1

هآرتس:..غزيون اعتقلهم الجيش الإسرائيلي: رقّمونا كالأبقار وأطلقوا علينا كلابهم واتخذونا دروعاً بشرية 

في الأسابيع الأخيرة اعتقل الجيش الإسرائيلي وجمع مئات الفلسطينيين في شمال قطاع غزة مع فصل العائلات وإجبار الرجال على خلع ملابسهم والبقاء في الملابس الداخلية، وبعد ذلك نقل جزءاً منهم إلى منشأة اعتقال على الشاطئ. بقوا هناك ساعات وأحياناً أياماً بدون طعام وفي الجو البارد. هذا ما قاله نشطاء لحقوق الإنسان وأبناء عائلات ومعتقلون تم إطلاق سراحهم. الفلسطينيون الذين تم اعتقالهم في بيت لاهيا المدمرة وفي مخيم جباليا للاجئين وفي بعض أحياء غزة، قالوا إنه تم تكبيلهم وعصب أعينهم وتحميلهم في شاحنات. قال بعضهم إنهم اقتيدوا إلى معسكر غير معروف وهم بملابسهم الداخلية وقليل من الماء.

“تعاملوا معنا مثل الأبقار، ووسمونا بأرقام”، قال إبراهيم اللبد، وهو مهندس حواسيب (30 سنة)، الذي اعتقل في بيت لاهيا مع 12 شخصاً من أبناء عائلته، وتم احتجازه في المعسكر إلى اليوم التالي. “كان يمكننا الشعور بعداء الجنود”.

بعد عشرة أسابيع على أحداث 7 أكتوبر، بات أسلوب العمل هذا يكشف تكتيكاً جديداً في الهجوم البري الإسرائيلي، كما يقول الخبراء. وحسب قولهم، هذا جزء من محاولة للجيش الإسرائيلي لترسيخ السيطرة على المناطق التي تم إخلاؤها في شمال القطاع، وجمع المعلومات عن نشاطات حماس.

“هذا أمر يساعدنا، وله أهمية حاسمة في مرحلة قتال قادمة”، قال رئيس هيئة الأمن القومي السابق، يعقوب عميدرور. “هذه هي المرحلة التي نطهر فيها المنطقة من بقايا حماس”. وحسب تقدير مصادر في جهاز الأمن، فإن 10 – 15 في المئة من المعتقلين الذين تم توثيقهم في القطاع يؤيدون حماس.

إهانة لاذعة

الصور والأفلام التي نشرت في الشبكات الاجتماعية، التي ظهر فيها فلسطينيون جاثين على ركبهم وسط الشارع ورؤوسهم محنية، وفي بعض الحالات أيديهم مكبلة، أثارت الغضب الشديد. المتحدث بلسان وزارة الخارجية الأمريكية، ماثيو ميلر، قال في الأسبوع الماضي إن الولايات المتحدة تجد هذه الأفلام “مقلقة جداً”. وقد طلبت معلومات إضافية حول هذا الأمر.

في مؤتمر صحافي عقد في بداية الأسبوع الماضي، تطرق المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، دانييل هاغاري، إلى الشكاوى حول المعاملة المهينة للمعتقلين، وقال إنه تم التعامل معهم حسب “البروتوكول”، وإنهم حصلوا على ما يكفي من الطعام والماء، وقد طلب منهم خلع ملابسهم للتأكد من خلوهم من أحزمة ناسفة.

وقال هاغاري أيضاً إنه بعد التحقيق معهم، طلب من الرجال ارتداء ملابسهم. وإذا لم يتم هذا الأمر، فسيحرص الجيش على عدم تكرار هذه الحالات. وأضاف بأن المعتقلين الذين كان لهم اشتباه بعلاقة مع حماس، أُخذوا لمواصلة التحقيق معهم، وتم إطلاق سراح الآخرين وطلب منهم التوجه نحو الجنوب، إلى المنطقة التي أمرت إسرائيل الغزيين بالبحث عن ملجأ فيها. وأشار إلى أن عشرات من أعضاء حماس اعتُقلوا حتى الآن.

الأمر إهانة لاذعة للفلسطينيين. وحسب تقدير رامي عبده، مؤسس منظمة “ايرو هيومن رايتس مونيتر” في جنيف الذي يعمل على توثيق الاعتقالات، فقد اعتقل الجيش 900 فلسطيني تقريباً في شمال القطاع. وتبين من المقابلات مع أبناء عائلات 15 من المعتقلين، أن بينهم قاصرين ومسنين ومدنيين، كانوا قبل الحرب يعيشون حياة عادية بالكامل.

“جريمتي الوحيدة أنني لا أملك نقوداً للهرب نحو الجنوب”، قال أبو عدنان الكحلوت، وهو عاطل عن العمل (45 سنة) من بيت لاهيا ومريض بالسكري وضغط الدم. وكان اعتقل في 8 كانون الأول، وحسب قوله فقد تم إطلاق سراحه بعد بضع ساعات عندما شاهد الجنود بأنه يعاني من غثيان وضعف لا يسمح بالتحقيق معه. “يظهر لكم أن أعضاء حماس ينتظرونكم الآن في بيوتهم، حتى يأتي الإسرائيليون لاعتقالهم؟ بقينا هنا لأنه لا صلة لنا بحماس”، قال.

عالقون في خط النار

حسب التقديرات، بقي عشرات آلاف الفلسطينيين في شمال القطاع رغم الخطر – الذين لا يملكون تكلفة السفر ولا يريدون ترك أقارب مرضى أو معاقين وراءهم، أو أنهم يفترضون أن الوضع في جنوب القطاع، الذي تضرر بسبب القصف كل يوم، غير آمن أيضاً.

اختبأوا مع عائلاتهم تحت نار الرشاشات الثقيلة والقصف المدفعي على بيت لاهيا وجباليا، وتبادل إطلاق النار بين الجيش الإسرائيلي ومسلحي حماس الذين اقتحموا بيوتهم ومكثوا هناك بدون كهرباء أو مياه أو وقود أو وسائل اتصال. تم تدمير مئات المباني بالجرافات الإسرائيلية لشق طرق للدبابات وحاملات الجنود المدرعة.

“تتناثر على الشوارع جثث من ثلاثة أو أربعة أسابيع؛ لأنه لا أحد يمكنه الوصول إليها ودفنها قبل أن تنهشها الكلاب”، قال راجي الصوراني، وهو محام في المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان في غزة. وقال إنه شاهد عشرات الجثث عندما خرج من مدينة نحو الحدود المصرية في الأسبوع الماضي. وحسب قوله، فإن الجيش الإسرائيلي يحتجز أحد زملائه، وهو باحث في حقوق الإنسان أيمن اللبد.

الفلسطينيون وصفوا مشاهد مخيفة أيضاً للجيش الإسرائيلي وهو يقوم بتمشيط البلدات في شمال القطاع. وحسب أقوالهم، فإن الجنود يدخلون من بيت إلى بيت مع الكلاب ويطلبون من العائلات الخروج، أو يفجرون الأبواب بالعبوات ويصرخون على الرجال ويطلبون منهم خلع ملابسهم، أو يصادرون الأموال وبطاقات الهوية والهواتف المحمولة. على الأغلب، كما قالوا، الجنود يأمرون النساء والأطفال بالابتعاد والبحث عن ملجأ.

عدد من المعتقلين الذين تم إطلاق سراحهم تحدثوا عن الجنود الذين اقتحموا البيوت وشتموا النساء والأطفال وضربوا الرجال باللكمات وأعقاب البنادق. معتقلون آخرون تحدثوا عن إهانة متواصلة مروا بها عندما كانوا شبه عراة، وأن الجنود قاموا بتصوير الصور التي انتشرت بعد ذلك بسرعة البرق. بعض المعتقلين قدروا أنهم سافروا بضع كيلومترات قبل رميهم على الرمال. أما الجيش الإسرائيلي فرفض التطرق إلى المكان الذي نقلوا المعتقلين إليه.

عائلة أبو عدنان الكحلوت تؤمن بأن سبب التنكيل بأبناء عائلات المعتقلين هو الاسم الذي يشبه اسم المتحدث العسكري بلسان حماس، المعروف أكثر بلقب أبو عبيدة. ولكن أبناء عائلة الكحلوت – من بينهم كهربائي وخياط ومدير مكتب في موقع الأخبار “العربي الجديد” في لندن وموظفون في السلطة الفلسطينية- قالوا بشكل قاطع إنهم لا صلة لهم بالقوات المسلحة التي تحكم في القطاع.

حتى نهاية الأسبوع الماضي، ما زال ثلاثة من أبناء العائلة معتقلين، ولم يُسمع عنهم شيء منذ بضعة أيام. حمزة (15 سنة) وخليل (65 سنة) عادا إلى البيت في اليوم نفسه، واكتشفوا أنه لم يبق من المبنى المكون من خمسة طوابق إلا هيكل محروق. وقد هربوا إلى ملجأ للأمم المتحدة في مدرسة قريبة، لكن قوات الجيش الإسرائيلي اقتحمت المدرسة واعتقلتهم مرة أخرى.

بعض المعتقلين الذين أطلق سراحهم قالوا إن معاصم أيديهم تورمت وكانت مجروحة بسبب الأصفاد. وحسب أقوالهم، كانوا مكشوفين ليلاً في طقس بارد وسئلوا مرة تلو الأخرى عن نشاطات حماس. وهي أسئلة لا يملكون الإجابة عنها. نثر الجنود الرمال على وجوه المعتقلين وضربوا كل من تحدث بدون أن يأتي دوره.

الفلسطينيون المعتقلون مدة 24 ساعة أو أقل، قالوا إنهم لم يحصلوا على الطعام فاضطروا إلى تقاسم ثلاث علب مياه فيها لتر ونصف مع 300 معتقل آخر. وحسب أقوال نذير زندا، وهو عامل بناء، إنه لم يحصل إلا على فتات خبز ناشف خلال الأربعة أيام من الاعتقال.

درويش الغرباوي (58 سنة)، وهو مدير مدرسة تابعة للأمم المتحدة، أصيب بالإغماء نتيجة الجفاف. محمود المدهون، وهو صاحب دكان، قال إن اللحظة الوحيدة التي ولدت في نفسه أملاً عندما أطلق الجنود سراح ابنه لصغر سنه.

العودة إلى البيت جلبت معها أموراً فظيعة أخرى. حسب أقوال المعتقلين، فإنه بعد منتصف الليل قام الجنود بإنزالهم بدون ملابس وهواتف وبطاقات هوية قرب ما ظهر كأنه حدود القطاع الشمالية مع إسرائيل، وأمروهم بالسير بين الأنقاض والدبابات التي كانت على جوانب الشوارع والقناصة فوق الأسطح.

“بدا هذا كحكم بالإعدام”، قال حسن أبو شرخ، الذي مشى وأخويه رمضان (43 سنة) وبشار (18 سنة) وابن عمهم نسيم (38 سنة) وهو مزارع في بيت لاهيا، حفاة فوق الحجارة وقطع الباطون إلى أن سالت الدماء من أقدامهم. وطلبوا من أول شخص التقاهم قطع قماش لتغطية أجسادهم بها. وقال أبو شرخ، إن قناصاً إسرائيلياً أطلق النار على ابن عمه نسيم وقتله عندما كانوا في الطريق إلى مدرسة الوكالة في بيت لاهيا. اضطر الأخوان إلى ترك جثته في منتصف الطريق.

       عائلات تتوسل للحصول على معلومات

حسب مصادر إسرائيلية، ثمة سبب للاشتباه بالفلسطينيين الذين بقوا في شمال القطاع، على اعتبار أن أماكن مثل جباليا والشجاعية في شرق القطاع، معروفة كمعقل لحماس. “سندمر كل معاقل حماس إلى أن ننتهي من جباليا والشجاعية، وسنمضي إلى الأمام”، قال المتحدث بلسان حكومة الطوارئ أيالون ليفي، الذي أوضح بأن الجيش سيوسع المعركة ما دامت القوات البرية تتقدم نحو الجنوب، إلى المنطقة التي فيها مليون فلسطيني تقريباً تم تهجيرهم ووجدوا فيه الملجأ. وأضاف ليفي بأن الدور الآن يتركز على خانيونس، مركز منطقة القتال. “بالطبع، سنفحص من هو الإرهابي من حماس الذي يجب اعتقاله وتقديمه للمحاكمة، ومن هو ليس كذلك”، قال.

قالت منظمات حقوق الإنسان، إنه يجب التحقيق في الاعتقالات الجماعية. “ليس واضحاً الأساس الذي تحتجز فيه إسرائيل هؤلاء الأشخاص، الأمر الذي يطرح أسئلة جدية”، قال عمر شاكر، المدير الإقليمي في “هيومن رايتس ووتش”. “مسموح اعتقال المدنيين فقط لأسباب حيوية للأمن. هذه نسبة عالية جداً”.

تتوسل العائلات في هذه الأثناء للحصول على معلومات عن أحبائهم الذين اختفوا. وجاء من اللجنة الدولية للصليب الأحمر بأنه منذ بداية الحرب وحتى 29 تشرين الثاني وصل إلى الخط الساخن للمنظمة 3 آلاف مكالمة من أشخاص حاولوا الاتصال مع أقاربهم الذين اختفوا.

وقال زندا، عامل البناء (40 سنة)، الذي ذهب الأسبوع الماضي إلى مستشفى في دير البلح مع ابنه محمود (14 سنة) بعد أربعة أيام من الاعتقال: “لا أعرف أين زوجتي وأولادي السبعة. أهم على قيد الحياة؟ أموات؟ في السجن؟”.

أسوشييدت برس وايزابيل ديبري ووفاء الشرفا

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




مثل زيلينسكي… هل يأتي وقت يفقد فيه نتنياهو الدعم الأمريكي؟

لقد أصبح النجم الأعلى للعالم الغربي وزعيم الشعب الذي يقاتل لحريته ضد قوات الشر. النساء أملن بلقاء معه، والآباء سموا أولادهم على اسمه، ألقى خطاباً في الكونغرس الأمريكي وحظي بالتصفيق، وكانت هناك برامج لظهوره في احتفال جائزة الأوسكار. الأمريكيون عبروا عن الأسف لأنه لا يجلس في البيت الأبيض.

“شعر قليل على لحيته، فانيلات باهتة، مظهر متعب من كثرة العمل”، كتبت أوفير حوفيف في “هآرتس” في 19/3/2022. “ظهر رئيس أوكرانيا، فولوديمير زيلينسكي، في وسائل الإعلام بمظهر إنساني يصل إلى الناس. هو عكس البطل الذي يبث لأبناء شعبه بأنه متعب مثلهم”. ولكن عندما زار  واشنطن هذا الشهر ، استقبلوه ببرود.  بصعوبة حصل على مكالمة فيديو لبضع دقائق مع أعضاء الكونغرس الذين أوضحوا له بأن رزمة المساعدات لأوكرانيا التي أرسلها الرئيس جو بايدن للكونغرس لن تتم المصادقة عليها قبل نهاية السنة، هذا إذا تمت. وفي الوقت الذي تتصدر فيه حرب غزة  العناوين، فمن يهتم وبحق بما يحدث في أوكرانيا.

سحر عدم الأناقة لزيلينسكي، الذي انتخب على أنه رجل السنة من قبل مجلة “التايم” في 2022، يبدو أنه أصبح غير ي تأثير على الأمريكيين. بات دعم أوكرانيا يتراجع. ومعظم الأمريكيين يؤيدون تقليص المساعدات للدولة التي تحارب لوجودها.

سبب هذا التغير الدراماتيكي لا ينبع من خرق جيش أوكرانيا لقوانين الحرب، أو صور الأطفال الروس الذي قتلوا بسبب القصف الأوكراني. خلافاً لعدم الكيمياء الشخصية (إذا لم يكن التوتر) بين بايدن ورئيس الحكومة الإسرائيلية  نتنياهو، فإن بايدن وزيلينسكي يظهران بأنهما أصدقاء. الخلاصة  أن الأمريكيين لا يحبون الخاسرين. وبعد فشل ذريع لهجوهمم المضاد الأخير  يظهر زيلينسكي والشعب الأوكراني الآن كخاسرين.

الأوكرانيون، للتذكير، وعدوا منذ فترة غير بعيدة بأنهم سيهزمون الروس في ساحة الحرب، وحتى إنهم خلقوا التوقعات بأنهم سيحررون شبه جزيرة القرم التي احتلتها روسيا في 2014. بقدر التوقعات تكون خيبة الأمل.

وسائل الإعلام الأمريكية مليئة الآن بالتقارير التي تحاول فهم سبب فشل أوكرانيا في تحقيق أهدافها الاستراتيجية. الأوكرانيون يعتبرون سجلات لخسارة كبيرة معروفة مسبقاً عندما يتعلق الأمر بمحاولة دولة عظمى إقليمية متوسطة أن تواجه في ساحة المعركة واحدة من القوى الثلاثة العالمية الآن.

أوكرانيا لم تهزم، والجمود في ساحة الحرب ببساطة يعيد الوضع إلى حالة الثبات التي سادت قبل الهجوم المضاد. الواضح أن أوكرانيا لن تهزم روسيا بدون تدخل عسكري أمريكي مباشر، وهذا لن يحدث.

لذلك، فإن إجماع واشنطن سيتحرك في القريب نحو التوصل إلى تسوية بين موسكو وكييف. ولن يرضي أي طرف، لكنه السيناريو الواقعي إزاء الوضع على الأرض. ربما تنضم أوكرانيا  فيما بعد للناتو والاتحاد الأوروبي، لكنها لن تتمتع بالدعم الأمريكي غير المشروط.

من هذه الناحية، في الوقت الذي تحصل فيه المعركة العسكرية بغزة على دعم أكثر من 50 في المئة من الأمريكيين (حسب استطلاع أجرته “وول ستريت جورنال”) فإن الأمر الذي يجب أن يقلق إسرائيل ليس العداء لها ودعم الفلسطينيين من قبل اليسار التقدمي الأمريكي.

المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات الأمريكية وفي المدن الكبرى، حرفت الأنظار عن الصورة الكبيرة التي لا تزال إسرائيل تتمتع فيها بدعم أمريكي كبير جداً. القمصان السوداء والدرع الواقي لنتنياهو لن تخلق اتجاهاً جديداً، لكن ما دامت إسرائيل تحارب محور الشر، حماس و”حزب الله” وإيران، فستحصل دائماً على دعم من البيت الأبيض ومن الحزبين الرئيسيين في الكونغرس.

المشكلة أن نتنياهو، مثل زيلينسكي، خلق توقعات كبيرة بخصوص الإنجازات المتوقعة لإسرائيل في المعركة العسكرية في غزة، على رأسها تدمير حماس وتصفية قادتها ومعالجة جذرية لتهديد “حزب الله” في الشمال. المواطن الأمريكي العادي يؤمن بأن قتل المدنيين في غزة هو الثمن الذي يجب دفعه من أجل تحقيق هذه الأهداف والوصول إلى الانتصار الواضح كما وعدت إسرائيل.

لكن صواريخ حماس في هذه الأثناء ما زالت تسقط على تل أبيب وعسقلان، وصواريخ “حزب الله” على شمال إسرائيل، ولا علامة ملموسة بأن حماس “انهارت”، باستثناء صور الغزيين بالملابس الداخلية. الثمن الباهظ الذي تدفعه إسرائيل في حرب غزة -ولا نريد الحديث عن فشل الجهود العسكرية للعثور على المخطوفين وإطلاق سراحهم- يطرح علامات استفهام حول قدرة الجيش الإسرائيلي على الانتصار في الحرب. إسرائيل ما زالت بعيدة عن أن تعيد لنفسها قوة الردع التي فقدتها في 7 أكتوبر، واعتمادها العسكري والدبلوماسي على أمريكا يعكس ضعف إسرائيل استراتيجياً، الذي سيصبح أكثر وضوحاً بدون أي تغيير في سير الحرب.

في مثل هذه الحالة، يبدو أن توقعات إسرائيل ستعمل ضدها. ولمنع ذلك، يجب عليها ربما البدء في خفضها، بحيث  إذا لم يتم تحقيق الانتصار الموعود، فعلى الأقل لن تظهر كخاسرة مثل أوكرانيا.

 لي أون هدار

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




صحيفة عبرية: هكذا ستضطر الولايات المتحدة للموافقة على سيطرة إسرائيل الكاملة على قطاع غزة

“لسنا على مقاس أحد، وشرعية القيادة الفلسطينية تأتي من الشعب، وصوت الجمهور يُسمع في الانتخابات”، هكذا أوضح أمس رئيس الحكومة الفلسطينية محمد اشتية، في ختام الجلسة الأسبوعية للحكومة في رام الله. غضب اشتية جاء عقب تقارير نشرت للمرة الأولى في موقع “آكسيوس” حول مضمون المحادثات التي أجراها مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان مع الرئيس محمود عباس الجمعة الماضي. وحسب هذه التقارير، بحث سوليفان مع عباس الحاجة إلى “ضخ دماء جديدة” في السلطة الفلسطينية وتعيين شباب لديهم دافعية وموثوقين، في مناصب رفيعة. وحسب تقرير آخر نشرته “رويترز”، اقترح سوليفان على محمود عباس تعيين نائب عنه ونقل جزء من صلاحياته إليه.
لكن الموضوع الرئيس الذي طرح في المحادثات هو استئناف نشاطات قوات الشرطة والأمن التابعة للسلطة في قطاع غزة. الحديث يدور عن بضعة آلاف من رجال الشرطة والأمن المسجلين في سجل القوة البشرية التابع للسلطة والذين يحصلون على رواتبهم وتدربوا على السلاح. ولكن منذ احتلال غزة من قبل حماس في 2007 هرب عدد كبير منهم إلى الضفة الغربية.
غضب اشتية غير مفاجئ؛ فمن يريد تأسيس سلطة فلسطينية “مجددة” تتحمل المسؤولية عن إدارة قطاع غزة بعد الحرب، لا يمكنه في الوقت نفسه القضاء على بقايا شرعيتها الجماهيرية وتحويلها إلى جهاز يتشكل وفق نموذج تقني، أمريكي أو إسرائيلي. “السلطة المجددة كما تريدها إسرائيل وحلفاؤها ليست سلطتنا. إسرائيل تريد سلطة أمنية – إدارية، في حين أننا سلطة وطنية تناضل لتحقيق الدولة الفلسطينية والاستقلال وإنهاء الاحتلال”، أوضح اشتية.
بخصوص اقتراح تعيين نائب لمحمود عباس، قال المستشار محمود الهباش: “لن نوافق على طلب تقليص صلاحيات الرئيس”. سوليفان، وقبله وزير الخارجية أنتوني بلينكن الذي التقى محمود عباس في تشرين الثاني، تحولا في الأسابيع الأخيرة إلى ضيفين دائمين لدى السلطة الفلسطينية، سواء بلقاءات مباشرة أو بمحادثات هاتفية مطولة. هدف هذه المحادثات واضح؛ فبعد مشاورات بين واشنطن ومصر والأردن وبعض دول الخليج، تبلور اتفاق يقضي بأنه لا يوجد مرشح آخر لإدارة القطاع بعد انتهاء الحرب باستثناء السلطة الفلسطينية.
وزير الخارجية المصري، سامح شكري، قال في مقابلة مع “سي.ان.ان” قبل أسبوع، إنه “يجب إعطاء السلطة الفلسطينية صلاحية إدارة الأمور في القطاع والضفة الغربية”، ثم أضاف على الفور بأن النقاشات حول هذا الأمر ما زالت سابقة لأوانها، وأنه يجب أولاً وقبل أي شيء العمل على وقف إطلاق النار. الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، طرح أفكاراً محددة أكثر. فحسب تقارير في وسائل الإعلام العربية، طلب من الرئيس الأمريكي الضغط على إسرائيل لإطلاق سراح مروان البرغوثي ليتمكن من إقامة سلطة الفلسطينية تحظى بتأييد واسع من الجمهور، في حين يصبح الرئيس محمود عباس رئيساً فخرياً. ولكن السيسي يدرك -وأوضح ذلك للأمريكيين- بأنه لا مناص من دمج حماس في هذه السلطة الفلسطينية. رئيس الحكومة الفلسطيني السابق، سلام فياض، له أفكار خاصة به حول الطريقة التي يجب فيها على السلطة الفلسطينية تحديث نفسها. هذه الأفكار تشمل تشكيل “حكومة خبراء” تعمل مدة ثلاث سنوات، وتعد انتخابات الرئاسة والمجلس التشريعي. يبدو أن الولايات المتحدة غارقة الآن عميقاً في الطاولة على رسم إطار “اليوم التالي”. مع ذلك، يبدو أن الهندسة المعمارية الأمريكية ترسم مساراً تصادمياً بدون شريك إسرائيلي.
ما زالت إسرائيل عالقة في مستنقع المعارضة الحازمة لأي احتمالية أو حتى أي تلميح، بأن تحصل السلطة الفلسطينية على أي مسؤولية في إدارة القطاع. والسلطة الفلسطينية، لا سيما حركة فتح، تشترط عملية سياسية شاملة حتى لاستعدادها لتحمل المسؤولية عن إدارة القطاع. وشرطها الأساسي، على الأقل حسب محمود عباس، هو عقد مؤتمر دولي لمناقشة حل الدولتين. ولكن عقد هذا المؤتمر تحت العنوان الذي يطلبه الفلسطينيون يعني شرخاً سياسياً مكشوفاً وشديداً مع حكومة إسرائيل، حتى قبل أن يكون واضحاً من هو الشريك الفلسطيني في المفاوضات السياسية.
النتيجة أن واشنطن باتت الآن أسيرة في طريق مسدود يحول طلبها نقل إدارة القطاع إلى يد السلطة إلى أمر غير ممكن عملياً، ليس فقط بسبب موقف إسرائيل المتصلب. فواشنطن لم توفر انتقادها الشديد لإسرائيل حول طبيعة العملية العسكرية في القطاع، وحتى إنها تعمل على إملاء جدول زمني لإنهاء العملية وتحديد إطار لها. وشرعية طلبها هي نتيجة المساعدات العسكرية والسياسية غير المسبوقة لإسرائيل. ولكن أمريكا تجد نفسها الآن مقيدة بشكل كبير عندما تريد إملاء طبيعة إدارة القطاع بعد الحرب على إسرائيل، بالأساس لأنها لا تستطيع حتى طرح بديل فلسطيني، أو أي بديل آخر، عن سيطرة إسرائيل المدنية في القطاع.
بدون مشاركة السلطة الفلسطينية، ستجد الولايات المتحدة نفسها في وضع سيكون عليها الموافقة على احتلال إسرائيل المباشر والكامل للقطاع ولفترة طويلة. عندها ستضطر إلى الاكتفاء بدور المسؤول عن سلوك إسرائيل الإنساني، والوسيط لتوفير الغذاء والأدوية بالكمية وبالحجم المطلوب. وثمة احتمالية أخرى، وهي الانتقال إلى العمل الناجع بروحية اقتراحات سوليفان على محمود عباس، مثل البدء في تأهيل قوة شرطة فلسطينية ونقل ميزانيات للسلطة لتمويل الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية، وبعد ذلك في القطاع، وإجراء مفاوضات مستعجلة مع مصر ودول الاتحاد الأوروبي حول استئناف اتفاق المعابر الذي وقع في 2005، وترتيب النشاطات في معبر رفح في الطرف الغزي والمصري، والبدء في العمل مع السلطة الحالية ببنيتها الحالية، بدون انتظار إجراء الإصلاحات المطلوبة من أجل تلبية ما عرفه الرئيس الأمريكي بـ “السلطة المجددة”.
عملت الولايات المتحدة وتعمل مع حكومات كثيرة في الشرق الأوسط وخارجه، حتى عندما كانت هذه الحكومات لا تمتثل لطلباتها في إجراء الإصلاحات، باستثناء إظهار الإخلاص للمصالح الأمريكية. مثلاً، تقوم واشنطن بمساعدة لبنان وتمول رواتب الجيش وتوقع على اتفاقات مع الحكومة اللبنانية المؤقتة، والفاسدة والتي لا تحصل على دعم الجمهور، كل ذلك بوقت تضم فيه هذه الحكومة أعضاء يمثلون “حزب الله”. يمكن القول إنه إذا وافقت هذه الحكومة على البدء في المفاوضات حول ترسيم الحدود البرية بينها وبين إسرائيل كخطوة قبل تطبيق القرار 1701، فلن تطلب منها الولايات المتحدة إجراء أي إصلاحات أو تشكيل “حكومة محدثة” في البداية. بنفس الطريقة، تدفع الولايات المتحدة قدما بعملية سلمية بين الحوثيين والسعودية وبين شطري اليمن، وهي لا تضع أي شرط لهذا الدعم، أن يبدأ الحوثيون بارتداء البدلات والتوقف عن هجماتهم على السفن في البحر الأحمر.
هناك طريقة أخرى لتجاوز شرط السلطة الفلسطينية الأساسي، التي تطلب عملية سياسية على أساس حل الدولتين قبل تولي المسؤولية عن قطاع غزة. تتعهد الولايات المتحدة منذ اليوم بإطلاق هذه العملية حسب الطريقة التي تم فيها ترتيب مؤتمر مدريد في 1991. ولكن مهمة واشنطن هذه المرة تكون أسهل. بعض الدول العربية أصبحت موقعة على اتفاق سلام مع إسرائيل، وستكون السعودية الكأس الذهبية التي ستعطي لإسرائيل الثمن السياسي الذي تطمح إليه. كل هذه القنوات تضمن تصادماً مباشراً بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ولكن هكذا سيستمر احتلال القطاع.
تسفي برئيل

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




شخصيات فلسطينية تطلق مبادرة تؤكد أن “الوحدة قبل كل شيء” في ظل تراشق إعلامي بين فتح وحماس

طالبت شخصيات وطنية فلسطينية بالوحدة الوطنية وأن يتم التركيز في الوقت الحالي على وقف العدوان ومعالجة آثاره، وتشكيل قيادة مؤقتة للمنظمة إلى حين إجراء انتخابات المجلس الوطني وتشكيل مجلس وطني جديد.

ودعت الشخصيات من خلال بيان طويل حمل عنوان “مبادرة الخلاص الوطني” إلى العمل على “تشكيل حكومة وحدة أو كفاءات وطنية تعمل على إنهاء الانقسام وتوفير مقومات الصمود والتحضير للانتخابات خلال عام واحد” إلى جانب “الاتفاق على رؤية شاملة وبرنامج كفاحي ووضع إستراتيجيات فاعلة”.

وجاءت المبادرة في ظل توتر بين حركتي فتح وحماس على خلفية تصريحات سياسية كان قد بدأها أمين سر منظمة التحرير حسين الشيخ ومن ثم تابعها محمود الهباش، مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس، حيث تضمنت نقدا لحركة حماس ودعوة لمحاسبتها وتقييمها بعد انتهاء الحرب.

جاءت المبادرة في ظل توتر بين حركتي فتح وحماس على خلفية تصريحات سياسية تضمنت نقدا لحركة حماس ودعوة لمحاسبتها

وتضمنت المبادرة مقدمة أشارت إلى أن “الزلزال الذي وقع في السابع من أكتوبر الماضي لم يصب دولة الاحتلال فقط، وإنما فلسطين بمختلف تجلياتها، شعبًا وأرضًا ومؤسسات وطنية وقوى سياسية وقطاعات مختلفة عامة وأهلية وخاصة، ولن تقتصر وتداعياته وارتداداته على دولة الاحتلال وفلسطين، وإنما ستصل إلى دول الإقليم، وسيترك بصماته على العالم كله”.

ورأت المبادرة التي وقعت عليها مئات الشخصيات الوطنية الوازنة وفتحت من أجل التوقيع عليها من عموم الفلسطينيين أن طوفان الأقصى طرح “تحديات ومخاطر سياسية ومصيرية، وفي الوقت نفسه وفر فرصة تاريخية ثمينة؛ إذ لم تكن دولة الاحتلال مهزوزة وضعيفة كما هي بعد طوفان الأقصى، على الرغم من كل ما ترتكبه من مجازر إبادة وتدمير شامل في قطاع غزة، واعتداءات متصاعدة في الضفة الغربية، ولم تكن القضية الفلسطينية في موقع الصدارة واهتمام العالم مثلما هي عليه الآن؛ ما يعني إمكانية جدية لتحقيق إنجازات وطنية على طريق تحقيق الحق الأساسي للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرض وطنه”.

ورأت أن هناك إمكانية لإطلاق مسيرة سياسية جدية، من خلال الارتكاز على ما تحقق، ومواصلة الصمود والمقاومة إلى أن يحدث تغيير في موازين القوى، ومع توفير المتطلبات الفلسطينية المتمثلة في رؤية شاملة جديدة لإحباط أهداف حرب الإبادة والتهجير والتصدي لتداعياتها؛ حيث تنبثق منها قيادة موحدة، وإستراتيجيات فاعلة، وجبهة وطنية عريضة في إطار منظمة التحرير. عملية سياسية تقوم على إطار سياسي واضح وملزم منذ البداية، يستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة؛ ليكون التفاوض لتطبيق هذه القرارات وليس التفاوض حولها، ويتضمن إنهاء الاحتلال وإنجاز الاستقلال الوطني لدولة فلسطين المعترف بها بوصفها دولة عضو مراقب، ولا بد من الحصول على الاعتراف الأممي بها بوصفها عضوًا كامل العضوية”.

المبادرة: لا نبالغ في القول إن الفلسطينيين أمام لحظة تاريخية فارقة؛ يفرضون حقوقهم ويحفرون اسم فلسطين على خريطة العالم الجديد

وقالت المبادرة في بيان أتيح للتوقيع: “لا نبالغ في القول إن الفلسطينيين أمام لحظة تاريخية فارقة؛ يفرضون حقوقهم ويحفرون اسم فلسطين على خريطة العالم الجديد شريطة إنجاز الوحدة الفورية، أو يعودون إلى عهود الوصاية والانتداب والخيارات الإسرائيلية والإقليمية والدولية”.

وحملت المبادرة مجموعة من المبادئ والمنطلقات أولها “وحدة الشعب والقضية والأرض والرواية التاريخية والمصير نقطة الارتكاز الأساسية التي يستند إليها الشعب الفلسطيني، وتشكل القاسم المشترك الأعظم الذي يوحده، على الرغم من كل عوامل الاختلاف والمنافسة والخصومة”.

وثاني المبادئ تحدث عن أن القضية الفلسطينية تمر بأكثر مراحلها خطورة نتيجة حرب الإبادة والتهجير ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية، في ظل استمرار الانقسام الذي أدى إلى غياب رؤية وإستراتيجية موحدة فاعلة.

أما ثالث المبادئ فشدد على أن النضال بجميع أشكال المقاومة السياسية والشعبية والمسلحة حق وواجب، ويستند إلى الشرعية الدولية، ولكن تتخذ القرارات بشأنه في المؤسسات الوطنية الموحدة والقيادة الموحدة، وتنفيذًا للإستراتيجيات المعتمدة.

وتحدث المبدأ رقم أربعة حول أن النضال في هذه المرحلة يجب أن يركز على تحقيق الأهداف الوطنية ومنها: وقف العدوان وإحباط أهداف حرب الإبادة والتهجير وتعزيز الصمود على طريق إنهاء الاحتلال، وتجسيد الاستقلال الوطني للدولة المستقلة وذات السيادة على حدود الرابع من حزيران 1967، وإنجاز حق العودة والتعويض للاجئين، والمساواة الفردية والقومية لشعبنا، بما لا يغلق الطريق على إنجاز الحل النهائي الذي يقوم على إقامة دولة ديمقراطية يعيش فيها الجميع على قدم المساواة.

وطالبت المبادرة الشعب الفلسطيني بالعمل على بلورة هويته ومؤسساته الوطنية في إطار منظمة التحرير التي حصلت أولًا على اعتراف الشعب الفلسطيني، ثم على الاعتراف العربي والأممي، ولا يمكن أن يسمح بتجاوز وحدانية تمثيله من قبل منظمة التحرير الموحدة التي تمثل الشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده، ويسقط كل محاولات الوصاية، وطرح خيارات وبدائل تنتقص من حقوقه الوطنية ووحدانية تمثيله، أو تكرس الانفصال بين قطاع غزة والضفة الغربية، فمستقبل الشعب الفلسطيني بصورة عامة، وفي قطاع غزة والضفة الغربية بصورة خاصة، يقرره أساسًا الشعب الفلسطيني ومؤسساته الوطنية.

طالبت المبادرة الشعب الفلسطيني بالعمل على بلورة هويته ومؤسساته الوطنية في إطار منظمة التحرير

وفي جزئية العمل رأت المبادرة أن الأولوية في  مواجهة العدوان، والعمل على وقفه بشروط مشرّفة، ومنع تحقيق نتائجه من تصفية للقضية أو تهجير للفلسطينيين، من خلال توحيد الجهود فورًا، وتفعيل الذاكرة التاريخية لموضوع التهجير، والإعلان الفوري عن الوحدة الوطنية في إطار منظمة التحرير من دون شروط، والشروع في حوار وطني شامل فورًا في القاهرة أو أي مكان يتفق عليه، وتوسيع قاعدة المشاركة فيه ليشمل تمثيل مختلف التجمعات والقطاعات الفلسطينية، بما يشمل توسيع مشاركة المرأة والشباب والشتات وأماكن اللجوء الوطنية والكفاءات الوطنية والمجتمع المدني. وتشكيل قيادة موحدة مؤقتة إلى حين (صدور) نتائج الحوار الوطني. وبلورة رؤية شاملة تنبثق منها إستراتيجيات فاعلة وقيادة واحدة. وتكوين قيادة موحدة مؤقتة وانتقالية إلى حين تشكيل مجلس وطني جديد، أساسًا عبر إجراء الانتخابات الحرة والنزيهة التي تحترم نتائجها، وترك نسبة لممثلين يتم اختيارهم على أسس ومعايير وطنية وموضوعية في الأماكن التي لا تُجرى فيها انتخابات ولضمان مشاركة كفاءات وشخصيات اعتبارية.

وطالبت بالعمل على إنشاء قيادة موحدة تعمل على إعادة تشكيل مؤسسات منظمة التحرير عبر المؤسسات القائمة إلى حين تشكيل المجلس الوطني الجديد، وإجراء الانتخابات؛ حيث لا بد أن تضم مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي التي تؤمن ومستعدة للشراكة على أسس وطنية وديمقراطية تناسب مرحلة التحرر الوطني التي يمر بها الشعب الفلسطيني. وتشكيل حكومة وحدة أو كفاءات وطنية تعمل على أساس برنامج طوارئ وفق ما يتم عليه الاتفاق وتتطلبه المرحلة، ويكون من مهماتها معالجة آثار العدوان في قطاع غزة، وتوفير الإغاثة والمأوى للمهجرين والمشردين، وقيادة عملية إعادة بناء وإعمار قطاع غزة، ورفع الحصار وفتح المعابر، ووضع خطة للإنعاش الاقتصادي العاجل، وعمل كل ما يمكن للحد من “التهجير الطوعي”، والتحضير لإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ومجلس وطني خلال مدة أقصاها عام.

 وبلغ عدد الموقعين على المبادرة أكثر 180 مثقفا وكاتبا أكاديميا وشخصية وطنية، وجاءت بعد يوم انتقاد شخصيات فصائلية وسياسية فلسطينية لتصريحات أمين سر منظمة التحرير حسين الشيخ لوكالة رويترز وقناة العربية الفضائية، التي أعلن فيها رفضه لعملية طوفان الأقصى وأي تأييد لها، وتحدث عن “محاسبة حماس” على خلفية العملية.

وقال حسين الشيخ على قناة “العربية”: “المنظمة هي المرجعية الوحيدة للشعب الفلسطيني (..) وستتم محاسبة حركة حماس لكن بعد وقف النار في قطاع غزة”. وأضاف حسين الشيخ: “من غير المقبول أن يعتقد البعض أن طريقتهم ونهجهم في إدارة الصراع مع إسرائيل كان المثل الأعلى والأفضل”.

ورد القيادي في حركة حماس أسامة حمدان من بيروت على تصريحات الشيخ حيث نصحه بأن “لا يكرر تجربة قائد العملاء في جنوب لبنان أنطوان لحد، وألا يسعى إلى المراهنة على إسرائيل وتقديم أوراق اعتماد لها للمرحلة المقبلة لتحقيق طموحات شخصية، وأن يراهن بدلا من ذلك على المقاومة”.

وقال حمدان إن “إسرائيل تريد إزالة المقاومة وحسين الشيخ يريد محاسبتها، فأين يجد الشيخ نفسه وفي أي مربع الآن؟”.

يذكر أن الدكتور محمود الهباش مستشار الرئيس الفلسطيني كان قد أدلى بتصريحات على قناة العربية أشارت إلى محاسبة حركة حماس بعد وقف الحرب معتبرا أن الأولوية اليوم هي لوقف الحرب على القطاع.

المصدر: صحيفة القدس العربي




دراسة: 64% من سكان غزة يتناولون الحشائش والطعام منتهي الصلاحية لسد الجوع

أكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، أن أكثر من 71% من عينة دراسة أجراها في قطاع غزة، أفادوا بأنهم يعانون من مستويات حادة من الجوع، في ظل استخدام إسرائيل التجويع سلاحا لمعاقبة المدنيين الفلسطينيين.

وأوضح المرصد أنه أجرى دراسة تحليلية شملت عينة مكونة من 1,200 شخص في غزة للوقوف على آثار الأزمة الإنسانية التي يعانيها سكان القطاع في خضم حرب الإبادة الإسرائيلية المتواصلة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وقد أظهرت نتائج الدراسة أن 98%؜ من المستطلعة آراؤهم قالوا إنهم يعانون من عدم كفاية استهلاك الغذاء، بينما أفاد نحو 64% منهم؜ بأنهم يتناولون الحشائش والثمار والطعام غير الناضج والمواد منتهية الصلاحية لسد الجوع.

ورصدت الدراسة أن معدل الحصول على المياه، بما في ذلك مياه الشرب ومياه الاستحمام والتنظيف، يبلغ 1.5 لتر للشخص الواحد يوميا في قطاع غزة، أي أقل بمقدار 15 لترا من متطلبات المياه الأساسية لمستوى البقاء على قيد الحياة وفقا لمعايير (أسفير) الدولية.

كما تناولت الدراسة تداعيات سوء التغذية وعدم توفر مياه صالحة للشرب، إذ قال 66% من عينة الدراسة؜ إنهم يعانون أو عانوا خلال الشهر الحالي من حالات الأمراض المعوية والإسهال والطفح الجلدي.

وتخللت الدراسة نقل المرصد الأورومتوسطي شهادات لأطباء، تحدثوا عن ارتفاع في معدل الوفيات بالسكتات القلبية والإغماء في مناطق مدينة غزة وشمالها، والتي تشهد تدهورا أشد بالأزمة الإنسانية ومعدلات الجوع.

واتخذت “حرب التجويع” الإسرائيلية منحنيات في غاية الخطورة، بما في ذلك قطع كافة الإمدادات الغذائية وقصف وتدمير المخابز والمصانع والمتاجر الغذائية ومحطات وخزانات المياه.

وعمدت إسرائيل إلى استهداف المولدات الكهربائية ووحدات الطاقة الشمسية التي تعتمد عليها منشآت تجارية ومطاعم ومؤسسات مدنية من أجل الحفاظ على الحد الأدنى الممكن من عملها.

كذلك طالت هجمات إسرائيل تدمير المنطقة الزراعية شرقي غزة ومخازن الدقيق وقوارب الصيادين، إلى جانب مراكز التموين للمنظمات الإغاثية، لا سيما وكالة الأونروا، أكبر مصدر للمساعدات الإنسانية في القطاع.

وعلى وقع الضغوط الدولية، قيدت إسرائيل إدخال إمدادات إنسانية من مصر إلى قطاع غزة عبر معبر رفح البري، واقتصرت على معدل 100 شاحنة يوميا، وهي معدلات لا تقارن مع متوسط حمولة 500 شاحنة كانت تدخل لتلبية الاحتياجات الإنسانية إلى القطاع قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

ورغم السماح بدخول الكمية المحدودة من المساعدات الغذائية، إلا أنه لم يتم تسليم أي واردات غذائية تجارية، ما يجعل سكان قطاع غزة في حاجة ماسة إلى الغذاء في ظل فرض نهج العقاب الجماعي عليهم.

وقال الأورومتوسطي إن القانون الإنساني الدولي يحظر بشكل صارم استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب. وباعتبارها القوة المحتلة في غزة، فإن إسرائيل ملزمة وفقا للقانون الإنساني الدولي بتوفير احتياجات السكان وحمايتهم.

ولفت إلى أن “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية” ينص على أن تجويع المدنيين عمدا “بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الإغاثية” يرتقي إلى “جريمة حرب”.

ودعا الأورومتوسطي إلى تحرك دولي حاسم لفرض وقف إطلاق النار في قطاع غزة ومنع تدهور الوضع لحياة المدنيين بشكل أكبر عبر إتاحة الوصول العادل وغير المقيد من المواد الأساسية والإغاثية إلى قطاع غزة بأكمله، وإتاحة الإمدادات الضرورية من الغذاء والمياه والإمدادات الطبية والوقود لتلبية احتياجات السكان.

المصدر: المركز الأورومتوسطي لحقوق الإنسان

ترجمة: صحيفة القدس العربي




رئيس استخبارات إسرائيلي سابق: أي صورة انتصار لن تمحو عار 7 أكتوبر.. والحل الأمثل سياسي

يحذّر رئيس معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية، الجنرال في الاحتياط تامير هايمان أن الحرب على غزة ستطول، وأن أيّ نتيجة لن تمحو عار السابع من أكتوبر، مشدداً على أن تعزيز الأمن القومي الإسرائيلي لن يتحقق إلا بتسوية سياسية طويلة الأمد.

في مقال نشره موقع القناة 12 العبرية، يقول هايمان إن الضغط العسكري على كتائب “حماس” الثلاث الأخيرة في شمال القطاع مستمر، وإن هذا الواقع يخلق تعقيداً عالياً، إذ إن الجيش الإسرائيلي موجود في قلب منطقة مكتظة، يوجد فيها “مخربون”، ومدنيون، ومخطوفون. هذا الضغط العسكري والتضاريس الصعبة تخلق فرصة لا تتكرر، وهي تختفي في جزء من الثانية، وأن هذا الأمر يبعث على الإحباط.

 ويقول محذّراً إن إخضاع جميع كتائب الألوية الشمالية لـ “حماس” في غزة على مشارف الانتهاء، لكن “تطهير المكان” سيستمر وقتاً طويلاً.

هايمان: لن تتمكن صور النصر جميعها من محو الإحباط والإهانة الناجمَين عن الكارثة التي وقعت في السابع من أكتوبر

 ويمضي في تحذيراته: “علينا أن ندرك أن المعارك التي تتم وجهاً لوجه، هي معارك يتضاءل فيها التفوق النسبي للجيش الإسرائيلي في مواجهة “حماس”، على الرغم من الشجاعة الكبيرة التي يبديها مقاتلونا، والتي يثبتون فيها كفاءتهم كمقاتلين. ليس علينا تسريع هذه الخطوة، لا مكان لمقاتلي “حماس” كي يهربوا إليه. إذا تصرفنا بصورة صحيحة إزاء الولايات المتحدة، فسنحصل على كل الوقت الذي نحتاج إليه. لقد استغرقت الولايات المتحدة نفسها ثلاثة أعوام للتوصل إلى إنجاز مماثل في مواجهة “داعش” في الرقة”. زاعماً أن الجانب الأمريكي يدرك ذلك جيداً، كما أن الضغط الأمريكي الهادف إلى نقل الحرب من مرحلة القتال المكثف إلى المرحلة التالية، لا علاقة له بمدينة غزة (حيث استطاع الجيش فعلاً احتلال أغلبية المدينة)، ولذا، فلا معنى للتنقل بين المراحل.

ويضيف: “في إمكاننا مواصلة العمل، كما عملنا في بداية المعركة، بصورة بطيئة ومكثفة، وبواسطة استخدام النيران المكثفة، وغيرها من الوسائل. في بقية المواقع في القطاع، التحول إلى أسلوب آخر مطلوب، ليس فقط إرضاءً للأمريكيين. علينا أن نُخضع كتائب أُخرى، لكن نظراً إلى الظروف الجديدة: فإن كثافة السكان المدنيين في منطقة مكتظة، ووجود المخطوفين، على ما يبدو تحت الأرض، يتطلبان منا العمل ببطء ودقة أكثر. ولذا فإن التحول في اتجاه طرق عمل أُخرى ينسجم مع ما تلمّح الولايات المتحدة إليه، بشأن رؤيتها للمرحلة المقبلة”.

أثمان الحرب تثقل كاهلنا

ويرى هايمان أن خلاصة القول هي أنه لن تتمكن صور النصر جميعها من محو الإحباط والإهانة الناجمَين عن الكارثة التي وقعت في السابع من تشرين الأول/أكتوبر.

 ويتابع: “لقد اتضح أن تركيع “حماس” لن يغيّر المشاعر الصعبة، وأثمان الحرب تثقل كاهلنا أكثر. ومع ذلك، علينا الاعتراف بأن هذا هو كل ما يمكن للجيش الإسرائيلي تقديمه في مجال النصر العسكري. الحقيقة البسيطة تقول إن تغيير الوضع من أساسه، ممكن فقط من خلال العمل السياسي، الذي يستغل الإنجاز العسكري بهدف تغيير الواقع الأمني”.

 كما يرى أنه على الجيش الإسرائيلي أن يضمن أن “حماس” لن تشكّل بعد تهديداً أمنياً، وأن يستعيد الكرامة المفقودة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، لكن هذا نفسه لن يعيد لنا أمننا القومي.

ويقول إن التسويات السياسية الطويلة الأمد هي ما يضمن ذلك، وإن الإسرائيليين لا يهتمون بذلك بصورة كافية، لافتاً إلى أنه في الانتقال من مرحلة القتال العنيف إلى مرحلة القتال المستمر، لا بد للفعل السياسي من أن يتصدر. وعن ذلك يضيف: “نحن بحاجة إلى عمل مشترك من لجان الوزارات التالية: الخارجية، القضاء، والداخلية، والأمن الداخلي، والمالية، والاقتصاد، وتناسي سفاسف السياسات الداخلية، والانشغال بالعمل السياسي الحقيقي”.

ويتوقع هايمان أن تكون هذه الحرب طويلة، ويقول إنه كما لا أحد يتذكر ما هو التاريخ الفعلي لانتصار حملة “السور الواقي”، فلن يتذكر أحد في المستقبل تاريخ تحقيق النصر في حرب “السيوف الحديدية”.

ويتابع: “سنقوم بالتنقّل بين المراحل، ونغيّر الوتائر، وندخل في روتين العمل الحربي، وفي نهاية المطاف، لن يعود هناك وجود لـ “حماس” كتنظيم “إرهابي” يسيطر على قطاع غزة”.

إدارة مغلوطة للحرب

 في التزامن، تتواصل عملية توجيه الانتقادات الإسرائيلية لإدارة الحرب، ويرى المعلق السياسي في إذاعة الجيش رازي بركائي أن “استعادة المخطوفين من غزة هي الهدف الأول، والأهم لأن ذلك ينطوي على قيمة إنسانية وأمنية عليا، حتى بثمن وقف الحرب لفترة طويلة، خاصة أنها تتيح لقوات الجيش مستقبلاً مهاجمة الأنفاق بقوة دون تردد ودون حذر. انتهكنا الاتفاق غير المكتوب بين الدولة ومواطنيها. قتل المخطوفين الثلاثة دليل على صحة ذلك”.

هايمن: الحقيقة البسيطة تقول إن تغيير الوضع من أساسه، ممكن فقط من خلال العمل السياسي، الذي يستغل الإنجاز العسكري بهدف تغيير الواقع الأمني

ويؤكد النائب السابق، الباحث، والضابط في الاحتياط عوفر شيلح، في حديث للقناة 13 العبرية، أن “استمرار القتال في الطريقة الحالية لن يؤدي لتحقيق أهداف الحرب، لا تدمير “حماس” ولا استعادة المخطوفين”.

ويعلل شيلح رؤيته هذه بشكل مثابر، منذ أسابيع، بالقول: “هذا ليس فقط بسبب تراجع أو فقدان غطاء الشرعية الدولية، بل لأنه يخطئ من يعتقد أن الجيش، بما تبقى من وقت، قادر على التنقل من مكان لمكان، وقتل هذا “المخرّب” أو ذاك، وتدمير فتحة نفق هنا ونفق هناك. هذا غير ممكن، ويضاف لذلك الكلفة الباهظة للحرب. هذا لن يتحقق، وكل تاريخ الحروب الإسرائيلية يؤكد هذه الخلاصة”.

 وينسجم شيلح مع تلخيصات إسرائيلية متزايدة تشكّك بجدوى واحتمالات الحرب على غزة، لأنها لا تحدّد أهدافاً واقعية واضحة ويمكن تحقيقها، لا تكتفي بشعار “تدمير حماس”، ما يفاقم بالتالي حالة التململ الداخلي، ورفع منسوب استياء الإسرائيليين من أداء حكومتهم وجيشهم، وهذا ما كشف عنه استطلاع للرأي نشرته القناة 12 العبرية، ليلة أمس، علاوة على تعمق أزمة الثقة بنتنياهو شخصياً، الذي يبحث عن إطالة أمد الحرب لحسابات شخصية غريبة، كما يتجلى في انشغاله الآن بالبحث عن اسم ديني للحرب (سفر التكوين الاسم المقترح)، في محاولة لتهويش اليهود والحفاظ على تأييدهم لحرب مفتوحة على غزة.

وديع عواوودة

المصدر: صحيفة القدس العربي




قائد كتيبة إسرائيلي واصفاً جنود “القسام”: يلتفون حولنا 360 درجة.. ولا نراهم

القطار الجوي المحدث لكبار الشخصيات الأمريكية التي تزور إسرائيل منذ الخميس الماضي، سيوفر قدراً أكبر من الوضوح بخصوص استمرار القتال في قطاع غزة. ورغم أن الطرفين يمتنعان عن إعطاء تفاصيل علنية فمن الواضح ظهور موعد هدف للانتقال إلى مرحلة أخرى في محاربة حماس. يتوقع حدوث هذا قبل منتصف كانون الثاني القادم. بعد ذلك، يتوقع تغيير وتقليص النشاطات الهجومية في القطاع. وحتى موعد التغيير، ربما تتسع العملية وتصل إلى مناطق أخرى. المشكلة أن هذه العمليات تجري تحت غيمة آخذة في زيادة أثمان الحرب. فدعم الجمهور الواسع للعملية البرية، الذي تعزز في البداية على خلفية الضربات التي تلقتها حماس، أصبح مختلطاً الآن مع القلق والشك. ورغم توسيع النشاطات والخسائر التي تجبى من العدو، فإننا نقترب من وضع خطير يتمثل في المراوحة في المكان.

 في شمال القطاع، يستكمل الجيش الإسرائيلي السيطرة على حي الشجاعية شرق مدينة غزة وعلى مخيم جباليا للاجئين. هذه هي المناطق التي تتركز فيها كتائب حماس في الشمال. لذا، جرت فيها معارك قاسية التي استمرت مدة أطول بشكل لم يتوقعه القادة.

أما في الجنوب فتجري عملية على مستوى الفرق في خان يونس مع تقدم بطيء والحذر حول شبكة الأنفاق العميقة. الآن يتم فحص إمكانية توسيع العملية إلى مناطق أخرى. وبصورة استثنائية خلافاً لحروب سابقة، فالجيش الإسرائيلي لا يعمل حسب جداول زمنية ثابتة للتقدم.

الجيوش في العادة تتحدث بمفاهيم تقدير أهلية العدو. عندما يحصي الجيش الإسرائيلي كتائب حماس التي تمت هزيمتها، ويتحدث عن أقل من النصف، فهو يستخدم المفاهيم العسكرية. ولكن حماس تتصرف بشكل مختلف، وهي في أغلبية الحالات تبحث عن احتكاك مباشر مع القوات المهاجمة التي لها تفوق مطلق عليها من حيث قوة النيران والمعلومات والتكنولوجيا. حتى لو تحطمت سلسلة قيادة الكتيبة وسيطرتها إلى شظايا، فإنها تحاول الاعتماد على الخلايا الصغيرة التي يمكنها العمل وقضم ذيل القوات الإسرائيلية المتفوقة.

هذا ما يحدث في الوقت الحالي على الأرض. قائد كتيبة في لواء “كفير”، التي تقاتل في الشجاعية، أحسن وصف تعقد القتال في مقابلة مع قناة تلفزيونية في الأسبوع الماضي. “استكملنا مهمة الاحتلال التي تم تكليفنا بها”، قال. “حتى الآن، العدو يلفنا بـ 360 درجة، لكننا لا نراه لأن رجاله يختبئون”.

بعد استكمال الاحتلال الأولي، تنتقل الوحدات إلى إطار الوجود الطويل والتمشيط. يقول الجنود إنهم يعثرون في كل مكان على فتحات للأنفاق وسلاح ووسائل قتالية. ولكن مع مكوثهم الطويل على أرض معادية، تصبح القوة العسكرية مكشوفة وقابلة للإصابة، ويتم نزع الأفضلية النسبية منها، التي تكمن في التحرك بوتيرة عالية، مع حجب صورة المعركة التي يخوضها العدو.

في حرب العصابات، يبدو أن الوحدة التي هُزمت من قبل تستعيد قدرتها المتبقية على الأداء، التي تعني جباية الثمن من الجيش النظامي. هناك الكثير من المواجهات التي يكون فيها مخربان أو ثلاثة يواجهون قوة للجيش الإسرائيلي بشكل مفاجئ ويحاولون العثور على نقاط الضعف. معظم هذه المواجهات تنتهي بالتصفية أو التشويش على الهجوم، ولكن لا بد من مصابين إسرائيليين يومياً.

منذ فترة طويلة والوضع في غزة يصبح مشابهاً للمرحلة المتأخرة في حرب لبنان الأولى في 1982 بعد احتلال بيروت. وتتعلق الأمور هنا أيضاً بالتغيير في المزاج العام بالنسبة للحرب. الأسبوع الأخير كان صعباً بشكل خاص بسبب الحادثين في الشجاعية: الأول، الكمين الذي قتل فيه 9 جنود. والثاني قتل المخطوفين الثلاثة بالخطأ على يد الجنود. استمرار القتال في الإطار الحالي سيكون مرتبطاً على الأقل ببعض البشائر السيئة عن قتل جنود. بعد مذبحة 7 أكتوبر، انطلق الجيش الإسرائيلي للعملية البرية التي كانت أمراً مختلفاً عليه لمدة عقدين. وحشية حماس والعدد الكبير من خسائر إسرائيل في اليوم الأول للحرب أوجدت شعوراً بأنه لا خيار عدا الغزو البري للقطاع، الذي هدفه هزيمة حماس بشكل مطلق. وانطوى هذا على نوع من الإذن من الجمهور الإسرائيلي، للمرة الأولى منذ سنوات، بأن يقتل ويُقتل.

مثلما في 1982، يتعلق هذا الاتفاق بشرطين، تبددا بالتدريج في لبنان: الهدف الواضح للحرب والإدراك بأن الانتصار قابل للتحقق. الخطر في غزة مع مرور الوقت سيظهر عندما تتعزز الشكوك في تحقق هذين الشرطين. إضافة إلى ذلك، أي تغير محتمل في صورة العملية في الشهر القادم سيثير الشك حول تحقيق أهداف العملية المعلنة، وهي هزيمة حماس وقتل كبار قادتها، وخلق شروط لإعادة المخطوفين، وتمهيد الطريق لعودة السكان إلى مستوطنات الغلاف.

المتحدثون بلسان حماس يطلبون انسحاباً كاملاً لإسرائيل من القطاع ووقفاً كاملاً لإطلاق النار شرطاً لاستئناف المفاوضات. هذا لا يشكل موقفاً افتتاحياً من قبل إسرائيل، لكن القلق على مصير المخطوفين يزداد إزاء ظروف الأسر والإدراك المتزايد بأن كل يوم آخر يمر يقلل احتمالية إنقاذهم سالمين من الجحيم. رئيس الحكومة نتنياهو، الذي يواصل تملصه من طلب عائلات المخطوفين الالتقاء معه، فضل أمس قراءة رسالة في بداية جلسة الحكومة من “منتدى البطولة”، وهي عائلات ثكلت أبناءها في الحرب وتطلب منه مواصلة القتال إلى حين هزيمة حماس.

 عاموس هرئيل

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




في خرق لكل الأعراف.. الكشف عن إقامة إسرائيل لـ “غوانتانامو جديد” جنوب قطاع غزة  

مئات الفلسطينيين الذين تم اعتقالهم مؤخراً في القطاع محتجزون في إسرائيل منذ أسابيع في منشأة قرب بئر السبع. المعتقلون مشبوهون بالتورط في عمليات إرهابية. علمت “هآرتس” بأن بعض هؤلاء المعتقلين قد توفوا في المعتقل. لم تتضح ظروف موتهم بعد. وحسب الجيش الإسرائيلي، يدور الحديث عن مخربين، وأن الأمر قيد الفحص. المعتقلون الآن في منشأة محاطة بالأسوار، مكبلون ومعصومو العيون طوال اليوم، الإضاءة مسلطة عليهم طوال اليوم، ويتم نقلهم للتحقيق. وحسب الجيش الإسرائيلي، فإن المعتقلين الذين يتبين أنهم غير متورطين في العمليات الإرهابية يُعادون إلى القطاع، والمعتقلون الآخرون يتم نقلهم إلى مصلحة السجون.

المعتقل الذي يتم جلب المعتقلين إليه موجود في قاعدة “سديه تيمان”. أُحضر إلى هذا المكان غزيون تم أسرهم في هجوم حماس في بلدات الغلاف في 7 أكتوبر. أعمارهم بين القاصر والمسن. وقيود احتجازهم تسمح لهم بحركة محدودة وبتناول الطعام. بعد بداية العملية البرية في القطاع، اعتقل الجيش الإسرائيلي أيضاً نساء وقاصرين من غزة، يتم احتجازهم في المعتقل الموجود في قاعدة “عناتوت” قرب القدس. وأبلغ الجيش الإسرائيلي في الأسبوع الماضي بأنه اعتقل 500 ناشط إرهابي من القطاع في تشرين الثاني، منهم 350 من نشطاء حماس و120 من “الجهاد الإسلامي”.

المعتقلون في قاعدة “سديه تيمان” ينامون على فرشات دقيقة على الأرض في ثلاث منشآت، كل منشأة تستوعب 200 معتقل. وعرفت “هآرتس” مؤخراً عن إقامة منشأة رابعة في المكان. يعين الجيش معتقلاً للتواصل في كل منشأة، ويكون المسؤول عن التواصل بين الجنود الحراس والمعتقلين، هذا المعتقل هو المسؤول أيضاً عن توزيع الطعام. قرب منشآت الاعتقال مستشفى ميداني لعلاج المعتقلين الذين يحتاجون إلى العلاج الضروري.

سكان غزة الذين تم اعتقالهم أثناء الحرب يحتجزون في إطار “قانون المقاتلين غير القانونيين” من العام 2002. هذا القانون لا يسري على الفلسطينيين من سكان الضفة الغربية. ولم يتم تفعيله حتى بداية الحرب تقريباً. تم تخصيصه لعلاج سكان لبنان وقطاع غزة الذين لا تعتبرهم إسرائيل أسرى حرب، لكنهم شاركوا في أعمال عدائية ضد الدولة.

بعد فترة قصيرة على بداية الحرب، تم وضع عدد من تعليمات الطوارئ التي شددت ظروف معاملة المعتقلين من هذه الفئة، ومكنت من احتجازهم مدة أطول قبل البدء في الإجراءات القانونية. وحسب صيغة القانون الحالية، فإنه يجب إصدار أمر اعتقال خلال 30 يوماً، ومثولهم أمام قاض خلال 45 يوماً من يوم الاعتقال. للمعتقلين في إطار هذا القانون الحق بالالتقاء مع محام بعد 28 يوماً على الاعتقال، لكن القاضي يمكنه المصادقة على عدم السماح للمعتقل بالحصول على استشارة قانونية لمدة 80 يوماً، والبدء في الإجراءات القانونية ضده بدون محام.

حتى الآن تم إحضار 71 غزياً الذين تم اعتقالهم في 7 أكتوبر أو في القطاع للمثول أمام القاض الذي صادق على تمديد اعتقالهم جميعاً. حسب القانون، يجب إحضار هؤلاء للمثول أمام قاض مرة كل نصف سنة. جميع المعتقلين الغزيين تم إحضارهم إلى المحكمة اللوائية في بئر السبع.

حسب المعلومات التي نقلتها مصلحة السجون لجمعية “موكيد” للدفاع عن الفرد، كان في السجون حتى 1 أيلول 260 معتقلاً بصفة “مقاتلين غير قانونيين”. وقبل شهر كان فيه 105 معتقلين بهذه الصفة في السجون، وقبل الحرب لم يكن هناك أحد بهذه الصفة. يقوم الجيش الإسرائيلي في إطار نشاطاته في القطاع باعتقال الكثير من الغزيين، ومن بينهم مدنيون. حسب تقديرات جهاز الأمن التي أعطيت في الأسبوع الماضي، فإن 10 – 15 في المئة منهم يؤيدون حماس من بين مئات المعتقلين الذين تم توثيقهم بالصور في القطاع.

جاء الرد من الجيش الإسرائيلي بأن “من تم اعتقالهم في نشاطات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة يتم احتجازهم “بناء على افتراض معقول بأنهم شاركوا في نشاطات إرهابية. يتم احتجاز المعتقلين في منشآت الاعتقال إلى حين نقلهم إلى مصلحة السجون، ويمرون بإجراءات قانونية لمدة 14 يوماً حتى إصدار أمر اعتقال ثابت حسب القانون. النساء المعتقلات بقوة القانون يتم احتجازهن في منشأة منفصلة عن المعتقلين الرجال، ويجتزن إجراءات قانونية مشابهة”.

 هاجر شيزاف وحن معنيت

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




هكذا أصبح “المحتجزون” لدى حماس أداة لعب سياسية هزلية بيد إسرائيل

يصعب على المرء إهمال الصور التي نشرها الجيش الإسرائيلي أمس، والكتابات التي علقها المخطوفون الثلاثة على المبنى الذي كانوا فيه. “هتسيلو” (النجدة) كتبوا ببقايا الطعام على أمل أن يراها أحد ما وينقذهم.

أما التتمة المأساوية فمعروفة: خرج المخطوفون بلا قمصان وهم يرفعون قماشة بيضاء، فقُتلوا بإطلاق النار عليهم. وأظهر التحقيق سلسلة طويلة من المشاكل الأدائية والقيادية، وعلى رأسها خروج عن الأمر الذي يحظر إطلاق النار على من يستسلم. مشكوك أن ينتبه أحد ما لو كان القتلى فلسطينيين، لكن قتل المخطوفين حتماً سيكترث له الجيش الإسرائيلي.

خيراً فعل رئيس الأركان الفريق هرتسي هليفي، حين فضل الوصول أمس بالذات إلى غزة ليقول الأمر المسلم به. لا تطلق النار على من يرفع علماً أبيض. خيراً يفعل أيضاً حين أوضح ما المسموح وما المحظور في جوانب أكثر اتساعاً: من كتابات الحيطان المختلفة في غزة (وفي الضفة) وحتى استخدام مكبر صوت المؤذن.

ظاهراً، لا صلة بين الأمور، أقول ظاهراً فقط. من اللحظة التي تدور فيها الزوايا وتستخف فيها بالأوامر، قد نصل إلى أماكن خطيرة. ربما كان الجيش سينحي قادة ويعاقب مقاتلين في ظروف أخرى. ولكن هذا لن يحصل، لأن الحديث يدور عن ظروف قتال وإحساس ذاتي بالخطر الذي شعر به المقاتل الذي كان أول من أطلق النار ثم المقاتلين من بعده. كان محقاً رئيس الأركان حين قال إنه يمكن ويجب أن نأخذ ثانية أو اثنتين أخريين للتفكير وللتأكد من عدم الوقوع في الخطأ.

تم تأكيد الأوامر عقب هذا الحدث، بينما مشكلة المخطوفين نفسها بعيدة عن الحل. لو أنقذ الثلاثة وهم على قيد الحياة، للاقى تأكيد الادعاء الإسرائيلي بأن الضغط العسكري يخلق ظروفاً أفضل لإعادة المخطوفين. أما قتلهم فيخلق إحساساً معاكساً: في كل يوم يمر يزداد الخطر على حياتهم. هذان الادعاءات جيدان بالقدر ذاته، وشرعي أن يفضل كابينت الحرب الطريق العدواني.

الأقل شرعية هو الموقف الذي تتلقاه عائلات المخطوفين؛ فقد تراكمت الأيام الأخيرة شهادات مقلقة كثيرة جداً على أن يداً خفية تخوض حملة ضدهم. هذا معيب ومثير للحفيظة؛ لأن الحديث يدور عن مواطنين (وجنود) تركوا لمصيرهم في 7 أكتوبر. ويشعرون بأنهم متروكون لمصيرهم الآن أيضاً. واجب على قادة الدولة أن يعانقوهم، حتى لو لم تستجب الدولة لمطالبهم. فامتناعها عن ذلك سيفيد بأنهم أصبحوا أداة لعب في معركة سياسية تهكمية على نحو خاص.

لقد أقسمت إسرائيل على هدفين في هذه الحرب: القضاء على قدرة حماس السلطوية والعسكرية، وإعادة المخطوفين إلى الديار. وهي بعيدة عن الهدف في كليهما. آخر التقديرات هي أن القتال في شمال القطاع سينتهي حتى نهاية الشهر، بينما القتال في جبهة خانيونس سيستمر إلى كانون الثاني. يأمل الجيش في هذه المدة المتبقية بتعميق الضربة للبنى التحتية في شمال القطاع، وجباية ثمن من حماس في الجبهة الجنوبية – بالنشطاء وبالسلاح وربما القيادة أيضاً.

لن ترفع حماس علماً أبيض في هذا الجدول الزمني، واحتمال عودة كل المخطوفين حتى ذلك الحين طفيف جداً. لما كانت إسرائيل تتعهد (أمام الأمريكيين أيضاً) بأن تغير شكل العمل والانتقال من الحرب إلى القتال في الشهر القادم، يجدر بها العمل على تنسيق التوقعات أيضاً مع الجمهور الإسرائيلي المقتنع بأن آلة الحرب لن تتوقف حتى النصر. وهذا مطلوب أيضاً حيال نية إعادة كل سكان الجنوب إلى بيوتهم في أثناء كانون الثاني، ممن يسكنون على مسافة أكثر من أربعة كيلومترات عن الحدود، وربما سيسمعون صافرات الإنذار في المستقبل المنظور أيضاً.

 يوآف ليمور

المصدر: صحيفة إسرائيل اليوم

ترجمة: صحيفة القدس العربي




الغارديان: في غزة.. ماذا يعني محو شعب.. ثقافة.. هوية؟

نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للصحافية نسرين مالك بدأته بسؤال: “ما الذي يربطك ببلدك، ويجعلك تشعر أنه ملكا لك؟ ما الذي يمنحك الشعور بالهوية والانتماء؟”، مجيبة “إنها الأشياء المادية بالطبع – المكان الذي تعيش فيه، والمكان الذي ولدت فيه، والمكان الذي تقيم فيه عائلتك وأصدقاؤك. و”وراء الجوانب المادية تكمن كل الأشياء الأخرى التي لا تفكر فيها، والتي تعتبرها أمرا مفروغا منه. الموسيقى والأدب والفكاهة والفن والسينما والتلفزيون – كل الجوانب التجريدية للهوية التي تشكل نسيجا ضاما بينك وبين بلدك”.

وسبب السؤال هو أن سؤال “ما الذي يصنع شعبا؟” مرتبط مباشرة بسؤال “ما الذي يمحو شعبا؟” وما يجري في غزة يجعل هذا السؤال ملحا. لأنه إلى جانب ويلات الموت والنزوح، هناك شيء آخر يحدث – شيء وجودي، نادرا ما يتم الاعتراف به وربما لا يمكن عكسه.

وتقول مالك إن ما يحصل يبدو هكذا، ففي وقت سابق من هذا الشهر دمرت الغارات الجوية الإسرائيلية أقدم مسجد في غزة. كان المسجد العمري في الأصل كنيسة بيزنطية تعود للقرن الخامس الميلادي، وكان أحد المعالم البارزة في غزة، إذ تبلغ مساحته 44 ألف قدم مربع من التاريخ والهندسة المعمارية والتراث الثقافي. وكان أيضا موقعا حيا للممارسات والعبادة المعاصرة. وقال رجل من غزة يبلغ من العمر 45 عاما لرويترز إنه كان يصلي ويلعب هناك طوال طفولته. وقال إن إسرائيل “تحاول محو ذاكرتنا”.

وتضيف أن كنيسة القديس برفيريوس، وهي الأقدم في غزة، والتي يعود تاريخها أيضا إلى القرن الخامس ويعتقد أنها ثالث أقدم كنيسة في العالم، تعرضت لأضرار في غارة أخرى في تشرين الأول/ أكتوبر. وكانت تؤوي النازحين، ومن بينهم أعضاء في أقدم مجتمع مسيحي في العالم، وهو مجتمع يعود تاريخه إلى القرن الأول. وحتى الآن، تعرض أكثر من 100 موقع تراث في غزة للأضرار أو للتسوية بالأرض. ومن بينها مقبرة رومانية عمرها 2000 عام ومتحف رفح، الذي تم تخصيصه للتراث الديني والمعماري الطويل والمختلط في المنطقة.

وتشير الصحافية إلى أنه بينما يتم اقتلاع الماضي، يتم تقليص المستقبل أيضا. فقد تم تدمير الجامعة الإسلامية في غزة، وهي أول مؤسسة للتعليم العالي تأسست في قطاع غزة عام 1978، وتقوم بتخريج الأطباء والمهندسين في غزة، بالإضافة إلى أكثر من 200 مدرسة. قتل سفيان تايه، رئيس الجامعة، مع عائلته في غارة جوية. كان رئيسا لليونسكو للعلوم الفيزيائية والفيزياء الفلكية والفضاء في فلسطين. ومن بين الأكاديميين البارزين الآخرين الذين قتلوا عالم الأحياء الدقيقة الدكتور محمد عيد شبير، والشاعر والكاتب البارز الدكتور رفعت العرعير، الذي انتشرت قصيدته “إذا كان لا بد لي من الموت” على نطاق واسع بعد وفاته.

وتذكر أنه كتب: “إذا كان لا بد لي من أن أموت، فلتكن هذه حكاية”، مضيفة أنه حتى تلك الحكاية، وهي حكاية تشهد على الحقيقة، وسيتم نسجها في الوعي والتاريخ الوطنيين الغزيين والفلسطينيين، سوف تجد صعوبة في أن تروى بدقة. لأن الصحافيين يقتلون أيضا. بعض الذين بقوا على قيد الحياة، مثل وائل الدحدوح من قناة الجزيرة، اضطروا إلى الاستمرار في العمل بعد وفاة عائلاتهم. وفي الأسبوع الماضي، أصيب الدحدوح نفسه في غارة جوية على إحدى المدارس، ولم ينج المصور الخاص به. وقالت لجنة حماية الصحافيين، وهي منظمة أمريكية غير ربحية، إن أولئك الذين ينشرون أخبار الحرب لا يخاطرون بالموت أو الإصابة فحسب، بل “بالاعتداءات المتعددة والتهديدات والهجمات الإلكترونية والرقابة وقتل أفراد الأسرة”.

وتعلق أنه مع تعرض القدرة على رواية هذه القصص علنا للهجوم، كذلك الأمر بالنسبة لطقوس الحداد وإحياء الذكرى الخاصة. وأنه وبناء على تحقيق أجرته صحيفة “نيويورك تايمز”، تقوم القوات البرية الإسرائيلية بتجريف مقابر أثناء تقدمها في قطاع غزة، مما أدى إلى تدمير ستة مقابر على الأقل.

ونشر أحمد مسعود، الكاتب الفلسطيني البريطاني من غزة، صورة له وهو يزور قبر والده، إلى جانب مقطع فيديو لأطلاله. وكتب: “هذه هي المقبرة في مخيم جباليا”، حيث دفن والده. “ذهبت لزيارته في شهر أيار/ مايو. لقد دمرته الدبابات الإسرائيلية الآن، واختفى قبر والدي. لن أتمكن من زيارته أو التحدث معه مرة أخرى”.

وتضيف الصحافية أن هناك فجوة في الذاكرة تتشكل، فقد تمت تسوية المكتبات والمتاحف بالأرض، وما فقد من الوثائق التي احترقت ينضم إلى حصيلة أكبر من حفظ السجلات. وفي الوقت نفسه، فإن حجم عمليات القتل كبير جدا لدرجة أن عائلات ممتدة بأكملها تختفي. والنتيجة هي مثل تمزيق صفحات من كتاب. ونقلت صحيفة “فايننشال تايمز” عن دينا مطر، الأستاذة في جامعة سواس في لندن، “مثل هذه الخسارة تؤدي إلى محو الذاكرة والهوية المشتركة لأولئك الذين بقوا على قيد الحياة. الذاكرة مهمة. هذه عناصر مهمة عندما تريد تجميع تاريخ وقصص حياة الأشخاص العادية”.

وتقول مالك “من المهم أن نتذكر، ومن السهل أن ننسى، من بين مشاهد الموت والدمار منذ تشرين الأول/ أكتوبر، أن قطاع غزة مكان حقيقي، على الرغم من وجوده خلف سياج وتحت قيود مشددة، لم يكن مجرد “سجن مفتوح فحسب”. فهو يضم مدنا على البحر الأبيض المتوسط مليئة بالشوارع التي تصطف على جانبيها الأشجار والزهور، وساحلا يوفر نوعا من الراحة من الحرارة وانقطاع التيار الكهربائي. وقد تم الآن تدمير الكثير منها أو تجريفها بالجرافات”.

وتؤكد أن القطاع كان أيضا مكانا ازدهر فيه الفنانون والموسيقيون والشعراء والروائيون، وهو أمر طبيعي بين أي شعب يتاح له الفرصة للتعبير عن نفسه، بغض النظر عن مدى صعوبة الظروف. وأضافت أنهم أيضا يختفون الآن. قتلت هبة زقوت، رسامة الأماكن المقدسة والنساء الفلسطينيات بملابسهن التقليدية المطرزة، في تشرين الأول/ أكتوبر، بعد أيام قليلة فقط من نشرها مقطع فيديو على الإنترنت تقول فيه: “أعتبر الفن رسالة أوصلها إلى العالم الخارجي من خلال تعبيري عن القضية الفلسطينية والهوية الفلسطينية”.

ومحمد سامي قريقة هو فنان آخر، كان يحتمي داخل مستشفى، ونشر على فيسبوك أنه كان يوثق التجربة، “لنقل الأخبار والأحداث التي تحدث داخل المستشفى، ملتقطا مجموعة من التفاصيل المؤلمة بكاميرا هاتفي، منها صور وفيديو وصوت وكتابة ورسم، إلخ.. أقوم بجمع العديد من هذه القصص بتقنيات مختلفة”. وبعد ثلاثة أيام مات عندما ضرب المستشفى صاروخا. “هذا ما سيبدو عليه الأمر، محو شعب. باختصار، إلغاء بنية الانتماء التي نعتبرها جميعا أمرا مفروغا منه، بحيث أنه بغض النظر عن عدد سكان غزة الذين بقوا على قيد الحياة، بمرور الوقت، فإن ما يربطهم ببعضهم البعض يتضاءل. هكذا سيكون الأمر عندما تحرمهم من رواية قصتهم، ومن إنتاج فنهم، والمشاركة في الموسيقى والغناء والشعر، ومن التاريخ التأسيسي الذي يعيش في معالمهم ومساجدهم وكنائسهم، وحتى في مقابرهم”.

المصدر: صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة: إبراهيم درويش