى العناية المركزة الحياة.
ويقول زقوت لـ”العربي الجديد”: “حالياً لا خدمات طبية في شمال القطاع ومدينة غزة، ولم نتمكن من إخراج أي جريح حالته حرجة من المجمع، فالاحتلال يماطل ويمنع خروجهم، وهناك عشرات الجرحى في المجمع الذين لا يستطيعون المغادرة، وقبل مغادرتنا المجمع كان هناك العديد من مرضى الكلى، وقد سمح الاحتلال ببقاء بعض من الطاقم الطبي، وحتى صباح الأحد، تلقينا أخباراً حول استشهاد 6 من مرضى الكلى، و23 من مرضى العناية المركزة، وطفل خامس من الخدج، وذلك قبل إجلاء بقية الأطفال الخدج من المستشفى، وعددهم 31 طفلاً، من قبل منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة، في تدخل متأخر للغاية”.

أمجد ياغي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




القضية الفلسطينية في إفريقيا: كوامن الوجدان ورهانات الإستراتيجيا

لفلسطين وقضيتها حضور عميق في وجدان الإنسان الإفريقي، غيَّبته عقود من العمل غير الصالح للقضية، ولكن تطورات الحرب الحالية وإن كانت شديدة القسوة لكنها تحمل في طياتها فرصًا إستراتيجية عديدة من بينها استعادة إفريقيا لتكون كما كانت ذات يوم حاضنة للحق الفلسطيني.


لم تغب القضية الفلسطينية عن الحضور والتأثير في المشهد الدولي منذ عقود، ولكنها لم تحضر فيه كما هي حاضرة الآن وفق الكثير من التقديرات الإستراتيجية، فقد تحولت مع السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، من قضية مركزية في عيون المسلمين وفي منطقة الشرق والشرق الأوسط إلى قضية مركزية في العالم بأسره.

لقد كانت ساعات الصباح الأولى من سبت السابع من أكتوبر/تشرين الأول ساعات فارقة في تاريخ العالم أعادت رسم خريطة الإدراك الإستراتيجي للكثير مما أريد له أن يكون ثوابت في وعي -بل ولا وعي- أجيال عديدة، فالدولة التي تأسست وفق منظومة بكاملها على أنها الدولة “المؤتمنة” على المصالح الحيوية الغربية هُزمت استخباراتيًّا وإستراتيجيًّا أمام المئات من المقاتلين القادمين من نقطة صغيرة تعيش تحت الحصار المطبق منذ أكثر من عقد ونصف.

هنا في إفريقيا التي ابتعدت من القضية بفعل عوامل عديدة، لم يكن الزلزال بنفس القوة التي تم بها تسجيله ورصده في الساعات والأيام الأولى، لكن هزاته الارتدادية وشظاياه الإنسانية -أو غير الإنسانية بالأحرى- تقع وتُحدث رجَّات فرضت طرح أسئلة عن سر المواقف التي بدت في عمومها غير مبالية ومفضلة النأي بنفسها عن صراع، اتضح أن رؤيتها له وتكييفها لطرق التعاطي معه، مختلفة بشكل جوهري عن الرؤية الحاكمة لتدافُعٍ تحددت مراكزه الأساسية بين القوى الغربية الداعمة بصلف للرواية والرؤية الصهيونية، والحالة الغالبة من الشعوب المسلمة -ومنها عديد الشعوب الإفريقية بكل تأكيد- المصطفة مع رواية ورؤية المقاومة، وإن حالت حواجز أنظمة الحكم بينها وبين ما تشتهي من انخراط فعلي في المواجهة.

ومع أن الفظاعات التي ارتكبها الاحتلال في الأسابيع الماضية عدلت في مواقف عديدة في القارة؛ حيث سحبت جنوب إفريقيا كل دبلوماسييها من تل أبيب(1)، وجمدت تشاد علاقاتها(2)، ورفضت نيجيريا استقبال رئيس وزراء التشيك بفعل موقف بلاده المنحاز للرواية الصهيونية(3)، لكن الفجوة ظلت قائمة بين الوجدان الكامن وحسابات الإستراتيجيا النشطة.

عن خريطة المواقف

توزعت مواقف الدول الإفريقية من طوفان الأقصى إلى مستويات ثلاثة:

أولًا: دول دانت العدوان الصهيوني وطالبت بحماية الشعب الفلسطيني، وحافظت على التعبير عن مواقف يمكن إدراجها في خانة الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني. وتصدرت هذا المعسكر دول الدعم التقليدي للقضية الفلسطينية، مثل الجزائر وجنوب إفريقيا، وهما دولتان أخذتا على عاتقهما مناصرة القضية الفلسطينية في القارة الإفريقية، والعمل الدؤوب لمحاصرة محاولات الاحتلال التسلل لهيئات الاتحاد(4).

ثانيًا: دول اختارت الانحياز المطلق للرواية الصهيونية، فدانت المقاومة الفلسطينية وحمَّلتها كامل المسؤولية عما جرى، وجاء في مقدمة الدول دائمة الدعم للاحتلال الاسرائيلي كينيا وغانا المتبنيتان للرواية الصهيونية بحذافيرها، والداعيتان لمعاقبة من سمَّتاهم “مرتكبي الإرهاب وداعميهم ومموليهم”، وهي لغة تكشف حجم تأثير الاحتلال على صنَّاع القرار في هذين البلدين إلى الحد الذي يجعل من يقرأ بياناتهما يحسبها “مقتطفات من بيانات الحرب الصهيونية”. وليست مواقف التماهي مع الاحتلال بجديدة على هذين البلدين على الأقل؛ حيث حافظا على دعم لا يكل للكيان في كل حروبه ومجازره على مدى عقود.

ثالثًا: أما الفصيل الثالث فانضوت تحته أغلبية بلدان القارة، وقد حاولت دول هذا التوجه أن تجد في لغة الدبلوماسية العتيقة ما ينجيها من اتخاذ موقف واضح، فكانت عبارات “إدانة استهداف المدنيين، ونبذ العنف، والدعوة لضبط النفس، وتفضيل الحلول السلمية”، هي المفردات الغالبة على التصريحات المعبِّرة عن مواقف كانت مختصرة وغير مواكبة لما جرى طيلة ثلاثين يومًا من العدوان. ومن أبرز الدول التي سارت في هذا النهج: نيجيريا والسنغال(5) وكذلك روندا والمغرب، وإن كانت نيجيريا عدَّلت في مواقفها خلال الأيام الأخيرة حين رفضت استقبال رئيس الوزراء التشيكي محتجة على انحياز بلاده السافر للكيان الذي يقترف جرائم بشعة بحق المدنيين.

هذا التوزع الثلاثي بين داعمي فلسطين وقضيتها، والمنخرطين في الحلف الصهيوني، والسالكين طريق الغموض الواقفين في المنطقة الرمادية، تُرجم في موقف رسمي للاتحاد الإفريقي عبَّر عنه مفوض الاتحاد الإفريقي بإدانة صريحة للاحتلال وتحميل ممارساته مسؤولية ما يجري مع تأكيد على عدم استهداف “المدنيين”، ودعوة للسلم وتشبث بحل الدولتين.

وهو موقف يعكس تنوع المواقف داخل المنظومة الإفريقية(6)، ويجسد بصفة خاصة حقيقة أن أغلبية دول القارة لا تعتبر نفسها معنية بما يجري فيما يسمي في أغلب الأدبيات الإفريقية بأزمة الشرق الأوسط أو الصراع العربي-الإسرائيلي.

الإرث المتبدد

كانت القضية الفلسطينية في سبعينات وثمانينات القرن الماضي مِلءَ السمع والبصر، وكان عنوان القضية في تلك المرحلة الرئيس الراحل ياسر عرفات متنقلًا بين عواصم ومدن القارة ضيفًا مبجلًا؛ فالقضية الفلسطينية في أعين أبناء ونخب القارة هي الشقيق التوأم للنضال ضد التمييز العنصري “الأبارتايد” في جنوب إفريقيا، وهي بالطبع ثورة ملهمة من ثورات التحرير مثل الثورة الجزائرية وغيرها من الثورات التي استقطبت أيقونات النضال عبر العالم منهم من اشتهر مثل تشي غيفارا، ومنهم من اقتصرت شهرته على المناطق التي ناضل فيها وخلَّدته الشعوب الإفريقية في أدبياتها.

وقد تجسد هذا التعلق الإفريقي بالقضية في:

  1. اعتراف واسع بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًّا للشعب الفلسطيني.
  2. دعم كبير للحق الفلسطيني في كل المنظومة الدولية وتصويت عارم لكل القرارات المؤيدة له.
  3. احتضان للثورة الفلسطينية ورفدها بكل ما تحتاج (يتذكر الجميع أن مقر منظمة التحرير كان في تونس، واسم تونس القديم هو إفريقية، ويشهد التاريخ السياسي للقارة على مواقف مناصرة للقضية ليس في شمال القارة المحاذي لفلسطين (مصر وتونس والجزائر والمغرب) ولا في غربها الذي يمثل المسلمون أغلبية سكانه (موريتانيا والسنغال ومالي وبوركينا فاسو والنيجر)، بل في وسطها وجنوبها (ومشهورة هي مواقف باتريس لومومبا أول رئيس لجمهورية الكونغو الديمقراطية فضلًا عن نيلسون مانديلا الذي يستحضره الأفارقة حتى اليوم عند أي حديث عن فلسطين).

لقد تبدد كل هذا الإرث أو كاد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، مفسحًا المجال أمام تمدد صهيوني ينعكس اليوم تمثيلًا دبلوماسيًّا كبيرًا وحضورًا بين النخب، ويُترجم غيابًا كبيرًا للقضية عن اهتمام الرأي العام الإفريقي ووعي صنَّاع القرار والتأثير فيه.

ولعل ثلاثة عوامل رئيسة تضافرت لتنزل قضية فلسطين من قضية أساسية في الوعي والوجدان الإفريقي إلى مجرد “قضية من قضايا الصراع الدولي الباردة”، وهذه العوامل، هي:

أول تلك العوامل وأكثرها فتكًا مصيبة التطبيع التي قادها الفلسطينيون أنفسهم؛ “فأبو عمار” الذي عرفه الأفارقة بكوفيته الفلسطينية أيقونة تحرر قاد بنفسه مسار تسوية و”سلام” مع الاحتلال، وطاف بلدان القارة مبشرًا بـ”سلام الشجعان”.

وكان الشعار الخدَّاع الذي سُوِّق التطبيع في ظلاله، وهو “رضينا بما رضي به الفلسطينيون”، عاملَ دفع خارق للقضية للتواري بعيدًا وغطاء كامل الشرعية لمسارات الاندفاع في التطبيع.

ومما زاد من حدة وتيرة تراجع القضية خلال هذه الفترة تزامن موجة التطبيع مع تسوية ملف “التمييز العنصري في جنوب إفريقيا”، وتوقيع المصالحة التاريخية بين البيض والسود هناك ما سمح بخروج مانديلا من السجن، وتسلم حزب المؤتمر قيادة البلد بعد عقود من النضال المسلح.

ولعل من المهم هنا التنبيه إلى أن عدم استثمار الثورة الفلسطينية عقود الاحتضان الإفريقي لها لنشر وعي بجذور الصراع في فلسطين مهد الطريق لاحقًا لحالة من “القابلية لتصديق الرواية الصهيونية أو التأثر بها في الحدود الدنيا” هي ما ندفع ثمنه اليوم تفرجًا وعدم مبالاة في قطاعات معتبرة من الرأي العام الإفريقي.

وثانيها: غياب الرواية الفلسطينية:

فإذا استثنينا دول الشمال الإفريقي التي يتابع الرأي العام فيها ما يجري في فلسطين عبر وسائل إعلام ناطقة بالعربية تتابع ما يجري وتعالجه من زاوية ترى فيه احتلالًا ومقاومة (تمثل قناة الجزيرة التي مرَّت قبل أيام الذكرى الثامنة والعشرون لانطلاقة بثها عنوانها الأبرز)، فإن بقية البلدان تصل الأخبار وما وراء الأخبار إلى الرأي العام فيها عبر وسائل الإعلام الغربية الناطقة باللغتين، الفرنسية والإنجليزية، وهي وسائل يتبنى أغلبها الرواية الصهيونية ويقدم الأمور من زاويتها؛ فالصراع أولًا عربي/إسرائيلي ما يجرده من أي أبعاد دينية أو إنسانية أو عالمية قد تجذب له من هو غير عربي أو غير فلسطيني، وهو، ثانيًا، صراع بين “دولة مستقلة (إسرائيل) وجماعات ومنظمات متطرفة”، وهو، ثالثًا، صراع نفوذ ومصالح، وليس صراع حقوق ووجود.

إن من يتابع المحتوى الاعلامي حول القضية الفلسطينية في مؤسستين إعلاميتين هما الأعرق والأكثر تأثيرًا في القارة، وهما إذاعة فرنسا الدولية، وإذاعة “البي بي سي” البريطانية، ولاحقًا قناة “فرانسا 24″، وقنوات “البي بي سي” يستطيع توقع أي تصور عن الصراع لدى الأجيال الافريقية التي تمسك اليوم بزمام الأمور وتصنع القرار.

وثالثها: انكفائية الحالة الفلسطينية:

وعلى خلاف ما كان في أيام الثورة الفلسطينية الأولى، لم تستحضر الموجة الثانية من الثورة الفلسطينية التي تقودها حماس منذ نهاية الثمانينات البعد والعمق الإفريقي للقضية إلا متأخرًا، وعبر مداخل شعبية محدودة القدرة على الوصول والتأثير، ومكبلة في الغالب بصورة مرسومة في لا وعي العديد من مناصري القضية وحملتها عن “استحالة وصولها لحيث يمكنها التأثير بفعل قوة الاختراق الصهيوني للقارة”.

إن أخطر ما حققه “الإسرائيليون” في إفريقيا وفي غيرها من دول العالم ليس وجودهم الفعلي في مناطق النفوذ، وإنما الصورة التي كرسوها عن ذلك النفوذ، والتي أعطته في الأذهان تأثيرًا خارقًا يفوق أضعافًا مضاعفة حقيقة وجوده على الأرض(7).

هل إلى تدارك من سبيل؟!

ليست إفريقيا استثناء من حال التفرج على المجازر والإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني طيلة الحرب الحالية، ولكن موقفها التاريخي من القضية وحساسيتها التقليدية من حروب الإبادة والجرائم ذات الطابع العنصري تجعل موقفها محل تساؤل واستغراب -ليس من المنظور الأخلاقي فحسب- بل وأيضًا بالمعنى الإستراتيجي، وتدل تطورات الأيام الأخيرة التي سبق التنويه لها وبها في مقدمة الورقة (مواقف جنوب إفريقيا وتشاد والصومال ونيجيريا) على أن التعديل في الموقف الإفريقي والدفع به ليكون ركيزة مناصرة للحق الفلسطيني في هذه اللحظة المفصلية من مسار القضية ممكن، ولعل من مداخله الأساسية.

أولًا: وجود إستراتيجيات إعلامية مركزية لتوصيل الرواية الفلسطينية باللغات الإفريقية الأساسية، وكذا باللغات الأجنبية الأكثر استخدامًا في إفريقيا، وهي الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية. إن اللحظة مناسبة من زاوية نظر إستراتيجية لتطلق مؤسسة رائدة مثل شبكة الجزيرة قناة بالفرنسية، وصفحات تفاعلية باللغات الإفريقية الأساسية، لتعزز بذلك حضورها ونفوذها في قارة تثبت كل الدراسات أنها ركن أساسي من أركان النظام العالمي الجديد -حقًّا- الذي يتشكل الآن، والذي أعطت عملية طوفان الأقصى وما تلاها لتشكُّله دفعًا قويًّا، وأعادت تحريك بوصلته وجهةً غير تلك التي يرضى ويتمنى العاملون على إعادة إنتاج المنظومات القديمة.

ثانيًا: تفعيل الدبلوماسية الشعبية وإمدادها بتقنيات جسر الهوة في الخطاب وأدواته حتى تُقدَّم القضية للإنسان الإفريقي بالمداخل التي تجذبه لها؛ قضية مواجهة نظام فصل عنصري يمارس الإبادة الجماعية ضد شعب أعزل يطالب بحقه في تقرير مصيره وفي استعادة أرضه والذب عن عرضه وممارسة حقه في العبادة في بيت المقدس.

ثالثًا: الاستفادة من مواقف الدول المؤثرة في القارة التي لها مواقف إيجابية من القضية لدفع الاتحاد الإفريقي ليكون مظلة أساسية للقضية في المرحلة القادمة.

إن اتفاق الدول الأساسية الثلاث في الاتحاد الآن (الجزائر، جنوب إفريقيا، نيجيريا) على موقف رافض للعدوان ومناصر للقضية الفلسطينية، يمثل فرصة مهمة لتحقيق مكتسبات للقضية في وقت هي أحوج ما تكون له.

ختامًا

لفلسطين وقضيتها حضور عميق كامن في وجدان الإنسان الإفريقي، غيَّبته عقود من العمل غير الصالح للقضية، ولكن تطورات الحرب الحالية وإن كانت شديدة القسوة لكنها تحمل في طياتها فرصًا إستراتيجية عديدة يظهر أن من بينها استعادة إفريقيا لتكون كما كانت ذات يوم حاضنة للحق الفلسطيني.

أحمدو الوديعة – باحث متخصص في الشؤون الأفريقية

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




تبرير قتل المدنيين: كيف تستعير “إسرائيل” قواعد اللعبة الأمريكية في فيتنام؟

منذ بداية الحرب على غزة قبل أربعة أسابيع، لجأ المسؤولون الإسرائيليون والمؤيّدون الغربيون لحكومة نتنياهو إلى مجموعة متنوّعة من الحجج لتبرير العدد الهائل من القتلى المدنيين.

فوق صورة تعود لحيّ تعرّض للقصف في المنطقة، علّقت القوات الإسرائيلية بقول “حماس، منظمة الإبادة الجماعية الإرهابية، هي المسؤولة عن كل ما يحدث في غزة”، بتعلّة أن حماس تغسل أدمغة الأطفال الفلسطينيين وتطلق الصواريخ من الأحياء المدنية وتتموقع داخل مناطق المدنيين مما يجعلهم “أهدافًا عسكرية مشروعة”.

قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي اللفتنانت كولونيل ريتشارد هيشت، لمراسل شبكة “سي إن إن” وولف بليتزر، عندما سُئل عن القصف الإسرائيلي لمخيم جباليا للاجئين في 31 تشرين الأول/ أكتوبر، “هذه هي مأساة الحرب يا وولف”. وأضاف “كنا نقول منذ أيام، تحركوا جنوبا، أيها المدنيون غير المرتبطين بحماس، من فضلكم تحرّكوا جنوبا…. فيما يتعلق بالمدنيين هناك، كنا نبذل كل ما في وسعنا لتقليل عددهم. سأقولها مرة أخرى، من المؤسف أنهم يختبئون بين السكان المدنيين”.

أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نفتالي بينيت مؤخرا “إننا نبذل كل ما في وسعنا لتقليل ومنع وقوع خسائر في صفوف المدنيين في غزة. في نهاية المطاف، حماس تقول للمواطنين بسخرية إنهم لا يستطيعون التحرك هنا، لا يمكنهم الانتقال إلى هناك، يُستخدم المواطنون، أو بالأحرى مواطني حماس، أعني مواطني غزة، كدروع بشرية. وبهذا المعنى، فإن حماس هي المسؤولة في نهاية المطاف عن قتل المدنيين في غزة”.

قال جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي، للصحفيين عندما سُئل عن الضحايا المدنيين: “هذه حرب، هذا قتال. الحرب معروفة بطبيعتها الدموية، والقبيحة، والفوضوية. وسوف يتعرض المدنيون الأبرياء للأذى في المستقبل. أتمنى لو تمكنت من إخبارك بشيء مختلف”.

نفى السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة ارتفاع عدد القتلى في غزة، وأصرّ على أنه “لا أنت ولا أنا نعرف كم منهم من الإرهابيين المسلحين وكم منهم من المدنيين”، في حين زعمت الحكومة الإسرائيلية خلال مناسبات عدة أن حماس تختبئ في شبكة من الأنفاق وتملك حتى قاعدة عسكرية تحت المستشفيات التي هاجمتها.

شوهدت ومضات تضيء السماء خلال هجوم عسكري إسرائيلي على رفح في جنوب قطاع غزة في 2  تشرين الثاني/نوفمبر.

إذا كانت هذه الحجج تبدو مألوفة، فذلك لأنها الحجج ذاتها التي استخدمها المسؤولون الإسرائيليون لسنوات لتبرير الخسائر غير المتناسبة في صفوف المدنيين نتيجة القصف الدوري الذي تشنه إسرائيل على قطاع غزة. لكن تاريخها يعود لفترة قديمة: فقد استُخدمت كل هذه الذرائع تقريبًا منذ عقود من قبل المسؤولين الأمريكيين والفيتناميين الجنوبيين لتبرير عدد القتلى المدنيين المروع الذي سببته حرب الولايات المتحدة في فيتنام – وهي الحرب التي ينظر إليها الأمريكيون اليوم بشكل سلبي للغاية، والتي لا يبررها سوى القليل من حملات القصف الوحشية.

هذا هو بالضبط ما فعله المسؤولون والمعلّقون الأمريكيون بعد مرور سنة على عملية هزيم الرعد في فيتنام، وهي حملة القصف التي شنّها الرئيس ليندون جونسون لمدة ثلاث سنوات وشهدت إسقاط 864 ألف طن من القنابل والصواريخ على البلاد وأسفرت عن مقتل 21 ألف مدني. شهد عيد الميلاد سنة 1966 نشر أول رسالة من فيتنام الشمالية من قبل مراسل صحيفة نيويورك تايمز هاريسون سالزبوري، الذي أصبح أول صحفي أمريكي يكتب تقريرا من هانوي، ومن خلال تغطية مباشرة، دحض تأكيدات الإدارة بأن الجيش الأمريكي كان يستهدف فقط “الخرسانة والفولاذ، وليس حياة البشر”. ولعل ردود المسؤولين الأمريكيين تذكرنا بما يحدث اليوم في غزة.

جاء في بيان للبنتاغون ردا على تقرير سالزبوري: “يتم اتخاذ كل العناية الممكنة لتجنب وقوع إصابات بين صفوف المدنيين”. لكن “من المستحيل تجنب كل الأضرار التي تلحق بالمناطق المدنية، لاسيما عندما يتعمّد الفيتناميون الشماليون وضع مواقع دفاعهم الجوي، ومواقعهم [البترولية] المتفرقة، وراداراتهم وغيرها من المرافق العسكرية في مناطق مأهولة بالسكان، في بعض الأحيان، على أسطح المباني الحكومية”. وأصر المسؤولون الأمريكيون على أن المناطق المدنية حول مدينتي نام أونه وفو لي، التي أبلغ سالزبوري عن تدميرها، كانت “مليئة” ببطاريات المدافع المضادة للطائرات ومواقع إطلاق الصواريخ.

انضمت إليهم مجموعة متنوعة من المسؤولين الأميركيين، حيث تساءل الرئيس السابق دوايت د. أيزنهاور: “هل هناك مكان في العالم لا يوجد فيه مدنيون؟ أعلم أن العمليات الأمريكية تستهدف حصرا الأهداف العسكرية، ولكن لسوء الحظ هناك بعض المدنيين حول هذه الأهداف”. في السياق ذاته، صرح السيناتور بورك بي هيكنلوبر (جمهوري عن ولاية أيوا): “لا يمكن أن تخوض حربًا دون قتل الناس”.

تحدثت الإدارة عن ذلك بشكل علني، فقد أصر متحدث باسم وزارة الخارجية على أن الأضرار التي لحقت بالمناطق المدنية كانت عرضية بحتة، في حين قال مسؤولون مجهولون لصحيفة لوس أنجلوس تايمز إن الأضرار التي لحقت بالمناطق المدنية لم تكن في الواقع مصادفة، لأن الأهداف كانت في الواقع عسكرية. ومع تزايد الغضب المحلي من حملة القصف التي شنها جونسون، أصر مسؤول صحفي آخر في وزارة الخارجية في وقت لاحق على أن “السياسة المتعلقة بالأهداف لا تزال كما كانت – فهي أهداف عسكرية أو مرتبطة بالجيش”، لكنه أشار إلى أن المدنيين قد يموتون “حتى مع اتخاذ كل الاحتياطات الممكنة”.

مسعفون يعالجون جريحًا فلسطينيًا على أرضية مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط قطاع غزة، يوم الأحد.

حتى قبل تقرير سالزبوري، كان أنصار الحرب يبرّرون قتل القوات الأمريكية للمدنيين الفيتناميين، غالبا من خلال الإشارة إلى ممارسة الفيت كونغ الحقيقية المتمثلة في الاختلاط مع المدنيين. في إشارة إلى حادثتين مثيرتين للجدل في الوقت الذي قتلت فيه مشاة البحرية الأمريكية خمسة مدنيين، من بينهم ثلاثة أطفال، وأضرمت النار في 51 منزلاً، أكد مراسل شيكاغو ديلي نيوز ومراسل الحرب المخضرم في آسيا كيز بيتش للأمريكيين في عمود أعيد طبعه على نطاق واسع في آب/ أغسطس 1965 أن “مشاة البحرية لا يستمتعون بشكل خاص بإطلاق النار على النساء والأطفال. كما أنهم لا يشعرون بالارتياح عند حرق المنازل. ولكن هذه حرب. الحرب ليست رائعة أبدا، لكن بعض الحروب أبشع من غيرها. تتمثل المشكلة باختصار في كيفية فصل العدو عن الأبرياء في حرب عصابات ليس لها جبهة”.

وأكد بيتش أن “العديد من النساء الفيتناميات شيوعيات مخلصات ويمكنهن التعامل مع السلاح مثل أزواجهن، إن لم يكن أفضل”، وأن “الشيء نفسه ينطبق غالبًا على أطفالهن”. وأعلن أن المنزل الفيتنامي لم يكن دائمًا مقر إقامة وإنما “موقعا محصنا” قد يؤدي إلى شبكة من أنفاق الفيت كونغ ويمكن أن يكون مميتًا لأي جندي يجرؤ على إلقاء نظرة خاطفة عليه”. ونقل بيتش عن أحد النقباء قوله “تسع من أصل 10 لا تعرف أبدًا من هو الفايت كونغ حتى يطلق النار عليك، وبعد ذلك غالبًا ما يكون الأوان قد فات”.

من عجيب المفارقات أن أحد الضباط، أثناء دفاعه عن سلوك مشاة البحرية تجاه بيتش، طمس مبررات المؤسسة العسكرية الأميركية لضرباتها الجوية، التي كثيراً ما تضمنت الإشارة إلى كل عناصر الفيت كونغ الذين يفترض أنهم قتلتهم. قال الضابط: “أتساءل كيف يمكن لطياري الطائرات التي تحلق على ارتفاعات عالية أن يميّزوا أحد أعضاء الفيت كونغ عن الفيتناميين الآخرين”. وأضاف “أليس من المحتمل أن تقتل قنبلة تزن 500 رطل أبرياء أكثر من بندقية مشاة البحرية؟”.

اعتبر الجنرال ويليام ويستمورلاند، قائد القوات الأمريكية في فيتنام، أن الوفيات العرضية بين المدنيين “مشكلة كبيرة” في سنة 1966، لكنه اتهم بالمثل بأن الحرب “صممها المتمردون والمعتدون لخوضها بين الناس”، مما يشير إلى أن الفيت كونغ مسؤولون في النهاية عن قتلهم.

وضع ويستمورلاند قواعد اشتباك كان من المفترض أن تهدف إلى الحد من الخسائر في صفوف المدنيين: كان لا بد من تحذير سكان القرية المشتبه في اختباء الفيت كونغ فيها أولاً عبر المنشورات أو مكبرات الصوت قبل تنفيذ غارة جوية، ما لم تكن تحت السيطرة الشيوعية الكاملة، وإلا تعتبر “منطقة هجوم محددة” – فيما عُرف فيما بعد باسم “منطقة إطلاق النار الحر” التي يمكن للقوات الأمريكية قصفها كما يريدون. وفي إحدى هذه الحالات، قتلت القوات الأمريكية 20 مدنيا وأصابت 32 آخرين.

علّق أحد الشخصيات العسكرية رفيعة المستوى قائلاً: “بعض هذا ناتج عن مجرد فشل بشري، وحوكمة سيئة”. وكما هو الحال مع المنشورات الإسرائيلية التي تطلب من سكان غزة الإخلاء اليوم، كانت هذه التحذيرات مجرّد مبرّر واهٍ لما تلا ذلك. كما هو الحال عندما قضت القوات ساعات وهي تطلب من المدنيين عبر مكبرات الصوت مغادرة المنطقة التي يسيطر عليها الشيوعيون في هجوم سنة 1968، ولكن “لسبب ما لم يغادروا قبل أن تهاجم القوات الأمريكية بالنابالم، مما أسفر عن مقتل 17 شخصًا”، وفقًا لوكالة أسوشيتد برس.

استغلّ المسؤولون الأمريكيون في حقبة حرب الفيتنام ادعاءات أضحت واسعة الانتشار في الحرب الحالية: وهي أن قوات العدو تستخدم الأبرياء كدروع بشرية. في إحدى الحوادث التي وقعت في كانون الثاني/يناير 1967، قصفت القوات الفيتنامية الجنوبية إحدى القرى، مما أسفر عن مقتل 10 أطفال وجرح 16 آخرين، لكن المتحدث باسم الولايات المتحدة ادعى – كذباً، وسرعان ما تبيّن ذلك – أن الفيت كونغ “حشدوا” المدنيين أمامهم أثناء تقدمهم. وأوضح المتحدث ذاته “أن “هذه الخسائر في صفوف المدنيين مؤسفة للغاية وتعزى بشكل مباشر إلى الاستخدام الوحشي للمدنيين من قبل الفيت كونغ في العمليات العسكرية”. وشاع انتشار مثل هذه الادعاءات طوال فترة الحرب.

فلسطينيون يحملون جريحًا في موقع مبنى سكني استهدفته الغارات الإسرائيلية في 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 2023.

كما كشف الصحفي نيك تورس بعد عقود عندما فحص الأرشيفات مع إجراء مقابلات مع جنود سابقين، أن كل هذه التصريحات الأمريكية غطت على حقيقة أكثر وحشية بكثير: وهي بعيدًا عن كونها مجرد حوادث أو قبح الحرب المأساوي، عدد الوفيات بين المدنيين الفيتناميين نتج عن سياسة متعمّدة وُضعت على أعلى المستويات وسنتها القوات الأمريكية على الأرض، ومتجذرة في تركيز المسؤولين على “إحصاء الجثث” والنظر إلى الفيتناميين باعتبارهم “حيوانات”، واعتبارهم جميعا بما في ذلك النساء والأطفال تهديدات محتملة. في البداية، اعتبرت مذبحة ماي لاي سيئة السمعة من قبل حكومة الولايات المتحدة انتصارًا عسكريًا كبيرًا على مقاتلي العدو.

يُنظر إلى الحرب التي شنتها حكومة الولايات المتحدة في فيتنام اليوم على نطاق واسع باعتبارها حلقة مخزية ومؤسفة في تاريخ الأمة الأمريكية، ولن يدافع عنها أو عن حملات القصف المصاحبة لها إلا القليل.

من الصعب تخيّل أي شخص اليوم يأخذ على محمل الجد ادعاءات إدارات جونسون وريتشارد نيكسون والمدافعين عنها بأنهم كانوا يهاجمون أهدافًا عسكرية بحتة، أو يُنظر إلى اختلاط الفيت كونغ مع السكان المدنيين كمبرر معقول لقتل ضحايا المدنيين – ناهيك عن الادعاءات بأن الطبيعة الوحشية للحرب جعلت من حدوث مثل هذه المذبحة البشرية أمرًا لا مفر منه.

في الوقت الراهن، تُستخدم كل هذه الحجج من قبل المسؤولين والمعلقين الإسرائيليون والأمريكيين لتبرير المستوى غير المقبول من الوفيات بين المدنيين في غزة – ويبدو أنها مقبولة إلى حد كبير من قبل أولئك الذين يشغلون مناصب نافذة، والذين لن يبرروا أبدًا تصرفات الولايات المتحدة في فيتنام بالطريقة ذاتها.

وبينما يقوم المسؤولون الإسرائيليون والمدافعون عنهم باستعارة الذرائع التي تعود إلى حقبة حرب فيتنام في حملة قصف أدت في شهر واحد إلى مقتل نصف المدنيين الذين قتلتهم عملية ” هزيم الرعد” على مدى ثلاث سنوات، فمن العدل أن نتساءل عما إذا كنا قد استخلصنا دروسا من التاريخ.

برانكو مارسيتيك

المصدر: مجلة ذا نايشن الأميركية

ترجمة: موقع نون بوست




النازحون في غزة يواجهون معاناة ومِحَنًا لا تحتمل

يتواصل العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة لليوم الـ 42، وهو ما يزيد من معاناة أهلنا الفلسطينيين ويرفع من عدد الشهداء الذين ناهزوا 12 ألف شهيد أغلبهم أطفال ونساء، فآلة العدوان الإسرائيلية تقصف الوحدات السكانية والمستشفيات وتحاصرها بالدبابات، وحتى المدارس التي تأوي النازحين لم تسلم من بربرية الإسرائيليين.

وضع مأساوي يزداد سوءًا مع صباح كل يوم جديد، إذ لم يبقَ مكان آمن في القطاع ولا أي شخص آمن، حتى النازحين الذي اختاروا اللجوء إلى المدارس والمستشفيات باعتبارها أماكن آمنة، لم يسلموا من همجية كيان الاحتلال الإسرائيلي.

نزح مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى ما قيل إنها أماكن آمنة في غزة، لكن معاناتهم تضاعفت أكثر مما كانت عليه، فالجوع والعطش والمرض والبرد والعيش في العراء يلاحقهم.

أعداد متزايدة

اقترب عدد النازحين في قطاع غزة من 1.6 مليون شخص، وفق وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، يعيش حوالي 748 ألفًا منهم في 151 منشأة تابعة للوكالة في أنحاء غزة، بما في ذلك 588 ألفًا في ملاجئ الوكالة في جنوب القطاع.

وفق الوكالة، يتوفر حمّام واحد لكل 125 شخصًا، فيما يتوفر مكان استحمام واحد لكل 700، وتأوي المدرسة التابعة للأونروا بالمتوسط نحو 6 آلاف شخص، ليصبح مجموع سكان المدارس التي أصبحت عبارة عن 94 ملجأ جنوبي القطاع نحو 670 ألف شخص.

ويخرج النازحون -وغالبيتهم من النساء والأطفال- قسرًا من شمال القطاع نتيجة القصف الإسرائيلي الهمجي الذي طال كل المباني هناك عبر طريق صلاح الدين، الذي يربط الشمال بالجنوب، يحمل بعضهم القليل من الممتلكات، لكن غالبيتهم لا يحمل سوى أطفاله وما يلزم من ملابس.

يفرّ النازحون خلال “رحلة العذاب” من شمال القطاع إلى جنوبه، سيرًا على الأقدام وعلى دراجات نارية وسيارات وشاحنات صغيرة وعربات بدائية تجرّها الحمير، وصار مألوفًا في الأيام الأخيرة مشهد فلسطينيين يحملون كل ما يستطيعون من ممتلكات في أكياس وحقائب سفر.

ويجبر جيش كيان الاحتلال الإسرائيلي النازحين على قطع مسافة تناهز 10 كيلومترات سيرًا على الأقدام مع أطفالهم وما تمكنوا من حمله من أغراض، لتجاوز “مفترق الشهداء” الذي تتمركز فيه دبابات وآليات عسكرية إسرائيلية، للوصول إلى ما بعد وادي غزة في طريقهم إلى مدن ومخيمات جنوب القطاع.

الأمراض والأوبئة

ما يزيد من معاناة النازحين إمكانية انتشار الأمراض والأوبئة بينهم، وسبق أن حذّرت الأونروا من تفشّي الأوبئة، خصوصًا التهابات الجهاز التنفسي الحادة والإسهال بين النازحين في مدارس الوكالة بسبب الاكتظاظ وشحّ المياه، فيما تحدث مسؤولو الأمم المتحدة عن تفشّي الكوليرا.

وتخشى المنظمات الإنسانية من انتشار الأوبئة بين النازحين، ذلك أنهم يعيشون الآن داخل المستشفيات التي هي في الأصل عرضة لنقل الأمراض لمريديها، ويتكدّسون في المدارس داخل الفصول الضيّقة بالعشرات، ويستخدمون مستلزماتهم الشخصية بشكل جماعي، فضلًا عن تكدُّس النفايات بالأطنان داخل هذه المراكز.

من أسباب انتشار الأمراض والأوبئة بين النازحين أيضًا، لجوء النازحين إلى شرب المياه الجوفية غير المعقّمة، نتيجة توقف كامل محطات التحلية عن العمل لعدم توفر الوقود اللازم لتشغيلها، حيث إن اعتماد جميع السكان على شرب هذه المياه يزيد من احتمالية انتشار الأمراض الخطيرة.

تحدث بعض الناجين من الاستهداف الصهيوني عن جثث تنهشها الكلاب وأشلاء ممزقة.

كما أن تكدُّس مئات الجثث داخل المستشفيات له أن يتسبّب في تفشي الأوبئة والأمراض الخطيرة بين النازحين داخل المراكز الصحية، فالعديد من سكان غزة اختاروا اللجوء إلى المستشفيات، ظنًّا منهم أنها آمنة وهي عكس ذلك.

وظهرت أمراض جدري الماء والجرب والقمل بين النازحين، فضلًا عن حالات إسهال عديدة بين الأطفال وفق وزارة الصحة في غزة، إلى جانب تعرض البعض لأمراض معدية أخرى تستدعي تدخلًا علاجيًّا سريعًا، لكن أغلب مستشفيات القطاع خارج الخدمة.

فيما قال ممثل منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية، ريتشارد بيبركورن، إنه جرى رصد أكثر من 70 ألف حالة عدوى تنفسية حادة، ونحو 44 ألف حالة إسهال في القطاع المكتظ بالسكان، مشيرًا إلى أن الأعداد أعلى بكثير من المتوقع.

الأمطار وفصل الشتاء

مئات آلاف الأسر التي نزحت إلى جنوب غزة سعت للنجاة من القصف الإسرائيلي العشوائي، إلا أنها اليوم تواجه مشكلة تساقط الأمطار التي تتحول إلى مياه راكدة تزيد من متاعب الأهالي البدائية، حيث تبلّلت الأغراض والملابس والفرش والأغطية وأغرقت الخيام.

وينذر حلول فصل الشتاء بازدياد معاناة النازحين، إذ تنخفض درجة الحرارة ويتزايد هطول المطر، في وقت يفتقدون فيه أبسط ما يواجهون به هذا الطقس، إذ لا بيوت تأويهم ولا أفرشة ولا غطاء في خيامهم البلاستيكية التي لا تقي من برد ولا تحمي من مطر.

من يجد قليلًا من الحطب فهو محظوظ، فهذه هي وسيلة النازحين المتاحة للتدفئة والطهي في هذه الأجواء الشتوية الصعبة، لكن حتى الاحتطاب بات محفوفًا بالمخاطر، بسبب العدوان الإسرائيلي المتواصل على القطاع.

استهداف النازحين

لم يسلم النازحون أيضًا من القصف الإسرائيلي الهمجي الذي أسفر عن سقوط عشرات الشهداء على الطرق التي زعم الاحتلال أنها آمنة، وفي آخر حصيلة استشهد فلسطينيون وجُرح آخرون جراء قصف مقاتلات حربية إسرائيلية مجموعة من النازحين شرق مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، فجر اليوم الجمعة.

كما سبق أن تعرضت مناطق جنوب وادي غزة التي زعم الاحتلال الصهيوني أنها آمنة لغارات خلّفت مجازر عديدة، كما تعرض دار الضيافة التابعة للأونروا في رفح جنوبي غزة لغارات إسرائيلية دون وقوع ضحايا، وكانت الأونروا قد أعلنت أن أكثر من 100 من العاملين لديها قُتلوا في قطاع غزة منذ بدء الحرب.

حتى الخيام التي تأوي النازحين وتتشارك فيها العائلات أغلبها بالية.

يروي بعض النازحين مشاهد مروعة لجثث وأشلاء منتشرة على جانبَي شارع صلاح الدين الرئيسي والوحيد، الذي حدده جيش الاحتلال مسارًا للنازحين من شمال القطاع إلى جنوبها، بعدما أغلق شارع الرشيد الساحلي في سياق عمليته البرية.

وتحدث بعض الناجين من الاستهداف الصهيوني عن جثث تنهشها الكلاب وأشلاء ممزقة، وحيوانات نافقة ومتعفّنة طوال الطريق الممتد من حي الزيتون في جنوب شرقي مدينة غزة وحتى مفترق الشهداء، وهو الطريق الذي يمرّ منه النازحون.

جوع وعطش

تتفاقم معاناة هؤلاء النازحين، خصوصًا الأطفال والنساء وكبار السن، في ظل انتشار الجوع بينهم، ويأكلون القليل من الخبز إن استطاعوا العثور عليه، وفي بعض الأيام لا يأكلون على الإطلاق، ويلجأ عدد كبير منهم إلى الجمعيات الخيرية للحصول على ما تيسّر من الطعام، في ظل أزمة إنسانية حادة.

ويحاول النازحون الحفاظ على حياتهم ولو بالحد الأدنى المتاح، في ظلّ الظروف القاسية والعدوان الإسرائيلي المتواصل الذي لم يسلم منه القطاع شمالًا وجنوبًا، ويقف النازحون في طوابير مكتظة يحملون الأواني في انتظار وجبة توزّعها إحدى الجمعيات الخيرية المحلية.

لا يمثّل الجوع مصدر القلق الوحيد بالنسبة إلى النازحين، فهم يعانون نقصًا كبيرًا في المياه الصالحة للشرب أيضًا، حيث يضطر غالبية النازحين للوقوف ساعات في طوابير كبيرة أمام صنابير المياه، للحصول على بعض القطرات من الماء.

كما يضطر النازحون أيضًا كل يوم البحث عن المياه وتعبئتها بشكل مباشر من الآبار الجوفية لغرض الشرب، بعد أن كانوا يستخدمونها في الأيام العادية لغرض النظافة، لكن الحصار المفروض على الأهالي أجبرهم على استخدام المياه الملوثة وغير الصالحة للشرب.

في ظلّ غياب المياه، يضطر النازحون للاستحمام وغسل أواني المطبخ وغسل ملابسهم في البحر، مع محاولة تجنُّب القمامة العائمة في الماء والمتناثرة على الرمال، وأصبحت هذه المشاهد متكررة، خاصة أن معبر رفح مغلق في أغلب الأوقات.

لا تنتهي معاناة النازحين وباقي سكان غزة هنا، إذ يعانون أيضًا نقصًا كبيرًا في الوقود والأدوية الضرورية، فضلًا عن نفاد كل شيء في المستشفيات بما في ذلك أدوات التخدير، ما يعرّض حياة آلاف المصابين للموت.

حتى الخيام التي تأوي النازحين وتتشارك فيها العائلات، أغلبها بالية مصنوعة ممّا تيسّر من خرق وأكياس نايلون وألواح خشبية هشّة، ما يجعل الحياة في غزة شبه مستحيلة، كل ذلك تحت مرأى ومسمع العالم الذي لم ينجح حتى تأمين هدنة قصيرة يتنفس فيها هذا الشعب المحاصر.

عائد عميرة

المصدر: موقع نون بوست




“إسرائيل” تواصل محو إرث غزة الإنساني

بحكم موقعها على مفترق طرق الحضارات، وكونها محطة بارزة للحجّاج وطريقًا تجاريًّا هامًّا، شهدت غزة عبر تاريخها عددًا من الثقافات والحضارات الإنسانية، من الكنعانيين إلى العهدَين البيزنطي والمسيحي، وصولًا إلى العهد الإسلامي.

فترات تاريخية أثّرت في تطور غزة التي تركت لنا إرثًا ثقافيًّا غنيًّا، ورغم أن كل حجر في غزة يحكي قصة فريدة من نوعها، لم تسلم ذاكرتها وتراثها اللذين يعودان إلى حقب تاريخية مختلفة من المحرقة الصهيونية.

تستهدف دولة الاحتلال الإسرائيلي ضمن حربها الانتقامية المستمرة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، على قطاع غزة المحاصر، بشكل متعمّد، المعالم التاريخية والأحياء التراثية القديمة التي تواصل محوها من على وجه الأرض، بجانب حرق المؤسسات التعليمية والثقافية ودور العبادة والمكتبات، وخصوصًا رموز الذاكرة الحية وتطهير ما تبقّى من المؤسسات الخيرية، وهذا بالتأكيد خراب مروّع آخر لغزة من بين التدمير المنهجي الذي يرتكبه الاحتلال.

من المعروف أن الأنظمة الإسرائيلية الماضية والحالية سعت إلى استئصال التراث الفلسطيني، من خلال محو السجلّات والوثائق وسرقة الأرشيفات، وتدمير أدلة الارتباط التاريخي للفلسطينيين بأرضهم لدعم سرديتها ومشروعها الاستيطاني، وحتى لا يبقى غير الوجود اليهودي.

لكن المختلف في هذه الحرب أن “إسرائيل” تستهدف كل ما يشير إلى التراث والثقافة الفلسطينيَّين بغزة بشكل سريع، وعلى نطاق منهجي وأوسع فاق الحروب السابقة، ودون اعتبار لظهور هذا التدمير الذي لا سبيل إلى إنكاره على مرأى ومسمع من العالم، ولذا إن ما يثير الدهشة أن هذا الهمجي الذي يبيد معالم التراث والثقافة في غزة، يتم تقديمه على أنه المتحضّر.

غزة من دون فلسطينيين: كابوس المقاومة

إن استهداف الصهاينة لمؤسسات التعليم والثقافة بغزة كهدف عسكري بحدّ ذاته، ليس في الحقيقة حملة عشوائية، إنما هو سياسة مرسومة بعناية لإرسال رسالة إلى ما هو أبعد من أولئك الذين يقاومون.

يدرك قادة الاحتلال أن “طوفان الأقصى” عززت من هيبة مقاتلي كتائب القسام في أعين الشعوب العربية بشكل عام والشعب الفلسطيني بشكل خاص، فقد أثبتوا أنهم يقاومون ويضحّون بأنفسهم من أجل القضية، لذا الاحتلال يعلم جيدًا ما يترتب عن ذلك، ويريد انتزاع هذا النصر من النفوس مهما كان الثمن، ومن أجل إعطاء درس قاسٍ للأجيال الجديدة ولمن يفكر بالمقاومة.

من هذا المنطلق، أصبحت غزة بحدّ ذاتها هدفًا رمزيًّا لممارسة كل أشكال الترويع والإبادة، ليس فقط من خلال دكّ الأحياء الآهلة والحرمان من الاحتياجات المعيشية الأساسية، وصنع عالم لا قيمة فيه لحياة الفلسطينيين.

بل يريد الاحتلال أن يخلق ظروف حياة تهدف إلى ترك أسوأ الذكريات، وأن يشعر أهل غزة بالذل والاستباحة في أي مكان حتى ولو في مستشفى، والتي لم يتردد في حصارها وقصفها وإزهاق أرواح آلاف الأطفال الذين ماتوا قبل أن ينطقوا أسماءهم، مع ملاحظة التأكيد على أن عظمة القوة الصهيونية تستمدّ بشكل أساسي من هذه الممارسات.

والواقع أن المشروع الصهيوني الحالي لا يقتصر فقط على تحويل حياة أهل غزة إلى ترويع فقط حتى يستسلموا ويهجروا ديارهم، الأمر أيضًا يتعلق باقتلاعهم ديموغرافيًّا وثقافيًّا، ومحو تراثهم لحرمانهم من أي مطالبة بحقوقهم، وبالتالي ينظر الصهاينة إلى المواقع التي تحافظ على هوية الشعب الفلسطيني وتاريخه كتهديد لهم، ولذا يحرقونها الآن.

لقد لجأ الاحتلال إلى تدمير التراث بغزة من أجل القضاء على صرخة استمرار المقاومة، وباعتبار أن هذه الأماكن التي يحرقها لا تعتبر فقط ربطًا ماديًّا مع الماضي، بقدر ما هي شكل من أشكال الحياة، أرادوا منعه من الاستمرار والتكون من جديد كي يضمنوا سحق ذاكرة الأجيال الجديدة.

إن استهداف الذاكرة هو أكثر ما يوجع ويترك الألم في نفس الإنسان، فعندما يهجَّر الناس بشكل مستمر من منازلهم، يرافقهم شعور بالقهر والأسى لأن تاريخهم يمحى أمامهم، وكذلك عندما يحرق الاحتلال مساجد غزة التي تحمل ذكريات التاريخ، يشعر الناس بألم شديد لفقدان هذا التراث، لأن الأمر على حقيقته هجوم على أسلوب حياتهم، وحرمانهم وأحفادهم من حق الانتماء إلى هويتهم.

تراث في مرمى النيران

وفقًا لوزارة الثقافة الفلسطينية، يوجد في غزة 76 مركزًا ثقافيًّا و3 مسارح و5 متاحف و15 دار نشر لبيع الكتب و80 مكتبة عامة، إضافة إلى وجود متاحف شخصية، معظم هذه المؤسسات تعمل بجهود ذاتية، ليس لضعف الاهتمام الرسمي بقدر ما أن الإمكانات المادية قليلة، والبلد في حصار وأزمات متلاحقة، ولذا بذل أهل غزة قصارى جهدهم في الحفاظ على تراثهم، وسط ظروف الحصار والتحديات الكبيرة التي يواجهونها.

وفيما يلي، أبرز المواقع التراثية الرائعة في غزة التي استهدفتها نيران الحقد الصهيونية بشكل متعمّد عقب معركة “طوفان الأقصى”:

حسب آخر تصريحات لوزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف، استهدف الصهاينة معظم مؤسسات القطاع الثقافي، ووثّقت وزارة الثقافة تدمير 6 مراكز ثقافية و5 دور نشر لبيع الكتب، هي الشروق وسمير منصور ولُبَّد والنعيم والنهضة، وحتى المكتبات التي لم تُحرق تعرضت بنيتها التحتية لأضرار جسيمة.

أيضًا قطاع المتاحف والمخطوطات تعرّض لحملة إبادة متعمدة، إذ قصف الصهاينة متحف خان يونس، ودمّروا مجموعة من الروائع الأثرية فيه، وأكدت المنظمة العربية للمتاحف أن متحفَين هامَّين في غزة، هما القرارة الثقافي ورفح، قد تعرضا للتدمير الكامل، إضافة إلى تدمير معظم أجزاء البلدة القديمة بغزة، والتي احتوت على 146 بيتًا قديمًا وعددًا من المساجد والأسواق والمدارس التاريخية، وميناء قديم مدرج على اللائحة التمهيدية للتراث العالمي.

ليس هذا فحسب، فالمساجد أيضًا لم تسلم من الهمجية، فحتى الآن تمّ توثيق 47 مسجدًا حوّلها الاحتلال إلى رماد، بما في ذلك مساجد لها تأثير كبير في الحياة اليومية والذاكرة، منها مسجدا السوسي والغربي في مخيم الشاطئ، ومسجد اليرموك والأمين، وتشير عدة تقارير إلى تدمير مسجد جباليا، ومسجد أحمد ياسين بمخيم المغازي، ومسجد أبو جنب بشرق خان يونس، ومسجد خالد بن الوليد ومسجد الرضا بخان يونس.

ووفقًا لتوثيق أوّلي قامت به وزارة الأوقاف الفلسطينية، أكثر من 50 مسجدًا تمّت تسويتها بالأرض، وهناك مساجد ذات قيمة أثرية وتاريخية نال منها الدمار بدرجات متفاوتة، هذا إضافة إلى تدمير مقرّ وزارة الأوقاف ومقرّ “إذاعة القرآن الكريم” المكون من 14 طابقًا، والذي أصبح الآن مدفونًا تحت الأنقاض والدمار الذي خلفته قنابل الاحتلال.

فلسطيني يرفع الأذان على أنقاض مسجد الأمين محمد الذي قصفته قوات الاحتلال في خان يونس بغزة في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2023

ولا بدَّ من الإشارة إلى أن كل هذه المساجد التي تمّت إبادتها، تؤدي دورًا أساسيًّا في خدمة احتياجات المجتمع بالنسبة إلى سكان غزة، فالعديد من المساجد المستهدَفة كانت توفر لهم مرافق اجتماعية وتعليمية وصحية.

كذلك تعرضت 3 كنائس للقصف من ضمنها كنيسة القديس برفيريوس، والتي تعرَف شعبيًّا في غزة باسم كنيسة الروم الأرثوذكس، وهي أقدم كنيسة مسيحية في غزة، إضافة إلى تدمير 80 مقرًّا حكوميًّا، وقصف مبنى جهاز الإحصاء الفلسطيني الذي دُمّر بالكامل، ما يعني فقدان قاعدة وثائقية للحكومة والمجتمع، وبالتالي حرمان الآلاف من وثائقهم الشخصية والتصرف بممتلكاتهم.

طائرات الاحتلال تقصف مسجد اليرموك في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2023

والواقع أنه لا توجد مؤسسة واحدة لم تتعرض لضرر ولو جزئي، فقد قصف الاحتلال العديد من الوزارات والمقرات والمؤسسات الحكومية، ولم يتردد في استهداف المنظومة الصحية، وقصف مستشفى المعمداني الذي يسبق تاريخ دولة الاحتلال بعقود طويلة.

إبادة مسجد ياسين بمخيم الشاطئ في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2023

هذا بجانب عشرات المراكز الثقافية التي تحولت إلى غبار وأنقاض، كالمركز الثقافي الأرثوذوكسي الذي كان يحتوي على قاعات لتنظيم النشاطات الثقافية والفنية، بجانب تدمير جمعية أبناؤنا للتنمية، ومركز غزة للثقافة والفنون، وتدمير جمعية ميلاد في مخيم جباليا للاجئين، وتدمير المركز الثقافي الاجتماعي العربي الواقع في حي تل الهوا، وتدمير جمعية حكاوي للمسرح.

ولم تنجُ البيوت الأثرية من الهمجية الصهيونية، فقد قصف الاحتلال بيت السقا الواقع في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، والذي دُمّر بالكامل بعد أن أُعيد ترميمه عام 2014، ويعتبر من أجمل وأقدم البيوت، إذ يعود تاريخ بنائه إلى 400 عام، وكان واحدًا من المساحات الثقافية القليلة المتبقية للفلسطينيين في غزة، إذ كان يستخدَم كمركز ثقافي.

الهمجية امتدت أيضًا نحو الجامعات، إذ تم استهداف جامعة الأزهر، والجامعة الإسلامية التي لحقت بها أضرار فادحة، فكل من مبنى كلية تكنولوجيا المعلومات ومبنى عمادة خدمة المجتمع والتعليم المستمر ومبنى كلية العلوم، بكل ما فيها من تجهيزات ومختبرات وأثاث، تعرضت لقذائف حارقة.

وقد بلغ عدد شهداء طلبة التعليم العالي 438 طالبًا وطالبة، في حين ارتقى 14 عاملًا وعاملة ممّن يعملون في مؤسسات التعليم العالي، كما بلغ عدد مؤسسات التعليم العالي التي تضررت جزئيًّا أو بالكامل الـ 12 مؤسسة.

وأيضًا مؤسسات التعليم المدرسي لم تكن في منأى عن الإبادة، بحسب ما أعلن “الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني” فإن 608 آلاف طالب وطالبة في غزة حُرموا من حقهم بالتعليم المدرسي، وحتى الآن تم قصف 239 مدرسة في غزة، وقتل 3 آلاف و141 من الطلبة الملتحقين بالمدارس، و130 معلمًا ومعلمة، و103 موظفين من الأونروا.

ووفقًا لبيانات اليونيسف، فقد تضررت أكثر من 200 مدرسة (زهاء %40 من مجموع المدارس في غزة)، إضافة إلى ذلك تقوم “إسرائيل” حاليًّا باستخدام مدارس غزة لأغراض عسكرية.

ومع كل هذا التدمير الممنهَج، حتى المكتبات الخاصة والشخصية لم تنجُ من جحيم الاحتلال، ففي دقائق دمّر الاحتلال مكتبة حمزة مصطفى، والتهمت النيران كل ما فيها من نفائس بعد أن ظل حمزة يبني فيها طيلة حياته.

كما طالت آلة الإبادة المثقفين والفنانين والكتّاب والعاملين في الحقل الثقافي، إذ أعلنت وزارة الثقافة الفلسطينية في بيان لها استشهاد 15 شخصًا من المثقفين والفنانين، وهناك قصص عن موسيقيين فقدوا قدرتهم على السمع، ورسّامين فقدوا أطرافًا من أجسادهم.

تبرر “إسرائيل” استهداف المواقع التراثية والدينية والتعليمية، بأن مقاتلي المقاومة يخزّنون فيها الأسلحة ويختبئون داخلها، في حين أنه لا يوجد حتى اللحظة أدلة على هذا الزعم، ونفت حماس هذا الاتهام أكثر مرة.

النفاق الغربي في التعامل مع التراث الفلسطيني

رغم أن المعالم الثقافية تتمتع بحماية خاصة في القانون الدولي، لكن في حالة غزة يبدو الأمر مختلفًا، حيث من المثير للاهتمام مستوى التبريرات الممنوحة لـ”إسرائيل” لإبادة التراث الفلسطيني بشكل تخطّى كل الحدود، خاصة أن القوات الإسرائيلية بعد استهدفها لمعالم التراث والثقافة والدين، أعلنت أن هذه الغارات كانت ناجحة وأصابت أهدافها بشكل مباشر.

إذا قارنا ردود الفعل على التدمير الثقافي في غزة بما حدث في أوكرانيا، فعلى الفور استوجب ما قامت به روسيا ردود فعل كبيرة من المجتمع الدولي، وتحركت مباشرة المؤسسات الثقافية على الأرض لحماية التراث الأوكراني.

لكن هذه المؤسسات نفسها تصمت بينما تقوم “إسرائيل” بحرق تراث غزة، وبعضها أطلق اتهامات وأكاذيب وشجّع على الإبادة، مثل معهد فرانكفورت للكتاب الذي أعلن انحيازه إلى الكيان الصهيوني، وبمنتهى العجرفة قرر إلغاء حفل تكريم الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي، ولم يكن موقف معرض فرانكفورت هو الوحيد.

ويعدّ هذا فضيحة للغرب الذي ينادي بالحفاظ على التراث، لكنه لم يتحرك لإنقاذ تراث وثقافة غزة مثلما فعل في أماكن عديدة، ما يدلّ على سياسة الكيل بمكيالَين، التي تستخدم الاتفاقيات بشكل انتقائي وعندما تخدم أغراضها الخاصة.

وما زالت بعض الدول والمنظمات مستمرة في تبرير التطهير الثقافي، وتسليح آلة إبادة الشعب الفلسطيني، وتدمير تراث ومعالم غزة، وبكل أسى لم يتبقَّ سوى القليل من المواقع الثقافية المنكوبة في غزة، فمعظمها دُمّر جزئيًّا أو على وشك الانهيار، هذا وحجم الدمار لم يتضح بعد.

إن إبادة التراث والذاكرة بغزة ستظل تذكيرًا صارخًا بالنفاق الغربي، وفي الحقيقة فقدان معالم التراث الثقافي في غزة لا يشكّل مأساة للفلسطينين فحسب، بل خسارة لنا جميعًا.

أحمد سيف النصر

المصدر: موقع نون بوست




واشنطن بوست: عندما يمنع علم فلسطين يستعيض الناشطون والفنانون عنه بالبطيخ

كيف تحول البطيخ إلى رمز القضية الفلسطينية؟ تقول صحيفة “واشنطن بوست” في تقرير أعدته جينفر حسن ومريام بيرغر إنه وفي أعقاب الحرب الإسرائيلية على غزة لم يعد البطيخ مجرد فاكهة حمراء حلوة الطعم، بل ورسمها المحتجون وحملوا قطعها في الشوارع في التظاهرات أو رسموا القطع على وجوههم.

وفي منصات التواصل الاجتماعي، فإن إيموجي على شكل البطيخ تظهر مع اسم المستخدم تحت المنشورات المتعلقة بحرب غزة. لكن ماذا يعني شعار البطيخ في هذا السياق ولماذا يلعب دورا مهما ويكون رمزا في التظاهرات المؤيدة لفلسطين؟ فالبطيخة كانت رمزا/أيقونة في الفن الفلسطيني ولعقود، حيث تستخدم للتعبير عن العلم الفلسطيني، لأنك عندما تقطعها فالفاكهة تظهر ألوان الأحمر والأبيض والأخضر والأسود، وهي فاكهة شعبية يزرعها الفلسطينيون.

أما السبب الثاني لاستخدام البطيخ كرمز فهو منع العلم الفلسطيني والرموز المعبرة عن الهوية الفلسطينية. وتقول دينا مطر أستاذة الاتصالات والإعلام العربي في مقابلة “بهذا المعنى، أكد الفلسطينيون على هوية البطيخ الفلسطينية”، فالبطيخ هو “رمز المقاومة والتصميم”، حسب مطر التي تدرس في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، مضيفة أنه في أثناء الاحتجاجات ضد الاحتلال الإسرائيلي، حمل الفلسطينيون في الضفة الغربية الفاكهة “كرمز لما تبقى فلسطينيا”.

وقال خالد الحوراني، الفنان المقيم في رام الله بالضفة الغربية لواشنطن بوست في 2021 إن “الفن يصبح أحيانا سياسيا أكثر من السياسة نفسها” وبعض أعمال الحوراني الفنية مستلهمة من البطيخ وتم مشاركتها بشكل واسع خلال السنوات الماضية، وتظهر في احتجاجات وعلى منصات التواصل الاجتماعي وسط النزاعات والحروب الإسرائيلية المتكررة على غزة.

ولأن العلم الفلسطيني المكون من الأحمر والأخضر والأبيض والأسود واجه في العقود الماضية جدلا، فقد بدا البطيخ جذابا للناشطين. ومنعت إسرائيل العلم في مناسبات معينة وهناك جهود من بعض الساسة في إسرائيل لمنعه رسميا. ومن ناحية عملية فالعلم ممنوع لأنه قد يصادر ويدفع مالكه غرامة بناء على قانون السلامة العامة. وفي كانون الثاني/يناير أزال وزير الأمن الإسرائيلي الأعلام من الأماكن العامة، وبعد عدة أشهر بدأت حملة قام بها الناشطون بلصق صور البطيخ على السيارات احتجاجا على اعتقال الأشخاص الذين يحملون العلم الفلسطيني، وقال الناشطون الذي لصقوا صور البطيخ: “هذا ليس هو العالم الفلسطيني”.

ويخدم إيموجي البطيخ نفس الهدف على منصات التواصل الاجتماعي، فأنصار فلسطين يستخدمون رموزا مشفرة وطرقا معينة في التهجئة يرونها ضرورية لتجنب القمع من شركات التكنولوجيا. ففي 2021 تم حذف ملايين من المنشورات المؤيدة لفلسطين من فيسبوك وتويتر/إكس، ولامت الشركة خطأ ببرامج الذكاء الاصطناعي. وبعد هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر سجلت منظمات حقوق الإنسان زيادة في قمع حرية التعبير في إسرائيل واستهدفت نسبة 20% من سكان إسرائيل.

وقضى يرموك الزعبي، صاحب محل حمص في الناصرة ليلة في السجن بتشرين الأول/أكتوبر بعدما نشر صورة قبضة بعلم فلسطيني على حسابه بواتساب، لكن تم الإفراج عنه بدون توجيه تهم. وتم استهداف العلم الفلسطيني بأوروبا أثناء النقاش الحالي، ففي برلين أصدرت المدارس إذنا بمنع الخرائط الإسرائيلية على شكل العلم الفلسطيني، وفي بريطانيا، قالت وزيرة الداخلية السابقة إن حمل العلم الفلسطيني قد يشكل خرقا للقانون، مع أن شرطة لندن وضحت “حمل العلم الفلسطيني لا يمثل بحد ذاته جريمة”.

وتقول مطر، من جامعة سواس إن العلم هو رمز الهوية الفلسطينية، “حمل العلم لأي أمة هو رمزي، ويعني أن أعضاء هذه الأمة يشعرون بأنهم ينتمون إلى تلك الأمة، ولهذا نعتبر نحن الفلسطينيين العلم مهما، لأن الفلسطينيين ليست لديهم دولة ولكن لديهم أمة. والعلم مهم للتأكيد على وجود الفلسطينيين”.

المصدر: صحيفة واشنطن بوست

ترجمة: إبراهيم درويش