1

المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام أم لسلامة إسرائيل؟

هل يتعرض المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط لضغوط صهيونية بحكم إقامته في القدس، أم أنه يقدم خدمة مجانية لكيان الاحتلال؟!
سؤال يُطرح في الأوساط السياسية بعد كل تصريح له، أو تقرير يرفعه إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة، أو إحاطة يقدمها إلى مجلس الأمن، أو…

من يقرأ الإحاطة التي قدمها السيد تور وينسلاند لمجلس الأمن حول الوضع في الشرق الأوسط قبل يومين (22 آب 2024) بتمعن، يلاحظ أنه قد انتقى في كتابتها عبارات تجنب فيها استخدام أية كلمة من شأنها أن تغضب قادة “إسرائيل”! بل تبنى في بعض عباراته وجهة نظر المحتل المتوحش، وكأنه يسعى لاسترضائه!
وحتى لا نتهم بالتجني على موظف رفيع في الأمم المتحدة، أو بالتهجم على الأمم المتحدة ذاتها التي لا يحترمها قادة العدو الصهيوني ويستهزؤون بقراراتها، سوف أقدم الأدلة الدامغة على ما ذكرته آنفًا، من الكلام الوارد في الإحاطة نفسها. ومن أبرزها:
أولاً: لم يستخدم السيد تور في إحاطته كلمة “الإرهاب” إلا مرتين؛ الأولى ليتهم بها المقاومة الفلسطينية التي تسعى إلى تحرير أرضها المحتلة، حيث قال: “… الأعمال الإرهابية المروعة التي ارتكبتها حماس وجماعات فلسطينية مسلحة أخرى في 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023…”.”the horrific acts of terror perpetrated by Hamas and other Palestinian armed groups on 7 October 2023″.
أما حرب الإبادة الجماعية، والمجازر الوحشية، والتدمير الهمجي المتعمد في غزة، (أكثر من أربعين ألف شهيد، وما يقرب من مائة ألف جريح، ناهيك عن آلاف الشهداء الذين ما زالوا تحت الأنقاض، وعشرات آلاف الأسرى والمعتقلين وتصفية أعداد منهم بعد اعتقالهم، وتدمير معظم غزة…)، فيطلق عليها كلمة “الحوادث”! حيث يقول: “في غزة، تسهم الحوادث التي تتسبب في سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، والغارات الجوية الإسرائيلية على المدارس والمساجد التي تؤوي النازحين، والتدمير العشوائي للبنية التحتية المدنية، في زيادة المعاناة والعنف”.”In Gaza, incidents of mass civilian casualties, airstrikes by Israel on schools and mosques sheltering the displaced, and the wanton destruction of civilian infrastructure are fueling suffering and violence”.
والمرة الثانية التي استخدم فيها كلمة “الإرهاب” جاءت في سياق التلميح إلى المقاومة الفلسطينية، وربطها بكلمة “العنف” التي وردت بشكل خجول تلميحًا إلى “إسرائيل”، فاعتبر أن وقف العنف [الإسرائيلي] كفيل بنزع مبررات الإرهاب [الفلسطيني]، حيث قال: “إذا كنا نريد تجنب تصعيد آخر متسارع، يجب أن تنتهي أعمال العنف – لا يوجد مبرر لأعمال الإرهاب…”. “if we are to prevent yet another spiraling escalation, the violence must end – there are no justifications for acts of terror”.
ثانيًا: في سياق حديثه عن الضفة، يسمي السيد تور اقتحامات جيش العدو المتكررة للمدن والقرى الفلسطينية المحتلة، وقتل مئات الفلسطينيين واعتقال الآلاف منهم في الأشهر العشرة الأخيرة، وهدم البيوت المتواصل، “عمليات أمنية إسرائيلية”. ويدعو إلى “تقليص العنف” الإسرائيلي، وليس إلى وقفه أو إنهائه، في قوله: “يجب تقليص العنف في الضفة الغربية المحتلة بشكل كبير، بما في ذلك العنف الذي يحدث في سياق العمليات الأمنية الإسرائيلية الموسعة”. “Violence in the occupied West Bank needs to be significantly reduced, including violence taking place in the context of scaled-up Israeli security operations”.
ثالثًا: قدم السيد تور تبريرًا لجيش العدو بقصف المدارس ومراكز الإيواء الأخرى، وارتكاب المجازر، ولا سيما المجزرة المروعة جراء قصفه مدرسة “التابعين” شرق غزة، حيث قال: “تشير التقارير إلى أن المنشآت المدنية، بما في ذلك البنية التحتية ومقرات الأمم المتحدة، تُستخدم أيضًا كغطاء للمقاتلين والأهداف العسكرية، مما يعرض حياة المدنيين في المناطق المحيطة بها للخطر”. “Civilian objects, including infrastructure, and UN premises, are also reportedly being used to shield fighters and military objectives, endangering the lives of civilians around them”.
رابعًا: يتغاضى السيد تور عن حق الشعوب بالنضال والمقاومة، من أجل التحرر من الاحتلال، استنادًا إلى عشرات القرارات الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة لدعم حركات التحرر الوطني في نضالها من أجل الاستقلال وتقرير المصير، بما في ذلك الكفاح المسلح. ويوحي خلال كلامه، بما يناقض مضامين هذه القرارات الأممية، بإعطاء الشرعية لقوات الاحتلال، ونزعها من الشعب الفلسطيني.
فعندما يتحدث عن جيش الاحتلال يقول: “تواصل القوات الأمنية الإسرائيلية تنفيذ عمليات واسعة النطاق في المنطقة “أ”، بما في ذلك استهداف حماس والجهاد الإسلامي الفلسطيني وجماعات مسلحة أخرى في مخيمات اللاجئين المزدحمة… غالبًا ما تؤدي هذه العمليات إلى تبادل لإطلاق النار مع هذه الجماعات، بالإضافة إلى قتل أو إصابة المارة”. “Israeli security forces continue to carry out large-scale operations in Area A, including targeting Hamas, Palestinian Islamic Jihad and other armed groups in densely populated refugee camps… These operations often result in lethal exchanges with these groups in addition to the killing or injury of bystanders”. بينما يقول عن مقاومة الشعب الفلسطيني في الضفة: “استمرت الهجمات القاتلة التي يشنها المسلحون الفلسطينيون على الإسرائيليين في الضفة الغربية وإسرائيل…”. “Fatal attacks by Palestinian militants on Israelis in the West Bank and Israel have continued…”.
خامسًا: عدوان المستوطنين الصهاينة ووحشتيهم خلال اقتحامهم المدن والقرى والأحياء الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس، بنظر السيد تور، مجرد اعتداء عنيف للمستوطنين لا يعدو كونه جريمة (جناية) سبب تكرارها عدم المحاسبة القانونية لمرتكبيها. حيث يقول: “الاعتداء العنيف للمستوطنين الإسرائيليين على قرية جيت الفلسطينية بالقرب من نابلس، والذي أسفر عن مقتل فلسطيني واحد وإصابة آخرين بجروح خطيرة في 15 أغسطس، كان مثالًا آخر على العواقب العنيفة لتوسع الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة وغياب المساءلة المستمر عن مثل هذه الجرائم.” “The Israeli settler rampage in the Palestinian village of Jit near Nablus that killed one Palestinian and critically injured others on 15 August was yet another illustration of the violent consequences of settlement expansion in the occupied West Bank and the persistent lack of accountability for such crimes”.
سادسًا: لم يوفق السيد تور في مقارنته بين تهديد المقاومة من جهة، واقتحامات المسجد الأقصى وباحاته من جهة أخرى، فأوحى إلى أن التهديد هو خطاب تحريضي، والاقتحامات أعمال استفزازية. حيث قال: “الخطاب التحريضي والأعمال الاستفزازية تزيد من تأجيج الوضع. في الأيام الأخيرة، رأينا حماس تهدد بإطلاق حملة جديدة من التفجيرات الانتحارية. كما رأينا وزيرين إسرائيليين، إلى جانب مئات الإسرائيليين، يزورون الساحة المقدسة في العيد اليهودي…”. “Inflammatory rhetoric and provocative acts are further enflaming the situation. In recent days we have seen Hamas threaten to launch a new campaign of suicide bombings. We have also seen two Israeli ministers, alongside hundreds of Israelis, visit the holy esplanade on the Jewish holiday…”.
سابعًا: لقد ساوى السيد تور بين القاتل والضحية في مقارنته بين الشعب الفلسطيني المحتلة أرضه، وكيان الاحتلال القائم على القتل والمجازر، عندما قال: “من الضروري أن ننشئ إطارًا سياسيًا شاملاً مقبولاً من السكان الفلسطينيين، ويعالج تطلعاتهم ومظالمهم المشروعة، وفي الوقت نفسه يعالج المخاوف الأمنية المشروعة لإسرائيل”. “It is imperative that we establish a comprehensive political framework that is accepted by the Palestinian population and addresses their legitimate aspirations and grievances, while also addressing Israel’s legitimate security concerns”.
ثامنًا: عدم ذكر السيد تور في إحاطته المقدمة إلى مجلس الأمن انتهاكات جيش العدو الواضحة، واستهداف مباني الأونروا ومؤسساتها، وقصف مراكز الأمم المتحدة ومقراتها، واستخدامها مراكز عسكرية لقواته، وعدم تحميله قادة العدو وجيشه المسؤولية عن الإبادة الجماعية والمجازر بحق الأطفال والنساء والمدنيين في غزة، وغير ذلك من جرائم الحرب الموثقة… يظهر انحيازًا واضحًا إلى الجانب الإسرائيلي.
ومن منطلق الحرص على صورة الأمم المتحدة المشوهة بسبب الهيمنة الأميركية والبلطجة الصهيونية على مؤسساتها، والمجحفة بحق الشعب الفلسطيني على مدار ثمانية عقود من الزمن أو يزيد، فإننا ندعو المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط السيد تور وينسلاند إلى الشفافية والانحياز إلى الحق والعدالة، وعدم اتهام الشعب الفلسطيني ومقاومته بالإرهاب، فهذا ظلم كبير، من مسؤول أممي رفيع المستوى، لأرواح عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والمدنيين الذين أريقت دماؤهم على أرض فلسطين المحتلة، ولا سيما في غزة والضفة، خلال هذه الحرب الوحشية غير المسبوقة.

إحسان عطايا
رئيس دائرة العلاقات العربية والدولية
عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين




هل يغتال نتنياهو “فيلادلفيا” في عاصمتين كما اغتال شكر وهنية؟

في المداولتين اللتين أجريتا الأربعاء الماضي، إحداهما ظهراً في محفل ضيق والأخرى في مكالمة مؤتمر ليلية، كان نتنياهو صفى فرصة التقدم في المفاوضات. انتهى الاحتفال، في هذه المرحلة على الأقل. اللواء اليعيزر طوليدانو رئيس شعبة الاستراتيجية في هيئة الأركان، كان يفترض أن يسافر ليلاً إلى القاهرة إلى جانب مسؤولين من “الشاباك” إلى محادثات مع المصريين. كما أن منسق الأعمال في “المناطق”، اللواء غسان عليان، كان يفترض أن يسافر إلى هناك. هذه رحلات عبثية، قال أمس مصدر مشارك في الاتصالات. وهكذا سيكون اللقاء اليوم بين وزير الخارجية الأمريكي بلينكن ورئيس الوزراء. القمة التي يزمع عقدها في نهاية الأسبوع، مع طاقم المفاوضات الإسرائيلي ومندوبي الوسطاء، كفيلة بأن تلغى أو تؤجل أو تجرى لأغراض استعراضية فقط. التفاؤل الذي نشأ عن تقارير وسائل الإعلام الأجنبية في الأيام الأخيرة كان مناورة إعلامية. أحد ما في الجانب الأمريكي آمن بفعل السحر: إذا قالوا إن الاتفاق يقترب فسيقترب.

لا مناص من العودة لقول الحقيقة: السنوار ونتنياهو غير معنيين بدفع الأثمان التي ينطوي عليها الاتفاق. “نحن نجري مفاوضات أخذ وعطاء وليس عطاء وعطاء”، قال نتنياهو في مستهل جلسة الحكومة. أما الحقيقة فمختلفة تماماً: لا عطاء وعطاء ولا أخذ وعطاء. عبث، عبث، عبث.

كان الانفجار حول محور فيلادلفيا، ولكن كان يمكنه أن يقع حول سلسلة من المواضيع الأخرى. محور فيلادلفيا طريق بطول 14 كيلومتراً، من كرم أبو سالم حتى البحر، ما كان ذات مرة طريقاً، وهو اليوم قاطع رملي مغبر. من جهة، بقايا حائط إسرائيلي منمر باستحكامات حراسة مدمرة لحماس، ومن جهة أخرى، على طول الحدود الدولية، السور المصري. كان عدد السكان قليلاً في الكيلومترات الثلاثة الأولى من معبر كرم أبو سالم. حماس توافق على ما يبدو على وجود إسرائيلي هناك. معظم المحور يجتاز منشآت المعبر إلى مصر ويشرف على أحياء سكنية فلسطينية أصبحت أكوام خرائب. هذا هو العنصر الذي فجر الاتصالات: نتنياهو مصر على وجود عسكري إسرائيلي على طول المحور كله؛ وحماس مصرة على انسحاب إسرائيلي.

نتنياهو يعلل إصراره على شرط استراتيجي: إسرائيل ملزمة بإحاطة غزة من كل الجهات، 360 درجة. يمكننا السيطرة على البحر وعلى خط الحدود مع إسرائيل، لكن الانسحاب من فيلادلفيا سيفتح للغزيين محور تهريب من مصر. أما الجيش ووزارة الدفاع فيختلفان معه؛ أولاً التفتيشات التي أجراها الجيش الإسرائيلي منذ سيطرته على المحور تثبت أن معظم التهريبات كانت عبر المعبر. حماس دفعت والمصريون غضوا النظر. الأنفاق التي كانت صناعة مزدهرة عندما سيطرت إسرائيل على قطاع غزة، أهملت، وجرى سد معظمها من ناحية الجانب المصري. فضلاً عن ذلك، فإن الستة الأسابيع التي سينفذ فيها تحرير المخطوفين التدريجي لن تغير في محور فيلادلفيا كثيراً. بداية، فليتحرر المخطوفون ثم نرى.

نتنياهو مصر: سيصبح الاتفاق دائماً. إذا لم يضمن وجود للجيش الإسرائيلي على طول المحور، فلن يحدث اتفاق.

كان يمكن لهذا الجدال أن يكون معقولاً لو لم يكن 115 إسرائيلياً في أنفاق غزة، تركهم نتنياهو والمنظومة التي يترأسها. تركوا لمصيرهم مرتين: مرة في 7 أكتوبر، ومرة في مفاوضات لا تدار بنزاهة، ولا بأياد نقية. يريد نتنياهو أن يرى المخطوفين محررين، لكنه غير مستعد للتخلي عن وهمه في “النصر المطلق”. هو عالق في أوهامه.

الخصام بينه وبين غالنت لا يتلخص فقط في لطمات لفظية متبادلة: ثمة هوة استراتيجية كبيرة بينهما؛ فغالنت يرى في اتفاق المخطوفين – حتى وإن كانت مرحلة واحدة – فتحة لائتلاف إقليمي حيال إيران، مسنودة بعظمة أمريكية؛ أما نتنياهو فيرى في الاتفاق استسلاماً للعدو وتفككاً ائتلافياً وهزيمة شخصية. غالنت طلب من نتنياهو أن يأتي بتفاصيل الاتصالات إلى الكابنت. وهو يصف المعضلة بمفترق T والخيار بين واقع إقليمي جديد وحرب إقليمية. أما نتنياهو فرفض.

في هذه الأثناء تراجع نتنياهو عن التوافق مع الأمريكيين حول محور نتساريم كما انعكس في منحى بايدن – نتنياهو في 27 أيار. وحسب أحد المصادر، فإن مسألة عبور الفلسطينيين من وسط القطاع شمالاً، وما إذا كان سيجرى تفتيش إسرائيلي أم لا، فهي مسألة لم تبحث في الدوحة. رئيس السي.اي.ايه بيرنز، قرر التركيز على فيلادلفيا: إذا لم يكن توافق على فيلادلفيا فلا اتفاق.

اختلط بالأزمة ما لاح أنه ميل إيراني لعدم الرد في هذه المرحلة على تصفية هنية في طهران. إيران لا تعتزم على ما يبدو التورط في حرب إقليمية بسبب مواطن فلسطيني. البشرى الطيبة هي أن التهديد العسكري من الشرق ربما أزيل حالياً؛ البشرى الأقل طيبة هي أن حزب الله قد يعمل بقواه الذاتية. وأي هجمة صواريخ من الشمال، حتى لو كانت مقنونة، فإنها ستضيف حدثاً إلى حدث. لا غرو أن سكان الشمال سيبقون بجانب المجالات المحصنة.

ناحوم برنياع

صحيفة يديعوت أحرونوت الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




قيسية.. عائلة فلسطينية تكافح لمنع عزل بيت لحم عن القدس

في بيت لحم، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، تبذل عائلة قيسية الفلسطينية، رفقة متضامنين من أجل السلام، جهوداً لتفكيك بؤرة استيطانية على أرض تمتلكها بمنطقة المخرور.
لكن مخاوف العائلة على مصير أرضها تتزايد منذ أن قرر وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إنشاء مستوطنة في هذا الموقع والأراضي المجاورة.
في عام 2019، هدمت السلطات الإسرائيلية متنزهاً ومطعماً للعائلة في الموقع المطلّ على بساتين وأراضٍ زراعية تعدّ متنفساً لسكان بيت لحم، وتطلّ على مدينة القدس المحتلة، وأقام مستوطنون عليها بؤرة استيطانية.
وتصر العائلة على التمسك بالأرض والعودة إليها، رغم قرار سموتريتش، زعيم حزب “الصهيونية الدينية” اليميني المتطرف.
وفي 14 أغسطس/ آب الجاري، أعلن سموتريتش، عبر منصة “إكس”، الشروع بإقامة مستوطنة جديدة في بيت لحم.
واعتبر أن ربط الكتلة الاستيطانية غوش عتصيون، في جنوبي الضفة، بالقدس “مهمةٌ وطنية”.

وأوضح أن المستوطنة الجديدة ناحال حاليتز ستكون ضمن الكتلة الاستيطانية غوش عتصيون.
وقال سموتريتش: “أنهت الإدارة المدنية (الذراع التنفيذي للجيش الإسرائيلي بالأراضي الفلسطينية) عملها المهني، ونشرت خطًا أزرق جديدًا لمستوطنة ناحال حاليتز في غوش عتصيون”.
وبيَّن أن “نشر الخط الأزرق يتيح إمكانية البدء بإجراءات إنشاء مستوطنة ناحال حاليتز.. وربط غوش عتصيون بالقدس، عبر إنشاء مستوطنة جديدة، هو لحظة تاريخية”.
سموتريتش لفت إلى أن هذه المستوطنة هي “واحدة من 5 مستوطنات وافقت الحكومة، قبل شهرين، على إقامتها بالضفة الغربية، رداً على إجراءات السلطة الفلسطينية ضد إسرائيل، والاعتراف الأحادي من قبل دول غربية بالدولة الفلسطينية”.
وفي مايو/ أيار الماضي، أعلن كلٌّ من النرويج وإسبانيا وأيرلندا اعترافها رسمياً بالدولة الفلسطينية، وتبعتها، في يونيو/ حزيرانـ سلوفينيا وأرمينيا.
وتزامنت هذه الاعترافات مع حرب تشنها إسرائيل، بدعم أمريكي، على قطاع غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023؛ ما أسفر عن نحو 133 ألف شهيد وجريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد عن 10 آلاف مفقود، وسط دمار هائل ومجاعة قاتلة.
وحسب حركة “السلام الآن” اليسارية الإسرائيلية، “تقوم الحكومة ببناء مستوطنة جديدة وضارة في قلب التواصل الجغرافي الفلسطيني في بيت لحم، على الأراضي التي تم إعلانها كموقع للتراث العالمي في منطقة معظم أراضيها مملوك للفلسطينيين”.
وشددت الحركة، التي ترصد الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عبر “إكس” مؤخراً، على أن “سموتريتش يواصل الترويج للضم الفعلي” للضفة الغربية إلى إسرائيل.
وحذرت من أن “المستوطنة التي سيتم إنشاؤها ستكون محصورة في قلب الأراضي الفلسطينية، وستؤدي حتمًا إلى مزيد من الاحتكاكات والتحديات الأمنية”.

قرار باطل

“قرار الحكومة الإسرائيلية باطل”.. هكذا بدأت الشابة أليس، ابنة عائلة قيسية، حديثها.
وتابعت: “في تموز (يوليو) الماضي، أقام مستوطنون، بحماية من الجيش الإسرائيلي، بؤرة استيطانية على أراضي العائلة، الأمر الذي يهدد كافة الأراضي المحيطة”.

وأكدت أن قرار سموتريتش “باطل، حيث تملك العائلة أوراقاً رسمية بملكية الأرض، وكسبت قضية في المحكمة المركزية في القدس بهذا الشأن”.
واستدركت: “لكن إسرائيل تستند اليوم إلى قرار الحاكم العسكري والحكومة اليمينية المتطرفة التي تسعى لتوسيع الاستيطان بهدف تهجير السكان (المواطنين الفلسطينيين)”.
أليس أردفت: “نحن عائلة بسيطة، وبقوة الإيمان أثبتنا أن الأرض ملك خاص، ولا حق لأحد فيها، لكنهم مسلحون بعنصر القوة والبطش، ويستخدمون المستوطنين المتطرفين لإرهاب السكان”.

ورغم القرار الإسرائيلي، قالت أليس: “نُصرّ على التمسك بالأرض، والصمود فيها والدفاع عنها مقاومة”.
ودعت الفلسطينيين إلى التضامن مع أصحاب الأراضي المستهدفة، وقالت: “هذا وقت يجب أن نكون فيه معاً ضد الاستيطان الذي يستهدف كل الأراضي الفلسطينية”.
وبينما تشير إلى الأراضي المحيطة، أضافت: “أراضي بتير والولجة والمخرور صُنفت كمواقع للتراث العالمي، ويملك السكان تلك البساتين”.

عزل بيت لحم

وفق الناشط الفلسطيني في مكافحة الاستيطان جميل قصاص، فإن القرار الإسرائيلي يهدف إلى “السيطرة على أوسع مساحة من الأرض الفلسطينية، وربط تجمع غوش عتصيون بالقدس”.
وأضاف قصاص أن “المشروع من شأنه عزل بيت لحم عن القدس المحتلة، والحد من التوسع الطبيعي للسكان الفلسطينيين لصالح الاستيطان”.
وحذر من أن “تنفيذ القرار يعني خسارة السكان وأصحاب الأراضي لأهم موقع في المدينة”.
وانضم قصاص إلى مجموعة من المتضامنين الأجانب للدفاع عن الموقع، وقال: “على الكل أن يدافع عن أرضه بشكل مستميت، الأرض تعني حياة كل فلسطيني”.

https://twitter.com/i/status/1823664035134402745

ولفت إلى البساتين المستهدفة والمزروعة بأشجار الزيتون والعنب واللوز قائلاً: “هذه الأرض غنية بمناظرها الخلابة وبساتينها وتعد متنفساً لكل السكان، تسعى إسرائيل لسرقتها”.

سياسة استعمارية

واعتبرت الخارجية الفلسطينية، في بيان، أن “إعلان سموتريتش إقامة مستعمرة جديدة على أراضي المواطنين قرب بيت لحم يندرج في إطار سياسة استعمارية توسعية”.
وبيّنت أن هذه السياسة “تتضمن بناء وشرعنة عشرات البؤر العشوائية، وتوسيع المستوطنات القائمة، وشق شبكة كبيرة من الطرق”.
وشددت على أن الهدف “تحويلُ جميع المستوطنات إلى تجمع ضخم متصل جغرافياً، يلتهم المساحة الأكبر من أراضي المواطنين في الضفة الغربية المحتلة”.
و”في الوقت الذي تُعمّق فيه الحكومة الإسرائيلية وتكثف البناء الاستعماري، تُواصل عمليات هدم المنازل والمنشآت الفلسطينية بحجج وذرائع واهية كعدم الترخيص”، حسب البيان.

وأكدت الخارجية أن “تصاعد عمليات الهدم، أو الإخطارات بالهدم، يمثّل أبشع تعبير عن الاستعمار الإحلالي (وضع مستوطنين مكان الفلسطينيين)، وجريمة التطهير العرقي، واستخفاف علني بقرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي”.
ورأت أن “الفشل الدولي في تنفيذ القرارات الأممية ذات الصلة يشجع حكومة الاحتلال على التمادي في ضم الضفة الغربية، وتعميق الاستيطان، وتقويض أي فرصة لإحياء عملية السلام على أساس حل الدولتين، كما يشجع السلطة القائمة بالاحتلال على الإفلات المستمر من العقاب”.
ومنذ عقود، تعتبر الأمم المتحدة الاستيطان في الأراضي المحتلة غير قانوني، ويقوّض فرص معالجة الصراع وفق مبدأ حل الدولتين، وتدعو دون جدوى إلى إيقافه.

وكالة الاناضول




إسرائيل تهجّر فلسطينيي الأغوار بحجج إقامة “محميات طبيعية”

فُوجئ سكان قرية أم الجمال في منطقة الأغوار الفلسطينية شرق الضفة الغربية، مؤخراً، بإقامة بؤرة استيطانية رعويّة بين أراضيهم.

فقد شرع المستوطنون ببناء خيام وحظائر في المنطقة، ثم قاموا بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي بتهجير سكان القرية يوم الجمعة 16 آب/ أغسطس 2024، بعد الاستيلاء على مساحات واسعة من الأراضي وينابيع المياه في القرية، تمهيداً للاستيطان فيها.

“هذه ليست البؤرة الاستيطانية الأولى، فقد سبقها عدد من التجمعات الاستيطانية في الأغوار، وتحديداً في الأراضي التي أعلنت سلطات الاحتلال عن أنها “محميات طبيعية” قبل عدة أعوام”، يقول قدري ضراغمة (60 عاماً)، أحد سكان أم الجمال.

منعت السلطات الإسرائيلية قدري من دخول أرض قريته والرعي فيها، واعتقلت أبناءه وحررت بحقه مخالفة تجسدت بمصادرة 60 رأس بقر وغنم.

ويُحرم سكان القرية من مياههم التي تنبع من “نبع عين الحلوة” ومن دخول أراضيهم، بحجة إعلانها “محمية طبيعية”، بعد أن سيطر عليها المستوطنون المُدججون بالعصي والأسلحة، كما يصفهم قدري. “أيّ محميات هذه؟ إنها بؤر استيطانية”، يقول لرصيف22.

أراض شاسعة وغنية بالينابيع الطبيعية، تمتد على طول نهر الأردن شرق الضفة، يُغنيها الفلسطيني بوجوده فيها واعتنائه بها.

يُدفع اليوم إلى الرحيل منها بشتّى الطرق، تبدأ بالمضايقات ومنع الاستخدام، قد تمر بالعنف والقتل من قبل المستوطنين، وتنتهي بقرارات عسكرية ورسمية لمصادرة الأرض، ثم الاستيطان.

وكان الجيش الإسرائيلي قد قام بتهجير 26 تجمعاً فلسطينياً في الضفة الغربية خلال الأشهر العشرة الماضية، آخرها قرية أم الجمال.

ترافق ذلك مع إقامة نحو 30 بؤرة استيطانية وتحويل 70 بؤرة أخرى إلى مستوطنات “رسمية”، بحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان. في حين اعتبرت الحكومة الفلسطينية ذلك تطهيراً عرقياً يندرج في إطار ضم الضفة الغربية والاستيلاء عليها بالكامل.

اعتداء الجيش الإسرائيلي على فلسطينيين خلال احتجاجهم على بناء مستوطنة في الأغواراعتداء الجيش الإسرائيلي على فلسطينيين خلال احتجاجهم على بناء مستوطنة في الأغوار

المحميات… سياسة تهجير بيد المستوطنين والحكومة

ولعل سياسة إعلان الأراضي محميات طبيعية إسرائيلية، سياسة ممنهجة تتبعها إسرائيل الرسمية ومستوطنوها المدعومون من قبل حكومتهم.

فقبل حوالى تسع سنوات، وضع المستوطنون المقيمون في مستوطنة “ميهولا”، نوعاً من أنواع السم وسط مراعي خربة الدير في قرية عين البيضا في الأغوار الشمالية، والتي اعتاد عبد ربه بني عودة (50 عاماً) وأبناؤه رعي أغنامهم فيها. فقدوا حينها 18 رأساً من الماشية.

ثم تكرّر الأمر قبل عام، إذ قتل المستوطنون 30 رأساً من الماشية. “فعلوا ذلك لأننا لم نقبل الخروج من أراضينا، رغم محاولاتهم العديدة”، يقول عبد ربه لرصيف22.

ويتابع: “والآن، يقومون بالتلويح بسلاح “المحميّة الطبيعية” من أجل فرض السيطرة الكاملة على هذه الأراضي التي تحدّها المستوطنات من جهاتها الثلاث”.

“في الوقت الذي يتم فيه طرد الفلسطيني من أرضه، يأتي الاحتلال بمستوطن ويزوده بالماشية ويمهّد له الطريق. يمدّه بالكهرباء وبمكان صغير يبيت فيه. ثمّ يتحول المكان الصغير إلى مستوطنة تأكل أراضينا التي نُمنع من دخولها بحجج كثيرة، من بينها “المحميات الطبيعية”، يؤكد عبد ربه.

لا تأتي مخاوف المزارعين والرعاة في مناطق الأغوار من فراغ، إذ ليس بوقت بعيد، قامت السلطات الإسرائيلية بإعلان محميّة طبيعية في منطقة عين البيضا، وحوّلتها لاحقاً إلى مستوطنة “شدموت ميهولا”، وهي إحدى المستوطنات التي يلاحق مستوطنوها عبد ربه وسكّان الخربة.

في حالات عدّة، أظهر الفلسطينيون تمسكاً في أرضهم، ورفضاً للقرارات الإسرائيلية. “هناك محمية طبيعية في قرية طمون جنوب مدينة طوباس، وهي منطقة مصنفة “ب” (تتشارك فيها السلطة وإسرائيل السيطرة الأمنية)، تمنع السلطة الفلسطينية أصحابها من البناء فيها بسبب وجود اتفاقية بينها وبين الاحتلال. لكن أصحابها بنوا في أرضهم دون استصدار تصريح”، يقول الناشط أيمن غريب لرصيف22.

في الوقت الذي يتم فيه طرد الفلسطيني من أرضه، يأتي الاحتلال بمستوطن ويزوده بالماشية ويمهّد له الطريق. يمدّه بالكهرباء وبمكان صغير يبيت فيه. ثمّ يتحول المكان الصغير إلى مستوطنة تأكل أراضينا 

ويردف: “الآن، بعد ملاحقة المنظمات الاستيطانية للأراضي المتفق على أنها محميات طبيعية بين الاحتلال والسلطة، يشعر أصحاب الأرض بحالة ذعر شديد بسبب احتمال خسارة بيوتهم ومزارعهم ومصدر رزقهم. وهم يعلمون تماماً أن مسمى محمية طبيعية سيسقط في اللحظة التي يسكن المستوطن هذه الأرض”.

يشير غريب أن الفلسطينيين قاموا بزراعة منطقة عينون شرق طوباس بأشجار حرجية قبل ثماني سنوات. لكن السلطات الإسرائيلية اقتلعت الأشجار بحجة أن الأرض تابعة لمحمية طبيعية.

“وكأنّ الأشجار شيء غير طبيعي. ففي الوقت الذي يُمنع على الفلسطيني المكوث في الأرض المصنفة محمية طبيعية لأيّ غرض، سواء للسكن أو الرعي أو الزراعة أو حتى التجوّل، يُغّض النظر عن المستوطن الذي يرعى الغنم فيها، ويسرق الحجارة الأثرية منها، ويقطع أشجارها، ويبني حولها، حتى ينتهي الأمر بتوسيع مساحة المستوطنة التي ستبتلع المحمية الطبيعية ضمن مساحتها”، يؤكد غريب.

قرارات قديمة ومستمرة لخدمة الاستيطان

بدأت قصة “المحميات الطبيعية” الإسرائيلية في عام 1969، بقرارٍ عسكريّ يحمل الرقم 363، يخوّل الإدارة المدنية الإسرائيلية بالإعلان عن أية منطقة في الضفة الغربية المحتلّة “كمحمية طبيعية” أو “منطقة طبيعية”.

ترافق الإعلان قيود صارمة على البناء واستخدام الأراضي للزراعة، ومن ثم تصير هذه الأراضي ملكاً للسلطات الإسرائيلية، فتغير مسمّياتها متى تشاء، وتلعب دور الوصي عليها لأيّ غرض تشاء.

في بداية هذا العام، أصدرت إسرائيل ثلاثة أوامر تقضي باقتطاع مساحات من أراضي مصنّفة على أنها محميات طبيعية فلسطينية، وإعلانها محميات طبيعية إسرائيلية، أو توسيع مساحة محميات تسيطر عليها إسرائيل بالفعل.

أعمال بناء مستوطنة جديدة في منطقة-محاطة بمحمية-طبيعية شمال الضفة الغربيةأعمال بناء مستوطنة جديدة في منطقة-محاطة بمحمية-طبيعية شمال الضفة الغربية

وتخترق إسرائيل بذلك اتفاقيات بينها وبين السلطة الفلسطينية تُحدّد عدد ومساحة المحميات الطبيعية التي تخضع للإدارة الفلسطينية. لكن هذه القرارات العسكرية بقيت قيد التخطيط طيلة الشهور الأولى، وأعلن عنها رسمياً في منتصف 2024.

“عندما حُددت المحميات الطبيعية بموجب اتفاقية أوسلو، تم تحديد جزء كبير منها بناء على تخطيط سياسي إسرائيلي، ولم تكن محميات حقيقية. فكانت أسلوباً من أساليب الاحتلال لمصادرة الأراضي الفلسطينية”، يقول عماد البابا، مدير دائرة التنوع الحيوي في سلطة جودة البيئة، لرصيف22.

بحسب الاتفاق، كان على السلطة الفلسطينية أن تستلم من إسرائيل 51 محمية طبيعية أصغرها مساحة تُقدّر بأقل من كيلو متر، وأكبرها تقدّر بنحو 220 كيلو متر، وهي محميّة البحر الميت.

بدأت قصة “المحميات الطبيعية” الإسرائيلية في عام 1969، بقرارٍ عسكريّ يحمل الرقم 363، يخوّل الإدارة المدنية الإسرائيلية بالإعلان عن أية منطقة في الضفة الغربية المحتلّة “كمحمية طبيعية”

لكنها لم تحصل إلا على 28 محميّة فقط. ومن مساحة المحميات هذه، أعلن الجيش الإسرائيلي في السادس من أيار/ مايو 2024 عن أمر عسكري جديد يقضي بمصادرة 49 ألف دونم، وإعلانها محميات طبيعية إسرائيلية “بحجة أنها واقعة في مناطق “ج”، (أي مناطق الضفة التي تسيطر عليها إسرائيل أمنياً وإدارياً وقانونياً).

ويوضّح البابا: “تصادر هذه الأراضي لأغراض استيطانية. هكذا فعلت إسرائيل، على سبيل المثال، بمحميّة جبل أبو غنيم جنوب شرقيّ القدس في العام 1996، فأقامت فوقها مستوطنة “هار حوما”. وهي منطقة كانت مصنّفة محمية طبيعية منذ الانتداب البريطاني”.

وتبلغ مساحة الأراضي الفلسطينية المعلنة كمحميات طبيعية في الضفة الغربية أكثر من 700 ألف دونم، أكثر من 80% منها في المناطق المصنفة “ج”.

الأغوار الفلسطينية: الطبيعة غطاء للتطهير

يشير أمير داوود، مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، في حديث لرصيف22، إلى أنه “منذ مطلع العام 2024 فقط، صادرت سلطات الاحتلال ما مجموعه 44,840 دونمًا تحت مسميات مختلفة كالإعلان محميات طبيعية، و”أوامر استملاك” و”أوامر وضع يد”. ومنذ عام 2015 حتى منتصف عام 2024، نلحظ تزايداً في معدلات مصادرة الأراضي الفلسطينية.

ويضيف: “تمتاز الأراضي التي تستهدفها سلطات الاحتلال بحجة هذا النوع من الأوامر العسكرية، بخصوبتها وطبيعتها الخاصة من حيث المزروعات والخصائص الطبيعية، الأمر الذي يجعلها عرضة في أي لحظة لإعلانها محميات طبيعية أو حدائق وطنية، بالرغم من زراعة وحراثة هذه الأراضي باستمرار من قبل أصحابها الفلسطينيين”.

بؤر استيطانية في جبل أبو غنيم بالقدسبؤر استيطانية في جبل أبو غنيم بالقدس

ويؤكد داوود على أنه بمجرد إعلان هذه الأراضي محميات طبيعية، يُمنع الفلسطينيون من دخولها وزراعتها واستصلاحها وحتى رعي الأغنام فيها.

“لكن الأخطر في هذا كله، أن هذا النوع من الأوامر العسكرية أصبح مكشوفاً، من حيث أنه يشكل تمهيداً لتسليم هذه الأراضي لصالح المشروع الاستيطاني، كما حدث سابقاً مع محمية جبل أبو غنيم، وكيف وصل بها الحال لتصبح واحدة من أكبر المستوطنات التي تقضم أراضي القدس”، يقول داوود.

إن منطقة السفوح الشرقية والأغوار في الضفة الغربية هي الأكثر تعرضاً لضمها كمحميات طبيعية نظراً لطبيعة الأراضي والمساحات الشاسعة، وفق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

المنطقة الثانية الأكثر تعرضاً هي “شفا الأغوار”، وهي المناطق التي تطل على الأغوار، من أجل إطباق الحصار على الأغوار ومنع التواصل الجغرافي معها.

وبحسب مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم”، فإن الاحتلال يستولي على حوالى 20% من أراضي الأغوار تحت مسمى “المحميات الطبيعية”.

“تنظر إسرائيل إلى الأغوار بعين المستعمر الطامع، وتُقحم مسمى المحميات الطبيعية من أجل السيطرة عليها”، يقول الباب، مردفاً: “ما يقوم به الاحتلال من وضع سياج حول المحميّة، أو قطعها بجدار إسمنتيّ، أو إحاطتها بمواد وأدوات تعيق الحركة الطبيعية للحيوانات والطيور والنباتات، تتعارض مع أشكال الحماية، ولا تمتّ للحماية البيئية والطبيعية بصلة”.

رواند حلّس

موقع رصيف 22




ساحة حرب “زرقاء”… دعوات لإبادة واستيطان غزة عبر “ميتا” من دون قيود

بعد أن بدأت إسرائيل عمليتها العسكرية البرية في غزة، في 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، نشرت الطبيبة المصرية غادة صديق، مقطعاً مصوراً عبر حسابها على فيسبوك، يُظهر مُسيّرة إسرائيلية تلاحق شاباً قبل أن تصيبه.

في المقابل، نشر الكاتب الإسرائيلي تزيفي فيشمان عبر صفحته على فيسبوك محتوى بعنوان: “لا يوجد مدنيون أبرياء في غزة”. ونقل فيشمان عن الحاخام دوف ليئور -كبير الحاخامات في الخليل- قوله إن “الجيش الإسرائيلي لا يحتاج إلى تعريض جنوده للخطر من خلال تفتيش منزل تلو الآخر، للتأكد من عدم إصابة المدنيين، بل يجب عليه أن يحذو حذو أمريكا في الحرب العالمية الثانية، عندما أبادت مدينتين يابانيتين بالكامل؛ من أجل إنهاء الحرب، وإنقاذ حياة الجنود الأمريكيين”.

لم يبقَ الفيديو المنشور على حساب صديق سوى ساعات معدودات؛ ثمّ حُذف بعدها، وتمّ تقييد الحساب لمدة 24 ساعة، بدعوى “مخالفة معايير” فيسبوك، في حين لم يُحذف المنشور الثاني لفيشمان، الذي يدعي بأنه “لا يوجد مدنيون أبرياء في غزة”.

أنشأ معد التحقيق -بالتعاون مع المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي (حملة)، المختص في الحقوق الرقمية- قاعدة بيانات قوامها 50 محتوى نشرها مواطنون إسرائيليون على حساباتهم، وشخصيات عامة إسرائيلية؛ على رأسها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، وصفحات تابعة لمؤسسات إعلامية إسرائيلية، على منصتي ميتا؛ فيسبوك وإنستغرام. وحملت هذه المنشورات دعوات لاستخدام العنف ضد المدنيين، والدفع نحو التهجير القسري للفلسطينيين، ومطالبات بوقف إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

يكشف هذا التحقيق عن انتشار خطاب عنيف ضد الفلسطينيين على منصتي فيسبوك وإنستغرام من دون تقييد، مقابل تقييد خوارزميات المنصتين للمحتوى الداعم لفلسطين

واتفق خبراء قانونيون تحدثنا إليهم، على أن هذه المنشورات تمثل انتهاكاً لسياسة ميتا لمكافحة خطاب الكراهية، فضلاً عن دعوتها لارتكاب ممارسات محظورة، بموجب القوانين الدولية ذات الصلة.

يأتي هذا على النقيض مما أعلنته ميتا، بأنها تطبق سياسات “المحتوى العنيف والصادم” بصورة متساوية في كل أنحاء العالم؛ رداً على تقارير حقوقية وصحافية اتهمت الشركة الأمريكية المنشأ بالانحياز إلى إسرائيل؛ لحذفها محتوى فلسطينياً سلمياً.

وفي ردها على نتائج التحقيق، قالت “ميتا” إنها قد ترتكب أخطاءً في ظل حرب متسارعة الوتيرة، نافية أن يكون هناك انحياز متعمد لطرف على حساب آخر.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فعبر مجموعات على “فيسبوك” انطلقت دعوات استيطانية، سرعان ما انتقلت من الفضاء الإلكتروني إلى أرض الواقع، بتنظيم فاعليات على تخوم غزة، تطالب بإحياء الاستيطان في القطاع.

ازدواجية المعايير

اعتادت الزميلة الصحافية المغربية، سعيدة الملاح، نشر مستجدات الحرب الإسرائيلية على غزة عبر حساباتها على منصات التواصل الاجتماعي، بصفتها صحافية معنية بتغطية الحرب. لكن وبعد نشرها صوراً عمّا عرف إعلامياً بـ “محرقة الخيام” -وهي غارة نفذها سلاح الجو الإسرائيلي في 26 أيار/ مايو 2024 في رفح، أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 45 فلسطينياً أغلبهم من النساء والأطفال- توقف حسابها على منصة “إنستغرام”، ولم تستطع استرجاعه إلا بصعوبة. ترجع سعيدة هذا “الخلل التقني” في حسابها إلى نشرها محتوى يوثّق الانتهاكات الحقوقية أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة .

منشور الملاح واحد من 20 منشوراً، وثّق معد التحقيق حذفها و/أو تقييد إحدى منصتي ميتا لها؛ وترصد غالبيتها انتهاكات حقوقية، أو تنقل أخبار الحرب، أو تشارك مقالات تحليلية بشأن فلسطين.

في المقابل، جمعنا 50 منشوراً نشرتها حسابات وصفحات إسرائيلية على كل من منصتي فيسبوك وإنستغرام، بعد هجمات السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. تضمنت هذه المنشورات خطاباً عنيفاً موجهاً ضد الفلسطينيين خاصة، والعرب عامة، ودعوات لإبادة أهالي غزة من دون تمييز بين مدني وعسكري، ووقف إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. ولم تقتصر هذه الدعوات على غزة؛ فطالب بعض المستخدمين بتحويل العاصمة اللبنانية بيروت إلى خان يونس أخرى؛ رداً على هجمات حزب الله شمالي إسرائيل. وروّجت بعض المنشورات لمعلومات وصور مضللة.

جمعنا هذه المنشورات بالتعاون مع مركز “حملة”. وباستشارة خبراء قانونيين مستقلين، حلّلنا عينة تتضمن خمسة منشورات -ظلت متاحة على فيسبوك، المملوك لشركة ميتا، حتى وقت مواجهة الشركة بخلاصات التحقيق- لقياس مدى التزام الشركة بسياستها المُعلنة بشأن خطاب الكراهية، ومدى توافقها مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

وحذفت “ميتا” ثمانية منشورات من إجمالي العينة (50 منشوراً) “لانتهاكها معايير مجتمع ميتا”، بعد أن أرسلنا إليها المنشورات، في إطار حق الرد.

عينة من المنشورات العنيفة:

عند إطلاع الخبير القانوني المصري ياسر سعد، على قاعدة بيانات المحتوى المشتبه في احتوائه على خطاب كراهية، قال إن جُله يخالف المادة رقم 20 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحظر خطاب الكراهية.

واتفقت معه الباحثة القانونية المختصة بالإبادة الجماعية في جامعة أنتويرب البلجيكية، مها عبد الله، في أن هذا المحتوى يمثل تحريضاً على الإبادة والتطهير العرقي للفلسطينيين، مضيفة أنه يجب على إدارة ميتا القيام بمسؤوليتها القانونية والأخلاقية باتخاذ إجراءات حاسمة إزاء هذا المحتوى.

وكان مركز حملة قد رصد أكثر من ثمانية آلاف حالة انتهاك رقمي، للمحتوى الداعم لفلسطين على وسائل التواصل الاجتماعي. وتشكل إزالة المحتوى وتقييده نحو 40% من إجمالي الانتهاكات المُسجلة.

ليختبر معد التحقيق سياسة تعامل “ميتا” مع المحتوى المتعلق بفلسطين؛ أنشأ حساباً على فيسبوك، وبدأ نشر محتوى مؤيد لحماس، لكن حُذف المنشور وفق الخوارزميات المُطبَّقة في فيسبوك. ثم أقدم على تغيير دفة الخطاب على الحساب، بنشر محتوى باللغتين العبرية والإنكليزية، يدعو إلى “إبادة غزة”، لكن لم تطاله يد الخوارزميات

في المقابل، رصد المركز تصاعد عدد ما وصفه بالمحتوى “العنيف”، عقب السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ليصل إلى ذروته في التاسع من الشهر نفسه، بتسجيل أكثر من 120 ألف منشور موجه ضد الفلسطينيين على وسائل التواصل الاجتماعي.

في هذا الصدد، يقول رئيس قسم المناصرة في مركز حملة، جلال بو خاطر، إن السماح بنشر محتوى يُروج لخطاب الكراهية والتحريض، يشكل تهديداً كبيراً على حياة الفلسطينيين وسلامتهم. في الوقت نفسه، يؤدي قمع المحتوى الفلسطيني إلى إسكات الأصوات التي تسعى إلى توثيق انتهاكات حقوق الإنسان خلال الحرب الإسرائيلية على غزة ، وفق بو خاطر.

يشير تحليل تواريخ المنشورات، موضوع تحقيقنا، إلى أن غالبيتها نُشرت في الأشهر الثلاثة التي أعقبت اندلاع الحرب، تبع ذلك انخفاض في كثافة النشر. لكن ظلت المنشورات التي تحمل خطاباً عنيفاً تظهر على فترات زمنية متفاوتة، حتى حزيران/ يونيو 2024.

ويُظهر تحليل شبكي أجراه معد التحقيق لحسابات ناشري المحتوى العنيف، أن الرابط المشترك بينهم هو متابعتهم لحساب وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، الذي تشكل صفحته الرسمية على فيسبوك، عقدة مركزية تدور في فلكها حسابات العينة.

يقوم إيتمار بن غفير بدور مركزي ومؤثر في تلك الشبكة الاجتماعية، التي تعبر عن مزاج سياسي متجانس، أكثر ما تعبر عن مجموعة تعمل بشكل منظم؛ ما يبرز تأثيره الكبير في التفاعل الرقمي. يُظهر الحساب نمطاً متكرراً في نشر محتويات تحريضية؛ فيدعو للاستيطان والتهجير القسري، ما يُحفز استجابات وتفاعلات قوية سواء من المؤيدين أو المعارضين. هذا التفاعل الكبير يسهم في تعزيز انتشار محتواه على المنصة.

ويدعو وزير الأمن القومي الإسرائيلي في فيديو قصير -منشور في أيار/ مايو 2024 عبر صفحته على فيسبوك- إلى شن هجوم عنيف على رفح، وتهجير سكان غزة قسرياً، وعودة الاستيطان.

وتدخل مدينة غزة ضمن حدود الأراضي الفلسطينية؛ لذا فإن الممارسات الاستيطانية فيها محظورة بموجب القانون الدولي، وتنتهك هذه الممارسات قرار مجلس الأمن رقم 2334، الذي يحث على وضع نهاية للمستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

رغم هذا، لم يحذف فيسبوك المنشور، بل لاقى الفيديو تفاعلاً كبيراً؛ إذ حظي بإعجاب أكثر من ألف متابع للصفحة، وعلق عليه أكثر من 500 حساب.

نعم للتحريض ولا للتأييد

ليختبر معد التحقيق بنفسه سياسة تعامل منصة ميتا مع المحتوى المؤيد للفلسطينين، ويقارنه بالمحتوى المُحرض ضدهم؛ أنشأ حساباً على فيسبوك، وبدأ بنشر محتوى مؤيد لحماس، لكن حُذف المنشور وفق الخوارزميات المُطبَّقة في فيسبوك، “لمخالفة معايير مجتمع ميتا المتمثلة في نشر محتوى مؤيد لجماعات تصنف على أنها خطرة”.

ثم أقدم على تغيير دفة الخطاب على الحساب، بنشر محتوى باللغتين العبرية والإنكليزية، يدعو إلى “إبادة غزة”، لكن لم تطاله يد الخوارزميات، وظل المحتوى موجوداً ومتاحاً على المنصة.

قرر معد التحقيق المضي قدماً في اختبار سياسة ميتا؛ فقدم بلاغاً -من حسابه الشخصي على فيسبوك- في المنشور الذي يحرض على العنف تجاه أهل غزة؛ لكن سرعان ما جاءه الرد برفض طلبه “لعدم مخالفته معاييرها”، وطالبته الشركة بأن يضبط إعدادات حسابه على وضع يتيح له عدم التعرض لمثل هذا المحتوى. ولم يستجب فيسبوك إلا لطلب معد التحقيق بإزالة المحتوى المؤيد لحماس.

بدت الدهشة على الباحثة القانونية المختصة بالإبادة الجماعية، مها عبد الله، عند إطلاعها على رفض إدارة فيسبوك حذف المنشور، الذي أبلغ عنه معد التحقيق، نظراً لاحتوائه على عدة انتهاكات؛ مثل التحريض على الإبادة والتطهير العرقي للفلسطينيين، وهو أمر محظور بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ويُعد تحريضاً على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية بموجب نظام روما الأساسي.

ما وراء الخوارزميات

لفهم كيفية عمل الخوارزميات التي تحدد حذف المنشور من عدمه، توجهنا بالسؤال إلى الباحث في مجال الذكاء الاصطناعي في جامعة ميونيخ التقنية، عصام حسن، الذي قال إن التدخل البشري في عمل الخوارزميات يأتي على مراحل.

خلال المرحلة الأولى، تُنتقى عينة بيانات للتدريب الأولي، هذه العينة قد تكون منحازة ومنتقاة من البداية لحظر محتوى معين، يحتوي على كلمات مفتاحية محددة. ثم في المراحل اللاحقة، يمر محتوى المنصة بعملية فحص تجريها مجالس المراقبة أو منظمات مستقلة؛ لتحديد المحتوى المعادي للسامية، أو العنيف.

يقوم إيتمار بن غفير بدور مركزي ومؤثر في تلك الشبكة الاجتماعية، التي تعبر عن مزاج سياسي متجانس، أكثر ما تعبر عن مجموعة تعمل بشكل منظم؛ ما يبرز تأثيره الكبير في التفاعل الرقمي.

ويضيف الباحث في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أن تدريب الخوارزمية يعاد على فترات منتظمة، باستخدام المحتوى المُنتقى في عملية تسمى “الضبط الدقيق للخوارزمية” (fine tuning)، ثم تتولى الخوارزمية مهمة تهميش المحتوى المشابه أو حظره، ومن ثم حذفه من المنصة تلقائياً.

ويرى حسن أن النموذج الخوارزمي، المُستخدم على منصتي ميتا، قد دُرّب للتعرف على المحتوى الفلسطيني، ومنحه درجات أقل -وفق نظام التصنيف الخوارزمي “Algorithmic scoring”- ما يقلل من وصوله وانتشاره، وربما يصل الأمر حد حذفه. في المقابل، يمكن أن تتدرب نماذج تعلم الآلة على بيانات، لا تنطوي على آليات حظر؛ ما قد يجعلها تتساهل مع محتوى آخر، وهو ما قد ينطبق على المحتوى المُحرِّض ضد الفلسطينيين، الذي لم تحذفه خوارزميات ميتا.

ولطالما أثار نهج شركة ميتا تجاه المحتوى المؤيد لفلسطين جدلاً حقوقياً؛ فقد أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش (الحقوقية) تقريراً في تشرين الأول/ أكتوبر 2021؛ يوثّق زيادة معدلات حذف إدارة فيسبوك للمحتوى الفلسطيني، فضلاً عن تطبيقها آليات رقابة مفرطة ضد المحتوى الفلسطيني، أدت إلى الحد من انتشاره.

أخذت إدارة فيسبوك نتائج التقرير على محمل الجد، وعهدت إلى جهة مستقلة بإجراء فحص لسياستها إزاء المحتوى الفلسطيني؛ وهو الفحص الذي أتت نتائجه متطابقة -إلى حد كبير- مع نتائج هيومن رايتس ووتش.

وأشارت نتائج المراجعة إلى أن “سياسات الشركة لها تأثير سلبي في حرية التعبير لدى المستخدمين الفلسطينيين، وحرية التجمع، والمشاركة السياسية؛ وبالتالي في قدرة الفلسطينيين على تبادل المعلومات والأفكار بشأن تجاربهم”.

ورداً على نتائج التحقيق، وعدت فيسبوك (ميتا) بأن تجري معالجة لسياسة الرقابة على المحتوى الفلسطيني.

وعقب اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، صدر تقرير عن هيومن رايتس ووتش، يكشف عن استمرار الممارسات نفسها، موثّقاً ألفاً و49 حالة تقييد للمحتوى المؤيد لفلسطين أو المحايد خلال الحرب؛ شملت حذف منشورات، وتعليق حسابات، وتقييد المشاركة والتفاعل على منصتي فيسبوك وإنستغرام، مقابل تقييد محتوى واحد فقط داعم لإسرائيل.

وأشار التقرير إلى أن المنشورات المحذوفة لم تكن تنطوي على أيّ مخالفات واضحة، وتضمنت بعض المنشورات المحذوفة أخباراً موضوعية، أو دعوات للإغاثة الإنسانية، أو تعبيراً عن الرأي من دون تحريض.

يشير التقرير إلى تلقي ميتا طلبات من وحدة الأمن والاستخبارات السيبرانية الإسرائيلية، لإزالة محتوى “تصفه إسرائيل بغير المناسب”؛ وهي الطلبات التي استجابت إدارة ميتا إلى غالبيتها بإزالة المحتوى أو تقييده.

جاء تقرير هيومن رايتس ووتش بعد أيام من إعلان شركة ميتا عن معالجتها أخطاء حدت من معدل الوصول على إنستغرام بشكل عام. ونفت الشركة أيّ تعمد لقمع “حرية التعبير”، مؤكدة أنها تطبق سياسات المحتوى العنيف والصادم بصورة متساوية في كل أنحاء العالم.

وتتالت بعد ذلك التحقيقات والتقارير الحقوقية والصحافية، التي توثّق استمرار تقييد المحتوى المؤيد لفلسطين على منصتي الشركة. وما زاد الأمور سوءاً هو استمرار اتخاذ المنصة قاعدة تنطلق منها دعوات استيطانية، سرعان ما تتحول إلى تحركات على الأرض، وفق رصد معد التحقيق.

دعوات الاستيطان على “فيسبوك”

بعد اندلاع حرب الإبادة الأخيرة مباشرة (2023)، تصاعدت حدة الدعوات الاستيطانية، وما صاحبها من شن المستوطنين الإسرائيليين هجمات ضد سكان الضفة الغربية المحتلة.

ووثّق مركز “ييشن دين” الإسرائيلي -المختص في رصد الدعوات الاستيطانية- إطلاق دعوات استيطانية عبر مجموعات على وسائل التواصل الاجتماعي في منتصف تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تطالب الفلسطينيين بـ”مغادرة أراضيهم إلى الأردن لتجنب نكبة ثانية”.

شن المستوطنون بعد ذلك هجوماً شبه منظم على الفلسطينيين ببلدة دير استيا، في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

تزامن مع هجمات المستوطنين، تدشين مجموعة على فيسبوك باسم “شعب إسرائيل يعود إلى قطاع غزة”، وكُتب في المساحة التعريفية بالمجموعة أنها أُنشئت “من أجل إيصال رسالة واضحة لقيادتنا؛ مفادها أن شعب إسرائيل يطالب بالعودة والاستيطان في كل قطاع غزة!”.

ضمت المجموعة أكثر من ثمانية آلاف عضو، دأبوا على نشر محتوى يطالب بتنظيم الفعاليات والأنشطة الرامية إلى احتلال غزة بالكامل، وتحويلها إلى مستوطنة إسرائيلية. ولم تنسب المجموعة نفسها إلى أيّ فصيل سياسي، لكنّ مديرها اعتاد نشر مقولات، ومقاطع فيديو للسياسي موشيه فيجلين.

“نهدف إلى تحقيق العدالة في تطبيق سياستنا العالمية؛ ولكنّ القيام بذلك على نطاق واسع، وفي ظل صراع ذي وتيرة متسارعة، ومكثف، وذي طبيعة استقطابية عالية، ينطوي على تحديات. ندرك أننا نرتكب أخطاء قد تكون محبطة، غير أن التلميح بأننا نقمع صوتاً معيناً عمداً وبشكل ممنهج، أمر غير حقيقي”، هكذا ردت شركة ميتا على خلاصات التحقيق

وسبق وأن أُلقي القبض على فيجلين في التسعينيات، بعد تنظيمه مظاهرات رافضة لاتفاقية أوسلو الداعية للوصول إلى تسوية دائمة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، بناء على قراري الأمم المتحدة 242 و338. وحُكم على فيجلين إثر ذلك بالسجن قبل تخفيف الحكم.

وبعد اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة ، ظهر السياسي الإسرائيلي في لقاء تلفزيوني، يدعو إلى احتلال غزة، مردداً سردية تتداول بين أعضاء المجموعة، عن حق إسرائيل في كامل التراب الفلسطيني، وضرورة إحياء الاستيطان في غزة.

ووصلت الأمور إلى ذروتها بعد أن تمخضت الدعوات الإلكترونية عن تنظيم أعضاء المجموعة فاعلية على حدود قطاع غزة، تدعو إلى دخوله والاستقرار فيه. بعدها، نشر مدير المجموعة في 29 حزيران/يونيو 2024، مقطعاً قصيراً من الفعالية، مصحوباً بمنشور يشكر فيه قوات الأمن والأهالي على ترحيبهم بالمشاركين في الفعالية، ويحث بقية أعضاء المجموعة على الانضمام وتقديم الدعم.

واختتم مدير المجموعة منشوره قائلاً: “من المقرر أن تكون هذه النقطة (مكان الفاعلية) موقعاً دائماً؛ حتى يسمحوا لنا بالدخول إلى قطاع غزة، والاستيطان هناك”.

“نهدف إلى تحقيق العدالة في تطبيق سياستنا العالمية؛ ولكنّ القيام بذلك على نطاق واسع، وفي ظل صراع ذي وتيرة متسارعة، ومكثف، وذي طبيعة استقطابية عالية، ينطوي على تحديات. ندرك أننا نرتكب أخطاء قد تكون محبطة، غير أن التلميح بأننا نقمع صوتاً معيناً عمداً وبشكل ممنهج، أمر غير حقيقي”، هكذا ردت شركة ميتا على خلاصات التحقيق.

شريف مراد

أُنجز هذا التحقيق بدعم من أريج

موقع رصيف 22




هل ينجح نتنياهو في جرّ إيران والولايات المتحدة إلى حرب إقليمية؟

عمليتا اغتيال الزعيم السياسي لحركة “حماس”، إسماعيل هنية في طهران، وفؤاد شكر، أحد كبار قادة حزب الله في بيروت، قد تكونان مصممتين لإعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بعض الانتصارات، والانعطاف نحو إنهاء الحرب في غزّة، أو قد تشيران إلى نواياه لتصعيد الصراع، وربما جرّ الولايات المتحدة إلى مواجهة إقليمية أوسع مع إيران وحزب الله، حسب نائب رئيس معهد الشرق الأوسط للمشاركة الدولية، بول سالم.

خيار التصعيد هو الأرجح، يقول الزميل الأقدم للشؤون الإسرائيلية في المعهد، نمرود غورين، “نظراً إلى تصرفات نتنياهو ورسائله خلال الأشهر الأخيرة، والتي لا ترجّح أولوية التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الرهائن ووقف إطلاق النار على جدول أعماله”. يوافقه الرأي، مدير برنامج فلسطين والشؤون الفلسطينية الإسرائيلية في المعهد، خالد الجندي، بقوله: “يجب أن تضع التطورات الأخيرة حدّاً لفكرة اهتمام نتنياهو بوقف إطلاق النار أو بمساعيه لتجنّب حرب إقليمية شاملة. والسؤال الآن: كيف ستستجيب واشنطن لهذه الأزمة الأخيرة؟”.

“يجب أن تضع التطورات الأخيرة حدّاً لفكرة اهتمام نتنياهو بوقف إطلاق النار أو بمساعيه لتجنّب حرب إقليمية شاملة. والسؤال الآن: كيف ستستجيب واشنطن لهذه الأزمة الأخيرة؟”.

واشنطن ستساعد إسرائيل في صدّ هجوم إيراني محتمل، أجاب الرئيس الأمريكي جو بايدن، لكنه لا يتوقع بعد ذلك مزيداً من التصعيد من قبل تل أبيب، التي يتوجب عليها التحرك الفوري نحو صفقة الرهائن. يضيف أكسيوس، نقلاً عن مسؤول أمريكي، أن بايدن حذّر نتنياهو، خلال حديثهما: “إذا صعّدت مرةً أخرى، لا ينبغي لك الاعتماد علينا لإنقاذك”.

وجاء اتصال بايدن بنتنياهو، لمناقشة الاستعدادات العسكرية المشتركة لمواجهة انتقام محتمل من قبل إيران وحزب الله، ولإبلاغه بعدم الرضى عن الاتجاه الذي اتخذه، وفق مسؤولين أمريكيين تحدثوا إلى أكسيوس، “حيث يشعر الأول بأن الثاني أبقاه في الظلام بشأن خطط تنفيذ الاغتيالات، بعد أن ترك انطباعاً خلال زيارته لواشنطن بالاهتمام بطلب بايدن، التوصل إلى اتفاق حول الرهائن ووقف إطلاق النار في غزة، وضعته إدارة بايدن في قلب إستراتيجيتها الكاملة لمنطقة الشرق الأوسط بعد الحرب، ويراه الأخير عنصراً أساسياً في إرثه للأشهر الستة المتبقية له في منصبه”.

قراءتان متعاكستان

دوافع عدة تقف خلف عملية اغتيال هنية، حسب مركز الإمارات للسياسات، أهمها: تحقيق مصلحة نتنياهو في تقويض مفاوضات التوصل إلى اتفاق التهدئة وإدامة الحرب، حيث تشير بعض التحليلات، إلى أن هدف نتنياهو من ضربتي الضاحية الجنوبية وطهران، هو جرّ إيران وحزب الله وباقي “محور المقاومة” إلى حرب إقليمية واسعة، وتالياً توريط واشنطن فيها، نظراً إلى التزامها بالدفاع عن إسرائيل، وهو ما أكده وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، بعد اغتيال شكر، بقوله إن بلاده “ستُدافع عن إسرائيل إذا تعرّضت لهجوم من حزب الله ردّاً على الضربة الإسرائيلية”. وبذلك يحقق نتنياهو مصلحةً شخصيةً بإطالة عمر حكومته، مع مصالح سياسية تتعلق بحسم المواجهة مع إيران، وربما القضاء على قدراتها النووية بمساعدة أمريكية.

اندلاع حرب إقليمية لا يصبّ في مصلحة الإدارة الأمريكية الحالية التي تواجه سنةً انتخابيةً، لذا من المتوقع أن تبذل كل الجهود الممكنة لعدم انفلات الصراع، خاصةً أن لديها قنوات تواصل غير مباشرة مع طهران، وإمكانيات ضغط على إسرائيل

في المقابل، يرى آخرون أن “نتنياهو هَدَفَ إلى إظهار الصلابة أمام الجمهور الإسرائيلي، والخروج بصورة نصر لإنهاء الحرب في غزّة من موقع قوة”. وبحسب مركز الإمارات للسياسات، اندلاع حرب إقليمية لا يصبّ في مصلحة الإدارة الأمريكية الحالية التي تواجه سنةً انتخابيةً، لذا من المتوقع أن تبذل كل الجهود الممكنة لعدم انفلات الصراع، خاصةً أن لديها قنوات تواصل غير مباشرة مع طهران، وإمكانيات ضغط على إسرائيل.

إسرائيل تصّعد من آلية الردع مع إيران، وترسل رسالةً مفادها أن الخطوة التالية هي الحرب الشاملة، وتتوقع كل من تل أبيب وواشنطن أن طهران لا تريدها؛ يقول قتيبة إدلبي، لرصيف22، وهو زميل أول ومدير برنامج سوريا في المجلس الأطلسي. ويضيف: “هناك قراءتان في واشنطن لهذا التصعيد؛ أولاهما، أن تصعيد تل أبيب على الجبهات كافة هو لتبرير عدم دخولها في اتفاق وقف إطلاق النار. وبجانبها قراءة معاكسة، أتفق معها بعض الشيء، تقوم على أن حكومة نتنياهو تهيئ عملياً لإجراء اتفاق خاص بتبادل الرهائن، بعد عودتها إلى الشارع الإسرائيلي بقولها: سنوقّع على الصفقة بعد أن انتصرنا على حماس، وقد قتلنا محمد الضيف، وقتلنا إسماعيل هنية، وقتلنا نائب حسن نصر الله”.

وعليه، “يراكم نتنياهو انتصاراتٍ اليوم، ليقدّمها للشارع الإسرائيلي وكأنها انتصار للشارع الإسرائيلي، ويقول: أنا حققت أقصى ما يمكن تحقيقه وها نحن جاهزون للقبول بصفقة تبادل الرهائن”، بحسب إدلبي.

لكن موجة الاغتيالات الإسرائيلية جعلت الحرب الإقليمية أقرب من أي وقت مضى. كما أن دوامة التصعيد الخطيرة يمكن أن تجرّ الولايات المتحدة إلى عمق الأزمة الإقليمية، وتبخّر الآمال في وقف إطلاق النار وصفقة الرهائن بعد أشهر من المفاوضات المتأنية، ما يجعل إصرار الإدارة الأمريكية على أن وقف إطلاق النار لا يزال في متناول اليد، أجوف، حسب تقرير آخر للموقع الأمريكي المشهور بتسريباته الاستخباراتية، أكسيوس.

تقول إيرينا تسوكرمان، وهي محامية أمن قومي وخبيرة أمريكية في الشؤون الدولية والإستراتيجية: “ليست لدى إسرائيل مصلحة في جرّ واشنطن إلى الحرب، فالقيود المفروضة على إسرائيل هي التي تساهم في التصعيد وليس العكس، ومحور المقاومة هو المسؤول عن انتشار الصراعات والاشتباكات في المنطقة، بسبب الاسترضاء والعقاب الأمريكيين”. وبرأيها، طهران في حالة حرب مع واشنطن منذ عام 1979، عندما استولت على السفارة الأمريكية فيها، ومنذ ذلك الحين وهي في تصاعد مستمر.

مع ذلك، تواصل واشنطن انتهاج سياسة متضاربة، تتمثل في السماح لإسرائيل بـ”الدفاع المحدود عن النفس” مع منعها من ضرب إيران مباشرةً، حتى دون مساعدة واشنطن، تضيف تسوكرمان، لرصيف22. وعليه، تفسر إيران هذه السياسة بأنها ضوء أخضر لتوسيع هجومها العسكري في جميع أنحاء المنطقة، والتسلل إلى الدول من الداخل.

عناق الدبّ

“نتنياهو لا يعطي أولويةً لمصالح الإدارة الأمريكية”، يذكر توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز، ويضيف: “مع ذلك، واشنطن مجبرة على اختيار ما يجب فعله حيال إيران، التي أصبحت بفضل سياسات الاسترضاء التي انتهجها بايدن والرئيس الأسبق باراك أوباما، قوة عتبة نووية، وقوة إمبريالية في الشرق الأوسط تهيمن على المنطقة وتفرض صراعات مع إسرائيل لا تريدها معظم الدول العربية”.

وبحسب الجندي: “لم يتم إبلاغ واشنطن مسبقاً بعملية اغتيال هنية، ما يمثل إحراجاً كبيراً للإدارة الأمريكية، يرجّح معه زيادة توتر العلاقة المتوترة أصلاً بين نتنياهو وإدارة بايدن. وتل أبيب تركت واشنطن في الظلام في عملية ذات تداعيات بعيدة المدى على المنطقة بأسرها، برغم المليارات من المساعدات العسكرية والدعم غير المشروط الذي قدّمته الإدارة الأمريكية لإسرائيل طوال الحرب، ما يلقي مزيداً من الشكوك حول فعالية نهج ‘عناق الدب’ الذي يتّبعه بايدن مع إسرائيل، والذي لم يفشل في احتواء الحرب أو منع التصعيد فقط، بل قد يجرّ واشنطن إلى صراع أوسع في المنطقة، خاصةً مع إيران”.

“هناك قراءتان في واشنطن لهذا التصعيد؛ أولاهما، أن تصعيد تل أبيب على الجبهات كافة هو لتبرير عدم دخولها في اتفاق وقف إطلاق النار. وبجانبها قراءة معاكسة، أتفق معها بعض الشيء، تقوم على أن حكومة نتنياهو تهيئ عملياً لإجراء اتفاق خاص بتبادل الرهائن، بعد عودتها إلى الشارع الإسرائيلي”

“لكن الأحداث التي أدت إلى الأحداث الحالية، ترجع في النهاية، إلى الفشل المتعمد في الردع من قبل واشنطن، التي هي أقوى بكثير من إيران ووكلائها مجتمعين، ومع ذلك سمحت لإيران بالانتشار في جميع أنحاء المنطقة، من دون رد عسكري كافٍ لمنعه”؛ حسب تسوكرمان، ما أدى إلى مزيد من الهجمات الإيرانية على دول المنطقة، بما فيها إسرائيل، واستيلاء “حزب الله” على لبنان، وترسيخ الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله” في سوريا والعراق وسواهما.

وبرأيها أيضاً، فإن “الصفقات الأمريكية المختلفة مع إيران، هي التي غذّت الصراع الحالي. وعندما حاولت واشنطن إنشاء تحالف دفاعي بين إسرائيل وجيرانها، تناقضت هذه السياسة مع ‘توازن’ علاقات واشنطن مع بعض الدول الإقليمية. والنتيجة النهائية هي وضع سياسي فوضوي”.

وفي هذا السياق، يشير محمد سحيمي، من معهد كوينسي، إلى “هدف ثانٍ لتل أبيب باغتيال هنية، فعدا عن تحييد الأخير، تعمل إسرائيل على مضاعفة عقبات أي حوار محتمل بين إدارة الرئيس الإيراني الجديد مسعود بزيشكيان، وواشنطن. واغتيال هنية في طهران، هو الفخ؛ إذا لم تفعل إيران شيئاً، ستتعرّض للسخرية في المنطقة، وسيعمل المتشددون فيها على شلّ برامج بزشكيان التفاوضية مع واشنطن قبل بدايتها. وإذا ردّت بقوة، فقد تجبر واشنطن على التدخل مباشرةً للدفاع عن إسرائيل. وفي الحالتين، ستكون إسرائيل ‘رابحةً’ مؤقتاً. كذلك فإن اتساع دائرة الحرب سيلقي بظلاله على الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث ستقف إدارة بايدن بجانب إسرائيل، ما سيخلق مشكلات حادةً لنائبة الرئيس كامالا هاريس، التي تحاول تمييز نفسها عن بايدن ودعمه غير المشروط لإسرائيل”.

يؤكد إدلبي أن “الرؤية الغالبة في واشنطن هي أن ما جرى مؤخراً هو تمهيد لاتفاق قادم، لذا ليس لديها تخوف كبير من اندلاع حرب جراء هذا التصعيد. لكن في الوقت عينه، هناك أولوية أمريكية حيال هذا التصعيد، تتمثل في حصره بين أطرافه الموجودة، حزب الله وإسرائيل وحماس، دون تدخّل أطراف أخرى”. لذا، إن كان هناك حديث عن تدخل أمريكي برأيه، فهو حديث عن تدخل لوقف انخراط الحوثيين في الأزمة الحالية بشكل أو بآخر، مع وضع حدّ لهجماتهم في البحر الأحمر، أو محاولاتهم تنفيذ هجمات في شمال الشرق الأدنى.

تقف الحالة السياسية والقانونية لنتنياهو كعائق شخصي أمام التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إذ تنتظره في نهاية الحرب محاكمة بقضايا فساد، أو في أقل تقدير مساءلة عن الفشل في توقّع عملية “طوفان الأقصى”.

ووفقاً لبيان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، أبلغ نتنياهو بايدن، بأنه يقّدر الدعم الأمريكي، “وكرئيس لوزراء إسرائيل، فإنه يتصرف فقط وفقاً للاحتياجات الأمنية لدولة إسرائيل”. رداً على ذلك، قال مسؤول إسرائيلي كبير، لأكسيوس: “رفع بايدن صوته وقال إنه يريد التوصل إلى اتفاق في غضون أسبوع إلى أسبوعين”. وأضاف: “اتفاق الرهائن ووقف إطلاق النار هو أهم شيء في الوقت الحالي”.

وفي الصورة الكبيرة، تقف الحالة السياسية والقانونية لنتنياهو كعائق شخصي أمام التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، إذ تنتظره في نهاية الحرب محاكمة بقضايا فساد، أو في أقل تقدير مساءلة عن الفشل في توقّع عملية “طوفان الأقصى”. وبرغم الجبن الذي يوصف به نتنياهو، إلا أن مصالحه الأنانية الضيقة، وتركيبة حكومته المتطرفة، مع خروج شخصيات عقلانية نوعاً ما من كابينة الحرب، تشكل بمجموعها دوافع قويةً لذهاب تل أبيب نحو مزيد من التصعيد، بهدف جرّ الطرف المقابل إلى ردّ قد يؤدي إلى حرب شاملة، وتالياً جرّ واشنطن إلى هذه الحرب، بالاستفادة من دعمها اللامحدود لإسرائيل، مقرونةً بضغوط محدودة عليها، نتيجة الوضع الداخلي الأمريكي، الذي يتسابق فيه مرشحو الرئاسة على الفوز بلقب المدافع الأول عن أمن إسرائيل، كمقدمة للفوز بسيادة البيت الأبيض.

عمار جلو

موقع رصيف 22




عضلات نتنياهو انتفخت… والنتيجة مخيفة

كثيرون من شهود العيان، ينشرون تقارير تفيد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، كان في حالة اكتئاب شديد وإحباط أشد، في صبيحة السبت 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عندما أبلغه مستشاره العسكري بتفاصيل هجوم «حماس» على 11 موقعاً عسكرياً و22 بلدة في غلاف غزة.

هذه الحالة رافقته لأيام طويلة عدة. لكن الطريقة التي اختارها جيشه للرد على «حماس»، بالهجوم العسكري الجنوني الذي دمّر غزة بكل ما فيها من عمار وحضارة، وقصد قتل روح أهلها كباراً وصغاراً، أعجبت نتنياهو وأخافته في آن. ويقال إنه لم ينتعش ويبدأ العودة إلى طبيعته، إلا عندما جاءه الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تل أبيب في زيارته التضامنية الشهيرة، بعد 11 يوماً من الهجوم. في حينه شوهد نتنياهو وهو لا يتمالك نفسه وحاشر رئيس الدولة يتسحاق هيرتسوغ لكي يسبقه على عناق بايدن. وقد انتقده الإسرائيليون على خرق «البروتوكول» الذي ينص على أن الرئيس (هيرتسوغ) يسبقه في استقبال الرئيس الضيف (بايدن). واعتبروا ذلك تصرفاً صبيانياً فحسب. لكن الأميركيين أدركوا أن الرجل منهار وقد اهترأت أعصابه وهو ينتظر وصول بايدن… وما إن رأته عيناه حتى ارتمى في حضنه كما يفعل طفل ضائع يلتقي والدته.

منذ تلك اللحظات مرت عشرة أشهر، والطفل المنهار صار «طاووساً» أرعن مستأسداً… لا يتردد في مهاجمة بايدن في عقر داره ويعود إلى إسرائيل كما لو أنه حقق الانتصار عليه. وحقاً عاد من واشنطن أكثر تشدداً في مواقفه من الحرب. يتكلم عن ضرورة استمرارها بلا خجل ولا تردد. ويعمل بشكل واضح على توسيعها. وصادق على اغتيالات مشكوك في جدواها العسكرية والاستراتيجية. وأتت هذه الاغتيالات، بالصدفة أو بالتخطيط المقصود، لتتوّج زيارته إلى الولايات المتحدة.

خطط لنقل رسالة

اليوم، يتضح أن الحوارات الدائرة بين تل أبيب وواشنطن، تدل على أن نتنياهو ليس فقط نسي المشهد الذي ارتمى فيه على أحضان بايدن، بل يتصرف كما لو أنه هو صاحب الحضن. وعندما التقى الرئيس بايدن، شاءت الأقدار أن يكون الأخير في عز اضطراره إلى التنازل عن الترشيح للرئاسة.

الأميركيون يسمّون وضع الرئيس في حالة كهذه «بطة عرجاء». ومع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي امتدحه وشكره على دعمه، فإنه لم يتردد في انتقاده أيضاً على ضغوطه لوقف الحرب. وبالفعل، لليمين الإسرائيلي خطاب سياسي واضح مع الأميركيين، وقد حرص نتنياهو على أن يصل إلى كل أذن في الولايات المتحدة. ملخص الخطاب، أن ما تفعله إسرائيل في غزة أقل بكثير مما فعلته الولايات المتحدة في العراق أو أفغانستان أو فيتنام. وأحد كتاب اليمين المشهورين، أليكس غوردون، صاغ هذا الموقف قائلاً: «في 4 يونيو (حزيران) 2024، قال الرئيس بايدن في مقابلة مع مجلة (تايم) إن (الناس لديهم سبب للاعتقاد) بأن رئيس الوزراء نتنياهو يطيل الحرب في غزة لأسباب تتعلق بالبقاء السياسي». ولكن من يدري إلى متى يجب أن تستمر هذه الحملة؟ ففي نهاية المطاف، لا يوجد ذكاء اصطناعي أو ذكاء طبيعي يعرف على وجه اليقين الفترة الزمنية الدقيقة والأمثل للحروب، بما في ذلك الحرب ضد الإرهابيين في غزة. وبما أن الذكاء الفائق الذي يعرف كل شيء غير موجود، فإننا مضطرون إلى إجراء تقدير زمني لمدة الحرب ضد الإرهابيين من خلال مقارنتها بحروب أخرى مع إرهابيين آخرين. فقد بدأت الحرب مع إرهابيي تنظيم (داعش) في مدينة الموصل العراقية يوم 24 مارس (آذار) 2016 واستمرت حتى 9 يوليو (تموز) 2017. وفي هذه الحرب التي قادها الجيش العراقي شاركت القوات الجوية الأميركية والبريطانية وفرنسا وألمانيا وتركيا والإمارات العربية المتحدة إلى جانب العراقيين. وهزم هذا التحالف الإرهابيين وطردهم من الموصل. كان يعيش في الموصل نحو 1.5 مليون نسمة. وبلغت مساحة الموصل 180 كيلومتراً مربعاً. أما في غزة فيبلغ عدد السكان نحو 2.23 مليون نسمة. وتساوي مساحة غزة 362 كيلومتراً مربعاً، أي ضعف مساحة الموصل. من حيث حجم المنطقة وحجم السكان وحدهم، من المتوقع أن تكون الحرب في غزة أطول بـ1.5 – 2 مرة من الحملة في الموصل، أي ما بين سنة و11 شهراً وسنتين و6 أشهر».

واضاف غوردون: «لقد قاتل نحو 8000 من إرهابيي (داعش) في الموصل، وعدد إرهابيي (حماس) أكبر بثلاث أو حتى أربع مرات من إرهابيي (داعش). ومن الواضح أيضاً من هذه الأرقام أن الحملة في غزة من المتوقع أن تكون أطول بكثير من تلك التي حدثت في الموصل. لكن في الموصل، لم يكن لدى إرهابيي (داعش) أنفاق تحت الأرض يصل طولها إلى نحو 500 كيلومتر كما هو الحال في غزة. ولهذا السبب لم يكن لديهم إمكانية المناورة تحت الأرض، ونقل سريع للقوات وهناك عدد لا يحصى من الكمائن كما هو الحال في غزة. لذلك؛ لا مفر من أن يؤدي تأثير الأنفاق إلى إطالة أمد الحرب في غزة أكثر بكثير من مدّتها في الموصل. لكن هناك عاملاً آخر يطيل أمد الحرب؛ لأن الجيش الإسرائيلي يتعامل مع السكان المدنيين في غزة بشكل أبطأ وأكثر حذراً من الجيش العراقي وحلفائه في الموصل».

ومع أن نتنياهو لم يلتقِ مسؤولاً أميركياً واحداً يشجعه على سياسته، وحتى المرشح الجمهوري دونالد ترمب، حثّه على إنهاء الحرب، عاد إلى إسرائيل رافعاً حدة تهديداته وراح يصعّد اجراءاته الحربية.

تغيّر توجه الجيش

من جهة ثانية، بشكل مفاجئ، وجد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية التي عارضت سياسته، وقد غيّرت توجهها. ففي يوم هبوط طائرة نتنياهو بمطار تل أبيب، تعرّضت ثلاث قواعد عسكرية إسرائيلية لهجوم من نحو ألفي شخص من ميليشيات اليمين المتطرف يحتجون على قيام الشرطة العسكرية التابعة للجيش باعتقال تسعة جنود للتحقيق معهم في شكاوى أسرى فلسطينيين تعرّضوا للتعذيب والتنكيل والاغتصاب الوحشي. ولقد اعتدى هؤلاء على الجنود وراحوا يطالبون بإقالة رئيس أركان الجيش هرتسي هليفي. ورافقهم في الهجوم عدد من الوزراء والنواب أعضاء أحزاب اليمين الحاكم، الليكود بقيادة نتنياهو والصهيونية الدينية بقيادة وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.

هذه أول مرة في تاريخ إسرائيل يحصل فيها هجوم على الجيش من مواطنين. لكنه تطور حتمي. فهو حصيلة تحريض شرس من اليمين على قيادة الجيش، مستمر منذ أكثر من عشر سنوات، بعدما اختلفت هذه القيادة مع نتنياهو ومنعته من إطلاق خطة للهجوم على إيران، واتهمته بالتخلي عن عقيدة القتال والاشتباك والإقدام.

ولكي نأخذ فكرة عن مضمون هذا الهجوم نقتبس ما قاله سموتريتش في مؤتمر حزب «تكوما» (البعث)، في أول الشهر الفائت: «نحن نحتاج إلى قيادة عسكرية مع حمض نووي (DNA) مختلف، لا يخاف من صنع النصر». وسموتريتش، الذي لم يخدم في الجيش، ومع ذلك وضعه نتنياهو وزيراً ثانياً في وزارة الدفاع، هاجم عدداً من الجنرالات، مثل عاموس يدلين وتمير هايمان، الرئيسين الأسبقين لشعبة الاستخبارات العسكرية، والمحرر العسكري لصحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، «الذين بدلاً من أن يدفنوا أنفسهم في البيت خجلاً وحياءً بسبب مفاهيمهم التي أوصلت الجيش إلى حالة الترهل، يواصلون حرث استديوهات التلفزيونات للتحليل والتعليق وتقديم النصائح المخزية التي تشجع على وقف الحرب وتقبل الهزيمة».

ما يُذكر، يعيش الجيش ومعه بقية أجهزة الأمن في إسرائيل كارثة معنوية منذ 7 أكتوبر الماضي؛ بسبب الإخفاق في منع هجوم «حماس». ولقد حاول الجيش التغلب على الكارثة بحرب جنونية دمر فيها قطاع غزة بشكل شبه كامل… اتضح أنها ليست موجهة ضد «حماس»، بل ضد الشعب الفلسطيني كله. إذ قتل نحو 40 ألفاً، ثلثاهم من النساء والأطفال والمسنين والعجزة، ودمّر كل الجامعات والمستشفيات ومعظم المدارس والجوامع والكنائس. وقَتَل علماء وصحافيين وأطباء ومعلمين وباحثين ومخترعين وفقهاء ورجال دين ومسعفين وطواقم إغاثة. لكن هذا كله لم يحقق أياً من أهداف الحرب. وبقيت الصورة الختامية أن هذا الجيش بعظمة قوته (ثلاثة أرباع المليون جندي ومئات الطائرات الحديثة والصواريخ الجبارة وآلاف الأطنان من المتفجرات) وبضخامة وحداثة أسلحته ودعم الولايات المتحدة وحكومات الغرب له، يدير حرباً تستغرق 10 أشهر ضد تنظيم مسلح محدود القوة (30 – 40 ألف عنصر) وفقير الأسلحة، ولم يستطع حسمها.

التصعيد … لاستعادة هيبة مهدورة

هذه المشكلة أضعفت الجيش وأثارت تساؤلات كثيرة لدى الحلفاء والأصدقاء، الذين كانوا يأتون لتعلم دروس الحرب منه. وفي الوقت عينه، أثارت أسئلة كثيرة لدى الجمهور الإسرائيلي. وكلما عاد الجنود من الجبهة، ازدادت الأسئلة وأصبحت استنكارية أكثر. وبسبب الصراعات الداخلية داخل المجتمع الإسرائيلي، ومحاولات حكومة اليمين درء الاتهامات عنها بالمسؤولية عن الإخفاق، زاد اليمين على الوقود زيتاً فراح يحرّض على قيادة الجيش ويتهمها بالفشل وبالجبن. وفعلاً دلّت الاستطلاعات على أن ثقة الجمهور الاسرائيلي بالأجهزة الأمنية انخفضت بشكل حاد من 90 في المائة إلى 70 و60 في المائة. وصار رئيس أركان الجيش وجنرالاته يتعرضون لإهانات حتى في جلسات الحكومة، من وزراء كثيرين وليس فقط بن غفير وسموتريتش. وكان نتنياهو يسمع ويسكت. ومن هنا تفاقم الاستخفاف بالجيش لدرجة أن المستوطنين اعتدوا على جنوده في الضفة الغربية، ونشطاء اليمين هاجموا القواعد العسكرية.

لذا؛ قررت الأجهزة الأمنية استعادة هيبتها المهدورة أياً كان الثمن. فانتهزت فرصة التراخي الأمني في الضاحية وفي طهران، ووجهت ضربتيها، باغتيال رئيس حركة «حماس»، إسماعيل هنية في قلب مجمع «الحرس الثوري» الإيراني، واغتيال قائد أركان «حزب الله» فؤاد شكر. وخرج نتنياهو يعلن بتفاخر مخضّب بسكرة نصر: «لقد أغلقنا حسابات مع (القائد العسكري بـ«حزب الله»، فؤاد شكر) محسن، وسنغلق الحسابات مع أي شخص يسيء إلى بلادنا». وأردف: «منذ هجوم بيروت، سمعت التهديدات من جميع الجهات. نحن مستعدّون لأي سيناريو، وسنقف مركّزين، ومصمّمين ضدّ أي تهديد، وستجبي إسرائيل ثمناً باهظاً، إزاء أي عدوان علينا من أي ساحة. قلت بالفعل في الأيام الأولى للحرب إن الأمر سيستغرق وقتاً ويتطلّب الصبر منّا جميعاً، وسأكرّر ذلك اليوم أيضاً».

وبعدما ألقى هذا الحجر في البئر، واستعرض العضلات المنفوخة على أقصى حد، دخلت المنطقة برمتها في توتر خطير، وتصعيد مخيف، باتجاه توسيع الحرب نحو مدى يصعب تقديره.

نظير مجلي

صحيفة الشرق الاوسط




“طوفان الأقصى” وغياب اليسار الفلسطيني المؤلم

عكست تداعيات “طوفان الأقصى“، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، على كلّ المستويات، الفلسطينية، والإقليمية، والدولية، الدور القيادي الحاسم الذي تلعبه حركة حماس اليوم، ميدانيًا وسياسيًا، في سياق النضال الوطني الفلسطيني. مقابل ذلك، كانت سلطة رام الله، المنبثقة عن اتّفاقيات أوسلو، وما زالت، تراهن على هزيمة حماس عسكريًا، ومن ثمّ موافقة كيان الاحتلال على تمكينها من استعادة حكم قطاع غزّة، وهو الأمر الذي أكد كثيرٌ من قادة العدو الصهيوني، في أكثر من محطةٍ، استحالة تحقيقه.

في خضم هذا التباين التناحري بين الموقف المقاوم، الذي تنتهجه حماس اليوم، وبين استسلامية “سلطة أوسلو” وخضوعها المطلق لإملاءات “العم سام” في واشنطن، يتخذ اليسار الفلسطيني موقفًا ضبابيًا، فهو من ناحيةٍ يدعم ويمارس نهج المقاومة خطابيًا، ومن ناحية أخرى لا يزال متمسكًا بتبعيته السياسية لسلطة رام الله، تحت شعاراتٍ مضللةٍ، من قبيل تحقيق “المصالحة الوطنية”، و”إعادة بناء منظّمة التحرير على أسسٍ ديمقراطيةٍ”.

في خضم حالة الاستقطاب تلك، كان اليسار الفلسطيني يعيش في جلباب منظّمة التحرير، التي تهيمن عليها فتح هيمنةً شبه مطلقةٍ

لا يعني مفهوم المصالحة الوطنية الحقيقي، على الإطلاق، تحقيق الوفاق والاتّفاق بين فصيلٍ يستند إلى نهج الكفاح المسلح لتحقيق أهدافه السياسية، وآخر لا يزال متمسكًا بمبدأ التنسيق الأمني مع العدو، وملاحقة المقاومين والنشطاء، واستجداء الإمبريالية لتثبيت سلطته على أقلّ من 20٪ من أرض فلسطين التاريخية. مثل هذا الوفاق، إن تحقق، ستكون ترجمته على أرض الواقع هي خلق “قيادةٍ موحدةٍ” تستند إلى سياسةٍ توفيقيةٍ مائعةٍ، تتبنّى المقاومة خطابيًا، في الوقت الذي تستجدي فيه الحقوق من العدو وحلفائه.

كان الأجدى باليسار الفلسطيني، عوضًا عن تبني خطاب “المصالحة الوطنية”، العمل على تحقيق الوحدة الشعبية، تحت ظلّ قيادةٍ مقاومةٍ، يلعب فيها الدور الذي يفترض بالفصائل الثورية لعبه على المستويين الميداني والسياسي، ويستبعد تمامًا أيّ فريقٍ مهادنٍ وضع كل أوراق رهانًا على طاولة العدو. لكن الغياب الواضح لدور هذا اليسار ميدانيًا، وميوعة مواقفه السياسية هي نتيجةٌ طبيعيةٌ لحالة التشوه الأيديولوجي التي عصفت به، ابتداءً من تبعيّته للستالينية، التي اختلقت منظور المرحلية والتحالف مع ما يسمى بالبرجوازية الوطنية، مرورًا بتبنّيه الماوية الصينية، التي آل بها المطاف إلى بناء أعتى الدكتاتوريات الرأسمالية في يومنا هذا، وانتهاءً بالشعبوية “القومية اليسارية” التي بات يتسم بها.

يقول القيادي البلشفي ليون تروتسكي: “إذا كان القادة يسعون إلى الحفاظ على أنفسهم فقط، فإنّ كلّ ما سيصبحون عليه هو كونهم مجرد معلباتٍ مجففةٍ”.. وهذا ما آل إليه حال قيادات اليسار الفلسطيني بعد مهادنته لما يسمى بالحلّ المرحلي، نتيجة التشوه الأيديولوجي الستاليني، الذي يضع مصالح البيروقراطية الحزبية فوق مصالح الطبقات الشعبية المناضلة. مع الأسف، التصالح مع سلطة أوسلو، وهو الموقف الذي لا يزال اليسار الفلسطيني مصرًا عليه حفاظا على مصالحٍ ذاتيةٍ ضيقةٍ، وضعه في موقفٍ يتناقضٍ تمامًا مع الأدبيات التي طرحها في سبعينيات القرن الماضي، ولا يزال يمعن في تحييده شعبيًا وسياسيًا.

صحيحٌ أن أيديولوجيا حركة حماس ليست ثوريةً بالفهم الماركسي للمصطلح، لكن هذا الفصيل لا يزال متمسكًا بنهج المقاومة والكفاح المسلح، وهذا السبب الأساسي الذي جعل من الحركة الجسم القيادي الحقيقي لنضال الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة التاريخية المفصلية. وفي حال عمدت حماس إلى التخلي عن هذا النهج، والرهان على طاولة المفاوضات، والحلول التسووية فحسب، فحتمًا سيؤول بها الحال إلى ذات الوضع الذي حيَّد كلًّا من الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب عن لعب أيّ دورٍ قياديٍ فاعلٍ. لكن في هذه الحالة سينجب الشعب الفلسطيني بلا شكٍّ قيادةً بديلةً تعبّر عن تطلعاته النضالية.

تأسست حركة حماس خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987؛ تلك الانتفاضة التي استغلتها قيادة منظّمة التحرير لتحقيق مكاسب سلطويةٍ آلت إلى حلولٍ تسوويةٍ تتوجت باتّفاقيات أوسلو، ثمّ بدأت بشق طريقها إلى صفوف الطليعة القيادية الوطنية، منذ تشكيل السلطة الفلسطينية وعودة الراحل ياسر عرفات إلى الضفّة الغربية المحتلة، إذ طرحت الحركة نفسها باعتبارها بديلًا عن منظّمة التحرير، التي اعترفت بما يسمى بدولة إسرائيل، عبر تصعيدها العمليات العسكرية، التي قادها القيادي في كتائب عز الدين القسام، يحيى عياش، في أواخر العام 1992.

كان الأجدى باليسار الفلسطيني، عوضًا عن تبني خطاب “المصالحة الوطنية”، العمل على تحقيق الوحدة الشعبية، تحت ظلّ قيادةٍ مقاومةٍ

في ظلّ هذا الاستقطاب الحاد بين نهج التسوية السياسية والمقاومة المسلّحة، بدأت حركة حماس بتحقيق التفافٍ جماهيريٍ متسارع حولها، حتّى كادت تتفوق على جماهيرية حركة فتح، إلى أن اندلعت الانتفاضة الثانية عام 2000، التي أعادت صياغة التوازن بين الفصيلين لصالح حركة فتح نسبيًا، إثر عودتها لنهج الكفاح المسلح. وفي خضم حالة الاستقطاب تلك، كان اليسار الفلسطيني يعيش في جلباب منظّمة التحرير، التي تهيمن عليها فتح هيمنةً شبه مطلقةٍ.

بعد ذلك، توالت التطورات السياسية، في ظلّ استمرار تمسك حماس بنهج المقاومة، مقابل إصرار محمود عباس على الحلول الاستسلامية، إلى أن جاءت انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في 25 يناير/كانون الثاني عام 2006، التي تمخضت عن تحقيق حماس لانتصارٍ انتخابيٍ كبيرٍ، تمثّل في فوزها بـ74 مقعدًا مقابل 45 مقعدًا لحركة فتح، في حين لم تحصل الجبهة الشعبية سوى على ثلاثة مقاعد.

النتيجة كانت مضي حماس باعتبارها بديلًا شرعيًا عن منظّمة التحرير، الأمر الذي أفضى إلى ما يصفه اليسار الفلسطيني، المتمسك بتلك المنظّمة، بالانقسام الوطني، في حين أن الأمر في الواقع يعبر عن التناقض الطبيعي بين نهج الكفاح ومسار التسوية الاستسلامية واستجداء الحقوق. كان الأجدى باليسار الاستمرار في النهج الذي سنه خلال مرحلته الثورية في سبعينيات القرن الماضي، ولعب الدور القيادي الذي يفترض أن ينخرط فيه، باعتباره المعبر الثوري الحقيقي عن الجماهير المضطهدة، على الأقلّ من وجهة نظرٍ ماركسيةٍ، عوضًا عن الوقوف في ظلّ البرجوازية الوطنية، سواء أكانت ممثلةً بحركة فتح أم حركة حماس.

هنا نستحضر مقولةً من أهمّ ما قاله الشهيد غسان كنفاني، الذي كان الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين حتّى اغتياله في الثامن من يوليو/تموز عام 1972: “إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية.. فالأجدر بنا أن نغير المدافعين.. لا أن نغير القضية”. وهذا ما قام به الشعب الفلسطيني طيلة مراحل ثورته المستمرة. الالتفاف الشعبي حول حركة حماس، والذي تحقق نتيجة استمرار تمسكها بالكفاح المسلح، كان يمكن أن يحققه اليسار لولا تأرجح مواقفه بين “ريتا، وعيون البندقية”!

تامر خرمه

صحيفة العربي الجديد




التمثيل السياسي لفلسطينيي 48

أفرزت النكبة الفلسطينية في عام 1948 حالةً جيوسياسيةً جديدةً في فلسطين، إذ هجرَ قرابة 800 ألف فلسطينيٍ من 531 قريةٍ ومدينةٍ احتلتها إسرائيل ووضعتها تحت سيطرتها في حينها، كما بقي تحت سلطة إسرائيل قرابة 150 ألف فلسطينيٍ فقط، لم يكن من مهربٍ أمام الحكومة الإسرائيلية إلّا منحهم هوياتها، والاعتراف بهم مواطنين فيها، وإنْ كانت حقوقهم منقوصةً.

ترتّب على هذه الحالة سعيٌ إسرائيلٌ لدمج العرب في مؤسَّسات الدولة، تحت رقابةٍ أمنيةٍ مُشدّدةٍ، بزعم احتمال تواصلهم مع امتدادهم العربي المحيط، سواء في الضفّة الغربية وقطاع غزّة أو الدول المجاورة. كما سمحت لهم بالمشاركة في الحياة السياسية ضمن منظومتين، الأولى أحزاب، الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وهو حزبٌ مشتركٌ يهوديٌ عربيٌ. والثانية قوائم عربية انتخابية تابعة لحزب العمال الحاكم بعد 1948، ومحكومةٌ بتوجيهات قيادته السياسية. في حينها رفضت حكومات إسرائيل تشكيل أحزابٍ عربيةٍ مستقلةٍ حتّى نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، بعدها تشكلت بعض الأحزاب، وكان من أبرزها حزب التجمّع الوطني الديموقراطي برئاسة عزمي بشارة.

نلاحظ من ذلك وجود تمثيلٍ عربيٍ في الكنيست الإسرائيلي منذ دورته الأولى، إلّا أنّه تمثيلٌ تحت رايةٍ مقبولةٍ ومُرْضيٌّ عنه في السياق السياسي الإسرائيلي. ونعني بذلك اعتراف هذه الأحزاب، أو القوائم الانتخابية بإسرائيل، وقبول قوانينها. مثّلَ تمثيل الفلسطينيين السياسي تحدّيًا كبيرًا لدولة إسرائيل في تعامُلِها مع مواطنيها من غير اليهود. إذ اعتبرتهم دخلاء عليها، وغير مرغوب فيهم.

أثارت فكرة القائمة العربية المشتركة مخاوف وشكوك وحذر الأحزاب السياسية اليهودية، على تياراتها المختلفة

توزّعت أصوات الناخبين الفلسطينيين في إسرائيل على الحزب الشيوعي، ثمّ جبهته الديموقراطية، والقوائم العربية التابعة للحزب الحاكم، ولباقي الأحزاب الصهيونية سواء اليسارية أو سواها. بعد ذلك حصل تحوُّلٌ بدأ منذ ثلاثة عقودٍ، إذ توزّعت أصوات الفلسطينيين بين التيارات السياسية التالية: الحزب الشيوعي بتسميته “الجبهة الديموقراطية”، التجمُّع الوطني الديموقراطي (أيّ التيار القومي)، قائمة إسلامية، وقائمة مستقلة بمُسمّى “التغيير” برئاسة أحمد الطيبي. لكن، وهذه نقطةٌ مهمةٌ، أنّ تحولاتٍ ديناميكيةً شهدتها ساحة التمثيل السياسي في الكنيست الإسرائيلي أسوةً بتلك الحاصلة في المجتمع اليهودي، هذا يعني أنّ التمثيل البرلماني عكس التيارات الفكرية والسياسية للفلسطينيين في إسرائيل، أي أصبح الكنيست الإسرائيلي ساحةً للمنافسة السياسية في المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، ومرآةً لساحات هذا المجتمع. وهناك إجماعٌ واتّفاقٌ على تبنّي خطوطٍ موحّدةٍ في طرح القضايا الرئيسية، التي يعاني منها الفلسطينيون، كما هناك خلافاتٌ وتبايناتٌ في عددٍ من القضايا الجوهرية، مثل تعريف مفهوم المواطنة، طروحات حلّ القضية الفلسطينية، مفهوم وتعريف الدولة.. الخ، أما القضايا اليومية والحياتية فكان هناك توافقٌ في الحدّ الأدنى في ما بين الأحزاب السياسية العربية الممثّلة في الكنيست الإسرائيلي.

شاركت الأحزاب العربية في الجولات الانتخابية منفردةً ومستقلةً، إذ رفضت تشكيل قائمةٍ واحدةٍ تمثِّل كلّ التوجهات، حتّى رفع الكنيست في عام 2014 نسبة الحسم، أيّ الحدّ الأدنى لفوز حزب سياسي في مقاعد برلمانية، بعدها بات على قيادات هذه الأحزاب الاتّفاق مرغمةً على خوض الانتخابات في قائمةٍ عربيةٍ مشتركةٍ تُمَثِّل كلّ الأحزاب والتيارات السياسية في المجتمع الفلسطيني في اسرائيل حتّى تتمكّن جميعها من الفوز بمقاعد تحت قبّة الكنيست. حظيت فكرة التمثيل السياسي لفلسطينيي الـ 48 بقائمةٍ مشتركةٍ واحدةٍ بقبولٍ لدى الجماهير الفلسطينية في الداخل، مع ترحيبٍ فلسطينيٍ وعربيٍ خارج حدود الخط الأخضر، فارتفعت نسبة مشاركة الجمهور الفلسطيني في إسرائيل في الانتخابات البرلمانية، بنية إيصال أكبر عددٍ من ممثليه إلى الكنيست، والتأثير من هناك، إذ شارك أكثر من 80% من أصحاب حقّ الاقتراع من الفلسطينيين في إسرائيل في الانتخابات، ليعبروا عن رغبتهم في المشاركة في الحياة السياسية من خلال التمثيل السياسي في الكنيست، باعتباره ساحةً رئيسيةً للمطالبة بالحقوق، والتعبير عن الرأي. في مقابل ذلك، أثارت فكرة القائمة العربية المشتركة مخاوف وشكوك وحذر الأحزاب السياسية اليهودية، على تياراتها المختلفة، ونعني بذلك تشكُّـل قوّةٍ عربيةٍ فلسطينيةٍ يُحسب لها حسابٌ في البرلمان الإسرائيلي. آثرت القائمة المشتركة أنْ تبقى في صفوف المعارضة، إذ إنّ الأحزاب العربية منذ تأسيس إسرائيل، حتّى تلك التي كانت محسوبةً على حزب العمال الحاكم، بقيت خارج الائتلافات الحكومية، ودعمتها من الخارج. شكـّلت القائمة المشتركة صوتًا عربيًا مؤثِّرا في المشهد السياسي في إسرائيل، إذ نجحت هذه القائمة في اجتياز نسبة الحسم والفوز بـ 15 مقعدًا في انتخابات الكنيست لعام 2020.

ثمّ دبّت خلافاتٌ داخل مرُكبات القائمة المشتركة، حول رئاستها، والتناوب في مقاعدها بين الأحزاب التي تُشكِّلها، حتّى انفصلت في عام 2021 القائمة العربية الموحدة، الحركة الإسلامية الجناح الجنوبي برئاسة منصور عباس، وتوجّهت للانتخابات منفردةً، في حين استمرت القائمة المشتركة بمكوناتها الثلاثة الأخرى: الجبهة الديموقراطية، حزب التجمع الدمقراطي وقائمة التغيير.

تبع ذلك، وللمرّة الأوّل في تاريخ التمثيل السياسي للفلسطينيين في إسرائيل، مشاركة حزبٍ عربيٍ في تشكيل ائتلافٍ حكوميٍ كلّ أحزابه صهيونية العقيدة والنهج، كان هذا الحزب هو القائمة العربية الموحدة، التي أعلن رئيسها، منصور عباس، عن توقيعه على اتّفاقية الائتلاف لتشكيل حكومةٍ برئاسة الثنائي نفتالي بينت ويئير لبيد.

مثّلت هذه الخطوة تحوّلًا في علاقة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل مع الدولة، ونعني بذلك تحقيق خطوةٍ متقدِّمةٍ نحو أسرلة المشهد السياسي، والمشاركة في حكومةٍ إسرائيليةٍ مؤلفةٍ من أحزابٍ صهيونيةٍ. ادّعى عباس أنّه حان الوقت للتأثير من الداخل، وتحصيل الحقوق والامتيازات التي يستحقُّها المجتمع العربي في إسرائيل. تعرّضت هذه الخطوة إلى انتقاد لاذِعٍ وشديدٍ من قطاعاتٍ واسعةٍ من المجتمع العربي في إسرائيل، لإدراكها أنّها غير صحيحةٍ، وليست في الوقت المناسب، خصوصًا مع حكومةٍ مؤلّفةٍ من أحزابٍ صهيونيةٍ وقوميةٍ متطرفةٍ وعنصريةٍ لا تعترف بالشعب الفلسطيني، ولا تسعى إلى السلام والعدالة والانصاف تجاه الفلسطينيين.

حظيت فكرة التمثيل السياسي لفلسطينيي الـ 48 بقائمةٍ مشتركةٍ واحدةٍ بقبولٍ لدى الجماهير الفلسطينية في الداخل

لم تستمر حكومة بينت-لبيد، التي شاركت فيها القائمة العربية الموحدة، إلّا سنةً تقريبًا، إذ استقالت وتوجهت إسرائيل إلى انتخاباتٍ جديدةٍ عام 2022 فاز بها حزب الليكود، بزعامة بنيامين نتنياهو، وشكّـل حكومةً يمينيةً متطرفةً جدًّا، لذا عادت القائمة العربية الموحدة إلى مقاعد المعارضة رافضةً أيّ محاولةٍ لإعادة تشكيل، أو ترميم القائمة المشتركة حسب النسق السابق.

أدّى انهيار القائمة المشتركة إلى وقوع حالةٍ من الانقسام بين الأحزاب السياسية، وانعكس ذلك داخل المجتمع. وبالتالي، تراجع التمثيل السياسي في الكنيست للمواطنين الفلسطينيين، إذ لم يجتز حزب التجمُّع الوطني نسبة الحسم، عِلمًا أنّه كان قاب قوسين أو أدنى من ذلك، وعليه فإنّ المشهد الحالي مؤلَّفٌ من حزبين عربيين، وهما: القائمة العربية الموحدة (خمسة مقاعد) والجبهة والعربية للتغيير (خمسة مقاعد). ولا بدّ لنا من الإشارة هنا إلى أنّ حالة الانقسام في الداخل الفلسطيني ليست بعيدةً عن حالة الانقسام بين الفصائل الفلسطينية بين الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وهذا موضوعٌ نتركه للمستقبل، للغوص في موجاتٍ تحليليةٍ ذات أهمّيةٍ لفهم طبيعة ديناميكية السياسة الفلسطينية في مواقع وجود وانتشار الفلسطينيين.

كما لا يجب أن يغيب عن بالنا بالمرّة، أنّه مقابل التمثيل السياسي في الكنيست الإسرائيلي للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، هناك تياراتٌ سياسيةٌ ترفض خوض أيّ انتخاباتٍ برلمانيةٍ، من منطلق رفضها المشاركة في العمل السياسي تحت قبّة برلمان إسرائيل، باعتباره مؤسّسةً صهيونيةً مشارِكةً في هضم حقوق الفلسطينيين وقضمها منذ 1948. وتفضل هذه التيارات التأثير من الخارج، من أبرزها حركة أبناء البلد، وهي إطارٌ سياسيٌ غير مُسَجّلٍ رسميًّا، لكنه فاعلٌ على الأرض في تعزيز الهوية الوطنية الفلسطينية، والتمسُّك بالثوابت الفلسطينية كاملةً.

يبقى السؤال هنا، إلى أيّ مدى يؤثِّر هذا التمثيل السياسي على صُنّاع القرار؟ ويُحقّق انجازاتٍ تعود بالنفع على المجتمع العربي، الذي يواجه منذ 75 عامًا سياساتٍ تمييزيةً وعنصريةً. إنّه سؤالٌ جديرٌ بالنقاش والحوار.

جوني منصور

صحيفة العربي الجديد




المهمة الشاقة: تفعيل المقاومة الشعبية في الضفة الغربية

بالتوازي مع ما تشهده الضفّة الغربية من تغوّلٍ في المشروع الاستيطاني الهادف إلى تحقيق الضم الفعلي لها، وما يتبع ذلك من بلوغ ذروة عملية مصادرة الأراضي والبناء الاستيطاني، وعنف المستوطنين المفضي إلى التهجير وسياسات الخنق الاقتصادي، والتعطيش والتدمير والهدم؛ فإنّ هناك ضرورةٌ لتحركٍ شعبيٍ عاجلٍ، يترافق مع دعواتٍ ومبادراتٍ، لتفعيل ما يسمى “المقاومة الشعبية” في مواجهة المخاطر الوجودية التي تتهدد الشعب الفلسطيني في الضفّة الغربية.

لكن من المهمّ أنّ نعود ونكرر ونذكر بما يقال دائمًا حول أسباب تراجع الفعل الشعبي في الضفّة الغربية، ولا سيّما أنّ هذا الفعل لم يرقَ إلى مستوى الحدث، سواء في ما يتعلق بالضفّة نفسها أو بفصول الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزّة، التي كان تفاعل الضفّة الغربية معها هامشيًا بالمجمل.

بطبيعة الحال، لا يمكن أن يحدث فعلٌ شعبيٌ منظمٌ في ظلّ عملية تدمير المؤسسات الوطنية الشعبية وتفكيكها والهيمنة عليها، وتحوير مساراتها. فلا وجود لاتحاداتٍ شعبيةٍ وطلابيةٍ ونسويةٍ وعماليةٍ، ولا لجان عملٍ تطوعيٍ، أو نقاباتٍ أو نوادٍ أو غيرها من الأوعية المؤطرة للناس. أما المؤسسات الموجودة حاليًا، تحت مسميات مجتمعٍ مدنيٍ واتحاداتٍ ونقاباتٍ ومؤسساتٍ شعبيةٍ وما إلى ذلك، فبعضها مكونةٌ من طواقم بيروقراطيةٍ برجوازيةٍ مرتبطةٍ بتمويلٍ أجنبيٍ، وبعضها مجرد أسماءٍ في الإعلام كالقوى الوطنية والإسلامية، وما هو موجودٌ منها على الأرض ملاحقٌ ومطاردٌ منذ سنواتٍ طويلةٍ من الاحتلال والسلطة الفلسطينية، كالحركات الطلابية. أما النقابات الموجودة حاليًا، فهي تلك التي تمثّل مهن الطبقة الوسطى، الأطباء والمهندسين والمحامين، وليست نقاباتٍ للعمال والفلاحين وغيرهم من الفئات الشعبية.

مهمّة إعادة تفعيل المقاومة الشعبية طويلةٌ وشاقةٌ ومضنيةٌ، لأنّ هذه العملية تتطلّب إعادة بناء/ إيجاد البنية التحتية التنظيمية

وإذا أراد أحدٌ دليلًا على أن هذه المؤسسات مجرد أسماء لا علاقة لها بالشارع، فليسأل أيّ شابٍ أو شابةٍ فلسطينيةٍ إن كانت له/ لها عضويةٌ في أيّ مؤسسةٍ أو اتحادٍ أو نادٍ أو حزبٍ، ولن أبالغ إن قلت إنّ الإجابة ستكون لا كبيرةً. وبطبيعة الحال، وفي ظلّ عدم وجود هذه البنية التحتية المؤسسية، التي تساهم في تثقيف الناس وتعبئتهم وتنظيمهم وتوجيههم، لا يتوقع أن نشهدَ مقاومةً شعبيةً منظمةً في الضفّة الغربية.

من ناحيةٍ أخرى، وفي السنوات الأخيرة، منذ ما بعد الانتفاضة الثانية على أقلّ تقدير، جرت عملية إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني اجتماعية، التي أدت إلى تراجع البعد الجماعي العام في تكوين الشخصية الفلسطينية، وبروز الفردانية، وتفوق المصلحة الخاصّة على المصلحة العامة، وتقوقع الناس حول ذواتهم، وسعيهم إلى تحقيق الخلاص الفردي على حساب الخلاص الجماعي. من أهمّ مظاهر هذا التحول النزعة الاستهلاكية (التفاخرية) المفرطة المستشرية في المجتمع الفلسطيني، إذ أصبح الاقتراض من البنوك، ومؤسسات الإقراض والتقيسط لتمويل سلعٍ استهلاكيةٍ بالدرجة الأساسية مهيمنًا على المجتمع الفلسطيني. وفي هذا الإطار، على سبيل المثال، أصبحت مسألة اقتناء السيارات، الممولة بالقروض، والتنافس على الأنواع الفارهة منها سمةً بارزةً في الشارع. وأكثر من ذلك، أن الناس أصبحوا يستخدمون القروض والتقسيط لتمويل الرحلات السياحية والكماليات.

في السياق ذاته، أصبح مصدر الدخل أو “الراتب” هو المقدس شبه الوحيد لدى الناس، فعندما حاولت حكومة رامي الحمد الله فرض قانون الضمان الاجتماعي، أواخر عام 2018، خرج الناس إلى الشوارع ضدّه، وانخرطت قطاعاتٌ واسعةٌ من الناس في فعاليات الاحتجاج ضدّ القانون. بعيدًا عن تفاصيل القانون، كان محرك الناس الأساسي هو الخوف على المقدس الأخير (مصدر الدخل)، من أن يعبث به أيًّا كان، بعدما جُرّد الناس من قضاياههم الوطنية العامة. وقد حدثت موجات احتجاجٍ وحراكاتٌ مطلبية أخرى في السنوات الأخيرة، كان دافعها الأساسي المطالبة بتحسين الدخل، لكن خلال المرحلة ذاتها حدثت تطوراتٌ مهمةٌ على مستوى القضية الفلسطينية، مثل الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمةً موحدةً لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، ومحاولة تطبيق ما سميَ “صفقة القرن” لإنهاء القضية الفلسطينية. غير أنّ هذه التطورات الخطيرة لم تؤدِّ إلى أيّة تحركاتٍ شعبيةٍ ترقى إلى مستوى الحدث، وسادت حالةٌ من اللامبالاة تجاهها، وكأنّها لا تعني الناس بشيءٍ.

على أيّة حال، كانت هناك دائمًا استثناءاتٌ متكررةٌ، وما زالت تحدث، بعضها يسير نحو تجاوز حالة الاستثناء ليكون القاعدة، مثل ظاهرة معاقل المقاومة في شمال الضفّة الغربية. قبل ذلك شهدت الضفّة الغربية تحركاتٍ شعبيةً، وهباتٍ عفويةً لكنها امتدت مكانيًا وزمانيًا، مثل هبة القدس عام 2015، والهبات المقدسية المتتالية في السنوات الأخيرة، إلى هبة أيار (القدس) عام 2021. وقد دفعت هذه التحركات والهبات الشعبية المتكررة الاحتلال ليحسب حساب ردة فعل الشعب الفلسطيني في أكثر من حدثٍ ومناسبةٍ، خصوصًا في ما يتعلق بالأسرى والمسجد الأقصى.

لكن خطورة الوضع الحالي، الذي تعيشه الضفّة الغربية تحديدًا، على مختلف الأصعدة، الذي يترافق مع تردي الأوضاع الاقتصادية، وانقطاع مصادر الدخل، إذ لا يوجد أحد إلّا وتضرر اقتصاديًا بدرجاتٍ خطيرةٍ؛ لم يؤدِّ إلى تحرك الشارع تحركًا عفويًا أو منظمًا. هنا تبرز عوامل الخوف، والشعور بالعجز والإحباط، وعبيثة الأدوات المتاحة، وضياع البوصلة على اعتبارها عوامل مثبطةٍ للناس، ومانعةٍ لتحركهم تحركًا عفويًا أم منظمًا.

ربّما هنا مدخل الإجابة عن سؤال الآليات. فكلّ ما سبق كان الهدف منه القول إنّ مسألة تفعيل المقاومة الشعبية ليست مسألةً بسيطةً تحتاج إلى بعض الآليات والأدوات والنقاشات في المؤتمرات وما إلى ذلك، وبعدها سنجد الناس في الشوارع. بل على العكس تمامًا، فمهمّة إعادة تفعيل المقاومة الشعبية طويلةٌ وشاقةٌ ومضنيةٌ، لأنّ هذه العملية تتطلّب إعادة بناء/ إيجاد البنية التحتية التنظيمية، بمعناها الواسع، وإعادة بناء مؤسساتٍ وطنيةٍ شعبيةٍ، والأهمّ من ذلك، هدم قيم النيوليبرالية الفردانية، المتمحورة حول الخلاص الفردي في عقول الناس.

لا يمكن أن يحدث فعلٌ شعبيٌ منظمٌ في ظلّ عملية تدمير المؤسسات الوطنية الشعبية وتفكيكها والهيمنة عليها، وتحوير مساراتها

هذه الأمور تحتاج إلى عملٍ مكثفٍ طويل المدى، وإدراك مكامن الخلل وعوامل الهدم المستشرية في المجتمع، وأهمّها السلطة الفلسطينية وبناها الأمنية والإدارية والمالية، التي تحوّلت إلى أهمّ معول هدمٍ، وعائقٍ أمام أيّ إمكانيةٍ لإعادة تنظيم المجتمع، وبناء مؤسساته الشعبية. لا بدّ لهذه المعضلة أن تكون واضحةً لدى من يتساءلون عن لا مبالاة المجتمع الفلسطيني، أو غياب المقاومة الشعبية.  فلا يمكن التعويل على كيان ضبط السكان أمنيًا وإداريًا، ولا بوجوده، في شكله الحالي، لتفعيل المقاومة الشعبية.

لكن وعلى أيّة حالٍ، لا تزال بعض النوافذ مفتوحةً لإمكانية العمل، لكن هذا الأمر يتطلّب استثمارًا جيدًا للظروف، وحالات الغضب الشعبي، أو حالات ردات الفعل الشعبية ردا على اعتداءات الاحتلال في الضفّة الغربية، أو تفاعلًا مع أحداث الإبادة الجماعية في قطاع غزّة، فأحيانًا تمثّل الفوضى فرصةً لإعادة البناء، في ظلّ تشتت جهود الضبط والمراقبة واستنزافها.

لكن من المهمّ أن تكون الأهداف واضحةً، فمثلًا مفهوم المقاومة الشعبية نفسه غير متفقٍ عليه فلسطينيًا. وإذا ملنا إلى المعاني الدارجة له وأدواتها، كالتظاهرات والمواجهات والحجارة واللجان الشعبية، فهنا يجب أن تكون الحقيقة واضحةً. فهناك جزءٌ، إن لم يكن غالبية الناس، غير مؤمنٍ بجدوى هذه الأدوات في المرحلة الحالية، لأن مستوى التحدي والجرائم الصهيونية قد بلغ عنان السماء.

من ناحيةٍ أخرى، حتّى الراغبون بممارسة هذه الآليات خائفون من عواقبها، إذ إنّ الاحتلال يشن حملات اعتقالٍ شرسةٍ، ويمارس على المعتقلين أقسى أنواع التعذيب والحرمان. إضافةً إلى مجمل اعتداءات الاحتلال، التي تساهم في إحجام الناس عن التفاعل مع الوضع العام سواء على الأرض، أو حتّى على وسائل التواصل الاجتماعي.

يمكن معالجة هذه الإشكاليات بوسائل مختلفةٍ، منها خلق عملية تثقيفٍ بين الأجيال، والعمل على نقل التجارب النضالية من الأجيال السابقة إلى الجيل الحالي، فالنضال الفلسطيني الممتد غزيرٌ بالتجارب والخبرات والتقييمات لمراحل الفشل أو الأخطاء التي رافقت تجارب نضالية معينةٍ. من هنا من المهمّ توعية الجيل الحالي بتجارب الانتفاضة الأولى، على سبيل المثال، كونها الحالة المنشودة عندما نتحدث عن المقاومة الشعبية.

في هذا الإطار أيضًا، من المهمّ توضيح أهمّية المقاومة الشعبية وجدواها للناس، وشرح أشكالها وأدواتها، وفاعليتها في التخفيف عن قطاع غزّة، والدفاع عن الضفّة الغربية في وجه الاحتلال ومستوطنيه. وإضافةّ إلى ذلك، من المهم أن يوضح للناس كيف يحمون أنفسهم، ويتجنبون عواقب انخراطهم في المقاومة، وكيف يمكن لمشاركتهم بالحدّ الأدنى أن تكون فعالةً وآمنةً في الوقت نفسه.

وعليه، فالمهمّة الملقاة على عاتق المثقفين والنشطاء والفاعلين كبيرةٌ، وهم في حاجةٍ إلى التقاء الناس، والتواصل معهم مباشرةً، وعدم الاكتفاء بالمواد المكتوبة، واللقاءات والمؤتمرات الأكاديمية والنخبوية. هنا يجب أن نسلّم بحقيقة أنّ قلةً من الناس تقرأ المقالات والدراسات والتحليلات، فالقراءة ليست ثقافةً عامةً في مجتمعنا. في حين يبحث كثيرون عن المعرفة، وعن إجاباتٍ عن أسئلةٍ عالقةٍ. وحرّي بمن ينتظر من الناس شيئًا أن يبحث عنهم ويخاطبهم بلغتهم الشعبية البسيطة، والناس يتابعون وسائل التواصل الاجتماعي والتكتوك واليوتيوب، ولديهم جلدٌ لمشاهدة حلقاتٍ طويلةٍ نوعًا ما، وعميقةٍ لكن بأسلوبٍ بسيطٍ، قد تكون هذه الوسائل بديلًا ممكنًا لخلق التواصل المفقود. فواجب المثقفين والنشطاء والنخب إنّ كانوا عاجزين عن الالتحام المباشر بالجماهير أن يذهبوا إليهم حيث يكونون.

صحيفة العربي الجديد