1

تباينات إسرائيلية حول سيناريوهات نهاية الحرب

بغض النظر عن التصريحات الإسرائيلية الرسمية من القادة العسكريين والسياسيين التي يزعمون فيها أن حركة «حماس» تبدي علامات انكسار أمام الهجوم الإسرائيلي الشرس، وأن القيادة العليا للحركة تفقد سيطرتها على القيادات الميدانية، تشير تقديراتهم إلى أنهم يحتاجون إلى شهور طويلة، وهناك من يقول أكثر من سنة حتى تتحقق أهداف الحرب، وهي «إبادة (حماس)، وإعادة الأسرى، وتنفيذ إجراءات تجعل قطاع غزة منطقة آمنة لا مجال لإطلاق صواريخ منها تهدد سكان الجنوب».

لكن الجمهور الإسرائيلي، ومعه وسائل الإعلام والخبراء، غير مقتنعين بأن الجيش يمتلك رصيداً يكفيه للبقاء سنة كاملة وأكثر في قطاع غزة، ويقولون إنه يدخل الشهر الثالث للحرب، ولا يحرز إنجازات ملموسة تدل بشكل فعلي على قرب انكسار «حماس»؛ فهو دمر كل المباني في الجزء الشمالي من قطاع غزة، واحتل المنطقة كلها تقريباً، لكن ما زالت عناصر «حماس» تفاجئ الجيش الإسرائيلي بعمليات نوعية تدمر آليات وتقتل جنوداً، بل يطلقون قذائف وبعض الصواريخ من هذه المنطقة بشكل خاص. والجيش نفسه يتحدث عن «معارك ضارية» يخوضها مع العدو.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع قادة القوات الإسرائيلية في 26 نوفمبر (د.ب.أ)

حجب أشرطة «حماس»

وعلى الرغم من أن معظم وسائل الإعلام العبرية ما زالت تحجب عن الجمهور أي بيان أو شريط تسجيل من «حماس»، فإن قليلاً من الإسرائيليين يصدقون روايات الناطق بلسان الجيش، دانيل هغاري، حول ما يدور في قطاع غزة. وهو يعرف ذلك. فمع أن استطلاعات الرأي تشير إلى انه يحظى بثقة 86 في المائة من الجمهور، فإنه لا يحظى بثقة 50 في المائة من الصحافيين، وهم يعبّرون عن هذا في الصحف، ويقولونه في وسائل الإعلام الأخرى.

والشعور هو أن إسرائيل عادت إلى الوراء 50 عاماً من ناحية فرض الرقابة العسكرية. فعلى الرغم من أن هذا الإعلام يمارس رقابة ذاتية شديدة من بداية الحرب، ويمتنع عن نشر بيانات «حماس» وأشرطتها المسجلة، فإنه يسود شعور بأن الرقابة وقادة الجيش يريدون لمن يتلقون الأخبار أن يكونوا مثل الإمعة تماماً.

وأقدم الناطق هغاري على خطوات لاسترداد الثقة، فنظم جولات للصحافيين كل واحد على حدة في غزة. وأتاح لكل صحافي أن يتحدث مع من يريد. واستجاب هغاري لطلبهم حول إعطاء صورة أكثر دقة عن نتائج المعارك. وعدم الاكتفاء بالقول إن قواته تقترب من السنوار، وإن «حماس» تقترب من الانكسار. وأجروا مفاوضات معه في الأيام الأخيرة حول عدد القتلى والمصابين.

وأصر على أن عدد القتلى في معارك غزة وحدها بلغ 100 (إضافة إلى 320 في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، لكنهم أبلغوه بأن لديهم معلومات من المستشفيات بأن عدد الجرحى يفوق أضعاف ما ينشره هو، واتفقوا في النهاية على أن العدد يصل إلى 5 آلاف جريح، بعد أن كان قد وافق على ما نشرته صحيفة «هآرتس»، يوم الثلاثاء الماضي، من أن العدد هو 1000، وكان الرقم في حينه صادماً.

حطام يتناثر وسط انفجار خلال ما يقول الجيش الإسرائيلي إنها عملية في خان يونس (رويترز)

جنود الاحتياط

والمعروف أن الجيش بدا يحرر مجموعات كبيرة من جنود الاحتياط الذين جندهم في بداية الحرب (360 ألف جندي جرى توجيه 130 ألفاً منهم نحو الحدود الشمالية والبقية قرب غزة)، وقد بلغ مجموع من دخلوا منهم وخرجوا من وإلى غزة، نحو 100 ألف جندي، خلال الحرب، يوجد في حكم المؤكد 5 آلاف جريح. ويتضح أن الجراح متنوعة وشديدة، فهناك إصابات في الكلى والطحال والكبد وطبعاً في الرأس. وهناك عدد كبير من الإصابات في العيون. والمستشفيات تقيم أقساماً سرية، وتبلغ نسبة المعوقين الدائمين منهم 15 في المائة على الأقل، وهؤلاء هم المصابون الذين فقدوا أطرافاً من أجسادهم.

وبناءً عليه، فحتى لو كانت هناك ضربات موجعة جداً لـ«حماس» ومقاتليها، وحتى لو كان هناك انكسار في بعض مواقع «حماس»، فإن القتال الضاري يبين أن الادعاءات الإسرائيلية حول قرب انهيار «حماس» هو جزء من حرب نفسية وحملة دعائية، وليس بالضرورة يعكس الواقع.

والحديث عن الحاجة إلى سنة إضافية يعني أن الجيش الإسرائيلي يتعثر، فهو جيش كبير وضخم الموارد، ولديه أحدث الأسلحة والتقنيات التكنولوجية العالية، ويحظى بكل ما يحتاج إليه من الدعم وأكثر من الجيش الأميركي، الذي ينظم حملة جوية من 200 طائرة شحن ضخمة محملة بالذخائر والعتاد، ومع ذلك يتقدم ببطء شديد أمام قوات «حماس» و«الجهاد»… وغيرها.

صورة من بيت لاهيا لعشرات الفلسطينيين المعتقلين وهم شبه عراة (رويترز)

صورة العراة

والأشرطة التي يعرضها الجيش، وتظهر تارة شباناً أُجْبِروا على خلع قمصانهم والجلوس أرضاً وهم عراة بغرض إذلالهم، أو الشريط الذي يتباهى فيه بقتل 3 عناصر من «حماس» في عملية راجلة في أحد أزقة جباليا، أو هدم نصب تذكاري في ميدان فلسطين ورفع علم إسرائيل فيه، هي صور غير تناسبية، قد تلائم جيشاً حقق انتصاراً على فرقة من الجيش الصيني أو الروسي، وليس جيشا يعد أحد أقوى الجيوش في العالم، ويحارب تنظيماً مسلحاً مثل «حماس» من 30 ألف مسلح.

ووفق المراسل العسكري لصحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية ألون بن دافيد، الذي عاد من جولة في قلب غزة بضيافة الجيش، فإنه «في الجانب العسكري سجل الجيش الإسرائيلي لنفسه غير قليل من الإنجازات، لكن الصور تثير نقاشاً يقظاً بين الخبراء، فيما إذا كانت هذه بوادر علامات انكسار في أوساط «حماس».

والوضع في جنوب القطاع مختلف؛ فمع أن الجيش يعمل بقوة لوائية كبيرة في خان يونس، فإنه لم ينجح بعد في كسر 4 كتائب لـ«حماس» التي تعمل في المدينة. والتقدير هو أنه سيتطلب لأجل ذلك 3 أسابيع، وربما أكثر، بينما كان التشديد الأساسي على محاولة المس بمسؤولي «حماس» الكبار، وعلى رأسهم يحيى السنوار وشقيقه محمد، اللذان، حسب كل المؤشرات، يعملان في هذه الجبهة.

فلسطينيون أمام مركز أممي لتوزيع الطحين في غزة (أ.ف.ب)

احتلال خان يونس

وإذا كان احتلال خان يونس يحتاج إلى 3 أسابيع، فإن رفح التي تبلغ أضعافها من حيث المساحة والكثافة السكانية، ودير البلح وبقية المناطق التي لم تدخلها القوات الإسرائيلية تحتاج إلى شهور، لكن القيادات السياسية تؤكد أنه لا يوجد لها كل هذا الوقت، من الناحية السياسية.

ومع أن الولايات المتحدة استخدمت، يوم الجمعة، حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن على مشروع قرار يدعو إلى وقف نار فوري في غزة، فإن هناك قلقاً واضحاً في إسرائيل من أنه باستثنائها صَوَّتَتْ بقية الـ13 دولة مع مشروع القرار، (وبريطانيا امتنعت). ووفق تقارير مختلفة من واشنطن فإن الإدارة الأميركية تعتزم السماح لإسرائيل بمواصلة القتال حتى نهاية السنة الميلادية، أي 3 أسابيع من اليوم قبل أن تطالبها بإعادة الانتشار.

وهذا كله، من دون حل لقضية المخطوفين الإسرائيليين لدى «حماس»، الذين لا يبدو أن تحرير أي منهم غاية سهلة، وقد فشلت العملية الخاصة التي حدثت فجر الجمعة، لتحرير الجندي ساهر باروخ وانتهت بقتله. وهذا علماً بأن الجيش يؤكد أن جهوداً مشابهة ستستمر في المستقبل أيضاً، رغم الظروف المعقدة لنجاحها».

بناءً على ذلك كله، فإن العمليات الحربية في قطاع غزة تعد ورطة ليس فقط لـ«حماس»، بل للجيش الإسرائيلي أيضاً.

نظير مجلي

المصدر: صحيفة الشرق الاوسط




«الشرق الأوسط» تستعرض خريطة الفصائل الفلسطينية المقاتلة في غزة

شكلت عملية السابع من أكتوبر (تشرين الأول) ضربة غير متوقعة لإسرائيل، بدا معها أن القيادة السياسية والجيش الإسرائيلي ومنظومة المخابرات والاستخبارات في فشل كبير، ليس فقط بسبب عامل المفاجأة التي صعقت «حماس» من خلاله إسرائيل، لكن أيضاً لأن القدرات العسكرية للكتائب السبع الأبرز على الأرض، خصوصاً «القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بدت أكثر تطوراً مما عرفته أو تتوقعه إسرائيل. وتعد «كتائب القسام» القوة العسكرية الأبرز بين الأجنحة المسلحة في كل الأراضي الفلسطينية، وأكثرها عدةً وعتاداً، فيما يظهر مقاتلوها بأساً شديداً وتدريباً عالياً.

بالإضافة إلى أنه توجد فصائل أخرى مقاتلة وفاعلة في قطاع غزة تستعرض «الشرق الأوسط» أهمها.

«كتائب القسام» (مجد سابقاً)

تعد «كتائب القسام» أكبر قوة عسكرية حالياً في قطاع غزة، وفي كل الأراضي الفلسطينية. تأسست بداية عام 1988 باسم «مجد»، قبل أن يطلق عليها بعد أشهر قليلة اسمها الحالي، وبقي اسم «مجد» مرتبطاً بجهازها الأمني السري لملاحقة العملاء الذين يعملون لصالح المخابرات الإسرائيلية. وكان من أبرز مؤسسيه يحيى السنوار قائد حركة «حماس» حالياً في قطاع غزة والمطلوب الأول لإسرائيل بتهمة الوقوف خلف هجمات السابع من أكتوبر.

مرت «الكتائب» بالعديد من المراحل منذ نشأتها، وبدأت تبرز بشكل واضح عام 1994، مع تنفيذ محاولات اختطاف إسرائيليين ونجاحها في أول عملية أسر في الضفة الغربية للجندي نخشون فاكسمان، الذي قتلته القوات الإسرائيلية مع آسريه في عملية عسكرية قرب إحدى القرى بين رام الله والقدس.

«كتائب القسام» تشارك في عرض عسكري وسط قطاع غزة يوليو الماضي (أ.ف.ب)

اشتهرت «القسام» كثيراً مع تنفيذها عمليات تفجير داخل إسرائيل في بداية التسعينات، وتحول يحيى عياش أحد أبرز قادتها في الضفة إلى رمز للحركة بعد فشل إسرائيل في اغتياله أو اعتقاله، وكان يلقب بـ«المهندس»، حتى اغتيل في قطاع غزة بتفخيخ هاتف عام 1996.

استمرت العمليات التفجيرية التي تميزت بها «القسام» في الانتفاضة الثانية، ثم نفذت عملية أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2006، ونجحت بالاحتفاظ به لأعوام طويلة، وأجبرت إسرائيل على عقد صفقة تبادل معها عام 2011، أفرجت بموجبها عن 1027 أسيراً.

فرضت «القسام» عام 2007 سيطرتها العسكرية على القطاع في أعقاب اشتباكات مع الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، وحسمت معركتها مع السلطة في ساعات قليلة.

30 ألف مقاتل

جربت «القسام» إطلاق صواريخ بدائية على إسرائيل في كل سنوات الانتفاضة، وهي صواريخ كان يصفها مسؤولون فلسطينيون بأنها «عبثية»، لكنها فاجأت إسرائيل بداية عام 2009 بإطلاق صواريخ «غراد» تصل إلى نحو 50 كم.

في سنوات لاحقة، طورت «القسام» من قوتها وبنت مواقع عسكرية علنية، وعملت بتنظيم هرمي، وجندت الآلاف في صفوف مقاتليها، وسط تقديرات بأن لديها نحو 30 ألف مقاتل. تتوزع قواتها على «قوات النخبة» وكتائب تابعة للمناطق الجغرافية، وفيها وحدات خاصة للأنفاق والتصنيع العسكري والاستخبارات.

يحيى السنوار زعيم «حماس» في غزة وصورة تعود إلى أكتوبر 2022 (رويترز)

تمتلك «القسام» أنفاقاً دفاعية وهجومية أقلقت المنظومة العسكرية الإسرائيلية كثيراً، ونجحت في استخدامها بكثافة خلال حرب عام 2014 التي استمرت 51 يوماً، ونجحت بإخفاء جنديين إسرائيليين أسرتهما من حي التفاح شرق مدينة غزة، ورفح جنوب القطاع، وما زال مصيرهما حتى الآن مجهولاً.

قصفت مدينة تل أبيب بصاروخ «فجر» إيراني الصنع لأول مرة عام 2012، في رد على اغتيال القيادي البارز فيها أحمد الجعبري. ثم طورت طائرات بدون طيار، وعشرات الصواريخ التي فاجأت إسرائيل في جولات ومعارك وحروب أخرى كما جرى في حرب 2014، ومعركة 2021 «سيف القدس» التي بدأت بقصف مدينة القدس بعدة صواريخ، وكذلك في الحرب الحالية.

أبرز قادتها الذين قتلتهم إسرائيل هم يحيى عياش وعماد عقل وصلاح شحادة وفوزي أبو القرع وأحمد الجعبري ورائد العطار وأحمد الغندور، بينما نجا محمد الضيف قائد «القسام» العام والرقم 1 المطلوب منذ أكثر من 30 عاماً، من سلسلة محاولات اغتيالات فاشلة.

شباب فلسطينيون في رام الله يرمون الحجارة على دوريات الجنود الإسرائيليين في ذكرى الانتفاضة الثانية سبتمبر 2002 (غيتي)

«سرايا القدس» (القوة رقم 2)

تعد «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، القوة الثانية عسكرياً في الأراضي الفلسطينية، وتم تأسيسها مع بداية انتفاضة الأقصى الثانية التي اندلعت نهاية عام 2000.

عملت نهاية الثمانينات وبداية التسعينات باسم «قسم»، ونفذت في تلك الحقبة سلسلة هجمات في المدن الإسرائيلية والضفة وغزة، كما نفذت هجمات مماثلة خلال الانتفاضة الثانية.

ترتبط «سرايا القدس» بإيران و«حزب الله» أكثر من غيرها من الأجنحة المسلحة الأخرى، وتدرب المئات من قياداتها وكوادرها في إيران وسوريا، الذين عادوا لقطاع غزة، وقاموا بتصنيع صواريخ وطائرات بدون طيار، لكنها أقل درجة من حيث التأثير وتحسين قدراتها، مقارنة بما تمتلكه «كتائب القسام».

مناورة عسكرية هجومية بالذخيرة الحيّة لـ«سرايا القدس» الذراع العسكرية لـ«الجهاد الإسلامي» في غزة (أرشيفية – حساب الحركة)

يبلغ عدد مقاتلي «سرايا القدس»، وفق تقديرات تقريبية، نحو 11 ألف مقاتل، ويمتلكون أسلحة خفيفة ومتوسطة وآلاف الصواريخ متوسطة المدى، والعشرات من الصواريخ البعيدة التي تصل إلى تل أبيب والقدس. لكن كما ظهر في العديد من الحروب والجولات التصعيدية، لا تملك صواريخ بحجم أو تأثير «القسام»، كما أنها لا تمتلك منظومة أنفاق كبيرة كما «القسام».

وبالرغم من كل ذلك، شكلت لسنوات تحدياً واضحاً للمنظومة الإسرائيلية، خصوصاً في جولات التصعيد التي وقعت بغزة خلال السنوات الخمس الماضية، وكانت «حماس» تمتنع عن المشاركة فيها.

على مدار سنوات، اغتالت إسرائيل العديد من قيادات «سرايا القدس» في قطاع غزة والضفة الغربية، من أبرزهم مقلد حميد وبشير الدبش وعزيز الشامي وخالد الدحدوح وماجد الحرازين وبهاء أبو العطا وخالد منصور، وغيرهم الكثير من غزة والضفة.

برزت الحركة في العامين الأخيرين، في الضفة، من خلال «كتيبة جنين»، أحد أهم التشكيلات العسكرية البارزة شمال الضفة الغربية التي تقودها «سرايا القدس»، ونفذت سلسلة هجمات مسلحة، فيما اغتيل العديد من قياداتها آخرهم منذ أيام محمد الزبيدي.

«ألوية الناصر»

«ألوية الناصر صلاح الدين»، هي الجناح المسلح للجان المقاومة الشعبية في فلسطين. أسسها جمال أبو سمهدانة الذي اغتيل عام 2006، مع بدايات انتفاضة الأقصى الثانية عام 2000.

تعد حالياً القوة الثالثة نسبياً، وتضم نحو 5 آلاف مقاتل، وتمتلك العشرات من الصواريخ وقذائف الهاون.

ألوية الناصر صلاح الدين في الضفة الغربية (حساب الحركة)

كانت أولى عملياتها نهاية عام 2000، بتفجير عدة عبوات ناسفة كبيرة بدبابة إسرائيلية ما أدى لتدمير أجزاء كبيرة منها، عند مفترق نتساريم، ومقتل جنديين إسرائيليين في حينها.

تلقت دعماً من «حزب الله» اللبناني وحركة «الجهاد الإسلامي»، وخلال سنوات الانتفاضة الثانية شاركت بسلسلة عمليات اقتحام لمستوطنات بغزة قبيل الانسحاب، بمشاركة فصائل أخرى، وقتل عناصرها العديد من الإسرائيليين. اغتالت إسرائيل العديد من قادتها، بينهم كمال النيرب وزهير القيسي وهم من خلفوا أبو سمهدانة في قيادة اللجان.

«كتائب شهداء الأقصى»

تعد «كتائب شهداء الأقصى»، الجناح العسكري لحركة «فتح»، القوة الرابعة بعد أن كانت في بدايات «انتفاضة الأقصى» القوة الأولى عسكرياً، ونفذت حينها سلسلة هجمات كبيرة ضد الإسرائيليين، بما في ذلك هجمات داخل عمق المدن الإسرائيلية.

كانت تسمى سابقاً بعدة أسماء منها «العاصفة»، وخاضت عمليات كثيرة على مدار عصور من النضال الفلسطيني داخل وخارج فلسطين.

تضم «الكتائب» حالياً، بمختلف تشكيلاتها العسكرية، نحو 2000 مقاتل يمتلكون أسلحة خفيفة ومتوسطة وعشرات الصواريخ محلية الصنع، التي تصل فقط لنحو 16 كم من حدود غزة.

مشيعون يحملون جثمان قائد «كتائب شهداء الأقصى» إبراهيم النابلسي في نابلس بالضفة أغسطس 2022 (أ.ف.ب)

وخلال سنوات الانتفاضة الثانية التي تأسست مع بداياتها، نفذت «الكتائب» سلسلة عمليات إطلاق نار متفرقة بالضفة وغزة. اغتالت إسرائيل العديد من قياداتها، إلا أنه مع مرور السنوات تراجع حضورها كثيراً في المشهد الفلسطيني، بعد أن أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2007 حلها رسمياً، وتفريغ عناصرها في الأجهزة الأمنية.

عاد بعض رجالها للظهور مؤخراً في جنين ونابلس واغتيل بعضهم.

«كتائب أبو علي مصطفى»

هي الجناح العسكري لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، أسست بهذا الاسم بعد اغتيال أمين عام الجبهة، أبو علي مصطفى عام 2001، في مكتبه برام الله، إثر قصف من طائرة مروحية.

تعد القوة الخامسة حالياً، وتضم مئات المقاتلين بغزة والضفة، وتمتلك أسلحة خفيفة ومتوسطة وصواريخ محلية الصنع.

نفذت سلسلة هجمات، أبرزها الرد على اغتيال أمينها العام، باغتيال وزير السياحة الإسرائيلي الأسبق، رحعبام زئيفي، عام 2001 في أحد فنادق غرب القدس.

الأمن الإسرائيلي ينقل أحمد السعدات قائد الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين واثنين من رفاقه من سجن ريمون مايو الماضي (حساب الجبهة)

اعتقل أمينها العام الحالي أحمد سعدات برفقة قيادات من «الكتائب» بتهمة التخطيط والمشاركة بالعملية في عام 2002 لدى أجهزة الأمن الفلسطينية، ونقلوا لسجن أريحا المركزي، قبل أن تقتحمه القوات الإسرائيلية عام 2006، وتعتقلهم وتصدر بحقهم أحكاماً بالمؤبد. للحركة مئات من المقاتلين.

«كتائب المقاومة الوطنية»

هي الجناح العسكري لـ«الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين»، وعملت بأسماء مختلفة قبل انتفاضة الأقصى، قبل أن تعمل بهذا الاسم.

تضم مئات المقاتلين في صفوفها، وتعد القوة السادسة، وتمتلك أسلحة خفيفة ومتوسطة وصواريخ محلية الصنع.

نفذت سلسلة هجمات خلال سنوات طويلة من النضال الفلسطيني وانتفاضة الأقصى الثانية، وقتلت العديد من الإسرائيليين، كم قتل العديد من قادتها وكوادرها.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع قادة القوات الإسرائيلية في قطاع غزة في اليوم الثالث من هدنة مع حماس 26 نوفمبر (د.ب.أ)

«كتائب المجاهدين»

هي مجموعة عسكرية منبثقة عن تشكيلات حركة «فتح»، قبل أن تعلن انفصالها التام عنها، وتتلقى تمويلاً من «حزب الله» اللبناني وحركة «الجهاد الإسلامي».

تضم المئات من المقاتلين، كما أنها تمتلك أسلحة خفيفة ومتوسطة وصواريخ تصل إلى عسقلان وسديروت وغيرها.

نفذت منذ بداية الانتفاضة الثانية، سلسلة هجمات وقتلت إسرائيل بعض قادتها.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




أونروا: كثيرون في غزة لم يتناولوا الطعام منذ يومَين أو ثلاثة أيام

مع تدهور أوضاع الفلسطينيين في قطاع غزة أكثر فأكثر، وسط الحرب الإسرائيلية المتواصلة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، أشارت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) إلى أنّ “أشخاصاً كثيرين جداً لم يتناولوا طعاماً منذ يومَين أو ثلاثة أيام”، مبيّنةً أنّ “الجوع يترصّد الجميع”.

وحذّرت وكالة أونروا “نحن على وشك الانهيار”، مشيرةً إلى أنّ “في حال انهارت أونروا، فإنّ المساعدات الإنسانية التي يعتمد عليها جميع سكان قطاع غزة تقريباً، سوف تنهار كذلك”.

لكنّ الوكالة الأممية أكدت أنّ “على الرغم من كلّ شيء، ما زال الزملاء في أونروا يواصلون العمل ويواصلون بذل كلّ ما في وسعهم لدعم مجتمعاتهم”، علماً أنّهم لا يملكون إلا “القليل” وعلماً أنّ “الطعام والمياه والوقود تُستخدَم بطريقة منهجية كسلاح حربي في قطاع غزة”.

وأوضحت أنّ “زملاءنا في أونروا ما زالوا يديرون المراكز الصحية ويوزّعون الطعام ويديرون ملاجئ الإيواء”، لافتةً إلى أنّ “ثمّة أشخاصاً من بينهم يصلون وهم يحملون أطفالهم الموتى”.

وتابعت وكالة أونروا “تمكّنّا من توفير الدقيق لـ 68.650 عائلة حتى الآن، لكنّنا في حاجة إلى المزيد من أجل تلبية متطلّبات 1.9 مليون نازح في قطاع غزة”.

أونروا: الزملاء محبطون وغاضبون وسط الانهيار

وقبيل توجّهه إلى قطاع غزة مساء اليوم الاثنين، حذّر المفوّض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) فيليب لازاريني، في تصريحات أدلى بها إلى أكثر من وسيلة إعلامية، من أنّ “كلّ شيء ينهار”.

ولم يخفِ لازاريني أنّ “الزملاء في أونروا يشعرون بإحباط عميق وبخيبة أمل وغضب بسبب فشل الأمم المتحدة” في إقرار وقف لإطلاق النار، فيما قطاع غزة “يتأرجح على حافة الانهيار”.

لكنّ المسؤول الأممي استدرك قائلاً إنّ الزملاء في وكالة أونروا يشعرون بـ”ما هو أبعد من خيبة الأمل. هم يشعرون بأنّ المجتمع الدولي تخلّى عنهم”.

أضاف لازاريني: “لقد كنّا نتأرجح على حافة الانهيار في الأسبوعَين الماضيَين أو الأسابيع الثلاثة الماضية، ونرى ذلك أيضاً في سقوط النظام المدني”.

وشدّد على أنّ “في قطاع غزة، يتوجّب علينا تقديم المساعدة على نطاق واسع، ولا بدّ من أن تكون متواصلة وذات معنى. وحتى الآن، لم يتحقّق ذلك”.

أونروا: الوضع في غزة تحوّل من أزمة إلى كارثة 

في سياق متصل، قالت مديرة الإعلام والتواصل لدى وكالة أونروا جولييت توما، في تصريحات أدلت بها اليوم إلى أكثر من وسيلة إعلامية، إنّ الوضع في قطاع غزة “مروّع”، شارحةً أنّه “تحوّل من أزمة إلى كارثة”.

أضافت توما أنّ “ملاجئنا كانت (قبل اليوم) مكتظّة بالفعل. لا يمكننا استقبال المزيد”. أضافت أنّ “الناس كانوا يصطفّون في الطوابير لساعات” ليتمكّنوا من الوصول إلى المراحيض، في حين أنّهم “كانوا ينامون على الأرض من دون فرش”.

من جهة أخرى، أفادت توما أنّ “نصف زملائنا الذين قُتلوا، البالغ عددهم 134، إنّما قُتلوا في جنوب قطاع غزة ووسطه”. وأكدّت بالتالي “لا مكان آمناً” في القطاع المحاصر والمستهدف، مضيفة أنّ “الناس لا يستطيعون التوجّه إلى أيّ مكان”.

وشدّدت مديرة الإعلام والتواصل لدى وكالة أونروا على أنّ “الطريقة الوحيدة للخروج من هذا تقضي بوقف إنسانيّ لإطلاق النار”.

وزارة الصحة في غزة: لم يعد إحصاء ضحايا الشمال ممكناً

من جهة أخرى، أفادت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، في بيان اليوم الاثنين، بأنّ 18.205 أشخاص استشهدوا فيما أُصيب 49.645 آخرون بجروح في القصف الإسرائيلي الذي يستهدف قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

لكنّ الوزارة أوضحت أنّ أعداد الشهداء والمصابين في شمال قطاع غزة لم تعد تُحتسَب في حصيلة الشهداء والجرحى، نظراً إلى الأوضاع هناك. كذلك فإنّ الحصيلة المعلَن عنها لا تتضمّن أعداد الأشخاص المفقودين تحت الأنقاض، بسبب عدم القدرة على احتساب هؤلاء في الفترة الأخيرة، مع العلم أنّهم كثر وقد أشارت آخر التقديرات إلى أنّهم تجاوزوا الآلاف السبعة.

واستناداً إلى البيانات المتوفّرة لديها، أكدت وزارة الصحة في غزة أنّ نحو 70 في المائة من الشهداء والجرحى هم من الأطفال والنساء، كذلك الأمر بالنسبة إلى المفقودين.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




ايكونوميست: إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها من الحرب

تجاوزت الحرب الإسرائيلية على غزة يومها الـ 65، ولا يزال الجيش يتخبط في أحياء القطاع. وتقول مجلة ايكونوميست الأميركية في مقال ترجمه موقع “الخنـادق” أن “إسرائيل فشلت حتى الآن في تحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في تدمير القدرات العسكرية لحماس”. معتبرة أن الوقت ينفذ أمام تل أبيب لتحقيق انجاز ما.

النص المترجم:

لقد مرت تسعة أسابيع منذ أن بدأت إسرائيل قصف قطاع غزة وستة أسابيع منذ أن أرسلت قوات برية. وقتل نحو 18 ألف شخص معظمهم من سكان غزة. لكن إسرائيل فشلت حتى الآن في تحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في تدمير القدرات العسكرية لحماس.

يبدو بشكل متزايد كما لو أن جيش الدفاع الإسرائيلي أمامه أسابيع فقط لإنهاء المهمة قبل أن تسحب الولايات المتحدة، الحليف الحيوي لإسرائيل، دعمها للهجوم. النجاح يبدو غير مرجح.

تكثف إسرائيل عملياتها. وقد نشرت فرقة كاملة من الجيش الإسرائيلي في مدينة خان يونس الجنوبية وحولها، حيث تعتقد أن كبار قادة حماس يتحصنون الآن. ولا تزال ثلاث فرق مدرعة تعمل في القطاع الشمالي في مدينة غزة المدمرة. ويدور قتال عنيف في منطقتي الشجاعية وجباليا في المدينة. يقوم الجيش الإسرائيلي بتدمير الأنفاق، والبنية التحتية، العسكرية والمدنية، في المدينة وضواحيها.

تحاول إسرائيل خلق الانطباع بأن المقاومة تنهار وأنها تسيطر على أراض واسعة. وظهرت لقطات على وسائل التواصل الاجتماعي لعشرات الرجال الذين اعتقلهم الجنود الإسرائيليون، الذين أمروا بتجريدهم من ملابسهم الداخلية من أجل تفتيشهم بحثاً عن أحزمة ناسفة. رفع الجيش العلم الإسرائيلي في ساحة فلسطين في مدينة غزة وأضاء شموع حانوكا في العديد من مواقع ساحة المعركة. لكن هذه ليست بعد “صورة النصر” – الصورة التي تؤكد الانتصار النهائي – التي يطالب بها المواطنون الإسرائيليون من قادتهم.

ربما يكون الجيش الإسرائيلي قد دمر ما يصل إلى نصف قوة حماس التي ربما يبلغ قوامها 30 ألف مقاتل. لكن حماس لا يزال لديها الآلاف الذين يخرجون من الأنفاق لتنفيذ كمائن على الجنود الإسرائيليين. ولا تزال حماس تحتجز أكثر من 130 رهينة لم يطلق سراحهم عندما دعا الجانبان إلى هدنة وتبادلا الأسرى في نوفمبر تشرين الثاني. إنهم في خطر من القصف المستمر. في 130 ديسمبر أصيب جنود إسرائيليون في محاولة فاشلة لإنقاذ رهينة. وعرضت حماس في وقت لاحق لقطات مروعة لرهينة ميت، وهو مدني إسرائيلي يبلغ من العمر25 عاما. تزعم حماس أن الإسرائيليين قتلوه في محاولة إنقاذهم، وتقول إسرائيل أن حماس قتلت الرجل الذي يظهر في الفيديو.

كما لم تتمكن إسرائيل من القضاء على قيادة حماس أو تدمير بنيتها التحتية. وقتل الجيش الإسرائيلي عددا من كبار القادة الميدانيين. لكن يحيى السنوار، القائد العام للحركة في غزة، ومحمد ضيف ومروان عيسى، قادة قوتها القتالية، نجوا حتى الآن. ويرجع الفضل في ذلك جزئيا إلى شبكة حماس التي تضم مئات الأميال من الأنفاق، والتي فشلت إسرائيل في تدميرها على الرغم من قوتها النارية وقدراتها على المراقبة المحمولة بالطائرات دون طيار.

وقال جنرالات إسرائيليون منذ بداية الحرب إن الأمر سيستغرق شهورا من العمليات المضنية التي يشارك فيها جنود على الأرض لتدمير هذه الشبكة. وبعد مرور أكثر من شهرين، ما زالوا يتوقعون شهورا طويلة. لكن قد لا يكون لديهم الوقت. وقد استنزف عدد القتلى المدنيين بالفعل الدعم الدولي للهجوم الإسرائيلي. والآن تتذبذب أميركا، حليفتها التي لا غنى عنها.

وفي 8 كانون الأول/ديسمبر، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد قرار طارئ صادر عن مجلس الأمن الدولي يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة. وامتنعت بريطانيا عن التصويت. وصوت جميع الأعضاء ال 13 الآخرين لصالح القرار. وشدد الفيتو الأميركي على مدى اعتماد إسرائيل على حليفها الاستراتيجي للحصول على الدعم الدبلوماسي. وهي تحتاج إلى المزيد من الأسلحة الأمريكية أيضاً. وافقت وزارة الخارجية الأمريكية للتو على شحنة من 14 ألف قذيفة دبابة عيار 120 ملم، وهي واحدة من الذخائر الرئيسية التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي في عمليته البرية.

وتنفي الحكومتان علناً أن إدارة الرئيس جو بايدن حددت أي نوع من الموعد النهائي للإسرائيليين لإنهاء هجومهم. لكن عدة مصادر أكدت أنه خلال زيارته الأخيرة إلى إسرائيل، أخبر أنتوني بلينكن، وزير الخارجية الأمريكي، الإسرائيليين أنه سيتعين عليهم إنهاء الأمور بحلول العام الجديد. وفي الوقت نفسه، تطالب الإدارة أيضا إسرائيل ببذل المزيد من الجهد لتخفيف معاناة الفلسطينيين، وخاصة في جنوب غزة. ويكتظ نحو 2 مليون شخص، أي أكثر من ثلاثة أرباعهم نزحوا من ديارهم بسبب القتال، بإمدادات شحيحة، كما أن انهيار الصرف الصحي يجعل تفشي الأمراض أمرا محتملا.

إذا طالبت الولايات المتحدة بإنهاء القتال في وقت مبكر من العام الجديد، فقد تبدأ مصيرهم في التحسن إلى حد ما. ولكن من غير المرجح أن يعود السلام ولا الظروف المعيشية المناسبة قريباً. قد ينتهي القصف الإسرائيلي على غزة، ولكن من المرجح أن يواصل الجيش الإسرائيلي حملة أقل كثافة تعتمد على القوات البرية المتنقلة. في هذا السيناريو، ستواصل حماس السيطرة على أجزاء من غزة. وبذلك تكون إسرائيل قد فشلت في تحقيق هدفها الرئيسي المتمثل في تدمير مرتكبي مجزرة 7 تشرين الأول/أكتوبر.

المصدر: مجلة إيكونوميست البريطانية

ترجمة: موقع الخنادق




ماذا بينهم وبين لثام «أبو عبيدة»؟

شهد تاريخ العرب كثيرا من أسماء الأعوام بأحداث شهيرة، كعام الفيل، وعام الحزن، وعام الرمادة، وعام الجماعة، لكن يبدو أن عام 2023 الذي أوشك على الانتهاء، سوف يأخذ اسم: عام فتنة «أبو عبيدة». فعلى إحدى القنوات العربية التي اعتادت النهش في جسد المقاومة الفلسطينية، اجتمع الضيف ومضيفه على تشويه صورة «أبو عبيدة» المتحدث باسم كتائب عز الدين القسام، الذي عرف بالملثم، لأنه يخفي معالم وجهه بلثام، فكان مما قدّم به المذيع لضيفه ليؤسس عليه، توصيفه لهذا العام بأنه عام الافتتان بالمنقّب، يهمز المتحدث باسم القسام، بتشبيه لثامه بنقاب المرأة.
وسبقه إلى هذا المنحى أحد المنتسبين للعلم، وقاله نصا «أبو عبيدة المنقبة» في سياق هجومه اللاذع على حركة حماس، واتهامها بالمسؤولية عن كارثة القطاع، ولا أدري أي نص اتكأ عليه دعيّ العلم هذا، في لمز الآخرين والسخرية منهم والطعن فيهم. ومن ينسى ذلك الذي جعل يصرخ على منبره «جاهد بالسنن يا أبا عبيدة»، ولئن كنت قد تناولت حديثه من قبل تفكيكا وتعقيبا، لكنني لم أتعرض لحركة خبيثة قام بها هذا الدعي، عندما غطى وجهه وهو يتحدث عن أبي عبيدة، لمزا وتعريضا. وغيرهم يتحدى «أبو عبيدة» بأن يكشف عن وجهه، ويتحدث بغير هذا اللثام، متهما إياه بالجبن، والبعض الآخر يستند إلى الجهل بمعرفة شخصية «أبو عبيدة» ويرى أنه سبب كافٍ لعدم تصديقه.

أصبح أبو عبيدة رمزا في وقت تتعطش فيه الجماهير إلى الرموز، وأصبح قدوة في وقت تبحث فيه الشعوب عن قدوة حقيقية

في ما أعلم، هي المرة الوحيدة التي يُهاجم فيها ملثم على هذا النحو، فلم نسمع هذا الهراء عندما يتعلق الأمر بالقوات الخاصة، التي ينفذ عناصرها العمليات وهم يغطون كل أجزاء جسدهم بما فيها الوجه، فلا يظهر شيء منهم البتة، ومع ذلك لم يتهمهم أحد بأنهم جبناء. هل يرى العرب أن قناع زورو في الفيلم الهوليودي يستحق التصفيق، بينما قناع «أبو عبيدة» يستحق التجريح والتشويه والغمز واللمز والتحقير؟ رجال الطوارق الأمازيغ الذين عرفوا في التاريخ الإسلامي بالملثمين، الذين أسسوا دولة المرابطين، من عادتهم أنهم يتلثمون ولا يكشفون وجوههم، ومع ذلك لم يستهجن أحد صنيعهم، بل أطلق عليهم لقب نبلاء الصحراء، يضاف إلى ذلك أنهم أخذوا مكانة لافتة في الأعمال الروائية والسينمائية. وقصص الشجعان الملثمين في التاريخ كثيرة، منهم العالم المعروف عبد الله بن المبارك، الذي قاتل في المعارك ملثّما لئلا يعرفه أحد. ولست أدري ما هو الفارق لديهم في أن يلقي أبو عبيدة خطاباته وهو ملثم أو كان سافر الوجه، طالما أن بياناته تعبر عن كتائب القسام، ويخرج على الجماهير بالحقائق التي لم يستطع الاحتلال تكذيبها؟ هل نطالب الرجل بالكشف عن شخصيته وتعريض نفسه وأهله للاستهداف من العدو الصهيوني؟ هل سنسميها حينئذ شجاعة أم حماقة؟
هل كان الحذر والحيطة يوما جبنا وخنوعا؟ أليس الرجال على مرّ التاريخ في الحروب يرتدون الخوذات والدروع ليتقوا بها الضرب والطعن؟ أليس إخفاء الشخصية عن الأعداء من هذا القبيل؟ وما سبب هجوم علماء السلطة على لثام هذا الرجل والتعريض بأنه منقب؟ هل يرتديه في حفلة تنكريّة؟ أم هو يؤسس لإحدى الموضات الجديدة في ملابس الرجال؟ أرى أن اختصاص لثام الناطق باسم كتائب القسام بالهجوم، أنه لا يوجد سبب للهجوم عليه، بمعنى أن تصريحات الرجل غاية في الدقة والاتزان ومشفوعة بالتوثيق، فلا يستطيعون سبيلا إلى الطعن فيها، وهي تصل إلى الملايين، وتتأثر بها شعوب الأمة، بل لا نبالغ إن قلنا إنها تحظى باهتمام كبير لدى دول العالم بأسره، فلذلك أرادوا الطعن فيه من هذا الجانب، جانب اللثام. قطعا لا أريد بهذه الكلمات الدعوة إلى تقديس «أبو عبيدة»، ولا إلى الغلو في شخصه، لكنها كلمة حق أردت بها إحقاق الحق، الذي يتراءى لي أن الهجوم على «أبو عبيدة» يأتي بدافع تأثر الجماهير العربية والإسلامية بخطاباته، حتى أضحى رجل الأمة المعروف لدى شيبها وشبانها وأطفالها ونسائها، أصبح أبو عبيدة رمزا في وقت تتعطش فيه الجماهير إلى الرموز، وأصبح قدوة في وقت تبحث فيه الشعوب عن قدوة حقيقية.
لقد بلغ حجم التأثر بشخصية المتحدث باسم كتائب القسام، أن اسمه يتداوله المطربون والفنانون، الذين تقوم أعمالهم على الترفيه المحض، وأصبح الناس يلتفون حول خطاباته في المقاهي، كحالهم مع مباريات الكرة، وأصبح حلم الناشئة أن يكون كلهم «أبو عبيدة». هذا التأثير هو الذي ضاقت به صدور قوم من بني جلدتنا، مدفوعين بحسابات أيديولوجية، أو بالتبعية للأنظمة المعادية للتيار الإسلامي، ويصنفون حركة حماس ضمن هذا التيار، وبعضهم غارق في وحل التطبيع مع الصهاينة والتقارب معهم على حساب إخوة الدين والدم والعروبة والجوار، إلى درجة أن أحدهم يوصي الصحافي الصهيوني إيدي كوهين على إحدى مساحات x (تويتر سابقا) بأن تنشط دولة الاحتلال لقتل مئة ألف فلسطيني، وأن دولة الاحتلال تسامحت مع الفلسطينيين أكثر من اللازم. هم يريدون لجماهير الأمة أن تبقى على هامش الحياة، لا تقوم لهم قائمة تجعلهم يسألون حكامهم ويحاسبونهم، لذلك أرادوا للناس أن يتخذوا قدوات لهم رؤوسا جهالا تافهين، يغرسون الخور والضعف والدعة في الناشئة خاصة. من أجل هذا يتم الهجوم على «أبو عبيدة» لأنه صار رمزا، في الوقت الذي دبّ في الأمة داء تحطيم الرموز، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

إحسان الفقيه
كاتبة أردنية

المصدر: صحيفة القدس العربي




فورين أفيرز: تحولات استراتيجية داخل حماس قادت للمواجهة الحالية مع إسرائيل وجعلت غزة مركز الكفاح

نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا لليلى سورات من المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسة في باريس تساءلت فيه عن هدف حماس في غزة، وحللت فيه الإستراتيجية التي قادت إلى الحرب وما تعنيه للمستقبل.

وقالت سورات وهي مؤلفة كتاب عن “السياسة الخارجية لحماس: الأيديولوجية وصناعة القرار والتفوق السياسي” إن واحدا من أهم ملامح هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر ضد إسرائيل ولم يتعرض وبشكل نسبي للتمحيص وهو “المكان”، فعلى مدى العقد الماضي، لم يعد قطاع غزة ساحة المعركة الرئيسية بسبب التوغلات الإسرائيلية المستمرة، بما فيها عملية “الجرف الصامد” في 2014 والتي استمرت شهرين وكانت الأطول، حتى العملية الأخيرة، كما التفوق الإسرائيلي في اعتراض الصواريخ قلل من فعالية أنظمة حماس الصاروخية وظل القطاع معزولا عن بقية العالم بسبب الحصار المتواصل.

وبالمقارنة، فقد كان من الواضح أن الضفة الغربية هي ميدان النزاع، فتوسع الاستيطان واستمرار التوغل الإسرائيلي من الجنود والمستوطنين في القرى والبلدات الفلسطينية، وكذا مداهمات الأماكن المقدسة في القدس، والتي جذبت اهتماما إعلاميا، وهو أمر اعترفت به حماس وبقية المنظمات الفلسطينية، وهو أن هذا المكان هو المناسب لانطلاق المقاومة الوطنية الفلسطينية. وبالتأكيد كان هذا هو التفكير الإسرائيلي أيضا، حيث كانت القوات الإسرائيلية تراقب الفلسطينيين في الضفة الغربية، راضية عن الهدوء في غزة التي لم يكن تهديدها يظهر إلا عبر رشقات صاروخية متقطعة.

إلا أن هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر ناقضت هذه الفكرة، فمن أجل القيام بهجومها المميت ضربت حماس معبر إيرتز وعدة نقاط من السياج الأمني، وقتلت 1200 إسرائيليا وأخذت 240 رهينة.

وكانت قيادة حماس العسكرية تتوقع ردا قويا من إسرائيل، وهو ما أكدته الحملة العسكرية الجوية والبرية على غزة والتي قتلت أكثر من 18 ألف فلسطيني ودمرت أجزاء واسعة من القطاع وجذبت العملية انتباه العالم وقادته وعلى مدى أسابيع. وتحولت غزة إلى قلب المواجهة الإسرائيلية- الفلسطينية وبعد سنوات من بقائها في خلفية النزاع.

وتطرح عودة مركزية غزة في النزاع أسئلة على قيادة حماس. ففي الماضي كان هناك افتراض ان الحركة تدار من قادتها في الخارج والمقيمين إما في عمان أو دمشق أو الدوحة. لكن هذا الفهم عفا عليه الوقت ومنذ فترة طويلة. فمنذ تولي يحيى السنوار قيادة غزة في 2017، تعرضت حركة حماس لتحول تنظيمي باتجاه غزة نفسها. فإلى جانب تأكيد استقلالية حماس في غزة عن القيادة في الخارج، أشرف السنوار على جهود تجديد حماس كقوة قتالية في غزة.

منذ تولي يحيى السنوار قيادة غزة في 2017، تعرضت حركة حماس لتحول تنظيمي باتجاه غزة نفسها. فإلى جانب تأكيد استقلالية حماس في غزة عن القيادة في الخارج، أشرف السنوار على جهود تجديد حماس كقوة قتالية في القطاع

وكان هدف السنوار بالتحديد، هو القيام بهجوم ضد إسرائيل وربط غزة بالكفاح الفلسطيني الأوسع. وبطريقة أخرى، حاول تكييف حركة حماس في غزة لتتناسب مع التطورات النامية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما في ذلك التوترات المتزايدة في المسجد الأقصى. وبدلا من عزل القطاع أسهمت إسرائيل بوضع غزة في مركز انتباه العالم. وكمنظمة سياسية وعسكرية، لدى حماس أربعة مراكز للقوة: غزة، الضفة الغربية، السجون الإسرائيلية التي يسجن فيها عدد من قيادات حماس، وقيادة الخارج.

وظلت قيادة الخارج تمارس تأثيرا على الحركة، وهذا نابع لأن العديد من قيادات الحركة فروا أثناء الإنتفاضة عام 1989، إلى الأردن ولبنان وسوريا. وتحولت دمشق في 2000 مقرا رئيسيا لحركة حماس. وسيطر هؤلاء القادة من مواقعهم في الخارج على الجناح العسكري المعروف بكتائب عز الدين القسام، وتحركوا دبلوماسيا مع القادة الأجانب وجذبوا الدعم المالي من الجمعيات والمانحين الأفراد، ومن إيران، بعد مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو.

كان هدف السنوار بالتحديد، هو القيام بهجوم ضد إسرائيل وربط غزة بالكفاح الفلسطيني الأوسع. وبطريقة أخرى، حاول تكييف حركة حماس في غزة لتتناسب مع التطورات النامية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بما في ذلك التوترات المتزايدة في المسجد الأقصى

وظلت قيادة الخارج طوال هذه السنوات مهيمنة على الداخل، وكان بعض القيادات مثل خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي قد نشأوا في الخارج، لكنهم اتخذوا قرارات الحرب والسلام وحددوا ما تقوم به الكتائب التي كان تفعل ما يطلبون حتى في حالة عدم اتفاقها معهم. لكن تفوق الخارج أصبح محل تساؤل بعد اغتيال المرشد الروحي للحركة، الشيخ أحمد ياسين عام 2004. ولعبت عدة عوامل في استقلالية حماس الداخل، منها فوزها في انتخابات عام 2006 وتشكيل الحكومة وقبل أن تسيطر على القطاع في 2007، وعندما شددت إسرائيل الحصار على القطاع، استطاعت الحركة تأمين موارد مالية من تجارتها السرية عبر الأنفاق. وساهم الربيع العربي والثورة السورية في تسريع استقلالية قيادة الداخل عن الخارج. وحاولت حماس مع بداية الثورة السورية التوسط بين المقاتلين السوريين والنظام، ولكنها رفضت الطلب الإيراني إظهار الدعم غير المشروط لنظام بشار الأسد. ونتيجة لهذا، قررت الخروج من دمشق في شباط/فبراير 2012، حيث أقام موسى أبو مرزوق، نائب الرئيس في القاهرة، وأقام مشعل في الدوحة، حيث وجه انتقادات حادة ضد إيران وحزب الله لدعمهما الأسد. وردت طهران بتخفيض الدعم لحماس من 150 مليون دولار في العام إلى 75 مليون دولار.

وأدى تشتت القادة إلى إضعاف قيادة المنظمة الخارجية. وفي مقابلة مع غازي حمد، أحد قيادات حماس البارزة في غزة أجرتها الكاتبة معه بغزة في أيار/مايو 2013 قال فيها إن “الرحيل عن سوريا ساعد كثيرا قيادة غزة”، مضيفا “لا أقول إن غزة تفوقت على القيادة خارجها. ولكن أصبح هناك توازن كبير بينهما”. ومن الملاحظ أن حماس واصلت العلاقة مع طهران، وكان هذا بارزا مع قيادات كتائب القسام، وبخاصة مروان عيسى، نائب قائد الكتائب الذي سافر إلى طهران كلما سنحت الفرصة. وظهرت استقلالية الداخل من خلال اختطاف جلعاد شاليط، الذي أمر باختطافه زعيم الكتائب أحمد الجعبري والذي قاد عملية التفاوض مع حمد للإفراج عنه، وبموجب الصفقة أفرجت إسرائيل عن 1027 أسيرا من السجون الإسرائيلية وهو ما كان بمثابة انتصار للحركة في غزة. واغتالت إسرائيل الجعبري في العام التالي في عملية “عمود السحاب”. ولعبت التوغلات المستمرة دورا في تقوية حماس الداخل وبخاصة الكتائب التي كانت تقوم بدور مهم في ساحة المعركة مقارنة مع القيادة المهمشة في الخارج. وانضم ثلاثة من قادتها في 2013 إلى المكتب السياسي كاعتراف بدورها، ومنحها دورا مباشرا في القرار. وأسهم الحصار في منح غزة مكانة رمزية كمنطقة تضحية، سعى قادة حماس الاعتراف بها وتعزيز شرعيتهم، كما فعل مشعل في 2012 عندما ألقى خطابا فيها “أقول أنني رجعت لغزة، ولو لأول مرة فإنني في غزة لأنها في قلبي”.

وعززت سنوات ما بعد 2017 مكانة قيادة حماس في غزة، ففي ذلك العام عين إسماعيل هنية الذي كان قائدا في غزة، محل مشعل كمسؤول للمكتب السياسي، وبهذه الطريقة أصبحت إيران قادرة على التعامل مباشرة مع قيادة غزة. واضطر هنية للانتقال من غزة إلى الدوحة عام 2019 لتصبح غزة تحت قيادة يحيى السنوار، الزعيم العسكري السابق والمنافس لهنية في التأثير.

وكان السنوار شخصية محورية في إنشاء الجناح العسكري للحركة في الثمانينيات من القرن الماضي، وقضى في السجن 22 عاما، وساهم ببناء قيادة حماس، وخرج منه ضمن صفقة شاليط عام 2011. ولدى السنوار رؤية واضحة عن الكفاح الفلسطيني المسلح وهي أن الهجوم العسكري وتأكيد القوة كفيل بإجبار الإسرائيليين على التفاوض بطريقة متساوية.

لدى السنوار رؤية واضحة عن الكفاح الفلسطيني المسلح وهي أن الهجوم العسكري وتأكيد القوة كفيل بإجبار الإسرائيليين على التفاوض بطريقة متساوية

وعندما أصبح رجل غزة القوي، بدأ بوضع رؤيته محل التطبيق، فسعى أولا للحصول على تنازلات من إسرائيل وركز ثانيا على تقوية الكتائب ووسع قواتها من 10 آلاف مقاتل في العقد الأول من القرن الحالي إلى 30 ألف مقاتل. وأعرب أحمد يوسف، المستشار السابق لهنية عن تحفظه من منح غزة سلطة أوسع من سلطة الخارج والتي يجب أن تكون لها الأولوية. كما عبر عن مخاوفه من علاقات السنوار مع الجناح العسكري لحماس، بشكل يمنح إسرائيل المبرر للتعامل مع غزة كمركز تفريخ إرهابيين. إلا أن السنوار أثبت في 2018 و2019 أنه قادر على تقديم نتائج من خلال التظاهرات عند السياج الحدودي، حيث أجبرت إسرائيل على الدخول في اتفاقيات بشأن تخفيف بعض القيود وفتح معابر وزيادة الدعم القطري. لكن الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية تشككوا من تحركات حماس باعتبارها محاولة لحرف النظر عن المشاكل النابعة من حكم الحركة للقطاع. وفي 2021، انتهز السنوار الفرصة لمواجهة أزمة الثقة عندما قامت الكتائب بإصدار انذار ضد إسرائيل بشأن معاملتها الفلسطينيين في الشيخ جراح بالقدس الشرقية ومداهمة الأقصى. وجاءت محاولة حماس الربط مع المناطق الفلسطينية الأخرى، وسط توقيع دول عربية اتفاقيات سلام، وهو ما منح صورة أن حماس هي التي تدافع عن القدس والفلسطينيين ضد المستوطنين وسط تطبيع دول عربية. ومنذ 2021، كانت حماس حريصة على ربط غزة ببقية المناطق الفلسطينية والتضامن مع الأقصى، ومن هنا أطلقت على العملية في تشرين الأول/أكتوبر “طوفان الأقصى”.

ورأت الكاتبة أن حماس وكتائب القسام حاولت الحفاظ على مستوى تأثير في الحرب الدعائية ومناقضة الرواية الإسرائيلية ونشر أشرطة فيديو وبيانات رغم الحصار الإعلامي وقطع الاتصالات على القطاع. ولا يبدو أن قيادة حماس في الخارج على علاقة مع الحملة الإعلامية، وعلى خلاف عملية الرصاص المسكوب 2008/2009، فمن ينشر المعلومات ليس رئيس المكتب السياسي بل والناطق باسم الكتائب أبو عبيدة الموجود على الأرض.

وبالمقارنة عقد ممثل حماس في بيروت، أسامة حمدان، مسؤول العلاقات الخارجية السابق عدة مؤتمرات صحافية من أجل مناقضة مزاعم إسرائيل عن الحرب، وهو يشترك مع فكرة التداخل في الجناح السياسي والعسكري باعتباره أمرا طبيعيا، ويدعم فكرة السنوار ان القوة تخدم القضية الفلسطينية.

وقال في مقابلة عام 2017 مع الكاتبة إن معظم قادة إسرائيل كانوا أمراء حرب قبل الدخول في السياسة. وصور الحرب بأنها حرب تحرير ضد المشروع الصهيوني الأمريكي الإمبريالي. وبالنسبة له حققت عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر منافع للفلسطينيين مثل تحرير السجناء وجر الجيش الإسرائيلي لوضع صعب وغير ذلك. ومن خلال قيامها بالعملية فقد كشفت حماس أن إسرائيل ليست منيعة. ورغم الكلفة الباهظة، فقد جعلت حماس مشروع التحرير قويا للفلسطينيين وكشفت عن الدمار الذي تسببت به إسرائيل ضد المدنيين، وأظهرت للعالم وحشية الاحتلال الإسرائيلي.

من خلال قيامها بالعملية فقد كشفت حماس أن إسرائيل ليست منيعة. ورغم الكلفة الباهظة، فقد جعلت حماس مشروع التحرير قويا للفلسطينيين وأظهرت للعالم وحشية الاحتلال الإسرائيلي

وستترك الحرب نتائج على مستقبل النزاع. ورغم الكلفة الباهظة والدمار، فقد أظهرت الحرب تحولا في داخل حماس نفسها، فمن خلال إجبار إسرائيل على حملة في غزة، فقد قلبت عملية 7 تشرين الأول/أكتوبر مفهوم أن غزة أرض محررة من الاحتلال الإسرائيلي يمكن الحفاظ على الوضع الراهن فيها للأبد. وبالنسبة لحماس، فقد حققت الحرب أهدافها بوضع غزة في مركز الكفاح الفلسطيني ومركز الجذب العالمي. كما وربطت الحرب الفلسطينيين برضوض تاريخية حملوها معهم منذ النكبة، حيث ربط التهجير القسري من الشمال للجنوب في القطاع وخطط إجبارهم على الرحيل إلى سيناء، الفلسطينيين بتاريخهم.

المصدر: مجلة فورين أفيرز الاميركية

ترجمة: إبراهيم درويش




إعلام عبري: إسرائيل مستعدة لاستئناف مفاوضات تبادل الأسرى مع حماس

قالت قناة عبرية، مساء الاثنين، إن إسرائيل مستعدة لاستئناف الاتصالات مع الوسطاء، من أجل إطلاق سراح باقي المحتجزين الإسرائيليين في قطاع غزة.

وصباح الجمعة 1 ديسمبر/ كانون الأول الجاري، انتهت هدنة امتدت لأسبوع بين إسرائيل و”حماس” بوساطة قطرية مصرية أمريكية أطلق خلالها سراح 84 طفلا وامرأة إسرائيليين، إضافة إلى 24 مواطنا أجنبيا من قطاع غزة، بينما أفرجت إسرائيل عن 240 أسيرا فلسطينيا (71 امرأة و169 طفلا)، قبل أن تستأنف حربها المدمرة.

وقالت القناة “12” العبرية الخاصة: “إسرائيل مستعدة لاستئناف الاتصالات، من أجل إطلاق سراح المختطفين في غزة”.

وأصافت: “الفئة (التي سيجري التفاوض على إطلاق سراحها) تظل إنسانية، وتشمل النساء اللواتي ما زلن في الأسر، والمرضى والجرحى والمسنين”.

وكانت إسرائيل قد طالبت “حماس” بإطلاق سراح نساء زعمت أنهن مدنيات وهو ما رفضته الحركة، وأكدت أنهن مجندات وتم أسرهن بالزي العسكري، واعتبرته مخالفا لبنود اتفاق الهدنة، وأكدت أن التفاوض على إطلاق سراح الجنود سيكون في مرحلة لاحقة، ما تسبب في انهيار الهدنة، وفق تصريحات لمسؤولين في “حماس”.

ولا يزال لدى حركة “حماس” في غزة، 137 محتجزا، بينهم 126 إسرائيليين و11 أجنبيا، وفق إعلام عبري.

وتابعت القناة: “تشير التقديرات إلى أنه لن يكون من الممكن التوصل إلى اتفاق جديد في الأسبوع المقبل، لكنهم (في إسرائيل) يريدون فتح مسار متجدد، للاستفادة من الضغط على حماس في القتال”.

ونقلت عن مصدر أمني إسرائيلي لم تسمه، قوله إن “شدة القتال بدأت تفتح طريقا لا ينبغي تفويته”.

وأضافت: “تحاول إسرائيل أيضًا زيادة الضغوط على الصليب الأحمر، ومن المتوقع أن يلتقي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو برئيسة المنظمة (ميريانا سبولياريتش إيغر)، التي من المتوقع أن تصل إلى إسرائيل في الأيام المقبلة”.

وفي أكثر من مناسبة منذ بداية الحرب، طالبت إسرائيل الصليب الأحمر بزيارة المحتجزين بغزة وتقديم الأدوية اللازمة للمرضى منهم.

وقال مسؤول إسرائيلي كبير للقناة (لم تسمه) إن “الظروف التي يمكن في ظلها البدء في صياغة اتفاقيات جديدة، سواء من وجهة نظر حماس أو إسرائيل، قد نضجت الآن”.

وتابع: “تلقى رئيس الموساد ديدي برنيع، توجيهات جديدة بالبدء بالاستماع إلى ما يقوله الوسطاء”، وقال المصدر نفسه: “إذا أراد القطريون التحدث، فسوف نستمع”.

لكن المصدر قال، إن “إسرائيل حددت بعض المشاكل، التي يمكن أن تجعل الصفقة صعبة”.

وأوضحت: “جزء من قيادة حماس غادر قطر، وإسرائيل موجودة فعليا في المنطقتين (شمال وجنوب القطاع)، وليس فقط في شمال القطاع، وهو ما يعقد قنوات الاتصال”.

ومنذ 27 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي يشن الجيش الإسرائيلي عملية توغل بري بدأت بشمال قطاع غزة، وتوسعت إلى مناطق الوسط والجنوب، وسط مقاومة شرسة من المقاتلين الفلسطينيين، تكبدت إسرائيل خلالها عشرات القتلى والجرحى.

ومنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، يشن الجيش الإسرائيلي حربا مدمرة على غزة خلّفت حتى مساء الاثنين، 18 ألفا و205 شهيدا، و49 ألفا و645 جريحا، معظمهم أطفال ونساء، ودمارا هائلا في البنية التحتية و”كارثة إنسانية غير مسبوقة”، بحسب مصادر رسمية فلسطينية وأممية.

المصدر: وكالة الأناضول




وول ستريت جورنال: يحيى السنوار لم يتخل قط عن إستراتيجية تحرير السجناء الفلسطينيين

نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” تقريرا عن زعيم حركة حماس في غزة، يحيى السنوار الذي قالت إنه درس النفسية الإسرائيلية وهو في السجن ورهن حياته لما تعلمه. وفي تقرير أعده عدد من مراسليها، جاء أن السنوار قضى في السجن عقدين من الزمان وشرح لمسؤول إسرائيلي نظرية أصبحت مركزية في الحرب بغزة الآن. وقال إن ما تراه إسرائيل قوة، وهو أن معظم الإسرائيليين يخدمون في الجيش ويتمتع الجنود بمكانة في المجتمع، هو ضعف يمكن استغلاله، وذلك حسب يوفال بريتون، الذي عرف السنوار عندما كان مسؤولا عن وحدة المخابرات في السجون.

وبحسب الصحيفة، ثبتت صحة النظرية عام 2011 عندما أفرج عن السنوار مع 1027 سجينا فلسطينيا مقابل سجين إسرائيلي واحد. ولدى السنوار الآن 138 “رهينة إسرائيليا”، بمن فيهم الجنود، ويراهن زعيم حماس على إجبار إسرائيل على الإفراج عن آلاف السجناء الفلسطينيين وتحقيق اتفاق وقف إطلاق النار.

 وبنى حكمه على المجتمع الإسرائيلي من خلال تجربة عقدين في السجن وتعلم العبرية من خلال متابعة الأخبار المحلية وفهم النفسية الإسرائيلية. وقبل هذا يجب أن تنجو حماس من الهجوم المضاد القاتل والقوي الذي نفذته إسرائيل. ولو أساءت التقدير فسيراقب السنوار دمار غزة ويفقد حياته. وجاء رهان السنوار بثمن باهظ، بما في ذلك تدمير مناطق واسعة من غزة ومقتل 17.700 فلسطيني أو أزيد.

وتقول إسرائيل إنها تخطط لتدمير قيادة حماس في القطاع، بمن فيهم السنوار ومنع الجماعة من بناء قوة تهدد إسرائيل وبعد الهجوم الذي نفذته في 7 تشرين الأول/أكتوبر. إلا أن الحكومة الإسرائيلية تتعرض للضغوط بعد فترة وجيزة للتوقف عن إطلاق النار للإفراج عن النساء والأطفال، للعمل مع السنوار كي يتم الإفراج عن بقية “الرهائن”. ويقول بريتون “يعرف أن إسرائيل ستدفع ثمنا باهظا” و”يفهم أن هذه نقطة ضعفنا”.

 ويقوم أسلوب السنوار الذي أصبح زعيما للحركة في 2017، على تذكير الإسرائيليين بأنهم في نزاع مع الفلسطينيين، فمرة يتعامل بشكل بناء مع الإسرائيليين وبعد ذلك يقوم باستخدام أساليب العنف من أجل تحقيق أهداف سياسية، ولديه تاريخ بملاحقة العملاء الفلسطينيين لإسرائيل، كما أن محاولاته للتفاوض بشأن الإفراج عن “الرهائن” يعتبرها الإسرائيليون جزءا من الحرب النفسية.

وفي الفترة الأخيرة من التفاوض على “الرهائن”، قطع كل الاتصالات لعدة أيام ووضع ضغوطا على الإسرائيليين للموافقة على فترة توقف تعطي حماس فرصة لتجميع نفسها، حسب مفاوضين مصريين. وعندما أفرج عن “الرهائن”، أفرج عنهم من خلال مجموعات كل يوم، بدلا من مجموعة واحدة وفي يوم واحد، بشكل خلق قلقا يوميا في داخل المجتمع الإسرائيلي.

 وأخبر السنوار، وهو في بداية الستينات من عمره، المفاوضين المصريين أن الحرب لن تنتهي بسرعة، وأنها قد تستمر لعدة أسابيع، مما يشير إلى أنه يريد أن يعتصر قدر ما يستطيع من الإسرائيليين مقابل الإفراج عن بقية “الرهائن”. وفي الوقت الحالي، يعتبر السنوار الشخص الرئيسي الذي يصدر القرارات السياسية في غزة، ويعمل مع الجناح العسكري للحركة.

أما رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، فهو مقيم حاليا في الدوحة، ونائبه صالح العاروري في بيروت. وفي الوقت الذي يتخذ فيه قادة حماس القرارات بالإجماع، في الأوقات العادية، إلا أن إسرائيل تعتقد أن السنوار والجناح العسكري في غزة يديرون الحرب الحالية. ورفض المتحدثون باسم حماس التعليق على السنوار أو إستراتيجية الحركة.

وبعد نهاية وقف إطلاق النار، قالت حماس إن “الرهائن” لديها هم جنود أو مدنيون يعملون في الجيش ولن تفرج عنهم إلا في حالة أوقفت إسرائيل الحرب. وقالت الحركة إنها مستعدة للإفراج عن “الرهائن” حالة أفرجت إسرائيل عن السجناء الفلسطينيين في سجونها وعددهم 7.000 سجين. وتقوم إستراتيجية إسرائيل لتأمين الإفراج عن بقية “الرهائن” على تحقيق إنجازات في ساحة المعركة وإجبار حماس على الإفراج عنهم.

 ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن حماس كانت مستعدة للإفراج عن الأطفال والنساء لأن الجيش غزا غزة وبدأ بالضغط عليها عسكريا. وتخوض القوات الإسرائيلية معارك في خان يونس، التي ولد ونشأ فيها السنوار، وحاصرت في الأسبوع الماضي منزله “كتحرك رمزي” حسب زعم الصحيفة لأنه قد يكون مختبئا في مكان آخر.

وأقسمت إسرائيل على قتل السنوار وكل قادة حماس، لكن قادة إسرائيل البارزين أرسلوا رسائل مزيجة فيما إن كانت حكومتهم ستسمح لمقاتلي حماس من الصفوف الدنيا بمغادرة القطاع. وكان واحدا من الأسباب التي قادت حماس لتنظيم هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر هو اختطاف جنود ومبادلتهم بأسرى فلسطينيين حسب محللين سياسيين فلسطينيين. وعندما أفرج عنه في صفقة التبادل قال السنوار إن المفاوضين الفلسطينيين كان عليهم أن يضغطوا من أجل أعداد كبيرة، وعندما كان يحضر نفسه للخروج قال للذين لم تشملهم الصفقة إنه سيعمل من أجل تحريرهم.

وقال مخيمر أبو سعدة الذي درس قبل الحرب في جامعة الأزهر “هذا أمر شخصي” و”لم يشعر بالراحة لمغادرة السجن عام 2011 وأن يترك خلفه بعضا من رفاقه”. ويستبعد المفاوض الإسرائيلي السابق غيرشون باسكين رضوخ إسرائيل لمطالب السنوار لو استؤنفت المفاوضات من جديد، وبخاصة فيما يتعلق بالسجناء الذين تعتبرهم إسرائيل خطيرين. ويقول باسكين إن إطلاق سراح السنوار هو الخطأ الذي ارتكبته إسرائيل وهو “السبب في رفض مطالبه” و”ارتكبوا ذلك الخطأ مرة”.

وقبل دخوله السجن كان السنوار مقربا من زعيم الحركة الشيخ أحمد ياسين الذي أفرج عنه بصفقة 1.000 سجين فلسطيني مقابل 3 جنود إسرائيليين. ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن السنوار عمل في البداية على ملاحقة العملاء، وكانت الوحدة التي أنشأها الأساس الذي ولدت منه كتائب عز الدين القسام. واعتقل السنوار في 1988 وأخبر المحققين بكيفية ملاحقته العملاء وأنه كان يخطط في بداية 1989 لإنشاء وحدة خاصة تقوم بقتل واختطاف الإسرائيليين.

وكان له دور في اختطاف وقتل إسرائيليين وحكم عليه بالمؤبد حيث قضى 22 عاما في السجن. وعندما سجن كانت حماس في المهد، ولكنه ظل في السجن مؤثرا، فسجناء الحركة هم أحد قواعد حماس إلى جانب الضفة الغربية والخارج وغزة. وسجنت السلطات الإسرائيلية أفراد الفصائل في مناطق منفصلة، وأنشأت حماس هيكيلية داخل السجن، حسب مسؤولين سابقين، واختاروا قائدا في كل سجن، وزعيما لكل السجون وتم اختيار السنوار مرتين كزعيم لكل معتقلي حماس في السجون الإسرائيلية. وفي الفترات التي لم يكن فيها مسؤولا، كان له أثر على القادة. ولا يعرف دور السنوار في الانتفاضة الثانية.

وفي عام 2004 بدا وكأن لديه مشاكل في الدماغ، وعندما فحصه الأطباء وجدوا ورما في الدماغ، وأجروا له عملية في مستشفى بئر السبع. وبعد تعافيه عاد إلى السجن وشكر الأطباء على إنقاذ حياته. وأعطى السنوار الإسرائيليين انطباعا أنه ضد العنف، وفي مقابلة أجراها صحافي إسرائيلي معه من داخل السجن في 2005، قال إن الحركة منفتحة على هدنة طويلة، ولكنه لم يقبل بإسرائيل وأن الحركة لديها فهم بأنها لا تستطيع هزيمة إسرائيل عسكريا. وقال إن الحركة عنيدة و”كما جعلنا حياة اليهود مرة أثناء المواجهات” فـ “سنجعل حياتهم صعبة في الحوار على وقف إطلاق النار”.

وفوجئ الجنود في نقطة عسكرية قرب قطاع غزة عندما اختطف جيلعاد شاليط في 2006، وكان أحد المشاركين في العملية، محمد، الشقيق الأصغر للسنوار. وفي السجون اعتقلت إسرائيل أفراد حماس في زنازين تتسع لثماني سجناء، حيث كان يسمح لهم بالخروج مرتين في اليوم للتمشي لساعة ونصف، ودرس بعضهم الإنكليزية والعبرية ودرسوا القرآن. وكان السنوار محوريا في المفاوضات التي أدت للإفراج عن شاليط، حيث كان يريد الإفراج عن السجناء المتهمين بتفجيرات في الانتفاضة الثانية. ووافقت إسرائيل على إطلاق سراح سجناء خطيرين بمن فيهم السنوار. وقال أحد المحققين معه في السجن “كان الإفراج عنه أسوأ خطأ في تاريخ إسرائيل”.

وأخبر السنوار وكالة أنباء محلية في غزة عام 2011 أن أفضل طريقة للإفراج عن بقية السجناء هي اختطاف المزيد من الجنود. ووصل إلى غزة مختلفة، حيث أصبحت حماس الحاكم له. ولكن مساره بعد الخروج من السجن وتوليه قيادة حماس في 2017 و2021 لم يتغير بشأن ملاحقة العملاء وتحرير السجناء الفلسطينيين عبر اختطاف الجنود الإسرائيليين.

المصدر: صحيفة وول ستريت جورنال الاميركية

ترجمة: إبراهيم درويش




من قطع الرؤوس إلى الجرائم الجنسية… شيء من مسلسل الكذب الإسرائيلي

تحاول دولة الاحتلال الإسرائيلي التركيز في خطابها خلال الفترة الحالية على الجرائم الجنسية وعمليات الاغتصاب التي تزعم فيها أن عناصر من المقاومة الفلسطينية نفّذتها في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي خلال عملية “طوفان الأقصى”، لكنها لم تعرض حتى اليوم أي دليل فعلي على حدوثها.

وتبيّن بعد فحص أجرته “العربي الجديد”، أن الفيلم الذي أنتجته إسرائيل لترويج لروايتها والتأثير على صنّاع القرار والصحافيين والمؤثرين، وبالتالي على الرأي العام العالمي من خلالهم، والذي يرصد العديد من مشاهد القتل في مناطق “غلاف غزة”، لا يحتوي على أي مشهد يوثق ولو حالة اعتداء جنسي واحدة، أو حتى أي مشهد يقترب من ذلك، على الرغم من أن الفيلم بات واحداً من أهم الأدوات للترويج للرواية الإسرائيلية.

كجزء من الدعاية الإسرائيلية، أنتج جيش الاحتلال فيلماً لهجمات السابع من أكتوبر، يعرضه في إسرائيل والعالم بشكل محدود، في إطار إجراءات خاصة. يصل طول النسخة الـ17 من الفيلم إلى نحو 45 دقيقة، ويحتوي على مشاهد حقيقية مما حدث في ذلك اليوم. وخضع الفيلم لعدة تعديلات منذ نسخته الأولى، إذ أضيفت مشاهد وحُذفت أخرى.

تتطلب مشاهدة العرض إجراءات خاصة، منها التسجيل المسبق وعدم إدخال الهواتف أو الساعات الذكية أو أدوات التسجيل، وكل ما يمكنه توثيق شيء من الفيلم. وتشدد استمارة العرض التي يتم ملؤها من قبل المشاركين على الالتزام بعدم تداول محتوى الفيلم، علماً أن بعض مقاطعه تم تداولها من قبل على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وإذا كانت إسرائيل تحاول الإيحاء بأن عدم السماح بعرض الفيلم على نطاق واسع مفتوح يعود إلى بعض مشاهده الصعبة، فإنها على الأرجح لا تريد منح المقاومة الفلسطينية مساحة للرد وتفنيد الادعاءات الزائفة.

فعلى الرغم من ظهور عناصر بزي “كتائب القسام”، الجناح العسكري لحركة “حماس”، خلال عمليات إطلاق نار واقتحامات مختلفة، إلا أن الكثير من مشاهد القتل والجثث، ظهرت أيضاً من دون توثيق هوية مرتكبيها.

وقد يدخل في الحسابات الإسرائيلية في إطار الإجراءات الخاصة، لا سيما منع إدخال الأجهزة التكنولوجية، عزل المشاهدين عن العالم الخارجي طيلة فترة العرض، ما يجعل تركيزهم أكبر على المشاهد ورسائلها.

ومن شأن كل ذلك التمهيد للتأثير على الحضور حتى قبل أن يبدأ العرض، يضاف إلى ذلك حديث المسؤولين عن أن الفيلم يحتوي على مشاهد قاسية وبإمكان أي شخص لا يحتملها مغادرة القاعة من دون الشعور بالحرج.

المشاهد من ساحة المعركة التقطتها كاميرات المراقبة في المكان أو في البيوت ومحيطها، وأخرى كانت حصيلة ما رصدته الكاميرات على أجساد المقاومة أو عناصر أمن الاحتلال، أو ما وثقه السكان الإسرائيليون، وغيرها من المصادر.

ينسب الفيلم كل ما يظهر فيه من مشاهد إلى “حماس”، حتى لو لم تُظهر بعض المقاطع من ارتكب القتل. وفي مشاهد أخرى ظهر مدنيون فلسطينيون وجهات مسلحة أخرى، ومع هذا نُسبوا أيضاً لـ”حماس”، تحت توصيف “إرهابيو حماس” باللغة الإنكليزية، وهي الجملة التي رافقت مختلف المقاطع في مسعى واضح لدمغ الحركة ومواصلة الجهود الإسرائيلية لشيطنتها ونزع أي صفة إنسانية عن عناصرها.

في الفحوصات التي أجراها الأطباء الشرعيون لم يتم العثور على أي نتائج تشير إلى إقامة علاقات جنسية

تم اختيار المقاطع التي تُعرض بعناية، لكن كان لافتاً أنها لم توثق لحظات إطلاق نار من قبل الإسرائيليين باتجاه عناصر المقاومة، ولا الغزيين المدنيين الذين أقحموا أنفسهم في العملية.

ولم توثق أيضاً أي مشاهد لمقتل إسرائيليين بنيران صديقة، على الرغم من أن بعض التقارير الإسرائيلية سبق أن تحدثت عن وقوع حالات كهذه. وتناولت تقارير إسرائيلية سابقة أيضاً احتمال مقتل عدد من الإسرائيليين بنيران طائرة حربية إسرائيلية كانت قد وصلت إلى المنطقة وأطلقت النار بشكل عشوائي.

يعرض الفيلم مشاهد إطلاق نار وجثث ودماء وصراخ وغيرها. لكن غابت مشاهد قطع رؤوس أطفال في الفيلم أو استهدافهم بشكل مقصود أو مباشر، وكذلك مشاهد حالات اغتصاب لنساء وفتيات أو غيرهن، على الرغم من جهود إسرائيل أخيراً، للدفع بهذه القضية إلى الواجهة ولوم العالم على عدم استنكارها.

روايات عن الجرائم الجنسية بلا أدلة

عدم وجود أدلة على حصول اعتداءات جنسية، لا ينعكس فقط في عدم احتواء الفيلم على أي مشاهد منها، فبالعودة إلى 19 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أفردت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية تقريراً مطولاً تحت عنوان “الأدلة على الجرائم الجنسية خلال المذبحة تتراكم، لكن الطريق إلى المحكمة لا يزال طويلاً”.

وزعمت أن “العديد من الشهادات أشارت إلى أنواع مختلفة من العنف الجنسي والجندري التي ارتكبها عناصر حماس ضد النساء في 7 أكتوبر، إلى جانب أنواع أخرى من الجرائم التي ارتُكبت ضد سكان غلاف غزة. وكلما استمرت جهود التحقيقات، كلما تتزايد الأدلة”.

لكن التناقض الواضح في التقرير حينها أنه تحدث عن وجود أدلة على مختلف ما زُعم ارتكابه من قبل المقاومة، إلا الجزئية المتعلقة بالاغتصاب، ومع هذا تعامل معها على أنها حقيقة. وذكر التقرير أنه “في حين تم توثيق العديد من جوانب الهجوم على البلدات والقواعد في الجنوب بشكل واضح – على سبيل المثال، حرق المنازل على ساكنيها، وأعمال القتل – إلا أن الحجم الهائل للمذبحة ووحشيتها يجعل من الصعب بشكل خاص التحقيق في الجرائم الجنسية وتشخيصها وتحديد المتورطين فيها”.

وأشارت “هآرتس” نقلاً عن مصادرها إلى أن الظروف التي سادت منطقة القتال وطريقة نقل الجثث وغيرها، صعّبت عملية التحقيق بقضايا الاعتداءات الجنسية. وتابعت: “بالإضافة إلى الوضع الصعب للجثث، ما أدى إلى تركيز الجهد الأساسي على عمليات التشخيص، فإن سبباً إضافياً لعدم وجود توثيق منهجي للنتائج… يعود إلى النقص في الموظفين المناسبين”.

ونقلت عن مصدر كبير مطّلع على التحقيقات، لم تسمّه، قوله إنه “في الفحوصات التي أجراها الأطباء الشرعيون لم يتم العثور على أي نتائج تشير إلى إقامة علاقات جنسية”. “وإلى جانب هذه التعقيدات”، أضافت الصحيفة، فإن “جزءاً من الجثث كانت في وضع صعب جداً، عندما وصلت للتشخيص… ما لم يترك مجالاً لأي فحص، لتحديد ما إذا كانت قد ارتُكبت بالضحايا جرائم جنسية”.

كما نقلت عن مصادر في الشرطة الإسرائيلية أن الأخيرة جمعت وقتئذٍ أكثر من ألف شهادة بشأن الهجوم، “لكن بحوزتها شهادة واحدة حول عملية اغتصاب، نُشرت في الإعلام وتتضمن وصفاً لاغتصاب جماعي، وتشويه وقتل خلال الفعل”، وبالتالي “في هذه المرحلة، ليس لدى الشرطة أي دليل جنائي على حدوث جريمة جنسية”.

في غضون ذلك، زعمت نساء إسرائيليات في أحاديث إعلامية، في الأيام الأخيرة، أن 7 أكتوبر شهد اعتداءات جنسية. وفي وقت تتواصل فيه التحقيقات الإسرائيلية، انتقد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، الثلاثاء الماضي، المنظمات الحقوقية والنسائية في العالم، وقال إنه يتوقع من جميع المنظمات استنكار ما وصفه بالعنف الجنسي وعمليات الاغتصاب، وتساءل عما إذا كان صمتها يعود إلى كون النساء يهوديات.

وقد يندرج هذا التساؤل في إطار اتهام حكومته رافضي العدوان والمتضامنين مع الفلسطينيين حول العالم باللاسامية، ومحاولة استغلال “عقدة الذنب”، خصوصاً في أوروبا.

من جانبها، رفضت حركة “حماس” في بيان، الاثنين الماضي، مزاعم إسرائيل بارتكاب مقاتليها جريمة “الاغتصاب” في 7 أكتوبر الماضي، وقالت: “نرفض أكاذيب الاحتلال عن حالات اغتصاب تهدف لتشويه المقاومة، وللتغطية على صورة تعاملها الإنساني والأخلاقي مع المحتجزين”.

وفي السياق، تحدث موقع “مسبار” المعني بمكافحة الأخبار الكاذبة، أمس الأول الخميس، عن نشر حسابات وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي خبراً مفاده أن رئيسة لجنة التحقيق الإسرائيلية في قضايا الاغتصاب المزعومة كوخاف الكيام ليفي قدّمت صورة قديمة لمجندات كرديات على أنهن فتيات إسرائيليات تعرضن لاعتداء جنسي من قبل مقاتلي “حماس” خلال المهرجان الموسيقي يوم عملية “طوفان الأقصى”.

وكشف “مسبار” أن الصحافي الاستقصائي الأميركي ماكس بلومنثال توصل إلى أن الصورة قديمة ومنشورة منذ مايو/ أيار 2022 على أنها لجثث مقاتلات كرديات، ولا علاقة لها بـ”طوفان الأقصى”.

شائعة قطع رؤوس أطفال

يخلو الفيلم الذي يعرضه الاحتلال من أي مشهد يثبت مزاعم قطع رؤوس أطفال خلال الهجوم أو عمليات قتل جماعي لأطفال، مثلما يخلو من مشاهد اغتصاب.

وعلى الرغم من أن إسرائيل لم تعرض أدلة ملموسة، فقد تبنّت الإدارة الأميركية وعلى رأسها الرئيس جو بايدن الرواية الإسرائيلية بشأن الاعتداءات الجنسية، ليساهم الأخير في الترويج لها على الملأ.

وسبق أن تبنى بايدن التضليل الإسرائيلي، مثلما فعل عندما زعم في أكتوبر الماضي أنه شاهد صوراً مؤكدة لمن وصفهم بـ”إرهابيين” يقطعون رؤوس الأطفال في إسرائيل، قبل أن يتراجع عن ذلك لاحقاً.

“هآرتس”: سياسيون ومتطوعون وناشطون نشروا معلومات كاذبة حول 7 أكتوبر

وفي سياق متصل، أفادت “هآرتس”، في عددها الأحد الماضي، بأن عدداً من السياسيين والضباط في الجيش الإسرائيلي، وكذلك المتطوعين في منظمة “زاكا” (تحديد ضحايا الكوارث)، والعديد من الناشطين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ساهموا في انتشار قصص غير صحيحة حول أحداث السابع من أكتوبر، ومنها قضية قطع رؤوس الأطفال.

وأضافت “هآرتس” أنه إلى جانب الأوصاف الصحيحة حول الجرائم التي حدثت، فإن بعض الجهات الإسرائيلية روّجت لسيناريوهات لم تحدث في ذلك اليوم.

ومن بين الشهادات الشنيعة التي تم التداول بها بعد الأحداث، وصف وجود العشرات من جثث الأطفال مقطوعة الرأس. وذكرت الصحيفة أن شبكة “آي 24 نيوز” تداولت تقارير من هذا النوع على سبيل المثال، حيث تحدثت مراسلتها نيكول زيديك عن أن أحد الضباط في الميدان أخبرها بأن 40 رضيعاً على الأقل قُتلوا، وأن المسلحين قاموا بقطع رؤوس عدد منهم.

وردت الشبكة على توجه الصحيفة بأن التقارير استندت إلى شهادات ضباط قاموا بإخلاء جثث من بلدات “غلاف غزة”، وكذلك استندت إلى جولات للصحافيين الأجانب نظمها متحدث باسم الجيش الإسرائيلي بعد نحو أربعة أيام من اندلاع الحرب.

ولفتت “هآرتس” إلى أن بعض الروايات غير الصحيحة، والتي وصفت ما حدث، نشرها أعضاء منظمة “زاكا” أنفسهم، فقد روى أحدهم في شهادات مصوّرة ومسجّلة ومكتوبة سلسلة من الفظائع التي شاهدها في مستوطنات “غلاف غزة”. وذكر من بينها في مناسبات عدة أنه رأى حوالي 20 جثة مشوّهة، وجثث أطفال محترقة وجدها في أحد الكيبوتسات (المستوطنات الصغيرة)، من دون تقديم أي دليل.

كما أشارت إلى أنه من بين القصص التي لا دليل عليها، ما نشرته القناة الرسمية لوزارة الخارجية الإسرائيلية من شهادة ضابط، قال فيها إنه وجد في أحد البيوت جثث 8 رضّع محترقة. كما تطرّق حساب مكتب نتنياهو عبر منصة “إكس” (تويتر سابقاً) إلى قتل أطفال رضّع، قال إنهم قُتلوا وأُحرقوا من قبل “حماس”.

وذكرت الصحيفة أن روايات وأوصاف مشابهة رُوّج لها أيضاً من قبل ضابط في جيش الاحتلال، الذي تحدّث لأحد المواقع الإسرائيلية حول أطفال رضّع عُلّقوا على حبل غسيل.

أسلحة مزعومة في المستشفيات

عملت دولة الاحتلال منذ اليوم الأول للحرب على الترويج لمزاعم وجود مقرات عسكرية لحركة “حماس” تحت مستشفيات غزة تمهيداً لاستهدافها، وهو ما فعلته لاحقاً. وكان الاقتحام الأبرز لمستشفى الشفاء في منتصف نوفمبر الماضي، عقب محاصرته، والذي انسحب منه بعد نحو 10 أيام بعد تدمير أجزاء فيه.

وعرض الجيش حينها بعض الأسلحة داخل المستشفى، زاعماً العثور عليها هناك. واستخف حتى جزء من المحللين الإسرائيليين بما قدمه الجيش، وقالوا حينها إن عليه العثور على شيء يُثبت الادعاءات الإسرائيلية ليقدمه للعالم.

وعرض الجيش بعد عدة أيام صوراً زعم أنها لأنفاق تحت المستشفى، في محاولة لتبرير الهجوم عليه. في المقابل فنّد المستشفى نفسه، والمقاومة، تلك المزاعم. مع العلم أن جيش الاحتلال تسبب خلال الحرب بإخراج العديد من مستشفيات قطاع غزة عن الخدمة كما قصف محيط عدد منها. وكان كل ذلك في إطار تبرير عدوانه.

محتجزات سابقات نسفن روايات الاحتلال

في 9 أكتوبر الماضي، أي بعد يومين من عملية “طوفان الأقصى”، روّج المسؤولون الإسرائيليون، وتحديداً وزير الأمن يوآف غالانت، لمصطلح “الحيوانات البشرية” في وصفه عناصر المقاومة، وذلك إلى جانب تشبيه الاحتلال “حماس” بتنظيم “داعش” منذ الأيام الأولى للحرب.

لكن البروباغندا الإسرائيلية تلقت ضربة قوية، بداية بعد تصريحات المحتجزة السابقة لدى “حماس” يوخبيد ليفشيتس في أكتوبر الماضي، والتي خرجت إلى الإعلام وتحدثت عن المعاملة الطيبة خلال احتجازها، ما اعتبرته إسرائيل ضربة لمساعيها الحثيثة في شيطنة المقاومة خصوصاً الحركة، ووصف كل من ينتمي إليها بالحيوانات البشرية.

وقد نسفت يوخبيد ذلك، ليس فقط في ما قالته، ولكن قبل ذلك في الفيديو الذي ظهرت فيه وهي تودّع عناصر “القسام” لدى تسليمها في حينه للصليب الأحمر، عائدة إلى إسرائيل في إطار الهدنة المؤقتة وصفقة تبادل الأسرى، الشهر الماضي.

وتوالت الشهادات حول المعاملة الحسنة من عائلات محتجزين أفرجت عنهم المقاومة لاحقاً، ما اضطر الإعلام الإسرائيلي أيضاً في مرحلة لاحقة للاعتراف بذلك. وفي لقاء جمع محتجزات سابقات وعائلات المحتجزين مع نتنياهو وأعضاء مجلس الحرب الإسرائيلي، قبل بضعة أيام، قالت المحتجزات “خشينا أن يقتلنا القصف الإسرائيلي وليس حماس”.

يُذكر أن فصائل المقاومة سبق أن أعلنت مقتل محتجزين إسرائيليين بسبب القصف الإسرائيلي.

نايف زيداني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




“عيون في غزة”.. جرائم عدوان 2008 بشهادة طبيبين نرويجيين

يجسد الطبيبان النرويجيان مادس جيلبرت (مواليد 1947)، وإيريك فوسا (مواليد 1950)، وأمثالهما الضمير الإنساني بنقائه المطلق. فهما لا يقبلان الظلم، ويشاركان برفع المعاناة عن المظلومين، حيث يتركان عملهما وأسرتيهما والحياة المريحة في النرويج لمشاركة المضطهدين حياتهم القاسية والدفاع عنهم. تلك قصة بطلين من هذا الزمان، وإشارة مؤكدة أن الضمير الإنساني حيّ وباقٍ.

وكتب الطبيبان تجربتيهما كمتطوعين في مستشفى الشفاء خلال عدوان إسرائيل على غزة 2008-2009 بمؤلف مشترك (عيون في غزة)، صدرت طبعته العربية عام 2011 بترجمة زكية خيرهم وبإهداء من الطبيبين لأطفال غزة.

غلاف كتاب (عيون في غزة) للطبيبين مادس جيلبرت وايريك فوسا.
غلاف كتاب (عيون في غزة) للطبيبين مادس جيلبرت وإيريك فوسا

لاحقاً، كتب جيلبرت كتاباً آخر، للأسف لم يترجم، بعنوان “ليل غزة” سجل فيه الفترة التي قضاها في مستشفى الشفاء خلال عدوان 2014.

يروي الكتاب الهجوم الإسرائيلي العنيف على قطاع غزة، كما عاشه الطبيبان جيلبرت وفوسا، ويعتمد على اليوميات والملاحظات التي سجلاها، وعلى الصور وتسجيلات الفيديو والمحادثات الهاتفية خلال عملهما في مشفى الشفاء في أثناء العدوان.

وصل المتطوعان إلى غزة ليلة رأس السنة 2009 بعد انتظار في مصر، حيث “منعت إسرائيل بطريقة منهجية العاملين في المجال الطبي أو الصحافيين من الدخول إلى غزة، لذا لم يكن هناك إلا القليل من الأوروبيين، ولم يكن هناك صحافيون غربيون”، ولاحقاً سيرسل الطبيبان تقارير يومية بعدد الشهداء والجرحى والعمليات الجراحية في مستشفى الشفاء، بالإضافة إلى صور ومقاطع فيديو لبعض الصحافيين.

تجاوز دور الطبيبين المساعدة الطبية للجرحى بحكم مهنتهما، لفضح الجرائم الإسرائيلية وإيصالها للصحافة الغربية، وأيضاً كتابة التقارير عن إصابات الحرب وجرائم القصف الإسرائيلي للمجلات الطبية الرصينة، فضلاً عن مناشدة العالم وقف المجازر الإسرائيلية عبر وسائل الإعلام، وبذلك أصبحت تقاريرهما ورسائلهما شواهد يستعان بها للمطالبة بوقف إسرائيل مجازرها، كما حصل في نقاش مجلس الامن لوقف إطلاق النار في 2009. 

أثرت الرسالة التي أرسلها آنذاك جيلبرت في الرأي العام العالمي كثيراً. يقول: “قصفوا سوق الخضار المركزي في غزة قبل ساعتين. قُتل عشرون، وجُرح ثمانون، أُحضروا كلهم إلى مشفى الشفاء، يا للهول! نحن نغرق في الموت والدم والأشلاء. أطفال كثيرون، نساء حوامل، لم أرَ شيئاً في حياتي بهذه البشاعة، نسمع أصوات الدبابات الآن، أعلنوا هذا، أرسلوا هذا، اصرخوا، افعلوا شيئاً، افعلوا المزيد، نحن نعيش في كتب التاريخ الآن”. أزعجت الرسالة مؤيدي إسرائيل، فوضعت محطة فوكس نيوز صورة كبيرة لجيلبرت في موقعها الإلكتروني كُتب تحتها “طبيب الدعاية لحماس”.

إيريك فوسا

تطوع الطبيب الجراح إيريك فوسا في فريق الطوارئ النرويجي إلى جانب الفلسطينيين في عدوان لبنان 1982 كما رافق الرئيس ياسر عرفات في سيارة إسعاف خلال دخوله أريحا للمرة الأولى بعد اتفاق أوسلو، حيث كان الفلسطينيون يخشون من محاولة اغتيال لعرفات أو تفجير لمستقبليه. يختار فوسا، وهو طبيب مختص في جراحة القلب والرئة، وعمل في القوات المسلحة في بلاده، أن يقصّ علينا معاناة، قائلاً: “أحمد، عمره ١٢ سنة، ساقاه كانتا مبتورتين، نظرت إلى جيب خصيتيه، كان ممزقاً، وإحدى الخصيتين كانت مكشوفة. أدرناه على جنبه لنقيّم الإصابة في ظهره. رأيت كل فتحة الشرج اختفت ومعظم العضلات على النصف الأيسر من المؤخرة أيضاً اختفت، كان الجلد متشققاً، وبدا الأمر وكأن العضلات قطعت بسكين. في الجزء الأسفل كانت مئات من الجروح الصغيرة على شكل نقط. لم أرَ في حياتي ذلك النوع من الإصابة. من المؤكد أن هذا سلاح جديد. إنها قنابل الدايم، وهي مواد متفجرة تستعمل ما يُسمى القنابل الماسية الصغيرة، مصنوعة من الألياف الزجاجية، ولها نظام ملاحي متطور، وفيها مادة التتغستين التي تمزق الأنسجة إلى قطع وتحرق الجسد وتسبب سرطان العضلات”. سمحت الولايات المتحدة باستخدام هذا السلاح لإسرائيل للمرة الأولى في لبنان خلال حرب 2006.

مات أحمد وكان ابن أخ لطبيب يعمل في المشفى، وهذا الأمر كان يزيد من معاناة الأطباء والعاملين الفلسطينيين في المستشفى، حيث القلق الدائم من أن تفجر منازلهم وتصاب أسرهم، أو يجدوا فجأة أحد أقربائهم جريحاً في المستشفى. “أحد الأطباء قصف منزله فقتلت زوجته الحامل وابنته وجرحت ابنته الثانية. أحد الجراحين، الدكتور رائد العريني، نُقل طفلاه إلى المستشفى حيث يعمل وإصابتاهما خطرة”.

يصف اليوم الذي قصفت فيه الدبابات الإسرائيلية مدرسة الأمم المتحدة في مخيم جباليا ويكتب: “غرفة الاستقبال كانت مليئة بالأطفال على الحمالات، طفل عمره ست سنوات ملقى على الأرض بجرح خلف أذنه وشظية معدنية داخل دماغه، طفلة في الثامنة عولجت من جرح في الرأس كانت تحدق بعينيها الكبيرتين. ترى بماذا كانت تفكر؟ من المحتمل أنها كانت مذعورة، كانت تعرف أنها نجت من ذلك الهجوم، ولكنها ستصاب مرة أخرى، لا يوجد مكان آمن في قطاع غزة”.

طفلة فلسطينية مصابة خلال عدوان 2008-2009 ويظهر عليها نظرات القلق(Getty)
طفلة فلسطينية مصابة خلال عدوان 2009 وتظهر عليها نظرات القلق(Getty)
​​​​

يعلّق على تبرير الناطق باسم الدفاع الإسرائيلي أن هؤلاء الأطفال معظمهم أطفال حماس: “نزع الصفة الإنسانية شرط مسبق لمهاجمة الأهداف المدنية. عندما استعمر الأوروبيون أميركا ادّعوا أن الهنود الحمر حيوانات بدائية تقف في وجه الحضارة. في الدعاية النازية عرف اليهود كحيوانات مؤذية يجب التخلص منها، في رواندا كان الهوتو يصفون التوتسي بالصراصير، في غزة كان العنوان: إرهابي أو أطفال حماس”. 

الملاك مادس جيلبرت

تطوع جيلبرت كطبيب تخدير للعمل في قطاع غزة، وتحديداً في مستشفى الشفاء خلال عدوان 2008-2009 وعدوان 2012 وعدوان 2014، وأجرى آلاف العمليات الجراحية، منقذاً حياة الكثير من الجرحى الفلسطينيين، وكان يزور القطاع في فترات الهدوء لتفقد الوضع الطبي، فلُقِّب بـ”الملاك”، وكتب اسمه على إحدى غرف المستشفى. 

يبدأ جيلبرت بقصّ حكاية الطفلة جمانة السموني، 9 أشهر، بُترت يدها اليسرى بعد أن أصيبت بقصف إسرائيلي على منزل أمرتهم القوات الإسرائيلية بالتجمع فيه ثم قصفت المنزل فقتل فيه 32 فرداً من عائلتها، بمن فيهم والدها وجدها. أيضاً نجت الطفلة أمل التي بقيت أربعة أيام تحت الركام. 

الطفلة الناجية جمانة السموني من مجزرة قضت على عائلتها وقد روى جيلبرت قصتها(Getty).
الطفلة الناجية جمانة السموني من مجزرة قضت على عائلتها وقد روى جيلبرت قصتها (Getty)

يتذكر سمر (4 سنوات) وطفلين معها أصيبا في رأسيهما، وكانا تحت التنفس الاصطناعي: “الأول مصاب بشظية أو رصاصة اخترقت رأسه، وقد أتلفت الدماغ، لن يعيش. الآخر يعاني من إصابة بالغة في الوجه، تحطم وجهه، ولكن إصابة الدماغ ليست خطيرة، سُحقت عيناه الاثنتان، ويجب أن تقتلعا تحت العملية”.

يشكل الأطفال، حسب ملاحظة جيلبرت، أكثرية الضحايا مع أضرار أخرى: “تسعة من كل عشرة أطفال في قطاع غزة شهدوا أو سمعوا أو كانوا قريبين من هجوم أو موت أو تشويه، ثلاثة من كل أربعة أطفال يعانون من الإجهاد المزمن، أربعة من عشرة يعانون من أعراض خطِرة”.

يعقد مقارنة بين ما يراه خلال هذا العدوان وتجربته في بيروت عام 1982: “كنت أعتقد أن تجربة بيروت الغربية في صيف 1982 كانت أسوأ تجربة عشتها، الآن في غزة وكأنني أعيش ذلك الكابوس المرعب مرة أخرى وأسوأ من ذلك”.  

الطبيب مادس جليبرت متطوعا في مستشفى الشفاء 2009 (Getty).
الطبيب مادس جليبرت متطوعاً في مستشفى الشفاء 2009 (Getty)

مستشفى الشفاء في غزة

وصل الطبيبان إلى مشفى الشفاء و”كان هناك الكثير من النوافذ المحطمة في المشفى وإمدادات الطاقة ضئيلة والأولوية لغرف العمليات الجراحية ووحدات العناية المركزة، أما باقي الأماكن في المستشفى، فكانت باردة جداً”. يضيف جيلبرت أن “الكثير من المعدات التقنية الطبية فيها عيب أو نقص، كان من المستحيل الحصول على الأشياء البسيطة جداً في المستشفى، كنا نفتقر إلى الكواشف الكيميائية لمعايرة أجهزة فحص الدم. كان المهندسون الصحّيون يضطرون إلى استخدام الطرق اليدوية وارتجال الحلول، الانضباط وأخلاقيات العمل كانت مرتفعة جداً، التزاماً وإصراراً”.

كتب الدكتور مادس مقالاً للمجلة الطبية البريطانية ذا لانست بعنوان (داخل مستشفى الشفاء) لخّص فيه حال المشفى والعاملين فيه: “موظفو الصحة بمستشفى الشفاء استنفدوا تماماً حيث ينامون من ساعة إلى ثلاث ساعات كحد أقصى يومياً، شحوب رمادي في وجوهنا، جياع”. يضيف أن “مهاجمة المستشفى بحجة أن قادة حماس يختبئون في ملجأ تحته ليست حقيقية، وهي ذريعة لقصف المستشفى، لا أحد في المستشفى يصدق هذا الادعاء”.

رسائل لمن له قلب

لم يكفّ الطبيب مادس جيلبرت عن إرسال الرسائل للداعمين الأميركيين وللعالم الصامت عن جرائم إسرائيل، ظهر كثيراً في  العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة عبر وسائل الإعلام، وقدم أفلام فيديو عن جرائم القصف الإسرائيلي على غزة، وعلى مستشفى الشفاء تحديداً، ومنها رسالة وجهها إلى الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن ورؤساء الحكومات في دول الاتحاد الأوروبي، مترافقة مع صرخات الجرحى من المستشفى: “هل يمكنكم سماعي؟ هل يمكنكم سماع الصراخ من مستشفى الشفاء؟ من مستشفى العودة؟ هل يمكنكم سماع صرخات الناس الأبرياء؟ لاجئون احتموا هنا يحاولون العثور على مكان آمن يتعرضون للقصف الإسرائيلي هذا الصباح داخل المستشفى. المستشفيات التي هي معابد الإنسانية والحماية! متى توقفون هذا؟ أنتم متورطون جميعاً”.

وكان جيلبرت قد وجه رسالة للرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما خلال عدوان 2008 دعاه فيها  للمبيت ليلة في مستشفى الشفاء، قائلاً: “يمكن أن نخفيك كعامل تنظيفات، وأنا متأكد أن ما ستراه سيجعلك تغير التاريخ إذا ما كان عندك قلب”. 

أنس أزرق

المصدر: صحيفة العربي الجديد