1

ويتكوف “يلقي القنبلة”.. ومصر: سنكون أمام سيناريوهين “أحلاهما كارثي”

بصوته الهادئ الناعم، ونبرته الثابتة، ألقى المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، قنبلة صادمة قوية زرعت الرعب وأرسلت موجات ارتدادية مزلزلة إلى مصر، وليس وحدها فقط. في المقابلة المطولة مع تاكر كارلسون، وضع ويتكوف مصر على طاولة العمليات، وقال بدون تخدير أو إعداد، إن مصير المنطقة مرهون بمصير غزة، وإن مصر في خطر. “كل ما حدث في لبنان، مثل تعيين الرئيس الجديد بفضل تصفية السنوار وحسن نصر الله، كل ذلك قد ينقلب إذا فقدنا مصر”. وبالنسبة له، لماذا نفقد مصر؟ لأن في مصر، حسب الإحصاءات، نسبة بطالة عالية جداً، وتصل النسبة إلى 25 في المئة في أوساط الشباب في جيل أقل من 25 سنة. والدولة لن تعيش في ظل نسبة بطالة كهذه، حسب قوله.
“بدرجة كبيرة، هم مفلسون وبحاجة كبيرة للمساعدة. إذا كان لدينا حدث سيء في مصر، فهذا سيعيدنا إلى الوراء”، أوضح المبعوث الأمريكي. “كل مكونات الانفجار كان في هذه الكبسولة اللفظية التي جمعها ويتكوف بمهارة. فربط مستقبل 110 مليون مواطن مصري بمصير مليوني مواطن في غزة كان الجزء الحساس في الإهانة. من هنا، تطور الأمر إلى درجة اعتبار مصر دولة مفلسة. نسبة البطالة غير دقيقة، فحسب الإحصاءات الرسمية في مصر التي تظهر في أبحاث غربية أيضا، ربما ارتفعت نسبة البطالة أيضاً بمقدار 6.3 في المئة، وبلغت النسبة في أوساط الشباب إلى 14.5 في المئة. التشخيص الصادم يؤكد أن مصر لن تستمر مع نسبة بطالة كهذه، وأخيراً هناك إشارة خفية ولكنها مهددة، وهي اعتماد مصر على المساعدات، الأمريكية بالطبع.
شاهدت مصر علاقة مباشرة بين نشر المقابلة والتقرير الذي نشر قبل يوم في صحيفة “الأخبار” اللبنانية، المقربة من حزب الله، الذي وافقت مصر بحسبه على استيعاب نصف مليون غزي بشكل مؤقت في مدينة ستقام في شبه جزيرة سيناء. وخرجت مصر عن أطوارها كي تنفي هذا التقرير رسمياً، وتلقت من ويتكوف بالتحديد صفعة هزتها. ولم تتأخر الردود. “ويتكوف رجل عقارات لم يقرأ التاريخ، ولا يعرف الخطوط الجغرافية، ولا طبيعة المنطقة وتعقيداتها أو دور مصر في المنطقة”، كتب الصحافي والمحلل المصري نشأت الديهي. “مصر ليست دولة مفلسة، ولتذهب مساعداتكم إلى الجحيم”، أضاف المحلل.
مساعد وزير الخارجية المصري السابق حسين هريدي، أكمل ترديد الغضب عندما اتهم في مقابلة مع صحيفة “الشرق الأوسط” السعودية، أقوال ويتكوف بأنها “تهديد مبطن لمصر، وأن تصريحاته نوع من الابتزاز وفرض الخوف على مصر للضغط عليها حتى توافق على تهجير قسري للفلسطينيين ومن أجل عدم إفشال محاولة تصفية القضية الفلسطينية”؛ وأضاف الصحافي المعروف أحمد موسى: “رغم المشكلات الاقتصادية الصعبة في مصر، فإننا ساعدنا إخوتنا الفلسطينيين بأموالنا وعرقنا، وساهمنا بـ 75 في المئة تقريباً من إجمالي المساعدات الدولية التي دخلت إلى قطاع غزة. الشعب في مصر سيقف أمام جميع الضغوط وليكن ما يكون، ولن نسمح بتمرير خطة التهجير من أجل الحفاظ على الأمن الوطني في مصر”.
مصر وبحق تمر بصعوبات اقتصادية كبيرة، لكن ليس بسبب غزة. إضافة إلى ذلك، نجح الرئيس عبد الفتاح السيسي في إجراء عدة إصلاحات اقتصادية معقدة، من بينها خطوات كانت فيها إمكانية كامنة لضعضعة استقرار الدولة، مثل رفع أسعار الوقود، وبعد ذلك رفع أسعار الخبز، وهو ما لم تتجرأ أنظمة سابقة على المس به خلال عشرات السنين، ثم قام بتعويم سعر الجنيه المصري الذي انخفض سعره 40 في المئة مقابل الدولار. ولكن أساس نجاح السيسي هو في تجنيد دول الخليج ووضعها في الدور لاستثمار عشرات مليارات الدولارات في الدولة، ومن بين المشاريع مشاريع للإمارات التي تعهدت باستثمار حوالي 35 مليار دولار في مشروع عقارات، ثم للسعودية التي تعهدت باستثمار 10 مليارات دولار، وقطر المتوقع أن تزيد استثماراتها في مصر إلى 7 مليارات دولار.
صحيح أن طوق النجاة الاقتصادي الذي تلف به دول الخليج مصر، الذي هو أكبر بعشرة أضعاف من حجم المساعدات التي نحصل عليها من الولايات المتحدة، ما زال غير كاف لإخراج مصر من صعوباتها، بل ولا يعتبر بديلاً للدعم السياسي والعسكري الذي تحصل عليه مصر من الولايات المتحدة، التي تفتح للقاهرة أبواب مؤسسات التمويل الدولية، ولكنها تسمح لها برسم الخطوط الحمراء ومواجهة الضغط السياسي الثقيل، مثل الضغط الذي استخدمه الرئيس ترامب منذ فترة غير بعيدة حتى تستوعب هي والأردن 2 مليون غزي. تراجع ترامب في هذه الأثناء عن هذا الطلب، وأوضح بأنه لن يحدث إخلاء قسري لسكان غزة، وذلك بعد أن أجرى عدداً من “المحادثات الصادقة” مع حاكم السعودية محمد بن سلمان. ولكن عندما تسمع مصر تشخيص ويتكوف، ثم تسمع عن إقامة “إدارة الهجرة الطوعية” في إسرائيل، فالقلق يعود إلى واجهة الساحة العامة.
مصر ساعدت، وهي مستعدة للاستمرار في مساعدة سكان غزة، وتطمح إلى المشاركة في مشروع إعادة إعمار القطاع، الذي إذا ما تم تطبيقه فربما يحقق لها أرباحاً كبيرة. ولكن استيعاب سكان من القطاع فيها، حتى لو جاؤوا بشكل “طوعي”، فهي قصة مختلفة كلياً. بالنسبة للقاهرة، الحديث يدور عن تهديد متعدد الطبقات، يبدأ بالخوف على الأمن القومي وخطر أن نمو بؤر إرهابية تعمل ضد إسرائيل، بل وتتعاون مع منظمات داخل مصر. مصر ما زالت تخوض حرباً ضروساً دموية ضد المنظمات الإسلامية المتطرفة. والأمر الأخير الذي تحتاجه الآن هو أن تحصل هذه المنظمات على زيادة تتمثل في قوة عسكرية مدربة حاربت في غزة.
إن استيعاب غزيين في مصر يعني من ناحية وطنية “تصفية القضية الفلسطينية”، كما كتب الديهي، ونقل حلها إلى حدود مصر حتى لو تم حبس اللاجئين في مدينة خاصة ستقام من أجلهم، وتحصل مصر من أجلهم على أموال طائلة. هذا أيضاً سبب بأن الفكرة التي طرحها يئير لبيد التي بحسبها ستتولى مصر السيطرة على القطاع لفترة محدودة، تبدو فكرة مدحوضة كلياً. في الواقع، استوعبت مصر 100 ألف غزي، هربوا إليها في بداية الحرب عندما كان معبر رفح مفتوحاً. ولكنها تقيد حرية حركتهم، وتمنعهم من العمل، ولا يمكنهم الحصول على مساعدات الأونروا، لأن هذه المنظمة غير مسموح لها بالعمل في مصر، ولها ممثلية صغيرة فقط.
المرضى والمصابون الذين دخلوا مصر هم الآن في المستشفيات بشروط اعتقال مقيدة. في مرات كثيرة، يطلب منهم شراء الأدوية لأنفسهم، ولا يسمح للمرافقين لهم بالخروج من المستشفى إلا بمرافقة رجال الأمن ولفترة محدودة. ريفييرا مصرية على صيغة ترامب، لا تنتظر اللاجئين الذين سيهاجرون إليها بشكل طوعي. رفض مصر استيعاب سكان غزة مدعوم بصورة وثيقة بمواقف جميع الدول العربية، وعلى رأسها السعودية التي تتبنى الخط الأكثر تصلباً ضد خطة الترانسفير. ترامب وويتكوف يعرفان جيداً موقف السعودية، وهي الدولة التي يعتمد عليها بشكل كبير تشكيل سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. ولكن عندما تحدث ويتكوف عن الربط بين غزة والتطبيع المأمول بين إسرائيل والسعودية، فقد “نسي” لسبب ما ذكر أن “تغيير السكان في غزة”، حسب رأيه، ربما يتحطم على صخرة معارضة السعودية، ومعه حلم التطبيع.
ويتكوف الذي يتحدث عن تطلع لتوسيع دائرة الدول التي ستنضم إلى اتفاقات إبراهيم، لا يتحدث عن الخطر الذي ستشكله خطة الترانسفير على العلاقات بين إسرائيل ومصر واتفاق السلام بين الدولتين.
عندما توسع إسرائيل حجم العملية العسكرية في غزة، سيتحدث الجيش عن احتلال لفترة طويلة وسيطرة مدنية وليس عسكرية في القطاع فقط. وعندما تتطور فكرة “الهجرة الطوعية” إلى خطة عملياتية، فسيكون الخوف في مصر من احتمالية أن الترجمة العملية لهذه الهجرة أن تحدث إسرائيل، بمبادرة منها، فتحات عبور بين غزة ومصر وستسمح للسكان الراغبين في ذلك بالانتقال إلى الطرف الثاني للحدود. والمعنى أن مصر ستواجه خيارين، إما استيعاب مئات آلاف اللاجئين في أعقاب الضغط، أو وضع قوة عسكرية أمامهم تمنع دخولهم. تأثير هذه السيناريوهات على العلاقات بين مصر وإسرائيل قد يكون كارثياً. إذا حدث “حادث سيئ”، المتوقع أن يحدث لمصر والذي حذر منه ويتكوف، فهذا هو الحدث. ولمنعه، يجب على ويتكوف والرئيس ترامب أن يكونا أكثر وضوحاً وحزماً، ويقولا إن أي هجرة مهما كانت، حتى لو بالإكراه، ليست خطة عمل وليست مساراً للحل.
تسفي برئيل

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




المعركة على الخرطوم: الحرب الأهلية السودانية تعود من حيث بدأت.. لحظة خطيرة في ظل شبح التقسيم

قالت صحيفة “فايننشال تايمز” في تقرير أعده ويليام واليس إن المعركة على العاصمة السودانية الخرطوم تؤشر إلى أن الحرب الأهلية في السودان قد أكملت دورتها. فقد عادت الحرب إلى المكان الذي بدأت منه: المعركة على قلب العاصمة الخرطوم.

 وبعد أيام من الاشتباكات، استعادت القوات الموالية للرئيس الفعلي، الجنرال عبد الفتاح البرهان، القصر الجمهوري يوم الجمعة من حلفائها السابقين في قوات الدعم السريع، المنظمة شبه العسكرية. ومنذ ذلك الحين، سيطر الجيش السوداني على مبان رسمية أخرى، بما في ذلك البنك المركزي، مما يمثل نقطة تحول محتملة في الحرب.

عادت الحرب إلى المكان الذي بدأت منه: المعركة على قلب العاصمة الخرطوم

 وأضافت الصحيفة أن استعادة القصر الجمهوري تتوج عدة أشهر من تحول موازين الحرب الأهلية السودانية بشكل حاسم لصالح الجيش السوداني. وإذا استطاع الجيش ترسيخ سيطرته على الخرطوم، فسيمكن ذلك الجنرال البرهان من تعيين حكومة انتقالية ومحاولة الحصول على اعتراف دولي أوسع.

ومع ذلك، تقول الصحيفة إن التطورات الأخيرة تمثل لحظة بالغة الخطورة للسودان والجنرال البرهان نفسه، إذ سلط انتصار قوات الدعم السريع نهاية هذا الأسبوع في إقليم دارفور الغربي الضوء على خطر التقسيم الفعلي. ونقلت الصحيفة عن سليمان بالدو، الخبير في حل النزاعات ومدير مركز أبحاث الشفافية والسياسات السودانية: “إن القيمة الرمزية والزخم السياسي الذي يمكن أن يحققه الجيش من استعادة السيطرة على العاصمة كبيران”.

وظهر الجنود وهم يحتفلون أمام النوافذ المهشمة ومداخل البنايات المحترقة والتي تكشف عن الأثر الرهيب على العاصمة. وقال بالدو: “لم يبق هناك شيء للناس كي يعودوا إليه”.

واندلعت الحرب في السودان في منتصف نيسان/أبريل 2023 في العاصمة بعد صراع على السلطة بين الجيش وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي المتهم من قبل الولايات المتحدة بارتكاب إبادة. وقبل المواجهة العسكرية بين الطرفين، اتحدا للإطاحة بالحكومة الانتقالية التي شكلت في أعقاب سقوط نظام عمر البشير عام 2019. وقد تكبد الجيش السوداني في الأشهر الأولى من الحرب، الهزيمة تلو الأخرى، ونقل مركز قيادته في النهاية إلى بورتسودان على البحر الأحمر.

لكنه ومنذ أيلول/سبتمبر الماضي، استعاد مساحات شاسعة من الأراضي ومعظم العاصمة.

 وقالت الصحيفة إن العوامل التي رجحت كفة القوات المسلحة السودانية، هو الدعم الذي تلقته من كتائب إسلامية، وحصول الجيش على إمدادات من الأسلحة الثقلية وانشقاق كتائب في قوات الدعم السريع والتراجع في معنويات عناصرها.

ويعلق كاميرون هدسون، الخبير في شؤون القرن الأفريقي والباحث البارز في برنامج أفريقيا بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية بواشنطن: “لقد نجحوا وبشكل باهر في إعادة تسليح أنفسهم، وإعادة تزويد قواتهم الجوية بطائرات مسيرة من تركيا وطائرات مقاتلة صينية وروسية. وفي الوقت نفسه، واجهت قوات الدعم السريع صعوبة في الحفاظ على خطوط الإمداد من الإماراتيين عبر تشاد وليبيا”.

القتال على الخرطوم لم ينته، فقد أدى هجوم قامت به قوات الدعم السريع يوم الجمعة لمقتل متحدث بارز باسم الجيش وجنود في القصر الجمهوري، فيما تتواصل المقاومة بأجزاء من جنوب العاصمة

إلا أن القتال على الخرطوم لم ينته، فقد أدى هجوم قامت به قوات الدعم السريع يوم الجمعة لمقتل متحدث بارز باسم الجيش وجنود في القصر الجمهوري، فيما تتواصل المقاومة بأجزاء من جنوب العاصمة. وسيطرت قوات الدعم على نقطة صحراوية في شمال دارفور، حيث قطعت إمدادات الجيش لمدينة الفاشر المحاصرة، وهو ما يشير إلى الصعوبة التي سيجدها قادة السودان لتوحيد البلاد.

ويرى السياسي من حزب المؤتمر السوداني والمقيم في المنفى، نور بابكر: “إذا استعاد الجيش السيطرة على كامل الخرطوم، فهذا ليس بالضرورة علامة خير لمستقبل السودان، لأنهم لا يكترثون بدارفور”، مشيرا إلى المخاوف من عدم رغبة الجيش أو عدم قدرته على مواصلة القتال في ولايات الغرب، وبعد سيطرته على الخرطوم. وقد يتضاءل الحافز لدى القوات المسلحة السودانية للتفاوض، مما يزيد من خطر بقاء البلاد منقسمة. ويعتبر تقدم الجيش في الخرطوم لحظة خطيرة للمدنيين. فقد نزح أكثر من 12 مليونا من سكان السودان البالغ عددهم 50 مليونا بسبب الحرب، حيث انتشرت في بعض المناطق المجاعة.

وارتكب كلا الجانبين فظائع. ففي الأشهر الأخيرة، اتهمت القوات المسلحة السودانية وحلفاؤها من الميليشيات بارتكاب عمليات قتل مستهدفة عرقيا في المناطق المستعادة. وقد تسببت قوات الدعم السريع، التي انبثقت من ميليشيات “الجنجويد” العربية المتهمة بجرائم حرب في حروب دارفور السابقة، في خسائر فادحة مع انسحابها. وقال هدسون: “من عادتهم أن ينتقموا من السكان عند انسحابهم”.

أما التحدي المباشر الذي يواجه الجنرال البرهان، فيتمثل في استعادة النظام والخدمات في مدينة أفرغت من سكانها وضمان توفير الغذاء والماء والاحتياجات الأخرى مع بدء عودة السكان النازحين. أما المعضلة الأخرى، فنابعة من استعادة الدعم الدولي الضروري لإعادة الإعمار مع الحفاظ على تماسك جميع القوى المتفرقة تحت لوائه.

ولم تكن انتصارات البرهان الأخيرة ممكنة بدون دعم أنصار النظام السابق الإسلاميين الذين لا يزالون يحظون بدعم قطاعات من السكان.

إلا أنه لا الحكومات الغربية ولا حلفاء القوات المسلحة السودانية في الشرق الأوسط، مصر والسعودية، يرغبون في عودتهم إلى الحكم. وقد يؤدي نبذهم إلى ردة فعل عنيفة. وقال بالدو: “لا أتوقع انهيارهم الآن لأن الحرب لم تنته بعد. لكنها مسألة وقت فقط”.

ويليام واليس

صحيفة فايننشال تايمز

ترجمة ابراهيم درويش




تبادل اتهامات حاد بين السودان والإمارات في مجلس الأمن ورئيسة المجلس تتدخل

شهدت الجلسة المفتوحة لمجلس الأمن الدولي حول السودان، اليوم الجمعة، تبادلاً حاداً للاتهامات بين السفير السوداني الحارث إدريس الحارث والسفير الإماراتي محمد عيسى أبو شهاب، ما دفع رئيسة المجلس، سفيرة الدنمارك، إلى التدخل لإنهاء الجدل.

الجلسة، التي تحدث فيها ممثلو جميع أعضاء المجلس، بالإضافة إلى المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، والأمين العام لمنظمة “أطباء بلا حدود”، كريستوفر لوكيير، ركزت على الوضع الإنساني المتفاقم في السودان والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون، خاصة النساء والأطفال.

وفي ختام المداولات، أُعطيت الكلمة للسفير السوداني، تلاه السفير الإماراتي، حيث تبادل الطرفان سلسلة من الردود الحادة، مما اضطر رئيسة المجلس إلى التدخل وإبلاغ كل منهما بأنها ستنهي قبول حق الرد لإنهاء الجلسة.في كلمته أمام مجلس الأمن، أكد السفير السوداني الحارث إدريس الحارث أن الجيش السوداني يعمل على حماية المدنيين، مشيرًا إلى أن الدولة وضعت خارطة طريق متكاملة لحماية المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، وقدمتها إلى رئاسة وأعضاء مجلس الأمن.

كما شدد الحارث على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، متهمًا إياها بجرائم حرب تضمنت الاغتصاب الجماعي، والاستعباد الجنسي، وبيع الفتيات والنساء. وأوضح أن الدولة أنشأت وحدة لمكافحة العنف ضد المرأة بهدف حماية النساء، وتأهيلهن، وتوفير سكن آمن، وإنشاء لجان حماية ومراكز إيواء، لافتا إلى أن هذه الوحدة تتعاون مع منظمة اليونيسف لتدريب المتطوعات، والحماية من التحرش، وتسهيل الوصول إلى نظام العدالة.

واتهم السفير السوداني قوات الدعم السريع بارتكاب عمليات اغتصاب جماعي للرجال بهدف إذلالهم وكسر كرامتهم، مشيرًا إلى أن هذه الجرائم ارتُكبت بمساعدة مرتزقة وأفراد أجانب بدعم من “الراعي الإقليمي”، في إشارة ضمنية إلى جهات يُعتقد أنها تدعم هذه القوات.
أوضح السفير السوداني أن وحدة مكافحة العنف ضد المرأة وثّقت أكثر من 1138 حالة اغتصاب استُخدمت وسيلةً لكسر كرامة الأسر، بالإضافة إلى 36 حالة استعباد جنسي.

ودعا السفير مجلس الأمن إلى تقديم الدعم اللازم لضحايا العنف الجنسي، مطالبًا بتوفير الرعاية الشاملة، والإجهاض الآمن، وإنشاء مراكز آمنة لحماية النساء، إلى جانب دعم المنظمات المحلية العاملة في هذا المجال.قال السفير الإماراتي محمد عيسى أبو شهاب إن الشعب السوداني تعرض خلال 699 يومًا للهجمات القاتلة التي استهدفت المدنيين، وخاصة النساء. وقدم في كلمته توصيات من بينها اعتبار حالات العنف ضد النساء كأحد المعايير التي تستدعي فرض العقوبات على مرتكبيها. كما شدد على ضرورة محاسبة كل من ارتكبوا جرائم الاغتصاب، خاصة ضد الأطفال، داعيًا إلى تقديم الدعم للضحايا بما في ذلك الدعم النفسي.

قال السفير الإماراتي محمد عيسى أبو شهاب إن بلاده قدمت مساعدات إنسانية بقيمة 600 مليون دولار منذ بداية الصراع، لكنه أشار إلى أن المطلوب هو مزيد من الدعم. كما طالب مجلس الأمن بضمان دخول المساعدات عبر كافة نقاط الدخول. وأكد أن الإمارات لا تزال ملتزمة بدعم الشعب السوداني. وفي النقطة الأخيرة من مداخلته، دعا السفير المجلس إلى إجبار الأطراف المتحاربة على وقف أصوات البنادق.

وطلب السفير السوداني حق الرد على نظيره الإماراتي، قائلا إن الإمارات تمارس دورا شريرا في بلاده “وإن لم يتوقف دورها في دعم ميليشيا الدعم السريع وحكومتها الموازية وعلى المجلس أن يكون واضحا في تحديد اسم الإمارات بدل قول العناصر الخارجية. العنصر الخارجي في هذه الحرب هي دولة الإمارات. يقولون إنهم يريدون أن يسيطروا على السودان لأن لهم مصالح فيه، وهل لا تحمى المصالح إلا بالحرب ودعم الميليشيات وقصف دارفور 188 مرة وعن طريق محاولة إنشاء مطار في نيالا وعن طريق المسيرات؟. ألا يخجل مندوب الإمارات حين يقول إنه يدعم الشعب السوداني؟”.

رد السفير الإماراتي محمد عيسى أبو شهاب قائلاً: ” السفير السوداني يتهرب من تحمل المسؤولية ويحاول إلقاء اللوم على الآخرين. نحن نؤكد أن الإمارات لم تكن طرفاً في هذا الصراع وهي ليست طرفاً الآن، ولا تأخذ موقفاً مع أي طرف. الكذب سيظل كذباً. الحقيقة هي أن الأطراف المتحاربة هي المسؤولة عن وقوع الضحايا، وعن استخدام الأسلحة الكيميائية، وعن استخدام العنف الجنسي كوسيلة في الحرب. هم المسؤولون عن عدم الحضور إلى طاولة المفاوضات. فقط أطراف الصراع هم من يستطيعون إيقاف هذه الحرب. لا حل عسكرياً لهذا الصراع”.

طلب السفير السوداني الرد مرة أخرى، فنبهته رئيسة المجلس إلى أن هذه ستكون المداخلة الأخيرة. وقال السفير السوداني: ” الحرب ستتوقف عندما تتوقف الإمارات عن التدخل في شؤوننا. والإثباتات موثقة في تقرير الكونغرس الأمريكي والبحوث الكثيرة، وقد قدمنا وثائق من 74 صفحة لمجلس الأمن لإثبات التدخل الإماراتي الذي يهدف إلى سرقة مواردنا”. وأضاف: “هناك وثيقة تثبت أن الإمارات تشتري السلاح الأمريكي وتحوله إلى الميليشيات، وسيأخذ الكونغرس الأمريكي قراراً في هذا الشأن”.

رد عليه السفير الإماراتي مجدداً، وتلقى أيضًا تنبيهاً من الرئيسة أن هذا سيكون الرد الأخير، قائلاً: ” السفير السوداني يدعي أنه ملتزم بالسلام. إذا كان كذلك، فلماذا يرفض المشاركة في أي مبادرة تدعو إلى السلام؟ الجيوش تقام لحماية شعوبها، ولحماية النساء والأطفال من أي ضرر، لا لقتلهم وإلحاق الأذى بهم. الجيش يحمي الحدود ويحمي الشعب. فلماذا لا يأخذ هؤلاء هذه المهمة بجدية؟ مرة أخرى، أدعو إلى وقف إطلاق النار و الانخراط في مفاوضات سلام بدلاً من توجيه الاتهامات لبلدي”.

https://x.com/tajalsserosman/status/1900268448225055217?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1900268448225055217%7Ctwgr%5E685d12043fd18133d0c4153b4f0624fe54f4b345%7Ctwcon%5Es1_c10&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.alquds.co.uk%2FD8AAD8A8D8A7D8AFD984-D8A7D8AAD987D8A7D985D8A7D8AA-D8ADD8A7D8AF-D8A8D98AD986-D8A7D984D8B3D988D8AFD8A7D986-D988D8A7D984D8A5D985D8A7D8B1%2F

اليونسيف: الانتهاكات الجنسية للأطفال غير مقبولة

وكانت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسيل، قد بدأت الجلسة وتحدثت عن التقارير التي تلقتها والمثيرة للقلق عن انتهاكات جسيمة ضد الأطفال المحاصرين في هذا الصراع، بما في ذلك تجنيدهم واستخدامهم من قبل الجماعات المسلحة. وقالت إنه بين حزيران/ يونيو وكانون الأول/ديسمبر 2024، تم الإبلاغ عن أكثر من 900 حادثة انتهاك جسيم ضد الأطفال، لكنها أكدت أن هذه الأرقام ليست سوى جزء بسيط من الواقع.

وأضافت أن الاستخدام واسع النطاق للأسلحة المتفجرة له تأثير مدمر على الأطفال وسيستمر تأثيرها على المجتمعات بعد انتهاء الحرب. وقالت راسل إن الصراع يشهد أيضا انهيارا لسيادة القانون وإفلاتا تاما من العقاب على الأذى المروع الذي يلحق بالأطفال.

وأضافت مديرة اليونسيف: “في السودان اليوم، ينتشر العنف الجنسي. ويُستخدم لإذلال شعب بأكمله والسيطرة عليه وتفريقه وإعادة توطينه قسرا وإرهابه. وفي الوقت الحالي، يُقدر أن 12.1 مليون امرأة وفتاة وعددا متزايدا من الرجال والفتيان معرضون لخطر العنف الجنسي. هذه زيادة بنسبة 80 في المئة عن العام السابق”.

ووفقا للبيانات التي حللتها اليونيسف، تم الإبلاغ عن 221 حالة اغتصاب ضد الأطفال في عام 2024 في تسع ولايات. وفي 16 من هذه الحالات، كان الأطفال دون سن الخامسة وأربعة رضع دون سن عام واحد.

وقالت راسل إن البيانات لا تقدم سوى لمحة عن أزمة أكبر وأكثر تدميرا، حيث لا يرغب الكثيرون أو لا يستطيعون الإبلاغ،

أطباء بلا حدود: فشل المجلس تخل عن مسؤولياته

من جهته، قال الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود، كريستوفر لوكيير، إن دعوات مجلس الأمن المتكررة لإنهاء النزاع وحماية المدنيين ليس لها أثر على إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق.

وأضاف: “بينما تُدلى البيانات في هذه القاعة، يظل المدنيون مغيبين عن الأنظار، بلا حماية، يتعرضون للقصف والحصار والاغتصاب والتشريد، محرومين من الطعام والرعاية الطبية والكرامة. تتعثر الاستجابة الإنسانية، حيث تشلها البيروقراطية وانعدام الأمن والتردد، وبسبب ما يمكن أن يصبح أكبر سحب للاستثمارات في تاريخ المساعدات الإنسانية. بالنسبة لزملائي في الخرطوم، وفي طويلة، وفي نيالا – ولمرضانا في جميع أنحاء السودان – فإن فشل هذا المجلس في ترجمة مطالبه إلى أفعال يبدو تخليا عنهم في مواجهة العنف والحرمان”.

وقال لوكيير “إن إعلان جدة كان ينبغي أن يكون لحظة فاصلة، لكنه أصبح أكثر بقليل من مجرد درع خطابي مناسب – يُستدعى للتعبير عن القلق فيما يعفى المسؤولون والمؤثرون من اتخاذ إجراء حقيقي”.

ودعا إلى ميثاق جديد يصون بقاء الشعب السوداني وكرامته، ويخضع لمراقبة مستقلة، تدعمه آلية مساءلة قوية تضمن التزام جميع أطراف النزاع بتعهداتها. وقال إن الأزمة في السودان تتطلب تحولا جذريا عن نهج الماضي الفاشل. ملايين الأرواح تعتمد على ذلك.

صحيفة القدس العربي




جان ميشيل أباتي يغادر نهائيًا إذاعة فرنسية عاقبته بسبب تصريحه عن استعمار الجزائر

 أعلن الصحافي الفرنسي المخضرم المعروف جان ميشيل أباتي، يوم الأحد 9 مارس/آذار، أنه لن يعود إلى راديو RTL، الذي يعمل معه كمحلل سياسي ضمن أحد البرامج، معتبراً أنه لم يرتكب أي خطأ في تعليقاته على الهواء، في نهاية فبراير/شباط، حيث شبّه أعمالاً ارتكبتها فرنسا في الجزائر، إبان الاستعمار، ببعض الجرائم النازية.

قبل هذا الإعلان، كانت إدارة راديو RTL الفرنسية قد استبعدت الصحافي والمحلل المعروف جان ميشيل أباتي من أثيرها، ولكن بشكل مؤقت، بعد أن قال خلال إحدى الحلقات: “في كل عام في فرنسا نحيي ذكرى ما حدث في Oradour-sur-Glane (وهي قرية ذبح النازيون سكانها في ظل الاحتلال). ولكننا ارتكبنا مئات من هذه المجازر في الجزائر. فهل نحن على وعي بذلك؟”.

وأتى استبعاده المؤقت لأسبوع، كنوع من العقاب، بعد الجدل الواسع الذي أثارته تصريحاته، والهجوم الذي شنّته عليه شخصيات سياسية من اليمينين المحافظ والمتشدد. كان من المفترض أن يعود هذا الأسبوع، لكنه قرر عدم العودة، من خلال رسالة طويلة على منصة “إكس” شرح فيها الأسباب وراء ذلك، حيث كتب: “قبل أسبوعين، أثارت تعليقاتي حول استعمار الجزائر جدلاً واسع النطاق. وأفادت لي إدارة الإذاعة أنهم تلقوا العديد من الاحتجاجات من المستمعين. ولمعالجة المشاعر التي أثارها ذلك، طُلب مني عدم الظهور في الأسبوع التالي، وهو ما يشير إلى أنه سيكون من دواعي الترحيب بي لمواصلة الدفاع عن وجهة نظري على الهواء”.

وأضاف: “لقد فهمت وقبلت نهج إدارة RTL. وجدتها متوازنة ومحترمة تجاهي. ثم جاء يوم الإيقاف، وكان ذلك يوم الأربعاء الماضي. ومنذ ذلك الحين، وفي مواجهة ما يمكن أن نسميه بالعقاب، تغير تصوري للوضع. حتى لو تم اتخاذ القرار في إطار حوار هادئ ومتفاهم، فإن العقوبة تبقى عقوبة. إذا عدت إلى RTL، فأنا أقوم بالتحقق من ذلك، لذا فأنا أعترف بأنني ارتكبت خطأ. هذه خطوة لا أستطيع اتخاذها”.

وتابع: “إنني أعلق أهمية خاصة على مسألة الوجود الفرنسي في الجزائر بين عامي 1830 و1962. وأنا شخصياً لا أهتم بهذا الموضوع. ولم يشارك لا والدي ولا أعمامي ولا أي فرد آخر من عائلتي في الحرب الجزائرية. كما أنني لا أملك أي ارتباطات أو روابط مع الفرنسيين العائدين من هذا البلد. اكتشفت هذه القصة بطريقة عادية. لقد كنت مهتماً منذ زمن طويل بظروف عودة الجنرال ديغول إلى السلطة في مايو/أيار 1958. وكانت مسألة إبقاء الجزائر داخل فرنسا تشكل جوهر الأزمة السياسية. ثم سألت نفسي ما هو هذا الوضع، وما هي طبيعة الوجود الفرنسي، وأيضًا طبيعة التعايش بين المجتمعات في هذه المنطقة”.

https://x.com/jmaphatie/status/1898662726764749292?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1898662726764749292%7Ctwgr%5E9029607f3e677646d375ab06c7bcd0f79231d7a4%7Ctwcon%5Es1_c10&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.alquds.co.uk%2FD8ACD8A7D986-D985D98AD8B4D98AD984-D8A3D8A8D8A7D8AAD98A-D98AD8BAD8A7D8AFD8B1-D986D987D8A7D8A6D98AD98BD8A7-D8A5D8B0D8A7D8B9D8A9-D981D8B1%2F

وواصل جان ميشيل أباتي: “لقد أرعبني ما قرأته في الكتب التي كتبها مؤرخون دقيقون. استمرّت المجازر ضد المسلمين طيلة 132 عاماً من الاحتلال. وقد أدى ما يسمى بالوضع الأصلي، الذي تم تطبيقه منذ عام 1881، إلى حرمان السكان الأوائل للمنطقة من جميع الحقوق وفرضت عليهم عبوديات قديمة وغير عادلة. لقد طُردوا من أغنى الأراضي، وعاشوا في فقر مدقع. كان تعليم الأطفال ضئيلاً. كل هذا يرسم صورة غير لائقة لفرنسا في ظل القيم الإنسانية التي صنعت سمعتها في جميع أنحاء العالم”.

وأضاف الصحافي: “لقد عانيت من الظلم المستمر بسبب عدم الاعتراف الرسمي من قبل المستعمر بالمعاملة المهينة التي تعرض لها هذا السكان. إن التعليقات التي أدليت بها حول هذا الموضوع منذ سنوات مرتبطة بهذا الشعور. ولهذا السبب وحده، لا أستطيع أن أقبل العقاب على تكرارها. أنا آسف على الوضع الذي نشأ. لقد أمضيت سنوات مهنية رائعة في RTL. إنه الراديو الذي يعجبني. ولكن هكذا هو الأمر”.

توضيح أخير

قال جان ميشيل أباتي: “لأنني رأيت في الأيام الأخيرة هؤلاء القوميين الكاذبين الذين يخافون من حقائق التاريخ. السلطة الجزائرية اليوم هي سلطة دكتاتورية. منذ عام 1962، يستحق الشعب الجزائري، مثل كل الشعوب، الحرية والعدالة. ولسوء الحظ، فقد حُرم منها لفترة طويلة. علاوة على ذلك، فإنني أنضم، كما فعلت منذ البداية، إلى المطالبات بالإفراج عن بوعلام صنصال، المسجون ظلماً في الجزائر العاصمة”.

وختم قائلاً: “في يوم من الأيام، آمل أن تعترف فرنسا، بلدي، بنصيبها من اللاإنسانية في التاريخ”.

يُذكر أن جان ميشيل أباتي هو شخصية معروفة في المشهد السمعي البصري الفرنسي، وله أيضًا عمود سياسي كل مساء في برنامج Quotidien الشهير، بالإضافة إلى مشاركته على أثير راديو RTL.




مركز استخباراتي أمريكي يحلل التوتر المتصاعد بين الجزائر وفرنسا ومآلاته

نشر مركز “سترافور” الأمريكي للدراسات الأمنية والاستخباراتية تحليلا عن العلاقات الجزائرية الفرنسية، جاء فيه أنه من غير المرجح أن تؤدي المراجعة الفرنسية المحتملة لاتفاقية الهجرة لعام 1968 مع الجزائر إلى الضغط على الحكومة الجزائرية لاستئناف التعاون بشأن عمليات ترحيل المهاجرين الجزائريين، خاصة وأن باريس من غير المرجح أن تعلق أو تلغي الاتفاقية فعليًا.

وأكد التحليل على أنه بدلاً من ذلك، من المرجح أن تؤدي المراجعة – جنبًا إلى جنب مع التدابير الفرنسية الأخرى التي تهدف إلى الضغط على الجزائر – إلى تفاقم التوترات بين البلدين، مما يؤدي إلى عقوبات محتملة وتقييد التجارة وتوقف مفاوضات الطاقة.

وذكر التحليل بأنه في 26 فبراير/ شباط الماضي، قال رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو إن باريس ستعيد النظر في اتفاقها لعام 1968 مع الجزائر والذي يسهل على الجزائريين الهجرة إلى فرنسا إذا لم تستأنف الجزائر التعاون في عمليات ترحيل مهاجريها، مشيرًا إلى فشل الجزائر في ترحيل الجزائريين الذين صدرت بحقهم أوامر “بمغادرة الأراضي الفرنسية”. وقال بايرو أيضًا إن الحكومة الفرنسية ستقدم قائمة بالمواطنين الجزائريين المقرر إعادتهم “في حالات الطوارئ” بموجب تسمية “بمغادرة الأراضي الفرنسية”، ومنحت الجزائر مهلة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع.

غير أن الحكومة الجزائرية أدانت إعلان بايرو، ووصفته بأنه أحدث “استفزاز” في “سلسلة طويلة من التهديدات والمضايقات” التي تقوم بها فرنسا، في إشارة إلى إعلان فرنسا في يوليو/تموز 2024 أنها تدعم مطالبات المغرب بالسيادة على منطقة الصحراء الغربية المتنازع عليها، في مقابل دعم الجزائر جبهة البوليساريو التي تقاتل من أجل استقلال الإقليم.

وتدهورت العلاقات الفرنسية الجزائرية بعد أن اعترفت باريس بمطالبات المغرب بالسيادة على الصحراء الغربية، وقدعلق مجلس الأمة الجزائري علاقاته مع نظيره مجلس الشيوخ الفرنسي، عقب زيارة رئيس المجلس الفرنسي للصحراء الغربية.

 وفرضت فرنسا قيودا على دخول بعض كبار الشخصيات الجزائرية، بعد أن قام مواطن جزائري، حاولت فرنسا ترحيله إلى الجزائر 10 مرات، بقتل شخص وجرح 3 آخرين، مما أثارت مشاعر معادية للجزائر وسط ردود فعل أوسع نطاقا ضد الهجرة.

وردا على اعتراف فرنسا بمطالبات المغرب بالسيادة على الصحراء الغربية، نددت الجزائر بموقف فرنسا، وسحبت سفيرها من باريس، وأوقفت التعاون بشأن عمليات الترحيل، واستبعدت فرنسا من عطاءات القمح.

وأشار التحليل إلى أن حوادث أخرى، كاعتقال الجزائر وسجنها للكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال بتهمة تتعلق بالأمن القومي، إلى زيادة التوتر بين البلدين، وذلك في وقت تصاعدت فيه مشاعر معادية للجزائر في فرنسا، واعتقلت باريس مؤثرين بتهمة التحريض على أعمال العنف ونشر معاداة السامية.

ومع ذلك من غير المرجح، وفق التحليل، أن تتعاون الجزائر في ترحيل الجزائريين مما يعني أن فرنسا قد تمضي قدما في مراجعتها لاتفاقية الهجرة لعام 1968، ولكن دون إلغائها أو تعليقها، كما صرح بذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، علما أن التعديل يتطلب اتفاقا ثنائيا ليس ممكنا حاليا وسط العلاقات المتوترة والمقاومة الجزائرية المتوقعة.

وبحسب التحليل من المرجح أن تتخذ فرنسا خطوات إضافية للضغط على الجزائر لاستئناف التعاون في عمليات الترحيل، مثل فرض عقوبات مالية على الخطوط الجوية الجزائرية، وفرض قيود على تأشيرات الدخول على العسكريين والسياسيين الجزائريين المؤثرين، وتعزيز ضوابط الروابط البحرية، واستدعاء القناصل العامين الجزائريين.

ومن جانبها، قد تفكر الجزائر، حسب التحليل، في فرض قيود تجارية على فرنسا والتهديد بتقييد صادرات النفط والغاز الرئيسية (وإن يبدو ذلك يبدو غير مرجح)، وقد تزيد جهودها لتنويع شركاء النفط والغاز الدوليين بعيدا عن فرنسا. وقد تحد من الواردات من فرنسا بشكل رسمي أو غير رسمي، وقد تبطئ الصفقات التجارية الكبرى مع شركات فرنسية.

ورغم احتمال ان يلجأ كل من البلدين إلى مزيد من الخطوات لمعاقبة الآخر، يرى التحليل أن الجزائر قد تصبح في نهاية المطاف أكثر انفتاحا على التحديثات الفرنسية للاتفاقية إذا تحسنت العلاقات، كما فعلت في الماضي مع إسبانيا التي خاصمتها إثر اعترافها بمطالبات المغرب بالسيادة على الصحراء الغربية.

مركز سترافور الأميركي للدراسات الامنية

ترجمة صحيفة القدس العربي




كيف ومتى أصبحت جيبوتي مفتاح النفوذ السعودي في إفريقيا؟

في السنوات الأخيرة، شهدت السياسة الخارجية السعودية تحوّلاً كبيراً، مدفوعاً برؤية المملكة 2030، التي أعلنها وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، في تشرين الأول/ أكتوبر2017، وتقوم على فكرة محورية تتمثل في بناء دولة قوية مزدهرة، تتجاوز حدود الاعتماد على عوائد تصدير النفط، إدراكاً منه أنّ ذلك سوف يبقي عليها كدولة ريعية، ويهدد اقتصادها بتقلّبات مستمرّة. لذا تبنّت رؤيةً تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز مكانة السعودية كقوة إقليمية مؤثرة. 

انعكس هذا التحوّل في توجّه المملكة نحو إفريقيا، حيث شهدت العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودول القارة الإفريقية، تطوّراً نوعياً خلال العقد الأخير، لتتجاوز ملفات العون الاقتصادي والمساعدات الإنسانية، بالتزامن مع مجموعة من المتغيرات، أهمها احتدام المنافسة بين القوى الدولية والإقليمية، لضمان وتعظيم مصالحها الوطنية في القارة، وتنامي أنشطة الإرهاب والهجرة غير المشروعة والجريمة المنظّمة فيها، ورغبة المملكة في تنويع خريطة شركائها الخارجيين، وتقليل الاعتماد على الغرب، والاستفادة من الإمكانيات الاقتصادية للقارّة، وتبرز جيبوتي كإحدى المحطات الأساسية لهذه الإستراتيجية، نظراً إلى موقعها الجغرافي الحيوي على مضيق باب المندب، وأهميتها في التوازنات الإقليمية، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري أو الاقتصادي.

العلاقات التاريخية بين السعودية وجيبوتي

تعود جذور العلاقات بين السعودية وجيبوتي، إلى العقود الأولى لاستقلال الأخيرة، حيث كانت المملكة من أوائل الدول التي اعترفت رسمياً بها كدولة ذات سيادة، وافتتحت قنصليتها فيها عام 1976، أي قبل الاستقلال الرسمي عن فرنسا، ثم تحولت القنصلية إلى سفارة في عام 1977، ما يعكس اهتمام المملكة بتعزيز وجودها الدبلوماسي في هذه الدولة ذات الأهمية الإستراتيجية. في المقابل، كانت سفارة جيبوتي في السعودية، من أولى السفارات (الجيبوتية) التي افتُتحت في جميع أنحاء العالم.

سارعت السعودية مستغلة تدهور العلاقات بين جيبوتي وإيران، لتوقيع اتفاقية عسكرية ودفاعية في عام 2017 مع جيبوتي، لإنشاء قاعدة عسكرية هناك لردع إيران، ولتكون بمثابة منصة للعمليات العسكرية في اليمن، ولفرض حصار بحري عليها منعاً لمد قوات الحوثيين بالأسلحة والمساعدات العسكرية

يمكن وصف العلاقات الثنائية بالاسقرار -نسبياً- وقد شهدت جوانب عديدة من التقارب، حيث دعمت جيبوتي العمليات العسكرية التي قادتها السعودية ضد الحوثيين في اليمن، عام 2015، وخفّضت على إثر هذا الدعم علاقتها بقطر في أعقاب الخلاف الدبلوماسي بين الأخيرة والكتلة التي تقودها السعودية، ما أدّى إلى سحب قطر قوات حفظ السلام التابعة لها، وتخلّيها عن دورها كوسيط بين إريتريا وجيبوتي في حزيران/ يونيو 2017. وسرعان ما تولّت السعودية دور الوسيط في النزاع، بدلاً من قطر، إلى أن حُلّ في 2018.

أما على الجانب الأمني، ففي عام 2016، وعندما أجرت السعودية مناورات “رعد الشمال“، التي تُعدّ من أكبر الأحداث العسكرية في العالم، من حيث عدد الدول المشاركة، واتّساع منطقة المناورات، والعتاد العسكري المتقدم، من أسلحة ومعدّات عسكرية نوعية، كانت جيبوتي من المشاركين فيها إلى جانب 19 دولةً أخرى.

وعلى الجانب التنموي قدمت السعودية حتى الآن مساعدات لجيبوتي بقيمة تفوق 370 مليون دولار، تنوعت بين تطوير للبنى التحتية والتعليم والصحة ومشروعات أخرى.

أهمية جيبوتي في الاستراتيجية السعودية

تمثل جيبوتي إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية السعودية الحديثة التي تتطلع إلى تعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، لا سيما في المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية مثل القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، حيث الدولة الإفريقية موقعًا استراتيجيًا على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة العالمية والذي يحصد المرتبة الثالثة عالمياً، قياساً بدوره فى خدمة التجارة العالمية، بعد مضيقى هرمز وملقا، ما يجعلها نقطة محورية في التوازنات الإقليمية. وتسعى المملكة العربية السعودية في إطار رؤيتها 2030 إلى تنويع تحالفاتها الدولية وتعزيز وجودها في إفريقيا عبر بوابة جيبوتي، وذلك من خلال الاستثمار في قطاعات البنية التحتية واللوجستيات.

رغم التنافس بين إيران السعودية، لكن ميزان العلاقات الرسمية مال لصالح المملكة، التي دعمت جيبوتي بما يزيد عن 370 مليون دولار لتمويل مشاريع تنموية وبنى تحتية.

وفقًا لهذة الرؤية وطبقًا لموقع جيبوتي قررت السعودية إنشاء مركز لوجستي في المنطقة الحرة بجيبوتي، وهو ما أحدث تطور في جهود المملكة العربية السعودية لتوسيع العلاقات التجارية مع أفريقيا، فإن المدينة اللوجستية السعودية ستغطي مساحة 120 ألف متر مربع في المرحلة الأولى بعقد إيجار مدته 92 عامًا، وستشمل تلك المنطقة مستودعات ومرافق تجارية ومعرضًا للصناعات السعودية، لتكون المنطقة مركزاً للصادرات في جميع أنحاء أفريقيا.

ومن المتوقع أن يزداد حجم التجارة السعودية الجيبوتية مع توجه المملكة لإقامة خطوط بحرية وبرية وجوية مباشرة مع جيبوتي، حيث ستكون الخطوط الملاحية بين موانئ جيبوتى وجدة وجازان، بالإضافة لتسيير رحلات منتظمة ومباشرة من المملكة العربية السعودية إلى جيبوتي اعتباراً من بداية عام 2025. 

هذا بجانب تعزيز التعاون الأمني والعسكري لضمان الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية، حيث أن أهمية جيبوتي بالنسبة للسعودية تتجاوز البعد الاقتصادي، إذ إنها تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية يمكن من خلالها التأثير على الديناميكيات الإقليمية، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد على النفوذ في منطقة البحر الأحمر، كما أن التقارب الجيبوتي-السعودي يعكس أيضًا أبعادًا سياسية وأمنية نظرًا لموقعها والذي يقع على مقربة من الطرف الغربي من المحيط الهندي، خصوصًا مع تنامي التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة والقرصنة البحرية والتي اشتهرت بها تلك البقعة، بالإضافة لبعدها عن اليمن (معقل الحوثيين والذي يمثل التهديد الأكبر للسعودية ) بمسافة 20 ميلًا، والذي يقودنا إلى التنافس السعودي الإيراني وانعكاساته على العلاقات مع جيبوتي.

فالعلاقات السعودية والإيرانية في جيبوتي تعكس التنافس الإقليمي بين البلدين في منطقة القرن الأفريقي، حيث تسعى كل من الرياض وطهران لتعزيز نفوذهما في جيبوتي.

تنافس إيراني قرب المضيق

على الرغم من أن إيران من بين أوائل الدول الإسلامية التي بادرت بالاعتراف بدولة جيبوتي كما هو الحال مع السعودية، وعلى الرغم من تشابه الدوافع لدى الدولتين للوجود في جيبوتي، إلا أن العلاقات الجيبوتية الإيرانية لم تتسم بالاستقرار، وكان الميزان الرسمي -إن صح التعبير- مائلاً لجهة السعودية عن إيران.

فمن الجانب التنموي والإنساني فتستخدم الرياض المساعدات والاستثمارات لكسب تأييد جيبوتي حيث قدمت المملكة دعماً اقتصادياً في تمويل مشاريع البنية التحتية مثل الموانئ والطرق، بينما تواجه إيران صعوبات في مواكبة هذا الدعم بسبب عزلتها الدولية.

ومن الناحية الدينية تحاول إيران نشر نفوذها الأيديولوجي في بعض دول القرن الأفريقي كما تفعل في الغرب الإفريقي، حيث قامت بافتتاح عدداً من المراكز الشيعية في جيبوتي والذي يعد من أهمهم “مركز أهل البيت” وذلك خلال عام 2014، ولكن لم يظهر أثر هذا التحرك بأرقام رسمية، وتظل جيبوتي أقرب إلى النهج السني والذي تتبعه السعودية وتدعمه ببناء مساجد وفتح مدارس قرآنية. 

 أما دبلوماسياً وكما ذكر سلفاً، فعلى الرغم من أن السعودية وإيران كانتا من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جيبوتي، إلا أن العلاقات ظلت مستقرة مع السعودية، بل ودعمتها جيبوتي بأن قطعت علاقاتها الدبلومسية مع إيران في عام 2016 تضامناً معها إثر الاعتداء على السفارة السعودية في طهران، وبعد المصالحة بين السعودية وإيران في آذار/ مارس 2023، أعادت جيبوتي العلاقات الدبلوماسية مع إيران في أيلول/ سبتمبر من نفس العام.

تسعى المملكة في إطار رؤيتها 2030 إلى تنويع تحالفاتها الدولية، وتعزيز وجودها في إفريقيا عبر بوابة جيبوتي، وذلك من خلال الاستثمار في قطاعات البنية التحتية واللوجستيات. لذا تمثل جيبوتي إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية السعودية الحديثة التي تتطلع إلى تعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، نظرًا لموقعها الاستراتيجي على مضيق باب المندب

عسكرياً، وصل التعاون العسكري في 2011 بين طهران وجيبوتي، محطته الأهم، حيث تم إبرام اتفاقيات تعاون في مجال تقديم الدعم العسكري الإيراني البحري إلى جيبوتي، يقضي بموجبه أن تقدم طهران مساعدات لقوات البحرية الجيبوتية في عديد من المجالات، من بينها التدريب وتطوير المعدات العسكرية، إلا أن دعم جيبوتي لجبهة السعودية لاحقاً في عملية “عاصفة الحزم”، والذي تلاه قطع العلاقات الدبلوماسية حال بين استكمال هذا التعاون.

ولكن إيران دائماً ما حاولت -حتى على المستوى غير الرسمي- التواجد في جيبوتي بطرق مختلفة، حيث تم رصد محاولات لشركات تتبع الحرس الثوري الإيراني للتغلغل في موانئ جيبوتي، تحت أسماء شركات تجارية، وذلك لكون جيبوتي من أقرب النقاط إلى خليج هرمز، والذي يشكل جزءاً من الأمن القومي الإيراني، بالإضافة إلى ما يقدّمه التواجد الإيراني في ساحل الشرق الإفريقي من تسهيلات لعملية تهريب السلاح إلى الحوثيين في اليمن، ما يعزز قدرتها على إمكانية تهديد الأمن القومي الإسرائيلي والخليجي عامة والسعودي خاصة، وعلى الملاحة الدولية بشكل عام.

لذلك سارعت السعودية مستغلة تدهور العلاقات بين جيبوتي وإيران، وخططت لإنشاء قاعدة عسكرية سعودية في جيبوتي لضمان أمن المنطقة ومصالحها الاستراتيجية، ووقّعت في عام 2017 اتفاقية عسكرية ودفاعية مع جيبوتي لإنشاء قاعدة عسكرية في البلاد، لتعزيز الوجود العسكري في جيبوتي لردع إيران وليكون بمثابة منصة للعمليات العسكرية في اليمن، وفرض حصار بحري عليها منعاً لمد قوات الحوثيين بالأسلحة والمساعدات العسكرية.

بعد توقيع تلك الإتفاقية أبدت  مصر رغبتها في أن تكون هذه القاعدة مشتركة (مصرية-سعودية) باعتبارها عمقاً استراتيجياً مصرياً في أقصى الجنوب وضمن نطاق أمنها القومي، خاصة أن العلاقات المصرية السعودية كانت تمر بخلافات في تلك الفترة.

بعد توقيع الإتفاقية أبدت  مصر رغبتها في أن تكون القاعدة العسكرية (مصرية-سعودية) مشتركة، باعتبارها عمقاً استراتيجياً في أقصى الجنوب وضمن نطاق أمنها القومي، وانتهى الحال بعدم إنشائها.

انتهى الحال بعدم إنشاء القاعدة العسكرية في جيبوتي، لأسباب لم يتم الإعلان عنها من الطرفين، ربما كان ذلك وفق رؤية السعودية الجديدة والتي تصبو لتعزيز الجانب الاقتصادي على الجانب العسكري عن طريق إنشاء المنطقة اللوجيستية، خاصة بعد التغييرات الإقليمية الممتابعة، كعودة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، والاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2024، والذي امتد إلى استهداف أذرع إيران في الوطن العربي، كإضعاف حزب الله اللبناني والقضاء على قياداته، ثم القضاء على نظام الأسد في سوريا، كل تلك المتغيرات عززت من قوة السعودية في المنطقة وفي المقابل أضعفت نفوذ إيران نسبيًا.

مستقبل العلاقات ومدى نجاحها

في ظل التوجه السعودي نحو تعزيز نفوذها في إفريقيا، وفي ظل المتغيرات العالمية والإقليمية وخاصة في الشرق الأوسط فمن المتوقع أن تشهد العلاقات بين السعودية وجيبوتي مزيدًا من التطور في السنوات المقبلة، خاصة في مجالات الأمن، والطاقة، والتجارة، ومع ذلك، تواجه هذه العلاقة بعض التحديات، أبرزها: التنافس الإقليمي والدولي، حيث تسعى قوى كبرى أخرى لتعزيز نفوذها في جيبوتي مثل الصين والولايات المتحدة والذين يمتلكون بالفعل قواعد عسكرية كبيرة هناك.

في المجمل، تمثل جيبوتي عنصرًا محوريًا في الاستراتيجية السعودية تجاه إفريقيا، حيث تسعى المملكة إلى تعزيز شراكتها مع جيبوتي في مختلف المجالات، بما يحقق المصالح المشتركة لكلا البلدين.

نعمة نجيب

موقع رصيف 22




ليبراسيون: فرنسا- الجزائر.. حكومتان تحت وصاية الشعبويين

تصدّر موضوع التوتر الدبلوماسي الفرنسي- الجزائري الصفحة الأولى من عدد صحيفة “ليبراسيون” الفرنسية لهذا الخميس، مرفقًا بصورة معبّرة لرئيسي البلدين إيمانويل ماكرون وعبد المجيد تبون، وتحتها العنوان: “فرنسا- الجزائر.. الخلاف الحسّاس”.
وفي افتتاحيتها، تحدثت الصحيفة عن “المزايدة”، مشيرة إلى أنه على الرغم من أن رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو أوضح أنه لا ينوي “المزايدة” على الأزمة بين فرنسا والجزائر، فإنه بادر إلى تصعيد جديد يوم الأربعاء. ففي أعقاب اجتماع لجنة وزارية مصغرة مخصصة للهجرة، أعلن رئيس الوزراء عن “إعادة النظر السريعة والفورية في جميع الاتفاقيات التي ربطت بين البلدين منذ عام 1968”.
لكن، في الشهر الماضي، سعى وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو إلى تهدئة الوضع، حيث صرح أمام الجمعية الوطنية بأن “فرنسا والجزائر ليس لديهما مصلحة في خلق توتر دائم”. ومع ذلك، فإن تفاقم الأزمة يثبت أن هذه القراءة كانت صحيحة تمامًا، وفي الوقت نفسه خاطئة تمامًا.

الشعبويون يسيطرون على المشهد

وترى الصحيفة أن الشعبين في كلا البلدين كانا سيستفيدان بالفعل من انخفاض التوترات، سواء من الناحية الاقتصادية أو الثقافية، لكن الحكومتين تقعان تحت وصاية الشعبويين، الذين لديهم كل شيء ليخسروه من تهدئة العلاقات.
وتتجلى هذه الديناميكية، وفق الصحيفة، من خلال عدة مظاهر:
• في الجزائر: يتجلى ذلك في السجن القاسي والتعسفي للكاتب الفرنسي-الجزائري بوعلام صنصال، وكذلك العرقلة الممنهجة والمميتة لعمليات طرد الرعايا الجزائريين المشتبه في تورطهم في الإرهاب في فرنسا، ما دفع بعضهم إلى اتخاذ إجراءات لا يمكن إصلاحها، كما حدث يوم السبت الماضي في الهجوم بالسكين في مدينة ميلوز بشرق فرنسا.
• في فرنسا: وقعت الحكومة في “الفخ الذي نصبه القوميون الجزائريون“، عبر تأجيج الخلافات علنًا، والإعلان عن فرض قيود مستقبلية على منح التأشيرات، وهو ما يؤثر بشكل خاص على النخب والشباب المتحمسين للثقافة الفرنسية.
واعتبرت ليبراسيون أن هذا التصلب المتهور، الناجم عن التحول نحو يمين المشهد السياسي وفقدان فن الدبلوماسية، لا يمكن إلا أن يعزز موقف الشعبويين على الجانب الآخر، إذ يؤدي إلى إحياء الحساسيات الجزائرية، وتصعيد المزايدات المتبادلة بين الطرفين.

صحيفة ليبراسيون الفرنسية

ترجمة صحيفة القدس العربي




مستقبل الدور السياسي والأمني للمنظمات الإقليمية الإفريقية: نموذج الإيكواس

شكَّل انسحاب مالي والنيجر وبوركينافاسو من منظمة الإيكواس سابقة لها ما بعدها. وستحاول هذه المقالة قراءة مستقبل الدور السياسي والأمني للمنظمات الإقليمية الإفريقية مع التركيز على منظمة الإيكواس.

اكتسبت القمة غير العادية للجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) التي استضافتها أبوجا، عاصمة نيجيريا في السابع من يوليو/تموز 2024، أهمية خاصة لاعتبارات عدة أهمها توقيت انعقادها بعد يوم واحد من القمة التي عقدها قادة الانقلاب في كل من مالي والنيجر وبوركينافاسو، وأعلنوا خلالها المضي قدمًا في تشكيل اتحاد كونفيدرالي فيما بينهم بات يعرف بتحالف دول الساحل.

وقد تأكد قرارهم في يناير/كانون الثاني 2024، بالانسحاب الفوري من الإيكواس؛ وهو ما شكَّل تحديًا لأحد أهم المنظمات الإقليمية في القارة؛ والتي حققت نجاحات معتبرة على الصعيد الاقتصادي خاصة ما يتعلق بحريَّة تنقل الأشخاص والبضائع بين دول المنظمة الخمس عشرة بجواز سفر موحد؛ فضلًا عن كونها أول منظمة إفريقية تركز على البعد الأمني وأهميته لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

وكانت الإيكواس سباقة في صياغة بروتوكولات أمنية مثل عدم الاعتداء 1978، والمساعدة الجماعية في حالة الدفاع 1981؛ ثم استحداث آلية لمنع وإدارة وتسوية الصراعات وحفظ السلام والأمن 1999، التي كان من أهم بنودها توسيع قاعدة تدخل قوات المنظمة في الصراع الداخلي في حالة التهديد بحدوث كارثة إنسانية؛ أو وجود أعمال عنف تنتهك حقوق الإنسان وحكم القانون بصورة كبيرة، أو في حالة الإطاحة بحكومة منتخبة. هذا الانسحاب، أو الانشقاق، إن صح التعبير، يطرح تساؤلًا رئيسًا تحاول هذه الدراسة الإجابة عنه حول مستقبل الدور السياسي والأمني للإيكواس.

لذا سوف تنقسم هذه الدراسة لثلاثة أقسام رئيسية، ينبثق عنها نقاط فرعية، هي:

أولًا: الآليات السياسية والأمنية في الإيكواس.

ثانيًا: تقييم الدور السياسي والأمني للإيكواس قبل وأثناء الانقلابات الأخيرة.

ثالثًا: مستقبل الإيكواس بعد تشكيل تحالف الساحل الجديد “السيناريوهات”.

القسم الأول: الهياكل السياسية والأمنية

كانت الإيكواس أول منظمة إقليمية “فرعية” في القارة التي تهتم بالربط بين الجانب الأمني والسياسي من ناحية، والجانب الاقتصادي من ناحية ثانية، على اعتبار أن التكامل الاقتصادي المنشود -بحسب اتفاقية لاغوس المنشئة لها عام 1975- لن يتحقق في ظل الحروب البينية أو الداخلية ذات الامتدادات الإقليمية. وبالتالي، فإن تحقيق الاستقرار السياسي والأمني يعد شرطًا أوليًّا للتكامل الاقتصادي بمراحله المختلفة التي تبدأ من المعاملة التفضيلية، ومنطقة التجارة الحرة، مرورًا بالاتحاد الجمركي، والسوق المشتركة، وصولًا إلى الوحدة النقدية الشاملة “عملة موحدة وبنك مركزي موحد”.

لذا استحدثت الإيكواس مجموعة من البروتوكولات والقوانين “السياسية والأمنية” لتحكم تدخلها في تسوية الصراعات بين أو داخل الدول الأعضاء، أبرزها ما يلي:

أولًا: بروتوكول عدم الاعتداء Protocol on Non- Aggression الذي تم توقيعه عام 1978، والذي جاء بمنزلة إعلان مبادئ فيما يتعلق بالنواحي الدفاعية لعدم تضمينه أية هياكل مؤسسية للتدخل، وأشار في مادته الأولى إلى ضرورة امتناع الدول الأعضاء عن استخدام القوة أو الاعتداء، أو استخدام أي وسيلة لا تتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة أو منظمة الوحدة الإفريقية أو تنال من استقلالية أو سيادة أي دولة عضو في علاقاتها ببعضها البعض(1).

ثانيًا: بروتوكول المساعدة الجماعية في حالة الدفاع Protocol Relating to Mutual Assistance on Defence والذي عُرف باسم ميثاق دفاع الجماعة ECOWAS Defence Pact، والذي تم التوقيع عليه عام 1981، ويعد التدشين الحقيقي لنظام الأمن الجماعي لها؛ حيث كان أكثر تفصيلًا وإيضاحًا للعديد من النقاط التي لم يتناولها بروتوكول 1978، سواء فيما يتعلق بتحديد الصراعات التي تستوجب التدخل الجماعي، والآليات المنوطة بذلك.

وقد حدد الميثاق حالات التدخل ومنها حالة وجود صراع داخلي تتم إدارته ودعمه من الخارج بما يهدد السلم والأمن في الجماعة. وفي هذه الحالة فإن هيئة الجماعة “رؤساء الدول والحكومات” هي التي تحدد هذا الموقف، وتقرر التعامل معه (مادة 4، فقرة 2)، أما في حالة وجود صراع داخلي بحت فإن قوات الجماعة لا تتدخل (مادة 18- فقرة 2). كما نص على ضرورة وجود قوات خاصة للجماعة جاهزة للتدخل، هذه القوات ستعرف باسم القوات المسلحة المتحالفة للجماعة Allied Armed Forces of The Community والتي تعرف اختصارًا باسم (AAFC). ويتم تشكيلها من خلال تعهد الدول الأعضاء بوضع وحدات خاصة من قواتها المسلحة تحت تصرف الجماعة في حالة أي تدخل عسكري (مادة 13 – فقرة 1)(2).

ويلاحظ أن البروتوكول لم ينص على نظام معين للتصويت بشأن قرارات التدخل، ومعنى ذلك أن عملية التصويت تخضع لقاعدة الإجماع التي تحكم عملية اتخاذ القرار في الجماعة والتي من شأنها عرقلة عملية التدخل، وهو ما أكدته قمة باماكو، نوفمبر/تشرين الثاني 1990، التي عُقدت لمناقشة الصراع في ليبيريا التي أعادت التأكيد على قاعدة الإجماع.

ثالثًا: آلية منع وإدارة وتسوية الصراعات وحفظ السلام والأمن.Mechanism for Conflict Prevention, Management, Resolution, Peacekeeping and Security. على غرار آلية منظمة الوحدة الإفريقية لمنع الصراعات قبل وقوعها التي تم تدشينها عام 1993. وقد تم توقيع البروتوكول المنشئ لآلية الإيكواس في قمة لومي، عاصمة توغو، في 10 ديسمبر/كانون الأول 1999، وكان من أهم بنودها توسيع قاعدة تدخل قوات الجماعة في الصراع الداخلي في حالة التهديد بحدوث كارثة إنسانية، أو وجود أعمال عنف تنتهك حقوق الإنسان وحكم القانون بصورة كبيرة، أو في حالة الإطاحة بحكومة منتخبة. وهو ما يتم الاستناد إليه في حالات التدخل لمواجهة الانقلابات العسكرية.

ولقد حدد بروتوكول الآلية القوات العسكرية التابعة للإيكواس، وهي(3):

قوات مراقبة وقف إطلاق النار (الإيكوموج)

حرص بروتوكول الآلية على تقنين وضع قوات مراقبة وقف إطلاق النار التابعة للجماعة (الإيكوموج) والتي أثارت جدلًا واسعًا بشأن مدى مشروعيتها إبان تدخلها في حرب ليبيريا عام 1990، وكذلك أثناء الاجتماعات التي سبقت إقراره. وكانت المحصلة النهائية لذلك إقرار البروتوكول بأن تكون قوات الإيكوموج هي أحد الأجهزة المعاونة لمجلس الوساطة والأمن “الجهاز الأمني للمنظمة” على غرار مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي.

ويلاحظ أن الجماعة كانت سبَّاقة فيما يتعلق بتشكيل هذه القوات وتقنينها؛ حيث سبقت منظمة الوحدة الإفريقية وآلياتها الخاصة بتسوية الصراعات، وكذلك سبقت المنظمات الإقليمية الفرعية الأخرى كالسادك في الجنوب والإيكاس في الوسط. ولقد عمل الاتحاد الإفريقي، الذي حل محل منظمة الوحدة، على تفادي هذه السلبية من خلال الإقرار في المادة الثانية من البروتوكول المنشئ له بوجود قوات سريعة للتدخل من بين الأجهزة المعاونة (الفرعية) لمجلس السلم والأمن.

لقد نصَّت المادة (21) من البروتوكول على أن قوات الإيكوموج تعد أحد كيانات الإيكواس، وتتشكل من قوات مدنية وعسكرية، تتمركز في بلدانها الأساسية في حالة تأهب، وتكون جاهزة للانتشار الفوري عند الحاجة، كما حددت ذات المادة مهام بعثات الإيكوموج فيما يلي:

  • المراقبة والملاحظة.
  • حفظ السلام واستعادة الأمن.
  • التدخل الإنساني لدعم ضحايا الكوارث الإنسانية.
  • فرض العقوبات بما في ذلك فرض الحظر الاقتصادي.
  • بناء السلام ونزع الأسلحة وتسريح القوات المتحاربة.
  • أنشطة ذات طابع سياسي تتضمن السيطرة على الجريمة المنظمة وعمليات الغش والاحتيال.
  • أية عمليات يمكن أن تفوض أو تكلف بها من قبل المجلس.

ويمكن ملاحظة أمرين فيما يتعلق بتفويض الإيكوموج:

الأول: أن البروتوكول تحدث عن الصلاحيات الممنوحة للإيكوموج في عمليات حفظ السلام/بناء السلام/صنع السلام، في حين لم يتحدث بوضوح عن فرض السلام “استخدام القوة الخشنة لإجبار طرف على التخلي عن الحرب، والجلوس للتفاوض”، كما حدث في ليبيريا وسيراليون في تسعينات القرن الماضي، وقد يكون واضعو البروتوكول استهدفوا الدمج بين حفظ السلام وفرض السلام على اعتبار أن مهام الأولى قد تتحول إلى الثانية، لكن يبقى التمييز بينهما أمرًا مهمًّا؛ لأنه سينعكس على طبيعة التفويض الممنوح من ناحية، ومستوى التسليح من ناحية ثانية، فعمليات حفظ السلام التقليدية قد تتطلب وجود أسلحة دفاعية خفيفة مع القوات المتدخلة، والتي ينحصر دورها في الإشراف على اتفاقات السلام الموقعة بين أطراف الصراع، وتستخدم هذه الأسلحة في حالة الدفاع عن النفس، أما في حالة فرض السلام فإن الأمر يتطلب مستوى تسليح عاليًا (معدات ثقيلة)؛ من أجل القيام بالمهمة الأساسية وهي فرض السلام في مواجهة أطراف الصراع(4).  

الثاني: أن عمليات التفويض والمهام الممنوحة للقوات قد يتم تغييرها وفقًا لمقتضيات الوضع على الأرض، وبموافقة المجلس (م/29)، وهو ما يُكسب الإيكوموج مرونة كبيرة في التعامل مع هذه الأزمات.

وقد خُصِّص الفصل السابع من الآلية للحديث عن مصادر تمويل هذه القوات المتدخلة، وتحديدها في ثلاثة مصادر أساسية كالتالي:

– تخصيص حصة من ميزانية المنظمة لتمويل الآلية، حيث تقوم السكرتارية التنفيذية -أثناء إعداد ميزانيتها السنوية- بإدراج جزء خاص بتمويل أنشطة الآلية بها، وبمجرد دخول البروتوكول حيز النفاذ، فإن نسبة من هذه الحصص سيتم تخصيصها لأنشطة الآلية (مادة 36/1).

– الحصول على دعم من المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة، أو الإقليمية مثل منظمة الوحدة الإفريقية في حينها، أو المنظمات الأخرى (مادة 36/2).

– المساهمات التطوعية والمنح التي قد تأتي من مصادر ثنائية أو متعددة (مادة 36/3).

وفي حالة عدم اكتمال توافر التمويل اللازم لعملية التدخل، فإنه قد يتم توجيه الدعوة للدول المشاركة بقوات لتحمل تكلفة قواتها المشاركة خلال الأشهر الثلاثة الأولى لعملية التدخل (مادة 37/1)، على أن تقوم المنظمة برد هذه النفقات خلال ستة أشهر على الأكثر، وتبدأ الجماعة بعدها تمويل هذه العمليات (مادة 37/2).

بروتوكول الديمقراطية والحكم الجيد عام 2001 Protocol on Democracy and Good Governance والذي يتناول أسباب وجذور الصراعات، ومنها الفساد، وعدم الاستقرار، ويتعامل مع عدة قضايا أبرزها حرية ونزاهة الانتخابات، وإشراف المجتمع المدني على المؤسسة العسكرية، والتأكيد مرة أخرى على رفض التغيرات غير الدستورية في نظم الحكم(5). وربما هذه هي النقطة الأهم التي تستند عليها الإيكواس في رفض الانقلابات العسكرية، وإمكانية التدخل “بكل أشكاله” لاستعادة النظام الديمقراطي..

وإذا كانت هذه هي الهياكل القانونية والمؤسسية للمنظمة، فماذا عن الجانب العملي؟ ولماذا برز نشاطها في عمليات التدخل خلال عقد التسعينات وأوائل القرن الحادي والعشرين، ثم تراجع بصورة أقل خلال العقد الثاني، ليسجل تراجعًا كبيرًا خلال العقد الثالث والأخير؟

القسم الثاني: تقييم أداء تدخل الإيكواس في تسوية الصراعات

يمكن تقسيم هذه الجزئية إلى مرحلتين أساسيتين: الأولى: مرحلة ما قبل الانقلابات الأخيرة 1990-2020، والثانية: مرحلة الانقلابات الأخيرة 2020-2024، وسوف نتحدث عنهما بشيء من الإيجاز:

 أولًا: مرحلة ما قبل الانقلابات الأخيرة 1990-2020

منذ أوائل تسعينات القرن الماضي، صارت الجوانب الأمنية هي النشاط الأبرز لإيكواس، مقارنة بالجوانب الاقتصادية، أو بمعنى آخر فإن الجوانب الاقتصادية تراجعت لحساب الجوانب الأمنية، وقد يرجع ذلك لكثرة الصراعات الداخلية من ناحية، وبروز الخلافات السياسية بين الدول الأعضاء من ناحية ثانية؛ الأمر الذي يعوق التكامل الاقتصادي، ويجعل الأولوية دائمًا للجوانب الأمنية، فضلًا عن وجود دولة قائدة تسعى للهيمنة في الإقليم، وهي نيجيريا في عهد الرئيس الراحل، إبراهيم بابانغيدا.

ويلاحظ أنه حتى عام 2006، تدخلت الجماعة لمواجهة الصراعات الداخلية، ذات الامتدادات الإقليمية، في 4 دول، هي: ليبيريا، وسيراليون، وساحل العاج، وغينيا بيساو.

ويمكن القول بأنها حققت نتائج لا بأس بها خاصة في حالتي ليبيريا حيث الحرب الأهلية ومواجهة الرئيس تشارلز تايلور، وفي سيراليون لإعادة الرئيس الراحل، تيجان كاباه، الذي أُطيح به في انقلاب 1996، والتي كانت نتاج استخدام أدوات التسوية السياسية والعسكرية معًا، وكان من أبرز هذه النجاحات التوصل لعدة اتفاقات بشأن إحلال السلام في ليبيريا مما مهَّد لإجراء الانتخابات البرلمانية، عام 1997، وشهدت البلاد حالة من الاستقرار النسبي لمدة ثلاث سنوات، ونفس الدور لعبته المنظمة في المرحلة الثانية للصراع، عام 2000، وإن كان الدور الأكبر للقوات الدولية؛ مما أدى لإجراء الانتخابات، عام 2005، التي أسفرت عن فوز إيلين سيرليف جونسون. أما فيما يتعلق بالصراع في سيراليون فقد كان من أبرز جهود المنظمة عودة النظام الديمقراطي برئاسة كاباه للحكم، مارس/آذار 1998، كما شاركت -بالتعاون مع الأمم المتحدة- في إجراء انتخابات 2002 التي أسفرت عن فوز كاباه بها وإعلان انتهاء الحرب في البلاد. وبالنسبة لغينيا بيساو فقد اقتصر دورها على وسائل التسوية السياسية تحديدًا من خلال التعاون الوثيق مع الأمم المتحدة ومنظمة الدول الناطقة بالبرتغالية، والإشراف على انتخابات 1999 البرلمانية والرئاسية، ونفس الأمر بالنسبة لانتخابات 2004، و2005 البرلمانية والرئاسية. وفي أزمة كوت ديفوار لعبت الإيكواس -جنبًا إلى جنب الأمم المتحدة وفرنسا- دورًا في التوصل لاتفاق ليناس ماركوسيس الذي يعد أساس عملية السلام في البلاد، ونفس الأمر بالنسبة لاتفاق أكرا، 3 يوليو/تموز 2004، الذي حسم أهم مشكلتين تواجهان البلاد، وهما مشكلة المواطنة والترشيح للانتخابات، ووراثة عقود إيجار الأراضي الزراعية(6).

كما تدخلت الإيكواس بعد هذه الحالات الأربع، وإن بصورة أقل، في كل من كوت ديفوار 2010، ومالي 2013، وغامبيا 2017، لمواجهة الرئيس يحيى جامع (لم تحدث مواجهات) والذي رفض الاعتراف بنتيجة الانتخابات. وبحلول عام 2017، باتت جميع دول المنظمة لديها حكومات دستورية بقيادة مدنية(7).

المرحلة الثانية: الانقلابات الأخيرة (2022-2024)

يلاحظ أن الإيكواس لم تتدخل عسكريًّا لمواجهة 7 انقلابات شهدتها 4 دول خلال السنوات الأربع الأخيرة، وهي: مالي شهدت انقلابين في 2020، و2021، وغينيا في انقلاب سبتمبر/أيلول 2021، وبوركينا فاسو شهدت انقلابين عام 2022، والنيجر، في أغسطس/آب 2023، واكتفت بتعليق عضويتها، وفرض عقوبات اقتصادية وتجارية، وإعطاء مهلة لقادة الانقلاب للقيام بعملية التحول الديمقراطي، رغم أنه لم يتم الالتزام بها حتى الآن، ولم تتخذ الإيكواس إجراءات تصعيدية متمثلة في التدخل العسكري بشأنهم نتيجة لعدة إشكاليات سواء أكانت إشكاليات سياسية (توافق الإرادة السياسية للتدخل لدى الدول الأعضاء بالمنظمة) أو مالية (توفير التمويل اللازم للتدخل)، أو حتى إشكاليات تتعلق بقبول الرأي العام في الدولة المتدخلة لهذا التدخل، أو غياب دور نيجيريا التي انشغلت بملفاتها الداخلية خاصة ما يتعلق بالتنمية ومواجهة الحركات المسلحة مثل بوكو حرام وغيرها.

الإيكواس وانقلاب النيجر 2023

أما بالنسبة لانقلاب النيجر، يوليو/تموز 2023، والذي هددت فيه الإيكواس بالتدخل العسكري لإعادة الرئيس المعزول، محمد بازوم، للحكم، فقد اعتراه أيضًا مجموعة من الاعتبارات(8):

أولًا: الاعتبارات السياسية المتعلقة بمدى تأييد دول الإيكواس لهذا التدخل: إذ يمكن القول بوجود حالة من الانقسام داخل الدول الأعضاء، ما بين دول مؤيدة للتدخل، وفي مقدمتها نيجيريا والسنغال، وأخرى رافضة للتدخل، وهي تحديدًا مالي وبوركينا فاسو وغينيا، وبالطبع سبب الرفض يرجع إلى أن النظم الحاكمة بها وصلت للسلطة عبر الانقلاب. وهناك الفريق الثالث الذي لم يحدد موقفه بالضبط من التدخل وإن كان يميل إلى التسوية السياسية.

ثانيًا: كما يرتبط بذلك أيضًا مجموعة من التحديات تتعلق بنيجيريا الدولة الأكبر في الإقليم، وصاحبة التدخلات السابقة، فضلًا عن كونها صاحبة أكبر حدود مع النيجر. فالرئيس النيجيري المنتخب في حينها، بولا أحمد تينوبو، يواجه عدة إشكاليات منها وجود مشاكل اقتصادية وأمنية هائلة أبرزها محاربة بوكو حرام المنتشرة في كثير من الولايات، وبالتالي فإن سحب جانب من قوات بلاده إلى النيجر، قد يؤثر على كفاءة عملية المواجهة الداخلية، كما أن حدوث حالة من السيولة الأمنية في النيجر جرَّاء عدم الاستقرار، قد يسهم في تدفق عناصر من تنظيم الدولة وغيره من ليبيا عبر النيجر إلى نيجيريا وغيرها من دول الجوار، فضلًا عن الفاتورة الاقتصادية التي يصعب دفعها على نيجيريا بمفردها، وأخيرًا وليس آخرًا، رفض مجلس الشيوخ في البلاد طلب الرئيس بشأن التدخل. صحيح أنه يجوز للرئيس اتخاذ قرار مخالف للمجلس بموجب الدستور حال الحديث عن تهديد للسلم والأمن في البلاد، لكنه قد لا يقدم منفردًا على هذه الخطوة بهذه السرعة، لاسيما أن قوى المعارضة الرئيسية ترفض التدخل أيضًا، وتميل للحلول السياسية.

ثالثًا: الاعتبارات المالية المتعلقة بتمويل التدخل العسكري بصفة عامة، والتي ظهرت بوضوح أثناء عمليات تدخل الإيكوموج في حالات ليبيريا وسيراليون وغينيا بيساو في تسعينات القرن الماضي، ففي أزمة ليبيريا كان الاتفاق المبدئي أن تقوم كل دولة مشاركة بتمويل قواتها المشاركة خلال الشهر الأول، على أن تقع المسؤولية بعد ذلك على المنظمة، لكن بعض الدول لم تقم بدفع حصتها لرفضها إرسال قوات إلى ليبيريا، ونفس الأمر حدث في سيراليون؛ حيث تحملت نيجيريا -كذلك- معظم نفقات بعثة الإيكوموج، ورغم أن بروتوكول آلية منع الصراع، نصَّ على طرق التمويل، ومنها مساهمات الدول الأعضاء، وإمكانية الحصول على مساعدات أجنبية، إلا أن سكرتيرها التنفيذي السابق، لانساي كوياتي Lansay Koyate، حذَّر من خطورة عملية التمويل الخارجي بقوله: “إذا اعتمدنا بنسبة 100% على المانحين، فإن كل الأفكار الجيدة التي تسعى الجماعة لتحقيقها لن تتحقق”(9).

رابعًا: الاعتبارات المتعلقة بطبيعة مهام القوات المتدخلة، وهل ستكون حفظ سلام أم فرض سلام، مع الفروق الكبيرة بينهما، ففرض السلام يستلزم مهام قتالية، وأسلحة ومعدات ثقيلة، فضلًا عن التكلفة الباهظة، ناهيك عن الخسائر البشرية والمادية المتوقعة. وبالتالي، فإن إقصاء الانقلابيين في النيجر يتطلب مواجهة عسكرية مباشرة، وعدد قوات لا يقل عن 10 آلاف لمواجهة جيش نظامي، وهذه أمور صعب توفيرها في وقت يسير، خاصة أن قادة الانقلاب أعدوا العدة لذلك، وقاموا بغلق الحدود، وإعادة انتشار القوات، فضلًا عن أن قائد الانقلاب كان في وقت من الأوقات قائد قوات الإيكواس المتدخلة في كوت ديفوار؛ وبالتالي، يعرف جيدًا طبيعة القوات المتدخلة، ونقاط القوة والضعف وغير ذلك، ناهيك عن إعلان كل من مالي وبوركينا فاسو وقوفهما إلى جانب الانقلابيين؛ ما يعني أن القوات المتدخلة لن تواجه جيشًا نظاميًّا واحدًا، وإنما جيوش دول أخرى متحالفة معه؛ ما يعني إطالة أمد الحرب من ناحية، وزيادة فاتورة الخسائر المادية والبشرية من ناحية ثانية.

خامسًا: الاعتبارات المتعلقة بإمكانية انهيار وضعف فاعلية الإيكواس التي تشهد منذ أول تدخل في ليبيريا حالة من الانقسام بين الدول الأنجلوفونية بقيادة نيجيريا، والدول الفرنكفونية بقيادة كوت ديفوار في حينها، وأزمة عدم الثقة بين التكتلين، وتأثير ذلك على فاعليتها في عملية التدخل. وفي أزمة النيجر الأخيرة، نجد هذا الانقسام ليس فقط بين دول مؤيدة ودول معارضة، ولكن يلاحظ أن الأخيرة تهدد بالانسحاب من المنظمة، بل حدث هذا بالفعل، وهو ما قد يؤثر على قوتها وفاعليتها..

لذا، وإزاء هذه العقبات، قررت الإيكواس في البداية فرض عقوبات اقتصادية صارمة على الانقلابيين في النيجر، إلا أنه مع تشدد هؤلاء، ورفضهم عودة الرئيس بازوم للحكم، أو حتى إطلاق سراحه، فضلًا عن تضامن كل من نظامي بوركينا فاسو ومالي معهم، وإعلان تشكيل تحالف دفاعي لمواجهة أي حالة تدخل، ثم إعلان الانسحاب بعد ذلك من الإيكواس، اضطرت الأخيرة لإبداء مرونة في التعامل مع دول الترويكا هذه، خاصة مع النيجر، حيث بذلت المنظمة قصارى جهدها لتلبية احتياجات هذه الدول، ومن ذلك رفع العقوبات المفروضة على السفر والتجارة والاقتصاد(10)، حتى عندما لم يكن هناك أي ضمانات بأن تقدم القيادات العسكرية في هذه الدول، أية خطوة إيجابية في طريق تسوية الأمر.

القسم الثالث: مستقبل الإيكواس بعد إعلان تحالف دول الساحل “السيناريوهات”

لا شك أن إعلان قيام الكونفيدرالية الجديدة بين الدول الثلاث، يفرض مجموعة من التحديات، ويطرح العديد من التساؤلات حول السيناريوهات المستقبلية بشأن الإيكواس.

أولًا: التحديات

يمكن القول بأن عملية انسحاب الدول الثلاث من الإيكواس، تجعل المنظمة أمام ثلاثة تحديات أساسية، أمنية واقتصادية واجتماعية، عبَّر عنها بوضوح رئيس مفوضيتها، عمر توراي، في قمة أبوجا، يوليو/تموز 2024، بقوله عن التحدي الاقتصادي: “إن حرية الحركة والسوق المشتركة التي تضم 400 مليون نسمة، باتت معرضة للخطر حال انسحاب الدول الثلاث؛ وإن تمويل مشروعات اقتصادية بقيمة تزيد على 500 مليون دولار في بوركينا فاسو ومالي والنيجر ربما يتوقف”(11).

فمن شأن هذا الانسحاب إلغاء اتفاقية التجارة الحرة وانتقال السلع والخدمات، والعمل بدون تأشيرة وإعادة الحواجز الجمركية بين دول المنظمة ودول الساحل الإفريقي؛ كما سيؤثر على اقتصادات دول الساحل الإفريقي التي تعتمد على الواردات بصورة كبيرة؛ فضلًا عن كونها دولًا حبيسة؛ كما سيعرقل جهود الإيكواس كمنظمة للبحث عن عملة مختلفة عن الفرنك الفرنسي الإفريقي الذي تتعامل به 8 دول في المنظمة “الدول الفرنكفونية”، في حين تتعامل باقي دول المنظمة بعملتها الوطنية. لذا، كانت هناك مناقشات داخل المنظمة بإقامة منطقة نقدية متكاملة تستخدم العملة الموحدة (إيكو) بحلول عام 2027. لكن من الواضح أن هناك مجموعة من التحديات والتباينات بشأنها داخل المنظمة، ومن أبرزها مدى استعداد كل من نيجيريا وغانا، وهما دولتان أنجلوفونيتان للتخلي عن عملتيهما الوطنيتين، خصوصًا في ظل ارتباط العملة الجديدة باليورو أيضًا، وتشكيك البعض بأنها ستكون أداة جديدة للتبعية الغربية الأوربية، في مقابل وجود اتجاه آخر يمثله الرئيس السنغالي الجديد، باصيرو ديوماي فاي، يطالب بضرورة القيام ببعض الإصلاحات بشأن الفرنك قبل الانتقال للعملة الجديدة(12).

ولا شك أن انسحاب الدول الثلاث (وهي فرنكفونية)، وبحثها عن عملة بديلة موحدة، يجعلنا أمام 3 مناطق نقدية داخل المنظمة الواحدة؛ ما قد يعوق عملية التكامل الاقتصادي. ولابد هنا من الإشارة إلى أن أكثر من نصف الدول الأعضاء بالمنظمة، ومنها الدول الثلاث، تصنَّف -حسب بيانات البنك الدولي العام الماضي- ضمن الدول ذات الدخل المنخفض؛ أما باقي الدول فتصنَّف في خانة الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض(13).

وبالنسبة للتحدي الأمني، أشار رئيس المفوضية إلى أن انسحاب الدول الثلاث سيشكل ضربة قوية للتعاون الأمني، لاسيما تبادل المعلومات المخابراتية والمشاركة في الحرب على الإرهاب.

ومن المعروف أن منطقة غرب إفريقيا، وخاصة هذه الدول الثلاث، تواجه تصاعدًا في عمليات الجماعات المسلحة بها بعد الانقلابات الأخيرة، وباتت أوضاعها غير المستقرة تهدد دول الجوار أعضاء الإيكواس؛ وصارت المنطقة بصفة عامة تحتل المكانة الأولى عالميًّا في العمليات المسلحة؛ فوفقًا للمؤشر العالمي للإرهاب 2023، فإن بوركينا فاسو تتبوأ الصدارة العالمية (8.5 من 10)، ثم مالي في المرتبة الثالثة (8 من 10)، أما النيجر فتحتل المرتبة الثامنة (7.5 من 10) ( 14) .

لذا، إذا كان موضوع الإرهاب أحد أسباب خروج هذه الدول من تجمع الساحل الذي أقامته فرنسا قبل حوالي 10 أعوام، فإنه بات يشكل تحديًا لها ولدول المنظمة، بعد الفراغ الذي أحدثه انسحابها مؤخرًا(15).

أما بالنسبة للتحدي الاجتماعي فأوضح رئيس المفوضية بأنه قد تكون هناك أيضًا إجراءات جديدة لفرض حصول مواطني هذه الدول الثلاث على تأشيرات لدخول دول أخرى في المنطقة. وهذا سيشكل تحديًا اجتماعيًّا وليس اقتصاديًّا فحسب، في ظل وجود العديد من الإثنيات الممتدة في أكثر من دولة، مما قد يعرقل حركتها، وارتفاع تكلفة تنقلها.

ثانيًا: السيناريوهات

هذه التحديات تطرح تساؤلا حول البدائل والسيناريوهات المطروحة أمام المنظمة للتعامل مع موضوع الانسحاب.

السيناريو الأول: السعي لعودة هذه الدول الثلاث مرة أخرى للمنظمة: ويمكن أن يتم ذلك عبر جهود الوساطة؛ إذ كلفت المنظمة رئيسي السنغال وتوغو بالقيام بذلك في إطار علاقتيهما الوطيدة مع المجالس العسكرية في دول التحالف لإقناعهم بالعودة مرة أخرى للمنظمة. وفي هذا الصدد يمكن للمنظمة، عبر الوسطاء، القيام بأمرين:

الأول: إعادة النظر في الشروط التي وضعتها المنظمة للمجالس العسكرية في دول التحالف ومنها الفترة الانتقالية القصيرة، وعدم ترشح قادة الانقلابات في الانتخابات القادمة، لأن من شأن هذه الشروط تشدد القائمين على هذه الانقلابات(16)، كما يترتب عليها تأجيل الانتخابات التي كان يفترض إجراؤها في مالي وبوركينا فاسو في مارس/آذار ويوليو/تموز هذا العام وفقًا لترتيبات الإيكواس؛ ونفس الأمر بالنسبة للفترة الانتقالية؛ حيث تم تمديدها في بوركينا فاسو خمس سنوات أخرى تنتهي في 2029؛ مع النص على حق الرئيس العسكري الانتقالي، إبراهيم تراوري، في الترشح؛ ونفس الأمر في مؤتمر الحوار الوطني “المؤدلج” في مالي والذي طالب بتمديد الفترة الانتقالية ثلاثة أعوام أخرى (تنتهي عام 2027)؛ مع أحقية رئيس المجلس العسكري، عاصيمي غويتا، في الترشح في الانتخابات؛ في حين أن قادة الانقلاب في النيجر لم يحددوا أصلًا موعدًا للفترة الانتقالية وبالتالي الانتخابات.

لكن هناك خشية من أن يؤدي ذلك إلى تجرؤ العسكريين على قواعد الديمقراطية في باقي الدول الأعضاء، تمامًا كما حدث في النيجر؛ عندما تراجعت الإيكواس عن شرط إعادة الرئيس المخلوع، محمد بازوم، للحكم؛ حيث لم يقم العسكريون بإطلاق سراحه حتى الآن. وهنا قد يمكن الوصول لحل وسط من خلال تمديد معقول للجداول الزمنية الحالية للانتقالية، بما في ذلك في النيجر، مع تحديد واضح للخطوات التالية، مع تعهد الإيكواس بالمساعدة في تحقيق أهداف المرحلة الانتقالية وفق الإطار الزمني الجديد(17).

أو بمعنى آخر، عدم قطع العلاقات مع دول التحالف الجديد، أو فرض مزيد من العقوبات عليها، لكن في المقابل التمسك بضرورة إنهاء المرحلة الانتقالية، وبدء عملية التحول الديمقراطي(18)، وذلك حتى لا ينفرط عقد الإيكواس، أو تنتشر موجة الانقلابات العسكرية في بلدان أخرى على حساب الجماعة التي ستكون عاجزة في هذه الحالة عن التعامل معها، كما ستفقد أهم الأسس التي كانت سببًا في وجود هذه الهياكل الأمنية والسياسية: عدم جواز الوصول للحكم عن طريق الانقلابات.

الثاني: قيام المنظمة بتكثيف جهودها في مجال مكافحة الإرهاب عبر تفعيل تلك المبادرة التي تمت الموافقة عليها نهاية 2022، حيث أعلنت الإيكواس، في مايو/أيار الماضي، توفير الترتيبات اللازمة لهذه القوات بمدينة لونجي في سيراليون؛ والاتفاق على خطط لتعبئة قوة احتياطية إقليمية لمكافحة الإرهاب قوامها 5000 فرد؛ مع تخصيص 2.4 مليار دولار لها؛ تقوم الدول الأعضاء بتوفير مليار دولار ابتداء(19). وبالتالي، يمكن من خلال هذه الآلية تعزيز جهود مكافحة الإرهاب في محاولة لاستمالة هذه الدول من جديد، خاصة أن هذه الانتقادات “عدم كفاءة مواجهة الإرهاب” كانت موجهة للإيكواس وفرنسا معًا؛ وكانت أحد الأسس التي استندت إليها الزمرة العسكرية في الدول الثلاث لتبرير خروجها من الإيكواس.

السيناريو الثاني: قيام المنظمة بالتصعيد ضد هذه الدول الثلاث، خشية قيام قيادات عسكرية في دول أخرى بإجراءات مماثلة؛ ما قد يؤدي إلى انهيار المنظمة وانفراط عقدها. وهي تستند في ذلك إلى أن التحالف الثلاثي الجديد قد ينهار سريعًا بسبب ضعف الأسس التي يقوم عليها، فضلًا عن التحديات الأمنية التي تواجه دوله والتي لم تفلح في ظل تحالف هذه الدول مع فرنسا وأوروبا وفي ظل وجود مظلة من مجلس الأمن في وقف العمليات الإرهابية؛ وكذلك التحديات الاقتصادية “دول حبيسة ذات دخل منخفض؛ وتحتاج للتعامل مع العالم الخارجي تصديرًا واستيرادًا؛ ناهيك عن التحديات الاجتماعية المتعلقة بانتقال المواطنين لدول الجوار”.

وفي ظل هذا السيناريو، يمكن أن تقوم المنظمة بعدة خطوات:

الأولى: استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة على الدول الثلاث، مع إمكانية عودة فرض العقوبات التي تم رفعها جزئيًّا عن النيجر؛ والتي قد تؤثر بصورة كبيرة على اقتصادات هذه الدول المتأزمة أصلًا، كما أن كونها دولة حبيسة يفاقم من معاناتها الاقتصادية وإمكانية خنق هذه النظام اقتصاديًّا؛ وهو ما قد يسبِّب -مع استمرار الهجمات المسلحة- مزيدًا من تدهور الأوضاع بها؛ وقد أدى وقف نيجيريا على سبيل المثال تزويد النيجر بالكهرباء بعد الانقلاب؛ إلى دخول البلاد في ظلام دامس في ظل اعتمادها بنسبة 70% على كهرباء نيجيريا.

الثانية: إمكانية فرض قيود التأشيرة على دخول مواطني هذه الدول لدول المنظمة؛ ما يعني حرمانها من أسباب العيش من ناحية؛ فضلًا عن إمكانية قطع الروابط الإثنية لهذه الدول الثلاث مع دول الجوار.

الثالثة: تفعيل الإطار المؤسسي للإيكواس

 لقد أظهرت القيادة السنغالية الجديدة التزامًا بإصلاح منظمة الإيكواس، ومن خلال تسليط الضوء على مخاطر الانقلابات، يمكنها إقناع القادة الآخرين بالتصديق على البروتوكول.

ويرتبط بهذه الجزئية ضرورة تخلي المنظمة عن المعايير المزدوجة في تنفيذ بنود بروتوكول الديمقراطية والحكم الرشيد، فخلال الفترة الأخيرة اتخذت المنظمة إجراءات صارمة ضد الانقلابات العسكرية، لكنها غضَّت الطرف عن “الانقلابات المؤسسية أو الدستورية” التي تنفذها الحكومات المنتخبة من خلال تغيير الدستور بما يسمح لها بالترشح لأكثر من دورتين، كما حدث في كوت ديفوار وغينيا؛ ما أدى لتقويض مصداقية المنظمة لدول الدول الأعضاء(23).

لذا ينبغي عليها إلزام الدول الأعضاء بضرورة ألا تزيد مدة تولي الرئاسة عن دورتين متتاليتين، مع ضرورة إجراء انتخابات حرة وشفافة، ورفض فكرة أن هذه الأمور تخضع للسيادة الداخلية، وفرض عقوبات على المخالفين(24). وإن كان من الصعب تطبيق هذا المقترح في ظل رغبة العديد من رؤساء الدول في تمديد فترة حكمهم عبر تعديل الدستور، كما أن اتخاذ المنظمة أية إجراءات عقابية بحق هؤلاء، يتطلب اتخاذ قرار بالإجماع، وهذه إحدى المثالب التي تعوقها عن اتخاذ القرارات الحيوية المهمة. ولعل هذه القضية وغيرها ستكون في مقدمة أجندة اجتماع القمة الاستثنائية القادمة (2025) حول مستقبل التكامل الإقليمي في غرب إفريقيا التي أعلن عنها رؤساء دول المنظمة في قمتهم الاستثنائية، في يوليو/تموز الماضي، والتي تستهدف استعادة زخم الإيكواس وتفعيل دورها من جديد في الجانبين، السياسي والأمني، الذي يتطلب من وجهة نظرنا ضرورة توافق إرادة سياسية على ضرورة التخلي عن كل من الانقلابات غير الدستورية والمؤسسية الدستورية على حدٍّ سواء. وهو أمر يبدو بعيد المنال من وجهة نظرنا المتواضعة حتى الآن. وهو ما يُفقد الثقة الشعبية في المنظمة التي بات ينظر إليها على أنها “اتحاد أو نقابة لرؤساء الدول” “union of heads of state”؛ ما يعطي الفرصة لمزيد من الانقلابات العسكرية التي قد تجد دعمًا شعبويًّا بعد خيبة أمل الشعوب في حكامها، وفي المؤسسة الرئيسة في الإقليم التي قد يؤدي انهيارها أو حتى ضعفها إلى انتشار هذه العدوى في منظمات وأقاليم أخرى في القارة وهو أمر يحتاج إلى دراسة أو حتى دراسات أخرى حول مستقبل المؤسسات الإقليمية في إفريقيا.

بدر حسن شافعي – خبير في الشؤون الافريقية

موقع الجزيرة للدراسات




الدعم السريع يخطط لميثاق سوداني جديد وحكومة انفصالية.. وتشكيك في نجاح الخطة

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده مراسلها للشؤون الأفريقية ديكلان وولش قال فيه إن الحرب الأهلية في السودان تتجه نحو تقسيم البلاد.

 وجاء ذلك وسط تقارير عن إمكانية إعلان ميليشيا الدعم السريع عن خطة لحكومة منشقة، حيث تم استقبال قادة الدعم السريع والترحيب بهم في مناسبة خطط لها بعناية في كينيا.

وقال وولش إن الجماعات الانفصالية في السودان اقتربت يوم الثلاثاء خطوة من الإعلان عن حكومة انفصالية في مناسبة باذخة بالعاصمة الكينية نيروبي.

الجماعات الانفصالية في السودان اقتربت يوم الثلاثاء خطوة من الإعلان عن حكومة انفصالية في مناسبة باذخة بالعاصمة الكينية نيروبي

وقد تم الترحيب بنائب مجموعة الدعم السريع والذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات، عبد الرحمن دقلو بحفاوة عندما وصل إلى مركز حكومي وسط العاصمة نيروبي. ولم يتحدث دقلو في المناسبة لكن الحديث عن ميثاق يعني الإعلان عن حكومة موازية في المناطق الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع. ولم يتم التوقيع على الميثاق، حيث قال منظمو المناسبة إنهم بحاجة لثلاثة أيام أخرى للتفاوض على شروط الميثاق مع أحد قادة الميليشيا الآخرين وهو عبد العزيز الحلو الذي جلس بجانب دقلو.

 وعلق وولش بأن الاجتماع جاء بمثابة لحظة رمزية مذهلة لقوات الدعم السريع التي اتهمتها الولايات المتحدة رسميا بالإبادة الجماعية الشهر الماضي فقط، وتأتي على خلفية تحول في ساحات المعارك بالسودان، التي تتزامن مع التغييرات في السياسة الخارجية الأمريكية والتحالفات المتطورة في المنطقة.

وقد حقق الجيش السوداني سلسلة من الانتصارات في ساحات المعارك في الأشهر الأخيرة، مما دفع قوات الدعم السريع إلى الخروج من مناطق رئيسية في العاصمة الخرطوم وفي وسط السودان.

وعليه، تأمل قوات الدعم السريع إنهاء سلسلة الهزائم هذه، وتعزيز مطالبها بالحكم، من خلال تشكيل حكومة للجزء الكبير من البلاد الذي تسيطر عليه.

وفي مدرج مزين بالأعلام السودانية، حيث امتلأت صفوف كاملة بالرجال الذين يهتفون ويرتدون العمائم البيضاء، انتقد المتحدثون الجيش وتحدثوا عن رغبتهم في صياغة “سودان جديد”. وقال الحلو، الذي يقود فصيلا من حركة تحرير شعب السودان-شمال وقاتل الحكومات السودانية المتعاقبة لعقود من الزمن من قاعدته في جبال النوبة- جنوب السودان: “نحن بحاجة إلى دستور جديد وصياغة عقد اجتماعي جديد من شأنه أن يحل السؤال الأبدي حول كيفية حكم السودان”. وقدم متحدثون آخرون ميليشيا الدعم السريع بأنها حركة مؤيدة للديمقراطية وبُثت صور عدة لزعيم المجموعة محمد حمدان دقلو من شاشة ضخمة وسط هتافات صاخبة.

كل هذا مع أن التقارير القادمة من السودان تحدثت عن مجازر جديدة. وقال ناشطون ومسؤولون سودانيون إن متمردي الدعم السريع قتلوا أكثر من 200 شخص بمن فيهم رضع خلال هجوم وحشي على قريتين في النيل الأبيض، جنوبي البلاد، حسب “محامو الطوارئ” وهي مجموعة تقوم برصد النزاع. وحدد بيان صادر عن وزارة الخارجية عدد القتلى بـ 433.

قال ناشطون ومسؤولون سودانيون إن متمردي الدعم السريع قتلوا أكثر من 200 شخص بمن فيهم رضع خلال هجوم وحشي على قريتين في النيل الأبيض

وفي الأسبوع الماضي، قتل الدعم السريع عشرات في مخيم يواجه مجاعة في غرب دار فور وعاصمته المحاصرة، الفاشر. وقالت المسؤولة في الأمم المتحدة كلمنتاين نكويتا- سلامي إنها “صدمت”من العنف. كما اتهم محامو الطوارئ جيش السودان بشن هجمات “بربرية” على المدنيين، بما في ذلك القتل والاختفاء القسري، عندما كان يطارد المقاتلين المتحالفين مع قوات الدعم السريع في الخرطوم.

وقد اندلعت الحرب في نيسان/ أبريل 2023 عندما بدأ الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، التي استولى قادتها على السلطة في انقلاب، القتال في الخرطوم.

ومزقت الحرب واحدة من أكبر دول إفريقيا وأدت إلى معاناة على نطاق واسع. تسبب القتال في مقتل عشرات الآلاف، وأجبر أكثر من 12 مليون شخص على ترك منازلهم وأدى إلى مجاعة انتشرت في مناطق واسعة، ومن المرجح أن تكون الأسوأ التي يشهدها العالم منذ عقود.

وتضيف الصحيفة أن تجميد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المساعدات الخارجية زاد من المعاناة. وفي الأسابيع الماضية، أغلقت مئات من “مطابخ الحساء” التي يديرها متطوعون وتطعم أكثر 800,000 شخص أبوابها في الخرطوم، بسبب توقف التمويل. وناشدت الأمم المتحدة يوم الإثنين الدول للمساهمة في جمع 6 مليارات دولار من أجل الرد على الأزمة.

 وتضيف الصحيفة أنه من غير المؤكد نجاح خطة الدعم السريع للإعلان عن حكومة انفصالية. وقد أقر بذلك حتى المتحدثون في مناسبة يوم الثلاثاء. وقال الحلو للحشد إن السودان لديه تاريخ طويل من اتفاقيات السلام الهشة التي “انهارت بسرعة، ثم عادت إلى الحرب”. ومع ذلك، تحتفظ قوات الدعم السريع بدعم مالي وعسكري قوي من داعمها الرئيسي، الإمارات العربية المتحدة، التي تبدو عازمة على منع خسارة وكيلها السوداني للحرب، كما قال العديد من المسؤولين الأجانب الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هويتهم لمناقشة التقييمات الحساسة.

وفي 8 شباط/فبراير تحدث قائد الجيش السوداني، الجنرال عبد الفتاح البرهان للساسة السودانيين في اجتماع عقد في مقر الحكومة السودانية المؤقت ببورتسودان بأنه ينوي تشكيل حكومة جديدة يشارك فيها مستقلون ويقودها رئيس وزراء مدني. وتقول “نيويورك تايمز” إنه حتى لو مررت خطة الدعم السريع بإنشاء حكومة انفصالية، فإنها ستكون بمثابة نقطة تحول في الحرب وتعبر عن تعزز في الانقسامات وتقسيم البلاد إلى مناطق متحاربة، تماما مثل ليبيا التي انقسمت بعد نهاية حكم معمر القذافي في عام 2011. وظهرت صورة الرئيس الكيني ويليام روتو في مركز الاجتماع، وهو ما أثار شكوك المسؤولين السودانيين بدعم كينيا طرفا في الحرب، وبخاصة أن المناسبة عقدت في مقر تابع للحكومة الكينية بالعاصمة نيروبي.

ومن جانب آخر أشارت صحيفة “التايمز” البريطانية في تقرير أعدته مراسلة الشؤون الأفريقية جين فلانغان إلى أن الطرفين المتحاربين في السودان أعلنا عن خطط لمستقبل السودان وعلى خطوط الحرب الأهلية. فقد أعلن الطرفان المتحاربان في السودان عن خطط متوازية لمستقبل البلاد، بشكل يدفعه إلى الانقسام بحكم الأمر الواقع، بعد ما يقرب من عامين من الحرب الأهلية.

وشككت الصحيفة من إمكانية نجاح فكرة الانفصال، نظرا لاستمرار الحرب في مناطق عدة من السودان، كما حدث في ليبيا، حيث نشأت حكومتان تديران جزءا من البلاد ومنذ ما يزيد عن عقد. ونقلت الصحيفة عن كاميرون هدسون، وهو زميل بارز في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، قوله إن توقيت إعلان حكومة الوحدة الوطنية من جانب قوات الدعم السريع، في الوقت الذي تخسر فيه أراضي رئيسية لصالح الجيش، يجب أن ينظر إليه “بقدر كبير من الشك”. وأضاف: “إنها تحاول أن تحقق على طاولة المفاوضات ما فشلت في تحقيقه على أرض المعركة”.

صحيفة نيويورك تايمز

ترجمة ابراهيم درويش




انسحاب فرنسا من كوت ديفوار: تنسيقي أم مفاجئ؟

الخطوة الإيفوارية الداعية لسحب القوات الفرنسية ربما تمت بالتنسيق مع فرنسا؛ وهذا لا يعني الرحيل النهائي لأن

الرئيس الحسن واتارا لا يزال رجل فرنسا المفضل بالمنطقة الحريص على أن تبقى بلاده حليفًا مهمًّا لفرنسا في غرب إفريقيا.

في خطوة قد تبدو مفاجئة بعض الشيء، وفي خطاب نهاية عام 2024، أعلن الحسن واتارا، رئيس كوت ديفوار والمقرب من فرنسا، أن القوات الفرنسية ستنسحب من البلاد، واصفًا هذا الانسحاب بالمنسق والمنظم، في إشارة إلى أنه تم التنسيق بشأنه مع باريس، ومبرِّرًا ذلك بوجود جيش وطني حديث، ومؤكدًا في الوقت ذاته أن كتيبة المشاة البحرية الثالثة والأربعين (بيما)، وهي قاعدة للجيش الفرنسي تقع في بور-بويه Port-Bouet في العاصمة الاقتصادية، أبيدجان، سيتم “تسليمها” إلى الجيش اعتبارًا من يناير/كانون الثاني 2025(1).

هذه الخطوة رغم تماشيها مع الإستراتيجية الفرنسية الرامية لتقليص الوجود العسكري في دول غرب إفريقيا والساحل، وفي ظل حديث عن رغبة فرنسية، منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2024، بخفض قواتها العاملة في كوت ديفوار، إلا أنها تطرح في المقابل تساؤلات حول أسباب هذا القرار في بلد يعد ذا أهمية إستراتيجية كبيرة لباريس في غرب إفريقيا، وذا نظام سياسي يحظى بعلاقات وطيدة معها، وكذلك توقيته الذي جاء بعد فترة وجيزة من إعلان تشاد ذات الأهمية الكبرى أيضًا لباريس وسط القارة آخر نفس الشهر، نوفمبر/تشرين الثاني، إنهاء اتفاقية التعاون العسكري معها، والمطالبة برحيل قواتها العاملة هناك بنهاية يناير/كانون الثاني 2025 أيضًا، وكذلك السنغال التي أعلن رئيسها، باسيرو ديوماي فاي، في نفس يوم خطاب واتارا، قرار بلاده بإنهاء كل الوجود العسكري للدول الأجنبية في السنغال اعتبارًا من عام 2025.

 والسؤال الثاني المطروح هو: هل معنى هذا القرار الإيفواري غياب التنسيق الأمني والمعلوماتي، أم ستظل هناك أوجه أخرى للتعاون بين الجانبين؟ كما تطرح تساؤلات أخرى عن بدائل فرنسا في كوت ديفوار، وهل سيكون البديل روسيا على غرار دول أخرى في الإقليم مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو، أم سيكون البديل هذه المرة أميركيًّا في ظل بحث واشنطن عن مقر إفريقي للأفريكوم(2)، وذلك مع وجود تقارير تفيد بأن كوت ديفوار قد تكون أحد البدائل في هذا الشأن؟

أسباب قرار الانسحاب

طرح هذا القرار العديد من التساؤلات حول الأسباب الكامنة وراءه، وهل تم بالإرادة المنفردة للنظام أم بالتنسيق مع باريس في ظل العلاقات الوطيدة بين الجانبين؛ إذ لعبت فرنسا دورًا محوريًّا في دعم واتارا بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية عام 2010، خاصة بعد رفض الرئيس السابق، لوران غباغبو، تسليم السلطة له، فتدخلت قوات فرنسية ضمن عملية “ليكورن”، وبالتنسيق مع قوات الأمم المتحدة، لإجبار غباغبو على التنحي وتسليم السلطة.

هذا الدعم عزز العلاقة بين واتارا وباريس، وجعلها شريكًا سياسيًّا رئيسيًّا له في مرحلة ما بعد الأزمة؛ إذ تعد أكبر شريك تجاري لكوت ديفوار، وتسيطر الشركات الفرنسية على قطاعات حيوية مثل الطاقة، والنقل، والبنية التحتية.

لذا ظل واتارا ملتزمًا بتعزيز العلاقات الاقتصادية مع فرنسا؛ مما ساعد على استقرار الاقتصاد الإيفواري، لكنه واجه انتقادات داخلية بسبب الاعتماد المفرط على باريس في العديد من القضايا الاقتصادية والأمنية.

فعلى الصعيد الاقتصادي هناك اتهام باحتكار الشركات الفرنسية المجالات الاقتصادية الرئيسية في البلاد، بما يخدم مصالحها على حساب المواطن الإيفواري، خاصة ما يتعلق بزراعة الكاكاو، وهو المحصول الرئيسي في البلاد، وتعد كوت ديفوار أحد أهم مورديه على مستوى العالم، فضلًا عن النظر إلى الفرنك الإفريقي CFA (العملة المستخدمة في 13 دولة في وسط وغرب إفريقيا ومنها كوت ديفوار) على أنه أداة للتحكم الفرنسي في اقتصادات الدول الإفريقية؛ إذ يُطبع في البنك المركزي الفرنسي، ويربط السياسة النقدية لهذه الدول بباريس ودول اليورو، وتضع هذه الدول قرابة 70% من احتياطياتها النقدية من العملات الأجنبية في الخزينة الفرنسية.

وعلى الجانب الثقافي والتعليمي، لا تزال اللغة الفرنسية والمناهج الدراسية تعكس إلى حدٍّ كبير الهوية الفرنسية على حساب نظيرتها الإيفوارية، وتعيق وجود هوية وطنية إفريقية مستقلة واضحة المعالم.

وعلى الجانب الأمني ينظر إلى الاتفاقيات الأمنية على أنها مزيد من تكبيل الجيش الوطني لصالح فرنسا في الإقليم بداية من اتفاقية 1961 التي وُقِّعت بعد الاستقلال مباشرة، ومن أهم بنودها السماح بوجود قوات فرنسية في البلاد، مرورًا باتفاقية 2011 بعد وصول واتارا للحكم بدعم فرنسي. ونصَّت تلك الاتفاقية على تحديث القوات المسلحة، وتدريب الضباط والجنود من قبل القوات الفرنسية، وكذلك اتفاقية التعاون بين الجانبين لدعم عملية “برخان الفرنسية 2014” في دول الساحل الخمس: تشاد ومالي وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا.

ورغم أن كوت ديفوار لا تدخل في نطاقها، إلا أنها كانت شريكًا مهمًّا لإنجاحها عبر السماح باستخدام أراضيها نقطة انطلاق لعمليات برخان، فضلًا عن تقديم الجيش الإيفواري الدعم اللوجستي للقوات الفرنسية المنتشرة في الساحل، والمشاركة المحدودة في العمليات الإقليمية. وأخيرًا هناك اتفاقية الوجود العسكري الفرنسي في معسكر بور-بويه التي تستخدم لدعم الاستقرار في غرب إفريقيا ولتنفيذ العمليات العسكرية الفرنسية في المنطقة. ولذا شهدت البلاد من حين لآخر مظاهرات ضد الوجود الفرنسي، خاصة في أوقات الأزمات السياسية.

وبالتالي، يمكن تفسير القرار برغبة واتارا في التنسيق مع فرنسا بالسير على خطى دول غرب إفريقيا الراغبة في إنهاء هذا الوجود العسكري فقط، في ظل وجود رأي عام داخلي رافض لهذا الوجود الفرنسي، فضلًا عن تفويت الفرصة على خصمه في الانتخابات القادمة، والتي يتوقع تنظيمها في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وسيكون خصمه فيها الرئيس السابق، لوران غباغبو، الذي يركز منذ انتخابات 2010 التي خسرها أمام واتارا، على رفضه التبعية لفرنسا، وكذلك رغبة واتارا في نفي التهمة التي يثيرها معارضوه بأنه “دمية” في أيدي الغرب.

ومما يعضد من هذا التوجه، وجود تنسيق بين الجانبين بشأن الانسحاب، أمران:

الأول: عدم توتر العلاقات بينه وبين باريس خلال الآونة الأخيرة على عكس ما حدث مثلًا بين فرنسا والنظم الانقلابية في مالي والنيجر وبوركينا فاسو، فواتارا زار باريس، في أغسطس/آب 2024، واستُقبل بحفاوة من قبل الرئيس الفرنسي ماكرون، وأقيمت له مأدبة عشاء خاصة في قصر الإليزيه.

الثاني: إشادة الرجل في نفس خطابه، الذي أعلن فيه قرار إنهاء الوجود الفرنسي، بدور هذه القوات الفرنسية في دعم استقرار البلاد ومساعدة جيش بلاده في القتال ضد الجماعات المسلحة التي تنشط في منطقة الساحل وتتوسع في دول على طول خليج غينيا، بما في ذلك كوت ديفوار وغانا، كما أشاد أيضًا بدور فرنسا كجزء من مهمة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة خلال الحرب الأهلية الطويلة في البلاد من عام 2002 إلى عام 2011.

هذا التوجه وهذه التصريحات ليست جديدة على واتارا الذي أشار في مقابلة سابقة مع قناة فرنسا 24، في شهر فبراير/شباط 2022، بالتزامن مع بدء انسحاب القوات الفرنسية من مالي، أشار إلى أن فرنسا لا تنسحب من منطقة الساحل بالكامل، بل تكيف وجودها العسكري مع المتغيرات الحالية، مؤكدًا عدم وجود مشكلة لبلاده في استقبال قوات فرنسية لتحقيق الجانب الأمني جنبًا إلى جنب الجيوش الوطنية(3).

ومعنى هذا أن الرجل ربما أراد بقراره هذا تهدئة الرأي العام الداخلي الرافض لفرنسا والمتأثر باحتجاجات دول الجوار، وكذلك تهيئة الأجواء لطرح نفسه مرشحًا رئاسيًّا لدورة رابعة وسط جدل سياسي وقانوني حول أحقيته لذلك؛ إذ أقرَّ دستور 2016 بأحقية الرئيس بالترشح لدورتين متتاليتين مدة كل منهما 5 سنوات، وحينها أُثير تساؤل حول سريان هذا التعديل على الفترات السابقة للرئيس واتارا أم لا. وقد حسمت المحكمة الدستورية الأمر بتفسير التعديل الدستوري على أنه يبدأ من الانتخابات القادمة التي جرت سنة 2020، وهو ما يعني أن الرئيس الحسن واتارا، الذي كان قد قضى فترتين قبل 2016، يستطيع الترشح لفترة ثالثة في 2020، ثم في الانتخابات التي تليها 2025، وهو ما أكده في تصريحات لرويترز عام 2018(4).

وفي المقابل، نجد أن خطوة انسحاب القوات الفرنسية، تتماشى مع إستراتيجية باريس الجديدة في المنطقة، فبعد الانسحاب من مالي، وبوركينافاسو، والنيجر، تخطط فرنسا، أيضًا لتقليص وجودها العسكري بشكل كبير في قواعدها في كل من تشاد في وسط إفريقيا، والسنغال وكوت ديفوار في غربها، باستثناء جيبوتي في شرق القارة؛ إذ قدَّم جان ماري، المبعوث الشخصي للرئيس ماكرون إلى إفريقيا، توصياته بشأن هذا الموضوع للرئيس، في يوليو/تموز الماضي(5). وفي 28 فبراير/شباط 2023، وقبل يوم واحد من جولته الإفريقية التي شملت أربع دول؛ هي: الغابون، والكونغو الديمقراطية، والكونغو، وأنغولا، حدَّد ماكرون ملامح الإستراتيجية الجديدة لفرنسا في القارة، ومن أبرزها(6):

أولًا: خفض الوجود العسكري في القارة إلى أدنى مستوى، ويعني أن هناك توجهًا فرنسيًّا حتى قبل انقلاب النيجر، في أغسطس/آب 2023، إلى تقليص الوجود العسكري، وإنهاء القواعد العسكرية الفرنسية، وتحويلها إلى أكاديميات تشارك في إدارتها فرنسا والدول الأوروبية والإفريقية، وفي ذلك دلالة على الإدارة المشتركة بين فرنسا وشركائها الأفارقة في توفير النفقات، وتقليل للخسائر البشرية والمادية، وتهدئة للرأي العام الداخلي، خاصة في ظل موجة الغضب التي قوبل بها في زيارته الأخيرة لدول عدة، منها: الغابون وإفريقيا الوسطى. وبحسب تقرير لصحيفة لوموند الفرنسية، يوجد في إفريقيا الآن حوالي 15 أكاديمية وطنية لتدريب الجيوش الإفريقية تنتشر في الغابون، وكوت ديفوار، والسنغال، والكاميرون، والنيجر، وتوغو، وبنين، وتقدم هذه الأكاديميات جميع التدريبات اللازمة في مجالي الدفاع والأمن، ويعمل بها عدد من الخبراء، ولا يعرف عنها الرأي العام الكثير(7).

وفي إطار تنفيذ هذه الإستراتيجية الجديدة، قررت فرنسا، وبعد 6 أشهر من انتهاء عملية برخان، في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، تقليص عدد قواتها في عدد من قواعدها العسكرية الكبرى ومنها كوت ديفوار؛ حيث العدد الإجمالي 950 جنديًّا، ثم السنغال، فالغابون؛ إذ يضم كل منهما 350 جنديًّا، في حين لن يتأثر وجودها في قاعدة جيبوتي التي تضم 1500 جندي.  

ثانيًا: تقوم المقاربة الأمنية الجديدة أيضًا على تقديم الدعم للجيوش الإفريقية من خلال المعلومات الاستخباراتية، أو الخدمات اللوجستية، أو صادرات الأسلحة، أو الدعم الناري (Fire Support)، وهو دعم عسكري لعمليات محددة، وفي المقابل زيادة الاعتماد على أدوات القوة الناعمة غير العسكرية؛ مثلًا الأدوات الدبلوماسية، من خلال توسيع نطاق الشركاء في إفريقيا بوصف ذلك تحديًا حيويًّا لأوروبا بأكملها؛ إذ تحاول فرنسا إشراك دول الاتحاد الأوروبي معها في إفريقيا، لتكون هي قاطرة الاتحاد من ناحية، وفي المقابل تُقسِّم تكاليف التدخل إن حدث، وكذلك تكاليف عمليات التنمية التي تحتاجها القارة.

ثالثًا: تعد الأداة الاقتصادية إحدى ركائز هذه الإستراتيجية الجديدة من خلال التركيز على مشروعات التنمية، على غرار الصين، التي تعد أكبر ممول للبنية التحتية في إفريقيا.

رابعًا: المدخل الإنساني، من خلال توفير الاحتياجات الإنسانية، وكذلك المدخل الثقافي التقليدي المتمثل بتسهيل التأشيرات للطلاب، الذي يعد امتدادًا لسياسة “فرنسة الأفارقة” من خلال مناهج التعليم، وذهاب قدر كبير من الميزانية المخصصة للتنمية لهذا البند. وربما هذا ما يميز فرنسا عن باقي الدول الاستعمارية السابقة الأخرى، وهو الاهتمام بالجانب الثقافي كأحد أدوات استمرار الهيمنة، وربما ارتبط ذلك بنمط الإدارة المباشرة الذي انتهجته باريس منذ البداية في التعامل مع هذه “المستعمرات”، مقارنة بنمط الإدارة غير المباشرة الذي انتهجته بريطانيا، وترتب عليه زوال نفوذها التاريخي في القارة.

خامسًا: المدخل الرياضي، عبر مسار “دعم الرياضة” الذي لاحظناه بقوة في بطولة كأس العالم الأخيرة بقطر 2022، حيث كان معظم لاعبي المنتخب الفرنسي من أصول إفريقية.

ومعنى هذا أن القوات الفرنسية، وإن كانت سترحل عن البلاد عسكريًّا، إلا أن المصالح الفرنسية الأخرى لن تتأثر بهذا الانسحاب في ظل وجود رئيس حليف لها في البلاد.

البديلان، الروسي والأميركي، وكوت ديفوار

إذا كان هناك شبه اتفاق بين واتارا وفرنسا بشأن سحب القوات، فهل معنى هذا وجود بديل آخر لملء هذا الفراغ، ونقصد به تحديدًا البديلين، الروسي والأميركي؟

بالنسبة للبديل الروسي: يلاحظ أن القوات الروسية المنخرطة حاليًّا في الساحل لم تحقق نتائج أفضل، فضلًا عن أن الموقف الروسي من بشار الأسد وتخليها عنه، كان له أثر سلبي من ناحيتين، الأولى: تتعلق بفقدان الثقة في روسيا وإمكانية تخليها بسهولة عن الأنظمة الداعمة، والثانية: تتعلق بفاعلية هذا الدور والخشية من التأثير المحتمل لغلق القاعدة البحرية في طرطوس على البحر المتوسط، وقاعدة حميميم الجوية على جهود موسكو في مكافحة الإرهاب في شمال ووسط وغرب إفريقيا، وهما قاعدتان كانت تعتمد عليهما بصورة كبيرة في تقديم الدعم اللوجيستي في القارة الإفريقية، لاسيما في ظل ضعف البدائل الإفريقية؛ أي بنغازي في شرق إفريقيا التي يسيطر عليها حفتر، على اعتبار أنها ليست بذات كفاءة القواعد السورية، وربما يكون البديل هو قاعدة عسكرية في السودان على البحر الأحمر، وهو أمر خاضع للتفاوض حتى الآن(8). ومن ثم قد لا تكون روسيا بديلًا مفضلًا لكوت ديفوار في هذا التوقيت.

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فقد تكون بديلًا محتملًا، خاصة بعدما كشفت صحيفة لوموند الفرنسية، أوائل يوليو/تموز 2024، عن موافقة رئيس كوت ديفوار، الحسن وتارا، على تدشين قاعدة عسكرية أميركية شمال غرب البلاد بالقرب من منطقة أوديين “Odienne”، دون الإفصاح عن مزيد من التفاصيل حول هذه الاتفاقية؛ شروطها، وحجم القوات المنتشرة، ومستوى التسليح، ومدتها، وما سوى ذلك.

وربما استهدف واتارا من ذلك ضمان عدم اعتراض الولايات المتحدة على ترشحه لولاية رابعة في الانتخابات القادمة المزمع تنظيمها، في أكتوبر/تشرين الأول 2025، وهو استحقاق سيجعل واتارا مستمرًّا في الحكم منذ 2010، وسيكون قد فاز بثلاث ولايات حتى الآن.

بيد أن قرار ترشحه للرئاسة، عام 2020، بعد الوفاة المفاجئة لخليفته ورئيس الوزراء، أمادو جون كوليبالي، كان قد أثار غضبًا واسع النطاق لدى صفوف المعارضة الإيفوارية. ولم يخف الرجل فكرة الترشح؛ إذ ألمح إلى ذلك صراحة في خطابه أمام أعضاء السلك الدبلوماسي بأبيدجان، يوم 9 يناير/كانون الثاني 2025؛ أي بعد أسبوعين تقريبًا من قراره الخاص بانسحاب القوات الفرنسية. لقد أشار إلى أنه يرغب في الاستمرار في خدمة بلاده رئيسًا، مضيفًا أنه بصحة جيدة ومتحمس لمواصلة خدمة بلده، وهي أقوى إشارة حتى الآن على أنه يخطط للترشح مرة أخرى.

وفي المقابل، هناك حرص أميركي على إيجاد قواعد بديلة في الإقليم، خاصة بعد الانسحاب من النيجر، وهو ما أكده رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال سي كيو براون، في يونيو/حزيران 2024، بأن واشنطن تدرس تعزيز التعاون العسكري مع عدد من دول القارة، وأكَّده أيضًا أحد المسؤولين الأميركيين، عندما ذكر لوسائل الإعلام أن هذه الدول تشمل إما غانا أو بنين أو كوت ديفوار(9).

وذهب إلى نفس الأمر قائد قوات الأفريكوم “القيادة الأميركية الخاصة بالقارة”، الجنرال ميشيل لانجلي، الذي أشار إلى أن فقدان القواعد الأميركية في الساحل، سيقلِّل من قدرتنا على المراقبة والتحذير، بما في ذلك القيام بالمهام الدفاعية، انطلاقًا من هذه القواعد، وطبعًا لمواجهة الجماعات الجهادية والسلفية المنتشرة بقوة في هذه المناطق، فضلًا عن دعم جهود منظمة الإيكواس في مواجهة الإرهاب(10).

وحتى في ظل الوجود الأميركي المحتمل في كوت ديفوار، فقد لا يؤثر ذلك كثيرًا على الوجود الفرنسي المتغلغل في شتى مناحي الحياة. وربما قد يحدث تنسيق بين الجانبين، الفرنسي والأميركي، في هذا الشأن على غرار ما يحدث في جيبوتي التي تستضيف أكبر قاعدة فرنسية في القارة بمجاورة قاعدة لومونييه الأميركية.

خاتمة

يمكن القول في التحليل الأخير: إن الخطوة الإيفوارية ربما تمت بالتنسيق مع فرنسا، وإن الرحيل العسكري ليس معناه الرحيل النهائي بكل أبعاده عن كوت ديفوار، وإن الحسن واتارا لا يزال الرجل المفضل فرنسيًّا، والحريص على عدم وجود خلاف دبلوماسي بين البلدين، وأن تبقى بلاده حليفًا مهمًّا لفرنسا في غرب إفريقيا.

ونجد الرئيس واتارا لم يبد غضبًا أو حتى استياء من تصريحات ماكرون الأخيرة، في 7 يناير/كانون الثاني 2025، أمام مؤتمر الدبلوماسيين الفرنسيين السنوي في باريس، والذي وجَّه فيه انتقادات حادة لقادة العديد من الدول الإفريقية. وهي التصريحات التي تحمل في طياتها نوعًا من التعالي والمنِّ على هذه الدول المدينة بالشكر والعرفان لباريس، لكنها لم تفعل ذلك. وقد ذكَّر ماكرون قادة دول إفريقية لم يسمهم بأن أيًّا من تلك الدول ما كان لها أن تستقل لولا التدخل الفرنسي لدعمها لنيل استقلالها، وأن أحدًا منهم لا يستطيع إدارة دولة ذات سيادة من دون تدخل. وهي التصريحات التي أثارت حفيظة شركاء فرنسيين مثل تشاد والسنغال، وأخيرًا وليس آخرًا المجلس العسكري ببوركينا فاسو، في حين اكتفى واتارا بالصمت.

بدر حسن شافعي

مركز الجزيرة للدراسات