1

باستدعائها فرقاً من غزة.. هل بدأ فقدان السيطرة على الضفة الغربية يقلق أمن إسرائيل؟

عملية الطعن والدهس التي جرت في رعنانا وقتلت فيها امرأة (79 سنة) وأصيب 17 مواطناً، لم تأت فجأة. منذ بداية الحرب في قطاع غزة، تم تسجيل محاولات كثيرة لمخربين من الضفة الغربية لتنفيذ عمليات داخل حدود الخط الأخضر، وتمت بتشجيع من حماس، لكن لا حاجة لتوجيه مباشر منها؛ فالناس في الضفة غاضبون، وليس هناك بالضرورة حاجة لسلاح من أجل تنفيذ خطط مستقلة لتنفيذ عمليات. في معظم الحالات، هي محاولات تم إحباطها داخل حدود الضفة الغربية، وبسبب عمليات الاعتقال الكثيرة للجيش في المدن الفلسطينية ومخيمات اللاجئين. المخربان اللذان تم اعتقالهما بعد رحلة القتل هما ماكثان غير قانونيين، وأبناء عائلة واحدة من منطقة الخليل. أحدهما، الذي كان يعمل في محل لغسل السيارات في رعنانا، أظهر هوية مزيفة لأحد سكان رهط. وكان محظوراً عليهما دخول إسرائيل لأسباب أمنية.
العملية الشديدة ستوفر منصة واسعة للنقاشات حول إدخال العمال الفلسطينيين من الضفة للعمل في إسرائيل. في الجناح اليميني في الائتلاف معارضة شديدة لإدخال العمال على خلفية الحرب خوفاً من تنفيذ العمليات، لكن بذريعة أنه درس مطلوب يجب استخلاصه من مذبحة 7 تشرين الأول، حيث تبين أن تشغيل العمال من القطاع استخدم أيضاً لجمع المعلومات من أجل هجوم حماس في بلدات الغلاف (وكما نشرت “هآرتس” في الشهر الماضي، هذا لا يزعج رؤساء مجلس الاستيطان في المطالبة والحصول على تصاريح لدخول عدد محدود من العمال الفلسطينيين، بالأساس في المناطق الصناعية).
عملياً، الأغلبية الساحقة من المخربين من الضفة الذين شاركوا في العمليات في السنوات الأخيرة كانوا “ماكثين غير قانونيين”. إضافة إلى ذلك، تدعي معظم الجهات الأمنية الآن أيضاً بأنه على الرغم من ظروف الحرب، يجب إدخال عمال من الضفة الغربية إلى إسرائيل، على الأقل كمشروع ريادي بحجم محدود. الادعاء أن الوضع الاقتصادي في الضفة آخذ في التفاقم ويهدد استقرار حكم السلطة الفلسطينية. هذا يضاف إلى تقليص رواتب موظفي السلطة عقب تجميد أموال الضرائب الفلسطينية من قبل إسرائيل بضغط من وزير المالية سموتريتش.
التحذير الذي طرحه “الشاباك” والجيش الإسرائيلي أمام المستوى السياسي واضح وظاهر؛ ففي الوقت الذي تشتعل فيه غزة، وما دام ليس هناك تخفيف في الأزمة الاقتصادية في مناطق السلطة الفلسطينية، فإن هناك خطراً حقيقياً لانفجار قريب في الضفة الغربية، أكثر مما رأينا منذ بداية الحرب. السلطة، رغم كل ما يحدث في قطاع غزة، ما زالت تحافظ على مستوى من التنسيق الأمني مع إسرائيل، وما زالت تقوم أحياناً باعتقال نشطاء حماس و”الجهاد الإسلامي” في أراضيها. وفي ظل الظروف الحالية، لن تستمر هذه الأمور مدة طويلة، وعندها قد يأتي الانفجار الذي سيجرف معه أيضاً نشطاء مسلحين من حركة فتح والأجهزة الأمنية. حتى الآن، خاصة بعد عملية أمس، تصعب رؤية كيف يستجيب نتنياهو للتحذيرات ويأخذ المخاطرة ويصادق على دخول محدود للعمال.
حجم العمليات والتحذيرات المتزايدة عن عمليات في الضفة الغربية ومنها، تواجهه قوات الاحتياط التي أرسلت قبل ثلاثة أشهر، بمساعدة وحدات حرس الحدود. في الأسبوع الماضي، أعيد إلى الضفة الغربية وحدة نخبة نظامية، ووحدة المستعربين دفدوفان، التي أُخرجت من أجل ذلك من القتال في قطاع غزة. تغيير التركيبة يدل على قلق في قيادة المنطقة الوسطى من إمكانية فقدان السيطرة على الوضع في الضفة الغربية.

إنجازات محدودة

التغييرات في الضفة تحدث على خلفية تخفيف تدريجي لقوات الجيش العاملة في القطاع. أمس، خرجت الفرقة 36 من القطاع مع طواقم قتالية لوائية كانت تحارب تحت قيادتها. الفرقة التي يقودها العميد دادو بار خليفة، لعبت دوراً مركزياً في احتلال شمال القطاع، وانشغلت في الأسابيع الأخيرة بالقتال ضد حماس في مخيمات اللاجئين وسط القطاع.
ثمة فجوة كبيرة بين أنواع المعارك التي أدارتها. في الشمال، احتلت الفرقة المنطقة التي أوكلت لها وتسببت بخسائر كبيرة لكتائب حماس التي حاربتها. أما وسط القطار فكان إنجازها محدوداً، من بين الكتائب القطرية الأربع لحماس في هذه المنطقة، تضررت إحداها بشكل كبير، واثنتان جزئياً، واثنتان بقيتا في حالة أداء قتالي معقول.
الفرقة 99، التي تسيطر على طول ممر وادي غزة، ربما يستمر عملها في مخيمات اللاجئين في الوسط، لكن يبدو أن لا نية لسيطرة كاملة عليها في هذه الأثناء. العملية العسكرية في منطقة خانيونس تتركز الآن على العثور على فتحات الأنفاق وتدمير الأنفاق. ولكنها بقيت ثابتة رغم حجم القوات الكبير الذي يشارك في هذه الجهود تحت قيادة الفرقة 98.
في شمال القطاع، سمح تخفيف قوات الفرقة 162 بخروج السكان من أماكن إيوائهم ومن بيوتهم التي لم يتم تدميرها، بل أيضاً محاولة حماس لإعادة ترميم نفسها. في الفترة الأخيرة، أطلقت عدة مرات صواريخ قصيرة المدى وقذائف نحو شمال الغلاف، بالأساس نحو “سديروت”. وهو إطلاق تم في جزء منه من بيت حانون، المنطقة التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي في بداية تشرين الثاني، وهذا لا يعني أن كتيبة حماس في بيت حانون التي تضررت بشكل كبير في حينه عادت للعمل كإطار شبه عسكري، لكن هناك بالتأكيد جهوداً لإرسال حماس خلايا كي تظهر حضورها وتشغل منصات الإطلاق التي لم تتضرر. في اليوم الأول، أطلقت من القطاع صواريخ نحو “أسدود” و”يفنه”. في هذه الحالة، تم الإطلاق من منطقة مخيمات الوسط، ومن المنطقة التي لم يعمل فيها الجيش الإسرائيلي بعد.
الجيش الإسرائيلي لم يحقق أي هدف من أهداف العملية في المناطق كلها – استمرار خلق الظروف لإطلاق سراح المخطوفين. وعلى الرغم من تقديرات بوجود مخطوفين إسرائيليين محتجزين في شمال القطاع وفي الوسط، فإنه لم يتم النشر عن حالات أخرى تم فيها العثور على مخطوفين في الأسابيع الأخيرة. الحالة الأخيرة هي الحادثة المأساوية التي أطلق فيها جنود الجيش النار وقتلوا بالخطأ ثلاثة من المخطوفين الذين نجحوا في الهرب من أسر حماس في الشجاعية.
في المقابل، تشن حماس حرباً نفسية سادية على حساب المخطوفين وأبناء عائلاتهم. في اليوم الأخير، نشرت حماس عدة أفلام تناولت مصير ثلاثة منهم، من بينهم نوعا ارغماتي وايتي سيفرسكي ومخطوف آخر. أمس، قال المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي إن هناك خوفاً كبيراً على حياة سيفرسكي والمخطوف الآخر. عملية حماس مكشوفة وتستهدف الركوب على اشتداد احتجاج عائلات المخطوفين على خلفية قلق متزايد على سلامتهم في ظروف صعبة. على العائلات أن تحارب على مصير أولادها بكل الطرق، ولا شك بأن حماس تحاول قدر استطاعتها صب الزيت على النار.
عاموس هرئيل

المصدر: صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




معبر رفح: مصري قلق وإسرائيلي “من دون خطة”.. ونافذة لسلطة فلسطينية

نية إسرائيل السيطرة على محور فيلادلفيا أشعلت جبهة سياسية خطيرة بين إسرائيل ومصر. أوضح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، علناً في محادثاته مع الإدارة الأمريكية أن هذه العملية قد تفتح جبهة عنيفة على طول الحدود المصرية بصورة ستعرض القوات المصرية التي تنتشر على طوله للخطر.
حسب أقواله، هذه الخطوة تناقض اتفاق انتشار القوات الذي وقعت عليه إسرائيل ومصر في 2005. هذا الاتفاق في إطار خطة الانفصال سمح لمصر بوضع 750 جندياً مع سلاح خفيف وسيارات مصفحة وثلاث مروحيات لحماية الحدود. في الطرف الفلسطيني، تسلمت السلطة الفلسطينية الحماية إلى حين سيطرة حماس على القطاع في حزيران 2007.
“مصر هي التي تدافع عن حدودها وأراضيها”، أوضح السيسي في الرد على تقارير تفيد بأن إسرائيل تنوي السيطرة على معبر رفح. استهدفت هذه الأقوال دحض ادعاءات إسرائيل بأن مصر لم تف بالتزامها بخصوص اتفاق محور فيلادلفيا. فقد سمحت ببناء أنفاق اخترقت الحدود بين غزة وسيناء، ثم غضت نظرها عن تهريب السلاح والوسائل القتالية من سيناء إلى القطاع. بهذا تدعي إسرائيل أن مصر ساهمت بشكل فعلي في تعزيز قوة حماس. لذا، يجب عدم إبقاء محور فيلادلفيا بدون سيطرة إسرائيلية مباشرة.
وذكرت مصر أنها عملت بالتنسيق مع إسرائيل بجدية على تدمير آلاف الأنفاق وإقامة منطقة عازلة بين سيناء والقطاع وجدار فصل على طول الحدود، وتوصلت إلى اتفاق مع حماس بشأن التعاون لصد المخربين الذين ينتمون لتنظيمات إرهابية اسلامية في سيناء. وأوضحت مصر، التي نفت مؤخراً بشدة إجراءها مفاوضات مع إسرائيل حول ترتيبات سيطرة في محور فيلادلفيا، بأن أي سيطرة إسرائيلية جديدة على المحور، التي ستشمل وضع قوات مدرعة وقوات جوية وبرية، ستخرق اتفاق كامب ديفيد الذي يحدد المنطقة منزوعة السلاح بين الدولتين. لمنع هذا الخرق، فأي تغيير في تشكيلة القوات التي يمكن لإسرائيل وضعها على المحور سيحتاج إلى اتفاق جديد. إن أي تغيير على بنود الاتفاق لن يكون مشكلة جوهرية في ظروف عادية. فإسرائيل سمحت لمصر من قبل بوضع قوات كبيرة في سيناء، وضمن ذلك قوات مدرعة واستخدام سلاح الجو في حربها ضد التنظيمات الإرهابية في سيناء، وحتى إنها ساعدتها استخبارياً.
لكن إلى جانب القضية القانونية أو خوف مصر من تصعيد على الحدود مع القطاع، فإن سيطرة إسرائيل على محور فيلادلفيا يعني أن إسرائيل ستكون المسؤولة عن معبر رفح في الطرف الفلسطيني. هذا المعبر هو الوحيد الذي يربط بين غزة ومصر ويستخدم كأنبوب أوكسجين رئيسي، وهو أداة السيطرة الوحيدة لمصر على الحياة في قطاع غزة. استخدمت مصر فتح المعبر وإغلاقه كرافعة ضغط على حماس، لأنها تحتاج لمصر من أجل إدارة التجارة العلنية والرسمية، وانتقال المواطنين للدراسة ونقل المرضى الذين يحتاجون إلى العلاج أو زيارة الأقارب. وبعد أن عزل واعتقل الرئيس المصري السابق محمد مرسي، رجل الإخوان المسلمين الذين فتح معبر رفح بدون قيود؛ وعقب الحرب الضروس التي أعلن عنها السيسي على الإخوان المسلمين، قرر الرئيس المصري الحالي إغلاق المعبر وتحويله إلى صمام أمان في محاولة لإبعاد حماس عن التعاون مع التنظيمات الإرهابية في سيناء.
معبر رفح خدم مصر أيضاً في إدارة علاقاتها السياسية مع إسرائيل للضغط عليها لتخفيف شروط الحصار على القطاع التي فرضت في 2006 أو في إطار ترتيبات وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه بوساطتها بين حماس وإسرائيل. حماس وإلى جانبها المخابرات المصرية التي تحكمت في ترتيبات الخروج وإعطاء التصاريح، كسبت أموالاً من الرسوم التي تم جبيها هناك. أحياناً، كان على المواطنين دفع آلاف الدولارات، مرة لحماس ومرة للموظفين المصريين، من أجل تسريع خروجهم أو الحصول على تصاريح خروج. إضافة إلى المداخيل، فإن سيطرة حماس على الطرف الفلسطيني للمعبر منحتها قوة لمعاقبة مواطنين أو حثهم وتجنيدهم في صفوفها أو خدمتها مقابل تصاريح الخروج وحرمان حق الخروج لمن ينتقدونها وأبناء عائلاتهم، وهكذا رسخت حكمها.
قامت مصر أثناء الحرب في قطاع غزة، بتنسيق النشاط في المعبر مع إسرائيل، بل وتعرضت لانتقاد عام شديد بأنها لم تفتح المعبر للسماح بدخول قوافل المساعدات الإنسانية، لكنه تنسيق قسري. الولايات المتحدة استخدمت الضغط على السيسي، في حين كانت إسرائيل حذرت مصر من فتح المعبر وقصفت المنطقة. وحسب ادعاءات مصر، قتل أربعة موظفين مصريين كانوا يعملون هناك.
خوف مصر المبرر هو أن سيطرة إسرائيل على الطرف الفلسطيني للمعبر ستسلب من القاهرة وسيلة الضغط الأساسية أمام أي جسم فلسطيني سيدير القطاع. طريقة تربيع الدائرة بصورة تضمن قدرة مصر على التأثير والإسهام في إعادة غزة إلى روتين الحياة والحفاظ على مصالح إسرائيل الأمنية، طريقة ربما نجدها في نقل السيطرة الفلسطينية على المعبر إلى السلطة الفلسطينية. هذا كخطوة أولية قبل نقل كامل للسلطة المدنية في غزة إلى جسم فلسطيني غير حماس.
لن تكون هذه عملية غير مسبوقة؛ ففي العام 2017، بعد اتفاق المصالحة بين حماس وفتح الذي وقع في القاهرة، عاد موظفو السلطة لإدارة معبر رفح بعد غيابهم عنه مدة عقد. هزت إسرائيل رأسها بل ورأت في الترتيب الجديد عدة ميزات، أبرزها تعزيز التعاون بينها وبين مصر التي بادرت وتوسطت وشكلت صورة الاتفاق. ولم تعمل إسرائيل قصة من أن الاتفاق الجديد على المعبر لم يتضمن إشراف المراقبين الأوروبيين كما ينص اتفاق المعابر من العام 2005. وحقيقة أن موظفي السلطة المسؤولين عن المعبر تعاونوا مع حماس، وأن رجال أمن حماس تم وضعهم هناك، لم يقلق إسرائيل.
لكن بعد فترة قصيرة من عزف السلام المصري والفلسطيني في معبر رفح، بدأت الخلافات الداخلية. كانت الذروة في 2018 عند محاولة اغتيال رئيس الحكومة الفلسطيني رامي الحمد الله أثناء زيارته لغزة كرئيس لحكومة المصالحة الوطنية. في كانون الثاني 2019 أمر محمود عباس موظفي السلطة بمغادرة المعبر، وبذلك انتهت القضية. مشكوك فيه أن تشخص حكومة نتنياهو الفرصة التي تنتظرها في معبر رفح. ولكن إحياء اتفاق المعابر، مع مراقبين دوليين أو بدونهم، أو عودة السلطة الفلسطينية لإدارة معبر رفح، ربما يعزز ادعاء إسرائيل بأنها لا تنوي السيطرة على قطاع غزة. في الوقت نفسه، فإن الترتيبات التي تضمنها اتفاق المعابر تبقي في يدها صلاحية فرض الفيتو على مرور السكان، وبالأساس ستمنح السلطة الفلسطينية مكانة رسمية معترفاً فيها في القطاع، وهي المكانة التي قد تتوسع وتصل إلى مجالات حيوية أخرى، من بينها السيطرة على المساعدات الإنسانية.
السؤال هو: هل ستوافق السلطة الفلسطينية نفسها التي طالبت بإعادة تطبيق اتفاق المعابر، على تحمل المسؤولية عن المعبر في ظل الظروف الجديدة، حتى قبل نقاش شامل حول قضية السيطرة في غزة، وبالأحرى قبل البدء في نقاشات جدية لحل القضية الفلسطينية؟
تسفي برئيل

المصدر: صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




بعد مئة يوم: نظرة إسرائيل لـ”حزب الله”.. ساحة ثانوية أم فرصة لـ “بلورة قواعد اللعب”؟

الحرب المحدودة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله على الحدود اللبنانية استمرت بشكل متواصل منذ 8 تشرين الأول (باستثناء هدنة بادر بها حزب الله في موازاة هدنة في قطاع غزة في 24 – 30 تشرين الثاني). حزب الله، الذي بدأ فتح النار، يدير المعركة ويراقب ويوجه هجمات الشركاء عناصر جبهة المقاومة الأخرى، في عدة جبهات وعلى رأسها الجبهة اللبنانية، ويسمح بنشاطات حماس من لبنان. يجري منذ ثلاثة أشهر تبادلاً لإطلاق النار كل يوم بين الطرفين في إطار أيام قتال متواصلة. ويحرص الحزب على تحمل المسؤولية عن نشاطاته، وينشر في وسائل الإعلام الاجتماعية يومياً عن عدد هجماته. وحسب ادعاءاته، يهاجم أهدافاً عسكرية باستثناء الحالات التي يرد فيها على المس بالمدنيين عقب هجمات للجيش الإسرائيلي على الطرف اللبناني.
متابعة نماذج عمليات حزب الله تشير إلى محاولته وضع حدود للقتال، مع استثناءات تنبع من ديناميكية التصعيد المتبادلة. يجري القتال في مجال جغرافي مقلص، بضع كيلومترات عن الحدود وعلى طولها، وأمام أهداف ثابتة نسبياً، مع استخدام سلاح قصير المدى. كل ذلك باستثناء حالات متبادلة لمسافة أطول في عمق المنطقة. لا يستخدم حزب الله ترسانة سلاحه كلها، بل يهاجم بصواريخ مضادة للدروع وقذائف مدفعية وصواريخ قصيرة المدى ومسيرات (التي فشلت في الوصول إلى أهدافها في حالات كثيرة). الضرر الأساسي في الجانب الإسرائيلي تسببت به الصواريخ المضادة للدروع الموجهة وقذائف البركان (التي تحمل رأساً متفجراً كبيراً نسبياً). ويحرص الحزب على الحفاظ على معادلة الرد في عملياته ضد الجيش الإسرائيلي في محاولة للسيطرة على ارتفاع اللهب. في الوقت نفسه، من المهم لحزب الله أن يعرض بأن محاربته لإسرائيل أمر مهم وتوقع بها خسائر كبيرة جداً، ويتباهى أحياناً بنجاح أكبر بكثير من إنجازاته الفعلية.
في خطابه في 14 كانون الثاني، قال حسن نصر الله إن إسرائيل هي التي تخفي الحقائق عن الجمهور الإسرائيلي حول حجم الخسائر. وفي تطرقه لمميزات القتال، قال حسن نصر الله في 3 كانون الثاني إن حزب الله يعمل بشكل محسوب جداً، لكن إذا أراد العدو الحرب فسيرد بحزم وسيستخدم كل إمكاناته.
رغم نشاطات حزب الله المحدودة وحذر إسرائيل في ردها، ففي الشهرين الأولين للقتال منذ عاد الحزب للعمل بعد وقف إطلاق النار في غزة، فإنه يظهر توجهاً للتصعيد في حجم وطبيعة القتال بسبب الديناميكية المتطورة بين الطرفين. في الأسابيع الأخيرة، خصوصاً عقب ازدياد مستوى نشاطات الجيش الإسرائيلي التي انتقلت النشاطات بالتدريج من عمليات الإحباط والرد لغرض الدفاع إلى نشاطات هجومية مع تجاوز قواعد اللعب التي حاول حسن نصر الله إملاءها.
برز في هذا الإطار هجمات في عمق جنوب لبنان والمس ببنى تحتية استراتيجية وأهداف نوعية لحزب الله على مسافة بعيدة عن الحدود. إضافة إلى ذلك، هاجم الجيش الإسرائيلي (في 2 كانون الثاني) حي الضاحية في بيروت، معقل حزب الله، واغتال صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية، وستة نشطاء من حماس. كان تحدياً إسرائيلياً تجاوز قواعد اللعب التي كانت عشية المعركة وأثناءها، هذا رغم تهديدات حسن نصر الله بالمس بمن يتجرأ على مهاجمة أهداف في لبنان، من بينها قادة تنظيمات يستضيفهم لبنان. في خطابه بعد عملية الاغتيال (في 3 كانون الثاني)، وعد حسن نصر الله برد على الهجوم في بيروت، فهاجم قاعدة مراقبة لسلاح الجو في جبل ميرون (في 6 كانون الثاني)، حسب قوله، بواسطة 62 صاروخاً (40 صاروخاً و22 قذيفة مضادة للدروع)، تسببت بأضرار مادية للقاعدة، لكن لم يصب أشخاص، رغم ادعاء حسن نصر الله بأن الـ 18 صاروخاً المضادة للدروع أصابت أهدافها. وثمة تصعيد آخر حدث عقب رد إسرائيل، شمل هجمات في العمق وعدداً من تصفيات لقادة في “قوة الرضوان”، على رأسهم وسام طويل، القائد الفعلي للقوة (في 8 كانون الثاني)، بعد يوم تمت تصفية حسين البرجي، قائد الوحدة الجوية الجنوبية في حزب الله، المسؤولة عن إطلاق المسيرات نحو إسرائيل (حزب الله نفى هذا الدور).
من ميزان مؤقت لنتائج القتال، يبدو أنه حدثت أضرار كبيرة للطرفين في البنى التحتية والممتلكات. ولكن يبدو أن الضرر العسكري لبنى حزب الله أكبر منها لدى الجيش الإسرائيلي، الذي دمر جميع مواقع ونقاط مراقبة لحزب الله على طول الحدود، كما دمر قيادات ومخازن سلاح وأهدافاً استراتيجية. في التقرير اليومي (في 7 كانون الثاني) قال المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي إن هجمات الجيش أدت إلى تدمير منظومة “حزب الله” المضادة للطائرات، وأنه يعمل بحرية كاملة في المجال الجوي داخل لبنان. وقال أيضاً إنه تم سحب نشطاء “قوة الرضوان” إلى الخلف، بصورة تعرقل نشاطاتها. على سبيل المثال، في 30 كانون الأول قال المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي إن 80 في المئة من الصواريخ التي أطلقت من لبنان في اليوم السابق سقطت في الأراضي اللبنانية. تكبد حزب الله أيضاً خسائر كثيرة في الأرواح. حتى الآن، أبلغ رسمياً عن قتل 160 من نشطائه (يبدو أن العدد أكبر) مقابل 9 قتلى من الجيش الإسرائيلي. في المقابل، إنجازات حزب الله في الأساس هي في المجال المدني، حيث الإنجاز الأكبر الذي ينسبه لنفسه عند بداية الحرب، وهو إخلاء نحو 60 ألف شخص من سكان المستوطنات القريبة من الجدار في الطرف الإسرائيلي، وآلاف الأشخاص من سكان الشمال الذين أخلوا بإرادتهم، إلى جانب تدمير واسع للبيوت في البلدات و”الكيبوتسات” على الحدود (المطلة والمنارة مثلاً) والأضرار الاقتصادية لسكان الشمال. أما في الطرف اللبناني فتم إخلاء 80 ألف شخص (العدد الرسمي) من سكان القرى الواقعة في المجال القريب من الحدود، وتضرر روتين الحياة أيضاً هناك.
يبدو أنه رغم الثمن الباهظ الذي يدفعه حزب الله من جراء استمرار القتال، فإن الحديث يدور عن ثمن قابل للتحمل كونه يخدم الدفع قدماً بأهدافه الاستراتيجية وأهداف المحور الذي يقف على رأسه هو نفسه إلى جانب إيران، أهداف كانت تقف وراء قرار فتح الجبهة في الشمال:
1- في السياق الفلسطيني: إلى جانب إظهار التضامن مع الفلسطينيين، فقد استهدف القتال تثبيت الجيش الإسرائيلي في جبهة أخرى ومنعه من تدمير سلطة حماس في قطاع غزة، أو على الأقل تقليص إنجازات إسرائيل في الحرب.
2- في المواجهة مع الجيش الإسرائيلي: الحفاظ وتحسين ميزان القوة والردع لصالح حزب الله في “اليوم التالي” للحرب.
3- في صالح إيران: الإسهام في تحقيق مصالح إيران، مثل المس بإسرائيل وإضعافها، لا سيما إزاء استعداد إيران المحدود بالرد بشكل مباشر على النشاطات الإسرائيلية ضدها.
4 – في صالح جبهة المقاومة: قيادة استراتيجية “وحدة الساحات” في القتال أمام إسرائيل، التي كان حسن نصر الله شريكاً مهماً في بلورتها بالتعاون مع إيران ويشكل العامل الرئيسي في تنفيذها.
السؤال الرئيسي الآن هو: كيف يمكن تطبيق المصالح الإسرائيلية، وتجسيد قدرة إسرائيل بالفعل على المس بحزب الله، وجباية ثمن باهظ منه وإبعاد قواته عن الحدود، دون أن يؤدي ذلك إلى حرب شاملة في المنطقة الشمالية؟ هذا السؤال يبرز أكثر إزاء حاجة إسرائيل إلى التمكين من عودة سكان الشمال الذين تم إخلاؤهم، إلى بيوتهم، مع ضمان أمنهم وشعورهم بالأمان، الذي اهتز عقب أحداث 7 تشرين الأول.
في الوقت الحالي، يجري القتال في الشمال بقوة كبيرة، وفعلياً هذه حرب استنزاف متبادلة. ولكنها ليست شاملة حتى الآن، حتى لو بقيت إمكانية التدهور إلى حرب شاملة قائمة. ولكن للطرفين عوامل كابحة من الداخل والخارج، لا سيما الضغط الذي تستخدمه الولايات المتحدة على الطرفين، تحديداً على إسرائيل، ويبدو على إيران أيضاً، لمنع حرب إقليمية، في الوقت الذي تعمل فيه للمضي بحل سياسي يؤدي إلى وقف الحرب. يبدو أن حزب الله غير معني بحرب شاملة في هذه المرحلة، ونعرف ذلك من خصائص قتاله ومن خطابات حسن نصر الله، رغم تهديده العلني بأن حزبه سيعمل بدون ضوابط وبكل الوسائل التي بحوزته وبدون قوانين أو حدود إذا ما اندلعت حرب كهذه. إسرائيل من ناحيتها تتعامل في هذه المرحلة مع الساحة الشمالية كساحة ثانوية نسبياً مقارنة بساحة غزة، التي تقتضي استثماراً كبيراً، في الوقت الذي يعطيه الانتقال إلى المرحلة الثالثة في غزة هامش مناورة لمواصلة نشاطاتها في الشمال.
رغم جهود الولايات المتحدة وفرنسا للدفع قدماً بعملية سياسية، لكن يبدو أن أدوات الضغط السياسية على حزب الله ما زالت محدودة، وليس في اقتراحات الوسيط الأمريكي عاموس هوكشتاين، ما يمكن أن يغري أو يدفع حزب الله إلى وقف إطلاق النار والموافقة على انسحاب قواته من الحدود، خصوصاً مع استمرار القتال في قطاع غزة. على كل الأحوال، يبدو أن الحكومة اللبنانية أيضاً تقوم في هذه المرحلة بملاءمة نفسها مع مواقف حزب الله. فهي تطالب بوقف القتال في قطاع غزة وتتشدد في مواقفها بخصوص المفاوضات مع إسرائيل على ترسيم الحدود البرية.
على خلفية ذلك، ما دام القتال مستمراً على الحدود مع لبنان، فعلى إسرائيل مواصلة أو حتى زيادة نشاطاتها العسكرية بشكل منهجي وحازم من أجل المس بشكل كبير ببنى حزب الله التحتية وبقوة الرضوان، وبذلك ستحقق الثمن الباهظ الذي سيدفعه حزب الله ولبنان بسبب استمرار استفزاز إسرائيل والاقتراب من الحدود والبلدات الإسرائيلية. هذه فرصة لإسرائيل من أجل ترسيخ قواعد اللعب التي هي معنية بها، والتي هي مختلفة عن التي حاول حسن نصر الله إملاءها حتى 8 تشرين الأول الماضي. هذه النشاطات العسكرية قد تؤدي إلى وضع جديد على طول الحدود، يمكّن في المرحلة الأولى من عودة سكان الشمال الذين تم إخلاؤهم إلى بيوتهم، وخلق أساس متفق عليه بخطوات سياسية في المستقبل، وترتيب الوضع على طول الحدود على المدى البعيد، وفي الوقت نفسه ستبقى إسرائيل في يدها قرار هل ومتى سيتم الدفع قدماً بعملية عسكرية واسعة من أجل إزالة تهديد حزب الله.
أورنا مزراحي ويورام شفايتسر
المصدر: صحيفة القدس العربي




عمليات الاغتيال الإسرائيلية: الآثار الهشّة ووهم التأثير

شكلت الحرب ما بعد طوفان الأقصى نقطة تحول في إعادة تفعيل برنامج الاغتيالات الأمريكي الإسرائيلي. وشهدت المنطقة مجموعة من العمليات المتتالية التي شكّلت حلقات متسلسلة في استهداف قوى المقاومة. بيد أن اللافت أنها بدأت في الشهر الثالث من الحرب على غزة، أي بعد مضي شهرين على الحرب دون تحصيل إنجاز عسكري ولا أمني داخل فلسطين؛ فكان قرار الاغتيال وتحقيق إنجاز ولو خارج رقعة القتال والنزاع.

ماهي آثار الاغتيال الواقعية؟

يؤشر اللجوء إلى عمليات الاغتيال في الشهر الثالث من الحرب على غزة إلى ضعف رصيد منجزات الكيان في الحرب العسكرية وعجزه عن ردم الهشاشة التي كشفها طوفان الأقصى، وانكشاف دوره الوظيفي في المنطقة. لذا، يسعى الكيان إلى مراكمة النقاط بكل الوسائل المتاحة مستفيداً من القدرات التكنولوجية المتقدّمة والدعم الأمريكي غير المسبوق.

يشير تقييم آثار استراتيجية الاغتيال أو قطع الرأس إلى هشاشة الفعالية. ويعترف المراسل العسكري الإسرائيلي، ألون بن ديفيد، في مقالة له في صحيفة معاريف، أن سياسة الاغتيالات “لا تؤدي إلى إنهاء ظاهرة قيادات المقاومة والنشطاء الفلسطينيين، بل إلى استبدال آخرين بهم”، وأنها قد تقود إلى نتائج عكسية وإلى “تغذية دوامة الدم والعنف وتوسيعه”، بحسب تعبيره.

وفي تجربة المقاومة في لبنان، أثبت اغتيال السيد عباس موسوي، أمين عام حزب الله السابق، والحاج عماد مغنية والحاج مصطفى بدر الدين والحاج حسان اللقيس، وغيرهم من القادة الميدانيين أن الاغتيال قد ينجح في توليد اهتزازات لكنها لا ترقى أن تصبح حالة، بل على العكس تستنفر العزيمة والطاقات والإصرار نحو مزيد من التماسك والتنامي وزيادة القدرات، وفي ذلك يقول ألون بن دافيد لقد حوّل السيد حسن نصر الله الذي خلف السيد عباس، ” الحزب من جماعة صغيرة إلى جيش منظم”. وقد أثبتت تجربة المقاومة على مدى الأربعين عاماً الماضية أنها ظاهرة متجذرة في الفكر والعقيدة والوعي المجتمعي، وأنّ أيًّا من اغتيالات القادة لم توقف المسار التراكمي لبناء القوة والردع.

التأثير التراكمي لمسار الاغتيالات

لم تنجح عمليات الاغتيال في الحدّ من عزيمة المحور على إكمال عملية بنائه، إنّ هذه التجارب هي جزء من مسيرة المحور برمته، لا سيما، استشهاد الحاج قاسم سليماني والحاج أبو مهدي المهندس، وغيرهم من القادة الميدانيين في سوريا والعراق وإيران. واليوم، بدأ الكيان المؤقت ومعه الولايات المتحدة سلسلة الاغتيالات التي قد تستمر وتتجدّد، وفي ساحات جديدة، يتوقعها المحور، لكن نتائجها ستتّسم بعدم الفاعلية والكفاءة، والتجربة هي الدليل.

عندما فقدت المقاومة أمينها العام، السيد عباس الموسوي، في أوائل التسعينيات، كانت المقاومة في جنوب لبنان ما زالت تعيش مقدماتها الأولى، ومع ذلك نمت وتطوّرت، وتجاوزت كل تداعيات الاغتيالات التي تعرّضت لها طوال العقود الماضية، لأنها حركة ترتكز على المسيرة والنهج، كما هو حال بقية حركات المقاومة في المنطقة، التي عزّزت تماسكها والتحامها البنيوي مع الشعب. وفي حين حدّد الإسرائيلي ضمن أهدافه الأولى ما بعد طوفان الأقصى هدف القضاء على حركة حماس متوعّداً باغتيال قادتها وكوادرها، إلا أنه هدف واهم غير واقعي لأن حركة المقاومة الفلسطينية، وكبقية الحركات، حركة فكرية عقائدية سياسية وشعبية لا يؤدي اغتيالات قادتها إلى القضاء عليها، وهل نجحت تجربة برنامج فينيكس الأمريكي في القضاء على المقاومة الفيتنامية أو نجحت الاغتيالات الإسرائيلية في القضاء على المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية؟ واليوم، تختلف العوامل والظروف المحيطة بحركات المقاومة التي تنامت وتطور أداؤها السياسي والعسكري، وباتت أكثر قابلية للتكيف مع المستجدات المتغيرة والطارئة على الأرض، وأكثر امتهاناً للمناورة والاستفادة من نقاط المرونة إلى حد كبير، إضافة إلى تطوير تدابير وتكتيكات مضادة، وفي طليعتها احتضان البيئة المقاومة ومشاركتها استراتيجيات الصمود والتكيف مع الضغوط.


المصدر: مركز دراسات غرب آسيا




الحرب على غزة وتمثلات الذات الغربية في الصحافة العربية

كيف تُقدِّم الصحافة العربية الذات الغربية في علاقتها بالحرب الإسرائيلية على غزة وجرائم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني؟ وما الأطر التي تستخدمها في تمثُّلاتها لهذه الدول الغربية وبناء المعاني التي تشكِّل أبعاد ومكونات صورتها؟ وما المدركات والمحددات الاجتماعية والسياسية التي تستعين بها الصحافة العربية في بناء “نسق معرفي” للذات الغربية؟ ذلك هو السؤال المركب الذي يحاول التعليق الإجابة عليه.


في ظل استمرار عملية الإبادة الجماعية بصورها المختلفة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وتواصل الدعم العسكري والمالي والسياسي والإعلامي الأميركي والغربي للحرب التي تشنها إسرائيل على غزة، منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، برزت في الصحافة العربية صورة للذات الغربية مناقضة للقوة المعيارية التي تُقدِّم بها نفسها للعالم. وتستصحب هذه القوة المسؤولية الأخلاقية والرمزية لحماية سيادة القانون الدولي واحترام قرارات المؤسسات الدولية في تحقيق وحفظ السلم والأمن، وتعزيز حماية حقوق الإنسان والحرية والمساواة والعدالة. وتُظهِر النماذج القصدية للصحافة العربية تمثُّلاتها لأبعاد هوية الذات الغربية، ومدركاتها عن الصورة التي تشكَّلت لهذه الذات في سياقات مختلفة؛ إذ تبدو كيانًا مُتَحلِّلًا من أي مسؤولية أخلاقية أو إنسانية تجاه ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكذلك داعمًا لـ”الإرهاب الصهيوني والإبادة الجماعية”. وترى الحرب على غزة “استكمالًا للمشروع الإمبريالي الغربي” الذي يروم تصفية القضية الفلسطينية عبر سياسة التطهير العرقي والتجهير القسري.

ليست هذه المرة الأولى التي تبرز فيها صورة مناقضة تمامًا للقوة المعيارية لأميركا، والغرب عمومًا، لاسيما في علاقتهما بالقضية الفلسطينية، أو القضايا التي تهم العالمين العربي والإسلامي؛ إذ لطالما حاولت الدبلوماسية الأميركية أن تُرمِّم هذه الصورة النمطية و”تُعقِّمها” في محطات مختلفة خلال العقود الثلاثة الماضية على الأقل. وقد ظهر ذلك بقوة في عهد الرئيس الأسبق، باراك أوباما، الذي توَّجَه منذ الأيام الأولى لولايته الرئاسية بما سُمِّي “خطاب المصالحة” مع العالم الإسلامي انطلاقًا من العاصمة التركية، أنقرة، (6 أبريل/نيسان 2009)، ثم العاصمة المصرية، القاهرة، (4 يونيو/حزيران 2009)، وذلك بعد حربين مدمرتين خاضهما سلفه الرئيس الأسبق، جورج بوش الابن، في أفغانستان والعراق. ولا تزال حتى اليوم صور سجن “أبو غريب” في بلاد الرافدين وانتهاكات حقوق السجناء العراقيين، وقتل المدنيين الأفغان، مظهرًا لهشاشة هذه القوة المعيارية ووسمًا لزيف خطاب الدَّمَقْرَطة والحرية والعدالة عبر الدبابة الأميركية.

على الرغم من هذا الجهد الدبلوماسي/التطبيعي لإدارة أوباما من أجل تحسين صورة أميركا في العالم الإسلامي، فلا تزال صورة “المحتل الأميركي” للعراق وأفغانستان في المخيال السياسي والشعبي لهذه الدول، فضلًا عن حروبها في غرب باكستان وقبل ذلك في الصومال. وتزداد هذه الصورة قتامة فيما نطالعه عبر نماذج من الصحافة العربية اليومية خلال الحرب على غزة، وتُحاجِج وسائل الإعلام على هذا النزوع الأميركي للحروب ومشاريعها للهيمنة بطبيعة نشأة الدولة الأميركية نفسها كما سنرى لاحقًا. وهنا، يحاول هذا التعليق الإجابة على السؤال المحوري المركب: كيف تُقدِّم الصحافة العربية الذات الأميركية، والغربية عمومًا، في علاقتها بالحرب الإسرائيلية على غزة وجرائم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني؟ وما الأطر التي تستخدمها في تَمَثُّل الذات الغربية وبناء المعاني التي تشكِّل أبعاد ومكونات صورتها؟ وما المدركات والمحددات الاجتماعية والسياسية التي تستعين بها الصحافة العربية في بناء “نسق معرفي” (الأطر الإعلامية) للذات الغربية؟   

الفعل الحربي والمسؤولية عن مساراته

تنطلق النماذج الصحفية العربية من محددات وتصورات وقيم تُشكِّل في مجموعها نسقًا معرفيًّا مبنيًّا على الأطر الإعلامية التي تحدد رؤيتها للذات الأميركية وعلاقتها بالحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، وكذلك علاقتها بالقضية الفلسطينية. وهنا، تربط بعض النماذج الصحفية الحربَ على غزة -كفعل وعملية عسكرية غير مسبوقة لمواجهة حركات المقاومة من أجل تحقيق أهداف عسكرية وسياسية والتأثير في علاقات وموازين القوة- بالولايات المتحدة الأميركية أساسًا. وتنظر إلى واشنطن باعتبارها “شريكًا في العدوان وليست وسيطًا” محايدًا، فقد “أعطت إسرائيل الضوء الأخضر للمضي قدمًا في الحرب”. ولذلك ترى هذه النماذج أن “الحرب تُمثِّل قضية شخصية للرئيس الأميركي، جو بايدن”؛ إذ “منذ اليوم الأول، وضعت الإدارة الأميركية، ومعها الأذرع السياسية والدبلوماسية والإعلامية، كل انشغالاتها على الرف وفرَّغت جهدها ومواردها لبحث سبل المشاركة في الحرب…”. كما أن “البريطانيين والألمان والفرنسيين الذين يختلفون على أي شيء اتفقوا في لمح البصر على المشاركة الملموسة في الحرب”.

إذن، يُظهر هذا التأطير أن الحرب “فعلٌ أميركي” بقيادة رأس هرم الإدارة الأميركية، وجهد عسكري لمواجهة الفلسطينيين بمشاركة دول غربية كثيرة؛ ما يعني أن “الفعل الحربي” على غزة يخص هذه الدول مباشرة لأهداف مختلفة قبل الاحتلال الإسرائيلي. وتحاول النماذج الصحفية أن تقيم الحجة على ذلك بما تراه مشاركة في ميدان الحرب من قِبَل الدول المذكورة التي سارعت إلى “شحن الصواريخ والقنابل وغيرها من الأسلحة الفتاكة ومعها الخبراء والضباط والجواسيس باتجاه تل أبيب… وأجهزة الرقابة والتجسس الأميركية والأوروبية…”، فضلًا عن “التغطية الإقليمية بالبوارج الحربية في أعالي البحار والمحيطات القريبة بقيادة أميركية”.

ولدعم تصورها عن إطار “الفعل الحربي”، الذي تخوضه الولايات المتحدة والدول الغربية في قطاع غزة، وأطروحتها لما تُسمِّيه النماذج الصحفية بـ”العدوان”، تشير إلى “مسؤولية” هذه الدول عن استمرار الحرب (إطار المسؤولية)، وتؤكد أن “أميركا هي المسؤولة عن الجولة الثانية من العدوان، كما الجولة الأولى… إن عودة العدوان بشقيه، العسكري البري والإبادي المدني، ما كان ليتم لولا الموقف الأميركي الذي راح يغطيه، وتشارك بريطانيا أيضًا في هذه الجولة”. وتربط هذه النماذج “مسؤولية أميركا” عن استمرار الفعل الحربي أو “العدوان” على غزة بـ”استخدامها حق النقض في مجلس الأمن، يوم السادس عشر من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لمنع مشروع قرار يدعو إلى وقف إطلاق النار في غزة لأسباب إنسانية، وإطلاق سراح جميع الرهائن من كلا الطرفين وفتح الممرات الإنسانية… وفي الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2023، استخدمت الولايات المتحدة حق النقض للمرة الثانية في وجه مشروع قرار بشأن هدنة إنسانية في غزة بعدما صوَّتت 12 دولة لمصلحة القرار بما فيها الصين؛ ما يُظهِر اللامبالاة الأميركية تجاه المأساة الإنسانية في غزة”. لذلك تتحمل الإدارة الأميركية وزر ما جرى (المسؤولية)؛ لأن دستورها ينص على حماية المدنيين أينما كانوا ولكنها تدعم حكومة الاحتلال.   

ويُؤطِّر النسق المعرفي، الذي تُشيِّده النماذج الصحفية للذات الأميركية، الفعلَ الحربي على غزة في سياق “هجمة استعمارية غربية جديدة تتقدَّم فيها الدولة الصهيونية الصفوف”، لذلك يُمثِّل هذا الفعل استمرارًا لممارسات الماضي، مثل الاستعمار وتقسيم المنطقة، حيث لا يسمح الغرب بهزيمة ولو معنوية لإسرائيل. وقد عَجِلَت الدول الغربية، التي يُسمِّيها هذا النسق بـ”الإمبريالية الغربية”، إلى المنطقة لحماية إسرائيل والاستثمار في الحرب؛ إذ “لا تهمها الأرواح البشرية التي تسقط كل يوم بقدر ما تهمها الأرباح التي تجنيها وقت الحرب والسلم”. ولذلك “كانت الإمبريالية الغربية دائمًا منحازة ليس إلى القيم، وإنما إلى مصالحها وحلفائها الذين ينفِّذون سياستها الدولية”. وتكشف الحرب -بحسب النسق المعرفي للنماذج الصحفية المختارة- إصرار بريطانيا على مواصلة سياسة وعد بلفور بطرق جديدة؛ إذ لا تزال لحد الآن ومنذ أكثر من قرن من الزمن تعرقل مسار تحرير فلسطين، بل يرى هذا النسق أن “العدوان” على غزة يدخل في نطاق الحرب الحضارية للهيمنة الثقافية والدينية على شعوب المنطقة، والتحالف السياسي-الديني للمسيحية-الصهيونية.

وتعود هذه النماذج إلى مقارنة تداعيات غزو العراق مع ما يجري في قطاع غزة، وتُحذِّر من تحول غضب الشعوب المضطهدة إلى زيادة التطرف. وترى أن غزو العراق الذي أسهم في زيادة التعصب والتخندق الديني في صراع الأديان وصدام الحضارات بين الشرق والغرب، يلقي بظلاله على الحرب التي تشنها إسرائيل على غزة؛ إذ ستُسهِم في اتساع الهوة بين الشمال والجنوب؛ الأمر الذي يجعل تداعيات هذه الحرب أشبه بتداعيات الحرب على العراق.  

التهجير القسري والإبادة الجماعية

بعد دخول الحرب على غزة شهرها الرابع لا تزال الولايات المتحدة الأميركية تنفي أن يكون جيش الاحتلال الإسرائيلي ارتكب أي عملية يمكن وصفها بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني، بينما تشير الأعمال الحربية لإسرائيل إلى سقوط آلاف الضحايا جراء القصف الممنهج الذي يُدمِّر المساكن فوق رؤوس المواطنين. ويستهدف أيضًا المدراس والملاجئ التابعة للأونروا، التي طُلِب من النازحين اللجوء إليها، وهو ما يفسر ارتفاع عدد الضحايا في صفوف النساء والأطفال. كما دمَّرت الآلة العسكرية الإسرائيلية بأسلوب ممنهج البنية التحية وجميع الرموز الدينية والثقافية وكل مصادر ومقومات الحياة الإنسانية من أجل تهجير السكان خارج القطاع؛ لأن قوات الاحتلال لا ترى في الفلسطينيين سوى “حيوانات بشرية” يجب منع الكهرباء والماء والغذاء عنها، بل ومحوها حتى لو تطلب ذلك استخدام السلاح النووي، كما صرح وزير التراث في الحكومة الإسرائيلية، عميحاي إلياهو. وعلى الرغم من هذه السياسة الإسرائيلية الممنهجة في التدمير المادي لحياة الفلسطينيين، وإلحاق الأذى الجسدي والروحي بالمدنيين والتحريض المباشر عليه، ومحاولة إخضاعهم عمدًا لظروف تصبح فيها الحياة مستحيلة بقطاع غزة والاشتراك في ذلك، وهي الجرائم التي تنص عليها اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948، يصر وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، على أن “الإبادة الجماعية ليس لها أي أساس”، وهو ما تنقُضه النماذج الصحفية المختارة التي ترى أن إسرائيل تخوض حربًا وحشية ضد الفلسطينيين “تتجاوز فيها جميع المعايير القانونية وتنتهك الشرعية الدولية والأعراف الإنسانية بدعم أميركي للآلة الوحشية بالسلاح والإعلام ومنع إدانتها دبلوماسيًّا؛ إذ شجعتها على استمرار الحرب التي تحصد الأطفال والنساء والشيوخ وتمحو البشر والحجر وكأنها تستدعي تجربة إبادة الهنود الحمر على أيدي المستوطنين الأوروبيين”.

ويرى بعض هذه النماذج أن ما يتعامى عنه المسؤولون الإسرائيليون، أمثال نتنياهو، ورئيس دولة الاحتلال، يبدو حقائق ساطعة سبق أن أبصرها العضو في الكنيست الإسرائيلي، عوفر كاسيف، الذي انضم إلى دعوى قدَّمتها جنوب إفريقيا إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي بشأن ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة، واتهم حكومة بنيامين نتنياهو بانتهاج التطهير العرقي والإبادة الجماعية في قطاع غزة.

ولأن عملية الإبادة التي تستهدف الشعب الفلسطيني تتم بسلاح أميركي ومستشارين عسكريين يشاركون في الحرب -بحسب النماذج الصحفية- فليس هناك أي خلاف جوهري بين الطرفين اللذين يواصلان “حرب الإبادة الجماعية التي يتولاها جيش القتلة في قطاع غزة”. وقد أسهم تأييد الحكومات الغربية للعدوان، وحق إسرائيل المزعوم في الدفاع عن النفس، ورفض وقف إطلاق النار حتى هذا اليوم، في خطورة الإبادة الجماعية. “وهي المرة الأولى التي تُساند فيها هذه الحكومات جهارًا حرب إبادة جماعية”. بينما تربط بعض النماذج الصحفية ما يجري بأطراف محددة وتسميها بـ”حرب الإبادة الصهيوأميركية التي تنفذ بوحشية وعنف كبيرين”، وتُعلِّل ذلك بـ”العدوانية الأميركية والكراهية الشديدة التي تبديها واشنطن إزاء الشعب الفلسطيني عبر دعمها احتلال أرضه وتغاضيها منذ أزيد من نصف قرن عن المشروع الصهيوني الاستيطاني العنصري، بل اعترافها بالقدس عاصمة موحدة لليهود”. وترى أن هذا القتل المهول الذي يستهدف المدنيين ليس له أي غاية سوى تهجير الفلسطينيين إلى أي مكان خارج حدود القطاع، وإعادة ترتيب الوضع السياسي والأمني للقطاع بما يتضمن تهجيرًا واسعًا يمهد له بمجازر وتطهير وإبادة عشرات الآلاف. وتُبيِّن نماذج أخرى أن ترتيب الوضع يتجاوز غزة إلى رسم خرائط جديدة للمنطقة كما يُخطِّط له “جدول الأعمال الصهيوأميركي/الأوروبي”.  

السجل التاريخي

لا تكتفي النماذج الصحفية المختارة -في رؤيتها لعلاقة الذات الأميركية والغرب عمومًا بالإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين- بانتقاد مشاركة واشنطن فيما تراه عملية تدمير ممنهج لمصادر الحياة في قطاع غزة واستخدام الفيتو لمنع وقف إطلاق النار الذي يحصد أرواح آلاف المواطنين -كما ذُكِر آنفًا- وإنما تحاول هذه النماذج أن تجد في صفحات التاريخ المعاصر والحديث حججًا وأدلة تؤكد من خلالها النزوع الأميركي نحو الإبادة الجماعية في التعامل مع الشعوب المستعمَرة أو الدول التي شنت عليها حروبًا. وترى النماذج الصحفية، في سياق بناء النسق المعرفي للذات الأميركية وإبراز هويتها، أن “سجل أميركا الخارجي حافل بدعم أنظمة استبدادية، وتدمير بلدان، وإلقاء قنابل على مدنيين أبرياء، أكثر من أي دولة أخرى وفق نظرية الرجل المجنون الحربية”. وتشير إلى الصراعات التي أشعلتها الولايات المتحدة في مناطق مختلفة في التاريخ المعاصر، وتمتد من “أفغانستان إلى العراق واليمن وليبيا، وفي الشرق الأوسط وعنوانها الأبرز فلسطين، وكانت خلالها أميركا طوال عقود تدير الأزمات لصالح إسرائيل، ولم تهتم يومًا لحقوق الشعب الفلسطيني، وبات من الواضح أنها وافقت إسرائيل على حرب الإبادة والتهجير بضوء أخضر، وبدعم مطلق على جميع المستويات”.

وتؤكد نماذج أخرى أن الولايات المتحدة لم تتردد في ارتكاب أبشع الجرائم على مر العصور من أجل تحقيق أهدافها في مجال العلاقات الدولية رغم السياسة المليئة بالشعارات الإنسانية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحرية والأمن الإنساني. فقد قام الأميركيون بدور رئيسي في مذبحة هنود أميركا الشمالية عبر التهجير القسري، وأيضًا الحروب التي أودت بحياة الملايين من الهنود الأميركيين الأصليين. وفي التاريخ المعاصر، قصفت الولايات المتحدة مدينتي هيروشيما وناغازاكي بقنبلتين نوويتين خلال الحرب العالمية الثانية بأمر من الرئيس هاري ترومان ضد إمبراطورية اليابان، مما أدى إلى دمار واسع النطاق وقتل أعداد كبيرة من سكان هاتين المدينتين.

ولا تختلف صورة الذات الأوروبية وهويتها عن الذات الأميركية، فقد خاض حلفاء الاحتلال الغربيون حروبًا مشابهة خلال تاريخهم الحديث ضد السكان الأصليين، الذين تم القضاء على كثير منهم خلال غزو المستعمرات. كما خاض أغلبهم حروبًا غير متكافئة مع المقاومين للاستعمار في مجمل دول الجنوب أدت إلى مقتل عشرات الملايين. 

زيف خطاب حقوق الإنسان

تُظهِر الجرائم التي ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، والدعم العسكري والمالي والسياسي والإعلامي الذي يحظى به لمواصلة تدمير قطاع غزة والقضاء على جميع مصادر الحياة الإنسانية، الأزمةَ الأخلاقية التي تعيشها القوة المعيارية للغرب عندما يتعلق الأمر بحقوق الإنسان الفلسطيني وحقه في الحرية والعدالة وإنشاء دولته المستقلة. فقد فضحت الحرب من جديد وبوضوح -كما ترى النماذج الصحفية المختارة- “الكم الهائل من الهراء الذي يتفوه به المسؤولون الغربيون حول حقوق الإنسان وحرية التعبير”. وكشفت زيف خطاب حقوق الإنسان باستخدام أميركا حق النقض ضد مشروع قرار يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في قطاع غزة لتعطي إسرائيل ضوءًا أخضر لارتكاب مزيد من المجازر.

وتشير هذه النماذج إلى التوظيف السياسي لمنظومة حقوق الإنسان في العلاقات الدولية، وتؤكد أن الحرب على غزة تُبيِّن جدية أطروحة القائلين إن منظومة حقوق الإنسان كما يتبناها الغرب لا تقوم على أي أساس أخلاقي مجرد، وإنما على أساس معايير انتقائية وتمييزية مزدوجة. وهذا ما يجعل من مطالبات الدول الغربية باحترام حقوق الإنسان ورقة ضغط ومساومة ضد الأنظمة المعادية لها. وتدعم هذا الرأي سرعة استجابة هذه المنظومة لما يُعتقَد أنها جرائم حرب ارتكبتها روسيا في حربها على أوكرانيا وتخاذلها أمام الجرائم المروعة التي يرتكبها الاحتلال في غزة.

الفشل في مواجهة المقاومة

على الرغم من القوة العسكرية التي تمتلكها إسرائيل والدعم العسكري الذي تتلقاه من الغرب، فإنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها العسكرية المعلنة بشأن تدمير حركة حماس والقضاء على البنية التحتية العسكرية لحركات المقاومة؛ إذ ترى النماذج الصحفية المختارة أن “الاحتلال الإسرائيلي يغرق في مستنقع غزة” كما غرق قبله الجيش الفرنسي في الجزائر التي انسحب منها، في 5 يوليو/تموز 1662، بعد استحالة القضاء على المجاهدين في مغاراتهم بالجبال، “والأمر ذاته حدث للاحتلال الأميركي في السبعينات مع ثوار فيتنام المتحصنين بالأنفاق، وكذلك مع طالبان في كهوف جبال تورا بورا بأفغانستان بين 2001 و2021. وقد كان يضطر إلى التسليم بالهزيمة في كل مرة والانسحاب مدحورًا رغم امتلاكه لأقوى جيش في العالم”. وتقرن هذه النماذج هزيمة الاحتلال (إطار الفشل) بصمود حركات المقاومة الفلسطينية التي تُلحِق خسائر بشرية ومادية كبيرة بالجيش الإسرائيلي، وترى أن ذلك يمثِّل هزيمة كبيرة لداعميه أيضًا، “وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية التي وفرت للاحتلال ترسانة هائلة من الأسلحة المدمرة في هذه الحرب، وكانت شريكًا فعليًّا له في مذابحه بحق آلاف الأطفال والنساء، وستكون هزيمة لبريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وباقي دول تحالف الشر والعدوان التي ساندت الاحتلال ودعمت جرائم الإبادة والتطهير العرقي التي يرتكبها”.

ومن المنظور الإستراتيجي، تتعرض الولايات المتحدة الأميركية -بحسب النماذج الصحفية المختارة- إلى خسائر إستراتيجية “تفوق خسائر الكيان العسكرية والسياسية أضعافًا مضاعفة، بصرف النظر عما ستؤول إليه الحرب”. فقد فضحت الشراكة بينهما أكذوبة القيم الأميركية، وغذَّت كراهية الشعوب العربية والإسلامية والعالم الحر كله للنظام الأميركي الذي يكيل بمكيالين، ويختبئ خلف شعارات القوانين الدولية، والديمقراطية الزائفة، وحقوق الإنسان، والعدالة، “وأصبحت دول العالم المقموعة تترقب لحظة الانهيار الأميركي ليزول ثقله عن صدورها”.

وتُعلِّل هذه النماذج فشل الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه في تحقيق أهدافه بعمل ودور المقاومة الفلسطينية في ذلك، ورفض الشعب الفلسطيني للتهجير، وصموده الأسطوري وإصراره على الثبات في أرضه الفلسطينية والتفافه حول المقاومة التي حالت دون سيطرة الاحتلال على القطاع لاستكمال مخططاته على الأرض بهدف التخلص من الفلسطينيين وترحيلهم خارج فلسطين لتكون خالصةً لليهود ولتكون إسرائيل دولة يهودية.

إذن، تُظهِر أبعاد النسق المعرفي للذات الأميركية والغربية عمومًا، في النماذج الصحفية المختارة، الدورَ الذي تقوم به هذه الذات بجانب الاحتلال الإسرائيلي في الحرب على غزة؛ حيث تُقدِّم له جميع أشكال الدعم العسكري والمالي والسياسي والإعلامي لمواصلة جرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها ضد الشعب الفلسطيني. وهو ما يؤثر في صورة هذه الدول التي أصبحت ملوثة بالدمار والخراب في قطاع غزة، لاسيما بعد التحول النوعي في الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية وحقوق الفلسطينيين في الحرية والانعتاق من الاحتلال وإقامة دولتهم المستقلة. وتكشف أبعاد النسق المعرفي للذات الأميركية والغربية -بحسب النماذج الصحفية- أن خطاب حقوق الإنسان والعدالة والديمقراطية ليست له أية قيمة معيارية أمام مصالحها الإستراتيجية مع الاحتلال الإسرائيلي. لذلك، فإن السياق الذي تحاول أميركا أن تؤطر فيه الحرب على غزة وتداعياتها يظل حبيس الهجوم الذي شنَّته حركة حماس، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، على مستوطنات غلاف غزة، ومن ثم العمل والتحرك في جميع الاتجاهات للحيلولة دون تكراره حتى لو تطلب الأمر تدمير القطاع، باعتبار الحركة تمثِّل “العدو” للطرفين. وهذا السياق يأخذ بالحسبان الاحتياجات الأمنية لإسرائيل فقط، ويتجاهل السياق العام للصراع وجذور المشكلة التي تتمثَّل في الاحتلال والاستيطان وسرقة الأرض، لكن رغم ذلك تدرك أميركا أن الاحتلال محكوم عليه بالاندحار كما حصل في الجزائر وفيتنام والصومال وأفغانستان… لأن “الأرض تقاوم مع أصحابها”.  

محمد الراجي

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




مستشفيات غزة في مرمى القصف الإسرائيلي… حصيلة كارثية لـ100 يوم من الحرب

تنص اتفاقية جنيف بشأن حماية المدنيين في وقت الحرب في مادتها الثامنة عشرة على أنه «لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية المنظمة لتقديم الرعاية للجرحى والمرضى، وعلى أطراف النزاع احترامها وحمايتها في جميع الأوقات»، بينما أكدت في المادة التالية على أنه لا يعتبر عملا ضارا وجود عسكريين جرحى أو مرضى تحت العلاج في هذه المستشفيات، أو وجود أسلحة صغيرة وذخيرة أخذت من هؤلاء العسكريين ولم تسلم بعد إلى الإدارة المختصة.

رغم ما نصت عليه الاتفاقية فقد تعرضت غالبية مستشفيات قطاع غزة للضرر نتيجة القصف الإسرائيلي، ما أخرج معظمها عن الخدمة، ومع وصول الحرب في القطاع إلى يومها المائة نستعرض بعض الأضرار التي لحقت بالمنظومة الطبية في القطاع.

مساء 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تعرض المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) في غزة إلى قصف أسفر عن مقتل 471 شخصا، وفق بيان لوزارة الصحة في غزة أصدرته في اليوم التالي. بينما قالت وزيرة الصحة مي الكيلة إن «آثار المجزرة فوق الوصف».

استهداف مستشفى المعمداني كان بداية سلسلة من استهداف المنشآت الطبية، من المراكز الطبية الصغيرة والعيادات إلى مجمع الشفاء الطبي أكبر مستشفيات قطاع غزة.

مجمع الشفاء

يعتبر مجمع الشفاء واحدا من أقدم المستشفيات في قطاع غزة، حيث تم بناؤه في العام 1946 ثم شهد عدة توسعات في أزمنة مختلفة ليصبح أكبر مجمع طبي في قطاع غزة ويضم 3 مستشفيات رئيسية.

بعد بدء الهجوم البري للقوات الإسرائيلية على شمال قطاع غزة في 27 أكتوبر تحولت ساحات المجمع وممراته إلى مأوى للنازحين، بالإضافة إلى العدد الكبير من الجرحى الذي يتوافد على المجمع نتيجة القصف الإسرائيلي.

طفلة مصابة تتلقى العلاج في غزة (وزارة الصحة الفلسطينية عبر تليغرام)

طلبت القوات الإسرائيلية أكثر من مرة من مدير المجمع محمد أبو سلمية إخلاءه، بدعوى وجود أنفاق أسفله تستخدمها حركة «حماس»، لأغراض عسكرية، ورغم اعتراف إيهود باراك، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، بأن إسرائيل هي من بنت أنفاق أسفله خلال توسعة للمجمع الطبي أشرفت عليها خلال سيطرتها على القطاع في ثمانينات القرن الماضي، فإن القوات الإسرائيلية حركت آلياتها لمحيط المجمع وحاصرته لعدة أيام، وقصفت بشكل متفرق أجزاء منه.

في منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) اقتحمت القوات الإسرائيلية المجمع الطبي، وبدأت في تمشيطه وتجريف ساحاته وتنفيذ عمليات استجواب للمرضى والطاقم الطبي، وأفادت تقارير إعلامية بأن أكثر من 100 جندي إسرائيلي اقتحموا حرم المستشفى بآلياتهم العسكرية.

وقال شاهد عيان لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن الجنود الإسرائيليين طلبوا من الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والأربعين عاما مغادرة المبنى. كما أطلق الجنود الإسرائيليون أعيرة نارية في الهواء لإجبار الجميع على المغادرة.

بعد اقتحام المجمع الطبي بعدة أيام اعتقلت القوات الإسرائيلية مديره محمد أبو سلمية، وما زال قيد الاعتقال حتى الآن.

مستشفيات شمال غزة

بعد إتمام اقتحام مجمع الشفاء الطبي، وفي تكرار للسيناريو ذاته، حاصرت القوات الإسرائيلية المستشفى الإندونيسي في شمال قطاع غزة، وبدأت في قصف محيط المستشفى الذي أصبحت ساحاته مأوى للنازحين، وافترش المرضى الأسرة والطرقات.

عانى المستشفى مثل بقية مستشفيات القطاع من نقص في المواد الطبية والوقود اللازم لتشغيل مولدات الكهرباء، بالإضافة إلى ضغط على الطواقم الطبية نتيجة ارتفاع عدد الإصابات منذ بدء القصف على قطاع غزة في 7 أكتوبر.

في يوم 21 نوفمبر تعرض المستشفى الإندونيسي ومستشفى العودة القريب منه إلى قصف مباشر من القوات الإسرائيلية طال المولدات الكهربائية وأجزاء كبيرة من المباني، وفقا للمتحدث باسم وزارة الصحة في غزة أشرف القدرة.

توسيع استهداف المستشفيات والإسعاف

ومع توسع العملية البرية التي تنفذها القوات الإسرائيلية، امتد القصف ليصيب غالبية مستشفيات قطاع غزة من شماله إلى جنوبه. وأبرز المستشفيات التي تعرضت للقصف هي: مجمع الشفاء الطبي، ومستشفى ناصر، والمستشفى الإندونيسي، ومستشفى كمال عدوان ومستشفى الصحابة، ومستشفى العودة، ومستشفى القدس، ومستشفى الأمل.

وقالت منظمة الصحة العالمية، يوم الخميس الماضي، إنها وثقت 625 هجوما على مرافق الرعاية الصحية في الأراضي الفلسطينية «المحتلة» منذ السابع من أكتوبر الماضي.

سيارة إسعاف تضررت نتيجة القصف الإسرائيلي على غزة (وزارة الصحة الفلسطينية عبر تليغرام)

وأكّد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس أنّ الوضع الإنساني في قطاع غزة «لا يوصف»، مشيراً إلى أنّ توزيع المساعدات يُتوقَّع أن يواجه عقبات «يصعب تجاوزها تقريباً».

وقال غيبريسوس، خلال مؤتمر صحافي في جنيف يوم الأربعاء الماضي، «ينتظر الناس مدى ساعات في طوابير ليحصلوا على كمية صغيرة من الماء التي قد تكون ملوّثة، أو الخبز الذي لا يُعدّ مغذياً جداً إذا تم تناوله وحده».

وأشار إلى أنّ «15 مستشفى فقط تعمل بشكل جزئي»، مضيفاً أنّ «النقص في مياه الشرب والمرافق الصحية والظروف المعيشية المزرية أوجدت بيئة مثالية لانتشار الأمراض».

وكرّر الدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار أو أقلّه إنشاء طرق إنسانية آمنة، تتيح توزيع المساعدات على نطاق أوسع في الأراضي الفلسطينية.

بينما ذكرت وزارة الصحة في غزة أن القوات الإسرائيلية استهدفت 150 مؤسسة صحية مما أدى إلى إخراج 30 مستشفى و53 مركزاً صحياً عن الخدمة، بالإضافة إلى استهداف وتدمير 121 سيارة إسعاف.

وأضافت الوزارة، في بيان يوم الخميس الماضي، أن «الانتهاكات الإسرائيلية بحق المنظومة الصحية أدت إلى استشهاد 337 من الكوادر وأصحاب الاختصاص الطبي واعتقال 99 كادرا في ظروف قاسية وغير إنسانية».

وذكرت الوزارة، أمس الأحد، أن عدد القتلى جراء الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة ارتفع إلى 23843 قتيلا و60317 إصابة منذ السابع من أكتوبر الماضي.

أحمد سمير يوسف

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




غزة… 100 يوم وبحر من الدماء

«نكبة» فلسطينية جديدة… إسرائيل تتوحد وراء الحرب… وحلفاء إيران يحركون جبهات الإقليم

بعد 100 يوم من الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، يبدو واضحاً اليوم أن لا مؤشر إلى نهاية قريبة للمأساة، في ظل تمسك إسرائيل بهدف «تدمير حماس» وإسقاط حكمها، في إطار الرد على «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

ورغم أن الحرب لم تنتهِ بعد، وبالتالي سيكون من المبكر الحكم على نتائجها واستخلاص دروس منها، فإن الواضح أن تداعياتها أعادت رسم المشهد الفلسطيني الداخلي، وكذلك الإسرائيلي، وحرّكت جبهات، من جنوب لبنان (حزب الله وإسرائيل)، إلى سوريا والعراق (هجمات جماعات مسلحة ضد الأميركيين)، وصولاً إلى البحر الأحمر (هجمات الحوثيين على السفن التجارية).

وفي انتظار انتهاء الحرب وجلاء نتائجها، هذه جولة على بعض أبرز تداعياتها، محلياً وإقليمياً:

الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تدخل يومها الـ100 (الشرق الأوسط)

إسرائيل… مفاجأة فانتقام

اكتشفت إسرائيل، يوم 7 أكتوبر، أن استخباراتها وأجهزتها الأمنية، وقيادتها السياسية أيضاً، كانت «نائمة» عشية «الطوفان». صدم هجوم «حماس» الإسرائيليين، وأظهر مدى هشاشة جيشهم الذي انهارت قواعده في غفلة عين. فقد سيطر مقاتلو «حماس» عليها، وعلى المستوطنات والكيبوتزات القريبة منها في غلاف غزة، بعدما اخترقوا بسهولة السياج الحدودي المحصن، قبل أن يعودوا إلى داخل غزة ومعهم ما يصل إلى 250 رهينة.

قارن الإسرائيليون «الطوفان» بمفاجأة حرب أكتوبر 1973. فقد شنت «حماس» هجومها مستغلة عطلة عيد الغفران (يوم كيبور)، تماماً كما فعل الجيشان المصري والسوري في حرب 1973. خسر الإسرائيليون في هجوم «حماس» ما لا يقل عن 1200 قتيل في يوم واحد، فيما وصلت خسائرهم في حرب أكتوبر إلى 2656 جندياً.

ولكن بعد الصدمة، جاء الرد. فقد أعلنت إسرائيل، مباشرة عقب «الطوفان»، أنها في «حال حرب». استدعت مئات الآلاف من جنود الاحتياط، ودفعت بجزء كبير منهم لاجتياح قطاع غزة، فيما حشدت جزءاً آخر على الجبهة الشمالية، خشية هجوم يشنه «حزب الله» من جنوب لبنان أو عبر جبهة الجولان من سوريا.

وبعد أسابيع من القتال الضاري، تمكن الجيش الإسرائيلي من انتزاع السيطرة على أجزاء واسعة من غزة، لا سيما في قطاعها الشمالي. لكن ذلك جاء على بحر من الدماء (23 ألف قتيل فلسطيني) ودمار لا يوصف في البنية التحتية لغزة (70 في المائة من البنية التحتية والمنشآت المدنية في القطاع دُمّرت). ورغم ذلك، يصر جيش إسرائيل على مواصلة الحرب، وعينه كما يبدو على «رد هيبته» بوصفه قوة لا تُقهر.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شكّل حكومة حرب لقيادة الهجوم على قطاع غزة (د.ب.أ)

سياسياً، وحّد هجوم «حماس» إلى حد كبير الطبقة السياسية المنقسمة على نفسها. إذ تمكن زعيم «الليكود» بنيامين نتنياهو من تشكيل «حكومة حرب» ضم إليها خصمه الأساسي في المعارضة بيني غانتس، فيما بقي خارجها خصمه الآخر يائير لبيد. ورغم انضمام غانتس، فإن هيمنة اليمين المتطرف على الحكومة ظلت طاغية، لا سيما في ضوء سلسلة تصريحات عنصرية أطلقها وزراء هذا التيار، على غرار إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وتضمنت دعوات إلى تهجير سكان غزة وعودة الاستيطان. ووصل الأمر ببعض قادة اليمين المتطرف إلى حد التلويح بضرب غزة نووياً.

وليس واضحاً تماماً اليوم إلى أي حد ستبقى حكومة الحرب الإسرائيلية متماسكة. إذ ثمة تكهنات واسعة بأن غانتس سيخرج منها، علماً بأن استطلاعات رأي تضعه من بين أبرز المرشحين لخلافة نتنياهو في أي انتخابات قريبة.

الفلسطينيون… «نصر» فمأساة

احتفلت «حماس» في البداية بـ«الطوفان» باعتباره انتصاراً مبيناً ضد إسرائيل. لكن مشاعر الاحتفال سرعان ما خفتت بعدما تبيّن حجم الانتقام الإسرائيلي والثمن الباهظ الذي يدفعه الغزيون من لحمهم ودمهم.

ورغم مرور 100 يوم على الحرب، يبدو واضحاً اليوم أن «حماس» ما زالت قادرة على مواجهة الإسرائيليين وتكبيدهم خسائر كبيرة. لكن الحقيقة أنها تتكبد في الوقت ذاته خسائر ضخمة في صفوف مقاتليها (تفيد تقديرات بأنها فقدت آلاف المقاتلين)، كما أنها خسرت أنفاقها الضخمة تحت مدينة غزة وفي شمال القطاع، علماً بأن ما يُعرف بـ«ميترو غزة» شكل لسنوات طويلة قاعدة لنشاطها بعيداً عن أنظار الإسرائيليين. لكن مهما كانت خسائر «حماس» فإنها تبقى لا تُقارن بخسائر المدنيين من سكان القطاع، الذين يواجهون فوق ذلك كله احتمال تهجيرهم من أرضهم، ما يمثّل نكبة جديدة على غرار نكبة تهجيرهم عند قيام دولة إسرائيل عام 1948.

غزة… المساجد لم تسلم من التدمير (أ.ف.ب)

ومع تفكيك بنية «حماس» في شمال غزة، تتجه الأنظار إلى أنفاقها في خان يونس بجنوب القطاع، حيث يقول الإسرائيليون إن قادة الحركة يختبئون فيها ومعهم عدد كبير من الرهائن. ولا ترفض «حماس» مبدئياً الإفراج عن هؤلاء، لكن الثمن الذي تطلبه يتضمن وقف الحرب، وهو أمر ترفضه إسرائيل، التي تكرر إصرارها على تحقيق هدفها المتمثل بالقضاء على حكم «حماس» وتدمير قدراتها والقضاء على قادتها المتورطين في هجوم 7 أكتوبر. ولم تتمكن إسرائيل حتى الآن من الوصول إلى «المهندس» المفترض للهجوم، يحيى السنوار، زعيم «حماس» في غزة، لكنها بدأت اغتيالات تطال قادة الحركة في المنفى، على غرار صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لـ«حماس»، الذي اغتيل في الضاحية الجنوبية لبيروت مطلع السنة. وتوحي التصريحات الإسرائيلية بأن الاغتيالات ستتواصل، رغم أن أحد المقترحات التي يتم تداولها حالياً لوقف الحرب يتمثل في خروج قادة «حماس» من غزة إلى المنفى. وما ينطبق على «حماس» ينطبق بالطبع على حلفائها في «الجهاد الإسلامي».

إسرائيليتان خلال مسيرة للمطالبة بالإفراج عن الرهائن في غزة (رويترز)

في أي حال، أعادت الحرب فتح ملف السلطة الفلسطينية التي أخرجتها «حماس» بالقوة من غزة عام 2007، لكنها باتت اليوم أحد الخيارات الأساسية المطروحة لملء فراغ «اليوم التالي» للحرب. وترفض السلطة ما يتم عرضه عليها في غزة، قائلة إن الأولوية هي لوقف الحرب، مشيرة إلى أنها لا تعود على ظهر دبابة الاحتلال كونها لم تخرج أصلاً من القطاع، إذ ما زالت تدفع رواتب آلاف الموظفين الذين يعملون تحت حكم «حماس».

و«عودة السلطة» في الواقع لا تبدو بالأمر السهل. فالإسرائيليون يرفضونها ويتهمونها بالتواطؤ مع «حماس». أما الأميركيون فإنهم يشترطون أن يتم «تنشيطها» وإدخال تغييرات فيها، وهو أمر ليس من الواضح كيف سيتم، وهل سيتضمن مثلاً تعيين نائب للرئيس محمود عباس، أو تقوية صلاحيات رئيس الوزراء على حساب الرئيس، أو حتى إجراء انتخابات فلسطينية جديدة. وكل هذه الأمور ستتطلب بالطبع وقتاً، وهو أمر غير متاح حالياً في ظل استمرار الحرب.

وبغض النظر عن الموقفين الإسرائيلي والأميركي، فإن الفلسطينيين يقولون، من جانبهم، إنهم مستعدون للعب دور في مستقبل غزة بعد الحرب، ولكن في إطار حل شامل يتضمن إقامة دولة فلسطينية في الضفة وغزة والقدس الشرقية، في إطار ما يعرف بحل الدولتين. ومن ضمن هذا التصور، يمكن أن تتم تسوية إشكالية رفض «حماس» الاعتراف بإسرائيل، وذلك من خلال ضمها إلى منظمة التحرير واعترافها بما تعترف به المنظمة بوصفها ممثلاً للشعب الفلسطيني.

عمليات التوغل الإسرائيلية في الضفة الغربية باتت يومية (أ.ف.ب)

الضفة الغربية… صفيح ساخن

وبموازاة حرب غزة، تواجه الضفة الغربية تصعيداً كبيراً في حملات الدهم والاغتيالات التي تقوم بها إسرائيل والتي أدت حتى الآن إلى مقتل ما لا يقل عن 347 فلسطينياً. وتهدف العمليات الإسرائيلية، كما يبدو، إلى تفكيك شبكات يُشتبه في أن فصائل فلسطينية بنتها داخل الضفة، لا سيما في مخيماتها المكتظة.

وبالإضافة إلى عمليات الجيش، يشن المستوطنون اعتداءات يومية على الفلسطينيين ويدمرون محاصيلهم الزراعية، ويقتلون مواطنين تحت أعين الجنود أحياناً. كما يستغل المستوطنون حرب غزة لتوسيع سيطرتهم على الضفة الغربية، من خلال توسيع المستوطنات أو إقامة بؤر استيطانية جديدة.

وتفيد تقارير مختلفة بأن الضفة اليوم باتت على شفير انفجار يُنذر بفتح جبهة جديدة ضد إسرائيل.

غارات إسرائيلية على عيتا الشعب بجنوب لبنان… المواجهة مع «حزب الله» ما زالت مضبوطة (أ.ب)

«حزب الله» وإسرائيل: مواجهة «مضبوطة»… حتى الآن

سارع «حزب الله»، فور وقوع هجوم 7 أكتوبر، إلى تسخين الوضع في جنوب لبنان، وهي جبهة هادئة إلى حد كبير منذ حرب عام 2006. شن الحزب هجمات واسعة على مواقع إسرائيلية قرب الحدود، موقعاً قتلى وجرحى ومتسبباً في نزوح عشرات الآلاف من سكان شمال إسرائيل، التي ردت بعنف أكبر، موقعة عشرات القتلى من الحزب، بينهم قادة كبار.

لكن لا يبدو، حتى الآن، أن «حزب الله» يريد الانخراط في حرب شاملة دفاعاً عن حليفته «حماس»، علماً بأنه أكد أكثر من مرة، أنه لم يكن يعرف بعملية «الطوفان» قبل وقوعها. ورغم ذلك، تقول إسرائيل إنها تستعد لحرب ضد الحزب في حال فشلت الدبلوماسية في دفعه إلى الانسحاب بعيداً عن حدودها.

وفي حين أن الضربات المتبادلة تبدو مضبوطة حتى الآن، فإنها كادت تخرج عن السيطرة مرتين على الأقل. الأولى بعد أيام فقط من هجوم 7 أكتوبر في غزة، عندما انطلقت الطائرات الإسرائيلية لقصف لبنان بناء على معلومات استخباراتية بأن «حزب الله» على وشك شن هجوم عبر الحدود مماثل لهجوم «حماس» في غزة. تدخل الأميركيون آنذاك لوقف الضربة. أما الانفجار الثاني المحتمل فكان يمكن أن يحصل عندما اغتالت إسرائيل بضربة جوية قادة «حماس» في معقل «حزب الله» قرب بيروت. لكن رد الحزب اقتصر على التلويح بالانتقام. ولا شك أن «حزب الله» يأخذ في الاعتبار هنا احتمال أن تكون إسرائيل جادة في تهديدها بتحويل بيروت إلى غزة ثانية.

وبالتزامن مع المواجهات على الحدود اللبنانية – الإسرائيلية، شهدت جبهة الجولان السوري تسخيناً مماثلاً، لكنه أقل حدة بكثير. إذ سُجلت محاولات لإطلاق صواريخ على إسرائيل التي صعّدت هجماتها داخل سوريا مستهدفة على وجه الخصوص قادة «حزب الله» و«الحرس الثوري»، على غرار العميد سيد رضي موسوي الذي قتل بالسيدة زينب في ديسمبر (كانون الأول).

جانب من تشييع القيادي في الحرس الثوري الإيراني سيد رضي موسوي الذي قُتل بضربة إسرائيلية على دمشق وتم دفنه في طهران (أ.ب)

جماعات عراقية… الضغط على الأميركيين

حرّكت حرب غزة أيضاً ملف الأميركيين في العراق وسوريا، حيث لجأت فصائل شيعية مرتبطة بإيران إلى استهداف قواعدهم في هذين البلدين، انطلاقاً من الاعتقاد بأنه يمكن الضغط على إسرائيل لوقف حربها من خلال الضغط على حليفها الأميركي. طال القصف بالصواريخ والطائرات الانتحارية قواعد الأميركيين الأساسية في العراق؛ مثل عين الأسد والحرير، وفي سوريا مثل حقل العمر والتنف والشدادي.

ردت الولايات المتحدة على ذلك بغارات على قواعد لـ«الحشد الشعبي»، ونجحت في قتل قادة بارزين بجماعات تقف وراء شن الهجمات على جنودها.

مقاتلون من فصائل «الحشد الشعبي» يحملون صورة القيادي «أبو تقوى» الذي قُتل بضربة أميركية على بغداد (إ.ب.أ)

دفع هذا التصعيد المتبادل بين الطرفين بالحكومة العراقية إلى فتح ملف وجود التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، معلنة رغبتها في مفاوضات لجدولة انسحابه من العراق. لكن ذلك ليس بالأمر السهل، علماً بأنه يمثل رغبة إيران وحلفائها وتم طرحه مباشرة عقب اغتيال قائد «فيلق القدس» الإيراني قاسم سليماني في بغداد عام 2020. وإضافة إلى ذلك، يمكن أن يثير مطلب سحب الأميركيين أزمة جديدة مع إقليم كردستان الذي يتمسك ببقائهم.

اليمن… دخول حوثي على خط غزة

صورتان من الأقمار الاصطناعية لشركة «ماكسار» تُظهران قاعدة للحوثيين في الحديدة باليمن قبل الغارات الأميركية والبريطانية وبعدها (أ.ف.ب)

أعلن الحوثيون، المدعومون من إيران، إطلاق صواريخ باليستية ومسيّرات في اتجاه إسرائيل (إيلات) دعماً لغزة، كما قالوا. لكن البحرية الأميركية والبريطانية والدفاعات الإسرائيلية أسقطت معظمها قبل أن تصل إلى هدفها. رد الحوثيون بتوسيع نطاق الهجمات لتشمل سفناً تجارية في البحر الأحمر، بحجة أنها إسرائيلية أو مرتبطة بإسرائيل. لكن كثيراً من هجماتهم طال في الواقع سفناً لا علاقة لها بإسرائيل. استدعى تهديد الحوثيين الملاحة في البحر الأحمر إنذاراً من الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى، وعندما رفضوا الانصياع، شن الأميركيون والبريطانيون هجمات واسعة جواً وبحراً على مواقع داخل اليمن. لكن الحوثيين ردوا بالقول إن ذلك لن يردهم عن شن هجمات جديدة «دعماً لغزة».

كميل الطويل

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




خطة أمريكية مقترحة: إعمار القطاع مقابل التطبيع مع السعودية

يعمل بريت ماكغورك، منسق الأمن القومي الأمريكي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على اقتراح لإعادة بناء قطاع غزة، ترتكز على صفقة بين إسرائيل والسعودية.

موقع “هبنغتوند بوست” أفاد على لسان مصادر في الإدارة الأمريكية بأن ماكغورك رفع اقتراحًا جديداً يربط بين إعمار قطاع غزة بعد الحرب، واستئناف مسيرة التطبيع بين السعودية وإسرائيل، التي انقطعت في 7 أكتوبر.

وحسب ماكغورك، ستكون الخطة حافزاً لإعمار القطاع، التي ستشارك فيها السعودية ودول خليجية أخرى. ومع ذلك، تخوفت مصادر في الإدارة من أن تؤدي هذه إلى عدم استقرار في المنطقة.

في الأسابيع الأخيرة عرض ماكغورك الخطة على محافل أمنية. توقع فيها محوراً زمنياً من نحو 90 يوماً، لما برأيه قد يقع في القطاع بعد انتهاء الحرب.

لقد ادعى المسؤول الأمريكي بأنه سيكون ممكناً تحقيق “استقرار” في المناطق التي دمرتها الحرب، إذا ما شرعت الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، إضافة إلى محافل فلسطينية، في جهد دبلوماسي للتوقيع على اتفاق التطبيع.

ومع ذلك، قال موظف أمريكي مطلع إن “الخطة تفوت النقطة الأساسية”، فيما يقصد بذلك أن التطلعات الفلسطينية بالدولة تدحر إلى الهوامش مرة أخرى. وحسب الخطة، سيأتي الرئيس بايدن إلى المنطقة في الأشهر القادمة في “جولة نصر” ليحصل على الحظوة على اتفاق التطبيع بين إسرائيل والسعودية كـ “جواب على ألم غزة”.

ستشكل خطة ماكغورك حافزاً من السعودية للمساعدة في إعادة البناء وربما تأتي هذه المساعدة أيضاً من دول غنية أخرى في الخليج مثل قطر والإمارات العربية، وذلك للضغط على الفلسطينيين والإسرائيليين. ومن المتوقع أن يتفق الزعماء الفلسطينيون على حكومة جديدة سواء للقطاع أم للضفة الغربية، وتقليص النقد على إسرائيل – فيما توافق إسرائيل على نفوذ محدود للسلطة في القطاع.

في هذه الأثناء، عرض وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن عناصر من الخطة على مسؤولين فلسطينيين – فرفضوها.

وإلى ذلك، أفادت صحيفة “نيويورك تايمز” بأن وكالة الاستخبارات الأمريكية الـ “سي.اي.ايه” توفر لإسرائيل معلومات عن مسؤولي حماس وعن مكان المخطوفين في القطاع”.

وحسب النبأ الذي يستند إلى مصادر أمريكية، فبعد هجمة 7 أكتوبر، أمر مستشار الأمن القومي جاك سوليفان الـ “سي.اي.ايه” ووزارة الدفاع بتشكيل قوة مهمة خاصة تجمع المعلومات الاستخبارية عن مسؤولي حماس. وروت مصادر أمريكية بأن هذه القوة نجحت في كشف معلومات عن أكبر الزعماء.

وأضافت الصحيفة بأنه “ليس واضحاً كم كانت المعلومات ذات قيمة بالنسبة لإسرائيل، لأن أياً من الزعماء الكبار لم يلقَ عليه القبض أو يقتل”. أما بخصوص تصفية نائب رئيس المكتب السياسي صالح العاروري في بيروت في وقت مبكر من هذا الشهر، أشارت المحافل إلى أن الولايات المتحدة لم توفر معلومات ترتبط بالهجوم، وأن هذا لم يستند إلا إلى معلومات إسرائيلية فقط.

ويتضح من التقرير أن ثمة مهمة أخرى بأفضلية عليا لقوة المهمة، وهي العثور على مكان المخطوفين وجمع المعلومات عن حالتهم الجسدية والنفسية. وذلك حين يكون مدير الـ “سي.اي.ايه” وليم برنس، يعمل إلى جانب رئيس الموساد دافيد برنيع في المفاوضات لتحرير المخطوفين.

كما أشارت الصحيفة إلى وجود قوات أمريكية لعمليات خاصة كانت تعمل في إسرائيل للتدريب قبل هجمة 7 أكتوبر، وبقيت في البلاد تشارك في معالجة موضوع المخطوفين. كما أن وزارة العدل الأمريكية والمباحث الفيدرالية زادت وتيرة التحقيقات حول الأمريكيين المشبوهين بتحويل الأموال لحماس.

جدعون كوتس وحاييم اسروبتس

المصدر: صحيفة معاريف الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




على غير العادة.. لماذا اهتم المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بتبرير تصفية الصحافيين الدحدوح وثريا؟

المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي خرج عن المألوف في إجابته في هذه المرة، فقد تطرق إلى قتل الصحافيين: حمزة الدحدوح ومصطفى ثريا. اسمهما في قائمة أعضاء المنظمات المسلحة، “الجهاد الإسلامي” وحماس، التي تم العثور عليها أثناء الحرب، قال المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، وأرفق صورة لوثيقة يبدو أن اسم الدحدوح مكتوب فيها. ولم يتم إرفاق صورة لوثيقة تضم اسم ثريا.

هذه الإجابة التي انتظرتها تقريباً يومين ونصف بعد إرسال سؤالي إليه، نشرت في نفس الوقت كبيان عام للمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، ونشرته وسائل إعلام إسرائيلية كما هو. ثمة أسئلة أخرى أرسلتها للمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي والتي موضوعها قتل جماعي ضد الفلسطينيين في هذه الحرب، فأجيب عنها بإجابات عامة ومتملصة. لذا، يجدر السؤال لماذا “حصلنا” هنا بالذات على إجابة مفصلة؟

السبت 6 كانون الثاني والأحد، تم تفجير بيت في قرية نصر شمالي رفح. كان في المبنى نازحون من عدة مناطق من القطاع، جميعهم من أبناء عائلة أبو النجا. يسمى المبنى “شاليه”، رغم أنه بني بالباطون. هكذا تعتبر مئات المباني الصغيرة المشابهة التي ظهرت في السنوات الأخيرة في مناطق مفتوحة نسبياً في قطاع غزة: استخدمتها عائلات أرادت الابتعاد لبضع ساعات عن اكتظاظ المدينة وعن مخيمات اللاجئين، والاستجمام على بعد 20 دقيقة عن البيت. هي قريبة من البحر أو مناطق زراعية جنوب شرقي هذا الجيب المغلق. اليوم يعيش فيها آلاف النازحين. بالمناسبة، كبار السن ما زالوا يسمون قرية نصر “موراج” (على اسم مستوطنة موراج التي أخليت في 2005). نُشر بيان في صفحة عائلة أبو النجا في الفيسبوك، لكن عن 15 شهيداً، هم: الحاج صالح أبو النجا، زوجته وأولاده السبعة وأحفادهما، وعن فتح بيت عزاء في ديوان العائلة الموسعة في حي الجندي بمدينة الزرقاء الأردنية.

عندما جاء المراسلون والمصورون قبل الظهر، كانت آخر الجثث لم يتم إخراجها بعد. حملها الجيران بالبطانيات إلى سيارة الإسعاف. مصطفى ثريا أطلق حوامة. وفي الساعة 11:00 صباحاً أطلق صاروخ من مسيرة إسرائيلية على مجموعة من المراسلين، انفجر الصاروخ قربهم، وأصيب اثنان منهم. افترض المراسلون أن الأمر يتعلق بصاروخ تحذير (مثل الصاروخ الذي يستخدم في “اطرق على السطح”)، ويطلب منهم الابتعاد. قال أحدهم للقناة البريطانية الرابعة إن الحوامة لم تتمكن من تصوير أكثر من أربع دقائق. وضع المصابون في سيارة الإسعاف مع الجثث، ثم اتجهت مسرعة إلى رفح. سافرت وراءها سيارة من نوع “سكودا” سوداء، كان فيها باستثناء السائق، ثلاثة مراسلين. فجأة، أصاب السيارة صاروخ آخر أطلقته المسيرة الإسرائيلية في شارع عمر بن الخطاب برفح. السائق قصي سالم قتل ومعه اثنان من المراسلين الثلاثة، ثريا وحمزة الدحدوح، وأصيب المراسل الثالث.

تعرض القناة الرابعة في التقرير بياناً للمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي باللغة الإنجليزية في اليوم نفسه، الذي يفيد بأنه تم تشخيص ومهاجمة مخرب قام بتشغيل طائرة عرضت قوات الجيش الإسرائيلي للخطر. لم أعثر على مثل بيان كهذا في يوميات الحرب في الإنترنت للمتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي باللغة العبرية. ولم أجد أيضاً بياناً يرمز إلى قصف بيت أبو النجا وذريعة ذلك. كسر قتل الصحفيين هذه المرة حتى سقف التجاهل الإسرائيلي. الدحدوح هو الابن البكر لوائل الدحدوح، مراسل قناة “الجزيرة” المخضرم. في تشرين الأول، قتلت قنبلة إسرائيلية زوجة وائل وابنه وابنته وحفيده. في الأسبوع الماضي، انشغلت وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية والدولية، بمأساته الشخصية وبحقيقة أنه عاد إلى البث على الفور بعد الجنازة. لذا، سألت المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي عن رده حول استنتاج كثير من الصحفيين بأن الجيش الإسرائيلي ينتقم من الدحدوح من خلال قتل أبناء عائلته.

في بيان المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي الأربعاء، كتب أنه قبل مهاجمتهم شغل القتيلان حوامات شكلت خطراً على قواتنا. أجابني المتحدث بشكل شخصي أن الادعاء بمهاجمة الجيش الإسرائيلي للهدف على سبيل الانتقام هو ادعاء لا أساس له من الصحة. ثم سألته أيضاً عن قصف بيت أبو النجا، فأجاب المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي بنفس الإجابة التي سألت فيها عن القتل الجماعي لأبناء عائلة في بيتهم: “لا نعرف عن مهاجمة بيت في حي النصر، كما وصف في الشكوى. عندما نحصل على تفاصيل أخرى “سنفحص” الأمور. أقدر أن البيان بشأن قتل الصحافيين والكشف عن سبب قتلهما بشكل مفصل جداً جاء بسبب الضجة الإعلامية. ولكن هناك سبباً آخر، وهو اعتبار أن “الضرر الجانبي” صغير- السائق “فقط”. في الوضع الروتيني في هذه الحرب؛ أي قصف البيوت على رؤوس سكانها، يفضل الجيش الإسرائيلي الحفاظ على الضبابية التي تخفي حجماً كبيراً لـ “الضرر الجانبي” الذي يسمح به، والذي يخفي هوية الهدف.

نقابة الصحافيين الفلسطينيين شككت في صحة ادعاءات إسرائيل بأن الدحدوح وثريا كانا عضوين في “الجهاد” وحماس. ولكن في هذا التشكك نوع من قبول ادعاء إسرائيل الذي يفيد بتبرير قتل أي فلسطيني غير مسلح وغير مشارك في أعمال القتل، لكن له صلة بتنظيمات فلسطينية مسلحة. ووفقاً لهذا اللامنطق، سيأتي اليوم الذي سيبرر فيه الفلسطينيون في إحدى المحاكم الدولية قتل جنود إسرائيليين غير مقاتلين.

عميرة هاس

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




كاتب إسرائيلي: إذا لم تكن إبادة فماذا تكون؟

واصل الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي توجيه انتقاداته للحرب التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزة، وتساءل في مقال نشرته صحيفة «هآرتس» :«إذا لم تكن هذه إبادة في غزة فماذا تكون إذن؟!».
وأضاف الكاتب الذي يعتبر أحد الأصوات النّادرة في إسرائيل لرفضه القتل الجماعي للفلسطينيين الذي تمارسه دولته: «ماذا نسمي القتل الجماعي المتواصل حتى هذه اللحظة دون تمييز وبأرقام يصعب تخيلها؟ ماذا نسمي وضعا يلفظ فيه عدد كبير من الأطفال روحهم وهم في النزع الأخير ممددين على أرض المستشفيات، ومسنون يكابدون الجوع والعطش؟ وكيف نسمي مليوني إنسان مهجرّين نازفين مرضى يواجهون الجوع والعطش؟ ما المهم في التوصيف القضائي لحالتهم البائسة في محكمة العدل الدولية؟».
وخلص ليفي ساخرا: «المهم هو ما يرتكبه الإسرائيليون بحق الفلسطينيين. إسرائيل ستتنفس الصعداء في حال رفضت محكمة لاهاي دعوى جنوب افريقيا. في حال رفضت الدعوى سيستريح ضمير الإسرائيليين».
وتبعته زميلته الصحافية عميرة هاس التي استذكرت كذبة الناطق العسكري الإسرائيلي وهو يبرر قتل الصحافيين حمزة وائل الدحدوح ومصطفى ثريا قبل أيام، وقالت «هذه فرصة للتذكير بأن حرب الإبادة طالت حتى الآن 100 صحافي فلسطيني فهل كافتهم «إرهابيون» ينتمون الى حماس والجهاد؟».

جدعون ليفي

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي