1

لماذا ترتفع صادرات النفط الروسي إلى الصين.. وتنخفض من السعودية؟

شهدت واردات الصين من النفط الروسي زيادة كبيرة في الربع الأول من عام 2024، ما يعكس عمق علاقات الطاقة بين البلدين وسط التطورات الحاصلة في تعاملات التجارة العالمية.

وتكشف البيانات الأخيرة، الصادرة عن الجمارك الصينية، عن أن واردات النفط من روسيا ازدادت بنسبة 12.85% من حيث الحجم، لتصل إلى 28.528 مليون طن.

وأصبح هذا النمو ملحوظًا من حيث الحجم، والتعاملات النقدية، إذ ارتفعت قيمة هذه الواردات إلى 13.858 مليار دولار، بزيادة قدرها 17.9% مقارنة بالمدة نفسها من العام الماضي.

ويُظهر هذا الاتجاه الاعتماد المستمر على الطاقة الروسية على الرغم من العقوبات الغربية التي تهدف إلى الحد من صادرات النفط الروسية.

وشهدت مشتريات الصين من النفط الروسي زيادة كبيرة في مارس/آذار 2024، إذ اشترت بكين 10.8 مليون طن مما يُعرف باسم “الذهب الأسود”.

وتمثّل هذه المشتريات زيادة بنسبة 18.8% في الإنفاق مقارنة بشهر فبراير/شباط الماضي، ما يشير إلى ارتفاع حاد في ديناميكيات الطلب والتسعير.

وفي مارس/آذار الماضي، زادت الصين متوسط وارداتها النفطية اليومية من روسيا إلى 2.55 مليون برميل يوميًا، وهو ما يقل بمقدار 10 آلاف برميل يوميًا فقط عن الكميات القياسية المسجلة في يونيو/حزيران من العام الماضي.

ويتضح ذلك من خلال حسابات وكالة إنترفاكس الإخبارية الروسية، بناءً على بيانات الإدارة العامة للجمارك في جمهورية الصين الشعبية.

في المجمل، زوّدت روسيا الاتحادية الصين خلال الشهر الماضي بـ10.81 مليون طن من النفط، مقارنة بـ9.1 مليون طن في فبراير/شباط الماضي.

وبلغ متوسط الصادرات اليومية من النفط الروسي إلى الصين في مارس/آذار الماضي 349 ألف طن مقارنة بـ314 ألف طن في الشهر السابق، بمعدل 2.55 إلى 7.3 مليون برميل يوميًا مقارنة بـ2.29 مليون برميل يوميًا في فبراير/شباط الماضي، حسبما هو موضح أعلاه.

وهكذا ارتفع متوسط حجم الإمدادات اليومية من الاتحاد الروسي إلى الصين في مارس/آذار الماضي بنسبة 11.4% مقارنة بالشهر السابق.

وكان حجم واردات النفط الصينية من روسيا قريبًا من القيم القياسية المسجلة في يونيو/حزيران من العام الماضي، عندما استوردت بكين 2.56 مليون برميل يوميًا من روسيا.

انخفاض الواردات من السعودية

على النقيض من أداء روسيا، شهدت المملكة العربية السعودية، وهي ثاني أكبر مصدر للنفط إلى الصين، انخفاضًا في أحجام إمداداتها خلال الشهر الماضي.

وانخفضت صادرات النفط السعودية إلى الصين من 1.76 مليون برميل يوميًا في فبراير/الماضي إلى 1.48 مليون برميل يوميًا في مارس/آذار الماضي، وبلغ إجمالي حجم النفط المورد من المملكة إلى الصين ما يقارب 6.3 مليون طن.

أما من حيث اتجاهات واردات النفط الأوسع، فقد كان إجمالي واردات الصين من النفط في مارس/آذار الماضي كبيرة، إذ وصل إلى 49.05 مليون طن أو 11.55 مليون برميل يوميًا، مقارنة بـ44.14 مليون طن أو 11.11 مليون برميل يوميًا في فبراير/شباط الماضي.

وفي الربع الأول من هذا العام، بلغ إجمالي واردات الصين من النفط 137.36 مليون طن بقيمة 80.84 مليار دولار أميركي، واستحوذت روسيا على 28.52 مليون طن أو ما يزيد قليلًا على 20% من الإجمالي.

وبلغت إيرادات موسكو من هذه الإمدادات 16.34 مليار دولار في المدة من يناير/كانون الثاني إلى مارس/آذار الماضيين.

صهاريج تخزين النفط الروسي
صهاريج تخزين النفط في بلدة توابسي بروسيا – الصورة من بلومبرغ

التداعيات الإستراتيجية والاقتصادية

توضح هذه الأرقام الدور الحاسم الذي تواصل روسيا أداءه في إستراتيجية الطاقة الصينية، وتسلط الضوء على العوامل المتغيرة في أسواق النفط العالمية، لا سيما في سياق التوترات الجيوسياسية والتحالفات التجارية المتطورة.

ويُظهر الحجم الكبير لواردات النفط من روسيا التحرك الإستراتيجي للصين لتأمين مصادر طاقة موثوقة، على الرغم من أن انخفاض الواردات من المملكة العربية السعودية يمكن أن يشير إلى تحول في الأفضليات أو إستراتيجيات التنويع في سياسات شراء الطاقة في بكين.

وتُعد هذه الزيادة جزءًا من اتجاه أوسع لوحظ خلال العام الماضي 2023، إذ عززت شركات النفط الروسية صادراتها إلى الصين بصورة كبيرة، وباعت ما مجموعه 107 ملايين طن، وهو ما يمثّل زيادة بنسبة 24% عن العام السابق 2022.

وتؤكد الأرقام المتزايدة عمق علاقة الطاقة بين روسيا والصين، على الرغم من استمرار العقوبات الغربية، التي تهدف إلى الحد من قدرات تصدير النفط الروسي.

وفي سوق النفط الصينية الأوسع، تظل المملكة العربية السعودية مصدرًا رئيسًا، لكنها ما تزال تتخلف عن روسيا.

وزوّدت المملكة الصين بـ19.8 مليون طن من النفط بقيمة 12.1 مليار دولار، ما ضمن مكانتها بصفتها ثاني أكبر مصدر للنفط، وحافظ العراق على المركز الثالث، إذ قدم 15.6 مليون طن بقيمة 9 مليارات دولار.

هيمنة النفط الروسي على أسواق الصين والهند

في السنة المالية الأخيرة، التي انتهت في 31 مارس/آذار الماضي، عززت روسيا مكانتها بصفتها أكبر مصدر للنفط إلى الهند، إذ قدمت 1.64 مليون برميل يوميًا.

ويمثّل هذا 35% من إجمالي واردات الهند من النفط، وهي زيادة كبيرة من 22% في العام السابق، ما يعكس نموًا بنسبة 57% على أساس سنوي من حيث الحجم.

ويؤكد هذا الاتجاه إعادة التوجيه الإستراتيجي لصادرات روسيا النفطية نحو الأسواق الآسيوية، خصوصًا الهند والصين، في أعقاب انخفاض القدرة على الوصول إلى الأسواق الأوروبية بسبب التحولات الجيوسياسية.

صهاريج النفط الروسي في الصين
صهاريج النفط في شركة داليان للبتروكيماويات بمقاطعة لياونينغ في الصين – الصورة من رويترز

سياسات السوق وتأثير التسعير

ما يزال النفط الروسي يتمتع بأسعار تنافسية، وهو ما يشكل عاملًا مهمًا في هيمنته على هذه الأسواق.

وفي الربع الأول من عام 2024، حافظت روسيا على تفوقها في الصين على المصدرين الرئيسين الآخرين مثل المملكة العربية السعودية والعراق، ونفّذت ذلك بأسعار أقل نسبيًا.

وبلغ متوسط سعر النفط الروسي 66.5 دولارًا للبرميل، وهو أقل -بصورة ملحوظة- من الأسعار المدفوعة للنفط الوارد من المملكة العربية السعودية (83.7 دولارًا للبرميل) والعراق (79 دولارًا للبرميل).

وتتوافق هذه الأرقام مع اتجاهات السوق الأوسع، إذ بلغ متوسط سعر خام الأورال الروسي 69 دولارًا للبرميل، في حين بلغ سعر خام برنت، وهو معيار عالمي، 81 دولارًا للبرميل.

التداعيات والمخاوف الإستراتيجية

على الرغم من أن قدرة روسيا على تحويل صادراتها النفطية من أوروبا إلى آسيا تستحق الثناء من الناحية الإستراتيجية، فإن هناك مخاوف متزايدة بشأن اعتماد الهند والصين الشديد على النفط الروسي.

وتستوعب هاتان الدولتان، حاليًا، نحو 90% من إجمالي صادرات روسيا النفطية، التي تتراوح بين 4 و4.5 مليون برميل يوميًا.

ويسلط هذا التركيز الكبير في عدد قليل من الأسواق الضوء على المخاطر المحتملة المتعلقة بالاعتماد الإستراتيجي وضعف السوق.

ناقلة نفط في محطة بمقاطعة تشنغ في الصين
ناقلة نفط في محطة بمقاطعة تشنغ في الصين – الصورة من وكالة رويترز

التوقعات المستقبلية والاعتبارات الاقتصادية

كانت التخفيضات الكبيرة المعروضة على النفط الروسي عاملًا مهمًا في الاستحواذ على حصص كبيرة من الأسواق الهندية والصينية.

في المقابل، ولكي تتمكن روسيا من التخفيف من مخاطر الاعتماد المفرط على هذه الأسواق، فإن تنويع وجهات صادراتها سيكون ضروريًا.

ومن المرجح أن يستغرق مثل هذا التحول الإستراتيجي وقتًا، وقد يتوقف على تعديلات في سياسات أسعار النفط العالمية، لا سيما تضييق فجوة الأسعار بين خام الأورال ونظيره برنت.

ومع استمرار تطور مشهد الطاقة العالمي، فإن الدور الذي تؤديه روسيا بصفتها موردًا رئيسًا للنفط إلى الصين والهند يُظهر قدرتها الإستراتيجية على التكيف، ويُبرز الحاجة إلى إستراتيجيات سوق أوسع نطاقًا لضمان المرونة الاقتصادية المستدامة في مواجهة الضغوط الجيوسياسية.

فيلينا تشاكاروفا، متخصصة في الشؤون السياسية بالدول المنتجة للطاقة.

المصدر: منصة الطاقة




ألمانيا إزاء الصين… الاقتصاد مفتاح للتعايش السياسي

«تفاهم» برلين مع بكين مهدّد بتغيير القيادة في واشنطن

بعد أسابيع من تصويت الكونغرس الأميركي على حظر تطبيق «تيك توك» الإلكتروني الصيني، قرّر المستشار الألماني أولاف شولتس أن يفتح حساباً رسمياً في التطبيق. وكانت الصدفة أن حساب شولتس الذي كانت بداياته بـ«فيديو» لحقيبته التي ترافقه حيثما سافر، انطلق قبل أيام من زيارة للمستشار إلى الصين. ثم إنه على الرغم من أن الناطق باسم شولتس أكد أن الحدثين غير مرتبطين، بل جاءا بمحض «المصادفة»، فإنهما بلا شك يشيران إلى مقاربتين متناقضتين لعلاقات كل من الإدارة الأميركية والحكومة الألمانية مع بكين. تأتي زيارة شولتس الصينية، وهي الثانية له منذ تسلّمه منصبه عام 2021، لتوضح أن التبادل التجاري هو في طليعة اهتمامات برلين في علاقتها مع بكين، فالمستشار الألماني ترأس وفد شخصيات أعمال كبيراً ورافقه 3 وزراء للتكنولوجيا والبيئة، كما خصّص اليومين الأوّلين من الزيارة التي امتدت 3 أيام للقاءات تتعلّق بالأعمال. وكان لافتاً أن البحث لم يتطرّق إلى السياسة إلا في اليوم الثالث، حين التقى شولتس بالرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الحكومة لي كيانغ. من جهة ثانية، بدت هذه الزيارة شبيهة بالزيارات التي كانت تُجريها المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، مركّزة فيها على التجارة والأعمال، مع أن تبنّي حكومة شولتس الائتلافية استراتيجية جديدة تجاه الصين العام الماضي يتمحوَر حول «تخفيف المخاطر» من مغبة الإفراط في اعتماد الصناعة الألمانية على الصين. وما يُذكر أن هذه السياسة تبلوَرت بعد الحرب في أوكرانيا، و«الأخطاء» التي قالت ألمانيا إنها تعلمتها من تلك الحرب بسبب اعتمادها السابق على الغاز الروسي الذي أوقفت موسكو إمداداته بعد الحرب رداً على العقوبات الأوروبية. وفي المقابل، لم تعكس زيارة شولتس لبكين، على الإطلاق، الاستراتيجية الألمانية الجديدة تجاه الصين، ولا الاستراتيجية الأوروبية التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي العام الماضي… التي تعكس أيضاً المخاوف من زيادة اعتماد السوق الأوروبية على البضائع الصينية.

شولتز في مدينة تشونغكينغ، إحدى المحطات الاقتصادية المهمة في زيارته (رويترز)

احتاج اعتماد الحكومة الألمانية استراتيجية جديدة تجاه الصين، العام الماضي، إلى فترة طالت عدة أشهر، وشهدت اندلاع خلافات داخل أحزاب الائتلاف الحاكم – الذي يقوده اشتراكيو الحزب «الديمقراطي الاجتماعي»، ويضم كلاً من ليبراليي الحزب ««الديمقراطي الحر»، وبيئيي حزب «الخضر». وفي حين كانت وزارة الخارجية التي يديرها حزب «الخضر»، تشدّ باتجاه تبنّي سياسة متشددة تجاه بكين، كانت المستشارية (أي رئاسة الحكومة) التي يديرها الاشتراكيون تدفع في الاتجاه المعاكس. ولقد ظهر هذا الخلاف في المسوّدة الأولى التي خطتها وزارة الخارجية للاستراتيجية الجديدة مع الصين، والتي تضمنت تعابير مثل «فصل» الاقتصاد الصيني عن نظيره الألماني. بيد أن مكتب المستشار أولاف شولتس رفض استخدام تعبير «فصل»، وطلب الاستعاضة عنه بـ«تنويع»… ومن ثم «تخفيف» الاعتماد على السوق الصينية في كثير من المنتجات، خاصة المتعلقة بالتكنولوجيا والبيئة.

استراتيجية «صديقة» للصين

في الحقيقة، منذ اعتماد الاستراتيجية الجديدة، حرض شولتس على تكرار القول إن ألمانيا لا تسعى إلى «فصل» الاقتصاد الصيني عن الاقتصاد الألماني، وهذا الكلام أعاد تكراره غير مرة خلال محطات زيارته الأخيرة للصين. وللعلم، لم تواجه الخارجية، آنذاك، اعتراضاً من المستشار فقط، بل من أصحاب الأعمال كذلك. بل، عندما حاولت وزيرة الداخلية (الاشتراكية) نانسي فيزر، العام الماضي، إجبار شركات الاتصالات على التخلّي عن بعض القطع الصينية في تحديث شبكات الاتصالات، فإنها وُوجهت بموجه عارمة من الاعتراضات، ليس فقط من شركات الهواتف التي طالبت بتعويضات من الحكومة، بل أيضاً من داخل الحكومة – وتحديداً من وزير التحديث الرقمي فولكر فيسينغ المنتمي إلى الحزب الديمقراطي الحر – والذي رافق شولتس في رحلته إلى الصين. وأرسلت كبرى شركات الاتصالات في ألمانيا مثل «تيليكوم» و«فودافون» و«تيليفونيكا»، رسالة إلى وزيرة الداخلية وصفت فيها مطالبها بأنها «أشبه بمصادرة جزئية»، وبأنها ستكلّف الشركات المليارات، وتعيد إلى الوراء تحديث الشبكات بسنوات.

هذه الشركات الثلاث كانت قد اختارت منذ سنوات، في ظل حكومة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل المحافظة، شركة «هواوي» الصينية لتحديث شبكة الإنترنت وبناء شبكة الـ«5 جي». وهنا تجدر الإشارة إلى أن ألمانيا كانت قد رفضت «النصائح» والضغوط الأميركية التي مارسها الرئيس السابق دونالد ترمب على ألمانيا ودول أوروبية أخرى لكي ترفض السماح لشركة «هواوي» بالعمل فيها. والمعلوم أن ذريعة ترمب في حينه قامت على الزعم بأن «هواوي» مرتبطة بالنظام الحاكم في الصين، وبالتالي، ستكون قادرة على مراقبة الاتصالات من خلال شبكاتها. وها هي ألمانيا، حتى اليوم، مستمرة بانتهاج السياسة نفسها رغم استراتيجيتها الجديدة مع الصين.

من جانب آخر، تُعدّ الصين الشريك التجاري الأكبر لألمانيا، تليها الولايات المتحدة. وخلال العام الماضي 2023، بلغ حجم التجارة بين البلدين أكثر من 253 مليار يورو، لتكون الشريك الأول للعام الثامن على التوالي. ولم يختلف حجم التبادل التجاري مع الولايات المتحدة في العام نفسه كثيراً؛ إذ بلغ أكثر من 252 مليار يورو، ولكن بفارق كبير في العجز والفائض التجاريَّين. ذلك أنه مع الصين يربو العجز التجاري الألماني على 58 مليار يورو، في حين حققت ألمانيا فائضاً تجارياً مع الولايات المتحدة زاد على الـ63 مليار يورو.

نقاط خلافية مع واشنطن…وبعض الأوروبيين

شكّل التبادل التجاري الألماني مع الصين والولايات المتحدة واحدة من النقاط الخلافية الكثيرة بين برلين وواشنطن إبان عهد ترمب، ساهمت بتوتر العلاقات بين الجانبين، وهي مخاوف ستعود إلى الظهور، من دون شك، إذا ما عاد ترمب إلى البيت الأبيض. ولكن السوق الصينية تُعد سوقاً أساسية بالنسبة لألمانيا، خاصة بالنسبة لقطاع صناعة السيارات الألمانية؛ إذ تبيع شركات «مرسيدس بنز» و«بي إم دبليو» و«فولكسفاغن» من السيارات في الصين أعداداً أكبر مما تبيعه في قارة أوروبا مجتمعة. وعلى الرغم من شكوى ألمانيا من أن الصين لا تعامل شركاءها التجاريين وشركاتهم الصانعة كما تعامل ألمانيا الشركات الصينية، فهي تتخوف من دعم سياسة تجارية متشدّدة تجاه الصين تخوفاً من خسارة سوق أساسية بالنسبة إليها.

وبالتوازي، فإن هذا التردّد الألماني في التشدد مع الصين فجّر خلافات أيضاً بينها وبين شركائها الأوروبيين، وتحديداً فرنسا، التي تدفع باتجاه خطوات «حمائية» إضافية على صعيد الاتحاد الأوروبي. وحقاً، فإن فرنسا ولاعبين أوروبيين آخرين يأملون بالتوافق على إجراءات تحمي أسواقها وتحول دون «إغراقها» بالسلع الصينية الرخيصة، ما يهدد الشركات الأوروبية، ويلغي المنافسة، ويزيد من الاعتماد على الصين. وخلال اجتماع عقد بالقرب من العاصمة الفرنسية باريس مطلع أبريل (نيسان) الجاري لوزراء اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي، قال وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير إن أوروبا «تتلقى كميات ضخمة من السلع الصينية الرخيصة». وأشار إلى أن العجز التجاري بين أوروبا والصين تضاعف ثلاث مرات في السنوات العشر الماضية، وعليه، دعا الوزير الفرنسي إلى مناقشة سياسات أشد صرامة لمواجهة ذلك. غير أن وزير الاقتصاد الألماني روبرت هابيك، الذي كان مشاركاً في الاجتماع، حذّر من «الحمائية» ورفع التعرفات الجمركية… في صدىً لمواقف المستشار شولتس، مع أن هابيك ينتمي إلى حزب «الخضر» الذي يفضل سياسات اقتصادية أكثر تشدداً مع الصين.

سيارة بي واي دي صينية… في طريقها لغزو أسواق أوروبا (رويترز)

والاتحاد الأوروبي أيضاً… ميّال إلى التشدّد

وأبعد من ألمانيا، يدفع الاتحاد الأوروبي برئيسة مفوضيته أورسولا فون دير لاين إلى مقاربة متشدّدة مع الصين، ولقد تبين هذا في الاستراتيجية الأوروبية التي أعلنت عنها بروكسل العام الماضي، والتحقيقات التي تفتحها في شركات صينية يشتبه بأنها لا تلتزم بقواعد المنافسة.

وللعلم، تستند بروكسل إلى آليات داخلية لمراقبة الشركات التي تستخدمها الصين غطاءً لإغراق السوق ببضائع رخيصة. وفي العام الماضي، فتح الاتحاد الأوروبي تحقيقاً في وضع قطاع الآليات الكهربائية الصينية لتحديد ما إذا كانت الصين استخدمت شركات مدعومة بشكل غير شرعي بهدف إلغاء المنافسة. وبناءً على نتائج التحقيق، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يفرض رسوماً إضافية على استيراد السيارات الصينية الكهربائية. وكان الاتحاد قد فتح كذلك تحقيقات خلال العام الماضي في عدد من الحالات التي تستهدف شركات لتوربينات الرياح والألواح الشمسية في عدد من الدول الأوروبية مثل اليونان وإسبانيا وفرنسا ورومانيا وبلغاريا، اشتبه بأنها غطاء لشركات صينية. ولكن بروكسل، التي تريد تشديد الخطط الحمائية، تصطدم بمعارضة برلين التي ترفض اتخاذ خطوات عقابية أو فرض رسوم إضافية على البضائع الصينية للإبقاء على المنافسة ورفع أسعارها البخسة، كما تفعل واشنطن بشكل مستمر.

وفي الأسبوع الماضي فقط، أعلنت واشنطن رفع الرسوم على الصلب والألمنيوم الصيني بنسبة 25 في المائة، كما فتحت تحقيقاً فيما ادعت أنه «ممارسات الصين غير النزيهة» في قطاع بناء السفن. إلا أن المستشار الألماني لا يدعم خطوات مماثلة في الاتحاد الأوروبي؛ لأنه يخشى أن تؤدي إلى «حرب تجارية»، ويرى أنه من الأفضل السماح للشركات تحمل مسؤولية تنويع الصادرات بشكل فردي. وبالفعل، نقلت مجلة «دير شبيغل» عن مصادر مقربة من شولتس، أن خطوة «تخفيض الاعتماد» على الصين هي مسألة «سنوات وليست شهوراً». وأردفت المجلة، نقلاً عن المصادر، أن وضع ألمانيا مختلف عن وضعي فرنسا والولايات المتحدة؛ كونها دولة مصدّرة وتبيع كميات ضخمة من السيارات في السوق الصينية.

وفي سياق متصل، إلى جانب التكنولوجيا المتعلقة بالاتصالات، تغرق الصين أسواق أوروبا حالياً بالتكنولوجيا البيئية مثل مضخات التدفئة وتوربينات الرياح وغيرها من المعدات التي تحتاج إليها أوروبا في خططها الانتقالية البيئية لوقف اعتمادها على الغاز والنفط، توصلاً إلى الاعتماد فقط على الطاقة النظيفة. وهنا نذكر، على سبيل المثال، أن أوروبا تستورد مثلاً قرابة 29 في المائة من توربينات الرياح و68 في المائة من مضخات التدفئة من الصين.

الصادرات الأوروبية إلى الصين لم تتغير منذ عام 2019 في حين نمت الواردات الصينية إلى أوروبا

أهمية قطاع السيارات

غير أن قطاع السيارات يظل يشكل التحدّي الأكبر أمام أوروبا في تبادلها التجاري مع الصين، وفق تقرير لـ«معهد الأطلسي» الأميركي للدراسات. ويضيف تقرير المعهد أن الصين لطالما كانت سوقاً أساسية للسيارات التي تنتجها دول الاتحاد الأوروبي، وبخاصة ألمانيا، بيد أنها أضحت أخيراً – كذلك – مصدّراً أساسياً للسيارات إلى أوروبا. ويشير إلى أنه «حتى الآن، ما زال الاتحاد الأوروبي محافظاً على تبادل تجاري إيجابي مع الصين فيما يتعلق بالسيارات، ولكن ارتفاع الواردات الصينية يشير إلى أنه، من دون خطوات حمائية جديدة، قد يصبح الاتحاد الأوروبي مستورداً صافياً».

وضمن هذا الإطار، قارن المعهد بين أرقام الصادرات والواردات بين أوروبا والصين في السنوات الماضية، فذكر أن الصادرات الأوروبية إلى الصين لم تتغير منذ عام 2019، في حين نمت الواردات الصينية إلى أوروبا خلال الفترة نفسها بنسبة تصل إلى 3000 في المائة، وارتفعت قيمة معدل الواردات الصينية شهرياً من 33 مليون دولار عام 2019 إلى أكثر من مليار يورو عام 2023. وبين الواردات الصينية من السيارات الكهربائية منتجات شركة «إم جي» – البريطانية سابقاً والصينية حالياً. وهنا يورد تقرير المعهد أن واردات السيارات الصينية ساهمت بزيادة حجم الواردات بنسبة 75 في المائة.

ويتفق خبراء اقتصاديون في ألمانيا على أنه منذ اعتماد الاستراتيجية الصينية، لم يحدث تغيير كبير في علاقة ألمانيا والصين. ونقلت مجلة «دير شبيغل» عن نادين غوديهارت، المتخصصة بالشؤون الآسيوية في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، قولها إن «الاستراتيجية تجاه الصين لم تؤدِّ بعد إلى شيء ملموس، ولا يوجد هناك أصلاً أي تغيير بنيوي؛ إذ لم يعيّن مفوض للصين ولا هيئة خبراء». غير أن شولتس مصرّ على التمسك بسياسته مع بكين والتي يعتمد فيها على الاقتصاد أولاً، على الرغم من تحذيرات الاستخبارات الألمانية من أن الصين تشكل «تهديداً بعيد المدى لأمن ألمانيا ومصالحها، أكبر من التهديد الذي تشكله روسيا». وكان توماس هالدنفانغ، رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني، قد أعطى إحاطة وافية لـ«البوندستاغ» (مجلس النواب) عام 2022 حول المخاطر التي تشكلها الصين، وقال آنذاك: «إذا كانت روسيا العاصفة، فإن الصين التغير المناخي!».

شعار شركة هواوي (أ ف ب/غيتي)

الضغط على الروس

هنا، لا ينكر المستشار الألماني أن تصرفات الصين التجارية «مقلقة»، وصرّح بأنه تكلم مع المسؤولين الصينيين «بوضوح» حول مسائل تتعلق بالمنافسة المنصفة وحقوق الاختراع وغيرها. لكنه حتى الآن يبدو مكتفياً بالتحاور مع الجانب الصيني من دون التهديد بعواقب أو دعم خطوات تصعيدية ضد بكين داخل الاتحاد الأوروبي. ذلك أنه مقتنع بأن «الشراكة مع الصين تحمل بعداً سياسياً بالغ الأهمية»، خاصة فيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا وتأثير الصين على روسيا.

وحقاً، في ختام زيارته إلى الصين، قال شولتس إن مسألة الحرب في أوكرانيا كانت «نقطة محوَرية» خلال اللقاءات التي أجراها في بكين. وأضاف أنه طلب من القيادة الصينية المشاركة في عملية السلام بشكل أكثر فاعلية؛ لأن «كلماتها تحمل ثقلاً» في موسكو. وتابع المستشار الألماني أنه طلب من الرئيس الصيني المشاركة في مؤتمر يونيو (حزيران) للسلام الذي تستضيفه سويسرا من دون روسيا. وليس واضحاً ما إذا كانت الصين وافقت على ذلك، علما بأنها تعدّ نفسها طرفاً محايداً في الحرب بين روسيا وأوكرانيا، رغم أنها ترفض إدانة موسكو.

إبعاد الأوروبيين عن الصين… هاجس عند واشنطن

> يرى مراقبون سياسيون أن علاقة ألمانيا بالصين قد تصبح إشكالية أكبر بالنسبة إليها قريباً، خصوصاً في حال عودة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، لا سيما أنه كان يلوّح بشن حرب تجارية على الصين عندما كان رئيساً، وكان ينتقد كلاً من ألمانيا والاتحاد الأوروبي بسبب علاقاتهما التجارية مع الصين. ولكن، حتى في ظل إدارة الرئيس الحالي جو بايدن، نرى واشنطن تتشدد في مواجهة بكين سياسياً وتجارياً، إذ تعدّ ممارساتها الاقتصادية والتجارية «عديمة النزاهة». وهنا، لا بد من الإشارة، إلى أنه حتى الاتحاد الأوروبي بات يفتح تحقيقاً تلو الآخر بشركات صينية وإغراق الأسواق الأوروبية ببضائع تلغي المنافسة الأوروبية. وأخيراً، فتح الاتحاد تحقيقاً في تطبيق «تيك توك» بعد إطلاقه منصة جديدة في فرنسا وإسبانيا موجهة للمراهقين والأطفال وتقديمه مكافآت مالية لمشاركة الفيديوهات ومشاهدتها. وفي ضوء ذلك، أعرب الاتحاد عن قلقه من أن يتسبب التطبيق في «إدمان» لدى الأطفال والمراهقين وطلب تفاصيل إضافية من «تيك توك» لتقييم المخاطر.أكثر من هذا، على الرغم من أن الخلافات الأوروبية الداخلية – وحتى الألمانية الداخلية – تمنع بروكسل حتى الآن من اتخاذ خطوات إضافية تواجه بصورة أفضل السياسة التجارية الصينية، يعتقد خبراء بوجود حاجة إلى خطط أوروبية بعيدة المدى حول العلاقات مع الصين. وفي تقرير «معهد الأطلسي» الأميركي حول الموضوع، قال إن «أوروبا لن تكون قادرة على تحقيق وقف اعتمادها على الصين في المدى القصير، ولا بالسرعة أو الأشكال التي تريدها واشنطن، لأن الأمر يتطلب استثمارات ضخمة داخل أوروبا تبني اقتصادات أكثر تنافسية، ستستغرق عدة سنوات، وعلى مدى عدة رئاسات أوروبية». وأضاف تقرير المعهد أن إدارة رئيسة مفوضية الاتحاد أورسولا فون دير لاين «تطور خريطة طريق لضمان نجاح خطة كهذه تطبق بعد انتهاء ولايتها». وتابع: «كي يتحقق ذلك، ستبقى ألمانيا، ومعها كبرى الشركات المستفيدة من التجارة مع الصين بسبب انخفاض أسعار البضائع، عقبة كبيرة في طريق تعديلات إضافية تبعد أوروبا عن إدمانها التجاري» على الصين.

راغدة بهنام

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




نعمت شفيق… أكاديمية واقتصادية وضعتها السياسة في «عين العاصفة»

رئيسة إحدى أعظم جامعات العالم احتفى كثيرون بها ثم انقلبوا ضدها

تصدر اسمها محركات البحث ومواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت مادةً لتقارير إعلامية عربية وأجنبية تسترجع تاريخها وأصولها ومواقفها من القضايا الاجتماعية والسياسية المختلفة. إنها الدكتورة نعمت شفيق – وشهرتها «مينوش» – رئيسة جامعة كولمبيا الأميركية العريقة، التي وضعتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في «عين العاصفة». وذلك بعدما أثار قرار الخبيرة الاقتصادية الأميركية، ذات الأصول المصرية، استدعاء شرطة نيويورك لتفريق احتجاج لدعم فلسطين في حرم الجامعة، صدمة كبرى في البيئة الجامعية الأميركية والشارع العربي على حد سواء. ومن ثم، مع اندلاع التظاهرات والاعتصامات الطلابية في العديد من كبريات الجامعات الأميركية، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي بعاصفة من الهجوم عليها، كادت تمحو سنوات من الاحتفاء بنجاحاتها المهنية كعربية حصدت مناصب مهمة في الغرب.

أثار قرار الدكتورة نعمت شفيق، رئيسة جامعة كولمبيا الأميركية العريقة (أُسست عام 1754 م) تكليف شرطة نيويورك بتفريق التظاهرات والاعتصامات الاحتجاجية ضد حرب غزة، جدلاً واسعاً وترددات هزت الولايات المتحدة.

إذ تعرّضت شفيق لانتقادات شديدة في الأوساط العربية بحجة «رفضها مساندة القضية الفلسطينية، ودعوتها لقمع الاحتجاجات المتعاطفة مع معاناة غزة». وفي المقابل، واجهت من الجماعات الصهيونية اتهامات بـ«تشجيع معاداة السامية»، و«التقصير بتوفير مناخ آمن للطلاب»، وصلت حد مطالبتها بالاستقالة من منصبها. ووسط سيل الانتقادات، أكدت الأكاديمية المصرية الأصل أمام مجلس النواب الأميركي، الأسبوع الماضي، «قدرة الجامعة على مواجهة معاداة السامية وتوفير بيئة جامعية آمنة». وأردفت أن «التحدي الأكبر أمامها هو محاولة التوفيق بين حرية التعبير للمتظاهرين، وبين خلق بيئة خالية من المضايقات والتمييز للطلبة اليهود الآخرين».

البداية والنشأة

ولدت نعمت شفيق في مدينة الإسكندرية المصرية عام 1962، إلا أنها لم تعش طويلاً فيها. إذ ما إن بلغت الرابعة – تحديداً عام 1966 – حتى غادرت مع أسرتها مصر بعد تأميم أملاك والدها. ولقد استقرت العائلة أولاً في مدينة سافاناه بولاية جورجيا (جنوب شرق الولايات المتحدة)، ولم يكن من أفرادها من يجيد الإنجليزية سوى الأب.

لكن سرعان ما اندمجت الأسرة في مجتمعها الجديد، وتعلمت لغته، لا سيما بعدما نفذت والدتها نصيحة أحد الجيران، واستضافت حفلات للأطفال في منزلها لتكوين صداقات. وحسب شفيق غرست تلك التجربة فيها اهتماماً بقضايا الحراك الاجتماعي، شارحة «عاشت أسرتي حراكاً اجتماعياً، سواء إلى أسفل أو إلى أعلى»، وفقاً تقرير نشرته مجلة «التمويل والتنمية» التابعة لصندوق النقد الدولي في سبتمبر (أيلول) 2023. وبالفعل، عاصرت في طفولتها أحداثاً اجتماعية وسياسية عدة، من حرب فيتنام، مروراً بحركة الحقوق المدنية، وفضيحة «ووترغيت». ومن ثم، تنقلت وشقيقاتها بين عدة مدارس في جورجيا ونورث كارولينا وفلوريدا، إما بسبب تغيير أسرتها محل الإقامة، أو إثر محاولات السلطات الأميركية «تحقيق قدر من التوازن» بين أعداد الطلاب السود والبيض في الفصول الدراسية، ما أثر في اهتماماتها وحياتها في ما بعد.

حصلت شفيق على درجة البكالوريوس في الاقتصاد والسياسة من جامعة ماساتشوستس – أمهرست عام 1983، ثم نالت الماجستير في الاقتصاد من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية بالعاصمة البريطانية عام 1986، فالدكتوراه من جامعة أوكسفورد عام 1989. عائلياً، تزوجت شفيق من العالم رافائيل جوفين، عام 2002 في واشنطن، وأنجبت منه توأماً، انضموا لثلاثة أبناء آخرين لجوفين من زواج سابق.

إنجازات مهنية

بدأت نعمت شفيق حياتها المهنية في «البنك الدولي»، وكانت مسؤولة عن القضايا المتعلقة بأوروبا الشرقية في البنك بعد سقوط «جدار برلين» عام 1989. ومع بداية الألفية، شغلت مناصب أكاديمية في كلية وارتون للأعمال بجامعة بنسلفانيا، وفي قسم الاقتصاد بجامعة جورجتاون، قبل تعيينها عام 2008، أميناً عاماً دائماً في وزارة التنمية الدولية ببريطانيا، حيث قادت عملية إصلاح شاملة للمساعدات الخارجية البريطانية. ثم، في سن الـ36 أصبحت شفيق أصغر نائب لرئيس البنك الدولي، كما شغلت منصب نائب مدير صندوق النقد الدولي، وأشرفت على عمل الصندوق في عدة دول أوروبية إبان أزمة الديون في منطقة اليورو في عامي 2009 و2010، وأدارت أيضاً برامج صندوق النقد الدولي في الشرق الأوسط، خلال فترة احتجاجات ما يعرف بـ«الربيع العربي».

وشغلت شفيق كذلك منصب نائب محافظ بنك إنجلترا لمدة 3 سنوات تزامنت مع تصويت بريطانيا عام 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وبعدها، عام 2017، عادت شفيق إلى الأوساط الأكاديمية كرئيسة لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية. وإبان ذروة جائحة «كوفيد – 19»، ألفت كتاب «ما يدين به كل منا للآخر… عقد اجتماعي جديد»، وفيه قالت إن «الناس لن يدعموا نظاماً عالمياً أكثر تعاوناً إلا إذا كان العقد الاجتماعي الوطني عادلاً».

وبعد 6 سنوات مع كلية لندن للاقتصاد، تحديداً في يناير (كانون الثاني) 2023، اختيرت شفيق لرئاسة جامعة كولمبيا بنيويورك، لتغدو أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ الجامعة.

خبرة اقتصادية استثنائية

يرى زملاء شفيق وأصدقاؤها أنها «تجمع بين قوة الشكيمة، وحدة الذكاء والشجاعة والقدرة على التأثير على صناع السياسات». ويعدّونها خبيرة اقتصادية استثنائية تنوّعت حياتها المهنية ما بين صنع السياسات الوطنية، وإدارة المؤسسات المالية الدولية، والبنوك المركزية، إلى جانب العمل الأكاديمي، وإدارة مؤسسات تعليمية. ووصفتها كريستين لاغارد، المديرة السابقة لصندوق النقد الدولي، بأنها «مزيج دقيق من الشرق والغرب؛ فهي مصرية مثلما هي أوروبية بريطانية ومثلما هي أميركية. وهي تدعم الآخرين، وخاصة النساء، عندما يستحقون الدعم، كما أنها لا تصبر على تصرفات الحمقى، ولكنها ستمنح فرصة للجميع».

مُنحت نعمت شفيق لقب «بارونة» وعيّنت في مجلس اللوردات البريطاني، كما كرمتها الملكة إليزابيث الثانية الراحلة في عام 2015. وهي أيضاً زميلة فخرية في الأكاديمية البريطانية، وكلية سانت أنتوني بجامعة أوكسفورد، وزميل أكاديمية العلوم الاجتماعية.

ومن جهة ثانية، منحت شهادات دكتوراه فخرية من جامعات ووريك وريدينغ وغلاسغو في بريطانيا، وأيضاً دكتوراه فخرية من الجامعة الأميركية في بيروت، واختيرت «امرأة العام» في «جوائز القيادة العالمية والتنوع العالمي» عام 2009، وصنفتها مجلة «فوربز» ضمن «أقوى 100 امرأة» عام 2015، وضمن «100 امرأة رائدة في الصناعة المالية الأوروبية» عام 2018، كما كانت ضمن قائمة «100 امرأة أفريقية الأكثر تأثيراً» عام 2021.

احتفاء مصري ودولي

نجاح شفيق المهني أسهم بالاحتفاء بها عربياً ومحلياً في موطنها الأم مصر، ففي عام 2017، ألقت كلمة بالفيديو أمام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، خلال مؤتمر الشمول المالي، وكانت حينذاك رئيسة لكلية لندن للاقتصاد.

وفي مارس (آذار) 2019، استضافتها الجامعة الأمريكية بالقاهرة، حيث ألقت المحاضرة التذكارية السنوية لتكريم الدبلوماسية نادية يونس، بعنوان «القيادة العالمية في عالم متغير»، وخلال تلك المحاضرة عمدت شفيق إلى الاستدلال بتجربتها الشخصية على أهمية التعليم، لافتة إلى أنه «بعد خسائر والدها خلال التأميم في حقبة الستينيات في مصر، بدأت أسرتها من الصفر في أميركا». وأردفت: «كان أبي دوماً يقول لنا إن بإمكانهم أخذ كل شيء منكم إلا تعليمكم. لقد كنا مهاجرين عندما ذهبنا إلى الولايات المتحدة، ولا شك أن عائلتي واجهت التمييز العنصري، لكن سُمح لنا أيضاً بالمضي قدماً والاستفادة من الفرص المتاحة».

وفي عام 2020، احتفت وزارة الهجرة المصرية بشفيق، حين شاركت افتراضياً عبر «زووم»، كمتحدث رئيس في فعاليات مؤتمر «مصر تستطيع بالصناعة»، وأكدت «استعدادها لتقديم خبراتها لخدمة وطنها الأم مصر». وبطبيعة الحال، حظي تعيينها رئيسة لجامعة كولمبيا في يناير 2023، بتقدير واحتفاء عربيين كونها عربية مصرية، ترأس واحدة من أعرق الجامعات في العالم، وأيضاً باعتبارها أول سيدة تتولى هذا المنصب الذي تسلمته في يوليو (تموز) من العام نفسه.

الحرب على غزة

غير أن الحفاوة التي صاحبت تعيين شفيق انقلبت أخيراً إلى سيل من الانتقادات لموقفها غير المتعاطف مع التظاهرات والاعتصامات الطلابية المطالبة بوقف الحرب على غزة. وبلغ الأمر حد المطالبة باستقالتها قبل إكمالها سنتها الأولى في المنصب.

بدأت الأزمة مع استدعاء شفيق شرطة نيويورك لفض تظاهرات لـ«دعم غزة»، داخل الحرم الجامعي، ما أسفر عن اعتقال نحو 100 طالب، في خطوة أثارت جدلاً طوال الأسبوع الماضي بين مؤيد ومعارض، وأجّجت احتجاجات طلابية في العديد من الجامعات الأميركية الكبرى. وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي، بالذات، حملات مكثفة ضد شفيق، متسائلين عن «السبب وراء رفضها مساندة فلسطين رغم أصولها المصرية العربية»، وهذا، مقابل الضغوط الابتزازية التي ينظمها مناصرو إسرائيل بمشاركة أعضاء في الكونغرس تحت ادعاءات «تزايد العداء للسامية والمضايقات التي يتعرض لها اليهود داخل الحرم الجامعي». وفعلاً حث 25 عضواً جمهورياً في مجلس الشيوخ الأميركي، إدارة الرئيس جو بايدن، على «استعادة النظام في الجامعات التي يشعر فيها الطلاب اليهود بتهديد».

في أي حال، لم يثن الهجوم شفيق عن موقفها، إذ هددت الجامعة، الثلاثاء الماضي، باستدعاء سلطات إنفاذ القانون لإزالة خيام الاعتصام من الحرم الجامعي ما لم يفعل الطلاب ذلك بحلول منتصف الليل. وهذا، قبل أن تعلن، الأربعاء، تمديد المهلة 48 ساعة أخرى إثر «اتفاق مع الطلاب على إزالة عدد كبير من الخيام».

شفيق ترى – وفق إفادة رسمية من الجامعة – أن «المخيم يثير مخاوف خطيرة تتعلق بالسلامة، ويعطل الحياة في الحرم الجامعي، ويخلق بيئة متوترة ومعادية في بعض الأحيان… من الضروري أن نمضي قدماً في خطة تفكيكه». ولكن، في مصر، لا تؤيد الدكتورة نائلة حمدي، العميد المشارك للدراسات العليا والبحوث بكلية الشؤون الدولية والسياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، قرار شفيق استدعاء الشرطة إلى الحرم الجامعي.

وفي لقاء لـ«الشرق الأوسط»، علقت حمدي: «كان ينبغي عليها أن تقف إلى جانب الداعمين لفلسطين، والشرطة لم تكن لتدخل الحرم الجامعي دون موافقتها».

أيضاً، في حوار مع «الشرق الأوسط»، قال الدكتور عبد الحكيم القرالة، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الأردن، إن «حرم الجامعة مكان مقدس، وجرى العرف على ألا تتدخل الشرطة فيه… وربما كان على شفيق معالجة الأزمة بنوع من الحكمة بدلاً من استدعاء الشرطة».

جامعات في الواجهة

الواقع أن كولمبيا هي واحدة من جامعات عديدة في الولايات المتحدة شهدت أخيراً موجة من الاحتجاجات الداعمة لفلسطين، وسط ادعاء طلبة وأكاديميين يهود وإسرائيليين وجود «بيئة معادية للسامية جعلتهم يشعرون بعدم الأمان في الحرم الجامعي»، حسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية. وفي هذا الإطار أوقف 133 متظاهراً في جامعة نيويورك، ونُظّمت تظاهرات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي)، وجامعة ميشيغان، وجامعة كاليفورنيا – بيركلي، وجامعة ييل، حيث أوقف 47 شخصاً على الأقل رفضوا الدعوات لإنهاء التجمّع.

حمدي فسّرت تركيز الانتقاد على شفيق وحدها رغم أحداث شبيهة في جامعات أخرى إلى «كونها من أصول مصرية عربية، لذا كانت التوقعات بشأن موقفها مختلفة عما حدث… وينبغي أن يتحلى المرء بالشجاعة حتى لو فقد الوظيفة». أما القرالة فربط قرار شفيق بمراكز القوى داخل النظام السياسي الأميركي واللوبي الداعم لإسرائيل. وكانت الاحتجاجات المرتبطة بالحرب في غزة، أدت لاستقالة إليزابيث ماغيل، رئيسة جامعة بنسلفانيا، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ثم كلودين غاي، نظيرتها في جامعة هارفارد، في يناير. جامعة كولمبيا واحدة من جامعات عديدة في الولايات المتحدة

شهدت أخيراً موجة من الاحتجاجات الداعمة لفلسطين

فتحية الدخاخني

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




تستعد لـ«الحرب الذكية»… الصين تعيد هيكلة الجيش

في تحرك مفاجئ يظهر التزام الصين بتعزيز قدراتها العسكرية، نفّذت بكين أكبر عملية إعادة هيكلة لجيشها منذ عقود، مع التركيز على القوات الاستراتيجية التي تعتمد على التكنولوجيا والمجهّزة للحرب الحديثة، حيث تتنافس بكين مع واشنطن على التفوق العسكري في عالم يعج بالتوترات الجيوسياسية. كما أوردت شبكة «سي إن إن».

وحسب التقرير، في خطوة مفاجئة الأسبوع الماضي، ألغى الرئيس الصيني شي جينبينغ قوة الدعم الاستراتيجي (SSF)، التي كانت مسؤولة عن تكامل القدرات العسكرية في مجالات مثل الفضاء والحرب السيبرانية. بدلاً من ذلك، أسس قوة دعم المعلومات لتكون العمود الفقري لتطوير وتنفيذ استراتيجيات الجيش الصيني.

وقال شي في حفل أُقيم يوم الجمعة الماضي: «إن القوة الجديدة ستلعب دوراً مهماً في مساعدة الجيش الصيني على القتال والفوز في الحرب الحديثة».

وفي مؤتمر صحافي في اليوم نفسه، أشار المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية إلى أن قوات الأمن الخاصة قد تم تقسيمها فعلياً إلى 3 وحدات: قوة دعم المعلومات، وقوة الفضاء الجوي، وقوة الفضاء الإلكتروني، التي ستتواصل مباشرة مع اللجنة العسكرية المركزية.

وفقاً للمتحدث باسم الوزارة وو تشيان، فإنه بموجب الهيكل الجديد، ينقسم جيش التحرير الشعبي الصيني إلى 4 خدمات هي الجيش، والبحرية، والقوات الجوية، وقوة الصواريخ، بالإضافة إلى 4 أذرع هي الوحدات الثلاث التي انبثقت من قوات الأمن الخاصة، وقوة الدعم اللوجيستي المشتركة.

تعكس هذه الخطوة رغبة الصين في التكيف مع التطورات التكنولوجية الحديثة وتعزيز قدراتها العسكرية لتحقيق التفوق في مجال الحروب الحديثة. وتأتي هذه الإعادة التنظيمية بعد حملة تطهير واسعة النطاق في جيش التحرير الشعبي، مما يظهر التزام الصين بإعادة هيكلة جيشها لمواكبة التحديات المتغيرة.

وتعدّ هذه الخطوة أيضاً جزءاً من استراتيجية أوسع للصين للتحضير لما تسميه «الحرب الذكية»، حيث تسعى لتطوير واعتماد التكنولوجيا المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والحوسبة السحابية في قدراتها العسكرية.

وتأتي إعادة الهيكلة في أعقاب حملة التطهير الواسعة التي قام بها شي في جيش التحرير الشعبي العام الماضي، التي أوقعت بجنرالات أقوياء.

وتقوم قوة «دعم المعلومات» بدور محوري في تأمين الاتصالات وحماية الشبكات، مما يجعلها جزءاً أساسياً في استراتيجية الدفاع الصينية في مواجهة التحديات المستقبلية. ومن المتوقع أن يسهم هذا التحول في تعزيز قدرات الجيش الصيني في مجالات مثل الفضاء، والفضاء الإلكتروني، والحرب السيبرانية.

مع هذه الخطوة، يبدو أن الصين تعيد تقييم استراتيجيتها العسكرية، مما يعكس التزامها بالتكنولوجيا الحديثة وتطوير قدراتها العسكرية لمواجهة التحديات المستقبلية بثقة واقتدار.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




تحليل أمريكي: حان الوقت لأن تنهي إسرائيل حرب غزة لا أن تطيل أمدها

يقول المحلل الأمريكي مارك شامبيون إنه بعد مضي أكثر من 200 يوم على حرب إسرائيل ضد “حماس” في غزة، يحتاج رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن يقرر ما هو الأمر الأكثر أهمية: أن ينفذ انتقامه النهائي من “حماس”، ومن كل الفلسطينيين الآخرين في غزة ضمن ذلك، أم إعادة الرهائن أحياء.

وأضاف شامبيون، الذي يغطي شؤون أوروبا وروسيا والشرق الأوسط، في مقال رأي نشرته وكالة بلومبرغ للأنباء، أن إسرائيل أوضحت أن هجوماً كبيراً على رفح، التي تحتمي فيها أربع كتائب تابعة لـ “حماس” وأكثر من مليون من المدنيين، أصبح وشيكا الآن.

في نفس الوقت الذي تستعد فيه القوات الإسرائيلية لهجوم على رفح، تقوم أيضاً بتغيير طابع عملياتها جهة الشمال

وفي محاولة أخيرة لمنع وقوع الهجوم، وجهت الولايات المتحدة و17 دولة أخرى لها مواطنون محتجزون في غزة نداءً مشتركاً، يوم الخميس، إلى “حماس” لإطلاق سراحهم.

وقال شامبيون إنه من الواضح أن هذه دعوة يائسة للحيلولة دون المزيد من توسع نطاق حرب تزعزع الشرق الأوسط، وتعزل إسرائيل، وتعزز معاداة السامية في أنحاء العالم، وتلحق الضرر بفرص إعادة انتخاب الرئيس جو بايدن وتهدد الدعم لإسرائيل في الولايات المتحدة ، أهم حليف لها.

وفي نفس الوقت الذي تستعد فيه القوات الإسرائيلية لهجوم على رفح، تقوم أيضاً بتغيير طابع عملياتها جهة الشمال. فبدلاً من أن تكتفي بالرد على هجمات “حزب الله” من لبنان، قامت يوم الأربعاء، ولأول مرة بشن هجوم استباقي على أهداف متعددة، بهدف إبعاد الميليشيا الشيعية، التي تدعمها إيران، عن الحدود.

ويقول شامبيون إن هناك مقطعي فيديو نشرا مؤخراً أقنعاه بأن نتنياهو في مرحلة حاسمة الآن. المقطع الأول للجندي الأسير الإسرائيلي الأمريكي الجنسية هيرش جولدبرغ– بولين، البالغ من العمر 23 عاماً، والذي فقد ذراعه نتيجة انفجار قنبلة أثناء هجوم “حماس” في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر. وألقى الجندي- وهو يبدو أنه يقرأ من بيان مكتوب- باللوم على نتنياهو لعدم اهتمامه كثيراً بالرهائن. وقال أيضاً إن 70 شخصاً من الرهائن الباقين، وعددهم 133، تم قتلهم بالفعل بنيران القوات الإسرائيلية.

ويرى شامبيون أن ذلك العدد، الذي يبدو تقريباً ضعف العدد الذي أعلنته أجهزة المخابرات الإسرائيلية، من المؤكد أنه من إملاء من يحتجزون الجندي. وهم ربما لا يقولون الحقيقة، أو من الممكن أنهم يعيدون تحديد التوقعات بالنسبة لعدد الرهائن الذين سيعودون أحياء في أي عملية إطلاق سراح رهائن نهائية.

أما مقطع الفيديو الثاني فهو خاص بلقاء تلفزيوني مع جندي إسرائيلي تم تسريحه بثّته القناة الرابعة البريطانية. ولم يتم ذكر اسم الجندي السابق الذي خدم في غزة. ومع ذلك، فإن روايته متشابهة تماماً، لأنها ببساطة تؤكد أدلة، بما في ذلك صور لفلسطينيين، وأيضاً لرهائن إسرائيليين يتم إطلاق النار عليهم وقتلهم بينما يحملون الأعلام البيضاء، على أن الجيش الإسرائيلي جيش محترف يدفعه متطرفون في الحكومة الإسرائيلية، وأنه يتجاهل قواعده الخاصة بالقتال.

في محاولة أخيرة لمنع الهجوم، وجهت الولايات المتحدة و17 دولة أخرى لها مواطنون محتجزون في غزة نداءً إلى “حماس” لإطلاق سراحهم

ويرى شامبيون أن شعور الجندي بأنه سوف يحمل طوال حياته أوزار ما فعله في غزة، وما يتم عمله الآن باسمه، أمر يطارده. كما أنه أيضاً تحذير يتعين على إسرائيل الاهتمام به في ما يتعلق بالثمن الذي ربما سيجب عليها دفعه بسبب الطريقة التي تم بها خوض الحرب.

وإذا ما أبرم نتنياهو اتفاقاً لإنهاء القتال وعودة الرهائن الآن، حتى لو كان اتفاقاً لا يفي بالاستسلام الذي يعتقد أنه يحتاجه، فإنه ما زال يستطيع جعل قادة ومقاتلي “حماس” الباقين يدفعون الثمن مع مرور الوقت على يد من عانوا من جراء هذه الحرب في غزة .

وقد اشتمل بيان الخميس الماضي على حافز لـ “حماس” للمساومة، بما في ذلك “وقف فوري وممتد لإطلاق النار”، وتأكيد بأن إسرائيل ستوافق على حرية الفلسطينيين في العودة إلى شمال غزة كجزء من أي اتفاق لإطلاق سراح الرهائن.

ويرى شامبيون أنه يتعين على نتنياهو انتهاز هذه الفرصة، رغم رد الفعل الذي سيصدر عن المتطرفين في حكومته. وقال إن نتنياهو “يصر على أن تعقب حماس، وهزيمتها هو السبيل الوحيد لتحرير الرهائن، لكن هذا تأكيد أشك في أنه حتى هو يؤمن به، لأنه أمر لم ينجح حتى الآن. ومنذ تبادل للمحتجزين ووقف لإطلاق النار تم في وقت مبكر عن طريق التفاوض وأدى إلى إطلاق سراح 105 من الرهائن، قتلت القوات الإسرائيلية عدداً كبيراً من المحتجزين، كما قتلت الأشخاص الثلاثة الذين قامت بإطلاق سراحهم، وذلك خلال عمليات عسكرية”.

وأضاف شامبيون أنه في حقيقة الأمر قد يكون السبيل الوحيد لنتنياهو لتحقيق مطلبه هو العمل على إطلاق سراح الرهائن في اتفاق الآن. يمكنه حينئذ القول بصورة معقولة إن التهديد بالإبادة الوشيكة هو الذي أرغم “حماس” على التنازل.

المحلل السياسي الأميركي: مارك شامبيون

المصدر: وكالة بلومبرغ




عمدة لندن يعتذر للحاخام الأكبر لليهود في بريطانيا بعد اتهامه باستهدافه لأنه مسلم

قال عمدة لندن المسلم صادق خان إنه اتصل بالحاخام الأكبر لليهود في بريطانيا إفرايم ميرفيس للاعتذار عن “اتهام الأخير باستهدافه لدعوته لوقف لإطلاق النار بسبب أنه مسلم”.

وكان خان قال في تعليقات أدلى بها خلال مقابلة شملت موضوعي الإسلاموفوبيا والحرب الإسرائيلية على غزة، مع المذيع البريطاني الأمريكي مهدي حسن، يوم الأربعاء الماضي، أن “عمدة مدينة مانشستر آندي بورنهام لم يعامل بنفس الطريقة بسبب تصريحات مماثلة دعا فيها وقف إطلاق النار في حرب غزة.

وأشار خان هو مرشح حزب العمال لمنصب عمدة لندن للمرة الثالثة على التوالي، إلى أن “عمدة مانشستر “لم يكن اسمه أحمد البرهاني”، ولذلك فقد تم النظر إلى وجهات نظره بشأن غزة بشكل مختلف”.

في بيان وجهه إلى الحاخام الأكبر السير إفرايم ميرفيس، أمس الجمعة، قال خان إنه اعتذر عن تصريحاته التي “يشعر بالأسف الشديد عليها”

وقال خان خلال المقابلة: “بعد وقت قصير جدًا من دعوتي إلى وقف إطلاق النار، دعا عمدة مانشستر الكبرى إلى وقف إطلاق النار”.

وأضاف “لم أر الحاخام الأكبر، وصحيفة “جويش كرونيكل” اليهودية، يصدران تعليقات ضدي، ليس فقط فيما يتعلق بدعواتي لوقف إطلاق النار في غزة. وأود أن أطلب من هؤلاء اليهود التوقف والتفكير في ردهم على دعوتي إلى وقف إطلاق النار”.

وتساءل “ما الذي دفعهم إلى الخروج بالطريقة التي فعلوها ضد عمدة لندن وعمدة مانشستر الكبرى؟” ليجيب: “سأعطيك فكرة. لأنه ليس اسمه أحمد برهاني. إنه يدعى آندي بورنهام، بينما أنا اسمي صادق خان”.

وفي بيان وجهه إلى الحاخام الأكبر السير إفرايم ميرفيس، أمس الجمعة، قال خان إنه اعتذر عن تصريحاته “التي يشعر بالأسف الشديد عليها”.

وقال خان إنه “آسف على أي أذى سببه هذا الأمر”.

وقالت صحف بريطانية إن متحدثا باسم الحاخام الأكبر قال “إن السير إفرايم يحتفل حاليا بعيد الفصح اليهودي ولذلك فهو غير قادر على الرد”.

وكان عمدة مانشيستر أندي بورنهام دعا لوقف إطلاق النار في بيان صدر في 27 أكتوبر/تشرين الأول. وكتب: “نحن نشعر بقلق عميق إزاء الأحداث في الشرق الأوسط والمعاناة التي يعاني منها الناس في مانشستر الكبرى، وبشكل أكثر حدة، في مجتمعاتنا اليهودية والمسلمة”.

وأضاف “إننا ندين بلا تحفظ الهجمات الإرهابية المروعة التي شنتها حماس على المدنيين الأبرياء في إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر. وندرك أن لإسرائيل الحق في اتخاذ إجراءات محددة الهدف في إطار القانون الدولي للدفاع عن نفسها ضد الهجمات الإرهابية والمنظمات الإرهابية وإنقاذ الرهائن”.

وبعد أكثر من شهر، أي في 30 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وخلال فترة توقف إنساني للأعمال العدائية، التقى الحاخام الأكبر بالسيد بورنهام.

بعد ذلك، نشر السير إفرايم على حسابه على موقع “أكس” قائلًا: “اليوم التقيت بأندي بورنهام، عمدة مانشستر الكبرى، لأشكره على رسالته المستمرة الداعمة للجالية اليهودية في مانشستر ولمناقشة رده على الحرب بين إسرائيل وحماس والطريقة التي أثر بها الصراع على المجتمعات اليهودية هنا في المملكة المتحدة”.

وقبل شهر – قبل الهدنة الإنسانية للأعمال العدائية – التقى الحاخام الأكبر بالسيد خان في قاعة المدينة.

كتب إفريم: بعد ظهر هذا اليوم في سيتي هول (مقر عمدة لندن)، شكرت صادق خان على التزامه المستمر الذي لا لبس فيه بمحاربة معاداة السامية

وفي المقابل كان الحاخام الأكبر التقى في 31 أكتوبر الماضي بعمدة لندن، وكتب إفريم على حسابه على “أكس” قائلاً: “بعد ظهر هذا اليوم في سيتي هول (مقر عمدة لندن)، شكرت صادق خان على التزامه المستمر الذي لا لبس فيه بمحاربة معاداة السامية في جميع أنحاء لندن وشرحت له أيضًا سبب اعتقادي بوقف إطلاق النار الآن. سيكون بمثابة نقطة انطلاق غير مسؤولة لمزيد من وحشية حماس الإرهابية”.

وفي اعتذاره الذي قدمه للحاخام الأكبر أمس الجمعة، قال خان: “لقد كان صديقًا لي، إلى جانب زعماء يهود آخرين، وقد عملنا بجد معًا لتوحيد مدينتنا والاحتفال بتنوعنا”.

وأضاف “في بعض الأحيان يكون من الواضح بالنسبة لي، ولآخرين، أنني كعمدة مسلم للندن، فإنني أخضع لمعايير مختلفة، وهذا يمكن أن يكون محبطا، خاصة خلال حملة انتخابية مثيرة للانقسام. لكن لم يكن من العدل بالنسبة لي أن أعبر عن هذا الإحباط للحاخام الأكبر. أنا آسف لأي أذى سببه هذا الأمر وسأواصل العمل مع الزعماء اليهود لبناء لندن أكثر أمانًا للجميع”.

وردا على اعتذار خان، وصف رئيس حزب المحافظين، ريتشارد هولدن، تعليقاته بأنها سياسة “صافرة كلب قذرة ضد الحاخام الأكبر”.
وحاولت مرشحة حزب المحافظين لمنصب عمدة لندن سوزان هول الظهور بمظهر الجامع بالقول إنه “من المهم أن نواصل جمع المجتمعات في مدينتنا العظيمة معًا”، رغم أنها متهمة بتصريحات إسلاموفوبية واستغلالها لمهاجمة صادق خان.

وتعرض صادق خان لتهجمات إسلاموفوبية من قيادات في حزب المحافظين.

وكان حزب المحافظين اضطر في فبراير الماضي، إلى تعليق عضوية نائب رئيس الحزب السابق، والنائب البرلماني عنه لي آندرسون، بعد قوله إن رئيس بلدية لندن صادق خان خاضع لسيطرة متشددين إسلاميين.

وقال آندرسون لقناة “جي.بي نيوز” التلفزيونية اليمينية: “لا أعتقد في الواقع أن هؤلاء الإسلاميين المتشددين يسيطرون على بلادنا. لكن ما أعتقده هو أنهم يسيطرون على خان، ويسيطرون على لندن. لقد قدّم عاصمتنا إلى رفاقه في واقع الأمر”.

وكان خان أكد في رده أنه يعتبر تعليقات آندرسون عنصرية ومعادية للإسلام، وأنها “تصبّ الزيت على نار الكراهية للإسلام”.

وقد انشق لي آندرسون عن حزب المحافظين بعدها والتحق بحزب “ريفورم” اليميني المتطرف، وواصل تهجمه على خان وإطلاق تصريحات معادية للإسلام والمسلمين.

وكانت صحيفة “الغارديان” قالت قبل أيام إنه مع اقتراب انتخابات عمدة لندن، المقررة الخميس المقبل 2 مايو/ أيار، فإن الجماعات الموالية لإسرائيل تحاول توريط صادق خان في التظاهرات المؤيدة لفلسطين.

المصدر: صحيفة القدس العربي




أسرى إسرائيليومن تداعيات القصف على حياتهمصحيفة فرنسية: هكذا وجدت باريس نفسها في دوامة الصراع في الشرق الأوسطأسرى إسرائيليومن تداعيات القصف على حياتهم

تحت عنوان: “فرنسا تنزلق للصراع في الشرق الأوسط”، اعتبرت صحيفة “لوموند” الفرنسية أن فرنسا انزلقت خلال الأسبوعين الأخيرين نحو الاضطرابات التي تخشاها، إذ غزا الصراع الإسرائيلي -الفلسطيني المجال السياسي والاجتماعي والإعلامي برمته في فرنسا: إدانات واستدعاءات لناشطين سياسيين ونقابيين بتهمة “تمجيد الإرهاب” في خضم الحملة الانتخابية للانتخابات الأوروبية؛ وحظر المؤتمرات في الجامعات وحتى الاجتماعات السياسية؛ واحتلال معهد العلوم السياسية في باريس؛ وانصهار وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي.

واعتبرت “لوموند” أن استدعاء الشرطة يوم الثلاثاء الماضي لماتيلد بانون رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب “فرنسا الأبية” اليساري، في إطار تحقيق في تهمة “تمجيد الإرهاب”، جاء تتويجا لأسبوعين فرض خلالهما الصراع في الشرق الأوسط نفسه على المجتمع الفرنسي، مما أدى إلى تأجيج الانقسامات الكامنة العميقة، وتم بالتالي استيراد التوترات المرتبطة بالنزاع، والتي كانت السلطات العامة تخشى منها على نطاق واسع وتدينها مسبقًا في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر الماضي.

يوم الجمعة 13 أبريل/نيسان، قدمت ثلاث منظمات – بما في ذلك جمعية فلسطينيي فرنسا – ممثلة بستة محامين، شكوى تستهدف جنديًا فرنسيًا إسرائيليًا بتهمة “التعذيب والتواطؤ في التعذيب وجرائم الحرب” في غزة. وتستند الشكوى إلى مقطع فيديو تم بثه على شبكة “تليغرام”، يظهر أسيراً فلسطينياً معصوب العينين وعاري الصدر وقميصه ممزق بشكل واضح. ويعلق الجندي على المشهد بسخرية ويهنئ نفسه باللغة الفرنسية على التعذيب الذي تعرض له. وبحسب المعلومات التي جمعتها صحيفة لوموند، يمكن تقديم حوالي خمسين شكوى ضد مزدوجي الجنسية الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي.

“التعليقات المفرطة” لجان ميلينشون

 ومنذ الأسبوع التالي – تتابع “لوموند”- ترددت أصداء الصراع في جامعة ليل الفرنسية، مع عزم زعيم حزب “فرنسا الأبية” جان ليك ميلانشون عقد لقاء هناك حول “الأحداث الجارية في فلسطين”. فقد استنكر في 18 نيسان/أبريل، إلى جانب الحقوقية الفرنسية الفلسطينية ريما حسن، المرشحة عن حزبه في الانتخابات الأوروبية المقبلة. وأمام هذا الجدل، ألغت إدارة الجامعة المؤتمر، معتبرة أن الشروط لم تعد متوافرة “لضمان هدوء المناقشات”.

الخوف على رؤساء الجامعات

لكن الخوف أقوى في الجامعات ولدى رؤسائها، الذين يصيبهم الصراع بالشلل أكثر لأنهم يخشون من ظاهرة العدوى، بعد “تخييم” الطلاب في معهد العلوم السياسية في باريس المرموقة هذا الأسبوع، تقول ”لوموند”. وقد صدمت عملية الإخلاء الأولى التي قامت بها الشرطة بناءً على طلب إدارة المعهد، ليلة الأربعاء إلى الخميس، الطلاب والأساتذة على حدٍ سواء. واستؤنف “التخييم” في اليوم التالي، قبل عملية إجلاء جديدة سلمية، مساء ليلة الجمعة، تشير “لوموند”.

وقد منعت جامعة “باريس-دوفين” مناظرة أرادت مجموعة طلاب فلسطين في الجامعة تنظيمها في الأيام المقبلة مع ريما حسن. والسبب المقدم هو “خطر الإخلال بالنظام العام في سياق دولي متوتر”، على حد تعبير رئيسها. ويرفض الأخير القول ما إذا كان ذلك توصية من مديرية الشرطة، ويؤكد أن القرار اتخذته اللجنة التنفيذية.

النقابيون أمام المحكمة

وتابعت “لوموند” التوضيح أنه في اليوم نفسه الذي انعقد فيه المؤتمر المحظور في جامعة ليل، حكمت المحكمة على الأمين العام لنقابة CGT هناك بالسجن لمدة اثني عشر شهرًا مع وقف التنفيذ بتهمة “تمجيد الإرهاب”. وتضع الحرب في غزة ضغوطا على النقابات الفرنسية الملتزمة منذ فترة طويلة بدعم القضية الفلسطينية. بالإضافة إلى الاستدعاءات والإدانات أمام المحاكم، هناك حظر على المظاهرات، لا سيما في خريف عام 2023، تضامنا مع سكان غزة.

ورأت نقابية أن “ما يحدث هو جزء من مناخ عالمي تهاجم فيه أجهزة الدولة الحريات العامة وتسعى إلى تجريم أي عمل لدعم فلسطين”. ويقول نقابي آخر إن السلطات العامة الفرنسية “تُساهم في الحفاظ على التهديد، الذي يؤثر بعد ذلك على قدرات النقابات على التعبئة، ولكن أيضًا على التعبير مواقفها”. وكان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أيضًا مصدرًا لمناقشات ساخنة أحيانًا داخل نقابات الموظفين.

تؤكد السيدة واكنين-ملكي أنها “لم تلتق قط” بالسيد نتنياهو، لكنها تعترف باستقبالها في مارس 2022 من قبل رئيس الدولة العبرية، إسحاق هرتسوغ، من أجل “فضح عملها ضد معاداة السامية له”. كما تذكّر المحامية بتنوع الإجراءات التي قام بها مكتب العدالة، بدءاً من قضية ميراي نول، هذه الضحية الثمانينية لجريمة بشعة معادية للسامية عام 2018، وصولاً إلى قضية “ماركو”، البالغ من العمر 60 عاماً، والذي كان معادياً للسامية. وتمت إدانة المهاجم بالسجن لمدة ثلاث سنوات.

من جهتها، تتخذ منظمة الشباب اليهودي الفرنسي، التي كانت أصل موجة الاستدعاءات الحالية، موقفًا “سياسيا” يتمثل في الدفاع عن “الروابط التي توحد اليهودية وفرنسا خارج نطاق الإجراءات القانونية”، كما يشير محاميها، أنتوني ريسبرغ.

المصدر: صحيفة لوموند الفرنسية




معلق تلفزيوني فرنسي يعلن إنشاء “جيش دفاعي” للشتات اليهودي بمساعدة وزير إسرائيلي

تحدث المُعلن (لديه وكالة إعلان) والمُعلق التلفزيوني الفرنسي- اليهودي، فرانك تابيرو، خلال مقابلة مع RADIO-J التابع للجالية اليهودية بفرنسا، عن إنشاء “جيش دفاعي” للشتات اليهودي على الأراضي الفرنسية وفي كل مكان آخر، وذلك بمساعدة وزير شؤون الشتات الإسرائيلي، أميحاي شيكلي.

وقال فرانك تابيرو: “يشنون علينا الحرب، يجب أن نرد بالحرب، قررت مع العديد من الأشخاص من يهود الشتات، ولا سيما مع وزارة الشتات الإسرائيلية في فرنسا، والوزير أميحاي شيكلي، إطلاق، في فرنسا وخارجها كما نأمل، أول جيش دفاعي من الشتات اليهودي”.

وقد أثار هذا الكلام الاستنكار على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تساءل البعض إن كان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان سيدع تصريحات فرانك تابيرو هذه، التي وصفوها بـ“الخطيرة” تمر مرور الكرام، دون محاسبة.

فرانك تابيرو، هو من مواليد 7 أكتوبر 1965 في ضاحية “نويي سور سين” الباريسية الراقية. جاء  والداه من الجزائر في الستينيات. وفي عام 1996، أنشأ وكالته الخاصة وأطلق عليها اسم Hémisphère Droit. وفي العام نفسه، أطلق شركة “فيرجين كولا” في فرنسا.

إلى جانب مسيرته في مجال  الإعلان، يعد فرانك تابيرو معلقاً ومحللاً تلفزيونياً، حيث يظهر في عدة قنوات. في عام 2007، كان أحد مستشاري الاتصال لنيكولا ساركوزي، وبعد ثلاث سنوات، كان مسؤولاً عن الإعلام في الاتحاد الفرنسي لكرة القدم في سياق كأس العالم.

المصدر: صحيفة القدس العربي




هل تبصر مؤسسة مبعوثي النوايا الحسنة الروسية النور؟

تغيير جيوسياسي كبير يطرأ على العالم في هذه المرحلة التي نعيشها بعد الحرب الأوكرانية والحرب في غزة بالإضافة إلى تطورات اقتصادية دولية عالمية كان لها تأثير على مسار التحولات الدولية في العديد من قارات العالم سواء كان في أوروبا، أفريقيا، آسيا او حتى في أميركا الجنوبية.
ان سياسة الولايات المتحدة الأمريكية اليوم هي سياسة معادية لكل من ينتهج او يرفع لواء الانفتاح على العالم الآخر بعدالة، فالولايات المتحدة الأمريكية تريد أن يكون العالم يعج بالتبعية والولاء لها ولا تبحث عن عالم عادل او عالم يتكامل في ما بينه على المستوى المالي والاقتصادي والسياسي والثقافي وحتى على مستوى التبادل التجاري والطاقة والاستفادة من الخبرات العلمية والتعليمية والثقافية والسياسية والاقتصادية والمالية.

روسيا والرؤية الجديدة للعالم

لا شك أن لروسيا دور اساسي وجوهري في السنوات الأخيرة على مستوى الانفتاح على الجنوب العالمي، كان واضحًا ان صداقات روسيا تخطت الحدود وانتشرت مع انتشار روسيا في العالم وذلك أتى انطلاقاً من العديد من الأساليب التي انتهجتها روسيا للانفتاح على العالم مثل عقد منتديات صداقة دولية بين روسيا والعالم، وعقد منتديات بين روسيا والعالم الإسلامي بالإضافة الى المنتديات الاقتصادية العديدة التي عقدت على مستوى شرق آسيا او على مستوى العالم دون ان ننسى الانفتاح الأساسي والمهم والرئيسي على دول أفريقيا وعقد المنتدى الروسي الأفريقي.
يقول احد الحاضرين في المنتدى الروسي الأفريقي بانني اول مرة أشاهد دولة عظمة في العالم تقوم بانفتاح اخوي على الدول الأفريقية وتستطيع ان تجمع عدد غير مسبوق من الدول الأفريقية تحت عنوان صداقة وشراكة متنوعة سواء على المستوى التعليمي والاقتصادي والسياسي والتجاري، الأمر الذي أوحى وكأن أفريقيا كانت تبحث عن هذه الصداقة وليس العكس، وهذا الأمر لمسناه خلال لقاءاتنا التي أجريت خلال المنتدى الروسي الأفريقي.
كما كان لروسيا دور مهم واساسي في الحراكات التي حصلت تحت ما يسمى الربيع العربي، فالولايات المتحدة الأمريكية أطلقت سلسلة من التحركات الغير مباشرة تحت عناوين فضفاضة كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي من ينمي هذه العناوين في الدول ويعتبر نفسه عراب وصديق لها، ولكن لاحقاً اكتشف الجميع أن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية تُحَضِّر تحديدا في دول الشرق العربي ودول شمال أفريقيا إلى تحركات تؤدي في مكان ما إلى إسقاط النظام تحت عناوين فضفاضة ومتنوعة منها ما يسمى الحرية ومنها ما يسمى الديمقراطية بحسب ما تراه الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد قالت روسيا كلمتها في بعض الساحات ورفضت بأن يكون دورها دور ثانوي بل كان دور رئيسي ورفضت أن تسقط سوريا انطلاقا من الصداقات الروسية السورية، وكان دور العسكر الروسي الأساسي والجوهري في سوريا، كما انها رفضت ان تسقط مصر فكانت المساعدات الاقتصادية والمشاريع المشتركة وصلت إلى المستوى النووي بين مصر وروسيا دون ان ننسى دعم روسيا لمصر على مستوى واردات الحبوب بالرغم من الحرب الحاصلة وكذلك الأمر في العديد من الدول الأخرى سواء في شمال أفريقيا او في الشرق الأوسط.

هل تبصر النور مؤسسة مبعوثي النواية الحسنة؟

انتشر أصدقاء روسيا في العالم وكان لهم دور اساسي وجوهري في نقل الثقافة الروسية من داخل روسيا إلى العالم سواء العالم العربي او العالم الإسلامي او الأفريقي او حتى العالم الغربي.
ان سفراء روسيا في العالم هم أصدقاء وخريجي الجامعات الروسية والاصدقاء اللذين يلتقون على المستوى الثقافي مع روسيا وتجمعهم قضايا مشتركة مثل النضال في وجه الإمبريالية والرأسمالية والنضال في وجه العالم السارق للثروات ودعم الدول النامية أجل أن تكون مشاريعها مشاريع متقدمة وحيوية.
ان الحديث عن انشاء مؤسسة لمبعوثي النواية الحسنة الروسية هو امر جدي وحقيقي وقد يبصر النور قريباً. إن هذه المؤسسة اذا انطلقت سيكون لها دور اساسي ورئيسي كعنوان جديد من عناوين بناء العالم الحديث والمتعدد الاقطاب والذي لا تسيطر به الولايات المتحدة الأمريكية على العقول وعلى الثروات وعلى الثقافات العالمية بل تحترم كل ثقافة ثقافتها ويكون لكل دولة ثرواتها التي يتم استخراجها بالتعاون وليس عبر السرقة ووضع اليد بطرق غير شرعية نعم اننا بحاجة لمؤسسة مبعوثي النوايا الحسنة الروسية لأن روسيا أثبتت بأنها صديقة للعالم ولها دور اساسي ومحوري في السنوات المقبلة.
اليوم يعيش العالم مرحلة جديدة فالحرب الاوكرانية أثبتت بأن العالم يقاتل روسيا ولكن بأدوات أخرى كما ان المفكرين والباحثين على مستوى الغرب لم يجدوا لأنفسهم اي عناوين يستطيعون من خلالها الدخول إلى العالم الحديث وطرح افكار جديدة لأنهم باتوا يفتقرون إلى المنطق والى العقل والى امكانية أن يكون هناك دور لدول تستطيع أن تستمر في سياسات انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية منذ قرابة انتهاء الحرب العالمية الثانية.

خاص الوطنية




أهميّة المهرجان العالمي للشّباب والتّلاقي بين الأمم

ينعقد هذا العام مهرجان الشّباب العالمي في روسيا وهو الذي إن دلَّ على شيء فهو يدلّ على أهميّة اهتمام روسيا والدول الصديقة لها بالشباب ودورهم على مختلف المستويات العلميّة، الاقتصاديّة، السّياسيّة والثّقافيّة.

عندما تقوم روسيا بتنظيم هكذا نوع من المؤتمرات فهذا يدلّ على أهميّة الرّؤية التي يتمتّع بها الاتحاد الروسي على مستوى مختلف الطبقات الاجتماعية ومختلف الأعمار، بالإضافة إلى الاهتمام الرّوسي الكبير بأهميّة أن يسير حلفاء روسيا على نفس الوتيرة من الاهتمامات التي تسير بها روسيا، مثل الاهتمام بالشّباب وثقافتهم وعلمهم ومختلف تفاصيل الحياة لديهم.

على المستوى السّياسي من الضّروري أن نقرأ أهميّة مهرجان الشّباب العالمي على أنّه أحد رسائل روسيا من أجل بناء عالم عادل ومتشابه في ما بينهم بالنّسبة للشّباب ودورهم وحقّهم في التّعلّم وحقّهم في الثّقافة بالإضافة إلى باقي الحقوق الّتي من الضّروري أن يتمتّع بها جميع الشّباب، وهنا تكون نظرة روسيا إلى أنّ المجتمع الآخر الصّديق لروسيا يجب أن يكون شبيهًا بالمجتمع الروسي على مستوى الخدمات وحقوق الشّباب والحاجة بأن يكون هناك حاجة إلى دور الشّباب في الدّول الصّديقة لروسيا ودور الشّباب في روسيا.

أمّا من جانب آخر فلا بدّ وأن ننظر إلى الأهميّة الدّوليّة في مهرجان الشّباب العالمي لذلك يشكّل مهرجان الشّباب العالمي رسالة إلى العالم أنّ روسيا غير معزولة وأنّ روسيا هي دولة جامعة على مستوى العالم وهي قطب من الأقطاب الرّئيسيّة التي لا بدّ وأن يبحث العالم عن المحافظة عليها لذلك هنا تكون الرّسالة ذات شقَّين:

١- الشّقّ الأول أنّ روسيا تعيش جنبًا إلى جنب مع الدول الصّديقة ودول العالم سواء في الشّرق أو في الغرب، في آسيا أو أوروبا أو أفريقيا أو حتّى في أميركا.

٢- أمّا في الشّقّ الآخر فإنّ روسيا دولة منفتحة ولا يمكن لأمريكا أن تعزلها أو أن تؤثّر على انفتاحها لذلك روسيا تؤكد دائما انها مستمرة في الوقوف إلى جانب دول العالم الحرّ ودول العالم الصّديقة لروسيا لأنّها جزء من رسالتها.

على مستوى الاهتمام في الشّباب فإنّه لا بدّ من أن نتوقّف عند أهميّة مهرجان الشّباب العالمي لدى روسيا لقراءة المستقبل، فالدّولة التي تركّز على الشّباب تقوم بالبحث عن الفرص لهم في المستقبل وعندما نتحدّث عن الفرص في المستقبل نتحدّث عن مستقبل الدول. وللحديث عن مستقبل الدول يكون لدينا رؤيا واضحة بأنّ روسيا تهتمّ بشكلٍ كبيرٍ في مستقبل الدول الصّديقة لها وبالتّالي هي تهتم بمستقبل الشّباب في هذه الدول وهي تهتم بعمليّة تنمية الفرص للشّباب الروسي وأصدقاء الشّباب للدّول الصّديقة لروسيا.

من هنا يتفرّع من مهرجان الشّباب العالمي الاهتمام الكبير في الشّقّ العلمي والثّقافي والسّياسي للشّباب الرّوس والزّوار من الدّول الأجنبية والتي هي في غالب الأحيان الدّول الصّديقة لروسيا وتلتقي معها في الانفتاح نحو بناء مجتمعات متناغمة ضمن عالم متعدّد الأقطاب.

أمّا على المستوى الدّاخلي فإنّ مؤتمر الشّباب العالمي لمهرجان الشّباب العالمي هو نقطة تلاقي للجمهور الداخلي في روسيا والشّباب الرّوسي مع الشّباب من الدّول الصّديقة لروسيا، من هنا يكون تبادل الثقافات والحضارات والصداقات وينبع من ذلك التأكيد الدائم لدى روسيا على دعم القيم والمعايير العامة التي يتمثّل من خلالها بناء مجتمع عادل وسليم وهنا نركز على النّقاط التالية:

١- بناء مجتمعات ديمقراطيّة حقيقيّة تتمثّل بالتّلاقي والتّعاون بين المجتمعات التي تسودها الديمقراطية من الدول الصديقة لروسيا فيكون مهرجان الشباب العالمي منطلقاً لتعزيز الديمقراطية الحقيقية في العالم.

٢- بناء مجتمع ذي قيم ومعايير إنسانيّة وشاملة وترتبط فعلاً في القانون الدولي لذلك عندما نتحدّث عن المعايير العامة هي ليست المعايير التي تبحث بعض الدول عن طرحها وتسويقها بل المعايير والقيم الحقيقية التي سيكون لها تأثير كبير على مستوى العالم الذي تراه روسيا وهو العالم المتعدد الأقطاب.

في الختام إنّ مهرجان الشّباب العالمي في روسيا هو أحد المهرجانات التي يلتقي فيها العالم مع روسيا وتلتقي فيه روسيا مع العالم وعلى مختلف المستويات لذلك نرى بأنّ موسكو تركّز بشكلٍ دائمٍ على الشركاء والأصدقاء لديها من أجل التّفاعل معاً في سبيل بناء مجتمعات لديها ثقافة مشتركة ولديها رؤية مشتركة وهي ذات توازن مجتمعيّ مشترك.

د.زكريا حمودان – خاص الأفضل نيوز