1

خرائط تُظهر قرب تطويق القوات الأوكرانية داخل كورسك الروسية

أظهرت خرائط مفتوحة المصدر، اليوم الجمعة، أن القوات الروسية تقترب من محاصرة آلاف الجنود الأوكرانيين، الذين دخلوا روسيا في الصيف الماضي، وعزلهم عن خطوط إمدادهم الرئيسية.

وأظهرت الخرائط نفسُها تدهور وضع أوكرانيا في منطقة كورسك الروسية، بشكل حادّ، في الأيام الثلاثة الماضية، بعد أن استعادت القوات الروسية أراضي، ضمن هجوم مضاد مكثف كاد يقسم القوات الأوكرانية إلى نصفين، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويثير الوضع الخطير لأوكرانيا احتمال إجبار قواتها على التراجع إلى داخل أوكرانيا أو المخاطرة بالوقوع في الأَسر أو القتل، في وقتٍ تتعرض فيه كييف لضغوط متزايدة من الولايات المتحدة للموافقة على وقف إطلاق النار مع روسيا.

وقال باسي باروينين، المحلل العسكري في «بلاك بيرد غروب»، ومقرها فنلندا، لوكالة «رويترز»: «الوضع (بالنسبة لأوكرانيا) سيئ جداً». وأضاف: «الآن، لم يتبق الكثير قبل أن تُطوَّق القوات الأوكرانية أو تُجبَر على الانسحاب. والانسحاب يعني خوض معركة خطيرة، إذ ستتعرض القوات للتهديد المستمر من الطائرات المسيّرة والمدفعية الروسية».

ولم يكن هناك تأكيد رسمي للتقدم الروسي من وزارة الدفاع الروسية أو الجيش الأوكراني، وكلاهما يميل إلى تأخير الإبلاغ عن التغيرات في ساحة المعركة، وفق «رويترز».




واشنطن بوست: هذا هو النظام العالمي الجديد الذي يريده ترامب

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للمعلق إيشان ثارور قال فيه إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد نظام عالميا جديدا تشكله فقط القوى العظمى والمهللون لها، وأن يتصرف بلا حدود وكأنه القوى الأعظم مطلقا.

وأشار الكاتب إلى تصريحات مدير المخابرات الخارجية البريطانية “أم أي 6″ السابق أليكس يونغر والتي قال فيها: ” لا أعتقد أننا سنعود إلى ما كان عليه الحال من قبل” وقد انتشرت تصريحاته بشكل واسع بعد بثها الأسبوع الماضي على برنامج “نيوز نايت” على قناة بي بي سي حول حالة النظام الدولي في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب.

وقال يونغر: “نحن في عصر جديد حيث لن يتم تحديد العلاقات الدولية بشكل عام من خلال القواعد والمؤسسات المتعددة الأطراف. بل سيتم تحديدها من خلال رجال أقوياء وصفقات… هذه هي عقلية دونالد ترامب، وبالتأكيد عقلية [الرئيس الروسي فلاديمير] بوتين. إنها عقلية [الرئيس الصيني] شي جين بينغ”.

صوتت الولايات المتحدة إلى جانب روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا ومجموعة من المجالس العسكرية في غرب أفريقيا ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين روسيا في الذكرى الثالثة لغزوها لأوكرانيا. وقد صدمت هذه الخطوة الأوروبيين

ولم يفعل ترامب الكثير لضحد كلام يونغر في الأيام التي تلت ذلك. ففي يوم الاثنين، صوتت الولايات المتحدة إلى جانب روسيا وكوريا الشمالية وبيلاروسيا ومجموعة من المجالس العسكرية في غرب أفريقيا ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي يدين العدوان الروسي في الذكرى الثالثة لغزو الكرملين الكامل لأوكرانيا. وقد صدمت هذه الخطوة المحللين والمراقبين الأوروبيين، الذين اعتبروها المؤشر الأكثر وقاحة حتى الآن على استعداد ترامب لتجاهل المعايير والتنمر على الشركاء.

وإذا لم يكن إطلاق الحروب التجارية وتفكيك التحالفات كافيا، فها هو الرئيس الأمريكي يبرر على ما يبدو استيلاء روسيا على الأراضي في جار أضعف. وقال ريتشارد جاويان، خبير الأمم المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، لصحيفة “واشنطن بوست” إن الانقسام بين الولايات المتحدة وأوروبا يمثل الآن “أكبر انقسام بين القوى الغربية في الأمم المتحدة منذ حرب العراق – وربما أكثر جوهرية”.

ويبدو أن ترامب حريص على الانفصال عن هذه القوى الغربية وقد صور نفسه كوكيل للسلام. وقال في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض هذا الأسبوع: “لقد أجرينا بعض المحادثات الرائعة، بما في ذلك مع روسيا، منذ عودتي إلى البيت الأبيض. إن إدارتي تقطع بشكل حاسم مع قيم السياسة الخارجية للإدارة السابقة، وبصراحة، الماضي”. لكنها تعود أيضا إلى ماض أبعد. إن أجندة “أمريكا أولا” التي يتبناها ترامب لا تهتم كثيرا بالأممية العالمية التي دعمت على نطاق واسع أجيالا من السياسة الخارجية الأميركية بعد الحرب.

إنه لا يرى المدى الذي ساعد به النظام الدولي الذي بنته واشنطن إلى حد كبير في ضمان تفوق الولايات المتحدة وتعزيز الرخاء الأمريكي. بدلا من ذلك، ينظر إلى الساحة الدولية ويرى في الولايات المتحدة دولة تقدم الكثير وتعرضت لخداع من حلفائها واستغلال خصومها.

 ولهذا، ففكرة ترامب أو البيت الأبيض الحالي تقوم على عالم تشكله القوى العظمى والمهللون لها فقط، وأن يتصرف كأعظم قوة على الإطلاق.

وكانت محاولاته لإجبار جيرانه في المكسيك وكندا، وتهديده بضم قناة بنما والدعوة إلى استيعاب غرينلاند، كلها إيماءات من إمبراطوري متسلط يسعى إلى الاستيلاء على مجال نفوذه.

وكتبت أتوسا أراكسيا أبراهاميان، مؤلفة كتاب “العالم الخفي: كيف تخترق الثروات العالم”: “إن السياسة الخارجية لترامب تتعامل مع دول العالم باعتبارها مواقع للتحكم واستخراج المواد وليس باعتبارها دولا ذات سيادة مستقلة. يمكننا أن نطلق على ذلك “العولمة الوطنية”: السعي في الفضاء الخارجي لتعزيز المصالح الأمريكية”.

وفي مقال مدروس في مجلة “فورين أفيرز”، أوضح مايكل كيماج، مدير معهد كينان التابع لمركز ويلسون، كيف يبدو أن ترامب أكثر انحيازا إلى رجال أقوياء مثل بوتين وشي ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وكلهم، بدرجات متفاوتة، من الزعماء اليمينيين لما يسمى “دول الحضارة” الذين يرون دولهم مقيدة بماض مجيد يجب استرداده في المستقبل. إنهم يكرهون عالمية النخب الحضرية في مجتمعاتهم، ويشككون في الادعاءات الليبرالية للنظام “القائم على القواعد” المتهالك الذي تدعمه الولايات المتحدة منذ ما يقرب من قرن من الزمان.

وكتب كيماج: “مع وجود ترامب في السلطة، فإن الحكمة التقليدية في أنقرة وبكين وموسكو ونيودلهي وواشنطن (والعديد من العواصم الأخرى) ستقرر أنه لا يوجد نظام واحد ولا مجموعة متفق عليها من القواعد. في هذه البيئة الجيوسياسية، سوف تتراجع فكرة “الغرب” الهشة بالفعل بشكل أكبر – وبالتالي، فإن وضع أوروبا، التي كانت في حقبة ما بعد الحرب الباردة شريكة واشنطن في تمثيل ‘العالم الغربي’ سوف يتراجع أيضا”.

 وأضاف ثارور إن الأوروبيين يحاولون بالفعل فهم هذه الصدمة.

وذكر تعهد فريدريش ميرز، المستشار اليميني الوسطي القادم لألمانيا والمتخصص المخضرم في العلاقات عبر المحيط الأطلنطي، بقيادة “استقلال” بلاده عن عقود من الاعتماد على مظلة الأمن الأمريكية. وأعرب عن غضبه من تبني ترامب الظاهري لوجهة النظر التي طرحها الكرملين بشأن حرب أوكرانيا، بما في ذلك اقتراحاته بأن رغبة كييف في عضوية حلف الناتو أثارت الصراع. وقال ميرز لمحطة إذاعية ألمانية: “هذا في الأساس انقلاب كلاسيكي لدور الجاني والضحية. هذه هي الرواية الروسية، وهذه هي الطريقة التي صورها بها بوتين لسنوات. وأنا بصراحة مصدوم إلى حد ما من أن دونالد ترامب تبناها الآن على ما يبدو”.

وكتب كريستوفر شيفيز، وهو زميل بارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، من المرجح أن نشهد “الطلقة الافتتاحية لجهود أميركية كبرى لإعادة التفاوض على شروط روابطها مع أوروبا”، مستشهدا أيضا بالقنابل الخطابية التي ألقاها مساعدو ترامب خلال زياراتهم للقارة هذا الشهر. “لا يمكن معرفة إلى أي مدى ستصل إدارة ترامب، لكن هذه العلاقة الأساسية لسياسة الولايات المتحدة، والتي ولدت في لحظة صعود الولايات المتحدة إلى مكانة القوة العظمى العالمية، ستتغير بطرق جوهرية”.

ترامب يريد نظام عالميا جديدا تشكله فقط القوى العظمى والمهللون لها، وأن يتصرف بلا حدود وكأنه القوى الأعظم مطلقا.

ويرى ترامب وحلفاؤه أنفسهم وكأنهم يقومون بإنجاز عظيم في “إعادة التوازن” على المسرح العالمي. يبدو أن البيت الأبيض يأمل في مقاربة “عكس كيسنجر”، أي فتح باب مع موسكو في محاولة لدق إسفين بين روسيا والصين، تماما كما قوض الرئيس ريتشارد نيكسون الاتحاد السوفييتي عندما حقق انفراجة مع بكين في عام 1972.

ويشكك معظم المحللين، بمن فيهم عدد من المراقبين في أماكن أخرى، في قدرة البيت الأبيض على تحقيق ذلك.

وقال كوي هونغ جيان، وهو باحث في الدراسات الأوروبية في جامعة الدراسات الأجنبية في بكين، لصحيفة “واشنطن بوست”: “لقد بنت الصين وروسيا شراكة أكثر شمولا تمتد إلى ما هو أبعد من الأمن إلى التنمية الاقتصادية. هذه ليست نفس البلدان التي كانت عليها ذات يوم. كما قال أحد الفلاسفة اليونانيين المشهورين، ‘لا يخوض رجل في نفس النهر مرتين’”.

ويختم الكاتب بالقول إنه بينما يعود إلى دوامة سياسات القوى العظمى، يبدو ترامب حريصا على إثبات خطأ الفيلسوف.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




إيكونوميست: هل يريد ترامب التخلص من زيلينسكي وفرض خطة الكرملين بحذافيرها على أوكرانيا؟

نشرت مجلة “إيكونوميست” تقريرًا قالت فيه إن فريق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد تغيير النظام في كييف، العاصمة الأوكرانية، أو بالأحرى التخلص من الرئيس الأوكراني “الديكتاتور”.
وقالت المجلة إن أوكرانيا تحمّلت، ولثلاث سنوات، ما لا يمكن التفكير به: حربًا جوية وبرية، وهجومًا على العاصمة، حربَ استنزاف دموية، صواريخَ ومسيّرات وقنابل انزلاقية، وإعداماً فورياًَ.
إلا أن هناك جبهة جديدة فُتحت، دون توقّع، من الغرب، وهي التقارب الجريء من دونالد ترامب باتجاه روسيا، وهو ما فاجأ الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، الذي بدأ يظهر غضبه.
وفي يوم الثلاثاء، 18 شباط/فبراير، قرر الرئيس الأوكراني إلغاء زيارته المقررة إلى السعودية، قائلًا إنه لا يريد الارتباط بمحادثات حدثت بدونه. وقال: “لم تُوجّه إلينا دعوة، وكانت مفاجئة لنا، وأعتقد بالنسبة للكثيرين أيضًا.” ورد ترامب بطريقته ووصف زيلينسكي بـ”الديكتاتور”.

دبلوماسي سابق: يبدو أن ترامب يريد التخلص من زيلينسكي، الذي لم يحبه قط، والذي يعتقد أنه صعب المراس. الأمر لا يتعلق بالانتخابات، بل يتعلق بالتخلص من زيلينسكي

وترى المجلة أن قرار ترامب الحوار مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ورغبته في إعادة تأهيل الكرملين، صَدَمَ الطبقة السياسية في كييف. ولكن حتى الآن، لم يفاجَأ أحد حقًا. ونقلت عن أحد أعضاء البرلمان البارزين من حزب زيلينسكي قوله: “كنا في حالة نفسية سيئة في اليوم الذي سمعنا فيه الأخبار، لكننا كنا نتوقعها”.
ولم يكن سرًا أن ممثلي أوكرانيا وجدوا الأبواب في واشنطن مغلقة: “لقد فهمنا المستوى الذي وصلت إليه الرؤية الروسية داخل أمريكا.”
ويصف أحد نواب المعارضة شعورًا بـ “التشاؤم” في البرلمان، حيث يستعد النواب لإمكانية إجبارهم على قبول اتفاق مهين لوقف إطلاق النار. وحتى لو خرجت أوكرانيا من الحرب، فإن البلاد تواجه معركة من أجل البقاء.
فالناس والساسة والجنود منهكون، وقتل مئات الآلاف أو جرحوا، فيما هرب الملايين. وربما يكون ثلث الأوكرانيين، البالغ عددهم 4.3 مليون، الذين فروا إلى أوروبا تحت سن الثامنة عشرة؛ ولن يعود عدد كبير منهم أبدًا.
والاتفاق الذي لا يوفر الأمن على المدى الطويل من شأنه أن يدفع المزيد من الآباء إلى إرسال أبنائهم إلى الخارج، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم المشكلة الديموغرافية التي تعاني منها أوكرانيا أصلًا.
ويقول مسؤول أوكراني بارز: “السلام مطلوب، نحن بحاجة إلى السلام، والسؤال هو ألا يكون سلامًا يقضي علينا في نفس الوقت”.
وتواجه الأسر التي لديها أبناء في سن المراهقة خيارات صعبة بشكل خاص، إما إرسالهم إلى أوروبا في وقت يسمح لهم القانون بذلك، أو الاحتفاظ بهم والمخاطرة بكل شيء.

مخاوف أوكرانية من سيناريو أسوأ

ويواجه الجندي السابق سيرهي فاسيليوك هذه المعضلة. ففي البداية، وافق هو وزوجته على مغادرة ابنهما أندري، البالغ من العمر 17 عامًا. ولكن ابنهما أصر على أن مستقبله ليس في أي مكان آخر، وأنه سينضم إلى الجيش في أقرب وقت. ولا تزال والدته معارضة وبشدة لبقائه، أما والده فإنه ينظر للأمر بعين مفتوحة، حيث قال: “لو لم يكن هناك أولاد مثله، فلن يكون هناك أحد”.
وعلى الرغم من كل الأصوات والاضطرابات الصادرة عن الرئيس الأمريكي، لا يوجد هناك ما يشبه الصفقة. إلا أن الأمور تسير نحو أسوأ سيناريو في أوكرانيا.

ويخشى عدد من أفراد النخبة الأوكرانية أن تكون اللغة الصادرة عن فريق ترامب بمثابة فخ روسي: الدعوة إلى وقف إطلاق النار دون ضمانات أمنية، وإجراء انتخابات فورية من شأنها أن تحطم الوحدة الأوكرانية.

ويقول دبلوماسي سابق: “يبدو أن ترامب يريد التخلص من زيلينسكي، الذي لم يحبه قط، والذي يعتقد أنه صعب المراس. الأمر لا يتعلق بالانتخابات، بل يتعلق بالتخلص من زيلينسكي”.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن تقود سرعة ترامب إلى سلام سريع، بقدر ما قد تؤدي إلى عرض غير مقبول لأوكرانيا. ثم يقع الأمر على عاتق زيلينسكي إطالة أمد العملية، وسد الفجوة، والتفاوض.
وخلافًا لترامب، لم يكشف الرئيس الأوكراني عن خطوطه الحمراء، مع أنه قال، في الأسبوع الماضي، إن الاستعداد للجلوس مع “القاتل” (في إشارة إلى بوتين) هو تنازل في حد ذاته.
ولكن زيلينسكي أشار بالفعل إلى أنه لن يوافق على وقف إطلاق النار دون ضمانات أمنية، ولن يدعم أي صفقة تتم من خلف ظهره.
ويقول مسؤول أوكراني بارز إنه من غير المرجح أن توافق أوكرانيا رسميًا على التخلي عن الأراضي التي خسرتها كجزء من صفقة، مع أنه يعترف بأن دخول أوكرانيا في حلف الناتو بات احتمالًا بعيدًا.

خطة الكرملين تُفرض بحذافيرها؟

وفي هذا السياق الأوروبي، يعترف المسؤول الأوكراني بأن الحد الأدنى الذي يمكن لأوكرانيا أن تقبله هو استمرار العلاقات مع الجيوش الغربية، وعدم نزع السلاح بشكل عملي، واستمرار تدفق الأسلحة والأموال، ووجود قوة حفظ سلام أجنبية.
ولا يهم حجم هذه القوة بقدر أهمية وجودها، و”بمجرد وصولها إلى هنا، نعتقد أنه سيكون من الصعب عليها الانسحاب”.
وتقول المجلة إن أوكرانيا، ومن الناحية النظرية، قد تواصل القتال في تحدٍّ لترامب وصفقته، إلا أن وضعها من الناحية العملية سيتدهور مع مرور الوقت.
فالحرب كانت وحشية على الطرفين، ولكنها كانت أقسى على الأوكرانيين، الأقل عددًا، والأكثر فقراً. وقد أظهر الجيش الأوكراني براعة ومهارات على مستوى الوحدات، لكنه كشف عن مشاكل على مستوى العمليات، والأهم هو غياب التخطيط العملياتي.

يخشى أفراد من النخبة الأوكرانية أن تكون اللغة الصادرة عن فريق ترامب بمثابة فخ روسي: الدعوة إلى وقف إطلاق النار دون ضمانات أمنية، وإجراء انتخابات فورية من شأنها أن تحطم الوحدة الأوكرانية

ترامب يملك أوراق الضغط

وفي الوقت نفسه، يملك ترامب العديد من أوراق الضغط التي قد يستخدمها لفرض حل. فهو قادر، ومن المرجح أن يفعل، على خفض أو وقف المساعدات العسكرية. وقد يرفع العقوبات المفروضة على روسيا من جانب واحد. وقد يقطع الدعم الحيوي الآخر مثل الاستهداف في الوقت الحقيقي، ونظام ستارلينك، العمود الفقري لاتصالات ساحة المعركة في أوكرانيا.
وهناك حلول جديدة، ولكن إيقاف تشغيل هذه الأنظمة من شأنه أن يضر. وكما يقول أحد كبار المسؤولين الأمريكيين: “إذا كان زيلينسكي قادرًا على حشد الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عامًا، فقد يكون الأمر يستحق القتال. وإذا لم يكن قادرًا على ذلك، فينبغي له أن يقبل أفضل صفقة ممكنة.”
ونظرًا لحجب أوروبا عن صفقة ترامب، فإن الضغط الحالي يقع على زيلينسكي وإرادته للقتال.

سيناريو كابوسي لأوكرانيا

حتى لو كان المنظور خطيرًا للرئيس الأوكراني، فهو لا يقارن بالكابوس الحقيقي المتمثل في فرض ترامب خطة الكرملين بكاملها على كييف: وقف إطلاق النار دون ضمانات أمنية فعالة، وإجراء انتخابات تؤدي إلى شلل سياسي، ورئاسة ضعيفة، وبرلمان منقسم، ثم وقف التعبئة العسكرية، والهجرة الجماعية، وبداية التفكك الداخلي.
ويعترف مسؤول: “السيناريو بعيد كل البعد عن المستحيل… تذكر أن هناك ملايين الأسلحة في البلاد. يمكنك حتى شراء دبابة روسية على الخطوط الأمامية مقابل 100 ألف هريفنيا” (أي 2,400 دولار أمريكي).

مجلة ايكونوميست البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




هل ستصبح أوكرانيا فيتنام ترامب كما تحمل نيكسون وكيسنجر مسؤولية سقوط سايغون؟

تساءل ويليام ماغيرن في صحيفة “وول ستريت جورنال” عن إمكانية تحول أوكرانيا إلى فيتنام ترامب. وأشار إلى أن هنري كيسنجر فاز بجائزة نوبل للسلام، ولكن سايغون سقطت في يد قوات فيتنام الشمالية.

وأشار الكاتب إلى لقاء أجري مع ستيفن بانون، المنظر الإستراتيجي لدونالد ترامب في ولايته الأولى، قبل تنصيب ترامب لولايته الثانية، وقال فيه إن أوكرانيا ستتحول إلى فيتنام ترامب، وهو محق في تفكيره، ولكن ليس للأسباب التي يفكر بها. وقال بانون إن خطأ الرئيس هو فشله في تحقيق قطيعة كاملة مع كييف، وهو نفس الخطأ الذي ارتكبه ريتشارد نيكسون الذي تورط في الحرب بفيتنام، وحوّلها من حرب الرئيس ليندون جونسون إلى حربه الخاصة.

ويرى الكاتب أن الواقع هو العكس، فقد زعم ترامب في حملته الانتخابية بأنه رجل الصفقات القادر على التفاوض وتحقيق اتفاق من شأنه أن ينهي المذبحة في أوكرانيا. وإذا فعل ذلك وفشلت الصفقة في النهاية، بمعنى أن فلاديمير بوتين استأنف عدوانه، فستكون وصمة عار هائلة في ميراثه السياسي.

ورأى الكاتب أن إدارة ترامب ترسل رسائل متضاربة بشأن الحرب في أوكرانيا. فقد تراجع نائب الرئيس جيه دي فانس عن تعليقات وزير الدفاع بيت هيغسيث بأن عضوية أوكرانيا في حلف الناتو لم تعد محلا للنقاش، وكذلك العودة إلى حدود ما قبل 2014. وأضاف مبعوث الرئيس إلى أوكرانيا، كيث كيلوغ، خلال عطلة نهاية الأسبوع، أن الأوكرانيين سيكونون على طاولة المفاوضات، لكن الأوروبيين لن يفعلوا ذلك.

وفي الوقت نفسه، تم استبعاد أوكرانيا من المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا التي تجرى اليوم الثلاثاء في العاصمة السعودية الرياض.

وبينما يفكر في خياراته، ربما كان من الأفضل لترامب لو استمع إلى نقاش دار بين رئيس جمهوري آخر ووزير خارجيته. كان التاريخ هو 3 آب/ أغسطس 1972، عندما أخبر هنري كيسنجر، الرئيس نيكسون أنه يعتقد أن احتمالات التوصل إلى اتفاق سلام مع حكومة فيتنام الشمالية كانت 50/50.

وكان ضمان الأمن آنذاك، كما هو الحال الآن، يشكل مصدر قلق بالغ. وكذا الخوف هو أن تستأنف فيتنام الشمالية الحرب بعد رحيل القوات الأمريكية. وسأل نيكسون كيسنجر: ماذا سيحدث إذا انتظرت هانوي لفترة ثم ابتلعت جنوب فيتنام؟ وأجاب كيسنجر: “إذا ابتلعت شمال فيتنام الجنوب بعد عام أو عامين من الآن، فسوف نتمكن من تبني سياسة خارجية قابلة للتطبيق إذا بدا الأمر وكأنها نتيجة لعدم كفاءة  جنوب فيتنام”.

إلا أنه أوضح بعد لحظات قائلا: “لذا يتعين علينا أن نجد صيغة ما تبقي الأمور متماسكة لمدة عام أو عامين، وبعد عام يا سيدي الرئيس ستصبح فيتنام منطقة راكدة. وإذا تمكنا من تسوية الأمر، لنقل في تشرين الأول/ أكتوبر من هذا العام، فلن يكترث أحد بحلول كانون الثاني/يناير 1974”.

لقد شعر نيكسون ببعض الآلام الأخلاقية فيما يتصل بما قد يتفقان عليه: “فيتنام، لابد أن أقول… يا إلهي، لقد قاتلوا لفترة طويلة، وماتوا، والآن… لا أدري”.

وأصبحت هذه المحادثة الأساس لاتهام نيكسون وكيسنجر بأنهما كانا يعتقدان سرا أن حكومة سايغون لا تستطيع الصمود بعد الانسحاب الأمريكي. وعلى هذا، فإن ما كانا يسعيان إليه حقا هو “فترة زمنية مناسبة” بين الانسحاب الأمريكي وانهيار جنوب فيتنام. وبعد أقل من ستة أشهر من تلك المحادثة، وقّعت اتفاقية باريس للسلام في 27 كانون الثاني/ يناير 1973. وكانت صفقة فرضت على رئيس جنوب فيتنام نيغويون فان ثيون. ومورس ضغط شديد عليه، إلا أنه قاتل الاتفاق بشجاعة وبشكل أغضب نيكسون.

وربما كانت النقطة الخلافية الرئيسية تلك التي سُمح فيها لقوات فيتنام الشمالية بالبقاء في الجنوب، كما يبدو الآن من بقاء القوات الروسية في  أوكرانيا كجزء من الصفقة.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1973، وبعد تسعة أشهر من الاتفاقية، حصل كيسنجر مع الزعيم الشمالي الفيتنامي لي ديوس ثو على جائزة نوبل للسلام، مع أن ثو رفضها. وفي 30 نيسان/ أبريل 1975 تقدمت الدبابات وقوات شمال فيتنام نحو سايغون، ولم تعد حكومة الجنوب قائمة بعد  ذلك. وفي اليوم التالي، حاول كيسنجر إعادة الجائزة لكن لجنتها رفضت أخذها.

طبعا هناك خلافات كبيرة بين أمريكا وأوكرانيا، فخلافا لفيتنام، لم ترسل الولايات المتحدة قوات للدفاع عن كييف. وهناك سبب آخر يتمثل في صمود الأوكرانيين. فقد كان من المتوقع أن تسقط كييف في غضون عشرة أيام من غزو بوتين، ولكن الأوكرانيين فاجأوا العالم عندما منعوا سقوط عاصمتهم. وعليه، فمن الصعب أن نصدق أن أوكرانيا سوف تستسلم إذا فشلت اتفاقية السلام التي سيبرمها ترامب. وفي الوقت الذي لا تقوم اتفاقيات السلام على خطأ متأصل، لكن المشكلة هي في الضمانات الأمنية التي تحتوي عليها.

ومن منظور إرثه الخاص، فإن أهم الأمور التي سيعترض عليها بوتين هي تلك التي تضمن السلام. والمشكلة ليست في إقناع الزعيم الروسي بالجلوس على طاولة المفاوضات، بل في إقناعه باحترام الاتفاق.

ومر الأوكرانيون بهذه التجربة من قبل، وكان من المفترض أن يعيد الاتفاق الذي تم التوصل إليه في مينسك عام 2015 السلام، لكنه لم يتضمن أي عواقب وخيمة للعدوان الروسي. وبموجب مذكرة بودابست لعام 1994، تخلى الأوكرانيون عن الرادع الفعال الوحيد الذي كانوا يمتلكونه: أسلحتهم النووية. حتى أن بيل كلينتون يدرك الآن أن روسيا لم تكن لتغزو أوكرانيا لو كانت لا تزال تمتلك أسلحتها النووية.

وربما استطاع ترامب التفاوض على صفقة قوية تحافظ على أوكرانيا “المزدهرة ذات السيادة”. ولكن هناك أوجه تشابه مثيرة للقلق بين المحادثات الأمريكية الروسية هذا الأسبوع في الرياض والتي تستبعد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والمفاوضات السرية بين الولايات المتحدة وفيتنام الشمالية التي أجريت خلف ظهر ثيو. وسوف يفعل ترامب جيدا إذا تذكر: “إذا انتهت هذه الصفقة بكارثة، فسيتحمل مسؤوليتها”.

ويليام ماغيرن

صحيفة وول ستريت جورنال الاميركية

ترجمة ابراهيم در




الولايات المتحدة تطالب بانتخابات في أوكرانيا

عن انسداد الأفق أمام زيلينسكي، كتبت ايليزافيتا كالاشنيكوفا، في “موسكوفسكي كومسوموليتس”:

ذكرت وكالة رويترز للأنباء، نقلا عن المبعوث الخاص لترامب كيث كيلوغ، أن الولايات المتحدة تريد إجراء انتخابات في أوكرانيا بحلول نهاية العام، خاصة إذا تحقّق وقف إطلاق النار في منطقة القتال.

ووفقا لمصادر الوكالة، “إذا أجريت انتخابات في أوكرانيا، فإن الفائز يمكن أن يتحمل مسؤولية التفاوض على اتفاق طويل الأمد مع موسكو”.

يجدر التذكير هنا بأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشار في وقت سابق إلى عدم إمكانية التوقيع على معاهدة سلام مع زيلينسكي، بسبب انتهاء ولايته الرئاسية.

وردًا على منشور رويترز، ذكرت كييف أن إدارة ترامب لم تعالج هذه القضية “رسميًا”. ويترتب على هذه الصياغة أنه ربما جرت مناقشات غير رسمية حول هذه القضية. لكن من الصعب القول من سلوك زيلينسكي إنه يستعد للانتخابات.

في الوقت نفسه، شعبية زيلينسكي منخفضة للغاية. فبحسب بيانات المركز التحليلي الأوكراني “سوسيس”، التي نشرت في 22 يناير/كانون الثاني الفائت، 16.2% فقط من الأوكرانيين يثقون تمامًا بزيلينسكي، مقابل 56% من المواطنين لا يثقون به.

بانكوفا تدرك الآن أن الانتخابات قد تصبح حجر عثرة في علاقاتها مع الولايات المتحدة. في الوقت الحالي، قد يكون هذا مجرد اختبار من جانب الأمريكيين، ولكن هيكل السلطة غير مطمئن لزيلينسكي. فسوف يتعين عليه أن يحقق التوازن بين الحفاظ على سلطته وعلاقاته مع شركائه الغربيين.

روسيا اليوم




خطوات باشينيان العمياء: صبر موسكو ينفد

علّق الأستاذ المساعد في قسم القانون الدولي والقانون العام في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية، إيغور سيمينوفسكي، على الأزمة في العلاقات الأرمينية الروسية على خلفية تقارب يريفان مع الغرب، حسبما ذكرت وكالة فيريلك، بالقول:

هناك اليوم عدد من المتغيرات العاجلة والمثيرة للقلق بالنسبة للحكومة الأرمينية الحالية:

أولا، تغيرت الإدارة الأمريكية، ولن تركّز في عملها على جنوب القوقاز؛ ثانيًا، لا يتطور الوضع في القوقاز نفسه على النحو الذي قد يكون مفيدًا للنظام الأرميني الحالي الموالي للغرب، فقد فشل الاتحاد الأوروبي في سياسته في جورجيا، حيث يتولى السلطة أشخاص عاقلون، وفي أذربيجان وتركيا. في حين أن الولايات المتحدة ليس لديها وقت للديمقراطية وحقوق الإنسان في مسألة الضغط على أرمينيا. وإيران متمسكة بموقفها الحازم المناهض للغرب، أو بالأحرى المناهض للعولمة، ناهيكم بموقفها من روسيا؛

وثالثا، يواجه فريق باشينيان احتمال إجراء انتخابات برلمانية جديدة، الأمر الذي يتطلب استعراض إنجازات مهمة، وهي لم تتحقق بعد.

وهكذا، فإن الحكومة الأرمينية الحالية، التي تستمر في المناورة بين رعاتها الغربيين واحتياجات البلاد والشعب، سوف تضطر عاجلاً أم آجلاً إلى اتخاذ قرار نهائي بشأن نهجها، حيث يغدو من الصعب على نحو متزايد الجلوس على كرسيين في وقت واحد. في ضوء الإجراءات غير الودية التي اتخذتها أرمينيا في السنوات الأخيرة، من الصعب أن يكون للخطوات العمياء في إعادة توجيه السياسة الخارجية الأرمينية تأثير مفيد في المسار الاقتصادي.

روسيا اليوم




أيقونة معمارية شاهدة على التاريخ.. العزبة القيصرية “إيزمائيلوفو”

ترتبط هذه العزبة التي أنشئت في القرن السابع عشر وتعتبر تحفة تاريخية ومعمارية فريدة، بأحداث هامة في تاريخ الدولة الروسية.

تقع العزبة شرق العاصمة موسكو على جزيرة صناعية، بنيت بأمر من القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش والد الإمبراطور بطرس الأكبر، الذي ترعرع وكبر فيها.

كانت هذه المنطقة في القرن الرابع عشر تعود الى عائلة إيزمائيلوف، وكان القيصر اليكسي ميخائيلوفيتش يرتاد هذا المكان المغطى بغابات كثيفة من أشجار البلوط والبتولا لممارسة هواية الصيد. وفي القرن السادس عشر اتخذت عائلة رومانوف (عائلة القيصر أليكسي ميخائيلوفيتش) القرار بشرائها، لتبدأ في النصف الثاني من القرن السابع عشر عملية بناء مقر للقيصر، على جزيرة صناعية محاطة بالغابات الكثيفة. ولأجل الوصول إليها تم إنشاء جسر حجري ينتهي من جهة العزبة ببرج ثلاثي الطوابق، كان البوابة الرئيسية للعزبة إضافة إلى كونه برجا للأجراس. يوجد في البرج حاليا متحف “إزمائيلوفو وحكام روسيا”.

عزبة إيزمائيلوفو

كانت العزبة تتضمن إضافة الى القصور ومباني الضيافة والخدمات، حقولا ومزارع تجريبية لزراعة النباتات الفريدة: الكروم والدخن وأشجار التوت ومزرعة للنباتات الطبية، ومكانا لتربية الحيوانات البرية، كما كانت تتضمن متنزها جميلا ومنحلا. وتضمنت العزبة معامل للأنسجة الكتانية ولصناعة الزجاج ومصنعا للجعة وآخر للنبيذ ومصنع لإنتاج الزيوت النباتية، وفيها 37 بركة مياه و7 طواحين.

وتتضمن العزبة أيضا عددا من المباني التي مازالت قائمة حتى هذا اليوم منها: بوابتان رئيسيتان، كاتدرائية شفاعة العذراء، الجسر الحجري وبرجه، بوابة من الحديد الزهر على شكل قوس النصر ونافورة وغيرها من المباني الخدمية والسكنية التي شيدت في القرن التاسع عشر.

– كاتدرائية شفاعة العذراء

شيدت الكاتدرائية خلال أعوام 1671-1679 وهي بناء ضخم تعلوه خمس قباب ويبلغ القطر الداخلي للقبة الرئيسية 8.5 متر. وإيقونستاس (ايقونات المذبح) من خمسة صفوف ارتفاعه 18 مترا ومساحته 325 مترا مربعا، إضافة إلى الزخارف الجميلة على جدرانها الداخلية.

كاتدرائية شفاعة العذراء

أما جدران المبنى الخارجية فتزينها زخارف ذهبية وحمراء جميلة ورائعة، تتضمن رسوم نباتات وحيوانات مختلفة. وشيدت بجانب الكاتدرائية بعد الحرب الوطنية عام 1812 دار للمعاقين بسبب الحرب.

أغلقت الكاتدرائية والدار عام 1918 وفي عام 1928 نقل إلى الدار أرشيف وزارة الداخلية، ونقلت الأيقونات الكبيرة إلى متحف روبليوف للفنون الروسية القديمة. بعد الانتهاء من عمليات الترميم والصيانة أعيدت الكاتدرائية إلى الكنيسة الارثوذكسية الروسية عام 1990 مع مجموعة من الأيقونات السابقة.

– برج الجسر الحجري

أنجز بناء الجسر والبرج عام 1674 وهو بناء فريد. يبلغ طول الجسر 106 أمتار وفيه 14 قنطرة وعرضه أكثر من 10 أمتار. يتكون البرج من ثلاثة طوابق، كان الطابق الأرضي مخصصا للعاملين في الكنيسة، أما الطابق الأوسط فكان مخصصا لاجتماع مجلس دوما النبلاء عند إقامة القيصر في إيزمائيلوفو.

برج الجسر الحجري

أما الطابق العلوي الأخير فكان مخصصا لأجراس كاتدرائية شفاعة العذراء. البرج حاليا متحف ” إزمائيلوفو وحكام روسيا” الذي يحتوي على معروضات قديمة يمكن من خلالها التعرف على تاريخ المكان، كما ينظم المتحف جولات سياحية للزوار لتعريفهم بتاريخ العزبة القيصرية، ويقدم عروضا مسرحية قديمة تتخللها عروض للأزياء القديمة وغيرها.

– كرملين إيزمائيلوفو

كرملين إيزمائيلوفو

مجمع ثقافي – ترفيهي، وهو تحفة فنية معمارية استخدم في بنائه أحدث ما توصل إليه الفن المعماري والهندسة المدنية، وهو يحاكي مباني القرن السابع عشر التي مازالت قائمة هناك. استمر بناء هذا المجمع من عام 1998 ولغاية عام 2007 وهو مبني على الطراز المعماري الروسي في القرن السابع عشر.

ويطلق على كرملين ازمائيلوفو ” متحف المتاحف” حيث توجد ضمن المجمع الذي يغطي مساحة 24 هكتارا سبعة متاحف، وهي: متحف تاريخ الفودكا ومتحف الأزياء الروسية ولوازم الحياة اليومية ومتحف الأجراس ومتحف الحكايات والأساطير ومتحف الدمى الروسية ومتحف الأرقام القياسية الروسية. ويعتبر الكرملين الخشبي بأبراجه الحجرية البيضاء بحد ذاته متحف.

سوق فيرنيساج

ويقع بالقرب من كرملين ازمائيلوفو سوق “فيرنيساج” المشهور عالميا، الذي تعرض فيه وتباع تحف قديمة وحديثة من إنتاج حرفيين شعبيين. كما تقع ضمن محيط الكرملين ورشات لمختلف الحرف كالحدادة والنجارة والصناعات الخزفية والأنسجة. وقد أصبح هذا السوق الذي تعرض فيه منتجات فنية رائعة قبلة لسكان روسيا والسياح الأجانب.

روسيا اليوم




صحيفة أمريكية: ضم ترامب لغرينلاند سيعني نهاية الناتو

نشرت صحيفة “ذا هيل” الأمريكية مقالا مطولا أشارت من خلاله إلى أنه في حال ضم الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لغرينلاند، فذلك سيعني نهاية حلف الناتو.

وكتبت الصحيفة: “استيلاء ترامب على غرينلاند رغم اعتراضات الدنمارك العضو في حلف شمال الأطلسي سيعني نهاية الناتو، لأنه لا يمكن لأي تحالف أن يستمر إذا انتهكت قوات عضو منه السلامة الإقليمية لعضو آخر”.

وتشير الصحيفة إلى أن “ألمانيا هتلر كانت الدولة الوحيدة التي انتهكت سيادة الدنمارك” في التاريخ الحديث، مؤكدة أنه “لا ينبغي لأمريكا أن تقف على قدم المساواة معها”.

ووفقا للصحيفة، مثل هذه الخطوة من جانب إدارة ترامب يمكن أن تستخدمها الصين كمبرر لغزو تايوان.

ووصف ترامب عدة مرات رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو بأنه حاكم “ولاية كندا العظيمة”. وفي 18 ديسمبر اقترح ترامب النظر في إمكانية ضم كندا إلى الولايات المتحدة واعتبارها الولاية رقم 51، قائلا إن مثل هذه الخطوة يمكن أن تخفف التكاليف بشكل كبير عن كاهل الكنديين.

وأكد ترامب أن الولايات المتحدة، قد تطالب بالعودة الى سيطرتها على قناة بنما إذا لم يتم تعديل الشروط الحالية لاستخدامها.

وعندما أعلن ترامب تعيين كين هويري سفيرا لواشنطن لدى الدنمارك، قام بلفت النظر إلى أن الولايات المتحدة تعتقد أن ملكية غرينلاند والسيطرة عليها تعد ضرورة مطلقة من أجل الحفاظ على الأمن القومي والحرية في جميع أنحاء العالم.

وفي عام 2019، ظهرت سلسلة من المنشورات في وسائل الإعلام تفيد بأن ترامب يدرس إمكانية شراء غرينلاند، ليؤكد هو نفسه لاحقا للصحافيين أنه مهتم بهذه القضية “استراتيجيا”.

صحيفة ذا هيل الاميركية

ترجمة روسيا اليوم




كاراغانوف: “كسر شوكة أوروبا” سينقذ العالم

نشر موقع “روسيا في السياسة الدولية” مقالا لسيرغي كاراغانوف* تناول تطور السياسة الروسية تجاه الغرب في ظل عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة.

لقد أدى انتخاب ترامب إلى إيقاف مؤقت لتطور سياساتنا تجاه الغرب، بما في ذلك حربنا في أوكرانيا. ولم نرد بقوة (وهو أمر صحيح) على استفزازات مؤخرة الجيش التي قامت بها إدارة بايدن، لكن جنودنا واصلوا العمليات الهجومية وسحق قوات المرتزقة الغربيين في أوكرانيا. والآن نستمع إلى أصداء من جميع الجهات عن إمكانية التوصل إلى حل وسط وعن معالم هذا الحل. وهنا على الأقل، في وسائل الإعلام الروسية، بدأت مناقشة مثل هذه الخيارات بقوة.

الآن، وبالتعاون مع زملائي، نقوم بإعداد دراسة واسعة النطاق وتحليل للوضع مخصص لتطوير التوصيات فيما يتعلق بالسياسة الروسية تجاه الغرب. لن أتوقع نتائج المناقشة، بل سأشارك فقط ببعض الأفكار الأولية، وقد تكون هذه التوصيات مفيدة خلال الفترة التي يتم فيها إعداد التقرير، هادفة في نهاية المطاف لإنشاء أساس لمناقشة أوسع نطاقا.

ولم يعد لدى إدارة ترامب الآن سبب جدي للتفاوض معنا على الشروط التي وضعناها. فالحرب مفيدة اقتصاديا للولايات المتحدة، لأنها تسمح لها بسرقة الطاقة المضاعفة من حلفائها، وتجديد مجمعها الصناعي العسكري، وفرض مصالحها الاقتصادية من خلال العقوبات المنهجية على عشرات الدول في جميع أنحاء العالم. وبطبيعة الحال، فإن الاستمرار في إلحاق الضرر بروسيا على أمل استنزافها، وفي أفضل السيناريوهات بالنسبة للولايات المتحدة، إسقاطها أو إقصائها من اللعبة، يمثل جوهرا عسكريا استراتيجيا للصراع المتصاعد. وتحرير أغلبية العالم يشكل داعما استراتيجيا قويا لمنافستها الرئيسية: الصين. ورغم أن هذه الحرب من وجهة النظر الرئيسية لترامب كما نفترضه، المستندة إلى السياسة الداخلية، ليست ضرورية وحتى ضارة بعض الشيء، فإن ميزان المصالح يميل لصالح استمرارها.

وإذا كنت سأضع نفسي مكان ترامب، القومي الأمريكي الذي يحمل عناصر التبشير من المسيحية التقليدية، بعيدا عن رواسب الليبرالية العالمية المتكلسة خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية وتورط بايدن في مخططات الفساد الأوكرانية، فهناك ثلاثة أشياء فقط يمكنها دفع ترامب الافتراضي نحو اتفاقيات تنسبنا: الأول- تهديد أفغانستان-2 والهزيمة الكاملة والهروب المخزي لنظام كييف والفشل الواضح للغرب بقيادة الولايات المتحدة. الثاني- هو خروج روسيا عن تحالفها الفعلي مع الصين. الثالث- هو التهديد بانتقال العمل العسكري إلى أراضي الولايات المتحدة وممتلكاتها الحيوية، وهو ما سيصاحبه مقتل أعداد كبيرة من الأمريكيين (بما في ذلك تدمير القواعد العسكرية).

إن الهزيمة الكاملة ضرورية، ولكن ذلك سيكون باهظ التكلفة للغاية، إن لم يكن باهظ التكلفة للحد غير المسموح، من دون استخدام أكثر نشاطا لعامل الردع النووي، وسيتطلب موت الآلاف والآلاف من خيرة أبناء وطننا. وخيانة الصين هو أمر غير مثمر بالنسبة لنا على الإطلاق. وإذا كان أنصار ترامب في ولايتهم الأولى قد حاولوا إقناعنا بفعل هذا، فيببدو الآن أنهم يدركون أن روسيا لن توافق على ذلك. وسأورد مزيدا من التفاصيل حول العامل النووي لاحقا.

بالنسبة للنخب الأوروبية الحالية، والمتكاملين مع أوروبا، فإن الحرب ضرورية بشكل ملح. وليس فقط بسبب الأمل في تقويض منافس جيوسياسي تقليدي والانتقام من هزائم القرون الثلاثة الماضية، بل وأيضا بسبب “الروسوفوبيا” رهاب روسيا. فهذه النخب، وبيروقراطيتها الأوروبية تفشل في كل الاتجاهات تقريبا، ويبدو أن المشروع الأوروبي أصبح في مهب الريح.

واستخدام روسيا كفزاعة، والآن عدو حقيقي، الأمر الذي استمر لأكثر من عقد من الزمان، هو الأداة الرئيسية لإضفاء الشرعية على مشروعهم والحفاظ على سلطة النخب الأوروبية. وعلاوة على ذلك، أصبحت “الطفيلية الاستراتيجية”، وغياب الخوف من الحرب، في أوروبا أقوى بكثير مما هو عليه في الولايات المتحدة. ولا يريد الأوروبيون ليس التفكير فيما قد يعنيه هذا الأمر بالنسبة لهم فحسب، بل إنهم لم يعودوا يعرفون أصلا كيف يفكرون فيه. فمنذ العهد السوفيتي، واستنادا إلى خبرنا في العمل مع ديغول وميتران وبراندت وشرودر وآخرين من عينتهم، اعتدنا على اعتبار الأمريكيين المحرضين الرئيسيين على المواجهة وعسكرة السياسة في الغرب. ليس ذلك صحيحا تماما، ولم يعد صحيحا على الإطلاق. وكان تشرشل هو الذي جرّ الولايات المتحدة إلى الحرب الباردة عندما بدا له أن هذا مفيد. وكان الاستراتيجيون الأوروبيون (كانوا لا يزالوا موجودين آنذاك)، وليس الأمريكيون، هم الذين بدأوا أزمة الصواريخ في سبعينيات القرن العشرين، وقائمة الأمثلة طويلة.

والآن أصبحت النخب الأوروبية هم الرعاة الرئيسيين للمجلس العسكري في كييف، وينسون أن أسلافهم هم من أشعلوا حربين عالميتين ويدفعون أوروبا والعالم نحو حرب ثالثة.

وفي الوقت الذي يرسلون فيه علف المدافع الأوكراني إلى المذابح، فإنهم يجهزون وقودا جديدا للحرب ممثلا في الأوروبيين الشرقيين من العديد من دول البلقان ورومانيا وبولندا. وقد بدأوا بالفعل في نشر قواعد متنقلة حيث يقومون بتدريب فرق من جنود Landcknechte “اللاندسكنيخته” (المرتزقة) المحتملين. وسيحاولون مواصلة الحرب ليس فقط “حتى آخر أوكراني” وإنما قريبا “حتى آخر أوروبي شرقي”.

والدعاية المعادية لروسيا التي يشنها حلف “الناتو” وبروكسل تتجاوز بالفعل الدعاية الهتلرية. وحتى العلاقات الإنسانية الشخصية مع روسيا يتم قطعها بشكل منهجي. أولئك الذين يدافعون على العلاقات الطبيعية يتعرضون للتسميم المعنوي والطرد من العمل. ويتم في الأساس فرض أيديولوجية ليبرالية شمولية، حتى أنهم نسوا كافة ادعاءاتهم بالديمقراطية، برغم أنهم لا زالوا يصرخون بشأنها. وأحدث مثال على ذلك هو إلغاء نتائج الانتخابات الرئاسية في رومانيا، والتي لم يفز بها مرشح بروكسل.

إن النخب الأوروبية لا تعمل فقط على إعداد شعوبها وبلدانها للحرب بشكل واضح. بل إنهم يذكرون تواريخ تقريبية عندما سيكونون على استعداد لشنها. فكيف نوقف هؤلاء المجانين؟ وهل يمكن وقف الانزلاق نحو الحرب العالمية الثالثة، على الأقل في أوروبا؟ والتوصل إلى إنهاء الحرب؟

إن أحاديث التسوية والهدنة وتجميد خط المواجهة الحالي الدائرة الآن من شأنها أن تسمح بإعادة تسليح بقايا القوات الأوكرانية، واستكمالها بقوات من بلدان أخرى، وبدء جولة جديدة من العمليات العسكرية. وسوف يتوجب علينا القتال مرة أخرى. علاوة على ذلك، من مواقع سياسية أقل فائدة. وسوف يكون من الممكن، بل من الضروري، إذا ما تعيّن الذهاب إلى ذلك طرح هذه التسوية بوصفها انتصارا. لكنه لن يكون انتصارا، بل، وبصراحة، انتصارا للغرب. وهكذا سيتم إدراك الأمر في كافة أنحاء العالم، وفي كثير من النواحي، ينطبق الأمر نفسه علينا.

ولن أقوم هنا بإدراج جميع الأدوات لتجنب مثل هذا السيناريو، لكني سأذكر فقط أهمها:

أولا، يجب أن نخبر أنفسنا والعالم، وخصومنا بالأمر الواضح: أوروبا هي مصدر كل الأمراض الكبرى التي عانت منها البشرية، حربان عالميتان، وإبادات جماعية، وأيديولوجيات معادية للإنسانية، والاستعمار، والعنصرية، والنازية، وبقية القائمة. واستعارة أحد المسؤولين الأوروبيين المعروفين بأن أوروبا عبارة عن “حديقة مزدهرة” تبدو أكثر واقعية إذا وصفناها بأنها حقل مليء بالأعشاب الضارة السمينة، التي تزدهر على سماد من ملايين القتلى والمنهوبين والمستعبدين. ومن حولها ترتفع حديقة من أنقاض الحضارات والشعوب المضطهدة والمسلوبة. وأوروبا بحاجة إلى أن تسمى بما تستحقه من تسمية، حتى يصبح التهديد باستخدام الأسلحة النووية ضدها أكثر مصداقية وتبريرا.

ثانيا، أود الإشارة إلى حقيقة أخرى واضحة: أن أي حرب بين روسيا و”الناتو”/الاتحاد الأوروبي سوف تكتسب طبيعة نووية أو تتحول إلى حرب نووية إذا استمر الغرب في القتال ضدنا في أوكرانيا. وتعتبر هذه التعليمات ضرورية، من بين أمور أخرى، للحد من سباق التسلح المتنامي. ولا جدوى من تخزين ترسانات ضخمة من الأسلحة التقليدية إذا كانت الجيوش المجهزة بها، والبلدان التي أرسلت تلك الجيوش، ستتعرض حتما لإعصار نووي.

ثالثا، علينا أن نستمر في التقدم لعدة أشهر أخرى، ونسحق العدو. ولكن، كلما كان ذلك أسرع، كان من الضروري علينا أن نعلن أن صبرنا واستعدادنا للتضحية برجالنا من أجل النصر على هذا الوغد سوف ينفذ قريبا وسوف نعلن الثمن: مقابل كل جندي روسي مقتول، سنقتل ألف أوروبي، وسيموت الأوروبيون إذا لم يتوقفوا عن الاستسلام لحكامهم الذين يشنون حربا ضد روسيا. نحن بحاجة إلى أن نقول للأوروبيين بشكل مباشر: إن نخبكم ستجعل منكم علفا للمدافع، وإذا تحولت الحرب إلى حرب نووية، فلن نكون قادرين على حماية السكان المدنيين في أوروبا، كما نحاول أن نفعل في أوكرانيا. وسنحذر من الضربات، كما وعد فلاديمير بوتين، لكن الأسلحة النووية أقل انتقائية من الأسلحة التقليدية. وبطبيعة الحال، يتعين على النخب الأوروبية أن تواجه حقيقة مفادها أنها ستصبح هي وأماكن إقامتها الأهداف الأولى للضربات الانتقامية النووية، ولن يكون من الممكن الهروب من ذلك.

رابعا، يتعين مواصلة تعزيز قدراتنا العسكرية، وهو أمر ضروري في ظل ظروف عالم مضطرب ومليء بالأزمات. لكن، وفي الوقت نفسه، من الضروري ليس فقط تغيير العقيدة النووية، والتي بدأت بالفعل في التغير، ولله الحمد، ولكن أيضا استئناف التحرك الحاسم نحو التصعيد، في حالة عدم رغبة الأمريكيين وعملائهم في التفاوض. سلم التصعيد النووي، من أجل زيادة فعالية قوات الردع والانتقام النووية لدينا. “أوريشنيك” هو سلاح فعال ورائع ويستحق الثناء من حيث التكليف بإنشائه ولمخترعيه، لكنه ليس بديلا عن الأسلحة النووية، بل هو ببساطة خطوة أخرى فعالة على سلم التصعيد.

 خامسا، علينا أن ننقل إلى الولايات المتحدة من خلال قنوات مختلفة، أننا لا نرغب في إذلالها، وأننا مستعدون للمساعدة في ضمان حفاظها على ماء الوجه في الخروج من الكارثة الأوكرانية التي تم جرّها إليها العولميون الليبراليون الأوروبيون.

إلا أن الأمر الرئيسي هو أن نفهم أننا لا نستطيع، ولا نملك الحق في إظهار التردد أمام البلاد وشعبنا والإنسانية جمعاء. فما هو على المحك الآن ليس مصير روسيا فحسب، وإنما مصير الحضارة الإنسانية في شكلها الحالي.

وإذا ما وعندما ينسحب الأمريكيون، فسوف يتمر تدمير أوكرانيا بسرعة كبيرة. وسوف ينضم شرقها وجنوبها إلى روسيا، وينبغي في وسط وغرب أوكرانيا الحالية تشكيل دولة منزوعة السلاح ومحايدة مع منطقة حظر جوي فوقها، حيث يكن لجميع أولئك الذين لا يريدون العيش في روسيا وطاعة قوانيننا أن يذهبوا إليها، ويتم حينها التوصل إلى هدنة.

وبعد الهدنة سيكون من الضروري التحرك نحو حل مشترك للمشكلات التي تواجه البشرية، مع الأصدقاء من الأغلبية العالمية. وحتى مع الأمريكيين، إذا ما عادوا إلى رشدهم في نهاية المطاف. في الوقت نفسه، من الضروري للغاية إبعاد أوروبا مؤقتا عن حل المشكلات العالمية. حيث أصبحت، مرة أخرى، التهديد الرئيسي لنفسها وللعالم.

فلا يمكن إحلال السلام في شبه القارة إلا عندما يتم كسر شوكة أوروبا مرة أخرى، كما حدث في انتصاراتنا على نابليون وهتلر، وعندما يحدث تغيير في أجيال النخب الحالية. ولكن، حتى في هذه الحالة، ليس في سياق أوروبي ضيق، الذي أصبح شيئا من الماضي، ولكن في سياق أوراسي.

المصدر: روسيا في السياسة الدولية

*سيرغي كاراغانوف: دكتور في العلوم التاريخية، أستاذ فخري والمدير العلمي بكلية الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية بجامعة الأبحاث الوطنية التابعة للمدرسة العليا للاقتصاد، والرئيس الفخري لهيئة رئاسة مجلس السياسة الخارجية والدفاع.




إفريقيا في عالم متعدد الأقطاب: صحوة القارة السمراء ونضالها من أجل التحرر والتنمية

“أفضل أن أموت ورأسي مرفوع، وإيماني ثابت، وثقتي عميقة في مصير شعبي، على أن أعيش في التبعية”. هذه الكلمات تعكس روح القارة الإفريقية التي تسعى لتأكيد وجودها على الساحة الدولية.

“أفضل أن أموت ورأسي مرفوع، وإيماني ثابت، وثقتي عميقة في مصير شعبي، على أن أعيش في التبعية” باتريس لومومبا، ذات يوم سيحكم علينا التاريخ، لكنه لن يكون التاريخ الذي سيرضي بروكسل وباريس وواشنطن أو الأمم المتحدة، بل سيكون تاريخ بلدان تحررت من الاستعمار وعملائه. (باتريس لومومبا).  

في نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2024 أتيحت لي فرصة المشاركة في أول مؤتمر وزاري في التاريخ لمنتدى التعاون ” أفريقيا – روسيا”، الذي انعقد في سوتشي في أعقاب القمة الإفريقية الروسية التي عقدت في سانت بطرسبورغ عام قبل ذلك. أعطى المؤتمر زخما لتطوير العلاقات الوليدة مع القارة السمراء وأصبح بمثابة معلم هام آخر لأولويات السياسة الخارجية لروسيا في الجنوب والشرق العالميين.  

بصفتي مخططا كان مثيرا لاهتمامي الحصول على انطباع عميق عن شركائنا الأفارقة ووجهات نظرهم واهتماماتهم وقلقهم وتطلعاتهم. بعودتي إلى موطني في موسكو حققت فكرة قديمة ووضعت على الورق تلك الانطباعات والأفكار والآراء عن إفريقيا، ودورها المتنامي في الشؤون الدولية، التي جاءت نتاج سنوات عديدة من المراقبة والتنقل والعلاقات وقراءة الآداب المتخصصة.

هذا المقال كتب لغرض خاص، وهو إظهار حيازة إفريقيا على كل مقومات احتلال مكانة أقوى مركز للعالم الناشئ متعدد الاقطاب وبدء الأفارقة بالفعل التحرك نحو هدفهم. وأعلن فورا عدم ادعائي تغطية مجمل الموضوع، واتعمد عدم التطرق للعديد من النواحي التاريخية والثقافية واللغوية وغيرها من المجالات الواقعة ضمن حيز اهتمام المتخصصين في دراسات الإقليم. وسيسلط الضوء، في المقام الأول على أحداث وأدلة يمكن وفقا لها الحكم على ديناميكية تشكيل القطب الإفريقي وخواصه وآفاقه. تتضمن الخطط دراسة كل المراكز الموجودة لاتخاذ القرارات السياسية ذات الأهمية العالمية. وكذلك المرشحين للعب هذا الدور. لكن ما حفز للبدء بإفريقيا كان محض دافع رمزي، فإفريقيا بالتحديد تضم ” مهد الإنسانية”، موطننا التاريخي المشترك.

استناداً إلى النتائج الأنثروبولوجية التي أجريت في منطقة مضيق أولدوفاي (تنزانيا، عام 1959) وبحيرة توركانا (كينيا، عام 1972)، افترض العلماء أن الإنسان الحديث، أو الإنسان العاقل، ظهر على الأرجح في شرق أفريقيا منذ حوالي 200 ألف عام.

إفريقيا اليوم – حضارة معقدة للغاية. إنها ما يسمى بـ “إفريقيا الصحراء الجنوبية”، والمغرب العربي البربري، حيث يلتقي العالم الإفريقي بالعالم العربي الإسلامي، وكأنما تنساب إحدى الحضارات على الأخرى وتتداخل معها. إنها قارة ضخمة تضم العديد من الشعوب الأصيلة والثقافات والتيارات الدينية والأعراق والتاريخ القديم المتنوع. ومع ذلك فالشعور الداخلي بالمصير المشترك والإيمان بالمستقبل الواحد والرغبة في التنمية المتبادلة والتطلعات للتكامل الاقتصادي والسياسي والبحث الحثيث عن الهوية الإفريقية، هذا وغيره العديد مما يعطي أساسا لاعتبار إفريقيا كيانا جيوسياسيا متكاملا، وجزء لا يتجزأ من نظام المستقبل متعدد الأقطاب.  

القطب الإفريقي – القضايا والآفاق

أكد الإعلان المعتمد في أعقاب القمة الروسية الإفريقية الثانية في سانت بطرسبرغ على ” الدور والتأثير العالمي المتنامي لإفريقيا كواحدة من أهم ركائز العالم متعدد الأقطاب”.

وبالفعل، لدى إفريقيا كافة مقومات التحول إلى مركز قوى سيادي. تمتع إفريقيا بموارد ديمغرافية وطبيعية لا محدودة توفر لها آفاقا جيوسياسية تحسد عليها، في حال استغلالها فرصة التنمية السيادية. وليس من قبيل الصدفة القول بأن إفريقيا هي قارة المستقبل. من حيث عدد السكان البالغ مليار ونصف المليار نسمة نجد إفريقيا على قدم المساواة مع الهند والصين، بل وتتفوق عليهما بمقياس التركيبة العمرية، إذ نجد نصف الأفارقة دون سن العشرين عاما.  

قدر الخبراء أن يصل عدد سكان القارة ملياري ونصف المليار نسمة بحلول عام 2050، وهو ما يعني أن كل رابع شخص على وجه الأرض سيكون أفريقياً.

تعتبر أفريقيا مخزنا حقيقيا لثروات الأرض. إذ يوجد بها 30 في المائة من الموارد العالم المعدنية، بما فيها من هيدروكربونات ومعادن ثمينة وأحجار كريمة، إضافة إلى الكروم والبوكسيت والكوبالت واليورانيوم والليثيوم والمنجنيز والفحم والعناصر الأرضية النادرة. ويوجد كل هذا على مساحة إجمالية قدرها 30.37 مليون كيلومتر مربع (أي ما يقرب ضعف مساحة روسيا وفي مناخ أكثر دفئا)، ما يكفي من التربة الخصبة لإطعام جميع الأفارقة.  بفضل موقعها الجغرافي، تتمتع أفريقيا بإمكانية الوصول المباشر إلى ممرات النقل العالمية، وخاصة الممرات العابرة للمحيطات.

وعلى المستوى السياسي، تضم أفريقيا 54 دولة عضو في الأمم المتحدة، و27 دولة عضو في منظمة التعاون الإسلامي، و6 دول أعضاء في منظمة أوبك، و5 دول أعضاء في منتدى الدول المصدرة للغاز. ومن بين الدول الأعضاء في مجموعة البريكس، تمثل القارة جنوب أفريقيا ومصر وإثيوبيا، وتشارك كل من جنوب أفريقيا ومصر والاتحاد الأفريقي كأعضاء دائمين في مجموعة العشرين. 

أفريقيا تتحرك سريعا نحو تعزيز البنية المؤسسية اللازمة لتنسيق وتحقيق مصالح بلدانها. ويرتكز هذا على الفكرة الأصيلة المتمثلة في الوحدة الأفريقية، مع اعتمادها على التاريخ الطويل للشعوب الأفريقية والتقاليد المحلية. ولا شك أن “إحياء القيم التقليدية للحضارة الأفريقية هو مفتاح نهضة أفريقيا كحضارة مكتفية ذاتيا.

” الاتحاد الأفريقي جسد بدايات مبدأ الوحدة الأفريقية الشاملة، موحدا البلدان الإفريقية على منصة قارية مشتركة، يرفع صوته بشكل متزايد في السياسة العالمية باسم جميع الأفارقة. يتمتع الاتحاد الأفريقي بأهمية خاصة في التخطيط الاستراتيجي. في قمة أديس أبابا عام 2015، تم اعتماد وثيقة برامج تهدف إلى تحويل القارة إلى “منطقة قوة” بحلول عام 2063 – فيما سمى بـ “أجندة -2063″مبادرة الخط الرئيس للاتحاد الأفريقي موجهة نحو تفعيل التصنيع وتعزيز الوحدة الأفريقية. المشروع الاستراتيجي لإنشاء منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية هو المشروع الأكبر في العالم وخصص للتعزيز النوعي لعمليات التكامل بغرض جعل إفريقيا كيان تجاري وسياسي من الطراز العالمي.

الخطوة ذات الأهمية البالغة، نحو توسيع قدرة الأفارقة على الدفاع عن أولوياتهم في الساحة الدولية كانت حصول الاتحاد الأفريقي في سبتمبر/أيلول عام 2023، بدعم من روسيا ودول أعضاء أخرى، على وضع العضو الدائم في مجموعة العشرين على قدم المساواة مع الاتحاد الأوروبي.

تشكل بنية العالم المتعدد الأقطاب من خلال صيغ أفقية بين الأقطاب، وفي هذا السياق يعتبر الاتحاد الأفريقي، أفريقيا كمجموعة من الدول، أحد القادة العالميين. لقد ذكرنا القمم الروسية الأفريقية. وهناك آليات مشابهة: “إفريقيا – الصين”، “إفريقيا – الولايات المتحدة”، “إفريقيا – الهند”، “إفريقيا – الاتحاد الأوروبي”، “إفريقيا – العالم العربي”، “إفريقيا – أميركا اللاتينية”، “إفريقيا – تركيا”. ومن المقترح إنشاء صيغة “إفريقيا – آسيان”.

ويؤمن اندماج أفريقيا في العمليات القارية، من خلال مشاركة الدول الإفريقية الفردية في رابطة الدولة المطلة على المحيط الهندي للتعاون الإقليمي، ومنظمة دول إفريقيا والكاريبي والمحيط الهادئ، وجماعة البلدان الناطقة باللغة البرتغالية.

تلعب الوحدة بين دول الاتحاد على المستوى شبه الإقليمي، دورا محوريا في هيكلة الفضاء الإفريقي. وعلى رأس هذه التجمعات، جماعة تنمية الجنوب الإفريقي (SADC)، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية(IGAD)، والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا(ECOWAS). مجموعة شرق أفريقيا (EAC)، وتتمتع المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا (ECCAS)، والسوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (COMESA) بإمكانيات كبيرة. إن النسيج المتين للعلاقات السياسية والاقتصادية داخل القطب الإفريقي يعزز قدرته على البقاء.

وبحسب خبراء روس مطلعين، فإن الدول الإفريقية “تدعم بعضها البعض على الساحة الدولية وتتخذ مواقف مشتركة بشأن العديد من القضايا المدرجة على جدول الأعمال الدولي”. وفي الوقت نفسه، تسعى إفريقيا إلى توجيه المناقشات الدولية في اتجاه بناء، مع التركيز على حل المشاكل العملية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومكافحة الفقر والظلم، والقضاء على الممارسات الحديثة للاستعمار الجديد، وضمان الأمن وحل النزاعات، وزيادة القدرة على مقاومة الأوبئة.  

وكما هو الحال مع أغلبية سكان العالم، وربما بدرجة أكبر، يعاني الأفارقة من محاولات تسييس المناقشات الدولية وإخضاع آليات التعاون الدولي لمصالح الدول المستعمرة السابقة.

يشعر الأفارقة بالاستياء من استمرار استغلالهم كممثلين ثانويين في مشاريع السياسة الخارجية التي يتم الترويج لها برعاية “نظام قائم على القواعد”.

ويجري هذا بمحاولات جذبهم لحضور “قمم من أجل الديمقراطية”، التي عقدت بمبادرة من الإدارة الأميركية في الفترة 2021-2024، والضغط عليهم لإجبارهم على التصويت لصالح قرارات مناهضة لروسيا في الأمم المتحدة وغيرها من الساحات، وبالجهود الرامية إلى تأمين دعم، ولو ظاهري، للمبادرات آحادية الجانب لتسوية الأزمة الأوكرانية، دون الأخذ في الاعتبار مصلحة روسيا.

الخبراء الأفارقة يشكون من عدم استعداد الغرب “للاعتراف بحق دول القارة في أجندتها الخاصة”، واقتصار سياسته تجاه المعارضين على “معاقبتهم على اهتمامهم بمصالحهم الخاصة”. لا يمكننا ألا ندعم أولئك الأفارقة الذين يطالبون علانية “الاتحاد الأوروبي وحلفاء الولايات المتحدة الآخرين بعدم فرض أسلوب حياة وقيم على من لا يريدونها”. لا يمكن عدم الاتفاق مع الاستنتاج القائل بأن القضية الأوكرانية طغت، منذ مدة على كل شيء آخر بالنسبة للغرب.

إن صوت إفريقيا، المدعوم بإمكانياتها الطبيعية القوية، أخذ يعلو على نحو متزايد في العالم. لا نشك في أن هذه العملية الناجعة سوف تنمو وفق شعار توحيد وسيادة القطب الإفريقي اللاحقة. ومع ذلك، فإن قدرة القارة السمراء على تحقيق مستوى عال من الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، وبالتالي الاستقرار الجيوسياسي، أمر مستحيل دون “القضاء على جميع الآثار المتبقية للاستعمار”. 

أفريقيا مقيدة بقيود الاستعمار الجديد

أنقذنا ، يا إلهي ، من أوروبا التي تتحرق لحريتنا.

بيرنار دادي ، شاعر (كوت ديفوار(ساحل العاج)

أفريقيا هي القارة الأكثر تضررا من الاستعمار ، وقد نهبها الأوروبيون بلا رحمة طوال قرون عديدة ، واستنزفوا مواردها البشرية والمادية. كانت الموارد المسروقة “وقودا نفاثا” لتسريع وتيرة التنمية في الدول الأوروبية والولايات المتحدة. كتب الشاعر الليبيري باي تي مور في خمسينيات القرن العشرين: “الحضارة تتطور على قدم وساق – يتم شحن الذهب والماس إلى أوروبا”. إن هذه الكلمات المريرة هي دليل على الصدمة التاريخية التي ألحقتها الدول الاستعمارية بالأفارقة. يعبر الخبراء الأفارقة عن قناعتهم بأن الأسباب الأولية للتخلف المعقد لأفريقيا ، والنزاعات التي نشأت على أسس إقليمية وإثنية طائفية ، كان سبب معظمها سياسة المستعمرين الجشعة.

حصلت أفريقيا على فرصة تاريخية لنيل الاستقلال واكتساب وزنٍ في الشؤون العالمية مع بداية إنهاء الاستعمار في خمسينيات – ستينيات القرن الماضي. لقد أدى النضال المتفاني الذي خاضته عدة أجيال للأفارقة من أجل الاستقلال إلى ظهور مجموعة من السياسيين الذين سجلوا أسماءهم في تاريخ العالم. إنهم باتريس لومومبا ، نيلسون مانديلا ، جومو كينياتي ، أنتونيو أغوستينو نيتو ، سامورا ماشيل ، وأميلكار كابرال وكثيرون غيرهم. أطلق على عام 1960 اسم “عام أفريقيا”. كانت بين الدول السبع عشرة التي انضمت إلى الأمم المتحدة في عام 1960 ست عشرة دولة أفريقية. وقد واجهت هذه الدول التي تخلصت من الاضطهاد العسكري والسياسي للدول الاستعمارية (بلجيكا وبريطانيا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال وفرنسا) (واجهت) طريقا صعبا لبناء كيان دولها الجديد.

لم تجلب النهاية الشكلية لعصر الاستعمار لأفريقيا تحررا حقيقيا من التبعية الخارجية ، وخاصة في المجال الاقتصادي. لا تزال القارة ، بمواردها الغنية ، وبنيتها التحتية غير المتطورة في الوقت نفسه ، تجذب اهتمام الشركات الغربية متعددة الجنسيات. قال الكاتب الكيني نغوغي وا ثيونغي إن مغزى صراع الغرب على أفريقيا هو في “الوصول إلى الموارد المحلية”.

تحتل أفريقيا حتى الآن مكانا هامشيا في نظام التقسيم الدولي للعمل ، وتعتبر في الواقع مصدرا للمواد الخام الرخيصة وسوقا لترويج المنتجات ذات القيمة المضافة العالية. ووضع الأمور التمييزي هذا ، الذي يضمن تطور الغرب على حساب الآخرين في إطار التبادل غير المتكافئ ، مفيد جدا بالنسبة للغرب. وللحفاظ على هذه الممارسة وتعزيزها تستخدم الدول الاستعمارية السابقة في أفريقيا مجموعة واسعة النطاق من الأدوات الاستعمارية الجديدة. والمغزى هو استعباد هذه الدول وتكبيلها بالديون من خلال السياسة الائتمانية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيرهما مما يسمى “بالمانحين” الغربيين الآخرين ، في تنفيذ الرقابة الخارجية على حكومات البلدان الأفريقية ، وتنفيذ مخططات اغتصابية ، تنطوي على إخراج كل الأرباح إلى السلطات القضائية الغربية بالكامل.  وكما يشير الخبراء السياسيون الأفارقة بحق ، فإن الغرب يستفيد من مخطط يتم فيه ضمان أي تقدم مزعوم في المقام الأول من قبل الشركات متعددة الجنسيات ، ولا يتحول إلى تنمية”.

كانت هناك محاولات في الماضي لكسر هذا النظام، ووضع ثروات أفريقيا في خدمة شعوبها. على سبيل المثال، المبادرات الأفريقية التي أطلقها زعيم الجماهيرية الليبية معمر القذافي، الذي اغتيل بوحشية بدعم من حلف الناتو. وكان هدفهم هو استغلال إمكانات أفريقيا لتنفيذ مشاريع التنمية واسعة النطاق. لقد كانت هناك أفكار عديدة – من إنشاء عملة مشتركة (الدينار الذهبي) وبناء البنية الأساسية لتشكيل هوية أفريقية شاملة.

وليس من المستغرب أن تتعارض هذه الرؤية التقدمية لمستقبل القارة السوداء بشكل مباشر مع المصالح الأنانية الضيقة للغرب وممارساته الاستعمارية الجديدة في النهب والدكتاتورية.

وحتى يومنا هذا لا تزال المساعدات المقدمة لأفريقيا من مؤسسات بريتون وودز ومن بعض الدول الغربية تخضع لمطالب مهينة. ويشكو الخبراء الأفارقة من أن الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، على سبيل المثال، تعمل بالدرجة الأولى على تعزيز الأجندة السياسية المترسخة في أيديولوجية العولمة النيوليبرالية. وتدرج الوكالة “نشر الديمقراطية، ودعم المجتمع المدني، والمساعدة في انتخاب القيادة” كأولوية لعملها في أفريقيا. إن مبادرة “الوصول العالمي” التي أطلقها الاتحاد الأوروبي لا تقترح أقل من تأكيد التزام الأفارقة بالقيم والمعايير الغربية سيئة السمعة (بما في ذلك أولوية المثليين جنسياً، وقضاء الأحداث، والعنصرية، وكراهية الروس) مقابل المساعدة.

ويمكن رؤية حجم الاستغلال المنتظم لأفريقيا من قبل الغرب في الوضع في سوق البن العالمية. تقدر منظمة البن العالمية حجم مبيعاتها بحوالى 460 مليار دولار سنويا. ومن بين هذه الأرباح، تحصل أفريقيا على أقل من 10بالمئة. تكسب ألمانيا وحدها سنويًا من تجارة القهوة أكثر من إجمالي ما تكسبه كافة بلدان القارة السوداء مجتمعة. وفي مجال الأمن الغذائي، ينتهج الغرب منذ العصور الاستعمارية، ومن خلال جماعات الضغط، سياسة إقصاء المحاصيل الزراعية المحلية التقليدية من النظام الغذائي للأفارقة، وزراعة القمح في كل مكان، وهو ما لا يناسب بشكل جيد الظروف المناخية للمنطقة. ونتيجة لذلك، وقع العديد من البلدان الأفريقية في “فخ القمح” الذي صنعه الإنسان، وأُجبروها على استيراد منتجات القمح الباهظة الثمن المنتجة في الاتحاد الأوروبي.

يعتمد الغرب أيضا ، من خلال الترويج لما يسمى بأجندة المناخ والبيئة في أفريقيا، على مصالحه التجارية والسياسية الأنانية، التي تتعارض مع تطلعات البلدان الأفريقية. وكما أشار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن البلدان الأفريقية “يُفرّض عليها استخدام الأدوات والتقنيات الحديثة”. لكنها لا تستطيع شراءها… ولا يعطيها أحد المال. ولكنهم يجبرونها مرة أخرى على الاعتماد على التقنيات والقروض الغربية. ويتم منح القروض بشروط رهيبة، ومن المستحيل تسديد القروض. “هذه أداة أخرى من أدوات الاستعمار الجديد.”

وخير دليل على مَن يمتلك الحق ، برأي الغرب ، في التصرف بالموارد الأفريقية ، هو تكوين ” الشراكة في مجال توريد المعادن” الذي تأسس لأفريقيا في عام 2022 : أستراليا ، بريطانيا ، ألمانيا ، كندا ، جمهورية كوريا ، الولايات المتحدة ، السويد ، فنلندا ، فرنسا ، اليابان والاتحاد الأوروبي.

إن نتيجة هذه الشراكات هي دائما حرمان الأفارقة من فرصة تحويل مواردهم إلى سيادة اقتصادية وتكنولوجية وسياسية.

والأمم المتحدة ، بسبب اندماجها في الأجندة الغربية، تساهم في خدمة مصالح هذه السياسة. ويكفي أن ننظر فقط إلى القسم “الأفريقي” من موقع المنظمة العالمية على شبكة الإنترنت، حيث لا يتصدر قائمة المشاكل التي تواجه المنطقة الفقر، ولا المهاجرون (40 في المائة من إجمالي العالم)، ولا الإرهاب أو القرصنة، ولا الصراعات، ولا الاتجار بالمخدرات والأسلحة، بل تغير المناخ. وقد أثبتت بعثات حفظ السلام الخمس التابعة للأمم المتحدة في أفريقيا ، وفقا لتقييم خبراء السياسة الأفارقة ، فشلها المزمن في تحسين الوضع الأمني. وتهدف أنشطة وكالات الأمم المتحدة، وخاصة مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى تلبية الاحتياجات الفورية بالتنسيق مع المنظمات غير الحكومية الغربية الملتزمة. ولنضف إلى هذا تسييس نظام المساعدات الإنمائية الدولية من قبل المانحين الغربيين.

تساعد المنظمة العالمية الغرب في حربه المعرفية العالمية من خلال إضفاء الشرعية على المفاهيم والروايات التي تخدم مصالحه. وتجد العديد من البلدان الأفريقية نفسها مضطرة إلى الاعتراف، على سبيل المثال، بحقيقة أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يعتمد في أنشطته على المفهوم الخاطئ للتطرف العنيف. وفي إطاره يرتبط انتشار الأيديولوجيات المتطرفة الراديكالية بانتهاك حقوق الإنسان. وتتلخص توصيات الأمم المتحدة، إذا وضعنا التفاصيل جانباً، في الحد من صلاحيات وأدوات السلطات في مكافحة العناصر المتطرفة والإرهابية بشكل علني في بعض الأحيان والتي تهدد الاستقرار، ولكنها مع ذلك تعمل بما يتماشى مع الأهداف التي تعكس مصالح الغرب.

لا تؤخذ بعين الاعتبار الأسباب الحقيقية للإرهاب ــ التدخل الخارجي المدمر، وإضعاف الدولة وانهيارها، والتناقضات بين الشعوب والطوائف، والتي غالبا ما تثيرها مصالح الشركات الغربية متعددة الجنسيات.

إن كل ما ذكرناه هو انعكاس للسياسات الوطنية للدول الغربية. وهكذا، تشير استراتيجية الولايات المتحدة تجاه أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى نفس الأولويات: نشر الديمقراطية، ودعم المجتمع المدني والناشطين، وتوسيع حقوق المثليين جنسيا، ومكافحة التضليل (اقرأ: فرض الرقابة على أي معلومات لا تعجب الأميركيون أو أقمارهم الصناعية) والتحول الأخضر.

لقد كتبت بالفعل عن واقع أن الأجندة الثورية – بالمعنى السيئ للكلمة – أجندة الليبرالية الجديدة هي في الأساس نتاج أموال غربية كبيرة ، ولا تحتاج إلى أي نوع من التقدم أو التنمية، بل لخدمة مصالح الشركات العالمية متعددة الجنسيات. وخير دليل على ذلك ، ما يفعلونه في أفريقيا.

ينوه الخبراء الشباب الأفارقة -وهم محقون في ذلك- بأن “التحرر من التبعية يبدأ بإزالة الاستعمار من عقل الإنسان -تفكيره”. وها هو الغرب يراقب بكثير من القلق كيف تجري عملية تكريس استقلالية المجتمع الإفريقي الجيوسياسي، بل ويعترف بعض العلماء الغربين مضطرين بأن “البلدان الإفريقية بحاجة إلى أن يتم فهمها واحترامها”. والمثير للدهشة حقا أن تتم الدعوة في الغرب لمحاربة حتى مصطلح “الجنوب العالمي” باعتباره كما يزعمون من انتاج الدعاية الروسية، وهم قلقون من احتمال أن تكون روسيا “تلعب على حالة الإحباط التي تعيشها إفريقيا من عدم وجود تمثيل لها في الاقتصاد العالمي والحوكمة”، وهم يُذكروننا بأن القارة الإفريقية لا تقبل التوجيهات الأخلاقية”.

إن المتلازمة المَرضيّة من عقدة التفوق على الآخرين هي التي تعيق الأنكلوساكسونيين والأوروبيين عن التعامل بشكل نِدّي مع بلدان الجنوب والشرق. ماذا يمكن أن نقول في ممارساتهم هذه إن تم في بروكسل عام ألف وتسعمئة وثمانية وخمسين – أي قبل فترة قصيرة قياسا بالمعيار التاريخي- في إطار معرض إكسبو ثمانية وخمسين عرض عدد من الأشخاص الأفارقة أحياء في أحد الأجنحة حيث تم جلبهم من الكونغو التي كانت تحت الاحتلال البلجيكي باعتبارهم “معروضات”. وقد انتشرت حدائق الحيوان البشرية في أوروبا الأطلسية، بما في ذلك في أنتويرب ولندن ونيويورك وهامبورغ طيلة النصف الأول من القرن العشرين.

إلا أن الزمن يفعل فعله في نهاية المطاف، ذاك أن النزعة التاريخية تكمن في أن عصر الهيمنة الأوربية على القارة الإفريقية قد ولى.

يجري الآن انهيار مناطق نفوذ ما بعد الاستعمار في المراكز التي كانت تتبع إليها المستعمرات، يكفي أن نذكر بأية سرعة يتقلص مجال سيطرة باريس العسكرية والسياسية في بلدان الفرانكوفونية الإفريقية. إن الأفارقة اليوم يتحررون بشكل تدريجي من ثقل آليات التعاون غير الفعالة التي شاخت بما في ذلك في المجال الأمني، ويتحررون من الآليات المرتبطة بالمصالح الاستعمارية الجديدة للغرب (كمثال على ذلك في هذا الزمن- تشكيل تحالف ثم كونفدرالية لدول الساحل). ويسترشد الزعماء الأفارقة الذين يقاومون الإملاءات الخارجية إذ يأخذون على عاتقهم حل تلك المشاكل المزمنة بالمبدأ الذي صاغه المؤرخون الأفارقة على هذه الشاكلة: ” إن الصيغ التي يمكن أن تكون مجدية وناجحة في القارة الإفريقية هي الصيغ التي لا يتم إملاؤها من الخارج، بل التي يطورها الأفارقة أنفسهم”، بالمناسبة غدا المبدأ المعروف الذي يقول: “أن المشاكل الإفريقية تحتاج إلى حلول إفريقية” في عصر تمحور السياسة العالمية حول الخصائص الإقليمية مثالا يحتذى في حالات مماثلة كالحلول الأمنية في الشرق الأوسط  والخليج العربي  وأفغانستان وشرق آسيا، وهناك في عموم القارة الأوراسية أمور مقاربة تجعل بلدان هذه المنطقة مسؤولة عن نفسها وعن أمنها ومصيرها.

أخيرا يساعد أيضا واقع أن تحرير إفريقيا يدخل بشكل سلس متناغم في السياق الدولي الواسع لتدعيم تعدد الأقطاب، كما أن التغييرات في ميزان القوى الدولي أخذ طابعا حاسما لا رجعة عنه، وينوه الخبراء الأفارقة بأن على القارة الإفريقية أن تركز اهتماماتها في الظروف الجديدة على تطوير مؤسساتها، وتعميق التعاون بين الدول الإفريقية، هذا التعاون الذي يقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة، لا على التبعية. وقد سُمعت هذه الأطروحات أثناء اجتماع اللجنة التنظيمية للمنتدى الدولي لأنصار النضال ضد الممارسات الحديثة للاستعمار الجديد، والذي انعقد عام ألفين وثلاثة وعشرين بمبادرة من الحزب السياسي الروسي ” روسيا الموحدة” الذي التأم اجتماع لجنته التأسيسية في الثاني عشر من فبراير عام ألفين وأربعة وعشرين بحضور واسع من ممثلي إفريقيا، وكانت نتيجة هذا العمل المشترك ولادة حركة مناهضة الاستعمار: “من أجل حرية الأمم”

ويمكن أن نعتبر اعتماد قرار الجمعية العامة الأمم المتحدة في الرابع من ديسمبر عام ألفين وأربعة وعشرين انتصارا سياسيا بالغ الأهمية، ذلك القرار الذي يقضي “بضرورة القضاء على الاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره” الذي أعدت مسودته الدول الأعضاء في مجموعة أصدقاء الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة، والذي لعبت روسيا دورا رئيسيا في صياغته. وقد صوتت الأغلبية الساحقة من البلدان الإفريقية لصالح هذه القرار الموجه لضمان التنفيذ الكامل لإعلان عام ألف وتسعمئة وستين بمنح الاستقلال لجميع البلدان والشعوب المستعمرة، والذي يدعو للنظر في هذا السياق لمسألة إعلان الرابع عشر من ديسمبر يوما دوليا مكرسا للنضال ضد الاستعمار بجميع أشكاله ومظاهره (وذلك أحياء لذكرى إقرار هذا الإعلان). يمكن اعتبار هذه الخطوة التي يؤيدها الأفارقة ضمانة تؤكد أن الأمم المتحدة لم تخسر مكانتها بعد، وأنها تستطيع أن تلعب دورها البناء في توحيد القوى التقدمية لمتابعة النضال ضد الهيمنة والظلم.  

إن مجموعة بريكس مدعوة اليوم للعب دور القاطرة في تدعيم التعددية القطبية والتي تشارك فيها كل من جنوب إفريقيا ومصر وإثيوبيا، ناهيك عن أن جمهورية الكونغو وموريتانيا شاركتا في القسم الإضافي لتكريس التواصل المباشر في قمة بريكس التي انعقدت في قازان في أكتوبر – تشرين أول عام ألفين وأربعة وعشرين، وهناك جانب عملي مرتبط بالمبادرات النقدية والمالية لمجموعة بريكس إضافة إلى الأهمية السياسية لمشاركة الأفارقة في هذا التجمع المتعدد الأطراف. وهكذا فإن بنك التنمية الجديد وترتيب الاحتياطات النقدية المؤقتة هي أدوات مأمولة وغير مسيسة تستطيع البلدان الإفريقية الاعتماد عليها إبان حل مسائل التطور السيادي. السياسيون والخبراء الأفارقة يقدرون عاليا إمكانيات مجموعة بريكس، وهم يعتبرون أن هذا التجمع هو القوة الدافعة نحو بناء نظام دولي جديد وعادل، وهو الأساس المضمون لهندسة العلاقات الدولية كبديل عن آليات القطب الواحد، ولا بد من الإشارة إلى أن علماء السياسة الروس يتضامنون معهم في هذا الرأي: إن توسيع بريكس وإدخال مصر وأثيوبيا في هذه الصيغة “يعتبر دليلا واضحا يؤكد أن العالم يسير نحو التعددية القطبية”

يتحقق أمام أعيننا ما أشار إليه وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف: “إن الصحوة الإفريقية الثانية جارية بالفعل، وهي هذه المرة صحوة تجاه القمع الاستعماري الجديد، وتجاه تلك الممارسات التي تعيق تنميتها”. ولا شك أن العديد من الفرص للمضي في طريق التطور ذي التوجه الوطني سيتحقق من خلال مزيد من إعادة توزيع القوة الاقتصادية والسياسية عالميا، إلى جانب تشكيل منصات مالية واقتصادية وسياسية وإنسانية بديلا عن المنصات الغربية، وروسيا مستعدة لتقديم المساعدة الشاملة لأصدقائها الأفارقة في هذا المجال.

روسيا وإفريقيا- هذا وقت جمع الحصى

فليمنحنا الله المطر أو الروس (مثل صومالي)

يكمن في مفهوم السياسة الخارجية الروسية أن بلادنا تنوي أن تعزز تطولر وتنمية القارة الإفريقية “كمركز مميز له تأثيره على التنمية العالمية”. ويعتبر التعاون مع الدول الإفريقية وفق الرئيس فلاديمير بوتن أحد الأولويات الثابتة للسياسة الخارجية لبلادنا. “إن الإعلان الصادر عن القمة الروسية الإفريقية يتحدث عن العلاقات الودية الوطيدة والمجربة تاريخيا بين روسيا والدول الإفريقية، وكذلك عن الاحترام والثقة المتبادلة، ناهيك عن تقاليد النضال المشترك للقضاء على الاستعمار وتكريس استقلال الدول الإفريقية”. كما أن لدينا صورة مشتركة للمستقبل. وقد أكد البيان الصادر عن مؤتمر سوتشي الوزاري لعام ألفين وأربعة وعشرين على مسؤولية الاتحاد الروسي والدول الإفريقية عن تدعيم إرساء نظام عالمي عادل ومستقر مبنيٍّ على مبادئ المساواة في السيادة بين الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام سيادتها.  

إن روسيا مهتمة بتوطيد الحضارة الإفريقية داخليا وبازدهارها وفق منطلقات مستقلة، ونحن نرفض كأصدقائنا الأفارقة التصرفات العملية المعاصرة للاستعمار الجديد، وندين سياسة العقوبات أحادية الجانب، ونحن متحدون في المطالبة بتحقيق ديمقراطية العلاقات الدولية والالتزام بمبدأ أن السيادة متساوية بين الدول. إننا لا ننظر إلى الأفارقة باستعلاء، بل نحترم طموحاتهم ومصالحهم، ونحن مستعدون أيضا للشراكة المتكافئة معهم، إننا لا نفرض عليهم أية أيديولوجيات أو قيم أو نماذج محددة للتطور، ذاك أن العلاقات مع كل دولة لها قيمة عندنا، وكما أشار الرئيس فلاديمير بوتن: “لم يكن هناك على الإطلاق في تاريخ علاقاتنا مع القارة الإفريقية أية شائبة، فنحن لم نمارس أبدا استغلال شعوب إفريقيا، ولم نقم بأي أمر غير إنساني في القارة الإفريقية”، بل إننا في الواقع على العكس من ذلك قمنا  دائما بدعم إفريقيا والأفارقة في نضالهم من أجل استقلالهم، من أجل السيادة ومن أجل إيجاد الظروف الأساسية للتنمية الاقتصادية.  

إن الأفارقة يذكرون بكثير من الامتنان الاتحاد السوفييتي على مساهمته في القضاء على الاستعمار، وفي تنمية اقتصادات البلدان الإفريقية، وقدرتها الدفاعية، وتأسيس دولهم، فكل ما بُني بمشاركة بلادنا غدا أساسا للتنمية، ولعِبَ دوره في رفع مستوى معيشة السكان.، ومع حلول الثمانينات كان الاتحاد السوفييتي قد وقّع اتفاقيات للتعاون التقني- الفني والاقتصادي مع سبع وثلاثين دولة إفريقية من أصل ثلاث وخمسين هي مجموع الدول في القارة الإفريقية، وقد قام الاتحاد السوفييتي ببناء ستمئة شركة ومؤسسة ومواقع أخرى، لقد ساهم الشعب السوفييتي في إشادة المدارس والمشافي والمزارع وأنظمة الري وإنشاء الطرق، وعلماء السياسة الأفارقة أنفسهم يؤكدون أن روسيا خلافا لمراكز السيطرة على المستعمرات كانت تاريخيا تسعى للمساعدة لحل المعضلات الحقيقية، ولم تضع مصالحها الأنانية نصب عينيها.

ليست هناك أية دولة إفريقية ليست صديقة لروسيا، والملفت أن جميع الدول الإفريقية امتنعت عن الانضمام للعقوبات ضد روسيا، كما أن إفريقيا تحتل المقام الأول بين الدول التي ترفض دعم أية مشاريع قرارات غربية معادية لروسيا إبان التصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

“تنظر دول القارة الإفريقية إلى روسيا على أنها قائد فكري، قادر على الدفع بأجندة تلبي تطلعات القارة الأفريقية والجنوب العالمي في المحافل الدولية”.

تُعدّ روسيا طرفاً داعماً للقارة الإفريقية في سعيها المشروع لتوسيع تمثيلها في المنظمات الدولية، بما في ذلك في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ويمتلك الأفارقة موقفاً موحداً بشأن هذا الأمر، وقد تم التعبير عنه فيما يُعرف بتوافق إيزولويني وإعلان سرت، وهو موقف تحترمه روسيا.

اليوم، هو وقت عودة روسيا إلى القارة الإفريقية، وعصر إعادة إحياء الروابط المفقودة وتعويض ما فات. لفهم حجم المهام القائمة، تجدر بنا مراجعة الأرقام ومقارنتها. ففي عام 1985، بلغ حجم التبادل التجاري بين الاتحاد السوفيتي ودول أفريقيا 5.9 مليار دولار، بينما انخفض في عام 1995 إلى 0.98 مليار دولار. كما تم إلغاء وظيفة المستشار الاقتصادي في معظم السفارات الروسية في الدول الإفريقية. بالإضافة إلى ذلك، أُغلقت السفارات في بوركينا فاسو، وليسوتو، وليبيريا، والنيجر، وساو تومي وبرينسيب، والصومال، وسيراليون، وتوغو، وغينيا الاستوائية، إلى جانب المؤسسات القنصلية في وهران(الجزائر)، ولوبيتو(أنغولا)، وبور سعيد(مصر)، وبنغازي(ليبيا)، وتواماسينا(مدغشقر)، وبيرا(موزمبيق)، وأجاوكوتا(نيجيريا)، وزنجبار(تنزانيا).

كما اضطر الآلاف من الخبراء المحليين الذين كانوا يعملون بنجاح في أفريقيا إلى مغادرتها. وقد تم كل ذلك تحت شعار “الجدوى الاقتصادية” بالنسبة لروسيا، التي زعمت لسنوات طويلة أنها “تطعم أفريقيا لأسباب إيديولوجية” دون تحقيق عائدات عملية ملائمة. ومع ذلك، خلال الفترة السوفيتية، تم تصدير كميات كبيرة من المنتجات الصناعية السوفيتية إلى القارة، لكن إصلاحيي النصف الأول من التسعينيات لم يأخذوا ذلك في الاعتبار. كنتيجة، فقدت روسيا أسواقًا واسعة للسلع ذات القيمة المضافة العالية، ومصادراً للموارد الهامة استراتيجياً لتطوير القطاعات الحديثة للاقتصاد، فضلاً عن مجموعة كاملة من الروابط الإنسانية التي لا يمكن تعويضها. والحمد لله، تم طي هذه الصفحة الحزينة من التاريخ وبقيَت خلفنا.

تشهد وتيرة زيارات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى دول القارة على أهمية الاتجاه الإفريقي في السياسة الخارجية الروسية في الوقت الراهن. فقد شهد عام 2024 زيارة الوزير إلى جمهورية غينيا، وجمهورية الكونغو، وبوركينا فاسو، وتشاد. بينما خلال عامي 2022-2023، زار لافروف مصر، وجمهورية الكونغو، وأوغندا، وإثيوبيا، وإسواتيني، وأنغولا، وإريتريا، ومالي، وموريتانيا، والمغرب، وتونس، والسودان، وكينيا، وبوروندي، وموزمبيق، كما زار جنوب إفريقيا ثلاث مرات.

لقد حظيتُ بشرف مرافقة الوزير في هذه الرحلات، وكان من الواضح تقريبًا في جميع الأماكن التي استُقبِل فيها سيرغي لافروف أن هناك ترحيبًا من قبل القارة، حيث تُعتبر روسيا قوة تدافع عن الحقيقة والمساواة والعدالة على الساحة الدولية، وتقف مع حماية السيادة الحقيقية وإقامة الدولة. ومن اللافت أن الخبراء الأفارقة يربطون بين العملية العسكرية الخاصة الروسية في أوكرانيا ونجاحات شعوب القارة في كفاحهم من أجل الاستقلال، مشيرين إلى أن “مسار المواجهة بين روسيا والغرب يؤثر على توجهات القوى السيادية ذات التوجه الوطني في المنطقة”. وقد سمعت هذه الفكرة مرارًا وتكرارًا من مسؤولين رسميين في الدول الإفريقية خلال الزيارات المذكورة.

إن بلادنا قادرة على دعم أفريقيا في معالجة المهمة الاستراتيجية المتمثلة في تعزيز السيادة في مجالات الحياة الأساسية والتخلص من جميع أشكال الاعتماد على الاستعمار الجديد. يلزم أن نساعد أفريقيا على الارتقاء عدة درجات بشكل فوري إلى الأمام في النظام الدولي لتقسيم العمل.

يمكن لروسيا القيام بالكثير لتعزيز سيادة الدول الإفريقية، فقد بدأنا في تعزيز دورنا كضامن للأمن الشامل لدول القارة. إن وجود المدربين العسكريين الروس، وتدريب أفراد القوات المسلحة وموظفي قوات الأمن، وتوريد وصيانة المعدات العسكرية، ودعم السلطات الشرعية في حالات النزاع، يسهم في تحقيق الاستقرار ويخلق الظروف الملائمة للتنمية. كما لاحظ المحللون المحليون: “بعد فشل فرنسا وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في إفريقيا، برزت روسيا كشريك موثوق به، حيث أنجزت في غضون بضعة أشهر ما لم تتمكن القوات الدولية من القيام به لسنوات.

بلدنا قادر على دعم القارة السمراء لتصبح صناعية (بناء محطات للطاقة النووية صغيرة القدرات، وتوفير مفاعلات نموذجية، وبناء المنشآت والبنى التحتية الإنتاجية). تساعد روسيا على ضمان الأمن الغذائي وأمن الطاقة، وتحسين الوضع في المجال الصحي، وتعزيز النظام الأفريقي المشترك للاستجابة للتهديدات الوبائية (يتذكر الأفارقة الدور الحاسم لخبراء وزارة الصحة الروسية ومؤسسة حماية المستهلك في مكافحة فيروس إيبولا في غرب إفريقيا خلال عامي 2014 و2015، بالإضافة إلى الشحنات السريعة للقاحات “سبوتنيك “Vأثناء جائحة فيروس كورونا COVID-19). هناك آفاق واسعة للتعاون في مجالات الطاقة، والتنقيب الجيولوجي، واستخراج الموارد الطبيعية، والعلوم والتعليم، والاتصالات، والأمن السيبراني، والزراعة. ويعرب الأفارقة عن اهتمامهم بالتعاون مع روسيا في مجال التقنيات المتقدمة، بما في ذلك الفضاء السلمي، والاستخدام السلمي للطاقة النووية، وتوظيف تقنيات المعلومات والاتصالات المحلية المتطورة. وتجدر الإشارة إلى أن تعاوننا لا يرتبط بأي شروط سياسية.

الأساس لبناء المستقبل يجب أن يعتمد على إنشاء بنية تحتية للتسويات المتبادلة، غير مقيدة بالغرب. مع الأخذ في الاعتبار حالة الاعتماد على الغرب الذي تعاني منها معظم المنظمات الدولية العالمية، تزداد أهمية تقديم المساعدة لأفريقيا عبر قنوات ثنائية. يعدّ الدعم المباشر غير المشروط للدول المحتاجة في القارة عبر توفير الحبوب والأسمدة والوقود جزءًا أساسيًا من السياسة الروسية.

يتم إيلاء أهمية تنسيقية خاصة للحفاظ على إيقاع ثابت للحوار السياسي مع إفريقيا من خلال عقد قمم ثنائية كل ثلاث سنوات (القمة القادمة يجب أن تعقد في عام 2026) بالإضافة إلى المؤتمرات الوزارية السنوية لمنتدى الشراكة “روسيا – أفريقيا” (من المخطط إجراء واحدة في عام 2025 في إحدى الدول الإفريقية). تظل هناك آفاق واعدة في مجال التنسيق مع الهيئات الإقليمية مثل الهيئة الحكومية للتنمية (IGAD)، مجموعة التنمية لإفريقيا الجنوبية SADC))، السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا(COMESA)، المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا(ECOWAS)، تحالف دول الساحل(ASS)، المجموعة الاقتصادية لدول وسط أفريقيا(ECCAS)، وغيرها. كما أن هناك اهتمامًا متزايدًا من الاتحاد الإفريقي بربط منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية(AfCFTA) مع العمليات التكاملية ضمن إطار الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. وفي المستقبل، قد يتم الربط بين AfCFTAواتحادات تكاملية أخرى في سياق تنفيذ البعد الخارجي للمبادرة التي اقترحها الرئيس فلاديمير بوتين لإنشاء شراكة أوراسية كبرى.

توجهت روسيا نحو إعادة تشغيل أو إنشاء سفارات جديدة في القارة الإفريقية، بما في ذلك في النيجر، وسيراليون، وجنوب السودان، وغامبيا، وليبيريا، واتحاد جزر القمر، وتوغو. وفي عام 2024، تم تشغيل البعثات الدبلوماسية في بوركينا فاسو وغينيا الاستوائية. أحيانًا نسمع من بعض الأشخاص الذين بنوا مسيرتهم المهنية في الخدمة الدبلوماسية خلال حقبة “التقارب مع الغرب” في التسعينات والألفينيات مثل هذا الرأي: “قلة قليلة قد ترغب في الذهاب للعمل في إفريقيا: المناخ أصعب مما هو عليه في أوروبا، والرعاية الصحية أقل مستوى”. هناك بعض الحقيقة في هذه الآراء، لكن الأمر يعود لكل شخص ليقرر ما يبحث عنه في مهنته. ومع ذلك، فإن خدمة الوطن تعني أولاً وقبل كل شيء العمل لتحقيق المهام الحكومية، وثانياً وثالثاً توفير الراحة الشخصية، مهما كان مفهومها لكل شخص. تشارك قيادة وزارة الخارجية الروسية هذه الرؤية، ونحن نستند إلى هذا المبدأ أثناء تنفيذ “إعادة توجيه” الكوادر نحو الاتجاهات غير الغربية، وهو أمر طال انتظاره.

يساهم تطوير العلاقات بين البرلمانات في تعزيز الشراكة الروسية الأفريقية بشكل ملحوظ؛ حيث أَحدث المؤتمر البرلماني الدولي “روسيا – أفريقيا في عالم متعدد الأقطاب” الذي عقد في موسكو في مارس 2023 صدى إيجابيًا.

في ظل الظروف الراهنة، تبرز حاجة ملحّة لتبني موقف أكثر هجومية واستباقية من جانب الشركات الروسية، التي تنكشف أمامها فرص لا حصر لها للعمل في القارة الأفريقية. لقد أصبح التصور السائد بأن “النفاذ” إلى أفريقيا يجب أن يتم فقط عبر وسطاء غربيين أمراً عتيقاً. يتعين توسيع القاعدة المعرفية لدى رجال الأعمال الروس حول الأسواق الأفريقية. والأهم من ذلك، أن التعاون الاقتصادي مع أفريقيا لا ينبغي أن يُبنى على العقائد الأيديولوجية كما كان الحال في العهد السوفيتي، بل يجب أن يستند إلى مبادئ التكامل الاقتصادي والمنفعة المتبادلة.

إن زيادة الوعي بأفريقيا ومشاكلها ليست مهمة تتعلق بقطاع الأعمال فحسب. ينبغي دراسة القارة السمراء وكل الجنوب العالمي من خلال مصادر محلية ومصادرنا الخاصة، بدلاً من الاعتماد على مقالات “نيويورك تايمز” وتقارير صندوق النقد الدولي. ومن الضروري إعادة إدخال نتاج المدرسة السوفيتية في الدراسات الإقليمية إلى التداول للخبراء المحلّلين. يجب التعرف بشكل أعمق على أعمال المؤلفين الأفارقة والتخلص من العقدة النفسية للتمحور حول الغرب، والابتعاد عن تقييم الأغلبية العالمية من منظور “الإنسان الغربي”.

وتتميز روسيا بوجود مدرسة فريدة لتأهيل المتخصصين في الشؤون الأفريقية، الذين يتقنون اللغات الأفريقية بطلاقة. تُدرس اللغات السواحلية والأفريكانية والأمهرية في جامعة موسكو الحكومية للعلاقات الدولية (MGIMO)، بالإضافة إلى هذه اللغات تدرّس اللغة الفولانية في معهد بلدان آسيا وأفريقيا. كما تُدرس اللغات الأفريقية في الجامعة الروسية للصداقة بين الشعوب RUDN، والجامعة الحكومية الروسية للعلوم الإنسانية RSUH، وجامعة سانت بطرسبورغ الحكومية SPBGU ، وكذلك في العديد من الجامعات الأخرى في جميع أنحاء البلاد. ومع ذلك، كانت مجموعة اللغات التي تم تدريسها خلال الحقبة السوفيتية أوسع، وكان عدد الطلاب أكبر، مما يعني أن هنالك الكثير لنطمح إليه في هذا المجال.

يتزايد دور أفريقيا في السياسة العالمية باستمرار. تسير ولادة الهوية الإفريقية ببطء، إلا أن ارتفاع الوعي الذاتي لدى الشعوب الأفريقية ورغبتها في تعويض ما فات خلال فترات الاستعمار وما بعد الاستعمار يمثلان دافعاً قوياً لتعزيز دور أفريقيا كإحدى أقطاب النظام العالمي القائم على التعددية القطبية. كما يشير العلماء الأفارقة، فإن هذه الرؤية تؤثر بشكل مباشر على مصير التعددية القطبية.

في نضالهم من أجل العدالة و”مكان لهم على الأرض”، يمكن للأفارقة الاعتماد كلياً على روسيا الصديقة.

أليكسي دروبينين، مدير إدارة تخطيط السياسة الخارجية بوزارة الخارجية الروسية.

روسيا اليوم