1

بيت لحم أشبه بمدينة أشباح عشية عيد الميلاد بسبب الحرب

بدت بيت لحم، مسقط رأس المسيح، وكأنها مدينة أشباح اليوم الأحد، حيث ألغيت احتفالات عشية عيد الميلاد بسبب تواصل الحرب الإسرائيلية على غزة.

واختفت أضواء الاحتفالات وشجرة عيد الميلاد التي تزين عادة ساحة المهد، وكذلك حشود السياح الأجانب الذين يتجمعون كل عام للاحتفال بالعيد.

قام العشرات من رجال الأمن الفلسطينيين بدوريات في الساحة الخالية. وأغلقت العديد من متاجر الهدايا عشية عيد الميلاد، لكن بعض أصحاب المتاجر جاءوا عقب توقف هطول الأمطار. ومع ذلك، كان هناك عدد قليل من الزوار.

قال القس جون فينه، وهو راهب فرنسيسكاني من فييتنام يعيش في القدس منذ ست سنوات: “لا توجد شجرة عيد ميلاد هذا العام، هناك الظلام فقط”. وأضاف أنه يأتي إلى بيت لحم دائما للاحتفال بعيد الميلاد، لكن هذا العام يتسم بالحزن.

أحاطت أسلاك شائكة بساحة المهد، وغابت الأضواء والألوان المبهجة التي كانت تملأ الساحة عادة خلال موسم عيد الميلاد.

يقول علاء سلامة، فلسطيني صاحب مطعم في المنطقة: “لا يمكن تبرير إضاءة شجرة عيد الميلاد والاحتفال كالمعتاد، في حين ليس لدى سكان غزة حتى منازل تؤويهم”.

ويضيف سلامة أن ليلة عيد الميلاد عادة ما تكون أكثر أيام السنة ازدحاما.

“في العادة، لم يكن أحد يستطيع العثور على كرسي واحد للجلوس، لكن هذا العام، لم تمتلئ عندي سوى طاولة واحدة جلس عليها صحافيون كانوا يأخذون استراحة بسبب هطول الأمطار”، بحسب سلامة.

وذكر سلامة أن نسبة الإشغال في مطعمه بلغت حوالي 15 بالمائة، ولم يتمكن من تغطية تكاليف العمل. وقدر أن الأمر سيستغرق عاما آخر حتى تعود السياحة إلى بيت لحم كالمعتاد حتى بعد انتهاء الحرب.

واتخذ قادة الكنيسة في القدس ومجلس مدينة بيت لحم قراراً، الشهر الماضي، بعدم تنظيم “أي احتفال غير ضروري” في مناسبة عيد الميلاد، تضامناً مع سكان غزة.

ودخلت الحرب على غزة يومها الـ79، في ظل استمرار الغارات العنيفة التي تطاول مناطق متفرقة في القطاع، الذي لم يعد فيه مكان آمن يلوذ إليه الأهالي. كذلك، وُثِّقَت جرائم إعدامات ميدانية طاولت العشرات من المدنيين والنساء الحوامل.

المصدر: وكالة أسوشييتد برس




الاحتلال يستعد للمرحلة الثالثة من الحرب.. ماذا يعني ذلك؟

قالت هيئة البث الإسرائيلية، الجمعة 22 ديسمبر/كانون الأول 2023: “الجيش الإسرائيلي يستعد للانتقال إلى المرحلة الثالثة في القتال بغزة خلال الأسابيع المقبلة، وفقًا للإنجازات العملياتية”، وذلك نقلًا عن مصادر لم تسمها، زاعمة أن الجيش سيطر بشكل كامل على معظم مناطق شمال القطاع بينما يواجه صعوبات بالمضي قدمًا في الجنوب.

وكشفت القناة الـ11 العبرية تفاصيل تلك المرحلة المزعومة، لافتة إلى أنها ستشمل “إنهاء المناورة البرية في القطاع، وتسريح القوات الاحتياطية، واللجوء إلى الغارات الجوية، وإقامة منطقة عازلة على الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة”، إضافة إلى “تقليص عدد القوات والاستمرار في هجمات مركزة” بغزة.

وأشارت صحيفة “هآرتس” العبرية إلى أن الجيش أصبح فعليًا في مرحلة الإعداد لتلك المرحلة، عكس ما يعلنه صناع القرار داخل حكومة الكابينت، منوهة أن مراكز القوى في الوسط الإسرائيلي تستعد “لتغيير كبير” في يناير/كانون الثاني المقبل، موضحة أن هذا التغيير مرتبط بإعادة انتشار مئات آلاف جنود الاحتياط بسبب العبء على الاقتصاد والجنود وعائلاتهم.

ولم يحدد الإعلام العبري الجدول الزمني لبدء تلك المرحلة التي يرجح البعض أن تكون مع بداية العام الجديد، وهو ما ألمحت إليه وسائل إعلام أمريكية خلال الأيام الماضية، غير أن الوضع على الأرض ميدانيًا لا يتقدم بالوتيرة ذاتها التي يسير عليها الخطاب السياسي حسبما ذكرت “هآرتس”، الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات عن دلالات الانتقال للمرحلة الثالثة من الحرب ومدى تحقيق الاحتلال لأهداف المرحلتين السابقتين.

تطورات الميدان.. نظرة عن كثب

يأتي الإعلان عن تلك المرحلة في وقت يعاني فيه جيش الاحتلال من وضعية مأزومة ميدانيًا، حيث الفشل في تحقيق أي من أهدافه المعلنة بداية المعارك، فلا استطاع القضاء على حماس وبقية فصائل المقاومة، ولا حرر أسراه بأيدي المقاومة، ولا جعل من غزة منطقة آمنة لا تهدد الداخل الإسرائيلي.

فبعد أكثر من 76 يومًا من الحرب لا تزال رشقات حماس الصاروخية تسقط في تل أبيب، وتجبر عشرات آلاف المستوطنين والإسرائيليين على الاحتماء بالملاجئ، ولا تزال المواجهات ضارية في مناطق الشمال التي ادعى جيش الاحتلال أنه سيطر عليها بالكامل، هذا بخلاف الفشل في تحرير أسير واحد من المحتجزين لدى المقاومة بالقوة.

علاوة على سقوط أكثر من 140 مجندًا وضابطًا في صفوف الاحتلال منذ العملية البرية في 27 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، من إجمالي 470 عسكريًا قُتلوا منذ بداية الحرب، وإصابة أكثر من 5 آلاف، منهم 800 بإصابات خطيرة، فضلًا عن الاضطرابات النفسية التي تعرض لها آلاف العسكريين الإسرائيليين، وتصنيف سلطات الاحتلال لـ3 آلاف جندي كأصحاب إعاقات دائمة في الجيش.

ويتزامن الحديث عن المرحلة الثالثة من الحرب مع سحب لواء غولاني البري من قطاع غزة، وهو أكبر ألوية جيش الاحتلال وأقدمها على الإطلاق، وذلك بعد الخسائر التي تكبدها خلال الأيام الماضية، فيما بررت وسائل إعلام عبرية هذا الانسحاب المفاجئ بأنه “لإعادة تنظيم صفوفهم والتقاط أنفاسهم، وزيارة أهاليهم لبضعة أيام”.

لم يكن لواء غولاني هو الانسحاب الوحيد لقوات جيش الاحتلال من غزة هربًا من الخسائر التي تعرض لها، فبعد ساعات قليلة من هذا الانسحاب تلاه إخراج قوات المظليين والمدرعات من القطاع كذلك، في تطور يعكس الكثير من ملامح المشهد الميداني بعيدًا عن التصريحات العنترية الصادرة عن جنرالات الكابينت.

الإعلان عن مرحلة جديدة رغم الفشل.. ما الدوافع؟

بعد أكثر من شهرين ونصف من الحرب التي لم تحقق أي من أهدافها، بعيدًا عن الخطاب الشعبوي الإسرائيلي الذي يغازل الرأي العام الداخلي، آملًا في امتصاص غضبه المتصاعد، يبقى السؤال: لماذا يعلن الاحتلال عن مرحلة جديدة من تلك الحرب وفي هذا التوقيت تحديدًا؟

المحلل العسكري والإستراتيجي الأردني فايز الدويري يرى أن التصور المقترح بشأن تلك المرحلة التي تنطوي على تقليص أعداد الجيش وإعادة تموضع وإنشاء منطقة عازلة بعمق يصل إلى كيلومترين على طول السياج وتشمل وادي غزة، ينسجم بشكل كبير مع رؤية الإدارة الأمريكية وتوجهاتها في الآونة الأخيرة بشأن التخلي عن العملية البرية التقليدية والبحث عن عمليات نوعية يحقق بها الاحتلال أهدافه.

واستعرض الدويري على حسابه على منصة “إكس” 6 أسباب رئيسية وراء إعلان جيش الاحتلال عن بدء المرحلة الثالثة من الحرب، هي: “الضغوط الاقتصادية على دولة الكيان، بدء الحملة الانتخابية الأمريكية في بداية العام الجديد، تراجع الدعم الدولي لدولة الكيان والشعور الأمريكي بالعزلة، صمود المقاومة وقدرتها على الاستمرار في القتال لأمد مفتوح، الرفض المطلق لهدنة  إنسانية لإطلاق الرهائن، إلخ”.

وتذهب تقديرات أخرى إلى أن تلك المرحلة قد تتضمن اغتيال قادة المقاومة، وهو السيناريو غير المستبعد الذي أعلن عنه وزير خارجية الاحتلال بشكل مباشر، فضلًا عن وزير الدفاع، في تصريحات خاصة، تلك التصريحات التي وصفتها حماس بأنها محاولة للبحث عن انتصار زائف وسط هذا الفشل.

ويستبعد الخبير العسكري لقناة “الجزيرة” إمكانية تحقيق الاحتلال لتلك الخطة، خاصة بعد فشله في إنجاز أي من أهداف المرحلتين السابقتين، رغم كل الوحشية التي أظهرها خلالهما، لافتًا إلى أنه “في الحرب غير المتناظرة إذا لم يهزم الضعيف فهو منتصر”.

مأزق الاحتلال وفخ إدارة بايدن

بعد 75 يومًا من الإجرام اللا إنساني ضد قطاع غزة، وتحويله إلى محرقة طاردة للحياة وغير قابلة للعيش، يحاول جيش الاحتلال المدعوم من كبريات جيوش العالم الخروج من هذا المستنقع بأقل الخسائر، باحثًا عن انتصار يحفظ ماء الوجه، ويحافظ على استقرار الجبهة الداخلية للكيان المحتل وصورته الخارجية التي تعرضت للتشويه والتقزيم في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي وتعاظمت خلال أيام الحرب السبعين.

ولأول مرة يطرق الاحتلال أبواب الوسطاء متسولًا صفقة مع المقاومة لتبادل الأسرى طويلة الأمد حتى ولو اُعتبرت انتصارًا لحماس، فليس هناك أي مشكلة لديه في تمرير هذا الأمر، لإنقاذه من وحل القطاع الغارق فيه ويتكبد يوميًا الخسائر الفادحة على المستويات كافة.

كما أن قطار الدعم العالمي الذي كان بمثابة الظهير السياسي الأكثر حضورًا للاحتلال بداية الحرب بدأ يتعرض لأعطال كثيرة، أسفرت عن انفلاته، عربة تلو الأخرى، ولم يعد يتبقى إلا العربة الأمريكية التي تواجه هي الأخرى انتقادات حادة بعد تصاعد الرأي العام ضدها، داخليًا وخارجيًا، ما تسبب في عزلها عن المجتمع الدولي الذي بدأ ينسحب تدريجيًا من قافلة دعم الاحتلال وجرائمه اللاإنسانية بحق الفلسطينيين.

ونتيجة لذلك استشعرت الولايات المتحدة الخطر على مصالحها التي باتت مهددة بسبب الشيك على بياض الذي منحته للاحتلال في انتهاكاته، وعليه جاء تراجع الخطاب على مضض، استجابة ورضوخًا لتلك الضغوط، وهو ما أفرز في النهاية عن قرار 2720 الصادر عن مجلس الأمن بالأمس والخاص بدخول المساعدات إلى قطاع غزة.

فالقرار رغم تفريغه من محتواه، يعد خطوة جيدة في مسار الانصياع الأمريكي للرأي العام الدولي ووضع الإدارة الأمريكية للغضب العالمي تحت مجهر الاهتمام، كما ذهب المحلل الفلسطيني، ياسر الزعاترة، خاصة بعد توسيع رقعة الحرب إثر دخول حزب الله والحوثيين على خط المعركة، ومخاوف خروج الأمر عن السيطرة بما يضع سمعة أمريكا ومصالحها في مرمى الاستهداف المباشر.

ويمكن القول إن صمود المقاومة وإدارتها للمعركة بشكل جيد، عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا ونفسيًا، وضع الاحتلال وأعوانه في مأزق كبير، الأول بفضح جرائمه وعنصريته من جانب، وهشاشة بنيته وضعف أدائه رغم الإمكانات الكبيرة من جانب آخر، والثاني من خلال كشف زيف شعاراتهم الإنسانية ومبادئهم المزيفة وازدواجيتهم الفاضحة.

ولذا كانت محاولات القفز من قارب الاحتلال لتبرئة الساحة والتطهر من المسؤولية هي السمة الأبرز لحلفاء الاحتلال من الأوروبيين خلال الأيام الأخيرة عبر تغير الخطاب الإعلامي والسياسي مقارنة بما كان عليه بداية المعركة، لتجد أمريكا نفسها وحيدة في ساحة غضب الرأي العام الدولي، وفي كفة واحدة مع الاحتلال وإجرامه الذي لا يتوقف.

وأسفرت تلك الضغوط التي تعمقها المقاومة يومًا بعد الآخر بثباتها وصمودها، مدعومة من الرأي العام العالمي، عن تغيرات جوهرية في الميدان، تجبر الاحتلال على إعادة تقييم المشهد والخروج من الفخ بأسرع وقت ممكن، لكن بصورة تحفظ له ماء وجهه وتوهمه بالنصر، فكان القفز للمرحلة الثالثة رغم الفشل في تحقيق أهداف المراحل السابقة.

عماد عنان

المصدر: موقع نون بوست




نتنياهو أراد إسقاط حماس لكنه يتجه نحو إسقاط “إسرائيل”

بعد القصف الإسرائيلي العنيف بشكل خاص خلال حصار بيروت في تموز/ يوليو 1982، اتصل الرئيس الأمريكي رونالد ريغان برئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن للمطالبة بوقف القصف، وقال ريغان: “هنا على شاشات تلفزيوننا ليلة بعد ليلة تظهر لشعبنا رموز هذه الحرب وهي محرقة”.

وخلافًا للديمقراطيين في البيت الأبيض اليوم؛ كان رئيس الولايات المتحدة الجمهوري قادرًا ومستعدًا لدعم أقواله بالأفعال، فقد أوقفت الولايات المتحدة الذخائر العنقودية وبيع طائرات إف 16 لإسرائيل.

وتختلف أرقام الضحايا المبلغ عنها في الحرب في لبنان بشكل كبير، فووفقًا للتقديرات اللبنانية، قُتل 18085 لبنانيًا وفلسطينيًا في الأشهر الأربعة التي تلت بدء الغزو، وكانت أرقام منظمة التحرير الفلسطينية هي: 49.600 مدني بين قتيل وجريح.

وفي غضون شهرين فقط، قتلت إسرائيل نفس العدد من الأشخاص، ولكنها ألحقت مستوى أعلى بكثير من الدمار في غزة.

ووفقًا لمحللين عسكريين أجرت صحيفة فايننشال تايمز مقابلات معهم؛ فإن الدمار الإسرائيلي في شمال غزة – حيث تم تدمير 68 بالمائة من المباني بحلول 4 كانون الأول/ ديسمبر – يفوق قصف الحلفاء لهامبورغ (75 بالمائة)، وكولونيا (61 بالمائة)، وكولونيا (61 بالمائة). دريسدن (59 بالمائة)، وهذا ما حدث لهذه المدن بعد سنتين من القصف.

لقد قُتل ما يقرب من 20 ألف فلسطيني؛ 70 بالمائة منهم من النساء والأطفال، في نصف الوقت الذي استغرقه إجبار منظمة التحرير الفلسطينية على مغادرة بيروت الغربية في سنة 1982، وما زالت شهوة إسرائيل للدماء لم تتوقف بعد هجوم حماس في 7 تشرين الأول/ أكتوبر.

وفي تعبيره عن المزاج الشعبي؛ قال تسفي يحزكيلي، مراسل الشؤون العربية في القناة 13، إنه كان ينبغي على إسرائيل أن تقتل 100 ألف فلسطيني. وقالت دانييلا فايس، رئيسة حركة الاستيطان الإسرائيلية، إنه يجب محو غزة حتى يتمكن المستوطنون من رؤية البحر.

الأرض المقدسة

وعلى عكس حصار بيروت أو مجازر سنة 1982 في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين، فإن القصف الليلي على غزة يتم بثه مباشرة على قناة الجزيرة.

ولا يستطيع ملايين العرب أن يبتعدوا عن مشاهدة مشاهد الرعب في الوقت الحقيقي، لقد قالت امرأة تبلغ من العمر 91 سنة في عمان بالأردن، لابنها إنها تخجل من تناول وجبتها أمام التلفزيون بينما تقوم إسرائيل بتجويع غزة؛ حيث إن التجويع الجماعي القسري ليس مبالغة.

واتهمت منظمة هيومن رايتس ووتش إسرائيل باستخدام المجاعة الجماعية كسلاح في الحرب؛ حيث إن تجويع غزة كسياسة حكومية أكدته ميري ريجيف، وزيرة النقل، التي تساءلت في اجتماع مجلس الوزراء الأخير عما إذا كان التجويع قد يؤثر على قيادة حماس. وكان لا بد من تصحيحها من قبل زملائها بأن المجاعة كانت جريمة حرب.

إن التأثير الذي تحدثه هذه الصور هو كارثة ليس فقط على هذه الحكومة، أو على أي حكومة إسرائيلية مستقبلية، ولكن على أي عدد من اليهود يقررون البقاء في هذه الأرض عندما ينتهي هذا الصراع أخيرًا.

إن الدمار الذي لحق بغزة يرسي الأساس لخمسين سنة أخرى من الحرب، فلن تنسى أجيال من الفلسطينيين والعرب والمسلمين أبدًا الهمجية التي تقوم بها إسرائيل بتفكيك القطاع اليوم. إن غزة، وهي في حد ذاتها مخيم كبير للاجئين، أصبحت أرضًا مقدسة.

تراجع الدعم للسلطة الفلسطينية

إن هناك إسرائيليون فهموا الرسالة، ومن بينهم عامي أيالون، رئيس الشاباك السابق وقائد البحرية، والذي حدد نقطة ضعف أساسية في التفكير التقليدي في الدوائر الأمنية الإسرائيلية.

فقد أخبر آرون ديفيد ميلر، وهو محلل أميركي متخصص في شؤون الشرق الأوسط، أنه في حين يرى الجيش الإسرائيلي النصر من خلال منظور القوة الصارمة – فكلما زاد عدد الأشخاص الذين قتلوا ودمر المزيد، كلما زاد اعتقاده بأنه فاز – فإن حماس تنظر إلى النصر من خلال القوة الصلبة. ومن منظور “القوة الناعمة”؛ كلما اكتسبت المزيد من القلوب والعقول، كلما كان النصر أعظم.

ويرتكب الإسرائيليون نفس الخطأ الذي ارتكبه الفرنسيون في الجزائر عندما قتلوا ما بين نصف مليون إلى 1.5 مليون جزائري، مما يشكل 5 إلى 15 بالمائة من السكان، بين سنتي 1954 و1962، معتقدين أنهم بذلك سينتصرون في الحرب. ومع ذلك؛ بحلول نهاية الحرب، كان عليهم المغادرة ومنح الجزائر استقلالها.

لا شيء آخر يمكن أن يفسر الصعود المذهل الذي حققته حماس في استطلاعات الرأي في الضفة الغربية والأردن، بل وحتى في أماكن مثل السعودية؛ حيث حاولت قياداتها عمدًا دفن الحرب من خلال إقامة المهرجانات.

وقد وجد خليل الشقاقي؛ خبير استطلاعات الرأي التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية والذي يحظى باحترام واسع، وهو ليس من محبي حماس، أن 72 بالمائة من المشاركين يعتقدون أن حماس كانت “على حق” في شن هجومها في 7 تشرين الأول/ أكتوبر، بينما أيدها 82 بالمائة في الضفة الغربية.

وفي الوقت نفسه؛ انخفض الدعم المقدم للسلطة الفلسطينية تبعًا لذلك؛ حيث وجد الشقاقي أن 60 بالمائة يريدون حله. وتؤكد سلسلة من التقييمات الاستخباراتية الأميركية الارتفاع الكبير في شعبية حماس منذ بداية الحرب، ويقول مسؤولون مطلعون على التقييمات المختلفة إن الجماعة نجحت في وضع نفسها في أجزاء من العالم العربي والإسلامي كمدافع عن القضية الفلسطينية ومقاتل فعال ضد إسرائيل، حسبما ذكرت شبكة سي إن إن.

وهذه أخبار سيئة بالنسبة لكل تلك البلدان ـ وعلى رأسها الولايات المتحدة بطبيعة الحال ـ التي تتصور أن السلطة الفلسطينية قادرة على الحلول محل حماس في غزة، وهذه ليست مجرد أرقام؛ إنه الواقع السياسي الجديد بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر.

وأي أحد من كبار فتح يقول خلاف ذلك يتم تحديه على الفور، واليوم يظهر الفلسطيني الكبير الطموح المنفي محمد دحلان وعشيرته وكأنه من أنصار حماس منذ فترة طويلة، وليس مثل العمود الفقري السابق لمؤامرة دولية لطرد حماس من غزة في سنة 2007 بمجرد فوزها في انتخابات حرة في العام السابق على ذلك.

الصفقة المنجزة

لكن خليفة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، حسين الشيخ، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، لم يلحظ بعد تغير المزاج في رام الله.

وفي حديث لرويترز هاجم الشيخ حماس قائلًا إنها خاضت خمس حروب ضد إسرائيل منذ سنة 2008 ولم تحقق شيئًا بمحاربة الاحتلال عسكريًا، وأضاف: “من غير المقبول أن يعتقد البعض أن أسلوبهم وطريقتهم في إدارة الصراع مع إسرائيل كان الأمثل والأفضل”.

وتابع: “بعد كل هذا [القتل] وبعد كل ما يحدث، ألا يستحق الأمر إجراء تقييم جدي وصادق ومسؤول لحماية شعبنا وقضيتنا الفلسطينية؟”، وقال الشيخ: “ألا يستحق الحديث عن كيفية إدارة هذا الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي؟”.

أما بالنسبة لتولي السلطة الفلسطينية السلطة في غزة بعد الحرب، فقد كانت هذه صفقة محسومة، كما بدا أن الشيخ يشير ضمنًا. وقال للقناة 12 الإسرائيلية إن إسرائيل والسلطة الفلسطينية اتفقتا على آلية تسمح للسلطة بتلقي الأموال المحتجزة منذ بداية الحرب.

لقد استغرق الأمر يومين كاملين قبل أن يتراجع الشيخ 180 درجة عن هجومه على حماس، وسئل كيف يمكن لزعيم فتح الذي حصل على نسبة 3 بالمائة أن ينتقد حماس، التي حصلت على 48 بالمائة من الأصوات، على أرضه.

وفي حديثه هذه المرة لقناة الجزيرة؛ قال الشيخ إن تعليقاته حول مساءلة حماس: “تم تحريفها”، وقال لقناة الجزيرة بتوتر: “السلطة الفلسطينية هي أول من يدافع عن المقاومة”.

تقسيم وحكم

لقد أدى الهجوم الإسرائيلي على غزة إلى تغيير منطقة الشرق الأوسط بالكامل، كما وعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ولكن ليس على النحو الذي قد تستفيد منه حكومته أو الحكومات المستقبلية.

لمدة 17 سنة؛ ظلت غزة منسية أو متجاهلة من قبل بقية العالم باستثناء حروب السنوات 2009 و2012 و2014 و2021؛ حيث بذلت أمريكا والقوى الأوروبية الكبرى قصارى جهدها لتعزيز الحصار الذي تفرضه إسرائيل ومصر في عهد عبد الفتاح السيسي على غزة.

حسنًا؛ مع تدمير 60 بالمائة منها ومع وجود 2.3 مليون شخص لا يملكون منازل أو مدارس أو مستشفيات أو طرق أو متاجر أو مساجد للعودة إليها، لم يعد هناك خطر من تجاهل غزة بعد الآن.

وإذا كانت السياسة التي تنتهجها إسرائيل طيلة سبعة عشر سنة تتلخص في مبدأ “فرق تسُد” من خلال فصل غزة عن الضفة الغربية وإزالة كل احتمالات المشاركة في حكومة وحدة وطنية، فإن غزة والضفة الغربية سوف يتوحدان من جديد على نحو لم يسبق له مثيل.

لو كان الأردن هادئًا لمدة 50 سنة بعد الحرب الدموية بين جيشه ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولو أن الانقسامات بين الأردنيين الشرقيين والمواطنين الفلسطينيين في الأردن اتسمت بعدم الثقة المتبادلة؛ فإن الأردن اليوم، الأردنيون والفلسطينيون على حد سواء، هو خزان يغلي من الكراهية ضد إسرائيل. وهناك محاولات متزايدة لتهريب الأسلحة إلى الضفة الغربية عبر حدود يبلغ طولها 360 كيلومترًا، أي أكثر من أربعة أضعاف حدودها مع لبنان وسوريا.

ويعتقد الأردن أن إسرائيل ستحتاج إلى خمسة أضعاف عدد القوات التي تواجه لبنان لتأمين هذه الحدود، ومع وجود 13 مخيمًا للاجئين وملايين الفلسطينيين كمواطنين؛ يعد الأردن أكبر مُجمع للفلسطينيين في الشتات، بحوالي ستة ملايين، وهو ما يفوق عدد الفلسطينيين الذين يعيشون في الضفة الغربية وقطاع غزة.

أشخاص يحملون لافتات خلال احتجاج لدعم الفلسطينيين في غزة، في عمان، الأردن في 1 كانون الأول/ ديسمبر 2023.

إذا كان نتنياهو، في 6 تشرين الأول/ أكتوبر، كان يتبجح بأن انتصار الصهاينة كان وشيكًا، ملوحًا بخريطة إسرائيل أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي محت فلسطين من الخريطة، فإن تفاخره اليوم يبدو في غير محله على الإطلاق، إذا كان توقيع السعودية على صفقة الاعتراف بإسرائيل يعتبر مجرد مسألة وقت؛ فإن اتفاقيات إبراهيم قد ذابت اليوم في المرجل الذي أشعلته إسرائيل في غزة.

نتنياهو و”لعبة اللوم”

وما هو الرأي في السعودية؟ يحتوي الاستطلاع الأخير على رقمين مذهلين لبلد يحاول زعيمه عن وعي التخلص من الأساليب القديمة، بما في ذلك دعم فلسطين؛ حيث يوافق 91 بالمائة على أن الحرب في غزة هي انتصار للفلسطينيين والعرب والمسلمين، و40 بالمائة لديهم مواقف إيجابية تجاه حماس، وهو ما يمثل تحولًا بمقدار 30 نقطة عن شهر آب/ أغسطس من هذه السنة.

واليوم، إذا قرأت واستمعت إلى ما يقوله السعوديون والبحرينيون والقطريون والإماراتيون؛ فإن الاعتراف بإسرائيل يحمل تشابهًا صارخًا مع مبادرة السلام العربية لسنة 2002، والتي صُممت الاتفاقيات لتحل محلها.

وكانت السمة الرئيسية لاتفاقيات إبراهيم كما وضعها السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، وجاريد كوشنر، هي جعل حق النقض الفلسطيني غير ذي صلة، والآن عاد مرة أخرى. وحتى لو وقعت المزيد من الدول على الاتفاق؛ فإن ذلك يصبح غير ذي صلة؛ حيث يتبلور القتال الحقيقي بين الفلسطينيين وإسرائيل.

ووسط أنقاض كل هذه الخطط، لم يعد أمام نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف سوى طريق واحد للمضي قدماً – وهو المضي قدماً؛ لا يمكنهم التراجع.

ومن أجل بقائه السياسي والقانوني، يتعين على نتنياهو مواصلة الحرب، وكذلك الأمر بالنسبة للصهيونية الدينية القومية؛ حيث يعلم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش أنهما سيخسران فرصة العمر لتغيير التوازن الديموغرافي لليهود والفلسطينيين في الضفة الغربية إذا أجبر الرئيس الأمريكي جو بايدن نتنياهو على إنهاء الحرب.

وعندما سأل موقع ميدل إيست آي عن خطط إسرائيل لليوم التالي لانتهاء الحرب، أجمع كبار المحللين والدبلوماسيين الإسرائيليين السابقين على إجابتهم؛ لم يكن هناك أي شيء.

وقال عيران عتصيون، الدبلوماسي السابق وعضو مجلس الأمن القومي، إن نتنياهو كان يفكر بالفعل في اليوم التالي، ولكن فقط بقدر ما يؤثر ذلك على فرصه في البقاء السياسي، وأضاف: “من الواضح جدًا أنه أدرك بالفعل أن الأمريكيين سيوقفونه قبل أن يحقق أهداف الحرب؛ إنه يستعد بالفعل لـ”لعبة اللوم”، التي سيكون هدفه فيها هو بايدن والقادة العسكريين ووسائل الإعلام، وكما نقول بالعبرية، العالم كله وزوجته التي منعته من تحقيق النصر”.

وتابع: “بالنسبة له، اليوم التالي هو استمرار الحرب بأي وسيلة، والهدف هو البقاء في السلطة”.

وأشار عتصيون إلى أنه حتى بعد شهرين من الحملة، لم يكن هناك منتدى رسمي أو مجموعة من المسؤولين يخططون للحكم في غزة بعد الحرب، ولم تكن هناك مناقشات رسمية بين مؤسسة الدفاع الإسرائيلية والمسؤولين الأمريكيين في واشنطن.

سوء تقدير مذهل

وربما تنتهي الحرب تحت ضغط الولايات المتحدة، وتستمر كنزاع يتسم بضربات يشنها الجيش الإسرائيلي ضد قيادة حماس وحرب عصابات طويلة الأمد ينفذها مقاتلون يعملون في وحدات صغيرة.

لكن هذا لا يعني قيام إسرائيل بالاستيلاء على معبر رفح وإغلاق الأنفاق لمنع حماس من إعادة التزود بالأسلحة المهربة عبر الحدود فحسب؛ بل يعني أيضًا قيام إسرائيل بتوفير الإدارة المدنية لشمال غزة الذي دمرته بالكامل.

وبالنسبة للجناح اليميني؛ فإن الرهائن الذين لا تزال حماس تحتجزهم هم في حالة موت، لكن نتنياهو سوف يتعرض لضغوط متزايدة من عائلاتهم لحمله على التخلي عن حربه.

“ميتوت حماس” أو “انهيار حماس” هو الشعار باللغة العبرية وهو هدف حكومة الحرب الإسرائيلية. وبعد شهرين من هذا التدمير، يمكنهم أيضًا تعديل هذا ليصبح “ميتوت إسرائيل”، لأن هذا هو التأثير الذي قد تحدثه هذه الحرب

إن أشباح لبنان تعود حقًا لتطارد إسرائي، فلقد استغرق الأمر 15 سنة حتى تغادر إسرائيل بعد أن أصبحت بيروت في وضع لا يمكن الدفاع عنه، لكنهم غادروا في سنة 2000. وعندما فعلوا ذلك، أصبح حزب الله القوة العسكرية والسياسية المهيمنة في البلاد.

لقد كانت هذه الحرب بمثابة سوء تقدير مذهل بالنسبة لإسرائيل؛ فضلًا عن كونها كارثة أخلاقية، فهي كارثة عسكرية أيضا. لقد منحت المقاومة شعبية ومكانة في العالم العربي لم يسمع بها أحد منذ عقود عديدة.

وحتى الانتفاضة الأولى والثانية لم تحققا نفس النجاح الذي حققته حماس في غزة خلال الشهرين الماضيين، فلقد أشعلت غزة من جديد جذوة الغضب العربي بسبب إذلالها على أيدي المهاجرين اليهود.

ومن الممكن أن تكون نتيجة هذه الحرب حالة مستمرة من الصراع، الأمر الذي سيحرم إسرائيل من الادعاء بأنها أصبحت دولة عادية على النمط الغربي. وفي ظل هذه الظروف، فإن خطر توسع الحرب سيكون موجودًا دائمًا، كما تظهر هجمات الحوثيين في اليمن على السفن الغربية التي تمر عبر البحر الأحمر.

“ميتوت حماس” أو “انهيار حماس” هو الشعار باللغة العبرية وهو هدف حكومة الحرب الإسرائيلية. وبعد شهرين من هذا التدمير، يمكنهم أيضًا تعديل هذا ليصبح “ميتوت إسرائيل”، لأن هذا هو التأثير الذي قد تحدثه هذه الحرب.

ديفيد هيرست

المصدر: ميدل إيست آي

ترجمة: موقع نون بوست




هدايا العيد: قنابل وصواريخ على الكنائس والمساجد والقبور

باتت الآثار والأضرحة التاريخية والأماكن الدينية، تحديداً تلك التي بُنيت منذ آلاف السنين، أهدافاً عسكرية تتعرّض للقصف والتدمير المنهجي، وكأن التاريخ هو العدو الذي يجب أن يُقضى عليه. الخطورة تكمن في العقليّة التي تقف وراء هذا التدمير المتعمّد وليس العرضي. لذلك حظيت أماكن العبادة وغيرها من المعالم التراثية والحضارية بمكانة خاصة في الصكوك الدولية التي أسبغت عليها حماية قانونية أثناء النزاعات المسلّحة الدولية وغير الدولية. وقد أكد إعلان اليونسكو لعام 2003 بشأن التدمير المتعمّد للتراث الثقافي على أهميته والالتزام بمكافحة تدميره المتعمّد بأي صورة من الصور، ليمكن نقل هذا التراث إلى الأجيال القادمة، ووجوب أن تتّخذ الدول جميع التدابير الملائمة أثناء النزاعات المسلحة، وفي زمن الاحتلال على نحوٍ يكفل حماية التراث الثقافي وفقاً للقانون الدولي، وعلى أطراف النزاع التزام بسط الحماية الضرورية للممتلكات الثقافية والحيلولة دون تدميرها أو نهبها أو العبث بها.

الاعتداءات الإسرائيلية على المقدّسات في فلسطين سياسة ممنهجة يتّبعها الكيان المحتل ضد المقدسات الإسلامية والمسيحية. فمنذ احتلالها عام 1967 للضفة الغربية والقدس، تتواصل الاعتداءات على المسجد الأقصى على نحوٍ متكرر، وأبرزها إحراق المسجد في 21 آب 1969، ومنع المصلّين من الصلاة فيه وتدنيسه من قوات الاحتلال ومستوطنيه واقتحامه على نحو استفزازي مستمر، والتهديد بهدمه والقيام بأعمال حفر وخلخلة أساساته سعياً لبناء هيكلهم المزعوم. كذلك لم تسلم أماكن العبادة المسيحية من الانتهاكات الإسرائيلية، من بينها الاعتداء على كنيسة بئر يعقوب للروم الأرثوذكس وسرقة كنائس عدة والاستيلاء على عقارات تعود لإلى الوقف المسيحي، واحتلال القوات الإسرائيلية للكنيسة اللوثرية في بيت جالا، إضافة إلى إطلاق دعوات يهودية متطرّفة إلى حرق الكنائس والاعتداء على مشاركين في مسيرات شعائرية مسيحية وغيرها.

قصف متعمّد للأماكن الدينية في غزة

أماكن العبادة كانت أيضاً ضمن الأهداف المباشرة للطيران الإسرائيلي الهمجي ضد غزة. يوثّق تقرير صادر عن مبادرة التراث من أجل السلام (منظمة غير حكومية تُعنى بحماية التراث الإنساني المعرّض للخطر مركزها إسبانيا) في السابع من تشرين الثاني 2023، المعالم الأثرية والدينية التي تعرّضت للدمار الكلّي أو الجزئي. من بين هذه المعالم التي دُمّرت بالكامل: كنيسة جباليا البيزنطية، كنيسة برفيريوس الأرثوذكسية، المسجد العمري، مسجد الشيخ شعبان ومسجد الظفر دمري، ومقبرة دير البلح، ودير القديس هيلاريون، ومقام خليل الرحمن، ومسجد السيد هاشم، ومقام الخضر، ومقام النبي يوسف. فماذا نعرف عن تلك المعالم الدينية؟
كنيسة جباليا البيزنطية تعود إلى العهد البيزنطي، بُنيت في عام 444 ميلادية. فيما كنيسة برفيريوس من أقدم الكنائس الأثرية في البلدة القديمة في غزة، وتقع في حي الزيتون. بُنيت عام 425 ميلادية على يد القديس برفيريوس وهي تضم ضريحه. أما مقبرة دير البلح فمن أهم المقابر التاريخية والأثرية، وتعكس تاريخ الشعب الفلسطيني على مدى عصور عدة، وقد كشفت تنقيبات أثرية بين عامَي 1972 و1982 أنّها أهم مقبرة تعود إلى العصر البرونزي المتأخّر، وتُنسب إلى ما يسمى «ملوك الفلسطينيين». ويعود تأسيس مسجد الظفر دمري إلى العصر المملوكي على يد الأمير شهاب الدين أحمد بن أزفير الظفر دمري. وتُعد تلّة أم عامر، وهي موقع القديس هيلاريون (في النصيرات)، من أبرز المعالم الدينية الأثرية وارتبط اسمها باسم القديس هيلاريون الذي عاد إلى غزة بعد رحلة روحية قضاها مع القديس أنطونيوس في صحراء سيناء، وأسّس ديراً للتنسّك في خربة أم عامر عام 329 ميلادية، والموقع كان مسجلاً ضمن اللائحة التمهيدية للتراث العالمي. وألحق القصف الهمجي الإسرائيلي أضراراً بأرضية فسيفساء لبقايا كنيسة أصلان البيزنطية. ويعتبر مسجد السيد هاشم من أشهر المساجد في غزة وأقدمها، وهو يضم ضريحاً تحت قبّته، يُعتقد أنه يعود إلى السيد هاشم بن عبد مناف، الجد الأكبر للنبي محمد(ص)، وبه تُعرف باسم غزة هاشم. المسجد العمري الكبير هو من أكبر مساجد غزة وأقدمها ويقع في مدينة غزة القديمة، وقد أُطلق عليه هذا الاسم تكريماً للخليفة عمر بن الخطاب، وهو يقع فوق معبد قديم، حوَّله البيزنطيون إلى كنيسة في القرن الخامس الميلادي، وبعد الفتح الإسلامي في القرن السابع حوَّله المسلمون إلى مسجد. وقد وصفه الرحالة والجغرافي ابن بطوطة، في القرن العاشر الميلادي، بـ«المسجد الجميل».

الجيش الإسرائيلي اعتدى على كنيسة جباليا البيزنطية وكنيسة برفيريوس الأرثوذكسية ودير القديس هيلاريون والمستشفى الأهلي المعمداني

إسرائيل بقصفها لكل المعالم التراثية الروحية تُضيف إلى سجلّها الإجرامي جريمة حرب أخرى، وهي تعمد إلى تدمير الأماكن الدينية التي تجسّد البُعد التاريخي والحضاري لفلسطين، بهدف طمس الهوية الثقافية لفلسطين التي تهدّد الادعاءات الصهيونية وتفضح تزييفها للتاريخ.

وقد نجحت فلسطين عندما انضمت إلى منظمة اليونسكو في 31 تشرين الأول 2011، في تسجيل ثلاثة مواقع فلسطينية على لائحة التراث العالمي، هي كنيسة المهد ومسار الحجّاج في بيت لحم (2012). وفي عام 2017 استطاعت أن تسجل البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي في الخليل كتراث ثقافي فلسطيني. وفي أيلول الماضي، صدر قرار عن اليونسكو بإدراج أريحا (تل السلطان) على لائحة التراث العالمي، وكان العمل جارياً لإعلان المواقع الأثرية والدينية في غزة تراثاً عالمياً.

حماية التراث الروحي في الصكوك الدولية

لا جدال في أن الاعتداءات الإسرائيلية على الأماكن المقدسة هو انتهاك جسيم للقانون الدولي الإنساني الذي يمثل المستوى الأول لحماية الممتلكات الثقافية في حالات النزاع المسلّح. فقد كُرّس أول نصوصه في اتفاقية بروكسل لعام 1874 للنظر في قوانين الحرب وأعرافها، وكان أحد أهدافها حماية دور العبادة من النزاع المسلّح، ونصّ على وجوب اتخاذ كل التدابير الضرورية لتجنيب المباني المخصّصة للعبادة والفنون والعلوم الضرر، وتبعته اتفاقية لاهاي الثانية لعام 1907 التي تنصّ في المادة 27 على أنه «في حالات الحصار أو القصف، يجب اتخاذ كل التدابير اللازمة لتفادي الهجوم قدر المستطاع على المباني المخصّصة للعبادة»، والمادة 56 التي تنص على أنه «يجب معاملة ممتلكات البلديات وممتلكات المؤسسات المخصّصة للعبادة والأعمال الخيرية والتربوية، والمؤسسات الفنية والعلمية، كممتلكات خاصة، حتى عندما تكون ملكاً للدولة، ويُحظّر كلّ حجز أو تدمير أو إتلاف عمدي لمثل هذه المؤسسات… وتتخذ الإجراءات القضائية ضد مرتكبي هذه الأعمال». كذلك تنص البروتوكولات الإضافية لعام 1977 الملحقة باتفاقيات جنيف لعام 1949 على الحماية ذاتها. كما جاء في المادة 53 من البروتوكول الإضافي الأول أنه «تحظّر الأعمال الآتية: ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجّهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكّل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب».
المستوى الثاني من الحماية تؤمنه اتفاقية لاهاي لعام 1954، وهي الحجر الأساس لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاع المسلّح سواء كان دولياً أو داخلياً. وبموجب هذه الاتفاقية، يتعين على الأطراف حماية جميع الممتلكات الثقافية، سواء كانت داخل أراضيها أو داخل أراضي الدول الأطراف الأخرى، عبر توفير الحماية العامة، وهي أولاً صون ممتلكاتها الثقافية من الآثار التي قد تنجم عن نزاع مسلّح (المادة 3) والامتناع عن استعمالها لأي غرض من شأنه أن يعرّضها للتدمير أو التلف في حالة نزاع مسلّح، وثانياً الامتناع عن توجيه أي عمل عدائي إزاء تلك الممتلكات الثقافية. وثالثاً حظر ومنع أي شكل من أشكال السرقة أو النهب أو التبديد للممتلكات الثقافية ووقف تلك الأعمال وحظر أي عمل تخريبي موجّه ضدها. أما في حالة الاحتلال فقد نصّ البروتوكول الأول لاتفاقية عام 1954 المتعلق بوضع الممتلكات الثقافية تحت الاحتلال في المادة الخامسة منه، على أنه يتعين على الدول الأطراف التي تحتل أراضي إحدى الدول الأطراف الأخرى وقاية ممتلكاتها الثقافية والمحافظة عليها بقدر المستطاع.

ماذا عن مسؤولية مرتكبي الاعتداء على أماكن العبادة أثناء النزاع المسلّح؟

وفقاً للاتفاقيات السابقة، تتحمل الدولة أولاً مسؤولية مدنية وفقاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية عام 1954 التي ترتب المسؤولية المدنية على الدولة المعتدية، بوجوب إعادة الحال إلى ما كان عليه أولاً، فإذا استحال ذلك عليها تقديم التعويض المالي وتقديم اعتذار رسمي. أما المسؤولية الجنائية فتترتب على الأفراد مرتكبي الاعتداءات، وهو ما نص عليه القانون الجنائي الدولي، وتحديداً بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي اعتبرت مادتها الثامنة أنه تجوز محاكمة من يقوم بالهجمات التي تستهدف عمداً المباني المخصصة للشعائر الدينية أو للأنشطة التعليمية أو الخيرية والآثار التاريخية والمستشفيات، شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية في نزاع دولي أو غير دولي، وتعتبر هذه الهجمات جرائم حرب.
الجدير ذكره في هذا السياق، أنّ عدم الانضمام لأي من هذه الاتفاقيات الدولية لا يعفي الدولة من الالتزام بما يفرضه القانون الدولي المدوّن، إذ إن كل النصوص المدوّنة في الاتفاقيات السابقة باتت جزءاً من القواعد الدولية العرفية الملزمة للدول.
 

القضاء الدولي ومعاقبة المعتدين

شهدت الحرب التي وقعت في يوغسلافيا السابقة تدمير مئات المواقع الدينية والثقافية بشكل منهجي. وأكدت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابق، أن تدمير التراث الثقافي يُعد جريمة بموجب القانون الدولي العرفي. كما قررت أن الجرائم الممنهجة ضد التراث الثقافي يمكن أن ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، «لأن البشرية جمعاء تتأذّى بالفعل من تدمير ثقافة دينية فريدة». ويعتبر حكمها الصادر في آذار 2004 سابقة قضائية، إذ أدانت المحكمة متهمين لارتكابهم جرائم دولية عدة، من بينها التدمير أو الضرر المتعمّد لمؤسسات مكرّسة للدين أثناء حصار مدينة دوبروفنيك الكرواتية عام 1991.
كذلك أدانت المحكمة الجنائية الدولية في حكم صدر عام 2017 المدعو أحمد الفقي المهدي لارتكابه جريمة حرب تتمثل في شن هجمات ضد مبانٍ مخصّصة للأغراض الدينية وآثار تاريخية أدت إلى تدمير مسجد تاريخي، إضافة إلى الأضرحة التراثية بين 30 حزيران و11 تموز 2012. وقد غرّمته المحكمة بمبلغ 2,7 مليون يورو تُدفع لأهالي تمبكتو ومبلغ رمزي آخر قيمته يورو واحد لدولة مالي ولمنظمة اليونسكو.
وشكّل حكم المحكمة الجنائية الدولية سابقة قضائية أيضاً. فقضية أضرحة تمبكتو كانت أول دعوى تنظر فيها المحكمة بشكل مباشر في مسألة الاعتداء على مبان مخصّصة لأغراض دينية. ولكن السؤال: هل ستتكرر مثل هذه الدعوى في المستقبل ضد الكيان الصهيوني؟ فجريمة التدمير المتعمّد للمواقع الدينية، وإن باتت جريمة حرب، فإن توقيع العقوبة مرتبط بالإرادة السياسية للدول المعنية، والقضاء الدولي بأنواعه لا يستطيع التحرّك ما لم تتوافر هذه الإرادة.

لونا فرحات

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




مسيحيون قلقون على مصير أحبائهم في قطاع غزة وسط الحرب

لن يحتفل المسيحيون في قطاع غزة الذي يشهد حرباً مدمّرة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بعيد الميلاد، تماماً كما هي حال مواطنيهم الفلسطينيين في كلّ الوطن المحتلّ. ويعبّر أقارب هؤلاء في خارج غزة عن قلقهم على أحبائهم وسط المذبحة التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي.

خليل صايغ واحد من هؤلاء، وهو لم يعد قادراً على النوم أو العيش بطريقة طبيعية منذ شهرَين بسبب شعوره بالخوف والقلق على عائلته في قطاع غزة. قبل أيام من عيد الميلاد، تلقّى خبر وفاة والده في داخل كنيسة نزح إليها في مدينة غزة شماليّ القطاع المحاصر والمستهدف من قبل الاحتلال.

ويروي صايغ البالغ من العمر 29 عاماً والمقيم في الولايات المتحدة الأميركية لوكالة فرانس برس: “ذهب والداي إلى كنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية. شقيقتي موجودة كذلك في تلك الكنيسة. شقيقتي الأخرى وزوجها في كنيسة القديس برفيريوس (التابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية) مع أطفالهما الثلاثة، وقد ولد أحدهم في خلال الهدنة” التي طُبّقت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي واستمرّت أسبوعاً.

يضيف صايغ: “تلقّيت خبر وفاة والدي من طريق قريب في رام الله (في وسط الضفة الغربية المحتلة) كان قد تواصل معه أحد الكهنة”، موضحاً أنّ الوفاة حصلت بسبب نقص الرعاية الطبية الملائمة له.

يُذكر أنّ النظام الصحي في شمال قطاع غزة انهار كلياً، بحسب ما أكدت منظمة الصحة العالمية أخيراً.

ويوضح صايغ أنّ التواصل نادر جداً مع أفراد عائلته، في ظلّ الانقطاع الكبير للكهرباء والإنترنت والاتصالات منذ بدء الحرب على غزة. ويتابع: “لم أتواصل معهم مباشرة منذ أسابيع”، مشيراً إلى أنّ ما يحدث في العادة، أنّ أحد النازحين الذي يملك شريحة هاتف تابعة لشبكة اتصالات خلوية يتواصل مع شخص في خارج القطاع، فيتولّى الأخير نقل الأخبار، “وهكذا يخبر أحدنا الآخر أنّ عائلتك بخير”، على سبيل المثال.

لا صوت للناس في قطاع غزة

ويصف صايغ الذي يعمل في مجال البحوث السياسية في الولايات المتحدة الأميركية كيف تمرّ “أيام وأيام من دون أن نتلقّى أيّ خبر. نعيش في خوف وشعور بعدم اليقين. لا نعرف إذا كانوا (الأهل) على قيد الحياة أو لا، إذا كانوا جياعاً أو يأكلون، إذا كانوا قادرين على الوصول إلى المياه أو لا”.

وإذ يؤكد أنّ “الطعام غير متوافر، وأنّ ثمّة نقصاً شديداً في المياه ونقصاً في الغذاء ونقصاً في الاحتياجات الأساسية”، يصف الأمر بأنّه “صعب جداً”.

يُذكر أنّ 1.9 مليون من سكان قطاع غزة نزحوا وفقاً لبيانات الأمم المتحدة، نتيجة القصف الذي يترافق منذ 27 أكتوبر الماضي بهجوم بري ومعارك على الأرض.

ويقول خليل صايغ إنّ حياته توقّفت بالفعل، مؤكداً بقوله: “لا أستطيع العمل بنسبة 100 في المائة. الأمر الوحيد الذي يدفعني إلى الاستمرار، أنّني أتحدث عمّا يحدث. أتذكّر أنّ الناس في غزة لا صوت لهم”.

وأوقف صايغ دراسته التي كان ينوي من خلالها الحصول على شهادة في حقوق الإنسان بعد الحرب، “لأنّني لم أعد أرى طريقة لتطبيقها في هذا الوقت”، بالإضافة إلى الضغوط التي يشعر بها وتمنعه من التركيز.

وصايغ الذي نشأ في غزة، لم يلتقِ عائلته منذ أعوام. لكنّه يتابع أخبارها، ويروي أنّ شقيقته أنجبت طفلاً في “وقت الهدنة وأسمته خضر. لم أرَ صورته، كلّ ما أعرفه عنه أنّه موجود”. ولصايغ شقيق أصغر في مدينة خانيونس في جنوب القطاع، و”هو مريض (…) يخضع لجلسات غسل كلى هناك”.

تشييع شهداء كنيسة القديس برفيريوس في غزة (علي جاد الله/ الأناضول)
من مراسم جنازة شهداء كنيسة القديس برفيريوس في غزة (علي جاد الله/ الأناضول)

كنائس قطاع غزة في مرمى نيران الاحتلال

وكانت كنيسة القديس برفيريوس قد تعرّضت في 19 أكتوبر الماضي لقصف إسرائيلي، استشهد في خلاله نحو 20 فلسطينياً كانوا قد لجأوا إلى المرافق التابعة للكنيسة بعدما ظنّوا أنّها أكثر أماناً من بيوتهم.

وفي 16 ديسمبر/ كانون الأول الجاري استشهدت امرأتان في كنيسة العائلة المقدسة بمدينة غزة في ظروف مشابهة. وقد ندّد البابا فرنسيس حينها بأنّ “مدنيين من دون حماية يُستهدفون بقصف وإطلاق نار”، فيما ادّعت السلطات الإسرائيلية أنّ مسلحين من حركة حماس كانوا موجودين في المنطقة.

ويفيد مسؤولون في كنائس مسيحية في قطاع غزة بأنّ عدد المسيحيين الذين يعيشون في قطاع غزة اليوم يقارب الألف، بعد أن كانوا سبعة آلاف قبل عام 2007.

وتروي راهبة في القدس المحتلة، طلبت عدم الكشف عن هويتها، لوكالة فرانس برس أنّ راهبتَين من رهبانية الوردية المقدسة موجودتان حالياً في كنيسة العائلة المقدسة بمدينة غزة. وتشير إلى أنّ “التواصل معهما يجري بصعوبة شديدة، مرّة كلّ ثلاثة إلى أربعة أيام. كلّ ما نسمعه منهما، أنّهم (الموجودون في الكنيسة) بخير. وتطلبان منّا أن نصلّي من أجلهم”.

وتوضح الراهبة أنّ الاتصال ينقطع في بعض الأحيان، و”نحصل على رسائل صوتية عبر تطبيق واتساب”. تضيف: “قالتا لنا، يوم الاثنين الماضي، إنّ المياه غير متوافرة. الناس جميعاً هناك لم يستحمّوا منذ أسبوعين، ومياه الشرب بالكاد تكفي”.

وتؤكد الراهبة نفسها أنّ “الوضع سيّئ جداً. فليكن الله في عونهم”. وتتابع: “نحن نخجل أمام المعاناة التي يعانيها أهل غزة جميعاً، مسلمين ومسيحيين”.

عيد الميلاد وسط الحرب على قطاع غزة 

في القدس المحتلة، يقول الأب إبراهيم نينو، مسؤول التواصل في البطريركية اللاتينية، لوكالة فرانس برس إنّ “التواصل مع أهلنا في كنيسة العائلة المقدسة (في مدينة غزة) يتمّ من خلال الكاهن المساعد الموجود هناك أو الراهبات أو أفراد آخرين. وبعد محاولات كثيرة (…) نتمكّن من سماع أخبارهم”.

وعن وضع الموجودين حالياً في كنيسة العائلة المقدسة، يقول الأب نينو إنّ “ثمّة طعاماً ومياهاً وكهرباء متوافرة لأيام معدودة، لذا يعملون على التقليل من استخدامها قدر الإمكان”.

وكان المسؤولون الكنسيون في القدس المحتلة وبلدية مدينة بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة قد اتّخذوا قراراً في الشهر الماضي بعدم تنظيم “أيّ احتفال غير ضروري” بعيد الميلاد تضامناً مع سكان غزة. لكنّ الأب نينو يشير إلى أنّ المسيحيين في غزة سيحتفلون بقداس عيد الميلاد.

بالنسبة إلى خليل صايغ، “لا بدّ من أن يكون عيد الميلاد زمناً للأمل. ومن الصعب جداً الاحتفال أو الشعور بأيّ بهجة فيما المذبحة مستمرّة في غزة بحقّ المسلمين والمسيحيين، وفيما يموت مدنيون أبرياء”.

يضيف صايغ: “أنا في الواقع مرهق جداً ومكتئب، لكنّني ما زلت أفرح بحقيقة أنّنا نعلم بأنّ الله معنا (…) هو يشعر بألم الناس، كلّ الناس، لا المسيحيين فحسب، بل كلّ الناس في غزة الذين يعانون من الألم والجوع والموت والدمار”.

المصدر: وكالة فرانس برس – صحيفة العربي الجديد




الحرب على غزة غيّرت حياة السكان: صراع للبحث عن أبسط المقومات

حوّلت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، المتواصلة لليوم الـ79، حياة سكانه إلى صراع دائم على أبسط مقومات الحياة من طعام ومياه، وحتى الحمام.

ويعاني القطاع الخاضع لحصار إسرائيلي مطبق منذ التاسع من أكتوبر/تشرين الأول، أزمة إنسانية خطيرة، إذ باتت معظم مستشفياته خارج الخدمة، فيما نزح نحو 1.9 مليون نسمة، أي 85 في المائة من سكانه، من شمال القطاع إلى جنوبه هرباً من الدمار والقصف، وفق الأمم المتحدة.

الطبيبة نور الوحيدي (24 عاماً)، مكثت 38 يوماً في مستشفى الشفاء في مدينة غزة بعد بداية الحرب، لتضطر إلى النزوح بعدها إلى رفح في جنوب القطاع. وتعمل حالياً في قسم الاستقبال والطوارئ في المستشفى الكويتي في مدينة رفح.

تروي نور كيف عملت لمدة 38 يوماً متواصلاً، وتقول لوكالة فرانس برس: “لم أذهب إلى البيت إطلاقاً. حوصر المستشفى، فنزحت في اليوم الـ38 (..) منذ أكثر من شهر”.

نازحون من الحرب بلا طعام أو مياه

تؤكد نور وجود “اختلاف شاسع بين حياتي السابقة في بيتي حيث جميع مقومات الحياة متوافرة، ووجودي في مكان غريب دون مواد غذائية أو مياه، وأي مقومات، الوضع كارثي، إنسانياً واقتصادياً ومعيشياً وصحياً”.

وتقول إنها تقيم في رفح الآن مع “أكثر من عشرين شخصاً في شقة صغيرة جداً، المكان لا يتسع للجميع. بقيت عائلتي من جهة والدتي في مدرسة تابعة للأونروا، أما جدتي وعمي وعمتي فما زالوا في غزة للأسف، والاتصال بهم منقطع، مستودعيهم الله”.

وتضيف: “كل يوم، أشاهد قصص معاناة لم أكن يوماً أتخيل مشاهدتها. وسائل الراحة ليست متوافرة، لا يمكنني أن أرتاح وأنام بعد الدوام، عدد الموجودين في البيت كبير”.

لكنها توضح قائلة: “نحن أفضل من غيرنا”، مشيرة إلى أنها بعد تركها العمل “أعود للبيت (..) أطبخ معهم على النار، أقوم بالغسيل على يدي حين تتوافر المياه”.

وتلاحظ “أصبحنا نفكر في إمدادات الطعام والشراب والمياه وشحن الهواتف النقالة وغيرها. أشياء لم نفكر بها يوماً. نفكر كيف نحيا”.

وتشير نور إلى أنها “عملت خلال العامين الماضيين في أثناء تصعيدات عسكرية، لكن هذه الحرب مختلفة في كل شيء”، موضحة أنّ “المدة طويلة وعدد الشهداء ونوع الإصابات لم يمر من قبل بسبب شدتها والنزوح”.

وتروي أنها خلال نزوحها “كنت أسير في الشوارع وأنا في حالة صدمة. لم أتخيل حجم هذه الحرب”، مشيرة إلى أن الحرب “خلقت من كل شخص فينا شخصاً مختلفاً تماماً. لا نستحق هذه الحياة، لا أحد يجب أن يعيش هذه الحياة”.

وبعد الحرب، تؤكد نور أن “الجميع يفكر بالسفر لأن البلد لم يبقَ فيه شيء. لا بشر ولا حجر ولا شجر”. وكانت نور تفكر قبل الحرب بالسفر لإكمال دراستها، وتؤكد الآن “الحرب شجعتني على ذلك وإذا نجوت (..) لكن في النهاية هذه بلدي وسأعود اليها”.

حياتنا انقلبت 180 درجة

من جهتها تؤكد سندس البايض (32 عاماً) وهي الأم لثلاثة أطفال أن حياتها “انقلبت 180 درجة” منذ بدء الحرب .

وتعيش سندس الآن في خيمة صغيرة أمام المستشفى الكويتي في مدينة رفح، تتذكر حياتها السابقة قائلة: “حياتنا قبل الحرب كانت مستقرة وسعيدة. كان يوجد كل شيء في منزلي. كنت أقيم في شقة في مبنى يعود لعائلة زوجي. وأطفالي يذهبون إلى المدارس”، موضحة أنها تشتاق لروتينها اليومي.

وتتابع: “روتين حياتي اليومي إيقاظ أطفالي صباحاً للمدرسة وتجهيزهم وتحضير الطعام قبل النوم مرة أخرى ثم شرب القهوة مع زوجي (..) حياة بسيطة ومستقرة، ليتها تعود”.

أما اليوم، فتشير السيدة المتزوجة صحافياً إلى أن نزوحها مع أطفالها حصل على مراحل، بينما بقي زوجها في غزة في البداية. وتوضح أنها مكثت في دير البلح لأكثر من أسبوعين، لكن “أصحاب المنزل خافوا من وجودي، لأن زوجي صحافي، وهم يعتقدون أن الصحافيين مستهدفون، بكيت بشدة لم أعرف ماذا سأفعل” وطلبوا منها المغادرة.

وبعدها توجهت إلى خانيونس، ثم فرت مرة أخرى إلى رفح.

وتوضح أنّ “الاستحمام صعب جداً وبماء بارد. أغسل في وعاء بلاستيكي”، مشيرة إلى أنه “لا يوجد خبز. ونحضر وجبات غذائية، لكن الأطفال يرفضون أكلها. الأكل سيئ جداً وملوث. ونعتمد على الخضار وبعض المعلبات”، ما سبّب لهم أعراضاً معوية حادة.

“الحرب أرهقتنا نفسياً”

وتضيف: “هذه الحرب أرهقتنا نفسياً بشدة. أطفالي سلوكهم تغير، وأصبحنا جميعا بمزاج حاد. جميعنا بحاجة لعلاج نفسي بعد الحرب”.

وتؤكد سندس أنها اتفقت مع زوجها على البقاء، إذ “نحن متعلقون بعائلاتنا. الغربة صعبة، وفراق الأهل والذكريات صعب”.

تحلم سندس بالعودة إلى منزلها، مؤكدة “أتمنى أن نعود إلى منزلنا، وألا نضطر إلى اللجوء إلى خارج غزة إن شاء الله. حال عدنا إلى بيوتنا سنسافر مع أطفالنا للنقاهة والترفيه لشهر أو عدة شهور لترميم نفسيتنا”.

الحرب تجهض حلم لين

تعيش لين روك (17 عاماً) حالياً في خيمة مع والديها وشقيقها وأربع شقيقات وابنة إحداهن. ولين طالبة في السنة الأخيرة من المدرسة كانت تحلم بدراسة الصحافة.

وتوضح: “حياتي كانت روتينية لدرجة أنني كنت أتذمر منها. الحرب غيرت كل شيء. أصبحت أتمنى العودة إلى حياتي التي لم تكن تعجبني”.

فرت عائلة لين من بيتها في خانيونس في اليوم الثاني لاندلاع الحرب “صورنا البيت ونحن نبكي، غادرنا إلى منزل أختي، لكنه لم يكن آمناً أيضاً، فنزحنا إلى مستشفى ناصر” في خانيونس.

وتروي: “كنت أعتقد أننا سنعود إلى المنزل بعد أسبوع كحد أقصى. مرّ أكثر من سبعين يوماً، ولم نعد بعد”. رفضت لين الأكل والشرب في البداية “حتى لا أضطر إلى الذهاب إلى الحمام. الحمامات قذرة وعليها طوابير طويلة” ومرضت مرات عدة.

فقدت لين الوعي في إحدى المرات، مشيرة إلى نقلها إلى قسم الطوارئ.

وتتابع: “لم أتوقع أن أعيش هذه الحياة. في منزلنا أربعة حمامات”، مؤكدة أنها فقدت 7 كيلوغرامات من وزنها في هذه الحرب. وتوضح لين أن العائلة تعيش على “أكل الزعتر والمعلبات. من الصعب توفير الخبز”.

الاستحمام والذهاب إلى الحمام أصبحا “معاناة. دخول الحمام كأنه سفر، لأن المسافة بعيدة”. وتضيف: “كنت أستحم يومياً قبل الحرب. والآن إذا حالفني الحظ استحم مرة واحدة في المسجد وبمياه باردة. أغسل شعري في المغاسل المخصصة للوضوء ثم أغسل جسمي في الحمام”.

وتشير الفتاة وهي تبكي: “أشعر بالحسرة لأنني سأفقد وكل الطلاب، هذا العام من حياتنا. لا أعتقد أننا سنعود إلى المدارس”. وتضيف: “كنت متحمسة لإنهاء المدرسة بتفوق حتى أسافر وأكمل حلمي”، متابعة: “كل ما أتمناه الآن أن يعود الجميع إلى منازلهم، وأن أعود إلى منزلي، وأن يكون لا يزال موجوداً”.

المصدر: وكالة فرانس برس




أزمة عقارات إسرائيل تتفاقم … 50% من الشقق فارغة وتبحث عن مستأجرين

أظهر استطلاع أجراه موقع  “وي تشيك ـ WeCheck” في تل أبيب ارتفاعًا بنسبة 50% في المعروض من الشقق والوحدات السكنية المتاحة للإيجار في إسرائيل، وتراجعاً بنسبة 1.5% في الإيجارات خلال العام الماضي.

وقال المسح الذي نشرته صحيفة “غلوبس” الإسرائيلية، إن العديد من أصحاب الشقق الذين استأجروها لفترة قصيرة قبل الحرب يقومون بتحويلها إلى شقق للإيجار العادي.

وفي الوقت نفسه، ساهم التأخير في افتتاح العام الدراسي في زيادة العرض وانخفاض الطلب على شقق الإيجار.

وتقول “غلوبس” في تقريرها عن العقارات الإسرائيلية الصادر مساء الخميس، يضطر أصحاب الشقق التي لا تحتوي على غرفة آمنة إلى التنازل أكثر عن السعر بسبب انخفاض الطلب.

وبناءً على ذلك، تشير “وي تشيك”، التي تقدم حلولاً مالية لأصحاب العقارات والمستأجرين، إلى أنه منذ اندلاع الحرب حدثت زيادة بنحو 50% في المعروض من الشقق المتاحة للإيجار، وانخفاض بنحو 1.5% في الإيجارات.

وتكشف أرقام  “وي تشيك ـ WeCheck”، التي تتتبع جميع مواقع الشقق للإيجار، أن عرض الشقق للإيجار في نوفمبر/تشرين الثاني  2023، كان أعلى بنسبة 50% عما كان عليه في نوفمبر/تشرين الثاني في العام 2022 وأعلى بنسبة 25% عن أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

و”هذه أرقام مرتفعة للغاية وغير عادية لشهر نوفمبر/تشرين الثاني” حسب استطلاع “وي تشيك”.

وفي الأعوام العادية، يشهد شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي انخفاضاً في عدد الشقق المعروضة للإيجار، وذلك بسبب افتتاح العام الدراسي وفترة ذروة السوق، التي تنتهي قبل العطلات.

في هذا الصدد، يقول الرئيس التنفيذي لشركة “وي تشيك”، رامي رونين: “لا يعني الأمر أن جميع مشاكل سوق الإيجار قد تم حلها، وفجأة ظهر عرض جديد. بالتأكيد لا”.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




ميلاد غزة… لا احتفالات في زمن المجزرة

اختار نحو 150 فرداً أن يحتموا داخل كنيسة العائلة المقدسة للاتين، وسط حصار الاحتلال لمدينة غزة، ظناً أنها ستكون أكثر أماناً من منازلهم. في وقت كان يفترض أن تتزين الكنيسة استعداداً لعيد الميلاد، وتضاء شجرتها التي كانت الأكبر في القطاع، وكانت مصدر بهجة لمسيحيي البلدة القديمة في وسط مدينة غزة.
في 16 ديسمبر/ كانون الأول، قتلت ناهدة أنطون داخل الكنيسة، بعدما أطلق قناص إسرائيلي الرصاص عليها أمام ابنتها سمر، والتي حاولت سحبها  إلى الخلف. لكن الجندي الإسرائيلي واصل إطلاق النار لتسقط قتيلة إلى جانب والدتها.
نعت البطريركية اللاتينية في القدس الفقيدتين، وقال مكتبها الإعلامي في بيان، إن قناصاً إسرائيلياً اغتال أماً وابنتها، وأصاب 7 آخرين في كنيسة العائلة المقدسة بمدينة غزة. موضحاً أنه “تم إطلاق النار عليهم داخل أسوار الدير فيما لم توجد في المكان أي مقاومة”.
وأضاف البيان أن المدفعية الإسرائيلية “استهدفت دير راهبات الأم تريزا (مرسلات المحبة) بمدينة غزة، والذي يؤوي أكثر من 54 شخصاً من ذوي الإعاقة، وهو داخل أسوار الكنيسة، كما تم تدمير خزان الوقود والمولد الكهربائي، فضلاً عن دمار واسع أصاب المكان، وجعله غير صالح للسكن أو تقديم الرعاية لذوي الإعاقة”.
نزح كمال مع أسرته من منزلهم في حي تل الهوا إلى كنيسة القديس برفيريوس، وكان شاهداً على المجزرة التي ارتكبت في الكنيسة في 19 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، والتي استشهد فيها أصدقاء له. يقول كمال لـ “العربي الجديد”: “نحن عائلات غزية الأصل، وفي صلواتنا في كنائس العالم، ندعو الرب لحماية غزة وأهلها. يرغب الاحتلال الإسرائيلي في قتل كل من هو مرتبط بمدينة غزة عمداً، والقصف دمر خزان الوقود، وخزانات المياه، والمولد الكهربائي، والألواح الشمسية، علماً أن الكنيسة فيها أطفال ونساء ومرضى يتلقون العلاج، كما لحقت أضرار بالدير نتيجة الانفجار والحريق، وأصبح غير صالح للسكن، واضطر الأشخاص ذوو الإعاقة إلى المغادرة رغم حاجة بعضهم إلى أجهزة التنفس للبقاء على قيد الحياة”. 

يضيف كمال: “هناك عائلات من أصول غزية متجذرة هنا، وقد تربينا على الأخوّة. كان جدي عيسى يقول دائماً إن مسيحيي فلسطين ناضلوا لأجل المسجد الأقصى وكنيسة المهد، وهذه المرة الأولى منذ احتلال فلسطين في عام 1948 التي لن نشعل فيها شموع النور في العيد”.

اعتدى الاحتلال الإسرائيلي على ثلاث كنائس في البلدة القديمة في غزة، هي الكنيسة المعمدانية للبروتستانت، وكنيسة القديس برفيريوس التابعة لطائفة الروم الأرثوذكس، وكنيسة العائلة المقدسة التابعة للطائفة الكاثوليكية، وباتت الأخيرتان هما الوحيدتان اللتان تحميان المسيحيين، وتُقام فيهما الصلوات بصورة محدودة.

نجا إدوارد الصايغ (39 سنة) من قصف إسرائيلي قبل أسبوعين على مقربة من كنيسة القديس برفيريوس، وفوجئ بحصار المنطقة من قبل آليات الاحتلال. ويقول لـ “العربي الجديد”: “قتل الاحتلال منذ بدء العدوان 22 مسيحياً في قطاع غزة، ودفنوا جميعاً في مقبرتين داخل كنيستي برفيريوس والعائلة المقدسة. لن ينعم العالم بالسلام من دون غزة، وأشعر بالحزن أمام أطفالنا الذين لن يحتفلوا بأعياد الميلاد. أطفال غزة المسلمين والمسيحيين يرون مشاهد القتل أمامهم يومياً”.
ويتذكر الصايغ العدوان الإسرائيلي الأول على قطاع غزة في عام 2008، وحينها لم يتمكنوا من الاحتفال أيضاً، ولا ينسى كمية الحزن التي كانت داخلهم، واضطر لإقامة الصلاة داخل منزله في أبراج السعادة في حي تل الهوا وسط أصوات القصف ومشاعر الخوف.
ويمنع الاحتلال مسيحيي غزة من التوجه إلى الضفة الغربية لرؤية أقاربهم، والاحتفال بالعيد وأداء الصلاة في مدينة بيت لحم منذ بدأ الحصار قبل 17 عاماً. وهاجر عدد كبير من مسيحيي قطاع غزة بسبب الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة واستمرار حصار القطاع، وبحسب مركز الإحصاء المركزي الفلسطيني، كان عدد المسيحيين في قطاع غزة قبل عام 2000 أكثر من 20 ألفاً، وبات العدد أقل من 1500 مسيحي، من بينهم عائلات مرتبطة بالكنائس، أو بمهن مثل العمل في سوق الذهب أو لديهم مشاريع يمتلكونها. 

كان جريس إسحق (32 سنة) ممن غادروا غزة إلى مدينة بيت لحم. لكنه يتابع ما يحصل في القطاع بحزن كبير، وقررت أسرته وعدد كبير من الأسر عدم الاحتفال بعدما فقدوا عدداً من أقاربهم شهداء في غزة خلال العدوان الحالي.
يحتفظ إسحق بذكريات جميلة في غزة، وما زال يتذكر حين شاركهم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات احتفالات إيقاد شعلة العيد في ساحة الجندي المجهول قبل الانتفاضة الثانية، وقد تعلم في قطاع غزة، ويذكر دروس معلمته الراحلة تيريزا. يقول لـ “العربي الجديد”: “أتذكر طبق السماقية الذي كان يحضره لنا جيراننا في حي الرمال بمناسبة عيد الفطر، وما زلت أعده لأنه يذكرني بغزة التي تعلمت فيها الموسيقى والغناء والكاراتيه والشجاعة. هذه حرب إبادة، والاحتلال يحارب الفلسطيني أياً كان دينه”.

أمجد ياغي – غزة

المصدر: صحيفة العربي الجديد




جيش الاحتلال الإسرائيلي يواجه “حرب استنزاف” في “وحل غزة” ويدفع ثمناً باهظاً

ركّز العديد من المعلّقين الإسرائيليين، اليوم الأحد، على الثمن الباهظ الذي تجبيه حركة حماس من جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال المعارك البرية في قطاع غزة، وذهب بعضهم لاعتبار ما يحدث “حرب استنزاف”، و”حرب عصابات” (حرب شوارع)، وآخرون أشاروا إلى أن القوات عالقة في “وحل غزة“، بعد نحو 80 يوماً من الحرب.

تحت عنوان “حرب استنزاف”، استعرضت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الصعوبات التي تواجه جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال معاركه في قطاع غزة، مشيرة إلى أن “إصرار حركة حماس يكبّد الجيش الإسرائيلي ثمناً باهظاً”، في إشارة إلى مقتل عدد كبير من الجنود في نهاية الأسبوع الحالي، والذي بلغ 13 جندياً على الأقل في غضون 24 ساعة، فضلاً عن عدد كبير من الإصابات.

ووصفت الصحيفة ما يحدث بأنه “حرب عصابات” وأن حركة حماس تتعلم أيضاً خلال الحرب وتستخلص العبر، وتوظّف ذلك في معاركها، في حين تقوم قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي بما أمكن من أجل أن تتغيّر هي أيضاً أمام “العدو الذي يواصل التحسّن ويحاول من طرفه نقل استخلاص العبر بين جباليا وبيت حانون والشجاعية ودرج التفاح”.

وزعمت الصحيفة أن جنود الاحتلال عثروا عدة مرات في جيوب المقاومين الذين قتلوهم على قصاصات ورقية، تحتوي على تعليمات بشأن كيفية مفاجأة القوات الإسرائيلية والتربص لها في أماكن معيّنة، وحتى في بعض الأحيان في أي تواريخ عليهم الخروج من مخابئهم تحت الأرضية.

وتابعت الصحيفة بأن المقاومين من حماس “يواصلون تعلّمهم الذي لا ينتهي، كما يبدون صبراً يبدو أنه خُطط من البداية”، وفي الأيام الأخيرة، ازدادت التقارير في جبهات القتال داخل قطاع غزة حول استخدام قناصين ضد جنود الاحتلال.

واعتبرت الصحيفة أنه من الطبيعي، مع مرور الوقت، تراجع اليقظة التي كان يبديها جنود الاحتلال في البداية، وكذلك الالتزام بالتعليمات وعدم الوقوف في أماكن مكشوفة، ما يقود إلى إظهار نقاط ضعف لدى الجيش تستغلها المقاومة.

وخلصت الصحيفة إلى أن تمرير تعليمات للمقاومين عبر رسائل ورقية وزيادة استخدام القناصة والفخاخ ليسا سوى بعض الأمثلة على “حرب العصابات” التي تتطور.

الاحتلال الإسرائيلي يغرق في “وحل غزة”

من جانبه، يرى مراسل الشؤون العسكرية والأمنية في “يديعوت أحرونوت” يوسي يشواع أن “الوحل الغزي” (وحل غزة) “تحوّل من عبارة فارغة المضمون إلى واقع معقّد وصعب في قطاع غزة”، مضيفاً أن “الأحوال الجوية العاصفة عززت الصعوبات أيضاً في المعارك وجهاً لوجه، فضلاً عن إطلاق صواريخ مضادة للدروع وإلقاء عبوات ناسفة وكل أشكال حرب العصابات”، التي تواجه جيش الاحتلال الإسرائيلي أمام حركة حماس في قطاع غزة وجنوبه إلى جانب المخاوف من النيران الصديقة.

وبحسب الكاتب، “هذا هو السيناريو الذي استعد له العدو الذي يختبئ في الأنفاق، ويقوم بتفخيخ البيوت ويطلق صواريخ مضادة للدروع”.

وتابع أن هذه الظروف والتحضيرات التي قامت بها حماس على مدار سنوات طويلة تؤدي إلى أن “يدفع الجيش الإسرائيلي أثماناً باهظة في مهمته لاحتلال الأرض وتطهيرها من أجل القضاء على حماس، ولكي يتمكن سكان النقب الغربي من العودة إلى بيوتهم”.

ونقل الكاتب عن مصدر عسكري، لم يسمّه، أن حماس تميل إلى عدم الاشتباك أو الخروج في مداهمات منظمة، وتفضّل القيام بإطلاق النار ووضع عبوات ناسفة تستهدف الآليات العسكرية الإسرائيلية وتدمير المباني التي توجد فيها القوات.

وأشارت الصحيفة إلى قول قيادة جيش الاحتلال إن “الحرب ستستغرق وقتاً طويلاً، وفي نهايتها ستُحقّق الأهداف، ولكن ليس من دون دفع ثمن كبير (أي من قبل إسرائيل)”.

مقاومة شديدة تواجه قوات الاحتلال الإسرائيلي

من جانبه، اعتبر المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل أنه يكفي حماس هجمات قليلة من أجل جباية ثمن من جيش الاحتلال الإسرائيلي بقتل عدد من جنوده.

وأضاف أنه “على الرغم من أن عدالة الحرب بقيت كما هي”، على حد وصفه، “ولكن مع الوقت، سيكون صعباً على الإسرائيليين تجاهل الثمن الباهظ وكذلك سيراودهم الشك بأن تحقيق الأهداف التي حددتها إسرائيل لا تزال بعيدة”.

 وأشار الكاتب أيضاً إلى أنه في المناطق التي لا يسيطر عليها جيش الاحتلال الإسرائيلي، هناك مقاومة شديدة جداً، وأيضاً “في المناطق التي سيطر عليها”، تتواصل محاولات حماس للمس بالقوات الإسرائيلية.

وذكر الكاتب أنه في ظل الحجم الكبير للقوات الإسرائيلية التي لا تقل عن أربع فرق عسكرية تعمل في قطاع غزة، “فهذا يعني أن مساحة الاحتكاك كبيرة ومعقّدة مع العدو في المناطق المبنية بكثافة، والتي هُدم جزء كبير منها. وتحت الأرض، على الرغم من الهدم المكثف لفتحات الأنفاق، إلا أن منظومة الأنفاق لا تزال تعمل”.

وأضاف أن “معظم هجمات حماس المضادة تكون بطريقة حرب العصابات”.

وذكر أنه بعد نحو شهرين ونصف من الحرب، فإن حماس لا تبدي أي مؤشرات على الاستسلام على المدى القصير.

مؤشر على فشل الحرب على غزة

وقد سخر الكاتب نير كنفيس من تعهدات القادة الإسرائيليين بتحقيق النصر في الحرب على غزة، عادّاً تكبد جيش الاحتلال المزيد من الخسائر في الأرواح دليلاً على استحالة تحقيق النصر.

وفي تحليل نشره اليوم الأحد موقع “والاه”، أضاف كنفيس: “بعد شهرين ونصف على بدء الحرب، يبدو أنه لم يتبق الكثير من التعهدات بتحقيق النصر العسكري الكاسح في الحرب، تحديدا في ظل تعاظم قائمة أسماء القتلى من الجنود”.

وحسب كنفيس، فإن الحرب لم تسهم في القضاء على حركة حماس، بل أسهمت في تعزيز مكانة الحركة في “الوعي الجمعي العربي بوصفها الحركة التي صعقت إسرائيل بهجوم مفاجئ، بل أيضا لأن الحركة تدير حربا ناجحة في مواجهتها”.

وشكك في مصداقية الإعلانات الصادرة عن الناطق بلسان جيش الاحتلال دانيال هاغاري بشأن “الإنجازات” العسكرية التي يحققها جيش الاحتلال خلال الحرب على القطاع.

وأضاف: “ما زال (قائد حركة حماس في غزة) يحيى السنوار حيا، يقتل جنودنا ويبدي رفضا لكل المحاولات الهادفة إلى التفاوض حول الأسرى”، مشددا على أن مكانة قائد حماس تتعزز مع مرور الوقت.

وبخلاف ما يعلنه الناطقون باسم الجيش عن وجود مؤشرات على حدوث تصدع في قدرة حماس على مواصلة القتال، قال كنفيس إنه لا يوجد ما يدل على حدوث مثل هذا التصدع، ساخراً من “مفاخرة” جيش الاحتلال بتدمير بعض الأبنية في القطاع، التي شكك أن تكون لها أية أهمية رمزية.

من ناحيته، قال شموئيل مئير، الضابط السابق في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان”، إن هناك تناقضاً “مأساوياً” يتمثل في تناقص عدد الأسرى الإسرائيليين الأحياء الذين يقتلون في عمليات جيش الاحتلال، وتعاظم عدد الضباط والجنود الذين تقتلهم المقاومة الفلسطينية في المعارك.

حرب استنزاف من دون نهاية

وكتب مئير، اليوم الأحد، على حسابه على منصة “إكس”: “هذا هو الطابع الجوهري لحرب العصابات، فلا يمكن حسم الصدام غير المتناسب بين جيش نظامي وتنظيمات تعتمد حرب العصابات بالوسائل العسكرية، فقط حلول سياسية ودبلوماسية يمكن أن تضع حدا لمثل هذا الصدام، وهذا ما أدركه الأميركيون في حرب فيتنام والفرنسيون في الجزائر”.

وحذر مئير من أن الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة يمكن أن تستحيل “حربَ استنزاف” من دون نهاية.

أما الكاتب دان عدين فقد علق على مقتل 13 ضباطا وجنديا بنيران المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة أمس السبت، معتبرا أن الحكومة الإسرائيلية “ترتكب جريمة” ضد الإسرائيليين من خلال طابع إدارتها للحرب.

وفي تعليق على منصة “إكس”، اعتبر عدين أن كل ما تفعله إسرائيل في الحرب يتمثل في “تقديم ضحايا من الجنود من دون الحصول على نتيجة… من حقنا أن تكون لنا قيادة تنشغل بوضع استراتيجية سياسية لليوم التالي في غزة لتحقيق أهداف بعيدة المدى، وليس من أجل أن تضمن هذه القيادة بقاءها على الساحة… إلى متى؟”.

وفي السياق، شكك الرئيس السابق لجهاز الموساد يوسي كوهين في أن تكون حكومة بنيامين نتنياهو قد وضعت إطارا استراتيجيا لحربها على قطاع غزة.

وفي مقابلة مع قناة “12” الليلة الماضية، أكد كوهين أنه لا يوجد ما يدلل على أن الحكومة قد أعدت خطة لليوم التالي للحرب، محذرا من مخاطر التورط في الوحل الغزي إلى أمد بعيد.

نايف زيداني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




في مصيبة إنسانية لم يشهدها التاريخ.. إسرائيل: نطردهم من الشمال ونجوعهم في الجنوب

منظمة الإغاثة الغذائية للأمم المتحدة تقدر بأن نحو نصف سكان القطاع، نحو مليون نسمة، يعيشون حالة جوع خطير أو متطرف. في جنوب قطاع غزة، يكتظ عشرات آلاف الفلسطينيين، يبحثون عن منتجات غذائية أساسية ومياه صالحة للشرب.

هذه مصيبة إنسانية على نطاق غير مسبوق في مواجهات سابقة، وهي تلزم إسرائيل – التي وجهت سكان شمال القطاع للانتقال جنوباً، بتقليص المس بالسكان المدنيين قدر الإمكان. لم يكن التجويع الجماعي لسكان قطاع غزة جزءاً من أهداف الحرب التي فرضت على إسرائيل في 7 أكتوبر.

حسب تقرير في برنامج الغذاء العالمي الذي يعمل في إطار الأمم المتحدة، فإن نحو 90 في المئة من سكان قطاع غزة يقضون في أحيان قريبة يوماً كاملاً بدون غذاء. وحسب المنظمة، فإنه منذ بداية الحرب، لم يدخل إلى غزة إلا نحو 10 في المئة من كمية الغذاء اللازمة لمعيشة أكثر من مليوني نسمة. “أكتفي برغيف أو بنصف رغيف طول اليوم”، روى طفل انتقل مع عائلته إلى جنوب القطاع في شريط مسجل نشرته الشبكات الاجتماعية. “في المساء أقول لأمي إني جائع، فتجيبني أن لا شيء نملكه”. فضلاً عن هذا، فإن أسعار المنتوجات الأساسية التي يمكن إيجادها في الأسواق القليلة التي لا تزال تعمل في وسط القطاع أو في جنوبه، ارتفعت بعشرات في المئة.

وحسب منظمة اليونيسيف، فإن أطفالاً من عائلات من شمال القطاع ممن توجهوا جنوباً يضطرون للاكتفاء بـ 1.5 – 2 لتر ماء في اليوم، مقابل حاجة أكبر تقدر بعشرة الأضعاف. والمعنى أن آلاف الأطفال تنقصهم كميات المياه اللازمة للحفاظ على صحتهم. وحسب المنظمة، فإن الحصول على مياه محلاة أصبحت مسألة حياة وموت. وأطفال كثيرون هم الآن في خطر الحياة بسبب سوء التغذية وانتشار الأمراض.

طلبت إسرائيل السماح للجيش بمجال عمل قليل إزاء المدنيين في شمال القطاع، ودعت السكان هناك للانتقال إلى “مناطق آمنة” في جنوبه. منذ أسابيع والآلاف محشورون في منطقة هي أضيق من أن تحتوي الجميع. هذا وضع خطير: على إسرائيل السماح بإدخال مكثف لمنتجات الغذاء والماء. الجوع ليس وضعاً يمكن التسليم به، وبالتأكيد يجب ألا يشكل خطة عمل.

المصدر: صحيفة القدس العربي