واشنطن بوست: قدرات حماس لا تزال سليمة بعد شهرين على حرب غزة
|
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريرا أعدته لافدي موريس قالت فيه إن إسرائيل أقسمت بأنها ستدمر حماس، لكن الجماعة لا تزال وبشكل كبير سليمة. وأضافت أن الجبهة الجديدة التي فتحتها إسرائيل في جنوب قطاع غزة تأتي وسط فشلها في تحقيق هدفها العسكري المعلن: التدمير الكامل لحركة حماس المسلحة والتي تحكم قطاع غزة وقادت الهجوم على جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر.
ونقلت عن 3 مسؤولين أمنيين إسرائيليين قولهم إن 5.000 مقاتل من حماس قتلوا على الأقل، بشكل يترك بقية المقاتلين والبالغ عددهم 30.000 مقاتل في وضع سليم. وقال المسؤولون الذين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم إن العمليات في شمال غزة لم تكتمل بعد، ورغم تدمير معظم مدينة غزة إلا أن القوات الإسرائيلية لم تدخل معاقل الحركة هناك. وبحسب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي العقيد ريتشارد هاتشيت “هذه ستكون عملية طويلة” و”نحتاج الوقت”، معترفا أن الساعة الدبلوماسية تدق.
وسيؤثر الضغط الدولي لتقليل الضحايا المدنيين على عمليات الجيش الإسرائيلي في الجنوب في وقت تحاول فيه إسرائيل الحفاظ على دعم حليفتها الرئيسية، الولايات المتحدة. وتشير الصحيفة إلى أن الثمن كان مدمرا، حيث بلغ عدد الضحايا الفلسطينيين 16.000 بمن فيهم 5.000 طفل، حسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة. وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “أعتقد أننا وصلنا لحظة تحتاج فيها إسرائيل تحديد هدفها النهائي” وإن كان “التدمير الكامل لحماس؟ ولو كان هذا، فالحرب ستستمر لعشرة أعوام”.
وتقول الصحيفة إن ثلث مناطق القطاع لا تزال خارجة عن سيطرة القوات الإسرائيلية بما فيها المناطق المتوقع أنها محصنة جدا، كما يقول مايكل ميليستين، المسؤول السابق لدائرة الفلسطينيين في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وفي فترة التوقف القصيرة ظهر مقاتلون ملثمون ومسلحون في الساحة المركزية للمدينة حيث قاموا بتسليم “الرهائن”، مما يؤشر لاستمرار وجود الحركة في ما كانت أكبر مدينة في القطاع.
وتجنبت القوات الإسرائيلية معاقل حماس المعروفة مثل الشجاعية والتي شهدت أشد المعارك أثناء عملية الرصاص المصبوب في 2014، وربما تحصنت فيها حماس من أجل القتال. وقال ميليستين “ستكون صعبة جدا”، مشيرا للمعركة المحتملة في المنطقة، وأضاف أن حماس “حضرت نفسها وكل بناها التحتية” هناك.
وبحسب صور الأقمار الاصطناعية التي التقتها “بلانيت لابس” يوم الخميس، وقبل نهاية الهدنة لم يظهر أي وجود عسكري حول الشجاعية وجباليا. لكن المنطقتين كانتا عرضة للغارات الجوية المكثفة والمداهمات منذ استئناف القتال في الأسبوع الماضي. وفي تغريدة باللغة العربية على إكس قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي “هذا هو الإعلان الأخير، كلكم أهداف”. وقال الجيش الإسرائيلي إنه قام بمداهمة جباليا يوم الإثنين بعدما أكمل “تطويق” مخيم محلي للاجئين.
وقال مايكل هوروفيتز، مدير شركة استشارات المخاطر ليوبيك انترناشونال “قد تكون المعارك الدموية بانتظارنا” و”لكن سيتم حشرهم وسيجبرون على القتال”. ويضيف أن إسرائيل التي تقوم بدك الجنوب بغارات جوية مع ارتفاع متزايد للضحايا، ستجد صعوبة في تكرار ما فعلته بالشمال بسبب تزايد الضغط الدولي. وقال “من المحتمل أن يكون هناك مقاومة متدنية الوتيرة في الأشهر المقبلة”.
وردد المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون نفس التقييم “عملياتنا ستكون مختلفة تماما لما قمنا به في مدينة غزة، لأن [الجنوب] مزدحم جدا”.
ويعترف المسؤولون الأمنيون بمقتل 5.000 من مقاتلي حماس، وقال أحدهم “نعمل مع المخابرات ونحلل المعلومات ونفهم كم عدد الذين قتلوا وأين”، لكن إحصاء قتلى حماس معقد بسبب مقتل العديد منهم في الأنفاق. ويقوم التقدير الإسرائيلي في معظمه على التنصت على تقديرات حماس نفسها. ولم تنشر حماس أرقاما عن قتلاها ورفضت التعليق على ما ورد في تقرير الصحيفة. وقال هوروفيتز “لدينا مصدر وحيد وهو الجيش الذي يهمه وبطرق عدة تكبير الأرقام”.
ولدى حماس قدرة قتالية ما بين 27.000 -40.000 مقاتل، ويقول الخبراء إن لديها منفذا سهلا على تجنيد المزيد. لكن الأعداد ليست مهمة لإسرائيل بقدر ما هي مهتمة بقطع رأس الحركة وقتل قادتها مثل زعيم حماس في القطاع، يحيى السنوار الذي وصفه قادتها بأنه “رجل ميت يمشي”. و”هم الأشخاص الذين يمثلون الرموز وهم من لديهم السلطة في القطاع” حسب إيال حالوطا، مدير مجلس الأمن القومي حتى هذا العام. و”هذا هو الهدف الرئيسي للعملية في الوقت الحالي وفروا كلهم للجنوب وهذا واضح جدا”. وكرس الجيش قدرات استخباراتية وعناصر لتحديد مكان السنوار والزعيم العسكري محمد الضيف. وعلق حالوطا “يمكن لهذه الحرب أن تغير أشكالها، وربما كانت على مستويات من الكثافة، وسنواصلها حتى نقتلهم”.
وإلى جانب المقاتلين وقادة حماس، هناك الأنفاق، التي يبلغ طولها مئات الأميال والتي تتلوى تحت غزة، وهي أهم رصيد عسكري للحركة وتسمح لها بنقل الأسلحة والمقاتلين بدون اكتشافهم. وقال هوروفيتز “واحد من الأهداف هو تحديد الأنفاق”. ويقدر المسؤولون العسكريون عدد فتحات الأنفاق التي اكتشفوها بـ800 منها 500 دمرت، ورفضوا التعليق على خطط لغمرها بمياه البحر. لكن من الصعب معرفة الأثر الذي تركته العملية الإسرائيلية على نظام الأنفاق بشكل عام و”لا نعرف عدد الفتحات لكل نفق” كما يقول هوروفيتز. وتقدر شركته أن ثلث أنفاق غزة لا تزال سليمة، مع أن بعضها صغير وبهدف تنفيذ هجوم إلا أن العشرات منها عميقة لعدة أمتار ومرتبطة بشبكة أكبر.
وهناك الصواريخ، فرغم شهرين من القتال القاسي، لا تزال حماس قادرة على إطلاق الصواريخ تجاه إسرائيل، وتم إطلاق عدة رشقات منها يوم الثلاثاء باتجاه جنوب إسرائيل، وضرب واحد منها بناية سكنية في عسقلان. لكن صفارات الإنذار لا تسمع كثيرا في المدن البعيدة مثل تل أبيب، وانخفض عدد الصواريخ من الآلاف عما كان في الساعة الأولى من الحرب. ويعترض نظام القبة الحديدية معظم الصواريخ.
ويعلق هوروفيتز “كان هناك انخفاض حقيقي” و”السؤال لماذا؟ فربما ضربت إسرائيل حماس بقوة وانخفضت ترسانة حماس من الصواريخ أو أنها خفضت من وتيرتها”.
وقدرت المخابرات الإسرائيلية قبل الحرب أن ما تملكه حماس والفصائل الأخرى هو 30.000 صاروخ تقريبا، وأطلق المسلحون منها 11.500 صاروخ باتجاه إسرائيل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر. ويرى هوروفيتز أن من الصعب على إسرائيل القضاء على ترسانة الصواريخ لأن معظمها ينتج محليا و”تحتاج للبحث عن مصانع الصواريخ ووقف تدفق المواد. ويحتاج هذا لوقت طويل وأن يكون لك يوم تطلق فيه حماس صفرا من الصواريخ باتجاه إسرائيل، وهذا يوم يصعب الوصول إليه”.
المصدر: صحيفة واشنطن بوست
ترجمة: إبراهيم درويش
الجيش الإسرائيلي يكشف وثائق تظهر “مستوى من الإعداد” لهجوم “حماس” فاجأ المحلّلين العسكريين
|
كشفت وثائق وبيانات كان بعضها في حوزة مقاتلين فلسطينيين شاركوا في تنفيذ الهجوم غير المسبوق على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر وبعضها الآخر في أجهزة تم الاستيلاء عليها وعرضها الجيش الإسرائيلي على الصحافة، “مستوى من التفاصيل والإعداد” فاجأ المحللين العسكريين الإسرائيليين.
وأوضح ضابط في الاستخبارات الإسرائيلية أن هواتف وأجهزة كمبيوتر محمولة ونظام “جي بي إس” لتحديد المواقع وكاميرات “غوبرو” وأجهزة اتصال لاسلكية وخرائط ووثائق وكتيبات “تظهر سنوات من التحضير لمهاجمة كيبوتسات وقواعد عسكرية. إنها خطة لمعركة”.
في 7 تشرين الأول/أكتوبر، هاجم مئات المقاتلين من حركة “حماس” إسرائيل، ما أسفر عن مقتل أكثر من 1200 شخص، بحسب السلطات الإسرائيلية. واختطف حوالى 240 شخصاً، ونقلوا إلى قطاع غزة خلال هذا الهجوم، بحسب السلطات.
ومن أجل الغوص في الوثائق المكتوبة باللغة العربية، وفك رموز ملايين البيانات الإلكترونية، أعادت إسرائيل تفعيل وحدة تسمى “عمشات” (اختصار لقسم استعادة الوثائق والمعدات التقنية للعدو) بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر.
ضابط إسرائيلي: أجهزة تظهر سنوات من التحضير لمهاجمة كيبوتسات وقواعد عسكرية. إنها خطة لمعركة
أسست هذه الوحدة المرتبطة بالاستخبارات العسكرية الإسرائيلية عقب الحرب العربية الإسرائيلية في العام 1973. في ذلك الوقت، وقع هجوم مفاجئ شنته مصر وسوريا عزي إلى إخفاق الاستخبارات الإسرائيلية. ومذاك، علّق عمل “عمشات” وأعيد تنشيطه مرات عدة.
وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز”، في الأول من كانون الأول/ديسمبر أن الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية حصلت على وثيقة قبل أكثر من عام من الهجوم تفصّل عملية مماثلة لتلك التي نفّذت في 7 تشرين الأول/أكتوبر، لكن الاستخبارات اعتبرت أنه سيناريو “خيالي”.
ومن خلال تحليل البيانات، التي جمعت بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، قال الضابط الإسرائيلي لصحافيين، من بينهم صحافي من وكالة فرانس برس: “أكثر ما فاجأني هو مستوى التفاصيل والإعداد” لهذه العملية.
دليل أخذ رهائن
اكتشفت في أجهزة كمبيوتر خطط تكتيكية مفصلة شملت لائحة أهداف وأسماء الوحدات المشاركة وأعضائها ومهمة كل واحدة منها مع التفاصيل العملياتية والتوقيت الدقيق وقائمة الأسلحة المطلوبة.
وعثر أيضاً على رسم يدوي تفصيلي لمستوطنة ناحل عوز، التي دخلتها “حماس” يوم الهجوم. وعثر في حوزة مقاتلين قتلى على صور دقيقة بالأقمار الاصطناعية للكيبوتسات التي تعرضت للهجوم.
وليس لدى ذلك الضابط أدنى شك في أن المعلومات حول الكيبوتسات جاءت من الداخل من “عمال فلسطينيين أو عرب إسرائيليين”. وأضاف: “في ما يخص القاعدة العسكرية (ناحل عوز)، لا نعرف. لكنها (المعلومات) لا تأتي من مصدر مفتوح” خصوصاً أن كل ما عثر عليه يظهر أن “جزءاً من التدريب ركّز على طريقة أخذ رهائن. وتظهر وثائق ما يجب القيام به وطريقة التعامل معهم”، كما أوضح ضابط آخر في الاستخبارات الإسرائيلية.
واكتشف أيضاً مع مقاتلين قتلى “قائمة مرجعية” لطريقة أخذ رهائن و”دليل محادثة” مع الرهائن.
عثر على رسم يدوي تفصيلي لمستوطنة ناحل عوز، التي دخلتها “حماس” يوم الهجوم، وعلى صور دقيقة بالأقمار الاصطناعية للكيبوتسات التي تعرضت للهجوم
وتشمل “القائمة المرجعية” و”دليل المحادثة”، اللذان اطلعت عليهما وكالة فرانس برس، أموراً مثل “عصب العينين وتربيط اليدين وتجهيز غرفة الأسر وتفتيش ملابس الرهائن” ومفردات بالعبرية ومرادفها بالعربية للتحدث إلى الرهائن مثل “لا تتحرك، وارفع يديك، واسكت، وامشِ بسرعة”.
ما يثير الاهتمام
وتشير وثائق أخرى إلى أن المقاتلين تلقوا تعليمات أيضاً بقتل مدنيين، وفقاً للضابطين. وقال أحدهما: “أرادوا إحداث صدمة من شأنها أن تحطّم معنويات” الإسرائيليين.
كذلك، عُثر على وثائق لا علاقة لها بالعملية، وبعضها له قيمة عسكرية عالية.
وقال الضابط الثاني: “بعض مقاتلي حماس لم يتم إبلاغهم بأي شيء ولم يعرفوا ما الذي سيحدث. ودخل كثر إلى إسرائيل ومعهم أشياء لا علاقة لها بالهجوم. استخدم بعضهم سيارات كانوا يستخدمونها بشكل يومي” حاملين معهم معلومات قيمة.
وهكذا عثر على خريطة تفصيلية لجنوب غزة تحدد منشآت عسكرية لـ “حماس”، وفقا له.
وقالت “عمشات” إنها حصلت أيضاً على صور لأنفاق في غزة عرضتها للصحافيين وتظهر ممرات معززة بالإسمنت والمعدن، واسعة ومرتفعة بشكل يتّسع لسيارة، معربة عن عدم رغبتها في كشف مصدرها.
وقال الضابط الأول إنها أنفاق “عميقة جداً”، مشيراً إلى أن “غزة كلها عبارة عن أنفاق متداخلة”، و”لن أفاجأ إذا كان هناك أكثر من 500 كيلومتر من الأنفاق”. وتابع: “تخيلوا عدد الرهائن الذين يمكن وضعهم في الداخل ثم نقلهم”.
ولفت إلى أنه في هذا الكم الهائل من المعلومات التي استحصل عليها “هناك أمور كنا نعرفها وأخرى جديدة. يعطوننا كميات منها، وعلينا أن نجد ما يثير الاهتمام”.
المصدر: وكالة أ.ف.ب
واشنطن بوست: مخيم جنين أصبح “غزة صغيرة”.. مداهمات إسرائيلية دورية.. وسكانه يرحلون كل ليلة
|
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” تقريراً، أعدّته كلير باركر ولورينزو تونغولي، عن مخيم جنين، وصفته بـ “غزة الصغيرة”، حيث علِق المدنيون وسط محور حرب.
وقالت الصحيفة إن الخروج الليلي يبدأ مع غروب الشمس: “لا تنسَ بيجامتك”، تقول أحلام أبو قطنة (45 عاماً) لأطفالها الثلاثة، حيث جَمعتْهم على سطح بيت العائلة المكوّن من طابقين، قبل أن تعانقهم سريعاً. والتفتوا للمرة الأخيرة إلى المخيم الذي ينحدر أسفل التلة، قبل أن ينزلوا إلى الطابق السفلي لحزم أمتعتهم لقضاء ليلة أخرى بعيداً”.
وقامت روز بني قرارة (16 عاماً) بدفع كتبها المدرسية، وقبعة صوفية في حقيبة ظهرها، ووضعت شقيقتها رزان (13 عاماً) قميصاً أرجوانياً ونسخةً من القرآن في حقيبتها. أما محمد (11 عاماً) فقد حاول المغادرة وهو يحمل دفاتره المدرسية كلّها، لكن روز أخبرته أنها ثقيلة، فأعادها، وبدأ يلعب بمكعب روبيك، وحاول تحريك القطع الملونة إلى أماكنها، حيث كانت والدته تربط حذاءه. وأخرج زوج أحلام أحمد (46 عاماً) النفايات، وصلّى صلاة المغرب. وبعد دقائق، وضعت العائلة أمتعتها في السيارة، التي تحركت وسط شوارع ملتوية باتجاه ضواحي المدينة.
نفس المشاهِد حدثت في مخيم جنين، الذي تحوّل، منذ الشهر الماضي، إلى محور حرب غير معلن.
ومنذ هجمات 7 تشرين الأول/ أكتوبر، قُتل من المخيم، حتى يوم الأحد، 52 فلسطينياً، وربع من قتلتهم إسرائيل في نفس الفترة، وعددهم 234 شخصاً في أنحاء المناطق المحتلة، حسب أرقام الأمم المتحدة.
مثل بقية سكان المخيم، تخشى أحلام أن يكون الخروج المؤقت من المخيم مقدمة لتشريد دائم، نكبة ثانية
ويعيش في مخيم جنين، الذي أنشئ عام 1952، من قبل لاجئين أجبروا على ترك قراهم ومدنهم عام 1948، أكثر من 22.000 نسمة. وهو تابع اسمياً، مع مدينة جنين المجاورة، للسلطة الوطنية، إلا أن الجماعات المسلحة التي تقاتل الاحتلال هي السلطة الحقيقية، وتقوم القوات الإسرائيلية بمداهمات ليلية لملاحقتهم.
وزادت إسرائيل، ومنذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، من مداهماتها للمخيم، وما حوله، لقتل المسلحين، ومنهم ابن أخي أحلام، ثائر، الذي قتل في 9 تشرين الثاني/نوفمبر، والمعلقة صوره بين بنايتين في حيّهم، حيث تظهر صور المقاتلين من كل زاوية.
ويقول السكان إن التوغل الإسرائيلي أصبح دورياً وأكثر عنفاً، منذ الشهر الماضي، ولم يشاهدوا مثله منذ عقود.
وفي محاكاة لما نفذته إسرائيل، في تموز/ يوليو، من هجوم استمر على المخيم لمدة يومين، أصبحت توغلات الجيش الإسرائيلي تشمل مسيّرات قتالية قادرة على تدمير مبان من عدة طوابق، وبلحظة.
ويقول مدير شؤون الضفة الغربية في الأونروا، آدم بولكوس، إن المخاوف من الغارات الجوية هي وراء تدفق السكان من المخيم في الليل. ويقدّر طاقمه أن نسبة الثلثين من سكان المخيم يتركون منازلهم في الليل، وينامون في أماكن أخرى، ومنذ بداية المداهمات، في تشرين الثاني/نوفمبر. وبعضهم وجد مأوى لدى أقاربهم، وهناك من اكترى غرفاً في فنادق، أو غرفاً للنوم فيها، أما الفقراء فبقوا في الخلف. وقالت أحلام: “في كل ليلة نغادر فيها يصبح مخيم جنين مثل فيلم رعب، مثل بيت كبير خالٍ من الناس”. وبالنسبة لمن يخرجون فهو بمثابة طمأنة لهم ولأولادهم أنهم سيعيشون يوماً آخر، ولكن بثمن تعكير صفو الروتين والمدارس والأعمال. وتنهدّت أحلام قائلة: “جمع أمتعتك، ونقلها إلى بيت آخر، ثم العودة في الساعة السابعة صباحاً، هذه ليست حياة”. ومثل بقية سكان المخيم، تخشى أحلام أن يكون الخروج المؤقت من المخيم مقدمة لتشريد دائم، نكبة ثانية.
جمعت أحلام أبو قطنة أطفالها على سطح بيت العائلة، قبل أن تعانقهم سريعاً. والتفتوا للمرة الأخيرة إلى المخيم الذي ينحدر أسفل التلة، قبل أن ينزلوا
وتعاني أحلام من آلام في المعدة، يرى الأطباء أنها بسبب الضغط النفسي. وقادت العائلة السيارة إلى كوخ بناه أحمد وسط بستان زيتون، ووصلت بعد حلول الظلام، حيث أضاءت العائلة طريقها إليه بهواتفها المحمولة. وفي داخل البيت هناك كهرباء وليس مدفأة، والتلفاز المعلّق على الجدار دائماً على قناة “الجزيرة”، حيث تمثل صور بحث الغزيين بين الأنقاض خلفية ليلهم. وتقول أحلام إنه لا توجد مساعدة نظراً للحرب الدائرة في غزة: “جنين منسية”. والفلسطينيون يطلقون عليها “غزة الصغيرة”.
وبعد ساعتين دوّت صفارات الإنذار في جنين، علامة على أن الإسرائيليين في الطريق، وجاء أولاً صوت طائرة بدون طيار، ثم انفجار في المخيم، تبعه صوت إطلاق النار. وشاهد مراسلو الصحيفة تبادل إطلاق النار، فمع تقدّم المصفحات الإسرائيلية في الشارع المهجور في جنين، ظهر رمز أسود وبدأ يطلق النار على الجنود. وحاصرت العربات العسكرية مستشفى جنين، وهو تحرّك قال عمال الصحة إنه يهدف لمنع توفير العناية الطبية وإنقاذ حياة الجرحى، واعتقال المشتبه بهم من سيارات الإسعاف. وقال مدير المستشفى وسام بكر إن المسعفين الذين يرتدون سترات واقية من الرصاص يطلق الجيش عليهم النار، أو يهددهم أثناء التوغل. وقال مدير الهلال الأحمر الفلسطيني بجنين، محمود السعدي: “المستشفى محاصر بالكامل”.
وفي مكالمة هاتفية، الثلاثاء الماضي، مع الصحيفة، قال: “لقد اعتقلوا رجلاً جريحاً أصيب برجله من سيارة الإسعاف”. وأضاف أن العربات العسكرية الإسرائيلية ونقاط التفتيش منعت المسعفين من إنقاذ حياة المصابين.
وعانى الذين خرجوا من المخيم، ومن بقوا فيه أرقاً، ولم يستطيعوا النوم بسبب أصوات الانفجارات والرصاص، وتشاركوا على منصات التواصل صوراً للعربات العسكرية، وهي تسير في الشوارع، وتسلق الجنود للجدران، ودعوات المواطنين عبر مكبر الصوت للخروج. والتقطت صور لجرافات مصفحة وهي تجرف الشوارع بشكل جعلها غير قابلة للسير. وقدمت القنوات التي يستخدمها المسلحون على منصة تيلغرام تحديثات عن مواقع الجيش طوال الليل. ومع طلوع الفجر كانت شوارع وسط جنين فارغة وهادئة، مع أصوات بعيدة لإطلاق النار من المخيم وصوت انفجار دفع سربا من الحمام للتحليق في السماء.
وانسحب الجيش الإسرائيلي من محيط مستشفى جنين، في صباح الأربعاء، وخرج الأطباء، أعينهم تومض من أشعة الشمس، ونظر الأطفال الذين لجأوا مع أمهاتهم إلى المستشفى في الليل من نوافذه.
وفي المساء وصلت سيارة الإسعاف إلى مدخل الطوارئ، وتم سحب طفل أصيب برصاصة في رأسه، وحاول المسعفون تدليك صدره، لكن قدميه ووجهه بدوا باهتين. وهتف رجل كان يقف على الباب وشاهد الطفل على النقالة “الله أكبر”. وحضر طفل أكبر عمراً على نقالة، أصيب ببطنه، حيث تبعه إلى غرفة الطوارئ مقاتل يحمل سلاحاً.
قالت أحلام: في كل ليلة نغادر فيها يصبح مخيم جنين مثل فيلم رعب، مثل بيت كبير خالٍ من الناس
وفي ذلك المساء، أعلنت وزارة الصحة عن وفاة الطفلين آدم الغول (8 أعوام)، وباسم أبو الوفا (15 عاماً).
وأطلق الجنود الإسرائيليون النار على باسم أبو الوفا، عندما كان واقفاً عند تقاطع في مدينة جنين مع بقية الأولاد، بمن فيهم الغول، حسبما كشفت كاميرا مراقبة، وتمت مزامنة لقطاتها مع الموقع من قبل الصحيفة. وكان أبو الوفا يحمل شيئاً بحجم كف يده، ولم تستطع الصحيفة تحديد ما كان يحمله. وكان الغول يقف بعيداً عن أبو الوفا مسافة بنايتين، ودار، وحاول الهرب، وبعد ثانية وقع على الأرض. وقال الجيش الإسرائيلي إن مشتبهين حاولوا استهداف الجنود وتم تحديدهم وإطلاق الرصاص الحي ضدهم.
وتوصل مكتب حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، إلى أن الولدين لم يكونا يمثلان، على ما يبدو، تهديداً قوياً للقوات الإسرائيلية، وتم إطلاق النار عليهما.
وانتهت الغارة منتصف النهار، وأعلنت القوات الإسرائيلية عن مقتل محمد الزبيدي وحسام حنون، بعد حصار بناية تحصّنا بها. وأعلنت إسرائيل عن اعتقال 17 “مشتبهاً”، وصادرت أسلحة، وأخذ الجنود جثتي المقاتلين، حسب سكان المخيم.
المصدر: صحيفة واشنطن بوست الاميركية
ترجمة: إبراهيم درويش
معهد إسرائيلي: توتر بين القاهرة وتل أبيب وخلاف حول «اليوم التالي»
|
شهدت العلاقات بين مصر وإسرائيل نوعاً من التوتر مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، خصوصا بعد التصريحات الصادرة في إسرائيل حول نية الأخيرة تهجير الفلسطينيين من القطاع إلى سيناء، حسب «معهد دراسات الأمن القومي» في جامعة تل أبيب. ووفق تقرير المعهد الذي ترجمه مركز «مدار» فقد زاد من التوتر، تسريبات ومخططات صدرت عن جهات إسرائيلية حول «خلق واقع بديل» في غزة بعد الحرب، وما سيسفر عن ذلك، من وتبعات أمنية وسياسية. وقد تخوفت جهات في إسرائيل، وخصوصاً معاهد أبحاث، من أن يؤدي هذا التوتر إلى إضعاف العلاقة الإسرائيلية – المصرية، والمسّ في استقرارها بعد الحرب. ودعت إلى التعاون مع مصر في الترتيبات المستقبلية، والابتعاد عن أي خطوات من شأنها المساس باتفاقية السلام الموقعة.
لا توافق
ووفق التقرير، ففي مصر، لا يوجد توافق على معظم الأفكار المطروحة في إسرائيل فيما يتعلّق بشكل الحكم الإداري والأمني المستقبلي في قطاع غزة. وهذا ليس على مستوى القيادة المصرية فحسب، وإنما أيضاً على مستوى المؤسسات الإعلامية والمعاهد البحثية. القاهرة، لا توافق، حسب المعهد، على، «الأفكار والتصورات التي لا تضمن تسوية شاملة للقضية الفلسطينية، بما في ذلك طروحات حكم برعاية قوات دولية كالناتو أو الأمم المتحدة، أو حكم برعاية القوى العربية، أو تشكيل حكومة تكنوقراط، أو عودة السلطة الفلسطينية لحكم قطاع غزة دون موافقة الفصائل الفلسطينية وفي مقدّمتها حركة حماس». كما إنها «غير راغبة وليست مستعدة، في ظل الظروف الحالية لتولي مهمة حفظ الأمن في القطاع بعد الحرب، أو المراقبة الأمنية أو الانضمام لقوات دولية متعددة الجنسيات تقوم بهذه المهمة». وتذهب مصر أبعد من ذلك، إذ إنها «لا تؤيد بقاء إسرائيل في نهاية الحرب في القطاع. وأيضا لا تؤيد هزيمة حماس ونقل مسؤولية قطاع غزة لقوى إقليمية ودولية لمدة غير محددة. إضافة إلى كونها لا توافق على وجود إسرائيلي في المنطقة بعد الحرب بأي شكل يتراوح بين الاحتلال الكامل، إلى إنشاء حزام أمني أو منطقة عازلة داخل حدود القطاع رغم رفضها لاستخدام القطاع كقاعدة (إرهابية) من قبل حماس». ولفت التقرير إلى شكوك مصرية في رغبة وقدرة إسرائيل على إلحاق هزيمة ساحقة بحماس، لا تستطيع أن تتعافى منها بشكل يخلق واقعاً مستقراً وآمناً في قطاع غزة وعلى طول الحدود المصرية. كما تخشى القاهرة، حسب المعهد، أن يتحول أي وجود إسرائيلي أو أجنبي مؤقت ولفترة غير محدّدة زمنياً، إلى وجود دائم. يضاف لذلك، أن هناك اعتقاد لدى مصر، بأن الفصل بين حل الأزمة في غزة، وحل القضية الفلسطينية، لن يكون عادلاً بعين الفلسطينيين، وبالتالي، لن يحظى بأي دعم فلسطيني، ولن يخلق استقراراً طويل الأمد. وأيضا تتخوف القاهرة من أن تعمل حماس على تقويض شرعية أي حكومة أو إدارة فلسطينية بديلة يتم استبعادها منها. ومنذ بداية الحرب انقطع التواصل بين قادة إسرائيل ومصر، خصوصا مع التصريحات الإسرائيلية الصادرة عن جهات رسمية وغير رسمية، حول نية إسرائيل تهجير الفلسطينيين من القطاع. مخطط التهجير الذي لم ينفه رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتيناهو، يُنظر إليه في مصر، على المستويين الرسمي والشعبي، كمؤامرة تهدف إلى تصدير الأزمة إلى الأراضي المصرية وتنفيذ نكبة ثانية بحق الفلسطينيين، والقضاء على قضيتهم، تبعا للمعهد، الذي أضاف أن مخطط التهجير، يقوّض أمن مصر القومي وسيادتها، وهو ما دفع رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، للقول إن هذا الأمر، سيواجه بردّ مصري «حاسم» وألمح إلى أن القاهرة تعتبره، خرقاً لاتفاقية السلام.
الرؤية المصرية
ومقابل الرؤى والتصورات الإسرائيلية لمستقبل القطاع، تعمل مصر على صياغة خطة فلسطينية ـ عربية – إقليمية مضادّة، من شأنها إحباط مساعي إسرائيل لفصل «قضية غزة» عن الحل الجذري للقضية الفلسطينية. تتضمن هذه الخطّة، المرتبطة باليوم التالي للحرب، خطوطاً عامة، تشمل: تشكيل حكومة فلسطينية موحدة ومتفق عليها بشكل فوري في الضفة الغربية وقطاع غزة تكون تابعة للسلطة الفلسطينية، وهذا الأمر، إن تحقق، لن يقضي على حماس بشكل كامل، كما أنه سيحظى بدعم الدول العربية. كما تضم خطة مصر، تقديم مساعدات مادية خارجية للسلطة الفلسطينية من أجل إعادة إعمار غزة وتحقيق الإجماع الفلسطيني حولها، بما يسمح لها بتولي الحكم في قطاع غزة والحفاظ عليه بشكل فعّال. كما تتضمن، استئناف عملية السلام، مع خلق أفق سياسي ملموس ومحدد زمنياً لتسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وفقاً لقرارات الأمم المتحدة ومبدأ حل الدولتين.السعي لإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح بضمان قوى خارجية مثل قوات حلف شمال الأطلسي أو الأمم المتحدة أو قوات عربية أو قوات أمريكية. وكذلك، تقوية المعسكر الإقليمي، يشمل إسرائيل أيضاً الذي يضع نصب عينيه تحقيق السلام والاستقرار والتنمية والتعاون العابر للحدود. علاوةً على ذلك، يؤكّد التقرير أن مصر ما زالت مهتمة في هذه المرحلة بلعب دور مماثل لدورها السابق للحرب: الوساطة بين إسرائيل والفلسطينيين؛ الوساطة بين حماس وفتح؛ المشاركة في عملية إعادة الإعمار؛ والإشراف على المعابر على الحدود بين غزة وسيناء في أبعادها الإنسانية والاقتصادية والأمنية.
مصالح مشتركة
حسب التقرير، فإن هناك العديد من المصالح المشتركة بين إسرائيل ومصر على الرغم من الخلافات والتباينات حول «اليوم التالي للحرب». وهذه المصالح تتمثل بـ«إضعاف حماس وتجريد القطاع من قدراته العسكرية؛ إقامة حكومة مستقرة في قطاع غزة ومنع الفوضى التي قد تحوله لقاعدة تصدير (الإرهاب) ضد إسرائيل ومصر، فضلا عن تثبيت مصر كوسيط أساس ولاعب مركزي في استقرار الواقع المستقبلي في القطاع، وكبح قوة محور المقاومة (الراديكالي) في الشرق الأوسط؛ وتقوية التوجه الإقليمي الداعم للسلام والاستقرار والأمن». علاوةً على ذلك، يؤكّد التقرير أن «هناك مصلحة مشتركة بين مصر وإسرائيل في الاستفادة من الظروف التي خلقتها الحرب الحالية لتحسين الوضع الاقتصادي في مصر وتعزيز الاستقرار، وهذا الأمر لا بدّ من التركيز عليه نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها مصر». ويتطرّق بشيء من التفصيل للأزمة الاقتصادية في مصر وأسبابها، الداخلية والخارجية، في أعقاب أزمة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية. وهو الأمر الذي تسبب بأضرار متفاقمة لقطاعي الطاقة والسياحة، وبناءً على ذلك؛ يوصي التقرير، بأن يتم تعزيز التعاون بين إسرائيل ومصر في تشكيل واقع قطاع غزة في «اليوم التالي للحرب» وصياغة خطة استراتيجية منسّقة لسدّ الفجوات بينهما بما يعزّز من سيادة كل منهما بمساعدة الحلفاء. ومن أجل تحقيق ذلك لا بدّ لإسرائيل، حسب «المعهد» من أن تتحرّك في اتجاهات مختلفة، منها، إقناع مصر بأن إسرائيل مصمّمة على «القضاء على حركة حماس» والحيلولة دون أن تكون معيقاً لأي استقرار في «الواقع البديل» مستقبلاً في القطاع، وأن إسرائيل تمتلك القدرة لتحقيق ذلك. وأوضح أن من الأفضل لإسرائيل أن تأخذ بعين الاعتبار الموقف المصري بأن تصبح السلطة الفلسطينية هي الهيئة الحاكمة في قطاع غزة بعد الحرب، وحتى وإن لم يكن دخولها إلى القطاع فورياً وغير مشروط فلا بد من وضع إطار عام يشمل جدولاً زمنياً لضمان عودتها بشكل مسبق مع تقديم ضمانات بأن الترتيبات المؤقتة لن تتحول إلى دائمة. ودعا المعهد إسرائيل للسعي لخلق أفق سياسي لاستئناف عملية السلام الإسرائيلية- الفلسطينية عندما تسمح الظروف بذلك. ودعا، رئيس الوزراء الإسرائيلي أن يخرج بصوته وينفي «المؤامرة المنسوبة لإسرائيل» بأنها تنوي تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى سيناء، وإزالة هذه الفكرة من جدول الأعمال. في المقابل، يُؤكّد التقرير على أن المطلوب من مصر أن تأخذ «مصالح إسرائيل» بعين الاعتبار خلال استئناف عملية تسوية الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي عبر تشجيع السلطة الفلسطينية على الموافقة على تجريد القطاع من السلاح واتخاذ خطوات تجاه إسرائيل من أجل تعزيز الثقة، مثل «وقف التحريض على وسائل الإعلام» «إصلاح المناهج الدراسية» و»وقف دفع الأموال لعائلات الأسرى والشهداء» وهذه الخطوات ستكون متسّقة مع رؤية إدارة جو بايدن لخلق «سلطة فلسطينية متجدّدة». ووفق المعهد «إذا كانت مصر تعارض حرية عمل عسكري لإسرائيل في قطاع غزة، فعليها أن تقدّم حلولاً بديلة تراعي المخاوف الأمنية الإسرائيلية، وأن تُساهم في تنفيذ هذه الحلول، بما في ذلك موافقة مصر على قيادة قوات عربية مؤقتة في غزة، وتعزيز الجهود لوقف عمليات التهريب عبر الحدود مع غزة وضمان تنفيذ الملحق العسكري لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية. ويؤكّد التقرير أن مصر يُمكنها القيام بذلك بالتعاون مع القوى العربية والدولية الفاعلة من أجل ضمان حصولها على دور بنّاء في «اليوم التالي للحرب» بما يضمن حصولها على حوافز اقتصادية وتعزيز الاستثمارات الأجنبية وتسهيلات حول الديون وغيرها، والهدف من ذلك ليس إبعادها عن مواقفها بقدر ما هو تعزيز لتوسيع تدخلها الأمني والاقتصادي في القطاع بما يضمن احتياجات إسرائيل الاستراتيجية بدعم دولي وعربي. ويؤكّد التقرير أن خطة التحفيز لمصر قد تستلهم من الأفكار الواردة في «صفقة القرن» التي طرحتها إدارة ترامب في عام 2020، ولا بد من أن تشمل هذه الخطة بند الإعفاء من الديون الخارجية كما حصل في أعقاب حرب الخليج تقديراً لدعمها للتحالف الذي قادته الولايات المتحدة.
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي
ترجمة: صحيفة القدس العربي
وول ستريت جورنال: إسرائيل تدرس خطة لإغراق أنفاق غزة بمياه البحر
|
كشف مسؤولون أمريكيون أنّ إسرائيل تقوم حالياً بتجميع نظام من المضخات الكبيرة التي يمكن استخدامها لإغراق شبكة أنفاق حركة المقاومة الإسلامية (حماس) تحت قطاع غزة بمياه البحر، وهو تكتيك يمكن أن يدمر الأنفاق ويطرد المقاتلين من ملجأهم تحت الأرض ولكنه يهدد، أيضاً، إمدادات المياه في غزة، وفقاً لصحيفة “وول ستريت جورنال”.
مسؤولون أمريكيون: إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة بالخيار في أوائل الشهر الماضي و”مشاعر” الولايات المتحدة مختلطة بشأن الخطة بين الموافقة والإعراب عن “القلق”
وبحسب ما ورد، فقد انتهى الجيش الإسرائيلي من تجميع مضخات كبيرة لمياه البحر على بعد ميل تقريباً شمال مخيم الشاطئ للاجئين في منتصف الشهر الماضي تقريباً.
ويمكن لكل مضخة من المضخات الخمس على الأقل سحب المياه من البحر الأبيض المتوسط ونقل آلاف الأمتار المكعبة من المياه في الساعة إلى الأنفاق، مما يؤدي إلى إغراقها في غضون أسابيع.
وكشف مسؤولون أنّ إسرائيل أبلغت الولايات المتحدة أولا بالخيار في أوائل الشهر الماضي، مما أثار نقاشا يزن جدوى العملية وتأثيرها على البيئة مقابل القيمة العسكرية لتعطيل الأنفاق.
وقال مسؤولون أمريكيون إنهم لا يعرفون مدى قرب الحكومة الإسرائيلية من تنفيذ الخطة، وأكدوا أنّ إسرائيل لم تتخذ قرارا نهائياً بالمضي قدما ولم تستبعد الخطة.
وعلى حد تعبير “وول ستريت جورنال”، فقد كانت “المشاعر” داخل الولايات المتحدة مختلطة حيث أعرب بعض المسؤولين الأمريكيين بشكل خاص عن قلقهم بشأن الخطة، بينما قال مسؤولون آخرون إن الولايات المتحدة تدعم تعطيل الأنفاق، وقالوا إنه ليس هناك بالضرورة أي معارضة أمريكية للخطة.
و حدد الإسرائيليون حوالي 800 نفق حتى الآن، على الرغم من اعترافهم بأن الشبكة أكبر من ذلك، حسبما ورد في التقرير.
وقال شخص مطلع على الخطة إن عملية غمر الأنفاق، التي تستغرق بضعة أسابيع ستمكن الغالبية من مقاتلي حماس، وربما “الرهائن”، من الخروج. وليس من الواضح ما إذا كانت إسرائيل ستفكر في استخدام المضخات قبل إطلاق سراح جميع المحتجزين من غزة.
وقال المصدر: ” لم نتأكد من مدى نجاح عملية الضخ، إذ لا أحد يعرف تفاصيل الأنفاق والأرض المحيطة بها”. “من المستحيل معرفة ما إذا كان ذلك سيكون فعالاً لأننا لا نعرف كيف سيتم تصريف مياه البحر في أنفاق لم يدخلها أحد من قبل.”
ورفض مسؤول في الجيش الإسرائيلي التعليق على خطة الفيضانات، وفقا للصحيفة، لكنه قال: “إن القوات الإسرائيلية تعمل على تفكيك قدرات حماس (..) بطرق مختلفة، بما في ذلك استخدام أدوات عسكرية وتكنولوجية مختلفة”.
مسؤولون أمريكيون: لا نعرف مدى قرب الحكومة الإسرائيلية من تنفيذ الخطة ولكنها لم تتخذ قرارا نهائياً بالمضي قدماً
وزعمت “وول ستريت جورنال” أن حماس استخدمت نظام الأنفاق الواسع النطاق للاختباء والتنقل بين المنازل في غزة واحتجاز المحتجزين دون أن يتم اكتشافها. وقالت إنه تم بناء بعض الأنفاق الأكثر تطورًا بالخرسانة المسلحة، وتحتوي على خطوط كهرباء واتصالات، وهي طويلة بما يكفي ليقف فيها رجل متوسط الحجم.
ولا يستطيع معظم سكان غزة حاليا الحصول على المياه النظيفة . ومن مصادر مياه الشرب في غزة محطات التنقية التي تم تعطيلها مؤخرًا.
وفي ذروته، كان نظام المياه يوفر 83 لترًا من المياه للشخص الواحد يوميًا. والآن لا يحصل الفلسطينيون على أكثر من ثلاثة لترات يوميا، وفقا للأمم المتحدة، التي قالت إنّ الحد الأدنى يجب أن يكون 15 لترًا يومياً.
وقال جون ألترمان، نائب رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في جامعة واشنطن إنهّ من الصعب إجراء تقييم كامل لتأثير ضخ مياه البحر في الأنفاق لأنه ليس من الواضح مدى نفاذية الأنفاق أو كمية مياه البحر التي ستتسرب إلى التربة وبأي تأثير.
وأضاف “من الصعب معرفة ما سيفعله ضخ مياه البحر للبنية التحتية الحالية للمياه والصرف الصحي. ومن الصعب معرفة ما سيفعله ذلك باحتياطيات المياه الجوفية.
وقال ألترمان: “من الصعب معرفة تأثير ذلك على استقرار المباني المجاورة”.
وأكد مسؤولون أمريكيون سابقون مطلعون على القضية أن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين ناقشوا إغراق الأنفاق بمياه البحر، لكنهم قالوا إنهم لا يعرفون الوضع الحالي للخطة.
واعترف المسؤولون السابقون بأن مثل هذه العملية ستضع إدارة بايدن في موقف صعب وربما تجلب إدانة عالمية، لكنهم قالوا إنها كانت واحدة من الخيارات الفعالة القليلة للتعطيل الدائم لنظام أنفاق حماس الذي يقدر أنه يمتد لمسافة 300 ميل تقريبًا.
مسؤولون: الخطة الإسرائيلية ستضع إدارة الرئيس جو بايدن في موقف صعب، وربما ستجلب إدانة عالمية
وقال أحد المسؤولين السابقين إن شبكات المياه والصرف الصحي في غزة تعرضت لأضرار بالغة وملوثة بشدة، وستحتاج إلى إعادة بنائها بمساعدة دولية بعد الحرب.
وقال فيم زويننبرغ، الذي درس تأثير الحرب على البيئة في الشرق الأوسط، إنه بافتراض أن حوالي ثلث شبكة الأنفاق قد تضرر بالفعل، سيتعين على إسرائيل ضخ ما يقرب من مليون متر مكعب من مياه البحر لتعطيل الباقي.
وقال زويننبرغ، الذي يعمل لدى ” باكس” وهي منظمة سلام مقرها هولندا، إن طبقة المياه الجوفية في غزة، التي يستمد منها السكان مياه الشرب وغيرها من الاستخدامات، أصبحت بالفعل أكثر ملوحة مع ارتفاع مستوى سطح البحر، مما يتطلب المزيد من الطاقة لتشغيل محطات تحلية المياه التي يعتمد عليها السكان.
وقال في رسالة بالبريد الإلكتروني إن الفيضانات يمكن أن تؤثر على تربة غزة الملوثة بالفعل، ويمكن أن تتسرب المواد الخطرة المخزنة في الأنفاق إلى الأرض.
تهجير أهالي غزة لا يغادر التفكير الإسرائيلي.. الخريطة الجديدة تؤكد ذلك
|
مع انتهاء الهدنة المؤقتة مطلع ديسمبر/كانون الأول الجاري، نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي خريطة جديدة لإخلاء سكان قطاع غزة ظاهرها “حماية المدنيين” وباطنها الإمعان في التدمير والتهجير.
فبعد يوم واحد من دعوة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى وضع “خطة حماية” مزعومة للحد من وقوع المزيد من الضحايا المدنيين في غزة، نشرت “إسرائيل” خريطة تفاعلية تقسم الجيب الساحلي المحاصر إلى مئات المناطق المرقمة.
وأعلن جيش الاحتلال أنه “يجب على السكان الرجوع إلى الخرائط للحصول على تعليمات حول مكان التحرك لتجنب القتال النشط”.
وقال المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي، إنه يجب على الفلسطينيين في عدد من المناطق؛ الإخلاء إلى “الملاجئ المعروفة”، في حين لا يوجد اليوم مكان آمن على طول قطاع غزة.
ومن غير الواضح كيف من المفترض أن يتبع سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون مدني، والذين ليس لديهم كهرباء أو اتصال بالإنترنت، التعليمات. ويلقي الاحتلال بالتزامن مع إعلاناته المناشير من الطائرات لكن من المؤكد أنها لا تصل للجميع.
#جيوبوست | نشر جيش الاحتلال الإسرائيلي على موقعه الإلكتروني أمس الخميس 30 نوفمبر (خلال سريان الهدنة) خريطة تفاعلية تقسم قطاع غزة إلى ما أسماها مناطق وبلوكات، يحدد من خلالها الأماكن التي سيستهدفها.
✔️بعد ذلك حدّث الموقع الإلكتروني تاريخ نشر الخريطة إلى اليوم الجمعة 1 ديسمبر… pic.twitter.com/I37DxXufzL
IDF has been dropping leaflets in Khan Younis asking people to move south to Gaza. Looks like a QR code has been hidden by the person taking the photo, I assume it’s a link to the IDF map with zones or an additional information page. pic.twitter.com/6l6DQKydIJ
وقد اضطر العديد من الأهالي بالفعل إلى النزوح من منازلهم أو الأماكن التي التجأوا إليها بفعل القصف الجنوني من البحر والجو والبر، الذي يطال كل قطاع غزة.
تفاصيل الخريطة
تقسم الخريطة التي نشرها الجيش الإسرائيلي يوم الخميس وحدّثها الجمعة قطاع غزة المحاصر إلى 2300 كتلة منفصلة، تتراوح مساحتها من ملعبين لكرة القدم إلى 25 كيلومترا مربعا.
وهذه الخريطة المقسمة إلى “بلوكات” (مربعات) يحمل كل منها رقما، وهي مكونة من جزأين، الجزء الشمالي ويضم كلا من بيت حانون وبيت لاهيا وجباليا ومخيم الشاطئ والرمال وشيخ عجلين والصبرة والزيتون.
أما الجزء الجنوبي فيضم كلا من البريج والمغازي والنصر ودير البلح والقرارة والناصرة والجلاء والكتيبة والآمال وبني سهيلا والمواصي والمحررات وخانيونس.
خرائط إخلاء نشرها جيش الاحتلال لجنوب وشمال غزة
على سبيل المثال، نشر أفيخاي أدرعي أن سكان جباليا المقيمين في البلوكات الآتية: 1772، 1808، 1811، 961، 963، 760، يجب عليهم الإخلاء فورًا عبر محوريْ حيفا وخليل الوزير والتوجه إلى مراكز الإيواء المعروفة والمدارس في حييْ الدرج وتفاح وغرب مدينة غزة، كما فعل نفس الأمر في أماكن عديدة.
وتضمنت الخريطة في جنوبها جزءًا من رفح المصرية حدده الاحتلال وأسماه “المنطقة العازلة بين سيناء وقطاع غزة”، وهو ما أثار شكوكا لدى الأهالي باستمرار مخطط التهجير إلى مصر.
الخريطة كلها طلاسم ومعقدة جدا.. إلا المنطقة العازلة بين سيناء وقطاع #غزة واضحة وملونة بشكل لافت!!!!!!!!!! pic.twitter.com/y06z2UyT9U
وسخر الغزيون من إرفاق رمز الاستجابة السريعة “QR” مع المنشورات التي تحدد البلوكات مع غياب الإنترنت بالكامل عن قطاع غزة.
وتشبه الخريطة الألعاب القديمة الخاصة بالمتاهات، حيث يجب على المدنيين المذعورين أن يخمنوا أي مربع سينقذ حياتهم.
الهدف منها
جاءت هذه الخريطة بعد تضخم عدد سكان جنوب قطاع غزة بفعل القصف العنيف للمناطق الشمالية وإيعاز الاحتلال للأهالي فيها بالتوجه إلى جنوب وادي غزة.
ومنذ البداية، ظهرت مخططات واضحة لتهجير الفلسطينيين عبر تصريحات وتلميحات “إسرائيل”ية بضرورة توطينهم في شبه جزيرة سيناء المصرية.
وتميز هذا العدوان عن سابقاته باستهداف المستشفيات والمدارس بشكل مباشر بعد أن لجأ إليها الآلاف من الفلسطينيين الذين شردتهم قوات الاحتلال بفعل القصف.
ثم لاحقتهم قوات الاحتلال نحو المدارس والمستشفيات لإنجاح مخطط تهجيرهم من مدينة غزة وشمالها نحو الجنوب.
وفصل الاحتلال خلال العدوان المستمر منذ نحو شهرين، شمال القطاع عن جنوبه، وطلب من أكثر من 1.1 مليون فلسطيني، مرارًا، الانتقال في الاتجاه الذي يقربهم نحو الحدود المصرية.
لكن مئات الآلاف لم يستجيبوا لهذا الطلب وبقوا في شمال القطاع، وهو أمر دفع الاحتلال إلى هذه الخطة الجديدة. وطرحت خلال العدوان عدة سيناريوهات لمرحلة ما بعد حركة حماس من بينها تهجير أهالي قطاع غزة وإعادة احتلاله، وهي جدد الفلسطينيون التعبير عنهم بعد نشر الخريطة الجديدة.
وعلق الناشط الفلسطيني رفعت العرعير على الخريطة بالقول: “هذه الخطة الشيطانية ستكون بمثابة مبرر لسقوط أعداد كبيرة من الضحايا والتهجير القسري”.
وتابع: “خلاصة القول، في المرحلة الثانية من الحرب (بعد هدنة لمدة 7 أيام)، تواصل “إسرائيل” القتل والتهجير القسري، لكن بطريقة أكثر احترافية هذه المرة. لقد رفض العالم القتل العشوائي، لذلك هناك تحول نحو القتل المنظم”.
Israel divides the Gaza Strip into blocks… a new phase of the Israeli genocide. Via @Yasser_Gaza:
– The Israeli army has released a map dividing the Gaza Strip into over 2300 small blocks. – The army has requested Gaza residents to identify the block number they reside in… pic.twitter.com/EfD6I6qZl5
على سبيل المثال، في التعليمات التي أصدرها الاحتلال بشأن مناطق شرق خانيونس، كانت الأوامر تطلب بأن يتوجهوا نحو مدينة رفح أقصى جنوب قطاع غزة.
وتدور تساؤلات عن أسباب عدم دفعهم للاتجاه غربًا حتى الانتهاء من عمليات الاحتلال في الشرق. وتسود التقديرات هنا بأن “إسرائيل” تريد تفريغ أكبر عدد ممكن من السكان وإجبارهم على الاتجاه نحو الحدود الفلسطينية المصرية.
ويضغط الاحتلال على الأهالي بمنع الغذاء والماء والدواء وتكثيف القصف. ويرى الفلسطينيون أنه سيلاحقهم في المرحلة القادمة إلى رفح وحينها لن يجدوا مفرا من اقتحام الحدود.
وفي عام 2008 ومع اشتداد الحصار الإسرائيلي على غزة، اقتحم آلاف الغزيين الحدود ودخلوا إلى سيناء ومكثوا فيها مدة أسبوع، وعادوا منها محملين بالمواد الطبية والغذائية وغيرها.
ويحاول النظام المصري تجنب تكرار مثل هذا السيناريو، وسط مساع ودعوات إسرائيلية كبيرة لتهجير أهل غزة إلى سيناء. وفي الأول من ديسمبر/كانون الأول وبعد انتشار الخريطة، أكدت الخارجية المصرية موقف القاهرة الراسخ الرافض للتهجير القسري للفلسطينيين خارج حدود أرضهم، باعتباره خطا أحمر لن يتم السماح بتجاوزه.
وطرح مخطط التهجير في عهد رئيس النظام المصري الأسبق محمد حسني مبارك، وكان رده حاسما، وفق ما ورد في تسريب صوتي سابق له.
وقال مبارك في التسريب الذي نشر في نوفمبر/تشرين الثاني 2017: “أنا على دراية كاملة بمخطط أميركا و”إسرائيل” لإقامة وطن بديل للفلسطينيين في سيناء التي باتت مطمعًا لهم ولا يكلون ولا يملون من محاولات الحصول عليها بأي شكل”.
وأضاف: “إسرائيل عايزة تزق قطاع غزة في سيناء، قالي مرة (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو إنه ممكن نشوف حتة (مكان) للغزيين وكان بيشاور على سيناء، وقلتله إنه حاجة متل دي هترجع الحرب بيننا تاني”.
والهدف الثاني من هذا التقسيم بحسب التقديرات الفلسطينية يتمثل في تحييد قدرات حركة حماس بعد فشل الاحتلال بتحقيق إنجازات عسكرية تذكر خلال العدوان المستمر.
ويريد الاحتلال تدمير المربعات السكنية بالتتالي من أجل محاولة تحقيق إنجازات عسكرية كمعرفة مكان وجود قائد حماس في غزة يحيى السنوار أو القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف أو حتى تدمير أكبر قدر ممكن من الأنفاق الأرضية.
خالد كريزم
المصدر: موقع نون بوست
تحقيق استقصائي: الجيش الإسرائيلي يستعين بالـ AI لتنفيذ مجازر جماعية
|
يبدو أن التفويض الموسع للجيش الإسرائيلي بقصف الأهداف غير العسكرية، وتخفيف القيود المتعلقة بالخسائر المدنية المتوقعة من هذا التفويض، واستخدام نظام الذكاء الاصطناعي لتوليد أهداف محتملة أكثر من أي وقت مضى، قد ساهما في الوصول إلى الدمار الذي شهدناه في المراحل الأولى من الحرب الإسرائيلية الحالية على قطاع غزة، وفقاً لتحقيق أجرته مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت. ومن المرجح أن هذه العوامل، كما وصفها أعضاء حاليون وسابقون في المخابرات الإسرائيلية، لعبت دوراً في إنتاج واحدة من أكثر الحملات العسكرية دموية ضد الفلسطينيين منذ نكبة العام 1948.
يستند التحقيق الذي أجرته مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت إلى محادثات مع سبعة أعضاء حاليين وسابقين في جماعة الاستخبارات الإسرائيلية – بمن في ذلك المخابرات العسكرية وأفراد سلاح الجو الذين شاركوا في العمليات الإسرائيلية في القطاع المحاصر – بالإضافة إلى شهادات وبيانات ووثائق فلسطينية من قطاع غزة، وتصريحات رسمية من قبل المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي ومؤسسات الدولة الإسرائيلية الأخرى.
مقارنة بالهجمات السابقة على غزة، فإن الحرب الحالية – التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “عملية السيوف الحديدية”، التي بدأت في أعقاب الهجوم الذي قادته حماس على جنوب إسرائيل في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023– شهدت قيام الجيش بتوسيع قصفه بشكل كبير لأهداف ليست ذات طبيعة عسكرية واضحة. تشمل هذه الأهداف المساكن الخاصة إلى جانب المباني العامة والبنية التحتية والأبراج الشاهقة، التي تقول المصادر إن الجيش يعرّفها على أنها “أهداف تنطوي على قوة”. وفقاً لمصادر استخباراتية كانت لديها خبرة مباشرة في تنفيذ هذا النوع من القصف على غزة في الماضي، فإن قصف “أهداف تنطوي على قوة” يهدف بشكل أساس إلى الإضرار بالمجتمع المدني الفلسطيني: “خلق صدمة” من شأنها أن تقود، من بين أمور أخرى، إلى ظهور واقع جديد “يقود المدنيين إلى الضغط على حماس”، على حدّ تعبير أحد المصادر.
وأكدت العديد من المصادر، التي تحدثت إلى مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت بشرط عدم الكشف عن هويتها، أن الجيش الإسرائيلي لديه ملفات عن الغالبية العظمى من الأهداف المحتملة في غزة – بما في ذلك المنازل – تتضمن عدد المدنيين الذين من المحتمل أن يقتلوا في هجوم على هدف معين. هذا الرقم محسوب ومعروف مسبقاً لوحدات المخابرات التابعة للجيش، التي تعرف أيضاً قبل وقت قصير من تنفيذ الهجوم تقريباً عدد المدنيين الذين من المؤكد أنهم سيقتلون.
وفي إحدى الحالات التي ناقشتها المصادر، وافقت القيادة العسكرية الإسرائيلية، وعن علم مسبق، على قتل مئات المدنيين الفلسطينيين في محاولة لاغتيال قائد عسكري كبير واحد من حماس. وقال أحد المصادر: “ارتفعت الأرقام من عشرات القتلى المدنيين [المسموح بهم] كأضرار جانبية كجزء من هجوم على مسؤول كبير في عمليات سابقة، إلى مئات القتلى المدنيين كأضرار جانبية”.
“لا شيء يحدث عن طريق الصدفة”، قال مصدر آخر. “عندما تقتل فتاة تبلغ من العمر 3 سنوات في منزل في غزة، فذلك لأن شخصاً ما في الجيش قرر أن قتل المدنيين أمر يمكن فعله – أنه كان ثمناً يستحق دفعه من أجل ضرب هدف [آخر]. نحن لسنا حماس. هذه ليست صواريخ عشوائية [كما يقول المصدر العسكري الإسرائيلي الذي له تجربة مع هذا النوع من القصف]. كل شيء مقصود. نحن نعرف بالضبط حجم الأضرار الجانبية الموجودة في كل منزل”.
وفقاً للتحقيق، هناك سبب آخر للعدد الكبير من الأهداف، وإلحاق الضرر الواسع النطاق بحياة المدنيين في غزة، هو الاستخدام الواسع لنظام يسمى “هبسورا” [البشرى]، وهو مبني إلى حدّ كبير على الذكاء الاصطناعي ويمكنه “توليد” الأهداف تلقائياً تقريباً بمعدل يتجاوز بكثير ما كان ممكناً في السابق. هذا النظام من الذكاء الاصطناعي، كما وصفه ضابط مخابرات سابق، يعني أننا أمام “مشروع للاغتيال الجماعي”.
ووفقاً للمصادر، فإن الاستخدام المتزايد للأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي مثل “هبسورا” يسمح للجيش بتنفيذ غارات على المنازل السكنية التي يعيش فيها عضو واحد من حماس على نطاق واسع، حتى لو كان من صغار نشطاء حماس.
ومع ذلك، تشير شهادات الفلسطينيين في غزة إلى أنه منذ 7 أكتوبر، هاجم الجيش أيضاً العديد من المساكن الخاصة التي لم يكن فيها عضو معروف أو بارز في حماس أو لم تكن تقيم فيه أي جماعة مسلحة. مثل هذه الضربات، كما أكدت المصادر لمجلة +972 وموقع سيحا مكوميت، يمكن أن تقتل عائلات بأكملها عن عمد في هذه العملية.
وأضافت المصادر أنه في معظم الحالات، لا يتم تنفيذ النشاط العسكري من هذه المنازل المستهدفة. وقد أكد أحد المصادر الذي انتقد هذه الممارسة: “أتذكر أنني كنت أفكر في أن الأمر يشبه أن [المسلحين الفلسطينيين] سيقصفون جميع المساكن الخاصة لعائلاتنا عندما يعود [الجنود الإسرائيليون] للنوم في منازلهم في عطلة نهاية الأسبوع”.
وقال مصدر آخر إن ضابط مخابرات كبيراً قال لضباطه بعد 7 أكتوبر إن الهدف هو “قتل أكبر عدد ممكن من نشطاء حماس”، وهذا كان يعني عملياً تخفيف المعايير المتعلقة بإيذاء المدنيين الفلسطينيين بشكل كبير. على هذا النحو، هناك “حالات نقوم فيها بقصف بناءً على تحديد خليوي واسع لمكان الهدف، مما يؤدي إلى مقتل المدنيين. غالباً ما يتم ذلك لتوفير الوقت، بدلاً من القيام بمزيد من العمل للحصول على تحديد أكثر دقة”.
وكانت نتيجة هذه السياسات خسائر فادحة في الأرواح البشرية في غزة منذ 7 أكتوبر. فقدت أكثر من 300 أسرة 10 أفراد أو أكثر من أفرادها في القصف الإسرائيلي في الشهرين الماضيين – وهو رقم أعلى بـ 15 مرة من الرقم الذي كان خلال الحرب الأكثر دموية التي شنتها إسرائيل على غزة في العام 2014. في وقت كتابة هذا التقرير، تم الإبلاغ عن مقتل حوالى 15,000 فلسطيني في الحرب، وما زال العدد في ازدياد.
“كل هذا يحدث خلافاً للبروتوكول الذي استخدمه الجيش الإسرائيلي في الماضي”، أوضح مصدر. “هناك شعور بأن كبار المسؤولين في الجيش يدركون فشلهم في 7 أكتوبر، وهم مشغولون بمسألة كيفية تزويد الجمهور الإسرائيلي بصورة [النصر] التي ستنقذ سمعتهم”.
“ذريعة لإحداث الدمار“
شنت إسرائيل هجومها على غزة في أعقاب الهجوم الذي قادته حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول على جنوب إسرائيل. وخلال ذلك الهجوم، وتحت وابل من نيران الصواريخ، ذبح مسلحون فلسطينيون أكثر من 840 مدنياً وقتلوا 350 جندياً ومن أفراد أمن، واختطفوا حوالى 240 شخصاً – مدنيين وجنوداً – إلى غزة. كما قال تقرير صادر عن منظمة “أطباء لحقوق الإنسان” أنهم ارتكبوا حوادث عنف جنسية.
منذ اللحظة الأولى بعد هجوم 7 كتوبر، أعلن صناع القرار في إسرائيل صراحة أن الرد سيكون بحجم مختلف تماماً عن العمليات العسكرية السابقة في غزة، بهدف معلن هو القضاء التام على حماس. وقد قال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي دانييل هغاري في 9 تشرين الأول: “التركيز على الضرر وليس على الدقة”. وسرعان ما ترجم الجيش تلك التصريحات إلى أفعال.
وفقاً للمصادر التي تحدثت إلى مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت، يمكن تقسيم الأهداف التي قصفتها الطائرات الإسرائيلية في غزة إلى أربع فئات. الأولى هي “الأهداف التكتيكية”، التي تشمل الأهداف العسكرية القياسية مثل الخلايا المسلحة، ومستودعات الأسلحة، وقاذفات الصواريخ، وقاذفات الصواريخ المضادة للدبابات، أنفاق الإطلاق، وقنابل الهاون، والمقرات العسكرية، ومراكز المراقبة، وما إلى ذلك.
والثانية هي “أهداف تحت الأرض” – بشكل أساس الأنفاق التي حفرتها حماس تحت أحياء غزة، بما في ذلك تحت منازل المدنيين. يمكن أن تؤدي الغارات الجوية على هذه الأهداف إلى انهيار المنازل فوق الأنفاق أو بالقرب منها.
والثالثة هي “أهداف تنطوي على قوة”، والتي تشمل المباني الشاهقة والأبراج السكنية في قلب المدن، والمباني العامة مثل الجامعات والبنوك والمكاتب الحكومية. الفكرة وراء ضرب مثل هذه الأهداف، كما تقول ثلاثة مصادر استخباراتية شاركت في تخطيط أو تنفيذ ضربات على “أهداف تنطوي على قوة” في الماضي، هي أن الهجوم المتعمد على المجتمع الفلسطيني سيمارس “ضغطاً مدنياً” على حماس.
أما الفئة الأخيرة فتتألف من “منازل العائلات” أو “منازل الناشطين”. والغرض المعلن من هذه الهجمات هو تدمير المساكن الخاصة من أجل اغتيال أحد السكان المشتبه به بأنه ناشط في حماس أو الجهاد الإسلامي. إلا أن الإفادات الفلسطينية في الحرب الراهنة تؤكد أن بعض العائلات التي قتلت لم يكن من بينها أي ناشطين من هذه التنظيمات.
في المراحل الأولى من الحرب الحالية، يبدو أن الجيش الإسرائيلي قد أولى اهتماماً خاصاً للفئتين الثالثة والرابعة من الأهداف. ووفقاً لتصريحات الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي في 11 تشرين الأول، خلال الأيام الخمسة الأولى من القتال، اعتبرت نصف الأهداف التي تم قصفها – 1,329 من أصل 2,687 – من نوع “أهداف تنطوي على قوة”.
“يُطلب منا البحث عن المباني الشاهقة التي يمكن أن نجد فيها جزءًا من طابق واحد تابعاً لحماس”، قال مصدر شارك في الهجمات الإسرائيلية السابقة على غزة. وأضاف: “في بعض الأحيان يكون مكتب المتحدث باسم جماعة مسلحة، أو نقطة يلتقي فيها النشطاء. فهمت أن الكلمة هي ذريعة تسمح للجيش بإحداث الكثير من الدمار في غزة. هذا ما قالوه لنا.
“إذا أخبروا العالم كله أن مكاتب [الجهاد الإسلامي] في الطابق 10 ليست مهمة كهدف لكن وجودها هو مبرر لهدم المبنى بأكمله بهدف الضغط على العائلات المدنية التي تعيش فيه من أجل الضغط على المنظمات الإرهابية، فإن هذا في حدّ ذاته سينظر إليه على أنه إرهاب. لذلك لا يقولون ذلك”.
وقالت مصادر مختلفة ممن خدموا في وحدات المخابرات الإسرائيلية إنه في الحروب الإسرائيلية على قطاع غزة في السابق، كانت بروتوكولات الجيش تسمح بمهاجمة “أهداف تنطوي على قوة” فقط عندما تكون المباني خالية من السكان وقت الغارة. ومع ذلك، تشير الشهادات ومقاطع الفيديو من غزة إلى أنه منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، تعرضت بعض هذه الأهداف للهجوم من دون إخطار مسبق لسكانها، مما أسفر عن مقتل عائلات بأكملها نتيجة لذلك.
يمكن اشتقاق الاستهداف الواسع النطاق للمنازل السكنية من البيانات العامة والرسمية. ووفقاً للمكتب الإعلامي الحكومي في غزة – الذي يقدم حصيلة القتلى منذ أن توقفت وزارة الصحة في غزة عن القيام بذلك في 11 تشرين الثاني بسبب انهيار الخدمات الصحية في القطاع – بحلول الوقت الذي بدأ فيه وقف إطلاق النار المؤقت في 23 تشرين الثاني، كانت إسرائيل قد قتلت 14,800 فلسطيني في غزة؛ حوالى 6,000 منهم من الأطفال و4,000 من النساء. وهم يشكلون معاً أكثر من 67 في المائة من المجموع. الأرقام التي قدمتها وزارة الصحة والمكتب الإعلامي الحكومي – وكلاهما يقع تحت رعاية حكومة حماس – لا تحيد كثيراً عن التقديرات الإسرائيلية. علاوة على ذلك، لا تحدد وزارة الصحة في غزة عدد القتلى الذين ينتمون إلى الأجنحة العسكرية لحماس أو الجهاد الإسلامي. يقدر الجيش الإسرائيلي أنه قتل ما بين 1000 و3000 مسلح فلسطيني. ووفقاً لتقارير إعلامية في إسرائيل، فإن بعض المقاتلين القتلى مدفونون تحت الأنقاض أو داخل منظومة الأنفاق تحت الأرض، وبالتالي لم يتم إحصاؤهم في الإحصاءات الرسمية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة للفترة حتى 11 تشرين الثاني/ نوفمبر، وهي الفترة التي قتلت فيها إسرائيل 11,078 فلسطينيا في غزة، إلى أن 312 أسرة على الأقل فقدت 10 أشخاص أو أكثر في الهجوم الإسرائيلي الحالي؛ وعلى سبيل المقارنة، خلال “عملية الجرف الصامد” في العام 2014، فقدت 20 أسرة في غزة 10 أشخاص أو أكثر. وفقدت 189 أسرة على الأقل ما بين ستة وتسعة أشخاص وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، في حين فقدت 549 أسرة ما بين شخصين وخمسة أشخاص. لم يتم تقديم أي تفاصيل محدثة حتى الآن عن أرقام الضحايا المنشورة منذ 11 تشرين الثاني.
وجاءت الهجمات المكثفة على أهداف للكهرباء والمساكن الخاصة. كان ذلك أثناء قيام الجيش الإسرائيلي، في 13 تشرين الأول، بدعوة سكان شمال قطاع غزة البالغ عددهم 1.1 مليون نسمة، ومعظمهم يقيمون في مدينة غزة، إلى مغادرة منازلهم والانتقال إلى جنوب القطاع. وبحلول ذلك التاريخ، كان عدد قياسي من “الأهداف التي تنطوي على قوة” قد قصف، وكان أكثر من 1000 فلسطيني قد قتلوا بالفعل، بمن فيهم مئات الأطفال.
في المجموع، وفقاً للأمم المتحدة، تم تهجير 1.7 مليون فلسطيني، هم الغالبية العظمى من سكان القطاع، داخل غزة منذ 7 أكتوبر. وادعى الجيش أن المطالبة بإخلاء شمال القطاع تهدف إلى حماية أرواح المدنيين. ومع ذلك، يرى الفلسطينيون أن هذا النزوح الجماعي جزء من “نكبة جديدة” – محاولة للتطهير العرقي لجزء من الأراضي أو كلها.
“هدموا مبنى شاهقاً من أجل الهدم فقط“
ووفقاً للجيش الإسرائيلي، خلال الأيام الخمسة الأولى من القتال ألقيت 6000 قنبلة على القطاع، بوزن إجمالي يبلغ حوالى 4000 طن. وذكرت وسائل الإعلام أن الجيش قد قضى على أحياء بأكملها. وفقاً لمركز الميزان لحقوق الإنسان ومقره غزة، أدت هذه الهجمات إلى “التدمير الكامل للأحياء السكنية، وتدمير البنية التحتية، والقتل الجماعي للسكان”.
كما وثق مركز الميزان، بالإضافة إلى العديد من الصور القادمة من غزة، قيام إسرائيل بقصف الجامعة الإسلامية في غزة، ونقابة المحامين الفلسطينيين، ومبنى الأمم المتحدة لبرنامج تعليمي للطلاب المتفوقين، ومبنى تابعاً لشركة الاتصالات الفلسطينية، ووزارة الاقتصاد الوطني، ووزارة الثقافة، والطرق، وعشرات المباني الشاهقة والمنازل – خاصة في الأحياء الشمالية من غزة.
في اليوم الخامس من القتال، وزع الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي على المراسلين العسكريين في إسرائيل صور الأقمار الصناعية التي تشير إلى حالة الأحياء في شمال القطاع قبل القصف وبعده، مثل الشجاعية والفرقان في مدينة غزة، والتي أظهرت عشرات المنازل والمباني المدمرة. وقال الجيش الإسرائيلي إنه قصف 182 “هدفاً ينطوي على قوة” في الشجاعية و312 “هدفاً ينطوي على قوة” في الفرقان.
وقال رئيس أركان سلاح الجو الإسرائيلي، عومير تشلر، للصحافيين العسكريين إن جميع هذه الهجمات كان لها هدف عسكري مشروع، ولكن أيضاً تعرضت أحياء بأكملها للهجوم “على نطاق واسع وليس بطريقة دقيقة”. وفي إشارة إلى أن نصف الأهداف العسكرية حتى 11 تشرين الأول كانت من نوع “أهداف تنطوي على قوة”. وقال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي إن “الأحياء التي تستخدم كأوكار إرهابية لحماس” تعرضت للهجوم وأن الأضرار لحقت بـ”مقرات العمليات” و”الأصول العملياتية” و”الأصول التي تستخدمها المنظمات الإرهابية داخل المباني السكنية”. وفي 12 تشرين الأول، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قتل ثلاثة “أعضاء بارزين في حماس”، اثنان منهم كانا جزءاً من الجناح السياسي للحركة.
لكن على الرغم من القصف الإسرائيلي الشامل، يبدو أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية العسكرية لحماس في شمال غزة خلال الأيام الأولى من الحرب كانت ضئيلة للغاية. في الواقع، أخبرت مصادر استخباراتية كلا من مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت بأن الأهداف العسكرية التي كانت جزءاً من “أهداف تنطوي على قوة” قد استخدمت سابقاً عدة مرات كذريعة لإيذاء السكان المدنيين. “حماس موجودة في كل مكان في غزة. لا يوجد مبنى لا يحتوي على شيء من حماس، لذلك إذا كنت تريد إيجاد طريقة لتحويل مبنى شاهق إلى هدف، فستتمكن من القيام بذلك”.
“لن يضربوا أبداً مبنى شاهقاً ليس فيه شيء يمكننا تعريفه كهدف عسكري”، قال مصدر استخباراتي آخر، الذي نفذ ضربات سابقة ضد “أهداف تنطوي على قوة”. و”سيكون هناك دائماً طابق يتعلق بحماس في أي مبنى شاهق. لكن بشكل عام، عندما يتعلق الأمر بـ “أهداف تنطوي على قوة”، من الواضح أن الهدف ليس له قيمة عسكرية تبرر هجوماً من شأنه أن يسقط المبنى الفارغ بأكمله في وسط المدينة، بمساعدة ست طائرات وقنابل تزن عدة أطنان”.
في الواقع، وفقاً لمصادر شاركت في تجميع أهداف القوة في الحروب السابقة، على الرغم من أن ملف الهدف يحتوي عادة على نوع من الارتباط المزعوم بحماس أو غيرها من الجماعات المسلحة، فإن ضرب الهدف يعمل في المقام الأول كـ”وسيلة تسمح بإلحاق الضرر بالمجتمع المدني”. وفهمت المصادر، بعضها صراحة وبعضها ضمنياً، أن الضرر اللاحق بالمدنيين هو الغرض الحقيقي من هذه الهجمات.
ففي أيار 2021، على سبيل المثال، تعرضت إسرائيل لانتقادات شديدة لقصفها برج الجلاء، الذي يضم وسائل إعلام دولية بارزة مثل الجزيرة وأسوشيتد برس ووكالة فرانس برس. وادعى الجيش أن المبنى كان هدفاً عسكرياً لحماس. أخبرت كل من مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت بأنه كان في الواقع “هدفاً ينطوي على قوة”.
“التصور هو أنه يضر حماس حقاً عندما يتم هدم المباني الشاهقة، لأنه يخلق رد فعل شعبي في قطاع غزة ويخيف السكان”، قال أحد المصادر. “لقد أرادوا إعطاء مواطني غزة شعوراً بأن حماس لا تسيطر على الوضع. في بعض الأحيان أطاحوا بالمباني وأحياناً الخدمات البريدية والمباني الحكومية”.
على الرغم من أنه من غير المسبوق أن يهاجم الجيش الإسرائيلي أكثر من 1000 “هدف قوة” في خمسة أيام، فإن فكرة التسبب في دمار شامل للمناطق المدنية لأغراض استراتيجية تمت صياغتها في العمليات العسكرية السابقة في غزة، التي تحاكي ما يسمى بـ”عقيدة الضاحية” التي تبلورت في حرب لبنان الثانية العام 2006.
وفقاً للعقيدة – التي طورها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي أيزنكوت، الذي هو الآن عضو في الكنيست وجزء من حكومة الحرب الحالية – في حرب العصابات مع جماعات مثل حماس أو حزب الله، يجب على إسرائيل استخدام القوة غير المتناسبة والساحقة أثناء استهداف البنية التحتية المدنية والحكومية من أجل إقامة الردع وإجبار السكان المدنيين على الضغط على الجماعات لإنهاء هجماتها. ويبدو أن مفهوم “أهداف القوة” قد انبثق من هذا المنطق نفسه.
كانت المرة الأولى التي حدد فيها الجيش الإسرائيلي علناً أهدافاً للقوة في غزة في نهاية عملية “الجرف الصامد” في العام 2014. قصف الجيش أربعة مبان خلال الأيام الأربعة الأخيرة من الحرب – ثلاثة مبان سكنية متعددة الطوابق في مدينة غزة، ومبنى شاهق في رفح. وأوضحت المؤسسة الأمنية في ذلك الوقت أن الهجمات كانت تهدف إلى إيصال رسالة إلى الفلسطينيين في غزة بأنه “لم يعد هناك شيء محصن”، وحثها للضغط على حماس للموافقة على وقف إطلاق النار. و”تظهر الأدلة التي جمعناها أن الدمار الهائل [للمباني] تم تنفيذه عمداً ودون أي مبرر عسكري” ، كما جاء في تقرير لمنظمة العفو الدولية [أمنستي] في وقت متأخر من العام 2014.
وفي تصعيد عنيف آخر بدأ في تشرين الثاني 2018، هاجم الجيش مرة أخرى أهدافاً تنطوي على قوة. في ذلك الوقت، قصفت إسرائيل المباني الشاهقة ومراكز التسوق ومبنى قناة الأقصى التلفزيونية التابعة لحماس. “مهاجمة أهداف القوة ينتج عنه تأثير كبير جداً على الجانب الآخر”، صرح أحد ضباط القوات الجوية في ذلك الوقت. و”قد فعلنا ذلك دون قتل أي شخص وتأكدنا من إخلاء المبنى والمناطق المحيطة به”.
وقد أظهرت العمليات السابقة أيضاً كيف أن ضرب هذه الأهداف لا يهدف فقط إلى الإضرار بالروح المعنوية للفلسطينيين، ولكن أيضاً إلى رفع الروح المعنوية داخل إسرائيل. وكشفت صحيفة “هآرتس” أنه خلال حملة “حارس الأسوار” في العام 2021، أجرت وحدة الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي عملية نفسية ضد المواطنين الإسرائيليين من أجل زيادة الوعي بعمليات الجيش الإسرائيلي في غزة والأضرار التي ألحقتها بالفلسطينيين. قام الجنود، الذين استخدموا حسابات مزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي لإخفاء أصل الحملة، بتحميل صور ومقاطع من ضربات الجيش في غزة على تويتر وفيسبوك وإنستغرام وتيك توك من أجل إظهار براعة الجيش للجمهور الإسرائيلي.
خلال هجوم العام 2021، ضربت إسرائيل تسعة أهداف تم تحديدها على أنها أهداف قوة – وكلها مبان شاهقة. “كان الهدف هو انهيار المباني الشاهقة من أجل الضغط على حماس، وأيضاً حتى يرى الجمهور [الإسرائيلي] صورة النصر”، كما قال مصدر أمني لمجلة +972 وموقع سيحا مكوميت.
ومع ذلك، تابع المصدر، “الأمر لم ينجح. أنا أعلم أن الجيش الإسرائيلي غير مهتم بالمدنيين والمباني التي تم هدمها. في بعض الأحيان وجد الجيش شيئاً ما في مبنى شاهق مرتبطاً بحماس، لكن كان من الممكن أيضاً ضرب هذا الهدف المحدد بأسلحة أكثر دقة. خلاصة القول هي أنهم هدموا مبنى شاهقاً فقط من أجل هدم مبنى شاهق”.
“كان الجميع يبحثون عن أطفالهم في هذه الأكوام“
لم تشهد الحرب الحالية فقط قيام إسرائيل بمهاجمة عدد غير مسبوق من أهداف القوة، بل شهدت أيضاً تخلي الجيش عن سياساته السابقة التي كانت تهدف إلى تجنب إلحاق الأذى بالمدنيين. في حين كان الإجراء الرسمي للجيش في السابق هو أنه لا يمكن مهاجمة أهداف للقوة إلا بعد إجلاء جميع المدنيين منها، وتشير شهادات السكان الفلسطينيين في غزة إلى أنه منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، هاجمت إسرائيل المباني الشاهقة التي لا يزال سكانها بداخلها، أو دون اتخاذ خطوات مهمة لإخلائها، مما أدى إلى مقتل العديد من المدنيين.
وغالباً ما تؤدي مثل هذه الهجمات إلى مقتل عائلات بأكملها، كما حدث في الهجمات السابقة؛ وفقاً لتحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس بعد حرب العام 2014. حوالى 89 في المائة من القتلى في القصف الجوي لمنازل العائلات كانوا من السكان العزل، ومعظمهم من الأطفال والنساء.
وأكد تيشلر، رئيس أركان القوات الجوية، بأن هناك تحولاً في السياسة الإسرائيلية، وقال للصحافيين إن سياسة “طرق الأسطح” التي ينتهجها الجيش – حيث يطلق ضربة أولية صغيرة على سطح مبنى لتحذير السكان من أنه على وشك أن يتعرض للقصف – لم تعد قيد الاستخدام. وقال تيشلر إن طرق السقف هو “مصطلح وثيق الصلة بجولات [قتال] وليس بالحرب”.
وقالت المصادر التي عملت سابقاً على أهداف القوة إن الاستراتيجية الوقحة للحرب الحالية يمكن أن تكون تطوراً خطيراً، موضحة أن مهاجمة أهداف القوة كان يهدف في الأصل إلى “صدمة” غزة، لكن ليس بالضرورة قتل أعداد كبيرة من المدنيين. “تم تصميم الأهداف على افتراض أنه سيتم إخلاء المباني الشاهقة من الناس، لذلك عندما كنا نعمل على [تجميع الأهداف]، لم يكن هناك أي قلق على الإطلاق بشأن عدد المدنيين الذين سيتعرضون للأذى. كان الافتراض أن الرقم سيكون دائماً صفراً”، قال مصدر لديه معرفة عميقة بالتكتيك.
وأضاف المصدر: “هذا يعني أنه سيكون هناك إخلاء كامل [للمباني المستهدفة]، الأمر الذي يستغرق ساعتين إلى ثلاث ساعات، يتم خلالها استدعاء السكان [عبر الهاتف للإخلاء]، وإطلاق صواريخ تحذيرية، كما نتحقق من لقطات الطائرات بدون طيار من أن الناس يغادرون بالفعل المباني الشاهقة”.
ومع ذلك، تشير الأدلة من غزة إلى أن بعض المباني الشاهقة – التي نفترض أنها كانت أهدافاً للقوة – قد أطيح بها دون سابق إنذار. حددت مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت حالتين على الأقل خلال الحرب الحالية حيث تم قصف المباني السكنية الشاهقة بأكملها وانهيارها دون سابق إنذار، وحالة واحدة، وفقاً للأدلة، انهار مبنى شاهق على المدنيين الذين كانوا في داخله.
وفي 10 تشرين الأول، قصفت إسرائيل مبنى بابل في غزة، وفقاً لشهادة بلال أبو حصيرة، الذي أنقذ الجثث من تحت الأنقاض في تلك الليلة. قتل عشرة أشخاص في الهجوم على المبنى، بينهم ثلاثة صحافيين. وفي 25 تشرين الأول، قصف مبنى التاج السكني المكون من 12 طابقاً في مدينة غزة وسُوّي بالأرض، مما أسفر عن مقتل العائلات التي تعيش داخله دون سابق إنذار. تم دفن حوالى 120 شخصاً تحت أنقاض شققهم، وفقا لشهادات السكان. كتب يوسف عمار شرف، أحد سكان التاج، على موقع X أن 37 من أفراد عائلته الذين كانوا يعيشون في المبنى قتلوا في الهجوم: “أبي وأمي العزيزان، وزوجتي الحبيبة، وأبنائي، ومعظم إخوتي وعائلاتهم”. وذكر السكان أنه تم إلقاء الكثير من القنابل، مما ألحق أضراراً ودمر شققاً في المباني المجاورة أيضا.ً
وبعد ستة أيام، في 31 تشرين الأول، تم قصف مبنى المهندسين السكني المكون من ثمانية طوابق دون سابق إنذار. وبحسب ما ورد تم انتشال ما بين 30 و45 جثة من تحت الأنقاض في اليوم الأول. تم العثور على طفل واحد على قيد الحياة، دون والديه. وقدر الصحافيون أن أكثر من 150 شخصاً قتلوا في الهجوم، حيث ظل الكثيرون مدفونين تحت الأنقاض.
وكان المبنى قائماً في مخيم النصيرات للاجئين، جنوب وادي غزة – في “المنطقة الآمنة” المفترضة التي وجهت إليها إسرائيل الفلسطينيين الذين فروا من منازلهم في شمال ووسط غزة – وبالتالي كان بمثابة مأوى مؤقت للنازحين، وفقاً للشهادات.
وفقاً لتحقيق أجرته منظمة العفو الدولية، في 9 تشرين الأول، قصفت إسرائيل ما لا يقل عن ثلاثة مبان متعددة الطوابق، فضلاً عن سوق مفتوحة للسلع المستعملة في شارع مزدحم في مخيم جباليا للاجئين، مما أسفر عن مقتل 69 شخصاً على الأقل. “كانت الجثث محترقة… لم أكن أريد أن أنظر، كنت خائفاً من النظر إلى وجه عماد”، قال والد طفل قتل في الهجوم. و”كانت الجثث متناثرة على الأرض. كان الجميع يبحثون عن أطفالهم في هذه الأكوام. تعرفت على ابني فقط من سرواله. أردت دفنه على الفور، فحملت ابني وأخرجته”.
وفقاً لتحقيق منظمة العفو الدولية، قال الجيش إن الهجوم على منطقة السوق كان يستهدف مسجداً “حيث كان هناك نشطاء من حماس”. ومع ذلك، وفقاً للتحقيق نفسه، لا تظهر صور الأقمار الصناعية مسجداً في المنطقة المجاورة. لم يرد الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي على استفسارات مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت حول هجمات محددة، لكنه ذكر بشكل عام ما يلي: “إن الجيش الإسرائيلي قدم تحذيرات قبل الهجمات بطرق مختلفة، وعندما سمحت الظروف بذلك، قام أيضاً بتسليم تحذيرات فردية من خلال المكالمات الهاتفية إلى الأشخاص الذين كانوا بالقرب من الأهداف (كان هناك أكثر من 25000 محادثة مباشرة خلال الحرب، إلى جانب ملايين المحادثات المسجلة والرسائل النصية والمنشورات التي تم إسقاطها من الهواء لغرض تحذير السكان). بشكل عام، يعمل الجيش الإسرائيلي على تقليل الضرر اللاحق بالمدنيين كجزء من الهجمات قدر الإمكان، على الرغم من التحدي المتمثل في محاربة منظمة إرهابية تستخدم مواطني غزة كدروع بشرية”.
“أنتجت المنظومة 100 هدف في يوم واحد“
وفقاً للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، خلال الأيام الـ 35 الأولى من القتال، هاجمت إسرائيل ما مجموعه 15,000 هدف في غزة. واستناداً إلى مصادر متعددة، يعد هذا الرقم مرتفعاً جداً مقارنة بالعمليات الرئيسة الأربع السابقة في القطاع. خلال عملية “حارس الأسوار” في العام 2021، هاجمت إسرائيل 1500 هدف في 11 يوماً. في عملية “الجرف الصامد” في العام 2014، التي استمرت 51 يوماً، ضربت إسرائيل ما بين 5,266 و6,231 هدفاً. خلال عملية “عامود السحاب” في العام 2012، تعرض حوالى 1,500 هدف للهجوم على مدى ثمانية أيام. في عملية “الرصاص المصبوب” في العام 2008، ضربت إسرائيل 3,400 هدف في 22 يوماً.
كما أخبرت مصادر استخباراتية خدمت في العمليات السابقة كلاً من مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت أنه لمدة 10 أيام في العام 2021 وثلاثة أسابيع في العام 2014، أدى معدل الهجوم -من 100 إلى 200 هدف في اليوم- إلى وضع لم يتبق فيه لسلاح الجو الإسرائيلي أي أهداف ذات قيمة عسكرية. لماذا إذن، بعد ما يقرب من شهرين، لم ينفد الجيش الإسرائيلي بعد من الأهداف في الحرب الحالية؟
قد يكمن الجواب في بيان صادر عن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي في 2 تشرين الثاني، والذي بموجبه يستخدم نظام الذكاء الاصطناعي “هبسورا”، الذي يقول المتحدث إنه “يتيح استخدام الأدوات الآلية لإنتاج أهداف بوتيرة سريعة، ويعمل من خلال تحسين المواد الاستخباراتية الدقيقة وعالية الجودة وفقاً للاحتياجات [التشغيلية]”.
في البيان، نقل عن مسؤول استخباراتي كبير قوله إنه بفضل “هبسورا”، يتم إنشاء أهداف لضربات دقيقة “مع التسبب في أضرار كبيرة للعدو والحد الأدنى من الضرر لغير المقاتلين. نشطاء حماس ليسوا محصنين – بغض النظر عن المكان الذي يختبئون فيه”.
ووفقاً لمصادر استخباراتية، فإن “هبسورا” يصدر، من بين أمور أخرى، توصيات تلقائية لمهاجمة المساكن الخاصة التي يعيش فيها أشخاص يشتبه في أنهم من حماس أو الجهاد الإسلامي. ثم تنفذ إسرائيل عمليات اغتيال واسعة النطاق من خلال القصف العنيف لهذه المنازل السكنية.
وأوضح أحد المصادر أن “هبسورا” يعالج كميات هائلة من البيانات التي “لم يتمكن عشرات الآلاف من ضباط المخابرات من معالجتها”، ويوصي بقصف المواقع في الوقت الفعلي. ولأن معظم كبار مسؤولي حماس يتوجهون إلى الأنفاق تحت الأرض مع بدء أي عملية عسكرية، كما تقول المصادر، فإن استخدام نظام مثل “هبسورا” يجعل من الممكن تحديد مواقع منازل نشطاء صغار نسبياً ومهاجمتها.
وأوضح ضابط مخابرات سابق أن نظام “هبسورا” يمكن الجيش من إدارة “آلة عسكرية للاغتيالات الجماعية”، حيث “ينصب التركيز على الكمية وليس على النوعية”… وبما أن إسرائيل تقدر أن هناك ما يقرب من 30,000 من أعضاء حماس في غزة، وجميعهم محكوم عليهم بالموت، فإن عدد الأهداف المحتملة هائل.
في العام 2019، أنشأ الجيش الإسرائيلي مركزاً جديداً يهدف إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع توليد الأهداف. “الشعبة الإدارية للأهداف هي وحدة تضم مئات الضباط والجنود، وتستند إلى قدرات الذكاء الاصطناعي”، كما قال رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي السابق أفيف كوخافي في مقابلة معمقة مع “واينت” في وقت سابق من هذا العام.
“هذه منظومة منتجة، وتعمل بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتعالج الكثير من البيانات بشكل أفضل وأسرع من أي إنسان، وتترجمها إلى أهداف للهجوم” ، تابع كوخافي. “كانت النتيجة أنه في عملية حارس الأسوار [في العام 2021] ، منذ اللحظة التي تم فيها تفعيل هذه المنظومة، ولد 100 هدف جديد كل يوم. كما ترى، في الماضي كانت هناك أوقات في غزة كنا ننشئ 50 هدفاً في السنة. وهنا أنتجت المنظومة 100 هدف في يوم واحد”.
“نحن نعد الأهداف تلقائياً ونعمل وفقاً لقائمة مرجعية”، قال أحد المصادر التي عملت في القسم الإداري الجديد للأهداف لمجلة +972 وموقع سيحا مكوميت. “إنه حقاً مثل المصنع. نحن نعمل بسرعة وليس هناك وقت للتعمق في الهدف. وجهة النظر هي أنه يتم الحكم علينا وفقاً لعدد الأهداف التي ننجح في توليدها”.
وقال مسؤول عسكري كبير مسؤول عن بنك الأهداف لصحيفة “جيروزاليم بوست” في وقت سابق من هذا العام إنه بفضل أنظمة الذكاء الاصطناعي، تمكن الجيش لأول مرة من توليد أهداف جديدة بمعدل أسرع من هجماته. وقال مصدر آخر إن الدافع إلى توليد أعداد كبيرة من الأهداف تلقائياً هو تحقيق “عقيدة الضاحية”.
وهكذا، سهلت الأنظمة الآلية مثل “هبسورا” إلى حد كبير عمل ضباط المخابرات الإسرائيلية في اتخاذ القرارات أثناء العمليات العسكرية، بما في ذلك حساب الخسائر المحتملة. وأكدت خمسة مصادر مختلفة أن عدد المدنيين الذين قد يقتلون في هجمات على مساكن خاصة معروف مسبقاً للمخابرات الإسرائيلية، ويظهر بوضوح في ملف الهدف تحت فئة “الأضرار الجانبية”.
وفقاً لهذه المصادر، هناك درجات من الأضرار الجانبية، التي بموجبها يحدد الجيش ما إذا كان من الممكن مهاجمة هدف في داخل مبنى سكني. وقال أحد المصادر: “عندما يصبح التوجيه العام ‘الأضرار الجانبية هو 5’، فهذا يعني أننا مخولون بضرب جميع الأهداف التي ستقتل خمسة مدنيين أو أقل – يمكننا التصرف في جميع ملفات الأهداف التي هي خمسة أو أقل”.
“في الماضي، لم نكن نحدد بانتظام منازل صغار أعضاء حماس للقصف”، قال مسؤول أمني شارك في مهاجمة أهداف خلال العمليات السابقة. “في وقتي ، إذا تم وضع علامة على المنزل الذي كنت أعمل فيه على أنه أضرار جانبية 5 ، فلن تتم الموافقة عليه دائماً [للهجوم].” وقال إن هذه الموافقة لن يتم الحصول عليها إلا إذا كان من المعروف أن أحد كبار قادة حماس يعيش في المنزل.
“حسب فهمي، اليوم يمكنهم تمييز جميع منازل [أي ناشط عسكري من حماس بغض النظر عن رتبته]”، وهو هدف. وتابع المصدر: “هذا يعني الكثير من المنازل. أعضاء حماس الذين لا يهتمون حقاً لأي شيء يعيشون في منازل في جميع أنحاء غزة. لذلك يحددون المنزل ويقصفون المنزل ويقتلون الجميع هناك”.
سياسة منسقة لقصف منازل العائلات
في 22 تشرين الأول، قصف سلاح الجو الإسرائيلي منزل الصحافي الفلسطيني أحمد الناعوق في مدينة دير البلح. وأحمد صديق مقرب وزميل لي. قبل أربع سنوات، أسسنا صفحة عبرية على الفيسبوك تسمى “عبر الجدار”، بهدف جلب الأصوات الفلسطينية من غزة إلى الجمهور الإسرائيلي.
أدت الغارة في 22 تشرين الأول إلى انهيار كتل خرسانية على عائلة أحمد بأكملها، مما أسفر عن مقتل والده وإخوته وأخواته وجميع أطفالهم، بمن فيهم الرضع. ولم ينج سوى ابنة أخيه ملك البالغة من العمر 12 عاما وظلت في حالة حرجة، وكان جسدها مغطى بالحروق. بعد بضعة أيام، توفيت ملك.
قتل واحد وعشرون فرداً من عائلة أحمد إجمالاً، ودفنوا تحت منزلهم. لم يكن أي منهم من المسلحين. كان أصغرهم يبلغ من العمر عامين. أكبرهم، والده، كان يبلغ من العمر 75 عاما. أحمد، الذي يعيش حالياً في المملكة المتحدة، هو الآن وحيد من عائلته بأكملها.
تحمل مجموعة عائلة أحمد على تطبيق واتساب عنوان “معاً أفضل”. آخر رسالة تظهر هناك أرسلها بعد منتصف الليل بقليل في الليلة التي فقد فيها عائلته. وكتب: “أخبرني أحدهم أن كل شيء على ما يرام”. لم يجب أحد. نام، لكنه استيقظ في حالة من الذعر في الساعة 4 صباحاً. غارقاً في العرق، فحص هاتفه مرة أخرى. صمت. ثم تلقى رسالة من صديق مع الأخبار الرهيبة.
حالة أحمد شائعة في غزة هذه الأيام. وفي المقابلات التي أجريت مع الصحافة، كان رؤساء مستشفيات غزة يرددون الوصف نفسه: تدخل العائلات المستشفيات كسلسلة من الجثث، وطفل يليه والده يليه جده. الجثث كلها مغطاة بالأوساخ والدم.
ووفقاً لأقوال ضباط سابقين في المخابرات الإسرائيلية، في كثير من الحالات التي يتم فيها تفجير مسكن خاص، يكون الهدف هو “اغتيال نشطاء حماس أو الجهاد”، ويتم مهاجمة هذه الأهداف عندما يدخل الناشط إلى المنزل. يعرف باحثو الاستخبارات ما إذا كان أفراد عائلة الهدف أو جيرانه قد يموتون أيضاً في هجوم، ويعرفون كيفية حساب عدد الأشخاص الذين قد يموتون. قال كل من المصادر إن هذه منازل خاصة، حيث لا يتم تنفيذ أي نشاط عسكري في معظم الحالات.
لا تملك مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت بيانات تتعلق بعدد العناصر العسكرية الذين قتلوا أو جرحوا بالفعل في غارات جوية على مساكن خاصة في الحرب الحالية، لكن هناك أدلة كثيرة على أنه في كثير من الحالات، لم يكن أي منهم عسكرياً أو سياسياً ينتمي إلى حماس أو الجهاد الإسلامي.
وفي 10 تشرين الأول، قصف سلاح الجو الإسرائيلي مبنى سكنياً في حي الشيخ رضوان في غزة، مما أسفر عن مقتل 40 شخصاً، معظمهم من النساء والأطفال. في أحد مقاطع الفيديو المروعة التي تم التقاطها بعد الهجوم، شوهد الناس يصرخون، ويحملون ما يبدو أنه دمية تم سحبها من تحت أنقاض المنزل، ويمررونها من يد إلى أخرى. عندما تقوم الكاميرا بالتكبير، يمكن للمرء أن يرى أنها ليست دمية، بل جسد طفل.
قال أحد السكان إن 19 من أفراد عائلته قتلوا في الغارة. وكتب ناج آخر على فيسبوك أنه لم يجد سوى كتف ابنه تحت الأنقاض. حققت منظمة العفو الدولية في الهجوم واكتشفت أن أحد أعضاء حماس كان يعيش في أحد الطوابق العليا من المبنى، لكنه لم يكن موجوداً وقت الهجوم.
ومن المرجح أن قصف منازل العائلات التي يفترض أن نشطاء حماس أو الجهاد الإسلامي يعيشون فيها أصبح سياسة أكثر تنسيقاً للجيش الإسرائيلي خلال عملية “الجرف الصامد” في العام 2014. في ذلك الوقت، كان 606 فلسطينيين – حوالى ربع القتلى المدنيين خلال 51 يوماً من القتال – من أفراد عائلات قصفت منازلها. وعرفها تقرير للأمم المتحدة في العام 2015 بأنها جريمة حرب محتملة و “نمط جديد” من العمل “أدى إلى وفاة عائلات بأكملها”.
وفي العام 2014، قتل 93 طفلاً نتيجة القصف الإسرائيلي لمنازل العائلات، من بينهم 13 طفلاً دون سن سنة واحدة. قبل شهر، تم بالفعل تحديد 286 طفلاً تتراوح أعمارهم بين عام واحد أو أقل على أنهم قتلوا في غزة، وفقاً لقائمة مفصلة بأعمار الضحايا نشرتها وزارة الصحة في غزة في 26 تشرين الأول. ومن المرجح أن العدد قد تضاعف مرتين أو ثلاث مرات منذ ذلك الحين.
ومع ذلك، في كثير من الحالات، وخاصة خلال الهجمات الحالية على غزة، نفذ الجيش الإسرائيلي هجمات أصابت مساكن خاصة حتى عندما لا يكون هناك هدف عسكري معروف أو واضح. على سبيل المثال، وفقاً للجنة حماية الصحافيين، بحلول 29 تشرين الثاني، قتلت إسرائيل 50 صحافياً فلسطينياً في غزة، بعضهم في منازلهم مع عائلاتهم.
رشدي السراج (31 عاما)، صحافي من غزة ولد في بريطانيا، أسس وسيلة إعلامية في غزة تسمى “عين ميديا”. وفي 22 تشرين الأول، أصابت قنبلة إسرائيلية منزل والديه حيث كان نائماً، مما أسفر عن مقتله. كما توفيت الصحافية سلام ميمة تحت أنقاض منزلها بعد قصفه. من بين أطفالها الثلاثة الصغار، توفي هادي (7 سنوات)، بينما لم يتم العثور على شام (3 سنوات)، تحت الأنقاض. وقتل صحافيان آخران، هما دعاء شرف وسلمى مخيمر، مع أطفالهما في منازلهم.
وقد اعترف محللون إسرائيليون بأن الفعالية العسكرية لهذه الأنواع من الهجمات الجوية غير المتناسبة محدودة. بعد أسبوعين من بدء القصف في غزة (وقبل الغزو البري) – بعد إحصاء جثث 1,903 أطفال وحوالى 1,000 امرأة و187 رجلاً مسناً في قطاع غزة – غرد المعلق الإسرائيلي آفي يسسخاروف قائلاً: “بقدر صعوبة سماع ذلك، في اليوم الـ 14 من القتال، لا يبدو أن الذراع العسكرية لحماس قد تضررت بشكل كبير. الضرر الأكبر الذي لحق بالقيادة العسكرية هو اغتيال [قائد حماس] أيمن نوفل”.
“معمل اغتيالات جماعية“
يعمل نشطاء حماس بانتظام انطلاقاً من شبكة معقدة من الأنفاق التي بنيت تحت مساحات شاسعة من قطاع غزة. هذه الأنفاق، كما أكد ضباط المخابرات الإسرائيلية السابقون الذين تحدثنا إليهم، تمر أيضاً تحت المنازل والطرق. ولذلك، فإن المحاولات الإسرائيلية لتدميرها بالضربات الجوية من المرجح أن تؤدي في كثير من الحالات إلى قتل المدنيين. وقد يكون هذا سبباً آخر للعدد الكبير من الأسر الفلسطينية التي تم القضاء عليها في الهجوم الحالي.
قال ضباط المخابرات الذين تمت مقابلتهم أثناء إعداد هذا المقال إن الطريقة التي صممت بها حماس شبكة الأنفاق في غزة تستغل عن عمد السكان المدنيين والبنية التحتية فوق الأرض. كما كانت هذه الادعاءات أساس الحملة الإعلامية التي شنتها إسرائيل إزاء الهجمات والاقتحامات لمستشفى الشفاء والأنفاق التي تم اكتشافها تحته.
كما هاجمت إسرائيل عدداً كبيراً من الأهداف العسكرية: نشطاء مسلحون من حماس، ومواقع لإطلاق الصواريخ، والقناصة، وفرق مضادة للدبابات، ومقرات عسكرية، وقواعد، ومراكز مراقبة، وغيرها. ومنذ بداية الغزو البري، استخدم القصف الجوي ونيران المدفعية الثقيلة لتوفير الدعم للقوات الإسرائيلية على الأرض. ويقول خبراء في القانون الدولي إن هذه الأهداف مشروعة، طالما أن الضربات تمتثل لمبدأ التناسب.
رداً على استفسار من مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت، قال الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي: “الجيش الإسرائيلي ملتزم بالقانون الدولي ويتصرف وفقاً له، وبذلك يهاجم أهدافاً عسكرية ولا يهاجم المدنيين. تضع منظمة حماس الإرهابية عناصرها وأصولها العسكرية في قلب السكان المدنيين. تستخدم حماس السكان المدنيين بشكل منهجي كدروع بشرية، وتشن القتال من المباني المدنية، بما في ذلك المواقع الحساسة مثل المستشفيات والمساجد والمدارس ومرافق الأمم المتحدة”.
كما زعمت مصادر استخباراتية تحدثت إلى مجلة +972 وموقع سيحا مكوميت أنه في كثير من الحالات “تتعمد حماس تعريض السكان المدنيين في غزة للخطر وتحاول منع المدنيين بالقوة من الإخلاء”. وقال مصدران إن قادة حماس “يفهمون أن الضرر الإسرائيلي بالمدنيين يمنحهم الشرعية في القتال”.
في الوقت نفسه، في حين أنه من الصعب تخيل ذلك الآن، فإن فكرة إسقاط قنبلة تزن طناً واحداً تهدف إلى قتل ناشط في حماس، ولكن ينتهي بها الأمر بقتل عائلة بأكملها كـ “أضرار جانبية” لم تكن دائماً مقبولة بسهولة من قبل قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي. ففي العام 2002، على سبيل المثال، قصف سلاح الجو الإسرائيلي منزل صلاح مصطفى محمد شحادة، الذي كان آنذاك قائد كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس. قتلته القنبلة وزوجته إيمان وابنته ليلى البالغة من العمر 14 عاماً و14 مدنياً آخرين، بينهم 11 طفلاً. وأثار القتل ضجة عامة في كل من إسرائيل والعالم، واتهمت إسرائيل بارتكاب جرائم حرب.
وأدى هذا الانتقاد إلى قرار اتخذه الجيش الإسرائيلي في العام 2003 بإسقاط قنبلة أصغر وزنها ربع طن على اجتماع لكبار مسؤولي حماس – بمن فيهم قائد كتائب القسام المراوغ محمد ضيف – في مبنى سكني في غزة، على الرغم من الخوف من أنها لن تكون قوية بما يكفي لقتلهم. في كتابه “من أجل معرفة حماس”، كتب الصحافي الإسرائيلي المخضرم شلومي إلدار أن قرار استخدام قنبلة صغيرة نسبياً كان بسبب سابقة شحادة، والخوف من أن قنبلة تزن طناً واحداً ستقتل المدنيين في المبنى أيضاً. وقد فشل الهجوم، وفر كبار ضباط الجناح العسكري من مكان الحادث.
في كانون الأول 2008، في أول حرب كبرى شنتها إسرائيل ضد حماس بعد استيلائها على السلطة في غزة، قال يوآف غالانت، الذي كان يترأس في ذلك الوقت القيادة الجنوبية للجيش الإسرائيلي، إن إسرائيل “تقصف لأول مرة منازل عائلات” كبار مسؤولي حماس بهدف تدميرها. ولكن لا يؤذون أسرهم. وشدد غالانت على أن المنازل هوجمت بعد أن تم تحذير العائلات بـ”طرق على السطح”، وكذلك عن طريق مكالمة هاتفية، بعد أن اتضح أن النشاط العسكري لحماس كان يحدث داخل المنزل.
بعد حملة “الجرف الصامد” في العام 2014، التي بدأت خلالها إسرائيل بضرب منازل العائلات بشكل منهجي من الجو، جمعت جماعات حقوق الإنسان مثل بتسيلم شهادات من فلسطينيين نجوا من هذه الهجمات. قال الناجون إن المنازل انهارت على أصحابها، وقطعت شظايا الزجاج جثث من بداخلها، والحطام “تفوح منه رائحة الدم”، ودفن الناس أحياء.
وتستمر هذه السياسة الفتاكة حتى اليوم – ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى استخدام الأسلحة المدمرة والتكنولوجيا المتطورة مثل “هبسورا”، ولكن أيضاً إلى المؤسسة السياسية والأمنية التي خففت من قبضة الآلية العسكرية الإسرائيلية. بعد خمسة عشر عاماً من إصراره على أن الجيش يبذل قصارى جهده لتقليل الضرر اللاحق بالمدنيين، من الواضح أن غالانت، الذي يشغل الآن منصب وزير الدفاع، قد غير لهجته. “نحن نحارب حيوانات بشرية ونتصرف وفقاً لذلك”، قال بعد 7 أكتوبر.
يوفال ابراهام
المصدر: موقع نون بوست
بعد فشله في تحقيق أهدافه العسكرية.. ماذا يريد الاحتلال من تدمير غزة؟
|
دخلت حرب الإبادة التي تشنها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد قطاع غزة يومها الـ 58 وسط تكثيف همجي لعمليات القصف التي تستهدف المدنيين، مما أسفر عن استشهاد قرابة 16 ألف شخص، أكثر من 70% منهم أطفال ونساء، فضلًا عن إخراج عشرات المناطق عن الخدمة بعدما باتت غير قابلة للحياة.
منذ اليوم الأول لتلك الحرب التي جاءت انتقامًا من عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وضع الاحتلال عدة أهداف رئيسية من وراء عملياته العسكرية والتغول البري في القطاع، على رأسها: القضاء على حركة المقاومة حماس وتدمير بنيتها التحتية بجانب تحرير الأسرى والمحتجزين والبالغ عددهم أكثر من 240 شخصًا (قبل الإفراج عن قرابة 110 إثر اتفاق الهدنة الأخير).
#عاجل مجزرة جديدة مشاهد مُروّعة في حي الشجاعية شرق مدينة غزة حيث قامت طائرات الاحتلال بتدمير مربعات سكانية كاملة تم استهدافها بعشرات الصواريخ والقنابل العملاقة، الأمر الذي ينذر بارتقاء أكثر من 1000 شهيد حسب شهود العيان pic.twitter.com/2tIRHis6so
وبعد شهرين من الحرب التي خاضتها قوات الاحتلال مدعومة بمساعدات عسكرية ولوجستية من جيوش الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وتوفير غطاء سياسي لها من تلك القوى، لم تنجح في تحقيق أي من الأهداف التي أعلنت عنها بداية المعركة، ما وضع الكابينت وجنرالات الكيان في مأزق أمام الشارع الإسرائيلي وحلفاءهم في الخارج.
وأمام هذا الفشل لم يجد جيش الاحتلال سوى الاستئساد على الأطفال والنساء وكبار السن من المدنيين، وهو الخيار السهل في الغالب أمام المهزوم، وذلك عبر اتباع سياسة الأرض المحروقة، مدمرًا بطائراته وبوارجه ودباباته الأخضر والياس، الحجر والشجر، محولًا قطاع غزة إلى مدينة أشباح.. فما هي مقارباته من ذلك؟
سياسة الأرض المحروقة
على مدار الخمسين يومًا الماضية مارس جيش الاحتلال كل أنواع التدمير والتنكيل، مستخدمًا ما لديه من إمكانيات عسكرية متطورة، وما قدمه الحلفاء الغربيون من أسلحة ذات قوة تدميرية هائلة، حيث بلغ حجم المتفجرات التي قصف بها قطاع غزة ما يعادل قنبلتين نوويتين وفق التقديرات غير الرسمية لوكالة “رويترز” استنادًا إلى صور أقمار صناعية التقطتها للقطاع بعد التدمير.
وأسقط هذا القصف قرابة 3 % من سكان قطاع غزة بين شهداء وجرحى ومفقودين، فيما اضطر نحو 80% من السكان للنزوح من مناطقهم هربًا من الهجمات التي لا تتوقف ليل نهار، فيما لم يعد هناك مكان آمن في غزة بأكملها بحسب التقارير الرسمية وغير الرسمية وشهود العيان.
كما أسفرت الهجمات البربرية عن تدمير 60% من المباني، حيث تعرضت نحو 46 ألف وحدة سكنية لتدمير شامل، مقارنة بـ 234 ألف وحدة تعرضت لهدم جزئي، فيما جرى تدمير 103 مقار حكومي بشكل شبه كامل، وخرجت عن الخدمة بالكلية.
المستشفيات والمدارس ودور العبادة لم تسلم هي الأخرى من قصف الاحتلال، حيث استهدفت قرابة 226 مدرسة تعرضت لأضرار بالغة، وأخرجت نحو 26 مستشفى و55 مركزًا صحيًا عن الخدمة، وفي الوقت ذاته دمرت 3 كنائس تدميرًا كليًا وعشرات المساجد.
وتحولت معظم مناطق ومدن شمال القطاع إلى مناطق طاردة للسكان وغير قابلة للحياة، بعدما دُمرت بنيتها التحتية، وفقدت مقومات العيش بالكلية، في ظل خطة ممنهجة لدفع السكان لمغادرة منازلهم والتوجه إلى مربعات أخرى بدعوى أنها آمنة، وما أن يحتموا بها حتى يتم استهدافها هي الأخرى مما يُضطرون للمغادرة والذهاب لمربع أخر، وهكذا يواصل الاحتلال استراتيجية تفريغ القطاع من سكانه عبر سياسة “المربعات”.
سياسة المربعات تظهر جلية في خرائط الإخلاء التي نشرها جيش الاحتلال لمختلف مناطق قطاع غزة
حتى ورقة الضغط التي تمتلكها المقاومة، وهي الأسرى، وبعد فشل الكيان المحتل في تحريرهم بالقوة والقتال، تراجع هذا الملف لدى قائمة أولوياته، وبات لا يمانع في قتلهم جميعًا حتى لا يكونوا أداة ضغط بيد المقاومة، ولولا الضغوط التي تمارسها عائلات الأسرى بجانب الإدارة الأمريكية بشأن هذا الملف، لما كان له أهمية بالنسبة لنتنياهو وجنرالاته استنادًا إلى بروتوكول “هانيبال” الذي أقره الاحتلال عام 1985 وكُشف عنه لأول مرة عام 2001، ويقر بأن “عملية الخطف يجب أن تتوقف بكل الوسائل، حتى لو كان ذلك على حساب ضرب قواتنا وإلحاق الأذى بها”، وعليه فإن الجندي الميت أفضل من الجندي الأسير، وفق هذا البروتوكول، حتى لا يتحول إلى ورقة ضغط بأيدي المقاومة.
أهداف الاحتلال البديلة
يهدف الاحتلال من وراء سياسة الأرض المحروقة التي يمارسها ضد قطاع غزة طيلة الخمسين يومًا الماضية إلى تحقيق حزمة أهداف بديلة بعدما فشل في تحقيق أهدافه الرئيسية الأولية:
أولا: البحث عن انتصار وهمي.. يحاول الاحتلال من خلال صور التدمير الوحشية وأرقام الضحايا المرتفعة أن يصدر للداخل الإسرائيلي نصرًا وهميًا يداري به فشله في تحقيق أهدافه العسكرية التي لأجلها شنً عمليته البرية، حتى لو كان جل تلك الأرقام من النساء والأطفال والعجزة.
لا يجد المحتل أي حرج على الإطلاق في التفاخر بتلك الخسائر البشرية في صفوف المدنيين الفلسطينيين، في ظل دعم دولي مطلق، وصمت فاضح لحلفاءه من قوى الغرب، ممن لا تحركهم صور أشلاء الأطفال والنساء التي تتناثر هنا وهناك، ولا تؤلمهم صرخات الثكالي والأمهات، ولا تلفت أنظاره جحافل النازحين من الشمال للجنوب بعدما خسروا كل شيئ.
ثانيًا: الضغط على حماس.. تحاول حكومة الكابينت ممارسة الضغط على حماس من خلال رفع فاتورة الحرب البشرية وارتفاع أرقام الضحايا في صفوف الفلسطينيين، بما قد يدفع المقاومة إلى تقديم بعض التنازلات لوقف شلالات الدماء التي تثار.
ثالثًا: زرع الفتنة بين المقاومة وسكان القطاع.. يرتكز الخطاب الإعلامي الإسرائيلي والمنشورات التي يلقيها المحتل على أهالي غزة على تحميل المقاومة مسؤولية الحرب وأنها السبب فيما وصلت إليه أوضاع الغزيين، وأنها المسؤول الأول والأخير عن تشريد الملايين وقتل الأطفال والنساء، ولولاها ما كانت الأمور كالتي عليه، في محاولة لزرع الفتنة بين حماس وأهل القطاع وإفقادها ظهيرها الشعبي.
رابعًا: تعزيز الرؤية الإسرائيلية فيما يتعلق بالوضع السياسي في غزة بعد الحرب.. يهدف الكيان المحتل من خلال التدمير الكلي للقطاع لفرض معادلة جديدة على طاولة النقاش لبحث مستقبل القطاع ما بعد انتهاء الحرب، تلك المعادلة التي قد تلقى تناغمًا لدى بعض الأنظمة العربية بما فيها السلطة الفلسطينية ذاتها.
وتقوم تلك المعادلة على قبول حماس بدخول شركاء جدد لإدارة وحكم القطاع، شركاء يتم إعدادهم داخل المطبخ الأمريكي الإسرائيلي، بما يمهد نحو التفكيك الطوعي للمقاومة وخروجها عن المشهد شيئًا فشيئًا.
#عاجل تمهيدًا للمراحل المقبلة من الحرب ينشر جيش الدفاع خريطة مناطق الاخلاء (“البلوكات”) في قطاع غزة: تقسيم أرض القطاع على مناطق حسب التقسيم على الأحياء المعروفة من أجل السماح لسكان غزة بالتوجه وفهم التعليمات والانتقال من أماكن معيّنة في حال طلب منهم القيام بذلك حفاظًا على… pic.twitter.com/HsziUyrU2v
ومن جانب آخر، فإن تدمير القطاع بهذا الشكل، سيجبر أي سلطة مهما كانت، على التركيز أولًا وأخيرًا على مسالة إعادة التعمير التي ستصبح ضرورة ملحة، فيما يتراجع التفكير مرحليًا عن الإعداد العسكري والتسليح وفرض فصائل المقاومة لسلطتها وإصابتها بحالة من التشتت بين الإعمار والتسليح، هذا بخلاف هيمنة وسيطرة الاحتلال على ميزانية إعادة الإعمار، حيث يمنحها لجهات يثق في ولائها لهذا المشروع، وعدائها الأيديولوجي لحماس وبقية الفصائل، وهو ما يضع الأخير في مأزق حقيقي أمام مسؤولياته في القطاع.
غير أن كل تلك الأهداف تظل رهينة صمود المقاومة على الأرض، إذ أن استمرارها في التصدي والمواجهة بما لذلك من تداعيات على مستوى الجبهة الداخلية الإسرائيلية، وإرباك حسابات النخبة بشقيها، العسكرية والسياسية، في تل أبيب، تزامنا مع زخم الرأي العالم العالمي، كل ذلك من شأنه إفشال هذا المخطط لاسيما وأن الانتخابات الأمريكية على الأبواب ويخشى بايدن من الارتدادات السلبية لتلك الحرب -حال استمرارها- على حظوظه في الفوز بولاية جديدة في ضوء تصاعد الاحتقان والغضب الأمريكي والدولي بسبب دعمه المطلق لحكومة الاحتلال.
عماد عنان
المصدر: موقع نون بوست
كيسنجر في مقابلته الأخيرة عرض “حلا” للقضية الفلسطينية
|
قال وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر في مقابلته الأخيرة مع بوليتيكو، إن حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إقامة الدولتين لا يضمن هدوء الوضع في المنطقة في المستقبل.
وأضاف: “حل الدولتين لا يضمن أن ما رأيناه في الأسابيع الأخيرة لن يتكرر مرة أخرى… أعتقد أنه ينبغي تسليم الضفة الغربية إلى السيطرة الأردنية بدلا من السعي إلى حل الدولتين الذي في نتيجته ستسعى إحدى الدولتين وستصمم على سحق إسرائيل”.
وأشار كيسنجر إلى أن هناك حاجة إلى المزيد من الإجراءات النشطة من واشنطن لمنع تصعيد الصراع في المنطقة.
تم الإعلان عن وفاة كيسنجر في 29 نوفمبر الماضي.
واكتسب وزير الخارجية الأسبق، شهرة باعتباره أحد أكثر الشخصيات السياسية تأثيرا في الولايات المتحدة، تاركا بصمة كبيرة في تاريخ الدبلوماسية.
وكيسنجر الذي كان لاعبا رئيسيا في الدبلوماسية العالمية خلال الحرب الباردة والحائز على نوبل للسلام، أطلق التقارب مع موسكو وبكين في سبعينات القرن الماضي، معتمدا على رؤية براغماتية للعالم تعد نوعا من “السياسة الواقعية” على الطريقة الأمريكية.
المصدر: نوفوستي
المدير السابق لوكالة “سي آي إيه” يشكك لأول مرة في قدرات الاستخبارات الإسرائيلية
|
أثار التقرير الذي نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” عن تجاهل إسرائيل لمعلومات مزعومة حصلت عليها منذ أكثر من عام بشأن هجوم حركة حماس على المستعمرات الإسرائيلية، الكثير من التعليقات في الصحافة الأمريكية، ولكن المدير السابق لوكالة المخابرات الأمريكية جون برينان كان صريحاً للغاية بالحديث عما إذا كانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قوية بالفعل كما كانت تدعي في الماضي.
وفي لقاء أجرته المضيفة أندريا ميشيل على شبكة “إن بي سي نيوز”، قال برينان إنه كان ينبغي على إسرائيل مشاركة هذه المعلومات مع المخابرات الأمريكية لتقييم ما إذا كانت حماس تعمل بالفعل على تطوير هذا النوع من القدرات أم لا.
وأضاف “كان بإمكان إسرائيل أن تقرر أن الخطة كانت طموحة في تلك المرحلة وأن حماس لم تكن لديها القدرات اللازمة لتنفيذ مثل هذا الهجوم الواسع النطاق”، “لكن هذه الوثيقة كان ينبغي أن تكون الدافع وراء جهود إسرائيل لجمع المعلومات الاستخبارية خلال العام الماضي”.
والوثيقة المكونة من 40 صفحة تقريبًا، والتي أطلقت عليها السلطات الإسرائيلية اسم “جدار أريحا”، حددت، نقطة بنقطة، بالضبط نوع الهجوم، الذي أدى إلى مقتل حوالي 1200 في المستعمرات الإسرائيلية بالجنوب.
وقال برينان إنه ” يتساءل حقًا عن مدى ضعف نظام الاستخبارات الإسرائيلي في علاقته مع صناع السياسة وما إذا كان هذا النظام اليوم قويًا كما أعتقد أن الكثير منا رآه في السنوات الماضية”.