1

“اليوم التالي”.. كيف يحاول نتنياهو تفكيك أية كينونة فلسطينية في غزة؟

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في أحدث بياناتها أن “إسرائيل بدأت مشاورات أولية محليًا لوضع خطة لليوم التالي في غزة بعد الحرب”، في تكرار ممجوج حول المحاولات المتكررة أمريكيًا وإسرائيليًا لهندسة ما اصطلح على تسميته “اليوم التالي” للحرب في قطاع غزة.

يعيد بيان الخارجية الأمريكية الرهان على إمكانية الوصول إلى أفق لهندسة “اليوم التالي” في قطاع غزة إسرائيليًا، وهو ما فشل الاحتلال في تحقيقه على مدار أشهر الحرب العشرة، على حدّ سواء في شمال قطاع غزة وجنوبه، فيما لم تتوقف الأطروحات والأفكار عن التوالد والتوالي من أقطاب حكومة دولة الاحتلال ومجلس الحرب فيها، الذي انهار فيما بعد لأسباب يقع في قلبها تهرُّب رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو من تبني مقاربات منطقية (من وجهة نظر عضوَي المجلس المستقيلَين بيني غانتس وغادي أيزنكوت) لـ”اليوم التالي”.

في إطار محاولة تجنُّب انهيار مجلس الحرب، وقبيل أيام من استقالة غانتس وحزبه من حكومة الحرب، أُقرّت الخطة التي قدمها وزير الحرب في حكومة الاحتلال يوآف غالانت، وحملت عنوان “الفقاعات الإنسانية” أو “الجزر الإنسانية”، في محاولة لخلق نماذج متعددة ومصغّرة لإمكانية إقامة أنظمة محلية تتعاون مع الاحتلال وتتجاوز السلطات في قطاع غزة، التي يندرج “القضاء عليها” ضمن أهداف حرب الإبادة المستمرة على القطاع والشعب الفلسطيني.

من المفترض أن الخطة المذكورة استخلصت ملامح الفشل في الخطط السابقة، خصوصًا بعد الفشل الكبير لخطة العمل مع العائلات والعشائر، والتي أقرَّ نتنياهو بفشلها في مقابلته الصحفية مع “القناة 14” العبرية، معلنًا أن العمل يجري على نموذج آخر وصفه بأنه “تدريجي” لإنشاء “إدارة مدنية بالتعاون مع محليين” في قطاع غزة دون أن يخوض في التفاصيل، سوى أن هناك تعاونًا بشأن الأمر مع “جهات خارجية”.

الجوهر “خطة الحسم”

حمل بيان الخارجية الأمريكية إشارة واضحة إلى أن الخطوة الإسرائيلية المقصودة تستند إلى العمل مع “شركاء محليين”، ما يمثل ضمنيًا قبولًا أمريكيًا بمنح الاحتلال فرصة جديدة لتطبيق مقاربات تنسجم مع ما سبق أن رفعه رئيس وزراء الاحتلال حول رؤيته لـ”اليوم التالي”، التي استندت إلى وصفه بأنه “لا حماس ستان، ولا فتح ستان“، ورفضه الإقرار بأن السلطات الحاكمة الحالية والمحسوبة على حركة حماس لم تتعرض للانهيار بفعل الضربات العسكرية المتكررة واستهداف كل القدرات الحكومية لها، أو حتى التعامل مع أطروحات قبول عودة السلطة الفلسطينية إلى حكم قطاع غزة.

رغم كون بنيامين نتنياهو يحمل برنامجًا يستند إلى فكرة حصار السلطة الفلسطينية، والحدّ من تأثيرها وسلطتها على الأرض والتوسع الاستيطاني، فإنه فضّل على مدار عقود رئاسته الحكومات الإسرائيلية التمسك بمبدأ “إدارة الصراع”، بحيث لا يصل إلى حلول قطعية في أي عنوان، وبحيث يستثمر عامل الوقت في فرض وقائع على الأرض، خصوصًا في الضفة الغربية والقدس، تجعل من خيارات إقامة دولة فلسطينية غير قابلة للتنفيذ.

إلا أن أطروحاته حول “اليوم التالي” في قطاع غزة باتت أكثر قربًا ممّا ينسجم مع شريكَيه في الائتلاف الحكومي، إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، بشأن نظام الحكم، والخلاف معهما بشأن إمكانية عودة الاستيطان إلى قطاع غزة، والذي وصفه بأنه “غير واقعي”.

ينسجم نتنياهو في أطروحات “اليوم التالي” مع توجهات سموتريتش صاحب رؤية “حسم الصراع“، التي تحمل بين طياتها هدف تفكيك أية كينونة فلسطينية أيًا كانت صفتها أو أهدافها (حتى لو كانت سلطة يقع في صلب وظيفتها التنسيق الأمني وتقليص كلفة الاحتلال)، وتقتضي رؤيته إعادة صياغة الحضور الفلسطيني في الأراضي المحتلة، بوصفه حضورًا عشائريًا في مناطق محددة لمن يرفض الهجرة من الأراضي الفلسطينية.

مع أن الولايات المتحدة لا تتبنّى هذا الطرح، وتتمسك بأهمية الاستثمار في السلطة الفلسطينية و”تجديدها“، بما يهيئها للعودة إلى الإمساك بزمام الحكم في أراضي السلطة في قطاع غزة والضفة الغربية، وتوليها مهمة إعادة ترتيب المشهد بما يشمل القدرة على الإيفاء بالتزاماتها الأمنية، إلا أن تمرير أفكار رئيس وزراء الاحتلال وحكومته بالخصوص ناتج عن حاجة الولايات المتحدة لوجود أية صيغ انتقالية لـ”اليوم التالي” تخرج الجميع من “عنق الزجاجة”.

فقاعات غالانت “الإنسانية”

أعلن يوآف غالانت، في بدايات يونيو/ حزيران الماضي، أن “الفقاعات الإنسانية” تعدّ الإجابة الواضحة لسؤال “كيف يبدو شكل غزة في اليوم التالي؟”، التي تضمن “خلق حكومة سلطوية جديدة” في قطاع غزة في نهاية الجهود الحربية الهادفة إلى “خنق حماس”، ومنع السماح باستمرارها في “الوجود”، وتعطيل قدرتها على إعادة التسلح.

ووفقًا لوزير الجيش في حكومة الاحتلال، تقتضي “الفقاعات الإنسانية” تقسيم قطاع غزة إلى مناطق صغيرة على شكل فقاعات دائرية، يدخل الجيش الإسرائيلي إلى كل منطقة تدريجيًا، ويعمل على “تطهيرها” من عناصر حماس، ثم تدخل إلى تلك المنطقة قوات أخرى، هدفها ضبط الأمن وتشكيل حكم آخر يقضي على صورة سلطة الحركة.

يعود مصطلح “الإنسانية” في التسمية إلى فكرة أن البوابة الرئيسية لمباشرة الجهات المحلية المتعاونة للعمل، هي بوابة المساعدات الإنسانية والتخفيف من معاناة الناس، عبر السماح بوصول شاحنات المساعدات

شرح الكاتب الأمريكي ديفيد إغناتيوس، في مقال له في صحيفة “واشنطن بوست”، التصور الإسرائيلي لـ”الفقاعات الإنسانية”، قائلًا إن “الفكرة أن تبدأ إسرائيل عملية انتقالية أحادية الجانب في منطقة في شمالي غزة تكون خالية إلى حد كبير من مقاتلي حماس. وبعد إقامة محيط محكم هناك، سينسحب الإسرائيليون ويتركون الحكم والأمن المحلي لمجلس فضفاض يتألف من عائلات محلية بارزة وتجار ونقابات عمالية وأعيان آخرين”، على أن يبقي الجيش سيطرته العسكرية على هذا المناطق حتى لا يسمح لحركة حماس بالعودة والسيطرة عليها، وبعد ذلك سيجري تزويد هذه القوات بسلاح يسمح لها بأن تتمكن من تشكيل حكومة بديلة للحركة.

ومن المقرر، حسب الخطة، تدريب قوات محلية في غزة على يد القوات الدولية، مع توفير القدرة والإمكانات اللازمة لها لفرض الأمن والنظام. وحسب صحيفة “معاريف” العبرية، سيتفق الجيش الإسرائيلي مع الحكومة المحلية في غزة على حرية عمله في القطاع في أي وقت يشاء، وهذا دليل على السيطرة العسكرية لا المدنية على غزة.

يعود مصطلح “الإنسانية” في التسمية إلى فكرة أن البوابة الرئيسية لمباشرة الجهات المحلية المتعاونة للعمل، هي بوابة المساعدات الإنسانية والتخفيف من معاناة الناس، عبر السماح بوصول شاحنات المساعدات الإنسانية بالتنسيق مع الهيئات الدولية، التي ستنقل المساعدات إلى هيئة محلية تكون مسؤولة عن التوزيع كي يعزَّز نفوذها وحضورها الشعبي في الدوائر المستهدفة، بعد أن أُنهك المجتمع، خصوصًا شمالي قطاع غزة، بحرب التجويع المستمرة والحصار المشدد. 

وحول النموذج الأول، كشف الكاتب الإسرائيلي ناحوم برنياع، في مقال سابق، أن “خطة اليوم التالي تصور تجريبي وافق نتنياهو على تنفيذه في العطاطرة، وهي قرية صغيرة، أو في الواقع حي في الطرف الشمالي من القطاع، مقابل الحدود الشمالية”.

العجز المزدوج

لإنجاح الخطة المذكورة، المطلوب توفُّر عاملَين رئيسيَّين: الأول التمكن فعليًا من تحييد القدرات العسكرية والسلطوية لحماس في قطاع غزة، والذي في إطاره عملت “إسرائيل” على مدار أشهر الحرب المستمرة في قطاع غزة على استخدام القوة النارية الغاشمة، من أجل إنجازه باستهداف القدرات المختلفة للحركة في قطاع غزة.

إذ إنه إلى جانب المواجهة العسكرية المستمرة مع كتائب المقاومة العسكرية على امتداد أراضي القطاع، لم يتوانَ جيش الاحتلال عن استهداف المقدرات الحكومية البشرية والمادية، إذ شكّلت المقرات الحكومية والأجهزة الأمنية لحركة حماس جزءًا رئيسيًا من بنك الأهداف الإسرائيلي.

لم يقتصر هذا الاستهداف على الأجهزة الأمنية لتعطيل القدرة على السيطرة الأمنية في القطاع أو بسط النظام، بل شمل الاستهداف المباشر للجهاز الحكومي المدني، بما يشمل اغتيال/ محاولة اغتيال المفاصل الحكومية، بداية من رئيس لجنة متابعة العمل الحكومي في قطاع غزة، وليس انتهاءً باغتيال وكيل وزارة العمل، وما بينهم من عشرات عمليات الاغتيال والاستهداف لمفاصل العمل الحكومي، التي طالت حتى رؤساء البلديات ولجان الطوارئ الحكومية في مدن قطاع غزة المختلفة من جنوبه إلى شماله، إضافة إلى كون المستشفيات والقطاع الصحي على رأس بنك أهداف العدوان منذ اليوم الأول لحرب الإبادة.

لم تنجح الضربات الكبرى والاستهداف الموسع واستخدام القوة الغاشمة في تحييد القدرات الحكومية في قطاع غزة، وثمة شواهد متعددة حول تمكُّن حماس من إعادة ترتيب حضورها السلطوي والأمني فور انسحاب آليات جيش الاحتلال من الأحياء والمدن المستهدفة، وفي مقدمتها أحياء ومدن شمالي قطاع غزة، الذي شكّل عنوان الاستهداف الأبرز والنموذج الأول المفترض لخطط “اليوم التالي”.

في الشق المرتبط بالقدرات العسكرية، فإن المؤشرات الميدانية واضحة جدًّا، ورغم ادّعاءات النجاح المتكررة من جيش الاحتلال حول تمكّنه من تفكيك كتائب وألوية المقاومة في عدة مناطق، فإن محاولة تثبيت مبدأ حرية الحركة والسيطرة الأمنية على هذه المناطق يصطدم دائمًا بالتصدي الكبير من المقاومة لعمليات الاجتياح الإسرائيلية، ما ظهر جليًّا في أحياء الزيتون والشجاعية ومخيم جباليا، وأخيرًا في حي تل الهوا جنوبي مدينة غزة، ما أقرَّ به المتحدث باسم جيش الاحتلال، إذ أوضح أنه حتى بعد 5 سنوات لن تنجح المحاولات العسكرية في القضاء على حماس.

العامل الثاني الرئيسي من عوامل العجز الإسرائيلي يتمثل بالعجز عن إيجاد طرف/ أطراف محلية متعاونة مع الاحتلال، وكان عنوان فشلها الأبرز العجز عن خلق تعاون مع العشائر والحمولات العائلية في قطاع غزة، ما أقرَّ به بوضوح رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في مقابلته مع “القناة 14” العبرية، لاصطدام هذا الخيار بالرفض وعدم التعاون حتى من عائلات عوّل الاحتلال على وجود خصومة بينها وبين حماس.

ليس من اليسير على أي طرف محلي في قطاع غزة أن يقبل بأن يوصم بالعمالة لـ”إسرائيل”، وأن يساهم في تمرير مخططات “اليوم التالي”، خصوصًا أن خطط الاحتلال لا تهدف إلى تجاوز سلطة حركة حماس فحسب، بل إلى تجاوز أية كينونة فلسطينية، بما يشمل حتى السلطة الفلسطينية التي تسيطر عليها حركة فتح.

دلالات الفشل

تعكس الأحداث الميدانية، خصوصًا في شمال قطاع غزة، الدلالات الواضحة على أن خطة “الفقاعات الإنسانية” لم تجد أي أفق واقعي لتطبيقها، إذ إنه إلى جانب توسيع جيش الاحتلال من حجم عدوانه على أحياء شمالي القطاع بوتيرة وزخم يشبهان ما كان عليه الأمر في الأشهر الأولى للحرب، فإنه عاد أيضًا إلى مجموعة من السياسات التي تتناقض مع جوهر الرؤية المطروحة من وزير الجيش.

توجّه جيش الاحتلال إلى استئناف الدعوات المرافقة لعملية إخلاء الأحياء المستهدفة بالعدوان بتوجيه النازحين إلى مناطق جنوب وادي غزة، وصولًا إلى إلقاء مناشير ودعوات لإخلاء كل أحياء مدينة غزة من سكانها ودعوتهم إلى النزوح جنوبًا، بعد أن توقفت هذه الدعوات في الأشهر الأخيرة والاكتفاء بالدعوات إلى النزوح داخليًا في أحياء شمالي القطاع.

يحاول جيش الاحتلال ممارسة الضغط على المقاومة عبر استمرار إنهاك المجتمع واستنزاف الحاضنة الشعبية، أملًا في دفع طرف محلي إلى الرضوخ تحت وطأة الأزمة الإنسانية، لقبول التعاون من منطلق مواجهة التجويع

في الإطار ذاته، أعاد جيش الاحتلال تشديد حصاره على مناطق الشمال، والعودة إلى شبح التجويع والحرمان من أبسط أنواع الغذاء، وتعطيل العمل حتى في المعبر المستحدث الموازي لموقع إيرز العسكري، ورفض دخول أية شاحنات إلى القطاع الخاص أو المؤسسات الإغاثية من جنوبي قطاع غزة إلى شماليه.

العودة إلى أساليب الفتك العدواني المباشر والقتل السريع (بالاجتياحات الموسعة والقصف المكثف والمجازر) والقتل البطيء (بالتجويع وإعدام كل مقومات الحياة، وحتى إعادة تدمير المستشفيات التي رُمّمت، بتوافق من منظمة الصحة العالمية مع حكومة الاحتلال)، تتناقض مع ما كان يفترض أن تنتجه خطة وزير جيش الاحتلال الهادفة إلى إنشاء “الفقاعات”، التي تتحول من خلالها بعض مناطق شمال قطاع غزة إلى واحة نموذجية خالية من المقاومة، وأيضًا من القتال والاستهداف الغاشم، وأن تغرق بالمساعدات.

تؤكد الدلائل الميدانية اصطدام خطة غالانت بحائط الفشل، ما دفع جيش الاحتلال إلى العودة إلى ممارسة الضغط على المقاومة عبر استمرار إنهاك المجتمع واستنزاف الحاضنة الشعبية، أملًا في دفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية في المفاوضات والتوصل إلى اتفاق، أو دفع طرف محلي إلى الرضوخ تحت وطأة اشتداد الأزمة الإنسانية، لقبول فتح نافذة التعاون من منطلق تخفيف وطأة الأزمة ومواجهة التجويع.

البحث عن نماذج نجاح

ينقل إغناتيوس عن بعض المسؤولين الإسرائيليين “الأكثر خبرة”، أنهم يقولون إن معظم الفلسطينيين في غزة لا يعتقدون أن حماس قد فقدت قوتها. ولكسر هذه الحالة النفسية، كما يقولون، “كان على إسرائيل أن توقف تهريب حماس من خلال الاستيلاء على ممر رفح في الشهر الماضي. وعلى نحو مماثل يتعيّن عليها أن تستمر في محاولة اغتيال قيادات حماس، والتمسك بشكل حاسم بهدف نزع السلاح”.

تحتاج كسر الحالة النفسية، وفق توصيف المسؤولين الإسرائيليين، إلى تقديم نماذج نجاح حول قدرة إمكانية تجاوز القدرات السلطوية لحركة حماس في قطاع غزة، ما دفع الاحتلال إلى محاولة الوصول إلى صيغة لتشغيل معبر رفح بترتيبات مصرية-إسرائيلية تتجاوز أي دور فلسطيني رسمي، ما اصطدم بحائط الرفض المصري وقصور الطرح الإسرائيلي، خصوصًا مع الإصرار على رفض تسليم المعابر للسلطة الفلسطينية رسميًا، وقبول صيغة غير معلنة لتواجد السلطة تحت عنوان كونها جهات محلية من القطاع.

لجأ الاحتلال إلى عدد من الممرات الإجبارية لخلق صيغ تعاون مع المجتمع المحلي في قطاع غزة تتجاوز أي دور حكومي هناك، كان أبرزها العمل المباشر مع التجار والمستوردين في القطاع، عبر فتح قنوات لتنسيق التجار لدخول شاحنات البضائع من الأراضي المحتلة والضفة الغربية عبر معبر كرم أبو سالم، بالتواصل المباشر ما بين التاجر والسلطات الإسرائيلية، دون السماح بأي دور فلسطيني، سواء على المعبر أو في الإجراءات أو الإدارة الاقتصادية، مستغلًّا الحاجة الملحّة لأسواق قطاع غزة للعديد من السلع بعد حصار مشدد استمرَّ شهورًا طويلة.

في السياق ذاته، سمح الاحتلال لمؤسسة أمريكية بالتنسيق والترتيب لسفر مجموعة من الأطفال من مرضى السرطان عبر كرم أبو سالم، مسجّلًا بذلك أول نموذج للسفر من قطاع غزة عبر معبر إسرائيلي-مصري، ومتجاوزًا أيضًا أي دور مفترض لوزارة الصحة في القطاع في فرز الحالات وترتيب الأولوية وإنجاز المعاملات اللازمة لتحويلها طبيًا.

النموذج الثالث الذي سعى الاحتلال إلى تكريسه يتمثل بوضع محددات إعادة ترميم مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس، الذي دُمّر بفعل العدوان الإسرائيلي، إذ حدد الاحتلال لمنظمة الصحة العالمية المساحات المسموحة للتحرك في إعادة العمل في المستشفى، وأخضع قوائم العاملين للفحص الأمني، ووضع اشتراطات بعدم السماح بتواجد الصحفيين أو النازحين داخل أسوار المجمع الطبي، وأن يجري كل ذلك بمعزل عن أية إدارة حكومية أو إشراف من وزارة الصحة في قطاع غزة أو حتى الوزارة في رام الله.

يكشف تصميم الاحتلال ممرات إجبارية تحت عنوان “الحاجة الإنسانية” حجم الحاجة الإسرائيلية لتقديم نموذج نجاح حول قدرة تجاوز السلطات الحكومية في قطاع غزة، والتعويل على فكرة كسر الحاجز النفسي لأهالي القطاع في فتح آفاق لإمكانية تمرير مخططات هندسة “اليوم التالي”، وتجاوز مواضع الفشل السابقة في إيجاد طرف محلي متعاون.

بيئة قطاع غزة المعقدة وتجذُّر المقاومة

تعكس الأطروحات الإسرائيلية المتكررة تهرُّب حكومة الاحتلال من الإقرار بحجم تعقيد المجتمع في قطاع غزة، ومستوى تجذُّر وحضور المقاومة والمنظومة الفصائلية هناك، إذ تعكس كل أطروحات “اليوم التالي” العجز المتكرر عن التعامل مع بيئة القطاع وتجلياتها، رغم أن المنظومة الأمنية لدولة الاحتلال تدرك هذه التعقيدات جيدًا، والتي سُخّرت من أجل دراستها وهضمها الملايين من الدولارات، عبر عقود من المتابعة الأمنية اللصيقة لكل تفاصيل الحياة في قطاع غزة.

صحيح أن تشكيلات المقاومة في القطاع سرّية، وأن العديد من أصولها تقع ضمن بند السرية، إلا أن ثمة شواهد أخرى كثيرة من العمل العلني للفصائل ونشاطها المجتمعي والجماهيري والمؤسساتي، تعطي صورة واضحة حول حجم الحضور الفصائلي في مجتمع قطاع غزة، الذي يمكن عدّه مجتمعًا مسيّسًا ومنظّمًا من الدرجة الأولى.

المخيمات وسكانها جزء غالب من التركيبة السكانية للقطاع، ويشكّلون عصبًا هامًّا لا يمكن تجاوزه لا في المنظومة الفصائلية وتركيبة المقاومة، ولا في التأثير السكاني داخل قطاع غزة

وبالتالي إن المنظومة الفصائلية حاضرة فيه في أدق التفاصيل، بما فيها حتى المنظومة العشائرية وتركيبتها، إذ إن العديد من مخاتير العشائر وكبارها قد وصلوا إلى مواقعهم نتيجة توافق فصائلي، أو أن ارتباطهم الحزبي قد منحهم النفوذ اللازم للوصول إلى هذه المواقع، إلى جانب أن العشائر تعمل على مدار السنوات السابقة كمكوّن متكامل مع الفعل السياسي، وهي منخرطة في كل أنشطة وبرامج القوى الوطنية والإسلامية في القطاع، وكان لها حضور بارز في “مسيرات العودة”، وهيئات كسر الحصار، وفعاليات لجنة التواصل مع المجتمعي الفلسطيني في الداخل، وكلها هيئات شكّلتها لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية.

يكفي أن نأخذ نموذجًا مصغّرًا بشأن البنية التحتية للمقاومة في المناطق التي يمكن أن تعدّ مناطق ذات حضور عشائري، فإن كلًّا من مدينة بيت حانون وحيَّي الشجاعية والزيتون من المناطق التي تسكنها عشائر وحمولات كبيرة، ومن أكثر الأماكن التي تشهد ضراوة كبيرة في مواجهة الاحتلال والتصدي لمحاولات الاقتحام، رغم كونها قابعة تحت العدوان والاستهداف منذ الأشهر الأولى للحرب.

من جانب آخر، إن إغفال أكثر من 60% من سكان قطاع غزة من اللاجئين وساكني المخيمات الممتدة على طول قطاع غزة بمثابة دفن للرأس في الرمال، فالمخيمات وسكانها جزء غالب من التركيبة السكانية للقطاع، ويشكّلون عصبًا هامًّا لا يمكن تجاوزه لا في المنظومة الفصائلية وتركيبة المقاومة، ولا في التأثير السكاني داخل قطاع غزة، خصوصًا أن مخيمات القطاع التسعة منتشرة في كل محافظات القطاع ومدنه.

إلى جانب التركيبة السكانية وتجذُّر المقاومة داخل العشائر وخارجها، يتعدى الحضور الفصائلي في قطاع غزة الشكل النمطي للفعل الفصائلي المرتبط بالانخراط العسكري والجماهيري في الأحزاب، بل إنه ينخرط في كل تفاصيل الحياة العامة التي تشكّل الفصائل وأذرعها الجماهيرية والاجتماعية والقطاعية والاقتصادية مكونًا رئيسيًا فيها.

التخلُّص من الأوهام

لخّص العميد (احتياط) في دولة الاحتلال، أودي ديكال، الأطروحات التي سبق وناقشها معهد الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، الذي أخضع كل السيناريوهات لحلقات نقاش واستشراف، في أن الوقت حان للتحرُّر من الوهم القائل إن هناك “حلًّا سحريًا” لغزة بعد يوم من حكم حماس، وأن البديل الأجدى سيكون الاستثمار في السلطة الفلسطينية (المتجددة) لتحكم القطاع، وأن الفرصة الأمثل لـ”إسرائيل”، من وجهة نظر ديكال، تتمثل بأن تعمل على تحديد شكل وطبيعة هذه السلطة وتضع محدداتها.

وكخلاصة.. إن أي نموذج يمكن أن ينجح الاحتلال في خلقه سيكون معرّضًا للاشتباك والمواجهة مع كل المنظومة الفصائلية المنظمة (الحليفة لحركة حماس والمعارضة)، كون الموقف الوطني الجمعي، من يمين المشهد الفلسطيني حتى يساره، رافضًا للصيغ التي تحاول دولة الاحتلال الصهيوني بناءها في قطاع غزة، ما يضاعف من حجم التحديات المطلوب من الاحتلال تجاوزها، لإنجاح أي من الأطروحات التي قيّدها نتنياهو برؤيته الساعية إلى تصفية كل أشكال الكينونة الفلسطينية.

رهان الاحتلال على اختراق الحاجز النفسي بنماذج مصغّرة في المعابر أو المستشفيات أو الحاجة الإنسانية الملحّة، رهان يتغافل قدرة المقاومة على إجهاض كل هذه الخطوات، في الوقت الذي تقدّر فيه أنها باتت تشكّل خطرًا ملحًّا يسمح بتمرير مخططات الاحتلال، فطالما استمرَّ تماسك البنى المنظمة للفصائل، فإن هذا الرهان لن يجد أي أفق فعلي.

بيئة قطاع غزة، وقدرة المقاومة على تجاوز الهجمات الإسرائيلية الكبرى، وإعادة تنظيم وترتيب الصفوف، وتجاوز أثر الضربات بسرعة قياسية، إضافة إلى حجم عمق الحضور الفصائلي في القطاع، والرأي العام الشعبي الرافض لتمرير أية صيغة تعامل مع الاحتلال، متجاوزًا كل الرهانات من الاحتلال على تأليب المجتمع على المقاومة أو خلق هوّة، أو الرهان على الخلافات الفلسطينية في مستنقع يمكن أن تنمو فيه أطروحات البدائل المحلية، كلها كوابح تجعل الحديث عن “اليوم التالي” بمعزل عن الإرادة الفلسطينية والتوافق الوطني الفلسطيني دورانًا في حلقات مفرغة، دون أية إمكانية للوصول إلى نتائج.

احمد الطناني

موقع نون بوست




مفاوضات حماس وإسرائيل: المسار والمحددات والمآلات

تراجع الورقة المسار التفاوضي بين المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، وترى أن إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو تعتبر العملية التفاوضية أداةً لكسب الوقت للاستمرار في حرب لا تملك أية رؤية واضحة لها، ولا تعدو المفاوضات أكثر من أداة لاحتواء الشارع الإسرائيلي واحتجاجاته، ولإدارة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية التي تريد على الأقل استمرار العملية التفاوضية ولو لم تصل لنتيجة.


مقدمة

بعد مضي شهر ونصف تقريبًا من بدء إسرائيل حربها على قطاع غزة في أعقاب عملية طوفان الأقصى التي نفذتها كتائب عز الدين القسام، نجحت جهود الوساطة في الوصول بحركة حماس وإسرائيل إلى هدنة إنسانية بدأت في 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، أدت إلى الإفراج عن جزء من الأسرى الموجودين لدى الفصائل الفلسطينية مقابل إطلاق سراح أسرى فلسطييين من سجون الاحتلال، على أن يترافق ذلك مع دخول شاحنات المساعدات(1). كان المأمول فلسطينيًّا، وكذلك من قبل الوسطاء، أن تسمح هذه الهدنة بمفاوضات أكثر فاعلية من أجل إنهاء الحرب من خلال عمليات تمديد متتالية للهدنة، بيد أن إسرائيل كانت لها رؤيتها المختلفة؛ إذ استأنفت القتال بتاريخ 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، سبقه حديث واضح حول المصادقة على خطط التوغل البري(2).

استمرت الحرب، وبدأت إسرائيل تشهد تباينًا داخليًّا، ولم تنجح الحرب في طمس الخلافات الداخلية سوى لأسابيع قليلة، إضافة إلى بدء تآكل المظلة الدولية التي تمتعت بها إسرائيل في بدايات الحرب. وبالرغم مما أحدثته إسرائيل من دمار واسع وإبادة جماعية وتهجير إلا أنها لم تكن قادرة على المحاججة بتحقيق إنجازات مرتبطة بهدفيها المعلنين: القضاء على حماس واستعادة الأسرى، وهو ما فاقم من أزمة الحكومة الإسرائيلية التي وجدت نفسها أمام تنامي الحراك الشعبي الإسرائيلي المطالب بتبديل أولويات مجلس الحرب، في ظل إخفاق الجيش في استعادتهم عسكريًّا، وأمام تحرك دولي لمقاضاة إسرائيل وقادتها أمام المحاكم الدولية. بالإضافة إلى التغيرات التي حدثت في الخطاب الأميركي تجاه الحرب خصوصًا بعض الاحتجاجات الشعبية في أميركا، إلى جانب تحولات في مواقف دول غربية أخرى، بالتزامن مع تعاظم الخسائر البشرية والاقتصادية الإسرائيلية مع كل يوم تستمر فيه الحرب.

على هذه الأرضية من المتغيرات؛ اضطرت حكومة نتنياهو للتعامل مع أطروحات الوسطاء بشأن بدء المفاوضات، في الوقت الذي كانت فيه حركة حماس مستعدة لذات الأمر، لوقف المأساة التي يعيشها أهالي قطاع غزة أولًا، ولتحقيق مطالبها الأخرى المتعلقة بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وفك الحصار وتبادل الأسرى. 

من الهدنة إلى محاولات إنهاء الحرب: مسار متعثر

شهد منتصف يناير/كانون الثاني 2024 بداية النقاشات الإسرائيلية حول إمكانية المشاركة في مفاوضات باريس التي كانت تهدف إلى عقد صفقة جديدة، وقد استطاع نتنياهو المماطلة لمدة عشرة أيام قبل أن يسمح للوفد الإسرائيلي المفاوض بالذهاب إلى باريس؛ حيث انعقدت المباحثات ما بين 28-31 يناير/كانون الثاني، وعاد رئيس الموساد في حينها بتقدم ملموس، بيد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي سارع إلى إعلان عدة تصريحات مفادها أن الفجوة كبيرة بين الطرفين(3).

جاء رد حركة حماس في السادس من فبراير/شباط تفصيليًّا على إطار باريس؛ إذ اقترحت صفقة من مراحل ثلاث، تنص على تبادل للأسرى ووقف للحرب وانسحاب للاحتلال وعودة النازحين وإعادة الإعمار وفك الحصار(4). ويُستشف من هذا الإطار المعدل أن تركيز حركة حماس كان ينصب بالدرجة الأولى على المعالجة السريعة للأزمة الإنسانية المتفاقمة، وضمان وقف الحرب، لاسيما أن لديها قناعة بأن إسرائيل تريد هدنة مؤقتة لاستعادة جزء من “أسراها”، وتستمر لاحقًا في عملياتها العسكرية، لذلك اقترحت حماس أن يكون هناك ضامنون للاتفاق، هم: مصر وقطر وتركيا وروسيا والأمم المتحدة.

أرسلت إسرائيل وفدها إلى القاهرة، في 13 فبراير/شباط، لاستكمال المباحثات مع عضو جديد في الوفد هو أوفير فيلك، المستشار الشخصي لنتنياهو، الأمر الذي عكس حينها أن الأخير لا يريد لرئيسي الموساد والشاباك أن ينفردا بالاطلاع على مجريات العملية التفاوضية، ويريد أن يحجِّم من صلاحياتهما، وهو ما تأكد حين قلَّص نتنياهو صلاحيات الوفد الذي اتجه إلى باريس في 23 فبراير/شباط، ليكون وفدًا منزوع الصلاحيات إلا من الاستماع ونقل مواقف الحكومة، وهو ما أفشل مباحاثات باريس الثانية.

وخلال شهري مارس/آذار وأبريل/نيسان، مارَسَ الوسطاء كثيرًا من الجهد لإعادة المفاوضات إلى مسارها، لكن نتنياهو استمر في ذات النهج المعرقل للمفاوضات، حتى بعد رد حركة حماس الإيجابي على المقترح المصري(5)، قام نتنياهو بالدفع نحو اجتياح رفح وهو ما أدى إلى انهيار المفاوضات، إلى أن أقدم جو بايدن على تقديم مقترح جديد، في 31  مايو/أيار 2024، مؤكدًا أنه مقترح إسرائيلي(6)، إلا أن نتنياهو تنصل منه أكثر من مرة تلميحًا أو تصريحًا في ظل حالة تعامٍ للولايات المتحدة التي ما زالت تؤكد التزام إسرائيل بالمقترح. لكن وبعد انهيار المباحثات أكثر من مرة بدأت منطلقات إسرائيل التفاوضية تتكشف بوضوح، بأنها تخالف منطلقات الفلسطينين والوسطاء المصريين والقطريين، وبشكل ما الأميركيين.

منطلقات إسرائيل التفاوضية ومحددات موقفها  

بالرغم من الخلافات الواسعة في إسرائيل والآخذة في التعمق، فإن الذي يتحكم حتى هذه اللحظة في العملية التفاوضية من الطرف الإسرائيلي هو رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، فأعضاء مجلس الحرب قبل حله وقبل انسحاب المعسكر الصهيوني، لم يستطيعوا إقناع نتنياهو بالمضي قدمًا في العملية التفاوضية؛ إذ بدا أنهم مقتنعون بعدم إمكانية استعادة الأسرى لدى حركة حماس دون صفقة، وتحديدًا بيني غانتس وغادي آزيزنكوت؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور هذه الخلافات بشكل علني والتلويح بالانسحاب من مجلس الحرب إلى أن تم ذلك فعلًا بتاريخ 9 يونيو/حزيران 2024(7).

تتمثل منطلقات نتنياهو في المفاوضات في استخدامها مسارًا متداخلًا مع العملية العسكرية، وليست مسارًا موازيًا قد يشكل بديلًا عن الحرب بما ينهيها، فأصبحت العملية التفاوضية في يد نتنياهو أداة لضمان الحد الأدنى من العوامل المشكِّلة للبيئة السياسية الداخلية والخارجية لاستكمال العمليات العسكرية وإطالة أمدها، ومواجهة التحديات، وذلك على النحو التالي:

داخليًّا: تنامي حراك الشارع الإسرائيلي المحتج ضد حكومة نتنياهو والمطالب بداية بتعديل أولويات مجلس الحرب في حينها لتصبح إعادة الأسرى مقدمة على القضاء على حركة حماس، ثم المطالبة بإسقاط الحكومة التي تمثل عقبة في طريق الصفقة مؤخرًا، شكَّل تحديًا حقيقيًّا لنتنياهو. وقد زاد من خطورة هذا التحدي تفاقم خسائر إسرائيل البشرية والاقتصادية والإعلامية(8)، والتي تتضخم مع كل يوم تستمر فيه الحرب على قطاع غزة؛ الأمر الذي انعكس على الرأي العام الإسرائيلي؛ إذ بدأت استطلاعات الرأي تشير إلى تحولات مهمة في مواقف الإسرائيليين تجاه الحرب، لتكون الأغلبية مع إنهاء الحرب والذهاب إلى صفقة(9).

كما أثار انسحاب المعسكر الصهيوني من الحكومة والعودة إلى الشارع تخوفات نتنياهو بإمكانية قيادة بني غانتس للشارع المحتج؛ وهو الأمر الذي لم يحدث فعليًّا بعد، بيد أن انسحاب المعسكر الصهيوني أفقد نتنياهو فكرة الإجماع الإسرائيلي بكل الأحوال، وأفقده القدرة على الادعاء بوحدة القرار. ومما زاد الضغوط على نتنياهو أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية باتت تفصح للجمهور والإعلام عن عدم القدرة على تحقيق النصر المطلق، وتحاول الدفع باتجاه إتمام الصفقة.

هذه العوامل مجتمعة دفعت نتنياهو إلى الإبقاء على باب المفاوضات مفتوحًا وعدم إغلاقه نهائيًّا لكن دون السماح بالوصول إلى مخرجات من هذه العملية التفاوضية، وهو بذلك كان، وما زال، يستخدم المفاوضات أداة من أدوات ضبط المشهد الداخلي الإسرائيلي، واحتواء حركة الشارع قدر الإمكان، والإبقاء عليه في حالة ترقب دائم. وقد استطاع نتنياهو أن يبقي المجتمع الإسرائيلي في تلك الدائرة؛ حيث تستمر العملية التفاوضية لتخفف من حدة الاحتجاجات الشعبية والرسمية، لكنها لا تصل إلى نتيجة ليبقى تحالف اليمين مستقرًّا في ظل وضوح موقف شريكيه، بن غفير وسموتريتش، الرافضَين لأي اتفاق مع حركة حماس وهو موقف لا يتعارض مع رؤيته أيضًا.

خارجيًّا: حظيت إسرائيل بدعم دولي غربي كبير وغير مشروط بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقد تمثل بالتضامن الإعلامي والإسناد الدبلوماسي والمدد العسكري والشراكة الاستخباراتية وبكثير من أوجه الدعم إلى الدرجة التي دفعت نتنياهو بعد حجيج قادة العالم الغربي إلى تل أبيب، لأن يصور حربه على غزة على أنها حرب “العالم المتحضر”، وأن إسرائيل رأس حربة هذا الأخير على “العالم الظلامي” ونموذجه حماس، وقد مدَّه هؤلاء القادة بما يكفي لتوهم تلك الحالة، من بايدن إلى سوناك وماكرون، وبدأ بدعوة ما أسماه العالم المتحضر لمحاربة ما اعتبرهم “قوى الهمجية”(10).

لكن سرعان ما تهاوت هذه الحالة نتيجة لعدة عوامل، منها:

  • انكشاف زيف المزاعم الإسرائيلية حول كثير مما جرى يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول بعد تحقيقات إعلامية، بعضها إسرائيلي مثل تحقيق هآرتس(11).
  • شدة العمليات والقصف الإسرائيلي الذي استهدف كل البنى المدنية في القطاع من مستشفيات ومدارس وبيوت مخلفات عشرات آلاف الشهداء والجرحى والنازحين.
  • التصريحات الإسرائيلية الداعية للإبادة الجماعية والتطهير العرقي، في مقابل ظهور صور وشهادات حول التعامل الإنساني مع الأسرى الإسرائيليين الذين وقعوا في قبضة الفصائل الفلسطينية.

هذه العوامل أسهمت في خلق تحولات مهمة على مستوى الرأي العام الغربي لتصبح حركة احتجاجية عالمية ضد الحرب، بالإضافة إلى مقاضاة إسرائيل في محكمة العدل الدولية وقادتها في الجنائية الدولية. دفعت هذه التحولات بعض الدول لاتخاذ خطوات متقدمة في دعم الفلسطييين مثل اعتراف إسبانيا والنرويج وإيرلندا بالدولة الفلسطينية(12)، ودفعت بأخرى نحو تعديل مواقفها أو خطابها على أقل تقدير؛ إذ باتت دول مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا تدعم علنًا، ضرورة التوصل لاتفاق يفضي إلى هدوء مستدام، وهو ما جعل حكومة نتنياهو في مواجهة مع إدارة بايدن، فأصبح إبقاء باب المفاوضات مفتوحًا جزءًا من آليات إدارة العلاقة بين نتنياهو والإدارة الأميركية دون أن تفضي بالضرورة إلى اتفاق ناجز. ويبدو أن إدارة بايدن قد قبلت بهذه المعادلة التي تحفظ لها إمكانية الادعاء أمام رافضي الحرب أميركيًّا بأنها تبذل جهدًا لإنجاز صفقة، فيما تُبقي على دعمها في شتى المجالات لإسرائيل، لذلك لم تتخذ خطوات فعلية للضغط على نتنياهو للانتقال من التعامل مع المفاوضات كجزء من إدارة الحرب إلى إنهائها.

وقد استخدم نتنياهو من أجل هذه الغاية عدة أدوات لإفراغ المفاوضات من مضمونها، منها المماطلة في إرسال الوفد المفاوض، ومن ثم تقييد صلاحيات الوفد، بل وسحب الصلاحيات تقريبًا والاكتفاء بنقل الرسائل من وإلى الوسطاء، إلى جانب تكثيف وتوسيع استهداف المدنيين الفلسطيين مع كل حديث عن إمكانية تحقيق تقدم في العملية التفاوضية. وكانت آخر أدوات نتنياهو في هذا الصدد، التراجع عمليًّا عن البنود الواردة في مقترح جو بايدن -قُدم على أنه مقترح إسرائيلي- وإصراره على رفض الانسحاب من معبر رفح ومحور فيلادلفيا وبالتالي الحؤول دون الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب.

منطلقات حماس التفاوضية ومحددات موقفها

أبدت حركة حماس استعدادها للتفاوض بشكل غير مباشر مع الإسرائيليين استجابة لطرح الوسطاء، وقد بدا واضحًا أنها غيَّرت من استراتيجيتها التفاوضية بعد تجربة الهدنة الإنسانية الأولى؛ إذ تبين لها حقيقة السعي الإسرائيلي لتوظيف المفاوضات كي توفر للحكومة هامشًا أوسع للتحرك السياسي والعسكري، وعدم الاستعداد لإنهاء الحرب. وقد دأبت الحركة على تسخير العمليات العسكرية التي يقوم بها جناحها العسكري، كتائب القسام، لخدمة العملية التفاوضية وليس العكس، وذلك من أجل تحسين شروط التفاوض للوصول إلى اتفاقٍ يُتوج بوقف نهائي للحرب، وانسحاب كاملٍ لقوات الاحتلال وإعادة الإعمار وفك للحصار وإطلاق سراح الأسرى، بيد أن هذه الغايات كانت، وما زالت، تصطدم بالعوامل التالية:

أولًا: التكلفة الباهظة للحرب والناجمة عن استهدف إسرائيل للمدنيين الفلسطينيين، فأعداد الضحايا من شهداء وجرحى ونازحين تجعل المفاوض الفلسطيني تحت ضغط الحاجة الملحَّة لوقف هذا النزيف. وهو الأمر الذي يفسر أن أكثر المواضيع حساسية للمفاوض الفلسطيني هي مسألة ضمان عدم استئناف القتال في القطاع.

ثانيًا: مستوى التضامن الشعبي العربي والإسلامي لا يكاد يُذكر مما يجعله عاملًا غير مؤثر على توجهات الدول العربية نحو غزة، أو أن تدفع باتجاه دور مختلف للولايات المتحدة كحلفاء لها في هذه المنطقة.

ثالثًا: فتور التفاعل الفلسطيني الداخلي مع ما يجري في قطاع غزة على المستوى الشعبي، وذلك بالمقارنة مع أحداث عام 2021، حين التحمت الضفة الغربية بما فيها القدس مع قطاع غزة والداخل الفلسطيني والشتات في مشهد مغاير تمامًا لما يجري اليوم. وبالرغم من وجود تفسيرات كثيرة لهذا المشهد يمكن اختصاره بخطوات إسرائيل الاستباقية والقمعية لأي تحرك شعبي أو عسكري، إلا أن هذا لا يغير من حقيقة تأثر المفاوض الفلسطيني سلبيًّا بفتور هذه الساحات.

لكن رغم هذه العوامل؛ بقيت حركة حماس قادرة على التماسك في العملية التفاوضية وفرض شروطها، وتقديم المرونة فيما هو غير جوهري، وذلك بالاستناد على صمود الشعب الفلسطيني في قطاع غزة رغم كل ما حل به، وبقاء القدرة على الفعل العسكري للفصائل الفلسطينية في القطاع بعد أشهر من الحرب، ووجود جبهات أخرى مفتوحة أهمها الجبهة اللبنانية، وتحولات الرأي العام الغربي، والملاحقة القضائية لإسرائيل، وتغذية الخلافات الإسرائيلية الداخلية عبر ضخ مواد إعلامية مرتبطة بحال الأسرى لدى الفصائل الفلسطينية.

خاتمة

يمكن القول، في ظل ثبات العوامل الحالية وعدم حصول أي تغيير جوهري فيها: إن إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو تسير في ذات النهج القائم على اعتبار العملية التفاوضية أداةً لكسب مزيد من الوقت للاستمرار في عملية عسكرية دون رؤية واضحة، وبذلك لا تغدو المفاوضات أكثر من أداة لاحتواء الشارع الإسرائيلي كي لا يتجاوز حد الاحتجاجات التي يقوم بها منذ أشهر، وأداة لإدارة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية التي تريد أيضًا استمرار العملية التفاوضية. كما أن نتنياهو لا يريد الآن تقديم صفقة ناجزة بوقف إطلاق النار فتسعف بايدن في حملته الانتخابية. وبالمقابل، فإن الاستثمار في المماطلة التفاوضية هو استثمار في العلاقة مع الجمهوريين.

أما موقف الفصائل الفلسطينية فيما يتعلق بوقف إطلاق النار الدائم، ليس من المتوقع أن يتغير، قد تبدي مرونة في المفردات المستخدمة، كأن لا يُذكر (وقف إطلاق النار الدائم) بشكل حرفي لتمريره من قبل الحكومة اليمينية، لكن مع وجود ضمانات بالانتقال من مرحلة إلى أخرى في الصفقة دون استئناف القتال، وهو ما يجري العمل عليه حاليًّا. كما لن توقِّع حماس على اتفاق لا ينص على الانسحاب من القطاع، فبقاء الحال على ما هو عليه رغم كل ما يحمله من أذى على الفلسطينيين في القطاع، أقل ضررًا من عودة الحرب بعد المرحلة الأولى من صفقة توافق عليها حماس.

من الممكن أن تتغير الحالة التفاوضية الراهنة إذا ما اجتمعت جملة من العوامل الموجودة مسبقًا لكن بشكل مختلف. مثل أن تتزايد حالة المكاشفة على المستويات الرسمية الإسرائيلية، نتيجة لتطورات الميدان وعدم القدرة على تحقيق هدفي الحرب، استعادة الأسرى وإنهاء حماس، وبذلك تتجه المؤسسة الأمنية إلى الكشف عن الكثير من المعلومات أو التصريحات التي تهدف إلى إخلاء مسؤوليتها عن مصير الأسرى تحسبًا لأي مساءلة ومحاسبة لاحقة.

أن تزداد عوامل تغذية الشارع المحتج بمحفزات كافية لنقل الاحتجاج إلى مستوى مختلف، كمًّا ونوعًا؛ فمن الأول أن تصبح الأرقام التي تظهرها استطلاعات الرأي ممثلة في الحركة الاحتجاجية، ومن حيث النوع أن ينتقل الشارع المعارض من المسيرات والاعتصامات إلى الإضرابات المفتوحة؛ ما قد يشكِّل ضغطًا من الممكن أن يدفع نتنياهو أو حزب الليكود إلى إعادة تقييم السلوك السياسي والعسكري والقبول بصفقة تنهي الحرب. وفي مثل هذا السيناريو قد يكون نتنياهو أعدَّ أدوات الحفاظ على ائتلافه القائم رغم كل تهديدات سموتريتش وبن غفير.

بلال الشوبكي

مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

1-    “Cease-fire Set to Begin at 7 A.M.; 13 Women and Children to Be Released in Afternoon”, Haaretz, November 23, 2023, “accessed July 14, 2024”. https://www.haaretz.com/israel-news/2023-11-23/ty-article-live/israel-n…

2-“Israel strikes Gaza after truce expires”, Al Jazeera, December 1, 2023, “accessed July 14, 2024”. https://www.aljazeera.com/gallery/2023/12/1/israel-strikes-gaza-after-t…

3-    Ethan Bronner and Galit Altstein, “Netanyahu Says Big Gaps Remain in New Hostage Negotiations “January 29, 2024, “accessed July 13, 2024.  https://www.bloomberg.com/news/articles/2024-01-29/netanyahu-says-big-g…

4-    “Full Text of Hamas Response to Ceasefire Proposal”, Palestine Chronicle, Febreuary 7, 2024. “accessed July 13, 2024”. 

https://www.palestinechronicle.com/our-conditions-full-text-of-hamas-re…

5-    “Hamas accepts Qatari-Egyptian proposal for Gaza ceasefire”, Al Jazeera,  6 May 2024, “accessed July 13, 2024”.

6-  Karen DeYoung, “Biden announces new cease-fire plan for Gaza”, May 31, 2024,  “accessed July 13, 2024”. https://www.washingtonpost.com/national-security/2024/05/31/biden-israe…

7-    Adam Rasgon, “Benny Gantz Quits Israel’s Emergency Government in Dispute Over Gaza”, The New York Times,  June 9, 2024, “accessed July 13, 2024”. https://www.nytimes.com/live/2024/06/09/world/israel-gaza-war-hamas

8-    Rabia Ali, “200 days of war on Gaza: ‘Israel has already lost strategically and operationally’” Anadolu Agency, April 24, 2024,“accessed July 14, 2024”.  https://www.aa.com.tr/en/middle-east/200-days-of-war-on-gaza-israel-has…

9-    Sam Sokol, “Poll: Majority of Israelis support prioritizing hostage deal over Rafah operation” The Times of Israel, May 7, 2024, “accessed July 14, 2024”, https://www.timesofisrael.com/poll-majority-of-israelis-support-priorit…

10-    David Isaac, “Netanyahu calls civilized world to arms against ‘forces of barbarism’”, JNS,  October 30, 2023, “accessed July 14, 2024”. https://www.jns.org/netanyahu-calls-civilized-world-to-arms-against-for…

11-    Liza Rozovsky, “Families of Israelis Killed in Be’eri Home Hit by IDF Tank on October 7 Demand Probe”, Haaretz, Jan 6, 2024, “accessed July 14, 2024”. https://tinyurl.com/3a29pezp

12-    Joshua Askew & Mared Gwyn Jones, “Spain, Ireland and Norway announce they will recognise the State of Palestine”, Euro News, May 22, 2024, “accessed July 14, 2024”. https://www.euronews.com/2024/05/22/ireland-and-spain-poised-to-recogni…
 




ما الذي يقلق إسرائيل إذا أقرت “العدل الدولية” عدم شرعية الاحتلال في الضفة الغربية؟

يصعب على المرء إيجاد يديه وقدميه في القرار الذي تتخذه محكمة العدل الدولية. البروفيسور تمار هوستوبسكي براندس من الدار الأكاديمية “هونو” ومعهد التفكير الإسرائيلي، ترتب الأمور.

 أي محكمة ستقرر اليوم؟

هذه محكمة العدل الدولية. هذه المحكمة هي هيئة من الأمم المتحدة لها مهمتان: الأولى، الحسم في نزاعات قضائية بين الدول: مثلاً، ثمة دعوى لجنوب إفريقيا ضد إسرائيل تجري في هذه المحكمة. الثانية، إصدار فتوى استشارية لهيئات الأمم المتحدة المختلفة. هذه المهام تختلف عن مهام محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. محكمة الجنايات تعنى بتقديم الأشخاص إلى المحاكمة على جرائم القانون الدولي (المدعي العام طلب إصدار مذكرات اعتقال ضد نتنياهو وغالانت مؤخراً).

 إذا كان كذلك، فهل هي فتوى ملزمة؟

من ناحية قانونية رسمية، لا. المكانة الرسمية للفتوى استشارة فقط. صحيح أن محكمة العدل الدولية هي الجسم القضائي الأهم للساحة القانونية الدولية، وبالتالي ثمة وزن ثقيل لقراراتها حول الشكل الذي تفهم فيه دول وهيئات دولية الوضع القانوني، وبالنسبة لسلوكها في أعقاب ذلك.

 بمَ تعنى الفتوى؟

في 19 كانون الثاني 2023 توجهت الجمعية العمومية للأمم المتحدة إلى محكمة العدل الدولية بطلب لإصدار فتوى حول “تداعيات سياسة وممارسة إسرائيل في المناطق الفلسطينية المحتلة، بما فيها شرقي القدس”. وطلب من المحكمة إصدار فتوى في مسألة “ما هي التداعيات القانونية لخرق حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني في حق تقرير مصيره، من الاحتلال المتواصل والاستيطان وضم الأرض الفلسطينية المحتلة منذ 1967 بما في ذلك تغيير التركيبة الديمغرافية، وطابع ومكانة المدينة المقدسة القدس”؛ إضافة إلى ذلك الطلب من المحكمة الإجابة عن سؤال كيف تؤثر هذه السياسة والممارسة على المكانة القانونية للاحتلال، وما هي التداعيات القانونية لعموم الدول والأمم المتحدة.

بالإجمال، المسألة المركزية للطلب هي مسألة شرعية السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية. صيغة السؤال توجه المحكمة للإجابة عن السؤال إذا كانت السيطرة الإسرائيلية في الضفة تشكل اليوم احتلالاً غير شرعي أم ضماً – وهي أفعال تعتبر محظورة حسب القانون الدولي.

 لكن إسرائيل تسيطر على المنطقة منذ 1967. لماذا يأتي الآن الادعاء بعدم شرعية ذلك؟

كقاعدة، القانون الدولي لا يمنع وجود الاحتلال. الاحتلال هو وضع وقائعي يمكن وقوعه. لكن فرضية عمل قوانين الاحتلال هي أن الاحتلال وضع مؤقت. إذا غاب المؤقت، فإننا نتحرك نحو ضم يشكل خرقاً للقانون الدولي. خلفية توجه الجمعية العمومية للمحكمة هي ادعاءات لأعمال تنفذها إسرائيل في الضفة: توسيع المستوطنات وتطبيق أجزاء من القانون الإسرائيلي في المنطقة مما يشكل ضماً فعلياً، وبالتالي يحول السيطرة الإسرائيلية في المنطقة إلى غير شرعية. الادعاءات أيضاً هي أن هذه الأعمال تخرق واجبات إسرائيل في اتفاقات أوسلو، التي استندت إسرائيل نفسها إليها في السنوات الأخيرة أمام الهيئات القضائية الدولية، سواء مباشرة أم عبر ادعاءات طرحت في صالحها من قبل حلفائها.

 ماذا يحصل إذا قررت المحكمة بأنه احتلال غير شرعي، أو ضم؟

كما أسلفنا، هذه فتوى استشارية وغير ملزمة. ومع ذلك، إن قول المحكمة بأن الاحتلال الإسرائيلي في الضفة غير شرعي وأن على الدول منع الاعتراف به، ربما يعطي ريح إسناد لفرض عقوبات من دول وهيئات دولية ضد دولة إسرائيل، وتوسيع العقوبات التي فرضت على هيئات وأفراد في الضفة.

طوفا تسيموكي

صحيفة يديعوت أحرونوت الاسرائيلية

ترجمة القدس العربي




أكسيوس: تفاصيل اجتماع سري عقدته أمريكا وإسرائيل والسلطة الفلسطينية بشأن معبر رفح

كشف مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة الفلسطينية عقدوا اجتماعا سريا، الأسبوع الماضي، لمناقشة إعادة فتح معبر رفح بين مصر وغزة كجزء من اتفاق إطلاق النار، حسبما أفاد موقع “أكسويس”.

مسؤولون: إسرائيل اعترضت على أي تدخل رسمي للسلطة الفلسطينية في إدارة معبر رفح

وبحسب ما ورد،  كانت هذه هي المرة الأولى منذ السابع من أكتوبر التي يجتمع فيها مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون وفلسطينيون لمناقشة اليوم التالي لانتهاء الحرب في غزة.

وأشار “أكسيوس” إلى أن إعادة فتح معبر رفح الاستراتيجي سيكون أمراً حاسماً لتنفيذ المرحلة الأولى من اتفاق الأسرى ووقف إطلاق النار، والذي يتضمن نقل الجرحى من غزة إلى مصر لتلقي العلاج الطبي. ولن يتسنى ذلك إلا من خلال معبر رفح.
وقال مسؤولون أمريكيون إن إعادة فتح معبر رفح يمكن أن يكون خطوة أولى في استراتيجية أوسع نطاقا لما بعد الحرب من أجل تحقيق الاستقرار وإعادة الإعمار في غزة.
أين يقف الوضع: فشلت إسرائيل ومصر حتى الآن في التوصل إلى اتفاق بشأن كيفية إعادة فتح المعبر.

وتريد مصر أن يتولى موظفون من السلطة الفلسطينية إدارة المعبر في حين تعترض إسرائيل على أي تدخل رسمي من جانب السلطة الفلسطينية.
وترى إدارة بايدن أيضًا أن إعادة فتح المعابر هي وسيلة لبدء استعادة بعض هياكل الحكم في غزة بطريقة لا تشمل حماس وتسمح بدلاً من ذلك ببعض المشاركة للسلطة الفلسطينية، وفقاً لتقرير “أكسيوس”.

وشارك في الاجتماع الذي عقد في تل أبيب، مستشار الرئيس بايدن لشؤون الشرق الأوسط بريت ماكجورك، ومدير جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي رونين بار، وعضو اللجنة التنفيذية حسين الشيخ ومدير المخابرات ماجد فرج.

وقالت مصادر مطلعة على الاجتماع إن الجانب الإسرائيلي أكد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعترض على أي تدخل رسمي للسلطة الفلسطينية في معبر رفح.

وفي الوقت نفسه، ضغط الإسرائيليون على كبار مساعدي عباس للموافقة على إرسال رجالهم إلى المعبر بصفة غير رسمية، بحسب المصادر. ورفض الجانب الفلسطيني هذا الاقتراح.
ويقول المسؤولون الإسرائيليون والأمريكيون إنهم في حين يتفهمون اعتراضات السلطة الفلسطينية على الاقتراح، فإنهم ما زالوا يعتقدون أن من مصلحة السلطة الفلسطينية أن يكون لها “قدم في الباب” في غزة، حتى بصفة غير رسمية.

موقع أكسيوس الاميركي




شخصيات مقربة ووقائع سياسية: كل الإشارات تجاه “الصفقة”.. حتى صلاة بن غفير بـ”وجه متجهم”

قال وزير الدفاع غالانت هذا الأسبوع إن ثمة فرصة صغيرة للتوصل إلى صفقة لتحرير المخطوفين. على إسرائيل أن تسعى لتحقيق ذلك خلال أسبوعين. مصدر أمني رفيع قدر أنه يمكن إتمام صفقة خلال 24 ساعة. وعبر حزب “شاس” والوزيرة غيلا غملئيل (الليكود) والوزيرة ميري ريغف (الليكود) عن دعم كامل للتوصل إلى صفقة الآن، وتتفق المنظومتان السياسية والأمنية على أن القرار في يد شخص واحد، رئيس الحكومة نتنياهو.
عائلات الخمس مراقبات المخطوفات خرجت في الأسبوع الماضي، في صورة نادرة، لتشجيع لقاء مع الوزير المقرب جداً من نتنياهو: رون ديرمر. قال الوزير حسب قول ايلي الباغ، والد المراقبة ليري: الأمر سيحدث في هذه المرة”. عميت سيغل، الذي على الأغلب يقرأ نتنياهو أفضل من مراسلين آخرين، أطلق هذا الأسبوع ما يشبه بالون الاختبار في قناة أخبار 12. في التقرير الأول قيل إن تفاهماً يتبلور بأن القتلة الفلسطينيين الذين سيتم إطلاق سراحهم في الصفقة، المئات، سيتم طردهم من “المناطق” [الضفة الغربية] إلى الخارج. في المقال الثاني، قيل إن توجه الحكومة سيكون نحو الصفقة، التي يتطلع للوصول إليها بعد نهاية الأسبوع القادم، أي بعد إلقاء خطابه في الكونغرس وعند انتهاء دورة الكنيست الصيفية. لكن الصعوبة تكمن في كيف يقنع شركاءه في اليمين المتطرف، الوزيرين بن غفير وسموتريتش، في عدم الانسحاب من الحكومة حتى نهاية السنة رغم معارضتهما للصفقة.
المشكلة أن نتنياهو يبث رسائل متناقضة في جوهرها. أمس، اختار من كل الأماكن في العالم أن يزور محور فيلادلفيا في رفح، ونشر فيلماً أكد فيه أهمية السيطرة على هذا المحور الواقع على الحدود بين القطاع ومصر، لأمن إسرائيل. إلى جانب الطلب الجديد بشأن فيلادلفيا الذي لم يظهر في اقتراح بايدن – نتنياهو في نهاية أيار، يطلب رئيس الحكومة الآن ضمان عدم عودة مسلحي حماس إلى شمال القطاع، أي أنه يرفض إخلاء ممر نتساريم. رئيس الموساد، دافيد برنياع، قال هذا الأسبوع لوزراء الكابنيت إننا لا نملك الوقت الكافي لإتمام تركيب وسائل مراقبة تكنولوجية في المكان إذا أردنا وبحق التوصل إلى صفقة في القريب.
إن تصميم رؤساء جهاز الأمن على جدول زمني إنما يتعلق بالساحة الدولية، والاقتراح الذي ردت عليه حماس بالإيجاب في 3 تموز يشمل الموافقة على طلب إسرائيل الرئيسي في المفاوضات في الأشهر الأخيرة، وهو إبقاء إمكانية استئناف القتال إذا فشلت المفاوضات حول المرحلة الثانية من الصفقة (إطلاق سراح المخطوفين غير المشمولين في “المرحلة الإنسانية” في المرحلة الأولى للصفقة)، وهذا يمكن أن يحدث في غضون 42 يوماً منذ بداية الصفقة. هذه الأسابيع الستة، والأسبوعان أو الثلاثة إلى حين بلورة الصفقة، ستوصلنا إلى بداية تشرين الأول. وستكون الانتخابات الأمريكية في بداية تشرين الثاني. والتقدير الإسرائيلي أنه في حالة هزم الرئيس الأمريكي أمام ترامب، أو أن مرشحاً ديمقراطياً آخر هزم في المنافسة على الرئاسة، وبقي في البيت الأبيض حتى دخول الوريث في كانون الثاني، فإنه سيتبع خطاً أكثر تشدداً، ولن يسمح باستئناف القتال في ظل غياب أي تقدم.
بدأ التحرك في المفاوضات يحدث على خلفية الضغط العسكري الأكثر نجاعة، الذي يستخدم على حماس مؤخراً. تصفية محمد الضيف اعتبرت في إسرائيل نجاحاً، رغم أنه لا دليل على موته حتى الآن. تحليل المعلومات الاستخبارية والبيانات على الأرض تشير إلى موته باحتمالية عالية (كالعادة، يجب إضافة ملاحظة تحذير عن نجاحه في التملص من عمليات تصفية في السابق). الظروف القاسية في الأنفاق وصعوبة تشغيل منظومة القيادة والسيطرة العملياتية هناك، تجعل الكثيرين من أعضاء حماس يخرجون فوق الأرض. إسرائيل قتلت مؤخراً العشرات منهم في هجمات جوية قاتلة في أرجاء القطاع. وتقدر قيادة المنطقة الجنوبية أن ألف مخرب قتلوا في المعارك في الشهر الأخير. إضافة إلى ذلك، حسب رئيس الـ سي.آي.ايه وليام بيرنز، فإن المستويات المتوسطة في حماس تجد صعوبة في الصمود، وقادتها يتوجهون إلى السنوار للتوصل إلى وقف لإطلاق النار.
في كل الحالات، هذه هي الطريقة التي يطرح فيها غالنت والجيش و”الشاباك” الصورة. من الجدير التذكر بأنه قبل شهر تقريباً كان لهم خطة أخرى، وهي الإعلان عن هزيمة الذراع العسكري لحماس عند انتهاء العملية في رفح، والتوسل لنتنياهو لعقد الصفقة والانسحاب من القطاع. رئيس الحكومة فرض الفيتو على ذلك، وأعلن من فوق كل منصة نيته الاستمرار في القتال حتى النصر المطلق. الادعاء الجديد لجهاز الأمن، أن حماس الآن تمر في أدنى حضيض لها منذ بداية الحرب، لذلك من الجدير عقد اتفاق، هو نسخة جديدة لرواية قديمة. السؤال هو: هل سيوافق نتنياهو عليها أم ينوي مواصلة ضرب حماس على أمل تحقيق فيما بعد المزيد من التنازلات؟
خصخصة التسريبات
من يظهر التسامح لاعتبارات نتنياهو يمكنه الادعاء بأنه يعمل على تحسين إنجازات إسرائيل في المفاوضات، وليس من أجل إفشالها. رئيس الحكومة يبث بطريقة ما أن الزمن يعمل في صالحه. “لدينا وقت. المخطوفون لا يموتون، هم يعانون”، قال في هذا الأسبوع لإرضاء الكابنيت الأمني. إلى جانب الانغلاق الفظيع الذي تبثه هذه الأقوال، هي أيضاً غير مرتبطة بالواقع. عشرات المخطوفين ماتوا في هذه الأشهر بسبب المرض أو القتل على يد آسريهم أو بقصف الجيش الإسرائيلي.
يبدو أن سفر نتنياهو إلى واشنطن قد يسمح بحدوث انعطافة. وقال مصدر أمريكي رفيع للصحيفة بأنه “يجب التمييز بين الأقوال العلنية والأقوال التي هي حقاً جزء من المفاوضات. ليس لدي أي تفسير جيد للحاجة إلى قول بعض هذه الأقوال علناً. ثمة مواضيع مشروعة يجب معالجتها، وحسب رأينا توجد طريقة لعمل ذلك. لذلك فإن رئيس الـ سي.آي.ايه بيرنز، والمبعوث الأمريكي بريت ماكغورك، على استعداد لمواصلة التفاوض للمضي بذلك. نضغط على جميع الأطراف، لكننا على الأغلب لا نتحدث عن ذلك في الخارج حتى نسمح للطرفين بإظهار مرونة في المفاوضات”.
حتى الآن، يبدو أن نتنياهو قد يغير بين حين وآخر تكتيكه في تأخير المفاوضات، لكنه لم يتنازل حتى الآن عن استراتيجية التأخير. خطوات تشويش التقدم مستمرة، وتأتي من داخل الحكومة نفسها. منذ كانون الأول الماضي، وبعد أسابيع من تفجر المفاوضات في نهاية الصفقة الأولى، يتم تبادل مسودات الصفقة الجديدة. في السابق كان هناك شك بأن مكتب رئيس الحكومة هو الذي يسرب التفاصيل، والآن تقول مصادر أمنية، توجد خصخصة للتسريبات. سموتريتش، والوزيرة أوريت ستروك أيضاً، يظهران التضلع المفاجئ في مسار الصفقة.
وهما يعلنان بين حين وآخر عن خطوط حمراء مثل البقاء في محور فيلادلفيا وممر نتساريم، والامتناع عن تحرير سجناء فلسطينيين. وحتى بن غفير يساهم بعبواته الناسفة الخاصة به. صباح أمس، التقطت له صور في الحرم وهو متجهم الوجه. في بعض التقارير، قيل إنه (يصلي صلاة ما قبل أيام “بين همتساريم”، وهي الأسابيع الثلاثة في التقويم العبري التي تأتي بين صوم 17 تموز وصوم 9 آب). وهو نفسه أعلن أنه صلى لمنع صفقة سيئة. صلاة علنية لوزير في الكابنت داخل الحرم بمثابة وضع إصبع في عين الفلسطينيين. ربما من الجدير بشخص أن يسحب ياقة رئيس الحكومة مرة أخرى. في أحد النقاشات، حذر رئيس “الشاباك” رونين بار، بن غفير بأن تبجحه الدائم بالمس بظروف السجناء الفلسطينيين قد يمس بظروف حياة مخطوفينا. استشاط بن غفير غضباً- جهد تخريبي آخر استند إلى إغراق وسائل الإعلام بالتفاصيل. في هذا الأسبوع، قامت مصادر إسرائيلية بتزويد صحيفة “واشنطن بوست” بالتفاصيل الدقيقة جداً عن الاتفاق المتوقع. الطريقة مكشوفة: كل تفصيل يتضمن تنازلاً إسرائيلياً، قد يشعل الغضب السياسي ويؤدي إلى تفجير المفاوضات.

في الخلفية يتراكم غضب عائلات المخطوفين والعائلات الثكلى وحركات الاحتجاج. وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تأييد جارف للصفقة إلى جانب معارضة نصف الجمهور لمواصلة استمرار هذه الحكومة. جزء كبير من ذلك يأتي بفضل أهداف نتنياهو الشخصية ورجاله. في بداية الأسبوع وبعد بضع ساعات على محاولة فاشلة لاغتيال ترامب، اختارت الحكومة تكريس ساعتين للأخطار التي يتعرض لها كما يبدو أمن نتنياهو وأبناء عائلته، كما أشار إلى ذلك رئيس المعارضة يئير لبيد، وهو على حق. كل جندي في غزة حياته معرضة للخطر أكثر من أبناء العائلة الأكثر حماية في الدولة، ولا نريد الحديث عن المخطوفين الموجودين في الأنفاق.
في اللقاء مع آباء وأمهات المراقبات اللواتي قتلن في “ناحل عوز”، أظهر نتنياهو جهلاً مقلقاً بخصوص ظروف المعركة هناك، وبخصوص الظروف التي خدمت فيها المجندات. آباء المراقبات الخمس المخطوفات، عقدوا هذا الأسبوع مؤتمراً عرضوا فيه صوراً فظيعة لهن، مصابات بالكدمات في الأيام الأولى من الأسر. توجه الآباء إليه وطالبوا بالالتقاء معه ليوافق على الصفقة وعدم السفر إلى واشنطن إذا لم يقرر تبنيها. نتنياهو تجاهل كل ذلك، لكنه قال في مناسبة أخرى إنه التقى عائلات “مئات المخطوفين” وعائلات من الكيبوتسات أيضاً. وهو ادعاء مشكوك أن يصمد في امتحان الواقع.
يظهر بشكل واضح أن بعض الآباء الثكالى رفعوا القفازات أمامه. وفي الفترة الأخيرة، تجري قرب حدود القطاع مسيرة نظمها آباء الجنود الذين قتلوا في 7 أكتوبر إلى جانب سكان من الغلاف. المقابلات مع المشاركين في المسيرة التي تسمع بين حين وآخر في القنوات، تفطر القلب. مطالبتهم الأساسية تتعلق بتشكيل لجنة تحقيق رسمية. لكن نتنياهو يتهرب. حسب قوله “ليس الوقت المناسب، ومن الأفضل الانتظار حتى انتهاء الحرب”. حتى لجنة التحقيق لا تعتبر تهديداً فورياً عليه، هذا إجراء قد يستمر لسنوات، وبالتأكيد في قضية معقدة جداً.
هل يوجد هنا كتلة حاسمة، ترجح الكفة لصالح الصفقة؟ في الكابنيت والحكومة كما يبدو أغلبية للمصادقة عليها، حتى بثمن تقديم تنازلات مؤلمة. جزء من الإجابة يتعلق بموقف قادة جهاز الأمن والاستعداد للقيام بخطوات شخصية إذا تم تفويت هذه الفرصة مرة أخرى. رئيس الأركان، هرتسي هليفي، ينتظر انتهاء التحقيقات في الجيش الإسرائيلي.
يتلقى رئيس “الشاباك” بين حين وآخر توسلات من قبل أسلافه في المنصب، كي لا يتجرأ على ترك مكانه، وبذلك يمكن نتنياهو من تعيين البديل الذي يريده. ورئيس الموساد امتنع عن التصريحات العلنية. غالنت من بينهم هو الذي يدير الآن حرباً علنية ضد رئيس الحكومة، لصالح الصفقة وتعيين لجنة تحقيق رسمية. نتنياهو يفكر في احتمالية إقالته، لكنه يخشى من إشعال احتجاج جماهيري كما كان في آذار 2023.
وزن جزئي
بعد أسبوع على عرضه على الملأ، يصعب القول إن تحقيق الجيش الإسرائيلي في المعركة في “بئيري” حقق النتائج المأمولة. أملت هيئة الأركان بأن هذا سيكون بداية التصحيح: أن يصف الجيش ما حدث بكل شفافية، وبكل الأخطاء والعيوب. وأن يعرف المجتمع الذي تعرض لضربة وهو يعاني، ما الذي حدث. ربما سيمكن البدء في إصلاح ثقة الجمهور بالجيش الإسرائيلي. لكن لم يحدث شيء من هذا بالفعل. بعض أعضاء الكيبوتس بقوا متشككين. وثمة جنود في الوحدات الخاصة شعروا بالإهانة من الانتقاد الذي وجه إليهم في التحقيق الذي قاده الجنرال احتياط ميكي أدلشتاين. وسألت وسائل إعلامية عن سبب توجيه الانتقاد للجنود بدلاً من محاسبة المستويات العليا.
العناوين الرئيسية احتلها الانتقاد لعمل الطاقم الأول الذي وصل إلى الكيبوتس من وحدة “شلداغ”. هذه كانت قوة صغيرة بقيادة رائد مخضرم (ما يسمى في الوحدات الخاصة “عسكري”)، ونقيب كقائد للطاقم. بعد تكبد قتيل ومصاب، قامت القوة بإخلائهما في مروحية مع ومواطن مصاب، وأعادت الانتشار من جديد حول مدخل الكيبوتس. هناك أدارت معركة ومنع دخول مخربين آخرين. خدم أدلشتاين معظم خدمته كقائد ومقاتل في “شلداغ”، وله علاقة عائلية لسنوات طويلة مع الوحدة. انتقاده كان مهنياً وليس أخلاقيًا – قيمياً. بالنسبة له، فإن تموضع الطاقم كان خاطئاً. خلال التحقيق تشاور مع جنرال احتياط مخضرم أكبر منه، الذي حقق في السابق في خطواته عندما كان قائد لواء. “احذر في الاستنتاجات”، قامت الضابط المخضرم بتوصيته. “تذكر أن بعض القرارات مصدرها صورة وضع معيب نبع من الفوضى في الكيبوتس في 7 أكتوبر. الجميع يخطئون، بالتأكيد تحت الضغط”.
تفويض طاقم التحقيق كان محدوداً مكانياً وزمانياً. أدلشتاين ورجاله لم يحققوا فيما حدث خارج الكيبوتس، ولم يحققوا أيضاً في الاستعدادات في كتيبة فرقة غزة في الفترة التي سبقت هجوم حماس. قد يتضح هذا في التحقيقات الأخرى. بأثر رجعي، يبدو أن هيئة الأركان لم تفحص حتى النهاية تسلسل عرض التحقيقات. الجنرال احتياط نمرود شيفر، كتب هذا الأسبوع في مقال نشره في الصحيفة بأن تحقيق “بئيري” هو “وصفة مهنية لتسلسل الأمور. لا يمكن أن تحرك عملية الإصلاح… على الجيش إذا أراد البدء في إصلاح الإخفاقات إلقاء المسؤولية أيضاً على أشخاص معينين فشلوا في مهمتهم في 7 أكتوبر أو في الأشهر التي سبقت ذلك”. أدلشتاين لم يعط ولم يطلب منه إعطاء جواب على الأسئلة الكبيرة، مثل: لماذا لم يصدق الجيش الإسرائيلي التهديد الأكبر الذي يشمل هجوماً على 70 قاطعاً في الجدار، رغم أن خطة حماس العملياتية كانت في يده قبل سنة ونصف من تنفيذها؟ لماذا استعد حتى الليلة قبل الهجوم لاقتحام عدة مقاطع فقط؟ إلى أي درجة وصلت إلى الفرقة واللواء معلومات عن الإنذار الاستخباري الذي بدأ يتبلور في الفترة الحاسمة؟ ما الذي أعاق مجيء القوات إلى الكيبوتسات المهاجَمة إلى الساعة 13:30 – 14:30 بشكل مكن مخربي حماس من الهياج والقتل بدون أي إزعاج، حيث كانت أمامهم بالأساس فرق الإنقاذ وقوات صغيرة من الشرطة مع عدد قليل والقليل من السلاح؟
أيضاً في 2014 خططت حماس لاقتحام أراضي إسرائيل. ولكن هذا الأمر استهدف التنفيذ في عدة محاور معزولة بواسطة الأنفاق. اكتشفت نية حماس حول النفق الذي تم حفره باتجاه كيبوتس كرم أبو سالم، وأدى التوتر حول هذه الحادثة إلى اندلاع المواجهة التي عرفت بعملية “الجرف الصامد”. كان أدلشتاين في حينه قائد فرقة غزة. واستنتجت حماس بعد ذلك الحاجة إلى الحفاظ على المفاجأة، التي بدونها لم يكن بالإمكان تحقيق تفوق في العدد في الهجوم، الأمر الذي حدث في السنة الماضية.

عاموس هرئيل

صحيفة هآرتس الإسرائيلية
ترجمة صحيفة القدس العربي




أزمة السيولة في غزة: عملات قديمة عادت للتداول… والحصول على الراتب يمر بابتزاز التجار

في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي، مع اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي على غزة، أغلقت البنوك الفلسطينية جميع فروعها في القطاع، وتوقفت جميع عمليات السحب والإيداع، ومنذ ذلك الوقت لم يدخل إلى غزة أيّ أوراق نقدية من إسرائيل.
والعملة المتداولة في فلسطين هي الشيكل، وتعتمد البنوك الفلسطينية على تمويل البنك المركزي الإسرائيلي لها بالعملات الورقية.
وزاد الطلب على الأوراق النقدية، واختفت تدريجياً من أسواق التداول، لعدة أسباب، بينها توجه آلاف العائلات للسفر حيث تصل تكلفة الفرد الواحد (5 آلاف دولار أمريكي) وزيادة الطلب على الاحتياجات الأساسية للأسر التي نزحت ولم تأخذ معها شيئاً من أغراضها، والتضخم غير المعقول في أسعار السِلع والبضائع التي ما زالت موجودة في الأسواق بشكل نادر وشحيح قلّص القيمة النقدية للنقود.
وفي الشهر الرابع للعدوان، دمر جنود الاحتلال ماكينات الصرافة الآلية وسرقوها، وسرقوا مخزون التجار والأغنياء من النقود، كما سرقوا خزائن البنوك في شمال غزة، وقاموا بتدمير عدة فروع للبنوك في مختلف محافظات القطاع، خصوصا فروع البنك الوطني الإسلامي وبنك الإنتاج، التابعين لحركة «حماس».
وعليه بات الحصول على العملات الورقية من الشيكل والدولار الأمريكي والدينار الأردني شبه مستحيل.
وظهر تجار العملة الذين يبتزون الناس بالنسب المئوية للصرف، حيث وصلت نسبة الصرف إلى (20٪) في شمال غزة، وتتراوح من (8٪ – 17٪) في مناطق جنوب القطاع. حيث لا يمكن للموظفين صرف رواتبهم من البنوك فيتوجهون إلى تجار العملة من أجل الحصول على النقود «كاش» ويتم استغلالهم بصورة بشعة. حاجة الناس للنقود بعد أشهر من الحرب، بعدما نفدت الأموال التي كانوا يحملونها أو التي خزنوها نقداً، دفعتهم للسحب من أرصدتهم البنكية عن طريق تجار العملة أيضاً.
وأثناء تجوّلك في الأسواق تجد أنّ العملات النقدية الجديدة قد اختفت تماماً من السوق، وحلت مكانها العملات النقدية القديمة والبالية، وهي من الأموال التي كان يخزنها التجار في مناطق جنوب القطاع.
يتفقّد البائع عمر السكني، في سوق دير البلح ما يحمل من النقود قائلاً لـ «القدس العربي»: «في بداية الحرب كانت الأوراق النقدية متوفرة بكثرة، ولم نواجه هذه المشاكل التي نواجهها حالياً حيث لا توجد سيولة نقدية في الأسواق، مما يضطرنا للتعامل مع الأوراق النقدية القديمة والبالية، والتي تتسبب لنا أحياناً بخسائر، لأن التجار لا يأخذونها مقابل بضائعهم، فهذه الأوراق كانت قد انقرضت في الأسواق، والآن ظهرت فجأة وامتلأت الأسواق منها».
ويكمل: «الناس تعاني من الأوضاع الاقتصادية الصعبة، بسبب الحرب وانعدام فرص العمل، وقِلة النقود وغلاء الأسعار وزيادة الطلب على البضائع الأساسية كالأكل والشرب وأدوات النظافة والملابس وغيرها. الناس نزحت ولم تعد تملك شيئاً، ونحن الآن قد اقتربنا من عام على الحرب، فالناس صرفت كل ما تملك من الأموال، وليس بمقدورها توفير الأموال، بالرغم من شُح الاوراق النقدية بالأسواق».
وفي المكان نفسه في سوق دير البلح تجد طابوراً طويلاً يقف فيه سعد الغوراني، من أجل سحب راتبه الذي يتقاضاه من السلطة الوطنية الفلسطينية عبر أحد مكاتب الصرافة.
ويقول الغوراني لـ «القدس العربي»: «أنا كغيري من الموظفين، في حاجة ماسة للمال من أجل توفير احتياجاتنا في النزوح، بعد أن تركنا كل ما نملك خلفنا في مدينة غزة، واضطررنا للهرب من الموت والدمار. كلما وفّرنا بعض الأدوات والمقتنيات يطالبنا الجيش الإسرائيلي بالنزوح مرة أخرى في اتجاه أماكن أخرى، وفي كل مرة نفقد فيها أغراضنا ونحتاج المال لشرائها مرة أخرى، بالرغم من ارتفاع الأسعار الجنوني وقلة فرص الحصول على النقود».

منذ بدء العدوان لم تدخل القطاع أي أوراق نقدية… والاحتلال دمّر بنوكاً وماكينات صرافة

ويضيف: «يقوم تجار الصرافة باستغلالنا لعدم مقدرتنا الحصول على الكاش، ويصرفون لنا رواتبنا بنسبة (13٪) من قيمة الراتب، يعني كل (1000 شيكل) نضيف فوقها (130 شيكلا) من أجل استلامها نقداً، ولا نعرف طرقا أخرى للحصول على رواتبنا، وليست أمامنا خيارات، وهذا ما يجعلنا مُكرهين على التعامل مع هؤلاء التجار الفاسدين».
وفي شمال غزة، حيث وصلت العمولة لـ(20٪) يقول اسماعيل علي لـ«القدس العربي»: «منذ أشهر لم يدخل أي أوراق نقدية إلى قطاع غزة، تحديداً منطقة شمال القطاع المحاصرة منذ أول أسبوع بالحرب، وقد سرق الاحتلال عشرات البنوك وخزنات النقود، ما جعل السيولة معدومة في الشمال، حتى أن تجار الصرافة لا يملكون سيولة لأنفسهم».
وأضاف: «يعتمد الناس هنا على تدوير الأموال نفسها في الأسواق، يعني أنا اليوم أملك مبلغا من المال أقوم بالشراء به، غداً المبلغ نفسه يذهب لشخص آخر ثم لآخر ثم يعود إلي عبر عملية معقدة من البيع والشراء، فليس لدينا خيارات أخرى، وكان مؤخراً قد انتشرت الأوراق النقدية القديمة في الأسواق والتي يرفض أغلب البائعين التعامل معها على خِلاف مناطق جنوب القطاع».
وزاد: «أغلب العائلات في الشمال تعتمد على المساعدات المالية لهم من أقاربهم وأصدقائهم في الخارج، هنا لا نملك رفاهية العمل، بل نقضي أوقاتنا فقط بالنزوح من منطقة إلى أخرى، وبالهرب من الموت، المهم أنّ هذه الأموال عند قيام المرء بصرفها وتحويلها من عملة الدولار مثلاً إلى الشيكل فهو يخسر قرابة (10٪) من قيمتها الحقيقية، ومن ثم يأخذها نقداً فيخسر (20٪) من قيمتها بعد الصرف، مما يجعل حصوله على الكاش شبه مستحيل، وأكثر صعوبة، ولكن الناس هنا تعيش بمجاعة تحت النار، وهم في حاجة إلى كل (شيكل) من أجل تأمين أقل ما يمكن تأمينه لاستمرار على قد الحياة قدر الإمكان».
باسل السلطان لـ «القدس العربي» وهو مسؤول عن توزيع مساعدات في الشمال وتكية طعام، قال لـ «القدس العربي»: «يقوم المتبرعون بإرسال الأموال لنا عبر حساباتنا على البنوك الفلسطينية، ولكننا نجد صعوبة كبيرة في الحصول على هذه الأموال من أجل شراء وتأمين الطرود الغذائية والمواد اللازمة للتكيات، مما يضطرنا أحياناً للتعامل مع تجار الصرافة الفاسدين».
ويتحدث عن حل آخر وهو التحويل البنكي، أي الدفع عبر تحويل النقود بنكياً من خلال تطبيقات البنوك على الهواتف الخلوية، وهو «ما يسهل عمليات الشراء».
ووفق السلطان: «حسابات المبادرين الذين يعملون على تقديم خدمات ومساعدات للناس، مليئة بالأموال، لكن لا يمكنهم الحصول عليها نقداً من أجل توفير وشراء المساعدات وتقديم الخدمات للنازحين وغيرهم، مما يصعّب عليهم وعلى المحتاجين حياة الحرب والنزوح، فنُدرة الأوراق النقدية سببت الكثير من العوائق في طريق تقديم الخدمات».
ويقول عائد الخزندار لـ«القدس العربي» أحد موظفي البنوك في القطاع: «الاحتلال يرفض دعم قطاع غزة بالعملات الورقية، كنوع من العقاب الجماعي الذي يمارسه ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ضمن حربه المسعورة على كل شيء حي في هذه البقعة».
ويضيف: «عادةً عملية تدوير النقود من المستهلك للتجار للصرافين للبنوك تعود إلى البنك الإسرائيلي المركزي، ومن جهته يقوم بإرسال واستقبال النقود الورقية من وإلى البنوك الفلسطينية، كعمليات السحب والايداع».
ويكمل: «لكن بسبب الحرب توقفت هذه العمليات منذ أكثر من تسعة أشهر، فليست هناك سيولة نقدية في فروع البنوك العاملة في القطاع، وخصيصاً بعد تعرض عشرات الفروع للقصف والتدمير والسرقة، واليوم يقوم التجار الفلسطينيين بإيداع مبالغ نقدية ليست كبيرة من أجل شراء بضائع من الضفة الغربية والداخل المحتل، وبدورها تقوم البنوك بتصريف هذه السيولة عبر فروعها العاملة في مخيم النصيرات إلى المواطنين، ولكنها لا تكفي 2٪ من حاجة المواطنين والموظفين، فهناك طلب دائم ومستمر على السيولة لحاجة الناس سد احتياجاتهم اليومية، وحسابات الآلاف من الفلسطينيين مليئة بمالغ كبيرة من الأموال ولكنهم لا يستطيعون الحصول عليها او حتى على جزء منها».
وتعتبر مشكلة السيولة و«الكاش» أحد أهم مشاكل قطاع غزة بعد أشهر من الحرب على القطاع، وذلك بسبب حاجة الناس اليومية للنقود من أجل احتياجاتهم، وبسبب صعوبة تخزين الطعام والبضائع بسبب النزوح المتكرر وعدم وجود الكهرباء، يجعل الناس في حاجة يومية لشراء الطعام والبضائع واستهلاك يومي أضعاف الأيام العادية، بالإضافة لاستغلال التجار حاجة الناس ورفع أسعار البضائع، خصيصاً بعد عملية رفح منذ اكثر من شهرين، حيث تقلّصت المساعدات بشكل كبير جدًا، بعد اعتماد آلاف العائلات على هذه المساعدات المجانية والتي توقّفت مؤخراً.

محمد الحجار

صحيفة القدس العربي




“العدل الدولية” تدعو الأمم المتحدة إلى بحث وسائل إنهاء الاحتلال: ممارسات إسرائيل ترقى إلى التمييز والفصل العنصري

دعت محكمة العدل الدولية الأمم المتحدة لأن تبحث في الوسائل المحدّدة لإنهاء الوجود الإسرائيلي غير الشرعي في الأراضي الفلسطينية.

واعترض ثلاثة قضاة من أصل 15 على هذه النقطة، التي وردت ضمن قرار مفصل تضمّن نقاطا عديدة وصدر عن الهيئة القضائية الدولية الأعلى.

والنتائج التي خلص إليها قضاة محكمة العدل الدولية ليست ملزمة، ولكن لها ثقلها بموجب القانون الدولي.

توسيع المستوطنات في الضفة والقدس والجدار العازل يعززان سلطات الاحتلال

وقد أكدت المحكمة أن لا حدود لحرية المحكمة في إبداء رأيها بشأن مدى تناقض الممارسات السياسية والقانون الدولي، وأن من اختصاص المحكمة إبداء رأيها الاستشاري بشأن احتلال إسرائيل الأراضي الفلسطينية.

كما عدّت المحكمة التي تلا قرارها رئيسها القاضي نواف سلام، استمرار وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير شرعي. واعترض 4 قضاء على هذه النقطة.

وأفتت بأن على إسرائيل إنهاء وجودها غير الشرعي في الأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل فوري وسريع (باعتراض 4 قضاة)، وأن عليها وقف الأعمال الاستيطانية فورًا وإخلاء جميع المستوطنات من الأراضي الفلسطينية (باعتراض قاضية واحدة).

كما رأت أن إسرائيل ملزمة بتعويض الأضرار التي ألحقتها لجميع الأشخاص في الأراضي الفلسطينية (باعتراض قاضية واحدة أيضاً).

وقالت إن جميع الدول والمنظمات الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، ملزمة بعدم الاعتراف بقانونية الوضع الناشئ عن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، وعلى الدول عدم تقديم المساعدة لاستمراره (باعتراض 3 قضاة).

وقال القاضي سلام في أثناء تلاوة النتائج التي توصلت إليها هيئة المحكمة “المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، والنظام المرتبط بها، أُنشئت ويجري الإبقاء عليها بالمخالفة للقانون الدولي”.

وذكرت المحكمة أن نقل “إسرائيل” المستوطنين إلى القدس الشرقية والضفة الغربية وتوسيع الاستيطان مخالف للقانون الدولي.

 الممارسات والسياسات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية يشكل ضما دائما لهما

واعتبرت أن حق الفلسطينيين في الحصول على دولة مستقلة ذات سيادة تعيش جنبا إلى جنب في سلام مع إسرائيل من شأنه أن يسهم في الاستقرار الإقليمي.

ورأت أن ممارسات إسرائيل ترقى لأن تكون ضما لأجزاء كبيرة من الأراضي الفلسطينية على نحو غير قانوني.

وقالت إنه يقع على عاتق جميع الدول الالتزام بالتمييز بين إسرائيل والأراضي المحتلة، مشيرة إلى ان اتفاقيات أوسلو وغيرها لا تعفي “إسرائيل” من واجباتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

ولفتت الانتباه إلى أن واجبات “إسرائيل” في الأراضي المحتلة تخضع لمعاهدة 1959 بشأن معاملة المدنيين في زمن الحرب.

واعتبرت أن استخدام إسرائيل للموارد الطبيعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة انتهاك لواجباتها وفق القانون الدولي.

وحدة الأراضي المحتلة

وشددت المحكمة على أن الأراضي الفلسطينية المحتلة تمثل أراضي ذات وحدة وتواصل وسيادة يجب احترامها، وأن إسرائيل احتفظت بممارسة سلطتها على قطاع غزة خاصة مراقبة حدوده الجوية والبحرية والبرية.

وقالت إن الشعب الفلسطيني المعترف به بموجب معاهدة أوسلو له الحق في تقرير مصيره، وإن ممارسات إسرائيل بعد احتلالها أراضي فلسطينية عام 1967 انتهكت حق تقرير المصير.

ورأت أن استمرار احتلال الأراضي الفلسطينية فترة زمنية طويلة لا يغير وضعها القانوني و”لا يمكن لسلطات الاحتلال أن تقوم بتهجير سكان المناطق المحتلة أو توطين بعض مواطنيها فيها”.

وعدّت نقل المستوطنين إلى الضفة الغربية أو القدس الشرقية يتناقض مع المادة 49 من معاهدة جنيف، وكذلك احتجاز الممتلكات الفلسطينية من قِبل المستوطنين يخالف التزامات إسرائيل الدولية.

ولاحظت أن إسرائيل تتعامل مع القدس الشرقية باعتبارها جزءا من أراضيها، وقالت إن المحكمة غير مقتنعة بأن توسيع تطبيق القانون الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس مبرر.

وأكدت أن إسرائيل فرضت سلطتها كقوة احتلال بطريقة تخالف ما ورد في المادتين 53 و64 من اتفاقية جنيف.

واعتبرت أن ترحيل سكان الأراضي المحتلة من أراضيهم كان قسريا وهو ما يخالف التزامات إسرائيل، وكذلك مصادرة إسرائيل الأراضي الفلسطينية ومنحها للمستوطنين ليست مؤقتة وتخالف اتفاقية جنيف.

وخلصت إلى أن إسرائيل فشلت في أداء واجبها لحماية الفلسطينيين من عنف المستوطنين في الضفة، وسرّعت إنشاء مستوطنات جديدة في الضفة والتي بلغت أكثر من 24 ألف وحدة استيطانية.

ورأت المحكمة أن السيطرة على الأراضي المحتلة يجب أن تكون مؤقتة وأن استمرارها يرقى إلى الضم.

كما رأت أن ممارسات إسرائيل في القدس الشرقية خلقت وضعا يعجز الفلسطينيون عن العيش في ظله، وأن ممارساتها أدت أيضاً إلى طرد الفلسطينيين من الأراضي المحتلة خاصة المنطقة “ج” في الضفة.

وقالت المحكمة إن تطبيق إسرائيل قانونها المحلي في الضفة “أدى إلى ترسيخ وتعزيز سيطرتها على الأراضي المحتلة”.

وأكدت أن توسيع المستوطنات في الضفة والقدس وإقامة الجدار العازل يعززان سلطات الاحتلال، وأن الممارسات والسياسات الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية تشكل ضما دائما لهما.

كما ذكرت ان هناك حوالي 11 ألف وحدة فلسطينية تم هدمها منذ عام 2009 بحجة عدم الترخيص.

التمييز العنصري

ولاحظت المحكمة أن معاملة الفلسطينيين بطريقة مختلفة يمكن أن تعد تمييزا.

وقالت إن إسرائيل ملزمة بإلغاء جميع التدابير التشريعية التي تحدث أو تحافظ على الوضع غير القانوني بما فيها تلك التمييزية ضد الفلسطينيين.

كما قالت إن نظام القيود الممنهج الذي فرضته إسرائيل على الفلسطينيين يعتبر تمييزا بناء على العرق.

ورأت أن ممارسات إسرائيل ضد الفلسطينيين ترقى إلى درجة التمييز والفصل العنصريين وأن إجراءاتها بحق الفلسطينيين تعد انتهاكا للمادة 3 من اتفاقية مكافحة التمييز العنصري.

كما أفتت بأن إسرائيل تخلّت عن التزاماتها في معاهدة مكافحة التمييز العنصري المبرمة عام 1965.

مسؤوليات الاحتلال

وحسب قرار المحكمة، فإن القوات المحتلة مُلزَمة بالحرص على إيصال المياه والغذاء إلى سكان المناطق المحتلة.

وقالت المحكمة إن سياسة إسرائيل باستغلال الموارد الطبيعية للأراضي المحتلة تنافي التزاماتها الدولية، و”بناء على الأدلة لدينا فإن إسرائيل وسعت نطاق اختصاصها في الضفة بدلا من القانون المحلي”.

وأكدت أن سياسات إسرائيل وممارساتها تفاقمان انتهاك حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

واعتبرت أنه لا يمكن أن يستمر الاحتلال في منع الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره.

وقالت يجب على إسرائيل إنهاء احتلالها للأراضي الفلسطينية في أقرب وقت ممكن، وإنه “على كل الدول التعاون مع الأمم المتحدة لتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم”.

وأكدت المحكمة أنها لا تعترف بأي تغيير ديموغرافي من إسرائيل في أي أرض منذ 1967 بما فيها القدس الشرقية.




صحيفة فرنسية: غانتس أظهر وجهه الحقيقي من خلال تصويت حزبه على دفن حل الدولتين

“البرلمان الإسرائيلي يدفن حل الدولتين”، قالت صحيفة “ليمانيتي” الفرنسية إنه مع اشتداد القصف على قطاع غزة، تبنى أعضاء البرلمان الإسرائيلي قراراً يرفض حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية، صوت ضده، فقط، الشيوعيون والعرب في الكنيست. وهو تصويت وصفته منظمة السلام الآن بأنه “شعبوي ومضر بفرص التوصل إلى اتفاق إقليمي وإنهاء الحرب”.

وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن الاقتراح لم يأت من اليمين المتطرف بل من اليمين الإسرائيلي.. فقد قدم حزب “الأمل الجديد – اليمين المتحد”، المنشق عن حزب الليكود بزعامة بنيامين نتنياهو، مشروع قرار في صباح يوم 18 تموز/يوليو أمام الكنيست ذكر فيه أن “إقامة دولة فلسطينية في قلب أرض إسرائيل ستشكل تهديدًا وجوديًا لدولة إسرائيل ومواطنيها، وتؤدي إلى إدامة الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وزعزعة استقرار المنطقة”.

وأوضح رئيس هذا الحزب جدعون ساعر أن “القرار يهدف إلى التعبير عن المعارضة العامة الموجودة بين الشعب (الإسرائيلي) لإقامة دولة فلسطينية، الأمر الذي من شأنه أن يعرض أمن ومستقبل إسرائيل للخطر”. ويوجّه القرار رسالة إلى المجتمع الدولي مفادها أن “الضغط من أجل فرض دولة فلسطينية على إسرائيل لا طائل منه”.

النائب الشيوعي أيمن عودة، رأى أن “الذين صوتوا ضد الدولة الفلسطينية لا يريدون السلام ولا يريدون الأمن، وفوق كل شيء لا يريدون العدالة. ومن يرفع صوته ضد السلام والأمن فهو خائن للمصالح الحقيقية لشعبه. وستكون هناك دولة فلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل. الجميع سيكون آمنا. سيكون هناك أيضا سلام. والسؤال هو كم عدد القتلى الذين سيتعين علينا دفنهم، وكم عدد أحبائنا الذين سيتعين علينا الحداد عليهم حتى نصل إلى هناك”، تُشير “ليمانيتي”.

ويرى حسين الشيخ، أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية، أن قرار الكنيست يؤكد “عنصرية“ إسرائيل و“استخفافها بالقانون الدولي وسياستها الرامية إلى إدامة الاحتلال”، تتابع الصحيفة الفرنسية.

ومضت “ليمانيتي” موضّحة أنه من الناحية الرسمية، ليس لهذا التصويت أي أهمية.. ومع ذلك، فإن له أهمية سياسية قوية. أولاً، فهو يسلط الضوء على رفض إقامة دولة فلسطينية من جانب أغلبية النواب الإسرائيليين، وليس فقط نتنياهو واليمين المتطرف.

فعلى مدى أسابيع، لم تخف الولايات المتحدة تفضيلها لبيني غانتس، زعيم حزب “الوحدة الوطنية”، الذي سيكون، في نظرهم، أكثر توحيدًا وقدرة على إنهاء الحرب. لكن رئيس الأركان السابق أظهر وجهه الحقيقي، الذي لا يختلف كثيراً عن وجه نتنياهو. لأنه إذا كان من المهم تحقيق وقف إطلاق النار حتى لا يختفي سكان غزة بالكامل تحت القنابل، فمن الضروري أيضًا الاستعداد للمستقبل، أي نهاية الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية.

تابعت الصحيفة الفرنسية القول إن نتنياهو الذي من المفترض أن يتحدث أمام الكونغرس الأمريكي في 24 يوليو /تموز الجاري ويلتقي بجو بايدن في البيت الأبيض، أرسل بالفعل رسالة واضحة إلى العالم أجمع وإلى كل أولئك الذين دعموه منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر ولا يحاولون وقف سياسة الإبادة الجماعية التي ينتهجها في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية، حيث يطلق العنان للمستوطنين.

ويمكن للمحكمة الجنائية الدولية أن تصدر مذكرة اعتقال بحقه في غضون أسبوعين. لا شيء أفضل من الحرب للهروب من كل الملاحقات القضائية.

وقبل توجه نتنياهو إلى واشنطن، قالت محكمة العدل الدولية إن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، مشددة على أن سياسة الاستيطان الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية تنتهك القانون الدولي. وهي المرة الأولى التي تصدر فيها هذه الهيئة الدولية موقفاً حول هذا الموضوع.

صحيفة ليمانتي الفرنسية

ترجمة القدس العربي




لقادة إسرائيل: اغتيال الضيف لا ينهي حماس ولا يعفيكم من إيجاد البديل

هناك قضيتان أساسيتان ستبقيان بدون جواب حتى لو تحقق نجاح تصفية الضيف. الأولى، ما مصير المفاوضات حول صفقة المفقودين؟ والثانية، كيف ستدار غزة ومن سيديرها؟ لأن تصفية الضيف، مع أهميتها الرمزية والعملية، هي بالأساس تصفية حساب مع ماضيه، وانتقام لعمليات إرهابية فظيعة نفذها، لكن ليس فيها ما يرسم خارطة سياسية وأمنية لما سيأتي. لا أحد يعرف كيف ستؤثر عملية التصفية على صفقة المخطوفين. وبناء على ذلك ثمة شك بأن تصفية الضيف ستطمس أي اعتبار آخر، بما في ذلك المس بالمفاوضات حول إطلاق سراح المخطوفين. هل ستصفي إسرائيل السنوار أيضاً إذا سنحت الفرصة، رغم أنه الشخص الوحيد الذي يقرر والذي بيده مصير المخطوفين، على أمل ألا يؤدي موته أيضاً إلى موتهم؟

حصل الضيف على عدة ألقاب، منها “رئيس أركان كتائب عز الدين القسام”، و”وزير الدفاع في حماس”، و”مهندس هجوم 7 أكتوبر”، وبالأساس الشخص الذي حول حماس من منظمة إرهابية إلى منظمة عسكرية. ولكن اللقب الأخير يوضح بأن حماس كمنظمة عسكرية ليست منظمة تعتمد على قائد واحد، لا يمكنها البقاء بدونه. ونرى ترجمة هذه البنية في أداء مقاتلي حماس في الأسابيع الأخيرة، حيث إن خلايا صغيرة، ليست كتائب أو ألوية، هي التي تدير المعارك على الأرض، وثمة قادة صغار يخططون وينفذون هجمات دقيقة ضد قوات الجيش الإسرائيلي دون الحاجة للتنسيق مع الأعلى، أو توجيهات عملياتية من القيادة المركزية.

إن تفكك البنية الرئيسية، وربما الهرمية، والانتقال إلى أسلوب عمل “ذري”، الذي عرفته وسائل الإعلام العربية “حرب العصابات”، تتصرف فيه ساحات “أحياء” بشكل مستقل، ميز منظمات كثيرة أخرى، التي انتقلت بسبب ضغط على قيادتها الرئيسية أو بسبب قيادتها العليا، إلى حرب العصابات. هذه هي العملية التي مرت بها “القاعدة” عندما أقام ابن لادن فروعاً في أرجاء دول عربية وفي إفريقيا، ما أعطى الاستقلال العملياتي لكل فرع وكل رئيس فرع. هذه الفروع واصلت وتواصل العمل حتى بعد تصفية ابن لادن في 2011. النتيجة أن حرباً طويلة ودموية ضد الفروع والرؤساء احتلت مكان الحرب ضد القيادة الرئيسية، وأن كل فرع من هذه الفروع كان فيه بديل للقائد المحلي الذي تمت تصفيته.

“داعش” أيضاً، التنظيم الذي في ذروة قوته، سيطر على مناطق واسعة في سوريا والعراق، وبدأ بالفعل في تطبيق فكرة الدولة الإسلامية. وكخطة استراتيجية، فقد تبنى أسلوب اللامركزية في القاعدة، وبنى له فروعاً في دول إسلامية كثيرة. اغتيال زعيم “داعش”، أبو بكر البغدادي، في 2019، وقبل ذلك اغتيال من اعتبر مؤسس التنظيم، أبو عمر البغدادي، في 2010، وقبل ذلك في 2006 اغتيال أبو مصعب الزرقاوي، زعيم “القاعدة” في العراق الذي جند أبو عمر البغدادي، وريثه… كل ذلك لم يقض على هذا التنظيم الذي ما زالت بعض فروعه تعمل حتى الآن في سوريا والعراق وأفغانستان ودول أخرى. في هذا السياق، ليس من نافل القول التذكير بأن سلسلة التصفيات التي نفذتها إسرائيل ضد قادة حماس في بداية سنوات الألفين، لم تدمر المنظمة أو تفقدها سيطرتها في قطاع غزة ولم تمنع تشغيل فروعها في الضفة الغربية ولبنان.

يخترعون الدولاب

الإمكانية الاستراتيجية الكامنة المهمة، التي تطورت في الحرب في غزة، لا تنبع من تصفية قادة حماس الكبار، بل في فقدان حماس لسيطرتها المدنية في القطاع، التي منحتها الإنجاز الأهم، وإقامة الحكم الإسلامي الفلسطيني في منطقة جغرافية معينة، الذي بواسطته تم إملاء جدول أعمال كل النضال الوطني الفلسطيني والعملية السياسية. بسبب ذلك، حماس مدينة بشكل كبير لنتنياهو الذي قام بالفعل بعمليات عسكرية ضدها، لكن هذه العمليات كانت دائماً “عملية رد” على هجمات إرهابية أو على إطلاق الصواريخ. ومن جهة أخرى، كان يحرص على الحفاظ عليها وعلى مساعدتها، وتمويل استمرار سيطرتها في القطاع. هنا يكمن الفرق الجوهري بين الحرب التي تم شنها والحرب التي يتم شنها ضد تنظيمات إرهابية أخرى مثل “القاعدة” أو “داعش”، وبين الحرب ضد حماس.

في كل الساحات الأخرى التي قادتها الولايات المتحدة والدول المشاركة في التحالف، تم العثور على شركاء محليين في الدول التي انضمت للحرب. الجيش العراقي الذي هزم في 2014 من قبل “داعش” أعيد ترميمه بسرعة، ووقف على قدميه بمساعدة أمريكية مكثفة، وقام باجتثاث منظمة البغدادي، وأعاد لنفسه السيطرة على المنطقة الجغرافية التي احتلها “داعش”. ومصر تستمر في شن حرب ضروس ضد التنظيمات الإسلامية في شبه جزيرة سيناء. والأسد شن حرباً ضد “داعش” وكذلك أيضاً إيران، وحتى “طالبان” تواصل شن حرب دموية ضد هذا التنظيم. النجاح غير كامل، لكن من الواضح أنه بدون سلطة محلية مركزية، قوية ولها دافعية، فإن دولة عظمى وحدها مثل الولايات المتحدة لم تنجح في وقف نشاطات وطموحات هذه المنظمات.

إسرائيل على ثقة بأنها ستخترع الدولاب، وأن بإمكانها إدارة غزة وتدمير سلطة حماس بدون التعاون مع قوة محلية. ولكن تصفية قيادة حماس في غزة لا تطرح البديل لسلطة مدنية فلسطينية. ورفض رئيس الحكومة السماح للسلطة الفلسطينية بلعب دور في القطاع، سيحول الجيش الإسرائيلي إلى شرطي محلي وجهة ستكون مسؤولة عن التعليم والصحة وتوفير المياه والكهرباء، بل وسيبعد من يمكنه استكمال مهمة طرد حماس من السيطرة المدنية ويأخذ منه إنجازه التاريخي.

لكن حتى قبل هذا الانقلاب الاستراتيجي الذي قد يقرر ويحدد مستقبل غزة، فإن تصفية محمد الضيف لا تعفي إسرائيل من الحاجة لطرح خطة عمل عملياتية الآن. على فرض أن صفقة التبادل ستستمر، فالخطة التي وافقت عليها إسرائيل تنص على انسحاب قوات الجيش الإسرائيلي بعد انتهاء العملية في غزة. ستكون هذه عملية تدريجية، ولكن لن تستطيع إسرائيل في المراحل الأولى التواجد في أجزاء كبيرة في القطاع، وسيسمح للغزيين الذين هجّروا من شمال القطاع إلى الجنوب بالعودة في المرحلة الأولى إلى بيوتهم والبدء في ترميم حياتهم.

هؤلاء السكان سيكونون بحاجة إلى أجهزة مدنية منظمة، شرعية ولديها صلاحيات، تجند المساعدات والاستثمارات، وتنسق نشاطاتها مع إسرائيل ومصر والمجتمع الدولي لتتمكن من ترسيخ بنية تحتية لمؤسسة فلسطينية تستبدل حماس. صحيح أن إنشاء مؤسسة كهذه لن يقضي على حماس التي تعمل كحركة سياسية خارج القطاع وكمجموعة من الخلايا الإرهابية داخل القطاع، ولكن عندها ستجد حماس نفسها أمام سكان وجدوا بديلاً سلطوياً وأفقاً اقتصادياً ومنظمة فلسطينية على شكل دولة تسيطر على هذه المنطقة الجغرافية.

تسفي برئيل

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




نيويورك تايمز: مفخخات وألغام وكمائن.. كيف تحولت حماس من الحرب التقليدية إلى قتال الشوارع؟

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا حول الطريقة التي تخوض فيها حماس الحرب ضد إسرائيل في غزة والتي تقوم على استخدام الأنفاق والمفخخات والكمائن.

 وفي التقرير الذي أعده عدد من مراسليها قالوا إنهم قابلوا مقاتلين من حماس وجنودا إسرائيليين ومحللين قاموا بتحليل عشرات من أشرطة الفيديو التي نشرها الذراع العسكري لحماس. وقالت الصحيفة إن مقاتلي حماس يخرجون من مخابئهم بزي مدني، يرتدون في بعض الأحيان جينز وملابس رياضية قبل أن يطلقوا النار على القوات الإسرائيلية أو يربطون سيارات الجيش بقنابل متفجرة ويطلقون الصواريخ.

وفي أحيان أخرى يفخخون البيوت المهجورة أو يخدعون الجنود الإسرائيليين للدخول إليها من خلال ترك آثار عن وجود حماس فيها. وتقول الصحيفة إن الجناح العسكري لحماس خاض خلال الثمانية أشهر السابقة حربا لا مركزية وبقوة قتالية خفية، مقارنة مع القوة التي استخدمت في هجمات تشرين الأول/أكتوبر والتي بدأت بعملية منسقة لاختراق الجدار الأمني العازل وفرق كوماندوز بالزي العسكري داخل إسرائيل.

وبدلا من مواجهة القوات الإسرائيلية الغازية بمعارك حقيقية، فقد انسحب معظم مقاتلي حماس إلى قواعدهم ومراكزهم العسكرية، وصدوا القوات الإسرائيلية المتفوقة عدديا وتكنولوجيا من خلال هجمات مفاجئة ومجموعات صغيرة من المقاتلين. ومن تحت الأرض كان جيش الأشباح التابع لحماس يخرج بسرعة ويستهدف الجنود بالقذائف الصاروخية والعودة بسرعة إلى شبكة الأنفاق المحصنة. وفي أحيان أخرى يختبئون في المناطق التي هجرها السكان بعد تقدم القوات الإسرائيلية والتي تركتها لاحقا.

انسحب معظم مقاتلي حماس إلى قواعدهم ومراكزهم العسكرية، وصدوا القوات الإسرائيلية المتفوقة عدديا وتكنولوجيا من خلال هجمات مفاجئة ومجموعات صغيرة من المقاتلين

وتقول الصحيفة إن قرار حماس مواصلة القتال وعدم الاستسلام كان كارثيا على سكان غزة، حيث مضت إسرائيل في حملتها وقتلت حتى الآن 2% من السكان وشردت نسبة 80% منهم، وذلك حسب أرقام الأمم المتحدة ودمرت معظم بنايات غزة. وتبنت الصحيفة هنا الأرقام الإسرائيلية من أن أقل من 350 جنديا قتلوا في غزة وهو عدد أقل مما توقعت في تشرين الأول/أكتوبر.

ورغم الدمار إلا أن حماس استطاعت تحقيق بعض من أهدافها، فقد شوهت الحرب صورة إسرائيل حول العالم، وقادت لاتهامات بالإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي. كما فاقمت من الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي وزادت من الخلافات حول إن كانت هناك إمكانية لهزيمة حماس. وأعادت فكرة الدولة الفلسطينية إلى الخطاب العالمي ودفعت عددا من الدول للاعتراف بها. وأدت الحرب أيضا لنجاة عقيدة حماس. ولا يزال زعيم حماس يحيى السنوار على قيد الحياة إلى جانب القيادات الرئيسية.

وتزعم إسرائيل أنها قتلت أكثر من 14,000 من مقاتلي حماس البالغ عددهم 25,000 مقاتل، وهو رقم لم يتم التثبت من صحته وهو محل خلاف، ولو كان صحيحا فإنه يعني وجود الآلاف من المقاتلين على قيد الحياة. وكشفت الصحيفة في تحليل لأشرطة فيديو بثها الجناح العسكري لحماس إلى جانب مقابلة 3 عناصر فيها وعدد من الجنود الإسرائيليين، أن حماس تعتمد في استراتيجيتها على: استخدام شبكة الأنفاق الممتدة على طول مئات الأميال والتي فاجأت القادة الإسرائيليين، والتحرك بحرية حول غزة بدون أن يراهم الجنود الإسرائيليون.

وزعمت الصحيفة أن حماس تستخدم المنشآت المدنية بما فيها المؤسسات الصحية والمساجد لتخزين الأسلحة ونصب كمائن للقوات الإسرائيلية والهجوم عليها بأعداد قليلة من المقاتلين الذين تزيوا بالزي المدني. وكذا وضع علامات سرية على البيوت، مثل شريط احمر معلق من النافذة أو كتابة جدارية، لكي تعطي إشارة للمقاتلين أن هناك لغما أو كمية من السلاح أو مدخل نفق. كما نجحت حماس بإطالة أمد الحرب حتى تورط إسرائيل في حرب استنزاف طويلة.

ونقلت الصحيفة عن صلاح الدين العواودة، عضو حماس والمقاتل، الذي يعمل حاليا كمحلل سياسي في إسطنبول “الهدف هو الاختفاء وتجنب المواجهة المباشرة وشن هجمات تكتيكية ضد جيش الاحتلال والتحلي بالصبر”. وقال العواودة إن كتائب القسام عملت قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر كـ “جيش بقواعد تدريب ومخازن” و”لكنهم يتصرفون أثناء الحرب كعصابات” من المقاتلين.

ونفى أحد مسؤولي حماس البارزين في قطر، موسى أبو مرزوق، أن تكون حماس قد استخدمت المناطق المدنية لتخزين الأسلحة في البيوت، قائلا إن هذا الكلام يحرف النظر عما ترتكبه إسرائيل من جرائم. وقال أبو مرزوق “لو وجد شخص أخرج سلاحه من تحت سريره، فهل هذا مبرر لقتل 100,000 شخص؟” و”لو كان هناك شخص يخرج سلاحه من تحت السرير، فهل هذا مبرر لقتل مدرسة بأكملها أو تدمير المستشفى؟”.

نفى أحد مسؤولي حماس البارزين في قطر، موسى أبو مرزوق، أن تكون حماس قد استخدمت المناطق المدنية لتخزين الأسلحة في البيوت

ودافع أفراد من حماس عن القتال في المناطق المدنية، نظرا لعدم وجود خيار. وقال العواودة إن حروب التمرد من فيتنام إلى أفغانستان قاتل فيها الناس من بيوتهم و”لو عشت في حي الزيتون، مثلا وجاء الجيش فسأقاتل من هناك ومن داخل بيتي والحي أو من داخل المسجد وسأقاتلهم من حيث وجدت”. وأضاف أن ارتداء مقاتلي حماس الزي المدني هو عمل شرعي لتجنب تعرف الجنود عليهم و”هذا أمر طبيعي لحركة المقاومة” ولا “شيء غير عادي بشأنه”.

 وأصبحت طريقة رد حماس على الغزو الإسرائيلي نموذجا على استراتيجيتها. ففي يوم الجمعة، وعندما تقدمت الدبابات الإسرائيلية وفرق المشاة داخل غزة في 27 تشرين الأول/أكتوبر، لم تلق أي مواجهة تذكر ولعدة أميال، حسب أربعة جنود. في هذه الجمعة قام الجنود بهدم مواقع رقابة لحماس تبعد عدة أمتار عن الحدود، ولم يكن فيها أحد. وقال ليور سوهارين، جندي الاحتياط الذي ساهم في تدمير هذه النقاط “لقد تعلمنا لاحقا أنهم كانوا هناك ولكن تحت الأرض”.

وبعد انسحابهم للأنفاق تخلى المقاتلون عن مساحات من الأرض، وهذا لأن الجيش الإسرائيلي تحرك في طريق لم تزرع فيه حماس ألغاما، وذلك حسب ضابط صغير في حماس ترك القطاع قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر وظل على تواصل مع المقاتلين التابعين له. ولأن استراتيجية حماس هي مهاجمة القوات الإسرائيلية بعد تقدمها وليس التصدي لها مباشرة، حسب قول المقاتل. وكشفت أشرطة فيديو بثتها حماس على منصات التواصل الكيفية التي ظهر فيها مقاتلو حماس من الأنفاق واندفاعهم نحو الدبابات أوعربات الجنود وهم يطلقون المقذوفات الصاروخية عليها أو قنص الجنود من بنادق القنص.

وقال ضابط حماس إن الحركة تحضر لهذه اللحظة منذ عام 2021 عندما خفضت إنتاج الصواريخ البعيدة المدى وزادت من إنتاج المتفجرات والصواريخ المضادة للدبابات. ووسعت من شبكة الأنفاق وأنشأت نقاط دخول وخروج في البيت بحيث لا يتم الكشف عن المقاتلين من الجو. وزودتها بشبكة هواتف أرضية لم تكن إسرائيل قادرة على مراقبتها، حتى وأثناء قطع التغطية على شبكة الهواتف المحمولة، التي تسيطر عليها إسرائيل.

وقال الضابط إن حماس كان لديها مع بداية الحرب ترسانة كافية من الأسلحة لمواصلة الحرب عدة أشهر، وكذا طعام معلب ومياه شرب وتمور تغطي 10 أشهر على الأقل. وامتدت شبكة الأنفاق تحت الطرق الرئيسية والمنشآت المدنية، وبعد تسعة أشهر يقول الإسرائيليون إنهم لم يكتشفوا إلا جزءا صغيرا منها وأبطأ ذلك جهودهم لتدمير الحركة. وتلقت وحدات الكوماندوز التابعة لحماس تدريبات لكي تظل متأهبة ومركزة أثناء نقص الطعام والماء.

ويقول الضابط إن مقاتلي حماس طلب منهم قبل الحرب الاكتفاء بحبات قليلة من التمر يوميا والجلوس لعدة ساعات بدون حركة، حتى مع محاولة المدرب رش الماء على وجوههم لحرف انتباههم. ومع فراغ منازل بسبب الحرب، بدأ المقاتلون بتفخيخها، حيث توقعوا دخول القوات الإسرائيلية إليها. وربطت الألغام بأسلاك تعثر وجهاز استشعار وكاشف صوتي يفجر المتفجرات حالة تحفيزها. وفي أحسن الحالات يقوم مقاتلو حماس بجر الجنود إلى مناطق وإشعارهم بالأمن لساعات وأيام.

ويقول مقاتلو حماس والجنود الإسرائيليون إن حماس تتابع حركة الجنود من خلال كاميرات مخفية، ومسيرات ومعلومات يقدمها مدنيون يراقبون المكان. وتظل فرقة الكمائن لحماس مخفية لحين تقدم القوات الإسرائيلية عدة أميال أو تجمع القوات الإسرائيلية في مكان ولعدة ساعات، بشكل منحهم الأمن والاعتقاد أن حماس لم تعد موجودة. وبعد فترة هدوء تخرج فرقة الكمائن من تحت الأرض، وهي مكونة من 4 جنود في العادة. يقوم اثنان منهم بوضع المتفجرات على جانبي العربة وإطلاق النار، وثالث يحمل الكاميرا لتصوير العملية، أما الرابع فيقوم بتحضير مفخخة جاهزة للتفجير عند عودة الثلاثة وتترك عند مدخل النفق.

وحتى مع زعم إسرائيل أنها هزمت حماس إلا أنها عادت بعد أسابيع وحتى أشهر لمواصلة القتال ضد المقاتلين الناجين من مراحل الحرب الأولى. ويقول أندرياس كريغ، الخبير في استراتيجية الحرب بكينغز كوليج في لندن “إنه بالنسبة لحماس فالأمر له علاقة بتجنب الخسائر قدر الإمكان ومواصلة القتال ليوم آخر، و”هم لم يهزموا بعد”.

صحيفة نيويورك تايمز

ترجمة ابراهيم درويش