1

كيف تهدد سياسة طهران في إفريقيا المصالح الإسرائيلية في القارة؟

بينما يتركز الاهتمام الإسرائيلي هذه الأيام بشكل رئيسي على المساعدات التي تقدمها إيران للوكلاء في إطار نظام “السيوف الحديدية”، تواصل طهران توسيع أنشطتها في أنحاء القارة الإفريقية، بما يزيد من التهديد السياسي للمصالح الأمنية والاقتصادية الإسرائيلية في هذه القارة. وفي ضوء ذلك، يتعين على إسرائيل صياغة استراتيجية تمنع إيران من تحقيق أهدافها فيها.

منذ بداية حرب “السيوف الحديدية” بل وأكثر من ذلك منذ هجوم 14 نيسان/أبريل الذي نفذته إيران ضد إسرائيل باستخدام أسراب من الطائرات بدون طيار، يبدو أن الاهتمام الإسرائيلي في السياق الإيراني يتركز بشكل أساسي على المساعدات التي ترسلها طهران إلى وكلائها في جميع أنحاء الشرق الأوسط من أجل الضغط على إسرائيل لوقف الحملة في قطاع غزة وبالتالي إنقاذ حماس، فضلاً عن احتمال نشوب حرب شاملة بين البلدين. إن تركيز إسرائيل على النشاط الإيراني في جميع أنحاء الشرق الأوسط قد يؤدي إلى إغفال اتجاه مهم للغاية في السياق الإيراني، ألا وهو تزايد النشاط الإيراني في القارة الإفريقية في الأشهر الأخيرة. وهذا النشاط يعرض عدداً من المصالح الأساسية لإسرائيل للخطر في القارة.

لقد كانت إفريقيا قارة “مفضلة” لأنشطة إيران منذ بداية الثورة الإسلامية، ويرجع ذلك إلى مجموعة واسعة من الأسباب: فقد رأت إيران هوية أيديولوجية بينها وبين العديد من البلدان في إفريقيا، في ضوء رغبتها المشتركة في محاربة “الغازي الغربي الأجنبي”؛ بل إن طهران أرادت حماية الأقلية الشيعية الكبيرة في جميع أنحاء القارة، كما سعت إلى استغلال موارد القارة لتلبية احتياجاتها الخاصة. هذه الأسباب والقرب الجغرافي لإفريقيا من الشرق الأوسط جعل من القارة عاملاً جاذباً في نظر القيادة الإيرانية.

رأت إيران هوية أيديولوجية بينها وبين العديد من البلدان في إفريقيا، في ضوء رغبتها المشتركة في محاربة “الغازي الغربي الأجنبي”

وحتى في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، زادت إيران من نشاطها السياسي في جميع أنحاء القارة الإفريقية، ولكن يبدو أن الرئيس الإيراني السابق، إبراهيم رئيسي، أخذ الفكرة عدة خطوات إلى الأمام. وفي إطار رغبته في تعزيز العلاقة مع “الجنوب العالمي”، كبديل سياسي واقتصادي للغرب، اعتبر رئيسي تعزيز العلاقات مع إفريقيا الهدف السياسي الأول والأهم لرئاسته، وعمل على تعزيز العلاقات مع العديد من الدول. في القارة، عقد العديد من المنتديات المشتركة وزار عدة دول.

وفي الأشهر الأخيرة، زادت إيران أنشطتها في إفريقيا. ولا يتعلق الأمر بتعزيز المصالح الاقتصادية والسياسية فحسب، بل يتعلق وبرغبة إيران في توسيع مبيعات نفطها إلى العديد من دول القارة للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية منها. وهذا الاتجاه ملحوظ بشكل خاص في منطقة شرق إفريقيا، ولكن يمكن ملاحظة الزيادة في النشاط الإيراني بشكل عام في جميع أنحاء القارة.

وفي منطقة القرن الإفريقي وشرق القارة، تواصل طهران توسيع علاقاتها مع السودان وتنقل إلى أيدي الجيش السوداني طائرات بدون طيار من نوع مهجر 6، لتعزيز قدراتها في إطار العمل المدني في البلاد، ومع الاعتقاد أن إيران بهذه الطريقة ستتمكن من جني مكاسب سياسية وأمنية، من حيث تجديد العلاقة السياسية بين الدول، وإنشاء ميناء لاستخدام طهران في منطقة بورتسودان، وهذه العملية تشبه إلى حد كبير المساعدة التي قدمتها إيران لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، كجزء من الحرب الأهلية التي شنها ضد المتمردين من مقاطعة تيغراي، وهي المساعدة التي أدت إلى تحسين قدرات الجيش الإثيوبي بشكل كبير.

تعميق العلاقات مع الجيش السوداني، والرغبة في تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وتجديد العلاقة السياسية مع جيبوتي، يسمح لإيران بزيادة وجودها الأمني ​​في هذه المنطقة الاستراتيجية

وإلى جانب تعميق العلاقات مع السودان، جددت طهران علاقاتها الدبلوماسية مع جيبوتي العام الماضي بعد انقطاع دام سبع سنوات. وكان موقع جيبوتي الاستراتيجي بالقرب من مضيق باب المندب أحد الأسباب الرئيسية لرؤية طهران لتجديد هذه العلاقات. إلى جانب هذه الجهود، تعمل طهران على تعميق علاقاتها الدبلوماسية مع القاهرة من خلال مجموعة واسعة من القنوات.

إن تعميق العلاقات مع الجيش السوداني، والرغبة في تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وتجديد العلاقة السياسية مع جيبوتي، يسمح لإيران بزيادة وجودها الأمني ​​في هذه المنطقة الاستراتيجية. وستخدم هذه الخطوة عددًا من الأغراض المهمة من وجهة نظر إيران، من بينها زيادة “الحصار الاقتصادي” على إسرائيل، وإعادة بناء قنوات لنقل الذخيرة إلى حماس في قطاع غزة، فضلاً عن تحسين القدرة على زيادة إسقاط قوتها.

وحتى في شمال إفريقيا، تواصل إيران توسيع علاقاتها السياسية مع تونس، ومؤخرًا تم إلغاء شرط التأشيرة للمواطنين الإيرانيين الذين يسعون لدخول البلاد، وذلك على ما يبدو بهدف تسهيل بناء العلاقة الاقتصادية بين البلدين. ويضيف توسيع هذه العلاقات أيضاً إلى العلاقات الاستراتيجية التي بنيت في السنوات الأخيرة بين إيران والجزائر، وكذلك إلى البصمة الأمنية والسياسية التي تتمتع بها طهران في ليبيا. ومن خلال القيام بذلك، تحاول إيران بناء “سلسلة إقليمية متصلة” في البلدان الشمالية من القارة، ما يسمح لها بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ​​ومضيق جبل طارق، بطريقة تزيد من التهديد الذي تتعرض له القارة الأوروبية، بل وبالأساس لزيادة الضغط العسكري على المغرب، الذي تعتبره القيادة الإيرانية معقل النشاط الإسرائيلي/الأمريكي في هذه القارة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الوجود الإيراني يسمح لها بزيادة المساعدات العسكرية لمتمردي البوليساريو، الذين يقاتلون الوجود المغربي في منطقة الصحراء الغربية. وإلى جانب ذلك، تحاول إيران أيضاً توسيع علاقاتها السياسية مع موريتانيا، وبالتالي زيادة “الشعور بالحصار” على المغرب من جانبه الغربي أيضاً.

تحاول إيران بناء “سلسلة إقليمية متصلة” في شمال إفريقيا، ما يسمح لها بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ​​ومضيق جبل طارق، وهو ما يزيد الضغط العسكري على المغرب، الذي تعتبره معقل النشاط الإسرائيلي- الأمريكي في هذه القارة

وإلى جانب هذا النشاط في القرن الأفريقي وشمال أفريقيا، تعمل إيران على توسيع علاقاتها الاقتصادية مع مختلف البلدان في شرق القارة، بما في ذلك كينيا وأوغندا وزيمبابوي. إلى ذلك، تحاول طهران استغلال الفراغ الناجم عن “انسحاب” الوجود الفرنسي في منطقة الساحل، وكما هي الحال مع الصين وروسيا، فإنها تحاول أيضاً الحصول على حصة اقتصادية وسياسية في تلك الدول. ومن الأمثلة على ذلك النيجر، حيث لدى إيران عدد كبير من المصالح مثل خامات اليورانيوم، التي يمكنها شراؤها لاستخدامها في برنامجها النووي. وفي الواقع، لم يتم الإبلاغ إلا مؤخرًا عن توقيع اتفاقية بين البلدين حول هذه القضية.

ويجب أن تثير هذه التطورات قلق إسرائيل بشكل خاص، لأنها تزيد من التهديد العسكري عليها من منطقة القرن الإفريقي وتهدد قدرتها على مواصلة الاتجاه نحو تشديد العلاقات السياسية مع العديد من الدول في جميع أنحاء القارة. وفي هذه الأثناء، تعمل إيران على الإضرار بالجهود السياسية التي تبذلها إسرائيل، وخاصة تجاه منظمة الدول الإفريقية، من خلال الجزائر وجنوب إفريقيا، اللتين يُزعم أنهما تفرضان ثمناً من دول القارة مقابل دعمها لإسرائيل (المغرب على سبيل المثال). وتستخدم إيران علاقاتها معهم للتحايل على العقوبات المفروضة عليها من قبل الغرب، وقبل كل شيء لتعزيز مكانتها باعتبارها مصدرًا رائدًا للأسلحة في العالم، وذلك بشكل أساسي من خلال تصدير الطائرات بدون طيار التي تمتلكها إلى أي شخص يريدها.

وفي ضوء ذلك، فمن الصحيح أن تفكر إسرائيل في بناء استراتيجية هدفها الحفاظ على قدرتها على النفوذ في القارة الإفريقية إلى جانب تقليص كبير لقدرة إيران على النفوذ في إفريقيا. ولأن التوقيع السياسي لإسرائيل في هذه القارة محدود للغاية (لدى إسرائيل 10 ممثليات في القارة الأفريقية وحدها)، فمن الصحيح دراسة الخطوات التالية:

– التعاون مع دول الخليج، التي تنظر أيضاً بعين الشك الشديد إلى النشاط الإيراني في إفريقيا، والذي يعرض مصالحها الأساسية في القارة للخطر.

– تعميق التنسيق مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول التي تخشى النشاط الإيراني وخاصة لتحقيق أسعار الربح (أو الخسارة) لأي دولة تختار عدم التعاون مع إيران.

– تعميق العلاقات الأمنية مع دول القرن الإفريقي ودول شرق إفريقيا؛ لمنع إيران من “السيطرة” على البحر الأحمر لتلبية احتياجاتها الخاصة، وفي الوقت نفسه تعزيز التنسيق مع مصر فيما يتعلق بالبحر الأحمر. منع الزحف الإيراني في هذه المنطقة.

– تكثيف كبير للحملة السياسية الرامية لمنع إيران من تصدير الأسلحة النووية التي تمتلكها، ومن ثم تحسين وضعها الاقتصادي والأمني ​​(من خلال تبادل هذه المساعدات).

– توسيع المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها لدول القارة التي تعارض الوجود الإيراني فيها، والتي اختارت الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل، رغم “إغراءات” تعميق التعاون مع طهران.

خلاصة القول، إن توسع النشاط الإيراني في جميع أنحاء إفريقيا يعرض مصالح إسرائيل المهمة في القارة للخطر. ومن دون بناء استراتيجية واسعة مع دول أخرى، يكون هدفها تحدي هذا النشاط، قد تستخدم إيران موطئ قدمها في إفريقيا لزيادة التهديد العسكري والاقتصادي لإسرائيل، ولثني الدول الأخرى عن التعاون معها، ولإقناع الدول الأخرى بعدم التعاون معها، وتحصيل ثمن من تلك الدول التي اختارت زيادة التعاون مع إسرائيل.

داني سيترينوفيتش

منشورات مركز بحوث الأمن القومي الاسرائيلي 15/7/2024

ترجمة صحيفة القدس العربي




دميدل إيست آي: كيف تواطأت الجامعات الهندية بالإبادة في غزة وعززت تعاونها مع إسرائيل؟

نشر موقع “ميدل إيست آي” تقريرا أعده أزاد عيسى قال فيه إن الجامعات الهندية عمقت من صلاتها مع الجامعات والكليات الإسرائيلية وشركات التسلح منذ بداية الحرب على غزة.

ويأتي التعاون وسط تعرض مؤسسات تعليمية في الولايات المتحدة وبريطانيا لضغوط كي تعيد التفكير بعلاقاتها مع إسرائيل. وقال عيسى إن الجامعات الهندية عمقت في الأشهر الأخيرة الشراكات في مجال الدفاع والروبوتات والذكاء الاصطناعي، ومع جامعات إسرائيلية يزعم أنها متواطئة في الحرب التي مر عليها تسعة أشهر في غزة.

وتتعاون عدة جامعات هندية إما مباشرة مع شركات التسلح الإسرائيلية أو شركات صناعة أسلحة هندية أرسلت أسلحة إلى إسرائيل. وأثارت الشراكات البحثية التي تم الإعلان عن بعضها تكهنات بمحاولات إسرائيلية لتعزيز العلاقات مع الجامعات الهندية، بخاصة في مجال العلوم وبناء مراكز بحث دفاعي وتكنولوجي لقواتها العسكرية وكوسيلة لممارسة التأثير على الأكاديميات الهندية.

وبحسب القائمة التي أعدها الموقع، فقد عقدت عشرات اللقاءات ووقعت اتفاقيات ونظمت ورشات عمل بين الجامعات الهندية والإسرائيلية وشركات الأسلحة، منذ توصلت محكمة العدل الدولية بأن هناك أدلة معقولة حول ارتكاب إسرائيل إبادة جماعية في غزة.

ويقول المحللون والخبراء إن الاتفاقيات قد تكون جزءا من خطة تحاول من خلالها إسرائيل الاعتماد على نظام الجامعات الهندية وإشباع شهوتها من الخبرات العسكرية والتطور التكنولوجي، وكذلك تنويع شراكاتها في وقت تتعرض فيه عدة جامعات لضغوط كي تقاطع الجامعات الإسرائيلية وسحب استثماراتها من شركات إسرائيلية أو تتعامل مع إسرائيل.

يقول المحللون والخبراء إن الاتفاقيات قد تكون جزءا من خطة تحاول من خلالها إسرائيل الاعتماد على نظام الجامعات الهندية وإشباع شهوتها من الخبرات العسكرية والتطور التكنولوجي

وقالت مايا ويند مؤلفة “أبراج العاج والصلب: كيف تحرم إسرائيل الفلسطينيين من الحرية” إن عددا من المؤسسات الإسرائيلية في حالة فزع من منظور المقاطعة الإسرائيلية في الولايات المتحدة وأوروبا بعد الاحتجاجات في الجامعات. وقالت ويند: “زاد قلق الأكاديميين الإسرائيليين من إمكانية سحب الاستثمارات والتعاون وخسارة المنح والشرعية والنظر إليهم كمارقين، وهذا هو كل الحديث الجاري الآن”. وأضافت ويند “هناك فزع كبير من تزايد الدعوات للمقاطعة وقطع العلاقات المؤسساتية. وأرسلت الجامعة العبرية مواد إلى كلياتها تضمنت نقاطا للحديث عنها لمواجهة المقاطعة. وربما كان التحول نحو الجامعات الهندية هو تقوية مصادر أخرى للتمويل”.

ففي شباط/ فبراير، سافر أورون شاغرير، نائب رئيس الشؤون الدولية في الجامعة العبرية بالقدس مع وفد إسرائيلي لمقابلة ممثلين عن سبع مؤسسات تعليم عال في الهند. وشملت اللقاءات على تواصل مع المعهد التكنولوجي الهندي في دلهي ومعهد عموم الهند للعلوم الطبية ومعهد تاتا للبحث الأساسي والمعهد الهندي للتكنولوجيا في بومباي والمعهد الهندي للعلوم والمركز الوطني للعلوم البيولوجية والمعهد الهندي للإدارة في بنغالورو.

وأعلنت الجامعة العبرية بعد ذلك عن توقيع اتفاق مع المعهد الهندي التكنولوجي والتركيز على المصالح المشتركة والتكامل الذي يعزز الشراكة بين المؤسستين.

ورغم أن العلاقات بين الجامعات الإسرائيلية والهندية ليست جديدة، لكنها كانت قليلة قبل وصول ناريندرا مودي إلى السلطة عام 2014. ومن أهم المؤسسات التي كانت موجودة هي مركز الدراسات الإسرائيلية في مدرسة جندال للشؤون الدولية في الهند الذي أنشئ عام 2012 ومركز الدراسات الإسرائيلية في مومباي الذي أنشأته جامعة تل أبيب في عام 2017. وبعد زيارة مودي لإسرائيل عام 2017، زادت العلاقات المؤسساتية بشكل كبير. وفي عام 2022 وقعت الهند وإسرائيل مذكرة تفاهم للأبحاث والتطوير الصناعي والتركيز على تعميق العلاقات الثنائية.

واستمرت العلاقات حيث قال الخبراء إن التقارير عن استمرار الجامعات الهندية بالتعاون مع المؤسسات الإسرائيلية أثناء حرب الإبادة في غزة غير مقبول. وقالت أستاذة العلوم الاجتماعية في دلهي ناديني سوندار “لا يمكنك تدمير كامل النظام التعليمي في غزة وتتوقع بعدها تبادلا أكاديميا عاديا” وقالت سوندار: “أي جامعة، مؤسسة أو فرد يتشارك مع إسرائيل في هذا الوقت يجب اعتباره متواطئا في الإبادة”.

قال الخبراء إن التقارير عن استمرار الجامعات الهندية بالتعاون مع المؤسسات الإسرائيلية أثناء حرب الإبادة في غزة غير مقبول

وبنفس السياق قالت زها حسن، من مركز الدراسات السياسية بجامعة جواهر لال نهرو في نيودلهي إن التعاون مع منتهكي الحقوق ليس فقط غير أخلاقي بل ويقوض الأكاديميا الهندية بالكامل. وقالت إن “الحرب المستمرة في فلسطين والتي قتلت على الأقل 35,000 فلسطيني ليست وقت التعاون، بل وقت مقاطعة التبادل الأكاديمي والأبحاث المشتركة معهم، وكان يجب علينا الاحتجاج ضد الإبادة في غزة وليس دعمها بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال التعاون”.

وناقش الفلسطينيون وعلى مدى عقود أن الجامعات الإسرائيلية لعبت دورا محوريا في تأسيس إسرائيل وتقوية الاحتلال. ووصفت الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية المؤسسات الأكاديمية أنها ليست مجرد متواطئة بل لاعب رئيسي ومخطط وداعم ومدافع عن هجمات إسرائيل ضد غزة. وهي جزء من الانتهاكات الإسرائيلية المنظمة للفلسطينيين. وبدأت الحملة نشاطاتها المطالبة بالمقاطعة الثقافية والأكاديمية في بداية العشرية الأولى من القرن الحالي وكانت جزءا من حركة أوسع لمقاطعة إسرائيل. وقد أدت لردة فعل من دولة إسرائيل ضد الناشطين والأكاديميين الذين شاركوا فيها.

وناقشت ويند أن الأكاديميا الإسرائيلية متورطة في مشروع الإحلال المناطقي الذي يعتبر مركزيا في بناء إسرائيل. و”بالتأكيد، وقبل إنشاء إسرائيل أنشأت الحركة الصهيونية ثلاث جامعات بهدف واضح هو خدمة المطامع المناطقية في فلسطين”. وأضافت أن ثماني مؤسسات تعليم عال موجودة حاليا في إسرائيل “تعمل مباشرة بخدمة الدولة وتقوم بمهام حيوية في استمرار سياساتها، وتشكل بالتالي عمادا للاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي”.

وصف يوفيس إنغلر، مؤلف كتاب “كندا وإسرائيل: بناء الفصل العنصري”، الجامعة العبرية التي مضى على تأسيسها 106 أعوام بأنها شريكة للجيش الإسرائيلي

وبنفس السياق وصف يوفيس إنغلر، مؤلف كتاب “كندا وإسرائيل: بناء الفصل العنصري”، الجامعة العبرية التي مضى على تأسيسها 106 أعوام بأنها شريكة للجيش الإسرائيلي. فهي “تدرب الضباط في الجيش بمنطقة من حرمها مخصصة لمساعدة قوات الجيش، وكان على الجامعات الهندية تجنب التعامل مع الجامعة العبرية”. وقال إنغلر “كل الجامعات الإسرائيلية ساهمت بالإبادة الجماعية في غزة، وعليه فأي عقد مع جامعة إسرائيلية سيكون شكلا من التواطؤ في رعب غزة”.

وفي بيان أصدرته الجامعة العبرية في أعقاب زيارة شغرير للهند واجتماعه مع ممثلي سبع مؤسسات أكاديمية، شكرت الجامعة شركاءها وأصدقاءها حول العالم بسبب “التضامن الثابت”. وبدأ شغرير بالنظر إلى التعاون بين الجامعة العبرية والجامعات الهندية “كأولوية استراتيجية”، وذلك بعد الاحتجاجات في الجامعات الأمريكية ودعوة 76 جامعة إسبانية لمراجعة علاقاتها مع المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية.

كما ووصف تامير شيفر، رئيس الجامعة العبرية بأن تهديدات المقاطعة هي مثل “تسونامي”. ولم تكن الجامعة العبرية الجهة الوحيدة التي قصدت الهند هذا العام، ففي منتصف آذار/مارس وقعت الصناعات الجوية الإسرائيلية، التي تعد واحدة من كبريات الشركات التجارية والعسكرية والمختصة بتطوير أنظمة الدفاع والمشاركة في قصف غزة اتفاقا مع المعهد التكنولوجي الهندي، وهو اتفاق وصف بأنه تعاون استراتيجي بين الطرفين.

وعبرت رانجان باندا، عميدة التعاون في المعهد التكنولوجي الهندي عن سرورها من منظور التعاون مع الصناعات الجوية الإسرائيلية “الرائد في الصناعة الجوية العالمية”. وقال الباحث الكندي إنغلر إن توقيع معهد تكنولوجي هندي اتفاقية شراكة مع متعهد عسكري إسرائيل كان خارج التفكير، وبخاصة أن هذا المتعهد متورط في قتلى كثر بغزة.

موقع ميدل إيست أي البريطاني

ترجمة ابراهيم درويش




“لقاء شعبي” مثير بين “العضايلة وهنية”: خطاب موحد في “المخاطر والاشتباك والحواضن”.. والأهم “حديث الضفتين”

اللقاء الذي تم الإعلان عن عقده “مع صورة” بين المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن ورئيس حركة حماس خطف فورا الأضواء ليس لأنه “الأول” بين قطبي التيار الإسلامي في “ضفتي نهر الأردن” فقط بل لأنه تضمن “رسائل سياسية مشفرة” تكمل نصاب فكرة “المخاطر” الإسرائيلية التي تطال الضفتين أيضا.

 طوال الوقت وخلال استقبال شخصيات سياسية أردنية في الدوحة أو إسطنبول بقي الشيخ إسماعيل هنية يوجه “رسائل إيجابية” بعنوان حرص المقاومة الفلسطينية على “أمن واستقرار الأردن” وإظهار قدر بسيط من “العتب” بسبب عدم تمكينه من زيارة عمان وإقامة علاقات من أي صنف مع الحكومة الأردنية.

 وطوال الوقت أظهرت قيادة حماس حرصا إضافيا على “تجنب” إغضاب المؤسسة الرسمية الأردنية، حتى إن خالد مشعل القيادي البارز في حماس و”أبرز الأردنيين” فيها أفاد عدة مرات بعدم وجود أي علاقة تنظيمية من أي نوع بين الحركة وجماعة الإخوان في الأردن، مصرا على أن المسألة تخص “الانتماء فقط لمدرسة فكرية” ليس أكثر.

لكن الشيخ إسماعيل هنية وهو يستقبل المراقب العام للإخوان المسلمين الشيخ مراد عضايلة تقصد فيما يبدو سياسيا التأشير ضمنا على أن أي إنجاز تسجله المقاومة الفلسطينية في الواقع الفلسطيني ضد الاحتلال “منتج قومي” يمكن أن يعزز مصالح الأردن الأساسية.

خلال استقباله الشيخ عضايلة في “قمة شعبية” مرسومة ببيكار سياسي سبقت وقتيا الانتخابات الأردنية تقدم الشيخ هنية بنعومة بالشكر لموقف الشعب الأردني الداعم للشعب الفلسطيني وتحدث عن علاقات تاريخية بين الشعبين معمدة “بالدم الموحد”.

 يفترض بالعلاقة بين الشعبين أن لا تثير أي حساسية عند الرسمي الأردني فيما اللقاء نفسه الذي لم يعقد سابقا وشهدته الساحة السياسية الآن بحد ذاته رسالة عميقة على وجود “حاضنة شعبية أردنية” علنية للمقاومة وحصرا لحركة حماس في البنية الاجتماعية الأردنية، الأمر الذي أشار له بوضوح العضايلة وبدون أي تردد.

الأهم أن العضايلة أعلن عن اللقاء وأرسل لـ “القدس العربي” تصريحا يلخص الحيثيات وفيه تأكيد على “رؤية الإخوان” الوطنية بخصوص المخاطر التي يثيرها اليمين الإسرائيلي ضد “الدولة الأردنية” من خلال مشروع “ضم الضفة الغربية”.

تقصد عضايلة أن يركز على “وحدة الاشتباك” في الضفتين في مواجهة “مشروع اليمين الإسرائيلي”. وتقصد الشيخ هنية بدوره تجنب أي “إشارة“ يمكنها انتقاد الموقف الرسمي الأردني في لقاء يعيد التأكيد على الحاضنة الاجتماعية ودورها ووحدة مصير الشعبين.

 انعقاد اللقاء بحد ذاته “حدث مهم” على صعيد نمو مساحة “تفهم مقاصد المقاومة” ودورها في حماية المصالح الأردنية مستقبلا، وأغلب التقدير أن الحكومة الأردنية “لا تمانع” مثل هذا اللقاء الذي قد يشكل لاحقا استدراكا ما دامت عدة دول ومحاور منشغلة الآن بملف “المصالحة الفلسطينية” وما دام أن عملية “شيطنة المقاومة وحماس” التي جازف بها بعض المراهقين الأردنيين “أخفقت”.

صحيفة القدس العربي




حجّ المتسلّلين… أردنيون يأتون مكة عبر الوديان

يتسلل أردنيون إلى مكة المكرمة عبر طرق وعرة تمر بالوديان المحيطة بأم القرى التي يقصدها من لم يصبهم الدور لأعوام عديدة، أو فقراء يدفعهم الشوق إلى مخالفة القوانين المحلية والسعودية التي تحظر أداء المناسك عبر تأشيرات الزيارة.

– ببطء شديد يمر الوقت على الأربعينية الأردنية أم حمزة وقريبتها التي تشاركها غرفة فندق في مكة المكرمة بعدما ألقت الشرطة السعودية القبض على شقيق الأولى خلال رحلته إلى مدينة جدة (80 كيلومترا غرب مكة)، وبينما تنتظران ما ستقرره السلطات السعودية بحقهما، يحاول الرجل دخول مكة مرة أخرى سالكًا إحدى الطرق غير المأهولة لأم القرى.

وتحركت السيدتان والرجل بسيارتهم الخاصة من الأردن مباشرة في اتجاه مكة بعدما حصلوا على تأشيرة زيارة راغبين في أداء فريضة الحج دون تصريح، قبيل منتصف شهر ذي القعدة (23 مايو/ أيار الماضي)، واستقروا بأحد فنادقها البعيدة عن المسجد الحرام، وخاض ثلاثتهم الرحلة رغم معرفتهم خطر الإبعاد إذا ضبطتهم الشرطة. تقول أم حمزة، وهي أرملة تعول ثلاثة أبناء، لـ”العربي الجديد”، إنها لا تملك المال الكافي للحج النظامي الذي تراوح كلفته في الأردن بين 3310 دنانير (4671 دولارا أميركيا)، و7000 دينار (9879 دولارا)، بينما لم تتكلف سوى ألف دينار (1411 دولارا)، قيمة التأشيرة وكلفة الإقامة والمعيشة في السعودية.

وتعتبر أم حمزة نفسها “محظوظة” لأنها لم تدخل ضمن 321 ألف شخص تم إبعادهم عن السعودية، بينهم 153 ألفا و998 أجنبيا دخلوا بتأشيرات زيارة وكانوا ينوون الحج دون تصريح، بحسب إفادة مدير الأمن العام في السعودية الفريق محمد البسامي، الذي كشف في مؤتمر صحافي عن ضبط 64 ألف شخص حاولوا نقل الحجاج غير النظاميين في الموسم الحالي إلى المشاعر المقدسة يعملون مع 140 شركة حج وهمية.

التسلل إلى مكة عبر الوديان

رصدت وزارة الحج والعمرة السعودية إعلانات لشركات وحسابات وهمية على منصات التواصل الاجتماعي تدعي تنظيمها رحلات الحج بأسعار مغرية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية عن مصدر في 26 إبريل/ نيسان الماضي، مشددًا على أن القدوم لأداء فريضة الحج لا يتم إلا من خلال الحصول على تأشيرة حج صادرة عن الجهات المعنية في المملكة العربية السعودية بالتنسيق مع مكاتب شؤون الحج فيها في الدول الأخرى.

تصريحات الوزارة كانت خيط البداية الذي تتبعته معدة التحقيق لترصد تعليقات المئات من الحجاج غير النظاميين في مجموعات بمنصات وتطبيقات التواصل، تعمل كقنوات تواصل بينهم لنشر التحذيرات من أماكن دوريات الأمن السعودي وحملاتها التفتيشية، فـ”لا يمكن للحاج المخالف الخروج حتى لشراء الخبز”، لأن دوريات الشرطة تنتشر بكثافة في شوارع مكة، ما يزيد خطر ضبطهم حال استوقفت الشرطة أيا منهم وطلبت الاطلاع على تصريح الحج والبطاقة التعريفية الخاصة به بالإضافة لسوار المعصم الذي يحمل كل بيانات الحجاج النظاميين والذي عممت السعودية عليهم ارتداءه بدءًا من موسم حج 2016.

تحذيرات يتداولها حجاج مخالفون (فيسبوك)
لا تردع العقوبات الحجاج غير النظاميين إذ يعاودون التسلل إلى مكة  (جانب من حوارات الحجاج المتسللين في مجموعاتهم على واتساب)

ويحظر على حاملي تأشيرات الزيارة بكافة أنواعها الوجود في مكة المكرمة خلال الفترة بين 23 مايو/أيار وحتى 22 يونيو/حزيران الجاري الموافق 15 ذي الحجة، أي بعد انتهاء مناسك الحج وفق ما أعلنته وزارة الداخلية السعودية عبر حسابها بمنصة “إكس”، والتي تطاردهم باعتبارهم مخالفين لأنظمة وتعليمات الحج وتفرض عليهم غرامة قدرها 10 آلاف ريال (2665 دولارا) بغض النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما يتم ترحيل المقيمين المخالفين إلى بلدانهم، وحظر دخولهم مرة أخرى للبلاد، ويعاقب كل من ينقل المخالفين بالسجن لمدة تصل لستة أشهر، وغرامة تصل لـ 50 ألف ريال (13.326 دولارا)، ومصادرة وسيلة النقل، مع ترحيل الناقل المخالف إذا كان مقيماً بعد تنفيذ العقوبة، ويُمنع من دخول المملكة وفقاً للفترات المحددة بموجب النظام.

لماذا تصاعدت الظاهرة؟

لم تردع العقوبات عشرات الشركات التي تنشط في دول عدة، من بينها الأردن، حيث رصدت معدة التحقيق عشر شركات تقدم خدمات التسفير لراغبي الحج دون تصريح بكلفة تراوح بين 1300 و1500 دينار أردني (1834 – 2117 دولارا)، إما برًا عبر معبر العمري الحدودي بين الأردن والسعودية ثم إلى مدينة جدة ومنها يركب الحجاج المخالفون سيارات دفع رباعي خاصة تسلك بهم طرقًا غير مأهولة ووديانا حتى تتجاوز كل النقاط الأمنية ودوريات الشرطة المنتشرة على الطرق الرئيسية وتنزلهم قبل مسافة ما بين كيلومتر إلى كيلومترين يمشونها نحو مكة المكرمة، أو جوًا عبر مطار الملك عبد العزيز الدولي بمدينة جدة ليسلك الحجاج المسار البري نفسه وصولًا إلى مكة المكرمة.

وادعت معدة التحقيق أنها تسعى للحج عبر تأشيرة زيارة وتواصلت مع شركتين للنقل البري إحداهما في محافظة الزرقاء (20 كيلومترا شرق عمّان)، والأخرى لها عدة فروع في مختلف مدن الأردن، أكدت الأولى إمكانية السفر والحصول على التأشيرة مقابل 225 دينارا (317 دولارا)، بالإضافة لكلفة السيارة التي ستدخلها إلى مكة المكرمة والبالغة في المتوسط 500 ريال سعودي (133 دولارا)، توزع على عدد الركاب في السيارة. و”عليها تدبير السكن والمواصلات والمعيشة داخل مكة المكرمة”.

يصل الحجاج غير النظاميين إلى مكة عبر الأودية والطرق الجبلية

“لقد تأخرت”، يوضح ممثل الشركة، قائلا أنه كان عليها السفر قبل شهر من موسم الحج حتى تضمن أداء الفريضة، مؤكدًا أنها إذا وصلت للسعودية قبل يوم عرفة بأيام قليلة فربما لا تتمكن من دخول مكة، وهو ما يتطابق مع إفادات حجاج مخالفين بأنهم دخلوا مكة المكرمة بتأشيرات الزيارة قبل موسم الحج بفترات تراوح ما بين 25 و45 يوما.

و”لم تبدأ محاولة آلاف الحجاج الأردنيين لأداء الفريضة دون تصريح أول مرة في موسم الحج الحالي”، إذ يؤكد الرئيس السابق للجنة السياحة الدينية بجمعية وكلاء السياحة والسفر الأردنية بلال روبين أنها تعود لسنوات عديدة لكنها زادت بشدة خلال السنوات الأخيرة وخاصة في الموسم الحالي بعد التسهيلات الكبيرة التي أقرتها السعودية على تأشيرات الزيارة في يونيو/ حزيران 2023، ما مكّن مئات آلاف الأردنيين من الحصول عليها ودخول السعودية في أي وقت.

ويؤكد الموظف في الشركة الثانية تسهيل سفر أعداد كبيرة بتأشيرات زيارة، لكنه وصف وضعهم حاليًا أنهم “خائفين وكأنهم في سجن”، مشددًا على علم كل الحجاج بعدم قانونية الحج بهذه الطريقة “لكنهم أوكلوا أمرهم لله”، يقول الرجل، ورفض الإفصاح عن خط سير واضح للرحلة البرية مكتفيًا بالقول إنها ستكون من عمّان إلى مكة مباشرة، وإن الشركة تعيّن مرشدًا لقيادة الرحلة حتى يعود الحجاج معه بعد انتهاء الشعائر.

وتخضع كل الحافلات المتجهة إلى مكة لتشديد أمني مكثف، ويقول حجاج أردنيون نظاميون لـ”العربي الجديد”، إن شرطيًا يفتش الحافلات قبل تحركها من جدة أو المدينة قاصدة مكة المكرمة ويتأكد من حمل كل فرد تصريح الحج الخاص به ويضع على باب الحافلة ملصقًا يُمنع شقه أو إزالته حتى تصل الحافلة إلى مكة.

واتفق الموظفان على أن موسم الحج هذا العام يشهد تشديدًا أمنيا غير مسبوق، ما دعا الشركات العاملة بهذا النشاط للتنبيه على عملائها بعدم الخروج من الفندق نهائيا وتعيين مندوبين لتلبية احتياجاتهم اليومية، وقال الموظف في الشركة الثانية إن اعتراف أحد الحجاج على الشركة من شأنه تطبيق عقوبات نقل الحجاج بدون تصريح على الشركة وممثليها، لكنه في الوقت نفسه يستدرك قائلا إن الشرطة عندما تقبض على الحجاج المخالفين تنقلهم إلى جدة دون إلزامهم بدفع الغرامة، حسبما أكد حجاج مخالفون لـ”العربي الجديد”، وسرعان ما يبحثون عن سيارة تدخلهم تهريبا إلى مكة عبر أحد الوديان المحيطة بها مقابل 500 – 1000 ريال سعودي للفرد الواحد (بين 133 و267 دولارا)، إذ تكثف الدوريات الأمنية نشاطها في كل الطرق الرئيسية والفرعية المؤدية لمكة المكرمة، لكن حجاجا آخرين أكدوا لـ”العربي الجديد”، ارتفاع أجرة “سيارات التهريب” لتراوح ما بين 400 و600 دينار (564 – 846 دولارا)، وأن عليهم المشي لمسافة تزيد على كيلومتر في أحد الوديان حتى يعودوا لمكة، مفسرين ارتفاع السعر لزيادة الطلب من قبل المبعدين عن مكة.

أحد الأردنيين يتحدث حول أحوال الحجاج المخالفين في السعودية (العربي الجديد)
حجاج أردنيون مخالفون يؤكدون على التشديدات الأمنية الكبيرة (العربي الجديد)

حبس اختياري

تبلغ حصة الأردن من الحجاج هذا العام ثمانية آلاف حاج من أصل 23 ألفا سجلوا رغبتهم في الحج من مواليد عام 1970 وما قبله، بالإضافة 4500 حاج من مسلمي 1948 يمرون من الأردن في قوافل الحج بالتنسيق مع وزارة الأوقاف ومكاتب الحج والعمرة الأردنية، وبحسب وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردني محمد الخلايلة، فإن الوزارة أجرت قرعة لاختيار ألف مواطن من مواليد الفترة ما بين الأول من يوليو/ تموز 1952 والحادي والثلاثين من ديسمبر/ كانون الأول 1970 للسماح لهم بالحج في الموسم الحالي، إذ تستند الوزارة في اختيارها على معيار منح التأشيرة للأكبر سنًا، وهو ما لم يكن متوفرًا لدى “أم حمزة” ومرافقيها.

ويقضي الحجاج المخالفون أسابيع متخفين في أحياء مكة المكرمة البعيدة عن المسجد الحرام، ومن بينهم الخمسيني مأمون وزوجته الأربعينية، إذ لم يخرجا منذ ما يزيد على ثلاثة أسابيع من شقة وفرتها لهما إحدى الشركات بحي العزيزية البعيد نحو ستة كيلومترات عن المسجد الحرام. يقول مأمون لـ”العربي الجديد”، إنه يسكن غرفة بشقة مكونة من ثلاث غرف برفقة عائلتين أخريين، وفي بداية سكنهما كانت زوجته هي التي تقضي حاجات الأسرة من غذاء ودواء، لكن منذ بداية يونيو/ حزيران زاد “التشديد” الأمني ما دعا الشركة لتوفير مندوبين لأداء تلك المهمة، ورغم ذلك يخشى مداهمة الأمن السعودي لمقر إقامته وزوجته مثلما حدث مع مخالفين آخرين.

“ننتظر بفارغ الصبر يوم عرفة من أجل الإحرام ثم الدخول بين الحجاج النظاميين”، يقول مأمون، مستبعدًا أن يضبطهما الأمن إذا نجحا في الاندساس بين النظاميين. لكن مساعي مأمون وغيره للتسلل مهددة بالفشل، إذ يستبعد المتحدث باسم وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية علي الدقامسة تسلل الحجاج غير النظاميين لخيام أفواج الحج الأردنية في يوم عرفة، ويقول بينما هو ضمن أفراد بعثة الأردن للحج هذا العام لـ”العربي الجديد”، إن سوارًا إلكترونيا في معصم كل حاج نظامي يظهر على الماسح الضوئي معلوماته الكاملة.

ارتفاع الطلب على خدمة الحج غير النظامي (فيسبوك)
ارتفاع الطلب على خدمة الحج غير النظامي (فيسبوك)

وفي 8 و23 مايو/أيار الماضي أطلقت وزارة الأوقاف الأردنية تحذيرين للمواطنين الأردنيين من الحج بدون تصاريح، مشددة على وجوب أداء فريضة الحج عبر تأشيرات معتمدة فقط، ودعت المواطنين للحذر وتجنب ما سمتها شركات وحملات وحسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي تزعم تنظيمها رحلات بتأشيرات زيارة على أنها تصلح للحج.

ووفق الرئيس السابق للجنة السياحة الدينية بجمعية وكلاء السياحة والسفر الأردنية بلال روبين، فإن وزارة الأوقاف الأردنية عممت على جميع شركات الحج والعمرة بعدم تسهيل الحج لحاملي تأشيرات الزيارة، لكن بعض الشركات لم تلتزم بهذا التعميم، خاصة مع ارتفاع الطلب على هذه الخدمة بفعل فارق الكلفة الكبير بين الحج النظامي وغير النظامي.

الخطر مستمر حتى المطار

لا تخلو طريق عودة الحاج المخالف من المخاطر، وفقا للخمسيني الأردني عبد الرحيم محمد الذي خاض تجربة الحج المخالف العام الماضي، إذ تنتشر على طرق الخروج من مكة دوريات أمنية مكثفة تفتش على تصاريح الحج لدى الخارجين، قائلا لـ”العربي الجديد”: إن دورية ضبطته في يوم 17 ذي الحجة أثناء توجهه لمدينة جدة ووجد نفسه مضطرًا لدفع غرامة 10 آلاف ريال لم تكن متوفرة معه فاضطر للاستدانة مع بعض معارفه، وحررت بصماته في أحد مقار وزارة الحج والعمرة السعودية بالمدينة المنورة وأبلغوه بمنعه من دخول السعودية لمدة خمس سنوات.

ونفى أربعة من الحجاج المخالفين أن تكون الشركات أبلغتهم بهذا الإجراء الأخير وقال مأمون إن الشركة أبلغته وزوجته فقط بأمر الدوريات الأمنية خلال موسم الحج، وإنه يخشى ضبطه إذا ما نجح في التسلل بين الحجاج فلا معارف له في السعودية يقرضونه.

دار الإفتاء المصرية تجيز الحج دون تصريح أو بتأشيرة مزورة مع إثم فاعله (فيسبوك)
دار الإفتاء المصرية تجيز الحج دون تصريح أو بتأشيرة مزورة مع إثم فاعله (فيسبوك)

وتبدو حساسية الأمر في أن جواز الحج بدون تصريح أو بتأشيرة غير صالحة أصبح مثار جدل فقهي، فالمفتي العام للسعودية عبدالعزيز آل الشيخ، أفتى بعدم جوازه وأن الحاج من دون تصريح آثم، مستندًا إلى فتوى بوجوب طاعة ولي الأمر، لكن دار الإفتاء المصرية أفتت عبر صفحتها الرسمية بمنصة “فيسبوك” بصحة الحج دون تصريح أو بتأشيرة مزورة مع إثم فاعله وقالت إن “تأشيرات الحج من جملة القوانين التنظيمية المباح تشريعها لتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع، ويجب الالتزام بها، ويحرم تزويرها، فإن خالف بعض الأفراد فأدوا الحج بتأشيرات مُزورة عالمين بذلك فقد ارتكبوا إثمًا عند الله ومخالفةً دُنيويةً تستوجب العقوبة، مع صحة الحج”.

شروق شحدة

صحيفة العربي الجديد




الاستخبارات الأمريكية: معركة الحوثيين في البحر الأحمر ستستمر ولو توقفت الحرب في غزة

سفينة النقل اليونانية “توتور” غرقت أمس في أعماق البحر الأحمر، بالضبط بعد أسبوع من إصابتها بقارب متفجر بدون ركاب أرسله الحوثيون من اليمن. هذه هي السفينة الثانية التي يغرقها المتمردون المدعومون من إيران، ويبدو أنهم لا ينوون التوقف. في أيار، بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي على معبر رفح في قطاع غزة، أعلن زعيمهم عبد المالك الحوثي بأن رجاله “يستعدون الآن للمرحلة الخامسة والسادسة من الحرب. لدينا خيارات استراتيجية كثيرة ومهمة ستؤثر على العدو. ليس لدينا خطوط حمراء، ولا اعتبارات سياسية تجعلنا نغير موقفنا”. حتى إن الحوثي دعا زعماء دول عربية لإرسال سلاحهم “الذي صدئ في المخازن”، حسب تعبيره، لاستخدامه لصالح المعركة في غزة.
من غير الواضح ما الذي يخطط له الحوثيون للأيام القادمة، أو كيف يقسمون مراحل الحرب، التي ألحقت خسائر اقتصادية باهظة حول العالم بسبب تحويل مسار النقل من البحر الأحمر وقناة السويس، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار التأمين في فرع الملاحة البحرية. ولكن خلافاً للتقديرات التي أصبحت افتراضات أساسية القائلة إن حزب الله سيلقي سلاحه عند التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، فإن للحوثيين اعتبارات خاصة بهم. فهم بدأوا الهجمات في البحر الأحمر في 19 تشرين الأول وبكونهم جزءاً من نسيج “وحدة الساحات”، فإنهم القوة الوحيدة التي تمثل دولة والتي تعمل ضد الأهداف الإسرائيلية والغربية. جهات استخبارية أمريكية تقدر أنه لا تأكيد بأنهم سيوقفون نشاطاتهم في حالة التوصل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع غزة.
رئيسة المخابرات الوطنية في الولايات المتحدة افريل هاينس، سئلت عن رأيها في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الشهر الماضي حول تقديرها بشأن إلى متى سيستمر تهديد الحوثيين. فقدمت هاينس، وهي التي شغلت في السابق منصب رئيسة الـ سي.آي.ايه، إجابة غامضة وامتنعت عن الربط بين نشاطات الحوثيين والحرب في غزة. وحسب رأيها، فإن ساحة البحر الأحمر تخدم مصالح سياسية لزعيم الحوثيين الذين يطمح إلى تعزيز مكانته في المنطقة والعالم، من خلال الاستناد إلى قدرة الإنتاج المحلية للصواريخ والمسيرات وأنواع سلاح أخرى. “لا نعتقد أن الأمر سيتغير في الفترة القريبة”، قالت هاينس. “هذا لا يعني أن الهجمات الأمريكية وهجمات التحالف الذي يعمل في البحر الأحمر لا تؤثر، ولكنها لم تكن كافية لوقف الحوثيين حتى الآن”.
هذه حرب استنزاف تستند إلى استراتيجية وضعتها الولايات المتحدة في بداية الحرب بهدف منع الهجمات والمس بقدرات الحوثيين، مع تجنب شن حرب شاملة ضدهم. هذا التنظيم سيطر على عاصمة اليمن صنعاء في 2014، والآن يسيطر بالفعل على حوالي نصف أراضي الدولة. هذه الاستراتيجية تستند، ضمن أمور أخرى، إلى الخوف من إشعال ساحات أخرى، بالأساس استئناف إطلاق الصواريخ على السعودية. منذ نيسان 2022 يتم تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بين السعودية والحوثيين. ومثلما في لبنان، فإن الولايات المتحدة تخشى من تطورات ستجرها إلى تورط عميق أكثر في الشرق الأوسط، حتى مواجهة مباشرة مع إيران.
في حين أن حزب الله ينسق بشكل وثيق مع طهران، والمليشيات الشيعية في العراق تخضع لتوجيهاتها بشكل كبير، فإنه يصعب تقدير لأي درجة ستتأثر نشاطات الحوثيين إذا أمرتهم إيران بوقف إطلاق النار. شبيهاً بالتنظيم الشيعي في لبنان، يستخدم الحوثيون الحرب لتعزيز مكانتهم الداخلية في اليمن. فهم يفرضون بواسطتها التجنيد على أبناء القبائل “من أجل الوطن”، ويفرضون الضرائب والرسوم لتمويل “الحرب الوطنية”، وبالأساس حكمهم، حتى إنهم يستغلون حالة الطوارئ التي أعلنوها لتحييد الخصوم السياسيين. يتم إرسال معارضيهم إلى السجن ويتم تحطيم المكانة السياسية لرؤساء القبائل الخصمة بواسطة إعادة توزيع مناطق السيطرة التقليدية التي تخلق تجمعات سكانية جديدة تحتضن أغلبية لمؤيدي الحوثيين.
إعداد خارطة طريق
إلى جانب تعزيز السيطرة في المحافظات التي هي تحت سيطرة الحوثيين، فإنهم يستعدون لإجراء مفاوضات مع حكومة اليمن الرسمية. لم يحدد بعد موعد بداية المحادثات، ولكن تم الاتفاق في كانون الأول على خارطة الطريق في إطار الاتصالات برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة والسعودية. حسب هذه الوثيقة، فإن الرياض ستمول دفع رواتب الموظفين الذين يعملون في المحافظات التي هي تحت سيطرة الحوثيين، الذين لم يتسلموا الرواتب منذ 2016. وتم الاتفاق أيضاً على أن الحوثيين سيتمكنون من تصدر النفط وسيتم رفع بعض قيود الحصار على الميناء في مدينة الحديدة التي يسيطرون عليها. واستمراراً لهذه البنود، قد يجلس الحوثيون والحكومة في اليمن لإجراء مفاوضات حول تشكيل حكومة مشتركة، ثم إجراء الانتخابات لتشكيل حكومة دائمة.
لكن تم تجميد تطبيق خارطة الطريق عند انضمام الحوثيين للحرب متعددة الساحات في غزة، وهي الخطوة التي أضرت بتصدير النفط من الأماكن التي هي تحت سيطرة الحكومة الرسمية في اليمن. في الوقت نفسه، وجدت الولايات المتحدة نفسها في معضلة أمام الحوثيين مع قرار الرئيس الأمريكي في كانون الثاني اعتبارهم “كيان إرهاب عالمياً له تصنيف خاص”. وهو تعريف لا يعيدهم إلى قائمة منظمات الإرهاب العالمية في واشنطن، التي كانوا فيها حتى شباط 2021. في السنة نفسها، قرر الرئيس الأمريكي رفعهم من القائمة للدفع قدماً بعملية السلام في اليمن. التعريف الحالي يمنح إدارته مرونة أكبر في فرض العقوبات على الحوثيين ويوفر هامش أوسع للتفاوض معهم.
في الشهر الماضي، نشر أن الولايات المتحدة شجعت السعودية على “إخراج خارطة الطريق من التجميد”، رغم استمرار هجمات الحوثيين. وهي خطوة قد تمكن واشنطن من إنهاء تورط الحوثيين في الحرب، والتركيز على إقامة تحالف دفاع إقليمي مع السعودية، وحتى تشكل تحالف إقليمي ضد إيران. ولكنها عملية اصطدمت بمقاومة حكومة اليمين التي تخشى من أن تؤدي أي مصالحة مع الحوثيين إلى تآكل عميق في مكانتها، وأيضاً من جانب “المجلس الانتقالي الجنوبي الذي هو جسم سياسي تم تشكيله في 2017 برئاسة عيدروس الزبيدي الذي يسعى لإعادة تأسيس دولة جنوب اليمن.
منظومة الضغوط والمصالح هذه يستغلها زعيم الحوثيين الذي يعتبر استمرار الحرب في البحر الأحمر وفي زيادة حدتها رافعة استراتيجية حيوية، قد تجلب له تنازلات سياسية من حكومة اليمن والولايات المتحدة والسعودية، وفي الوقت نفسه حمايته من هجوم شامل على المناطق التي هي تحت سيطرته من قبل قوات التحالف برئاسة واشنطن. بناء على ذلك، حتى لو تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، فإن البحر الأحمر قد يظل ساحة حرب مشتعلة. وبقي أن نرى هل ومتى ستقرر الولايات المتحدة تنفيذ “إعادة نظر” في سياستها تجاه الحوثيين. هذا في الوقت الذي ما زالت تلتزم فيه بالأخذ في الحسبان سيناريو ستضطر فيه إلى التدخل في الحرب لبنان، وربما حتى أبعد منه.
تسفي برئيل

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




الأردن: وفيات الحج و«الاتجار بالبشر»… أسئلة من الوزن الثقيل سياسياً ووطنياً

التحقيق المحتمل والوشيك في وفيات الحجاج الأردنيين على المستوى المحلي يوازي من باب الصدفة المحضة، ملف تحقيق مؤكد الآن بعنوان سماسرة الاتجار بالبشر. وكلاهما يثير؛ أي التحقيق المفترض والآخر المؤكد، أسئلة من الوزن الثقيل والصعب سياسياً ووطنياً.
وهي تلك الأسئلة التي دفعت الإعلامي والصحافي المعروف باسل العكور لنشر مقال موجع بعنوان «وطني يؤلمني».
ولا رابط طبعاً بين حدثين إلا ذلك الذي يعيد تكرار التساؤلات والاستفسارات عن منزلقات الوضع الاقتصادي في البلاد، وعن تراجعات وأحياناً انهيارات مفهوم الإدارة والخدمة العامة، بحيث عايش الأردنيون ـ بسبب التراجع في مستوى إدارة حكوماتهم ـ حدثين خارج المألوف والتراث التاريخي للأردنيين هما:
أولاً، عدد وفيات كبير نسبياً للحجاج أثناء تأدية الفريضة. وثانياً، ما فضح أو تردد أو كشف مستوره عن وجود شبكات للاتجار بالبشر نتج عنها، لأول مرة بالمألوف الأردني، وجود شباب من النشامى عالقين في دول لا يعرف عنها الشعب الكثير، مثل غواتيمالا وبنما وحتى المكسيك.
في الملف الأول المتعلق بوفيات الحجاج، غياب غير مفهوم للمسؤولين والوزراء في الحكومة، الذين ينبغي لهم سد ثغرات التواصل والإعلام والتقدم بروايات وسرديات الجمهور. وفي ملف وفيات الحجاج حالة تلاوم غير مسبوقة أقرب للتكهنات بعنوان من مسؤول عن ماذا؟
تلك حالة غير مسبوقة إدارياً، برأي السياسي الناشط مروان الفاعوري، الذي تحدث لـ«القدس العربي» عن مشكلات طبيعية تنتج عن أزمة الأدوات في الإدارة وعن أسئلة تتكاثر حول طبيعة أداء الحكومة ورموزها بدلاً من تقديم إجابات.

عالم «السماسرة» يطرق أبواب «البيروقراط»

لذلك، في رأي الفاعوري وغيره، تكشف جزئية التلاوم أو التنصل من المسؤوليات في ملف وفيات الحجاج عن ضعف وهشاشة كبيرين، وهو ما أشار له أيضاً ناشط إلكتروني هو مجدي قبالين، عندما طرق مجدداً باب السؤال الذي عبرت منه الحكومة سابقاً في أحداث على شكل فجائع اجتماعية مثل حادثة ميناء العقبة وانهيار بناية جبل اللويبدة».

المسؤولية الأدبية والأخلاقية

وهو يطرق موضوع المسؤولية الأدبية والأخلاقية للوزراء. لكن القناعة وقد سمعتها «القدس العربي» مباشرة في أقرب نقطة في مقر رئاسة الوزراء، مترسخة بأن إقالة وزير أو مسؤول كبير كلما وقعت حادثة، يمكن أن تقع دوماً خطوة قد لا تتميز بالحكمة، خلافاً لأنها خطوة ستعني أن الحكومة لن تشتغل.
ورغم أن مبدأ المسؤولية الأدبية طبق مراراً وتكراراً في الماضي، فإن الإفلات منه حكومياً في أحداث محددة، يربك الجمهور والرأي العام، ويبدو جزئية عصية على الفهم؛ لأن تجميد تطبيق مبدأ المسؤولية الأدبية عموماً يعني المزيد من الاحتقان في المجتمع، لا بل السحب من رصيد الدولة ذاتها وسط الناس.
وفي كل حال، بعض الوزراء لا يعملون ولا يحدثون فارقاً، لكنهم – في إطار لغز ما – يحتفظون بوظائفهم. وبكل حال، ملف وفيات الحجاج المتدحرج هو فرصة إضافية للإطلالة على واقع سياسي في خريطة الأولويات جعل الإصلاح الإداري عموماً في آخر سلك الأولويات والاحتياجات.
حتى إن الحكومة هي التي شكلت لجنة من أجله خلافاً للجان الملكية التي شكلت من أجل نسختي التحديث في التمكين الاقتصادي والمنظومة السياسية.
لا يعجب خبير مثل الدكتور أنور الخفش، أن يتقلص الاهتمام بإصلاح الإدارة عموماً إلى هذا المنسوب. وكل التعليقات التي يمكن رصدها ثم جمعها للمواطنين وللخبراء بعدما حصل في موسم الحج، تشير إلى تقصير إداري بالمقام الأول، كما حصل في الماضي في واقعة وحادثة مستشفى السلط الشهيرة.
ما يحتاجه تحديث منظومة خدمات القطاع العام كما يبدو ـ في رأي الخبراء ـ أكثر من مجرد لجنة تشكلت خلف الستائر ووضعت تقريراً تبنته الحكومة، فيما تضم تلك اللجنة -برأي البرلماني والسياسي الكبير ممدوح العبادي- أشخاصاً لا يعرفون شيئاً عن القطاع العام ولم يسبق لهم أن خدموا فيه.

مصاب كبير

مصاب الأردنيين في حجاجهم كبير، والسؤال عما حصل واضح أنه ينبغي أن يبقى سؤالاً أردنياً بالمعنى البيروقراطي والسياسي بامتياز.
لكن على جبهة التحقيق المؤكد، فتح الملف أخيراً عبر النيابة في مدينة إربد شمالي البلاد، وقد أوقف أحد الأشخاص من قطاع مكاتب خدمات السفر، ومنع سفر شخص آخر على ذمة تحقيق بتهمة الاتجار بالبشر.
ذلك تحقيق مثير وغير مسبوق خلافاً لأنه غير مألوف في وجدان المجتمع الأردني.
اللافت جداً في ملف النيابة التحقيقي هنا أن القوانين والتشريعات الأردنية تضمن متابعة سماسرة ضللوا شباناً أردنيين وعزفوا على وتر الهجرة إلى الولايات المتحدة، فعلق نحو 23 شاباً منذ أسابيع الآن في دول مثل المكسيك وبنما وغواتيمالا، بعدما أغرتهم فكرة دفع أموال للدخول بصورة غير شرعية إلى الولايات المتحدة.
تلك القضية عالجها منذ 10 أسابيع الإعلام في أكثر من تغطية وتقرير ولفت نظر، لكن نيابة مدينة إربد بدأت الإجراءات في ملف مثير لن تبقى تداعياته السياسية على الأقل عند حدود القانون والتحقيق القضائي، بل يفترض أن تصل عاجلاً أم آجلاً إلى البحث في الظاهرة الجديدة جداً التي تحاول إنكارها السلطات الحكومية، والتي انتهت بأردنيين عالقين إما في البحر أو في دول أمريكا اللاتينية، وهو مشهد لم يسبق لذاكرة الأردنيين الجماعية أن احتفظت بمثيل له إلا منذ أسابيع فقط.

بسام البدارين

صحيفة القدس العربي




ولاية مودي الثالثة: إصلاحات معلّقة وتحديات الائتلاف

انتخب المشرعون في التحالف الوطني الديمقراطي بالهند، ناريندرا مودي، رسمياً الجمعة، رئيساً للوزراء لولاية ثالثة على التوالي، مع عودة أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان إلى حكومة ائتلافية. ومن المتوقع أن يؤدي مودي اليمين مساء الأحد، بعد موافقة الرئيسة دروبادي مورمو على طلبه تشكيل حكومة جديدة. وهذه أول مرة منذ عشر سنوات يحتاج فيها حزب «بهاراتيا جاناتا»، بزعامة مودي، البالغ من العمر 73 عاماً، إلى دعم من الأحزاب الإقليمية لتشكيل الحكومة. ولم يحصل الحزب، الذي فاز بأغلبية كبيرة في الفترتين السابقتين، إلا على 240 مقعداً في مجلس النواب؛ أي أقل من 272 مقعداً لازماً للحكم بمفرده. ويشغل التحالف الوطني الديمقراطي 293 مقعداً في مجلس النواب المؤلف من 543 مقعداً. كما فاز التحالف الوطني التنموي الهندي الشامل (المعروف اختصاراً باسم إنديا)، بقيادة حزب المؤتمر المنتمي لتيار الوسط ويتزعمه راهول غاندي، بأكثر من 230 مقعداً ليفوق بذلك التوقعات.

«خيبة أمل»

رغم نجاح مودي في تجديد ولايته لفترة ثالثة تاريخية، لم يحققها قبله سوى رئيس الوزراء الأول بعد الاستقلال جواهر لال نهرو، فإن تراجع عدد مقاعد حزبه في البرلمان من 303 في عام 2019 إلى 240 هذه السنة، تسبب بخيبة أمل لم ينجح بعض مسؤولي «بهاراتيا جاناتا» في إخفائها. وجاءت هذه الخيبة مضاعفة، بعدما كان مودي يراهن على انتزاع 400 مقعد في البرلمان، لكنه لم ينجح حتى في تأمين 272 مقعداً لازماً للفوز بأغلبية مطلقة في البرلمان. ودفعت هذه المفاجأة مودي للاعتماد على شركاء «التحالف الوطني الديمقراطي»، الذي فاز بـ293 مقعداً، في تشكيل الحكومة. واعتبر مودي أن «تأمين هذا التفويض الجديد إنجاز تاريخي؛ إذ لم تعد أي حكومة إلى السلطة لمرة ثالثة منذ عام 1962»، مضيفاً أن عدد الأصوات لصالح حزب «بهاراتيا جاناتا» تضاعف في بعض المناطق. فهل ستتأثّر سياسات مودي المحلية والدولية بالائتلاف الحكومي، أو أنه سينجح في فرض برنامجه التشريعي رغم التحديات؟

سياسات قومية

يتوقع مراقبون أن يتأقلم مودي مع وضعه السياسي الجديد، عبر اعتماد نهج أكثر تصالحاً مع الأصدقاء والحلفاء، والاستعداد بشكل أفضل لمواجهة معارضة قوية. وطيلة مسيرته السياسية، سواء كرئيس لوزراء ولاية غوجارات أو خلال ولايتيه كرئيس لوزراء البلاد، كان مودي يدير دائماً حكومات ذات أغلبية كاملة، ولم يكن عليه أن يتزحزح أمام الحلفاء. يرى المحلل السياسي باثيكريت باين أنه «في البداية، ستنشأ بعض العوائق، ولكن مودي سينفذ إصلاحاته السياسية من دون أي قيود. ولن يحيد عن طريقه». مع ذلك، تثار تساؤلات حول ما إذا كان مودي سينجح في المضي قدماً في تنفيذ أجندته الهندوسية القومية، وعدد من الإصلاحات الاقتصادية التي التزم بها خلال حملته الانتخابية.

مودي مستعرضاً رسالة من رئيسة الهند تدعوه فيها إلى تشكيل حكومة الجمعة (أ.ف.ب)

وفي هذا الصدد، يرى منتقدو مودي أن رهانه على «السياسات القومية الهندوسية» فشل، رغم الاستقطاب الشديد الذي ساهم في تعزيزه بين الغالبية الهندوسية والأقليات المسلمة وغيرها. وقال كابيل شارما، مدير مركز جنوب آسيا التابع لمجلس الأطلسي، في هذا الصدد: «في هذه المرحلة، اتضحت فائدتان كبيرتان من هذه الانتخابات: الأولى أن الديمقراطية في حال جيدة في الهند، والثانية أن الناخب الهندي يحمل الحكومة على الاهتمام بالاقتصاد بدلاً من الدين». واستدلّ شارما بخسارة حزب مودي في أيودهيا؛ موقع معبد «رام ماندير»، وهو المعبد الذي أوفى حزب «بهاراتيا جاناتا» بوعد بنائه ليحل محل مسجد يعود إلى العصر المغولي من القرن السادس عشر، ما أثار غضباً واسعاً بين مسلمي البلاد وتسبب في مواجهات دامية.

إصلاحات اقتصادية «معلّقة»؟

اقتصادياً، تعهّد مودي بجعل الهند ثالث أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2027، عبر تحقيق معدل نمو يبلغ 8.5 بالمائة، ما يجعل البلاد أسرع الاقتصادات الكبيرة نمواً في العالم. وبينما يبقى هذا الهدف قابلاً للتحقيق، رغم غالبيته البسيطة، فإن بعض الإصلاحات التي يقول إنها ستسمح برفع معدل النمو قد تواجه مقاومة كبيرة في البرلمان.

وقوبلت محاولات سابقة رامية إلى إجراء تغييرات اقتصادية كبيرة، تتعلق خاصة بقوانين حيازة الأراضي والقوانين الزراعية، برفض شديد واضطرّ مودي إلى تعليقها رغم تمتعه في ولايتيه السابقتين بأغلبية ساحقة.

أنصار ناريندرا مودي خلال فعالية انتخابية بأمريستار في 30 مايو (أ.ف.ب)

أما في ولايته الثالثة، فلا شكّ أن حكومة مودي ستكون بحاجة إلى إجماع أوسع بين مختلف أصحاب المصلحة لتنفيذ إصلاحاتها بنجاح. ويرى المحلّل السياسي والأمني، سوشانت سارين، أن «ما كان متوقعاً أن يكون انتصاراً انتخابياً هائلاً، الثالث على التوالي، تحوّل إلى مفاجأة سيئة لحزب مودي وأنصاره في الهند. وفي حين أنه لا يزال في وضع الصدارة الذي يسمح له بتشكيل ائتلاف، فإنه سيكون مُكبّلاً، ليس فقط من قبل معارضة قوية، وإنما أيضاً من قبل شركاء الائتلاف الذين سيحاولون فرض أجنداتهم الخاصة، بما في ذلك على سياسته الخارجية في المنطقة وخارجها. ومن المؤكد أن النتائج سوف تثير حماسة منتقديه في الغرب، وجيران الهند الذين هم أكثر عداوة مثل الصين وباكستان».

أولويات السياسة الخارجية

إذا كان هناك مجال واحد حقّقت فيه حكومتا مودي الأولى والثانية أداءً استثنائياً خلال السنوات العشر الأخيرة، فلا شكّ أنه سياسته الخارجية التي عززت مكانة الهند على الساحة الدولية.

يقول المحلل سوشانت سارين: «إذا كانت السنوات العشر الأخيرة من حكم مودي لها ما يميزها، فإن نموذج سياسته الخارجية واضح للغاية. فمن ناحية، سوف يواصل السعي إلى إقامة علاقات أوثق مع الغرب، ولكن من دون التنازل عن الاستقلال الاستراتيجي للهند. إلا أن ذلك قد يصبح أصعب بعض الشيء؛ نظراً إلى أن تفويضه تقلّص إلى حدّ كبير». وحدد مودي أهداف السياسة الخارجية في ولايته الثالثة بحصول الهند على العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، وتشكيل تحالفات استراتيجية، والتعامل مع التحدي الصيني، وتنشيط العلاقات مع الجيران، ولعب دور محوري في السياسة العالمية. ويطرح تمسّك مودي بإصلاح مجلس الأمن الدولي تحدياً هائلاً، يكمن في مقاومة الصين، العضو في مجموعة الدول الخمس دائمة العضوية، فكرة انضمام نيودلهي إلى هذه المجموعة.

العلاقات مع الصين

رئيس الصين شي جينبينغ ونظيراه البرازيلي لولا دا سيلفا والجنوب أفريقي سيريل رامافوزا ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي خلال قمة «بريكس» أغسطس 2023 (أ.ف.ب)

يقول أشوك كيه كانثا، سفير الهند السابق لدى الصين: «لا يزال التحدي الذي تمثله الصين كبيراً. وسوف يركز حزب (بهاراتيا جاناتا) على رفع مستوى القدرات الدفاعية الهندية، وتعزيز البنية التحتية على طول الحدود الهندية – الصينية». في الوقت ذاته، شدد السفير على أهمية التعاون مع بكين، وقال إن «هناك أيضاً حاجة إلى التفكير العميق في (تعاون) أوسع نطاقاً مع الصين. ولا ينبغي أن نترك (الهند) مرهونة بأيدي الولايات المتحدة أو الغرب لاستغلالها ضد الصين. وللمضي قدماً، هناك بعض التلميحات المتاحة من المقابلات والخطب التي ألقاها مودي في الحملة الانتخابية. ورغم أنه لم يتحدث كثيراً عن الصين، فإنه أشار إلى أهمية العلاقات معها، ولكنه شدد على ضرورة معالجة المواجهة العسكرية على طول خط السيطرة الفعلية للتخلص من الاختِلال في العلاقات الثنائية».

التعاون الهندي – الأميركي

بعيداً عن الصين، ازدهرت علاقات الهند مع الولايات المتحدة خلال ولايتَي مودي رغم التحديات العديدة، مع رفض نيودلهي الامتثال للعقوبات الغربية على النفط الروسي، واستمرار علاقاتها مع إيران.

مودي وبايدن وزعماء «العشرين» على هامش أعمال القمة في سبتمبر 2023 (إ.ب.أ)

وعززت نيودلهي وواشنطن من تعاونهما في الأشهر الماضية، عبر اتفاقات في قطاعَي التجارة والتكنولوجيا. ومن المتوقع ازدهار التعاون الثنائي بصورة أكبر خلال ولاية مودي الثالثة، بصرف النظر عمن سيفوز في الانتخابات الرئاسية الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني). في المقابل، لن تمنع العلاقات مع الولايات المتحدة الهند من تعزيز التعاون الدفاعي والتجاري مع روسيا. وتتمسّك نيودلهي بـ«دبلوماسية الحياد والتوازن» على الصعيدين الإقليمي والدولي، مع كل من روسيا والصين والولايات المتحدة. ويهدف مودي إلى اضطلاع بلاده بدور قيادي في الجنوب العالمي، وتقديمها لاعباً محورياً في وجه القوى الكبرى.

براكريتي غوبتا

الشرق الاوسط




من أجل جيوبولتيك خاصة بدول الجنوب

يعيش العالم تطورات سياسية هائلة في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، حيث تشابكت جائحة كورونا أو كوفيد 19 مع الحروب التي اندلعت في أوكرانيا وفلسطين، وارتفاع حدة المواجهة بين الثنائي روسيا – الصين في مواجهة الغرب. وأصبح عنوان مختلف أبحاث مراكز التفكير الاستراتيجي، البحث في موضوع انتقال ثقل العالم من المحيط الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة إلى المحيط الهادئ بزعامة الصين والدول التي ستدور في فلك هذا أو ذاك.
وعملية الانتقال هذه والتحولات التي يعيشها العالم تشكل تحديا حقيقيا للدراسات الجيوسياسية أو جيوبولتيك، وذلك لأن إيقاع التغيير سريع ومكثف ويحمل مفاجآت، وما زال ثقل العالم متمركزا نسبيا في الغرب، وما زال الباحثون يعتمدون في دراساتهم على النظريات التي أنتجها باحثون غربيون بالأساس أمثال، فريدريك راتزل وألفريد ماهان وهالفورد ماكندر ونيكولاس سبيكمان ضمن آخرين.
وتعد الجيوسياسية مادة أو تخصصا يجمع من كل التخصصات، إذ تتطلب الدراسات الجيوسياسية معرفة لا بأس بها بعلوم مثل، الاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والصناعات الحربية وعلم الاجتماع. ورغم شيوع استعمال جيوبولتيك، وهو تركيب لكلمتي الأرض والسياسة مع دلالة عسكرية والأمن القومي، إلا أن الباحثين يستعملون مثلا جيوإكونومي بمعنى «جيواقتصاد» و»جيو إعلام». وتوجد دراسات جيوسياسية مكتوبة من زاوية اقتصادية أكثر من زاوية سياسية أو من زاوية ثقافية أكثر من سياسية. ويبقى هدف الدراسات الجيوسياسية هو المساعدة على اتخاذ القرار، لاسيما بالنسبة للحكومات، وتصبح ضرورية عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات الحاسمة في العلاقات الدولية، وفيما يتعلق بالجانب العسكري وضمان الأمن القومي ومكانة وسط الأمم. وعادة ما ترتبط هذه القرارات زمنيا بالمدى المتوسط والبعيد، لأنه إذا أردنا تعريفا ميدانيا لهذا التخصص فهو، دراسة المستقبل السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي لأمة في علاقاتها بباقي الأمم، سواء في محيطها المباشر أو غير المباشر والبعيد جغرافيا، إذ لا يمكن إنجاز دراسة جيوسياسية حول دولة افريقية معينة، من دون ليس فقط دراسة علاقاتها بمحيطها الافريقي، بل بدول من حجم الصين والولايات المتحدة رغم البعد الجغرافي. وتعتبر مراكز التفكير الاستراتيجي مرادفا للدراسات الجيوسياسية بامتياز، وتنتج الكثير من الدراسات وفق نظريات مرتبطة في العمق عموما برؤية ومصالح الدول التي ينتمي إليها الباحثون. وهذا التخصص هو أقرب إلى التاريخ من حيث الهوية، توجد نظريات وتصورات للتاريخ، لكن كل دولة تتوفر على رؤية معينة للتاريخ، تتماشى وهويتها الوطنية وإرثها الحضاري. وهذا لا يحصل في حالة جيوبولتيك عموما، فهذا التخصص حديث وهو من اختصاص الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، ثم القوى الكبرى الجديدة مثل الصين وروسيا. لهذه القوى تصورات جيوسياسية خاصة بها بينما غالبية دول العالم تفتقر لتصور محدد.

مضمون أطروحات كبار منظري جيوبولتيك لا تناسب دول الجنوب، لأنها مصاغة لفضاءات تختلف عن فضاءات الجنوب، اختلافات تمس التاريخ والثقافة والاقتصاد والمستوى العسكري

وانتبهت دول الجنوب الى أهمية الدراسات الجيوسياسية، وأصبحت كل دولة تريد صياغة خريطة طريق جيوسياسية خاصة بها للمستقبل. وتصطدم هذه التطلعات بعائقين الأول، يتجلى في ضعف الدراسات الجيوسياسية في دول الجنوب بحكم محدودية دور الجامعة، التي تبقى حديثة التأسيس بعد الاستقلال عموما. ويتمثل العائق الثاني، في قلة الباحثين القادرين على صياغة نظريات خاصة بالجنوب باستقلالية عن السلطة السياسية، ومن دون السقوط في البروباغندا، وهذا يفتح الباب أمام أشباه الخبراء، إذ أن معظم نظريات جيوبولتيك من إنتاج مفكرين ينتمون الى الدول الكبرى، وهي ترسم معالم الحفاظ على التفوق ومواجهة المنافسين والانتشار في العالم. وعليه، مضمون أطروحات كبار منظري جيوبولتيك لا تناسب دول الجنوب، لأنها مصاغة لفضاءات تختلف عن فضاءات الجنوب، اختلافات تمس التاريخ والثقافة والاقتصاد والمستوى العسكري والأهداف المسطرة مستقبلا ضمن قضايا أخرى. علاوة على هذا، نظريات الغرب تهدف إلى الحفاظ على قوة الغرب، بينما دول الجنوب تحتاج لمفكرين يصيغون نظريات تعمل على صعود الجنوب واكتسابه القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية. ولهذا، فهذه الدراسات تتطلب أولا تطوير نظريات تتعلق بالعلاقات الإقليمية لدول الجنوب من خلال بناء التجمعات الإقليمية، ثم صياغة العلاقات مع القوى الكبرى. واللافت في كثير من الدراسات الجيوسياسية هو انتقاد الغرب والترحيب في المقابل بالصين وروسيا، وكأن قدر الجنوب بدوله وشعوبه هو البحث الدائم عن وصي، بدل التفكير انطلاقا من مصالح الجنوب. ويعد انتقاد الغرب واعتبار الصين بديلا، عملية تغيير وصي بوصي آخر. ولا تعد الصين نموذجا للديمقراطية وسيادة القانون، فهي دولة تفتقر للديمقراطية الداخلية، ولكنها منصفة في علاقاتها الخارجية، بينما الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تمارس ديمقراطية داخلية متطورة لصالح شعوبها وغير منصفة في علاقاتها الخارجية، بل منحازة في الكثير من الملفات مثلما يحدث الآن في حرب قطاع غزة. ودائما تساعد محطات تاريخية لفهم ظهور وعي بقضايا معينة، ونجد المنعطف الحقيقي بشأن رؤية جيوسياسية في الجنوب مستقلة عن الشمال، ولا تعتمد الشعارات السياسية التي كانت جوفاء في الغالب بعد الاستقلال، في حادثين، كورونا وحرب أوكرانيا – روسيا. علاقة بالحدث الأول، وجدت معظم دول العالم الثالث نفسها محرومة من الكثير من المواد، خاصة الطبية، حيث كل الدول الغربية وروسيا والصين فضلت تلبية حاجياتها أولا قبل التفكير في الآخر. وهنا بدأ التفكير في بناء الذات الوطنية، ما تطلب البحث عن مفكرين وباحثين مختصين في الجيوسياسة. وتجلى الحدث الثاني في رفض معظم دول العالم الثالث الانضمام الى المخطط الغربي لإدانة روسيا في الحرب الأوكرانية، وهذا يعني أنه يجب على الغرب عدم تعميم مشاكله. وكان المفكر والسياسي الفرنسي دومينيك فيلبان قد صرح وقتها «الجنوب لا ينضم إلينا لأن هذه الحرب ليس حربه».
ومقارنة بين دول الجنوب، تنفرد تلك التي لديها مشاريع طموحة مثل تركيا والبرازيل وإيران وجنوب افريقيا وإندونيسيا، بإنتاج فكر جيوسياسي متميز يتماشى ومشاريع أممها وأوطانها، من خلال أجندة مواضيع دقيقة هي الطاقة النووية السلمية والصناعة الحربية والصناعة المدينة المتقدمة واستقلالية القرار السياسي.

حسين مجدوبي – كاتب مغربي

صحيفة القدس العربي




منتدى التعاون العربي ــ الصيني… بناء شراكة لمستقبل مشرق

ستنعقد الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني – العربي في يوم 30 مايو (أيار) في بكين، بمناسبة الذكرى الـ20 لتأسيس منتدى التعاون الصيني – العربي. بما أنَّ هذه الدورة أول دورة للاجتماع الوزاري تعقد بعد القمة الصينية – العربية الأولى الناجحة، فإنها تكتسب أهمية كبيرة لتنفيذ مخرجات القمة الصينية – العربية والإسراع في بناء المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك نحو العصر الجديد.

انعقدت القمة الصينية – العربية الأولى في ديسمبر (كانون الأول) عام 2022 في السعودية، حيث حضر الرئيس شي جينبينغ القمة، وألقى فيها الكلمة الرئيسية، ولخص روح الصداقة الصينية – العربية المتمثلة في «التضامن والتآزر والمساواة والمنفعة المتبادلة والشمول والاستفادة المتبادلة»، وحدد المسار والاتجاه لبناء المجتمع الصيني – العربي للمستقبل المشترك، وطرح «الأعمال الثمانية المشتركة» حول التعاون العملي بين الصين والدول العربية، الأمر الذي قوبل بتجاوب حار في الدول العربية. لقد أصبح بناء المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك، الذي يتقدم بخطوات ثابتة إلى الأمام على مدى أكثر من عام، راية مجيدة تبلور تحتها التوافقات الصينية – العربية على الأصعدة السياسية والتنموية والأمنية والحضارية، وتقود العلاقات الصينية – العربية لشق الطريق والمضي قدماً بخطوات واسعة.

تواصل الصين والدول العربية تعزيز التعاون الاستراتيجي لتحقيق مستوى أعلى من الثقة الاستراتيجية المتبادلة. واستقبل الرئيس شي جينبينغ بنجاح قادة فلسطين والجزائر وسوريا وموريتانيا وغيرها من الدول العربية في الصين، مما يرشد العلاقات الصينية – العربية للتطور على المستوى العالي. وتمت إقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة أو علاقات الشراكة الاستراتيجية بين الصين و14 دولة عربية وجامعة الدول العربية حتى الآن، بعد إقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية بين الصين وكل من فلسطين وسوريا. وأصبح العالم العربي من المناطق التي لها النسبة الأعلى من عدد الشركاء الاستراتيجيين للصين. تدعم الدول العربية بثبات الجهود التي تبذلها الصين للحفاظ على مصالحها الجوهرية وهمومها الكبرى، وتظلُّ تلتزم مبدأَ الصين الواحدة وتنتهج سياسة الصين الواحدة. بالمقابل، تدعم الصين بثبات جهود الدول العربية لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، والحفاظ على سيادة البلاد وكرامة الأمة، وتسوية النزاعات والخلافات عبر الحوار والتشاور، والسير على طريق تقوية الذات عبر التضامن لتحقيق الأمن الجماعي.

قد أسفر الصراعُ الفلسطيني – الإسرائيلي الذي انفجر منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عن وقوع عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، وأزمة إنسانية خطيرة. لا يمكن لأي بلد أو شعب محب للسلام أن يبقى غير مبالٍ أمام هذا المشهد. في وجه الوضع الخطير، ظلَّت الصين تقف إلى جانب الحق والعدالة والجانب الصحيح للتاريخ، وتدفع المجتمع الدولي لتركيز جهوده على وقف إطلاق النار، ومنع القتال، وحماية سلامة المدنيين، وتوسيع الإغاثة الإنسانية، وإيجاد حل شامل وعادل ودائم للقضية الفلسطينية في يوم مبكر بتحقيق «حل الدولتين». تتضامن وتتعاون الصين مع الدول العربية، مما عزّز الثقة المتبادلة بينهما في النضال للدفاع عن العدالة الدولية.

تواصل الصين والدول العربية توسيع التعاون العملي بينهما لتحقيق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك بجودة أعلى. قد وقّعت الصين مع جميع الدول العربية وجامعة الدول العربية وثائقَ التعاون لبناء «الحزام والطريق»، وقد نفذ الجانبان ما يزيد على 200 مشروع كبير في إطار «الحزام والطريق»، ويستفيد ما يقرب من ملياري نسمة لدى الجانبين من نتائج التعاون. تبقى الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية للسنوات العديدة المتتالية. خلال العامين الماضيين، وصل حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى مستوى جديد، حيث يبقى هذا الحجم الآن على المستوى القياسي البالغ 400 مليار دولار أميركي، وهو 10 أضعاف مما كان عليه قبل 20 عاماً. كما يشهد التعاون الصيني – العربي تقدماً بارزاً في مجالات الطاقة والمالية والبنية التحتية وغيرها، حيث استوردت الصين 265 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية في عام 2023، وهذا الرقم يشكل 47 في المائة من واردات الصين الإجمالية للنفط الخام من الخارج، كما يتقدم التعاون الصيني – العربي في مجالات الطاقة الكهروضوئية وطاقة الرياح والطاقة النووية للأغراض المدنية والطاقة الهيدروجينية. وتدخل العملة الصينية إلى الدول العربية بشكل متسارع؛ إذ وقعت أو مددت الصين اتفاقيات تبادل العملات المحلية مع كل من مصر والإمارات والسعودية، وأصدرت مصر بنجاح سندات «باندا» في الصين.

أما في مجال البنية التحتية فظهرت سلسلة من «علاماتٍ جديدة بنتها الصين في الدول العربية مثل المبنى في العاصمة الإدارية المصرية الجديدة، الذي يلقبه المصريون بـ«الهرم الجديد»، وهو أعلى مبنى في أفريقيا، والطريق السيار الذي يربط شرق الجزائر وغربها ويتجاوز طوله 1200 كيلومتر، واستاد لوسيل الملعب الرئيسي لكأس العالم في قطر، وجسر محمد السادس في المغرب، وهو أكبر جسر معلق في أفريقيا. كما حقق التعاون الصيني – العربي نتائج مثمرة في مجالات المعلومات والاتصالات والطيران والفضاء والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات المتقدمة والحديثة، إضافة إلى التشغيل العالي المستوى للمراكز العديدة في مجالات نقل التكنولوجيا ونظام «بيدو» للملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، والبحوث الدولية لمكافحة الجفاف والتصحر وتدهور الأراضي، مما يشكل شبكة لنقل التكنولوجيا والتعاون فيها تربط مؤسسات البحوث العلمية والشركات الابتكارية للصين والدول العربية.

تواصل الصين والدول العربية توسيع التواصل الحضاري، مما حقق التفاهم بين الشعوب على نحو أعمق. تقوم الصين والدول العربية بتعزيز التواصل المستمر حول الحوكمة والإدارة، حيث نجح الجانب الصيني في تنظيم 4 دورات للمنتدى الصيني – العربي للإصلاح والتنمية و20 دورة تدريسية للدول العربية التي استضافها مركز الدراسات الصيني – العربي للإصلاح والتنمية، وتم فيها تدريب نحو 500 فرد من المسؤولين الحكوميين والأكاديميين في المؤسسات الفكرية والإعلامية في الدول العربية. نجد أنَّ تبادل الاستفادة بين الحضارتين الصينية والعربية يتقدم في طليعة دول العالم؛ إذ إن جامعة الدول العربية كانت أول منظمة إقليمية في العالم أصدرت مع الصين وثيقة بشأن تنفيذ مبادرة الحضارة العالمية في الدورة الأولى لمنتدى ليانغ تشو التي انعقدت في ديسمبر عام 2023، وكانت أول منظمة إقليمية في العالم وقّعت وثيقة التعاون مع الصين بشأن إنشاء رابطة للمؤسسات الفكرية في يناير (كانون الثاني) عام 2024. وتمت إقامة الفعاليات الدورية المتنوعة التي تشمل الدورة الأولى لمنتدى تنمية الشباب الصيني والعربي، والدورة العاشرة لندوة العلاقات الصينية – العربية والحوار بين الحضارتين الصينية والعربية، والدورة الخامسة لمهرجان الفنون العربية، ممَّا أسهم في تفعيل التبادل في كافة المجالات على نحو شامل. وقد تمَّ ترجمة ونشر 50 كتاباً من المؤلفات الصينية والعربية الكلاسيكية في إطار «تبادل الترجمة والنشر للمؤلفات الصينية والعربية».

ولاقت البرامج السمعية والبصرية الصينية مثل «الهجرة إلى السعادة»، و«وسام الجمهورية» و«أقنعة وكنوز» إقبالاً واسعاً لدى الجمهور العربي، وتجاوز عدد النقرات الإجمالي لها 500 مليون مرة. كما أنَّ هناك إقبالاً كبيراً من الدول العربية على تعلم اللغة الصينية، حيث إن الصين قد أنشأت 21 فرعاً لمعهد كونفوشيوس وفصلي كونفوشيوس بالتعاون مع 13 دولة عربية، وتم إدراج تعليم اللغة الصينية في منظومة التعليم الوطني بشكل رسمي في الإمارات والسعودية وفلسطين ومصر وتونس وجيبوتي. ينتعش تبادل الأفراد بشكل سريع من تأثير جائحة فيروس «كورونا» المستجد؛ إذ تجاوز عدد الرحلات الجوية بين الصين والدول العربية ما كان عليه قبل الجائحة، إضافة إلى فتح الرحلات الجوية الجديدة بين بكين والرياض، وبين شيامن والدوحة، التي ساهمت في إقامة ممرات جوية جديدة للصداقة الصينية – العربية.

يدل الحصاد المبكر لبناء المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك على أن تطوير العلاقات الصينية – العربية يتماشى مع رغبة وتطلعات الشعوب، ويتفق مع المصلحة المشتركة للجانبين، وله آفاق واعدة ومستقبل مشرق.

في الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني – العربي الذي سينعقد قريباً، ستواصل الصين العمل مع الدول العربية على تسريع وتيرة التنفيذ لمخرجات القمة الصينية – العربية الأولى، ودفع العلاقات الصينية – العربية نحو مستقبل أرحب، رافعة رايةَ إقامة المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك عالياً.

ستواصل الصين السير مع الدول العربية على طريق الثقة الاستراتيجية المتبادلة؛ لتوطيد الأسس السياسية الراسخة. تعد نهضة الأمة حلماً مشتركاً للجانبين؛ الصيني والعربي، وتمثل الاستقلالية وتقوية الذات مسعى مشتركاً لهما. ستقيم الصين علاقات الشراكة الاستراتيجية مع مزيد من الدول العربية، وتعمل مع الدول العربية كالمعتاد على تبادل الدعم للطرف الآخر في جهوده للحفاظ على مصالحه الجوهرية، ليكون الجانبان إخوةً يتآزرون ويتساندون. ستواصل الصين تعزيز التعاون والتنسيق مع الدول العربية في الشؤون الإقليمية والدولية، وتحدد مواقفها وسياساتها وفقاً لطبيعة الأمور، وتسعى إلى إيجاد حلول للقضايا الساخنة مع مراعاة المطالب المشروعة لكافة الأطراف؛ لتعزيز السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وصيانة العدل والإنصاف الدوليين، ودفع الحوكمة العالمية نحو اتجاه يخدم مصلحة الدول النامية.

ستواصل الصين السير مع الدول العربية على طريق الازدهار والانفتاح، لزيادة ديناميكية تنموية أقوى. يتلاقى توجه الصين للانفتاح غرباً مع توجه الدول العربية للتطور شرقاً، مما شكل تياراً هائلاً للتعاون المتسم بتكامل المزايا والمنفعة المتبادلة والكسب المشترك. ستواصل الصين العمل مع الدول العربية على بناء «الحزام والطريق» بجودة عالية، بما يضفي حيوية عصرية نابضة على طريق الحرير العريق. ستواصل الصين العمل مع الدول العربية على ترسيخ التعاون في مجال الطاقة بوصفه المحور الرئيسي، وتعزيز علاقات الشراكة للعرض والطلب على الطاقة فيما بينهما. وترحب الصين بالدول العربية لزيادة الاستثمار في التنمية الصينية، وفي الوقت نفسه، ستواصل دعم الجانب العربي لتنفيذ المشاريع النموذجية الكبرى والمشاريع الصغيرة والجميلة والناجعة، وستعمل مع الجانب العربي على تهيئة قطب النمو للصناعات المتقدمة والحديثة الذي يضم مزيداً من المكونات العلمية والتكنولوجية.

ستواصل الصين السير مع الدول العربية على طريق الشمول والاستفادة المتبادلة، وإجراء تبادلات حضارية أكثر تنوعاً. تلتقي الحضارتان الصينية والعربية بعد تجاوز الجبال والبحار، والتفاهم بينهما قائم منذ آلاف السنين، وكلتا الحضارتين سجلت قصصاً ذائعة الصيت في التاريخ للتلاحم و«التنافع» بين الحضارات المختلفة. ستواصل الصين العمل مع الدول العربية على استكشاف الطرق التنموية المتنوعة للتحديث، وزيادة توثيق التواصل الثقافي والشعبي في مختلف المجالات التي تشمل الثقافة والتعليم والسياحة والشباب والفنون، وتكريس قيم البشرية المشتركة المتمثلة في السلام والتنمية والإنصاف والعدالة والديمقراطية والحرية، ورفض «نظرية صراع الحضارات» ومقاطعة «الإسلاموفوبيا»، وتنويع حديقة الحضارات في العالم، وقيادة الحضارة البشرية نحو الاحترام المتبادل والتعايش المتناغم.

ستواصل الصين السير مع الدول العربية على طريق التعاون الجماعي؛ لإقامة منصة أكثر تكاملاً. كانت السنوات الـ20 التي مضت على إنشاء منتدى التعاون الصيني – العربي دافعاً للتطور المزدهر والنابض؛ إذ تم خلالها إقامة 19 آلية مهمة في إطار المنتدى بما فيها الاجتماع الوزاري والحوار السياسي الاستراتيجي ومنتدى الإصلاح والتنمية ومؤتمر التعاون في مجال الطاقة، وتم إصدار 85 وثيقة مهمة، الأمر الذي وضع نموذجاً للتعاون الجماعي بين الدول النامية. «من الحسن إلى الأحسن»، بما أنَّ إقامة المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك قد فتحت عهداً جديداً للعلاقات الصينية – العربية، فهي ستسجل بكل التأكيد صفحة جديدة لبناء منتدى التعاون الصيني – العربي، وستقوده في المسيرة الجديدة. سيواصل الجانب الصيني العمل مع نظيره العربي على تعزيز بناء المنتدى لخلق 20 سنة أخرى أكثر روعة، يكون فيها التعاون الجماعي بين الصين والدول العربية نحو الهدف السامي المتمثل في إقامة المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك!

وانغ يي

وزير الخارجية الصيني – عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني

صحيفة الشرق الأوسط




العلاقات العربية ــ الصينية ومنتدى التعاون العربي ــ الصيني

تمتدُّ العلاقات العربية – الصينية بجذورها في أعماق التاريخ؛ فقد عرف العربُ منذ القِدم أنَّ الصين دولة ذات حضارة عريقة، ومن جانبهم عرف الصينيون القدماء الحضارةَ العربية، خصوصاً عبر طريق الحرير القديم، الذي لم يكن طريقاً للتجارة فحسب، بل كان أيضاً جسراً للتواصل الثقافي والتفاعل الحضاري. وقد أنتجت العلاقات بين الجانبين تفاعلات مثمرةً وممتدة عبر قرون من التواصل. كما أسهم الرحالة والجغرافيون والمؤرخون العرب في تعزيز المعرفة المتبادلة بين الشعبين، بعد أن زاروا الصينَ ووصفوها وتحدثوا عنها. وعلى سبيل المثال، وصف الرحَّالة العربي الأشهر «ابن بطوطة» أحوالَ الصين بدقة، وتحدث بإعجاب كبير عن الاحترام الذي حظي به المسلمون في مختلف المدن الصينية التي زارها، كما ذكر في رحلته ذائعة الصيت «تحفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار».

وفي العصر الحديث تبادل الجانبان التضامنَ والدعم في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتم إبرام العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية منذ نشأتها في عام 1949، والدول العربية بعد حصولها تباعاً على الاستقلال، كما دعمت الدول العربية حصولَ جمهورية الصين الشعبية على مقعدها في الأمم المتحدة.

غير أنَّ التعاونَ بين الجانبين شهد ديناميكية كبيرة منذ بداية القرن الحالي، إذ أصبحت العلاقات مع جمهورية الصين الشعبية في صلب اهتمامات الدبلوماسية العربية الجماعية، وكان الإعلان عن إقامة منتدى التعاون العربي – الصيني أحدَ أهم أحداث العلاقات العربية – الصينية في الأعوام الخمسين الأخيرة؛ وكان ذلك خلال الزيارة التاريخية للرئيس الصيني السابق هو جينتاو، لمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بتاريخ 30/1/2004؛ حيث جرى التوقيع على وثيقة إعلان المنتدى يوم 14/9/2004 في القاهرة. وقد شكَّل هذا المنتدى نقلة نوعية في مسيرة العلاقات العربية – الصينية، فقد وفَّر إطاراً مؤسسياً مهماً للتعاون الجماعي، جمع لأول مرة في التاريخ بين الصين والدول العربية كافة.

والواقع أنَّ تأسيس منتدى التعاون العربي – الصيني جاء في وقت ازداد فيه الاهتمام الدولي بالقارة الآسيوية، ولم تكن الجامعة العربية بمعزل عن هذا المنحى الدولي، إذ أدركت هي الأخرى أهمية تنويع شراكاتها بالتوجه نحو الشرق وتعزيز التعاون مع الدول النافذة في القارة الآسيوية ومن أبرزها الصين.

ومنذ تأسيس المنتدى شهد التعاونُ العربي – الصيني الجماعي طفرةً حقيقية، وتشعبت آلياته لتشمل مختلف مجالات التعاون السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والتنموية، وعُقد العديد من الاجتماعات والفعاليات في هذا الإطار.

وشهد التعاون بين الجانبين تطوراً مهماً بانعقاد القمة العربية – الصينية الأولى يوم 9 ديسمبر (كانون الأول) 2022 في الرياض، وأسفرت هذه القمة، الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين الجانبين، عن نتائج مهمة، حيث تم اعتماد ثلاث وثائق هي: إعلان الرياض، ووثيقة الخطوط العريضة لخطة التعاون الشامل بين جمهورية الصين الشعبية والدول العربية، ووثيقة تعميق الشراكة الاستراتيجية العربية – الصينية من أجل السلام والتنمية.

ويرجع نجاح هذا المنتدى في المقام الأول إلى توفر الإرادة السياسية لدى الجانبين، وكذلك جدية الالتزام بتنفيذ بنود البرامج التنفيذية للمنتدى، وانتهاج المسلك التدريجي في توسيع المنتدى وتطوير آلياته، وهو ما مكَّن من تحقيق نتائج ملموسة أسهمت في تعزيز التواصل والتعاون بين الصين والدول العربية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية وغيرها. وانعكس ذلك بشكل إيجابي على نمو واتساع العلاقات التجارية بين الدول العربية والصين التي أصبحت من أكبر الشركاء التجاريين للدول العربية، إذ تضاعف حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية أكثر من عشر مرات منذ إنشاء المنتدى، إذ انتقل من 36.7 مليار دولار في عام 2004 إلى 400 مليار دولار عام 2023. ومن المتوقع أن يواصل هذا المنتدى مسيرته بخطى ثابتة في ظل الآفاق الواعدة للعلاقات العربية – الصينية، وتوافُر الإرادة المشتركة لدى الجانبين العربي والصيني للمضيّ قدماً في طريق التعاون والعمل المشترك.

إنَّ التعاون العربي – الصيني يقوم على احترام مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وميثاق جامعة الدول العربية، ومبادئ التعايش السلمي، والسعي إلى تحقيق السلام والأمن الدوليين باتِّباع الوسائل السلمية في حل النزاعات الدولية، ونبذ استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية وتكريس مبدأ المساواة في السيادة والاحترام المتبادل لاستقلال الدول ووحدتها وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. كما يسعى الجانبان العربي والصيني من خلال الاجتماعات المشتركة إلى تنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتأييد كل طرف للطرف الآخر في صيانة الاستقلال والسيادة وسلامة الأراضي؛ فالصين تؤيد الدول العربية في قضاياها العادلة المشروعة وحماية مصالحها الوطنية، كما أنَّ الدول العربية تؤكد موقفها الداعم لمبدأ الصين الواحدة.

وفي هذا الصدد أكَّد الجانب الصيني في مناسبات عدة تأييد الصين لجهود الشعب الفلسطيني من أجل استرجاع حقوقه الوطنية المشروعة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والدفع بعملية السلام إلى الأمام على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبدأ الأرض مقابل السلام ومبادرة السلام العربية. ومن جانب آخر ما فتئت الصين تقدّم مساعدات إنسانية مهمة للشعب الفلسطيني. وقد أشار الرئيس الصيني شي جينبينغ، في كلمته في القمة العربية – الصينية الأولى المنعقدة في الرياض يوم 9/12/2022 إلى أنه «لا يمكن أن يستمر الظلم التاريخي الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني إلى أجلٍ غير مسمى، ولا تجوز المساومة على الحقوق الوطنية المشروعة، كما أنَّ التطلعات لإقامة دولة مستقلة لا تقبل الرفض (…) وأنَّ الجانبَ الصيني يدعم بكل ثبات إقامة دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة الكاملة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ويدعم نيل فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وسيواصل تقديم المساعدات الإنسانية إلى الجانب الفلسطيني…».

لقد كانت تلك المواقف الداعمة للقضية الفلسطينية، وذلك الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني ولوكالة «أونروا» من الجانب الصيني، محلَّ تقدير عالٍ من الجانب العربي الذي يتطلَّع إلى استمرار هذا الدعم وذلك التأييد، كما يثمِّن دور جمهورية الصين الشعبية ومواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، وهو دور مهم للغاية كون الصين عضواً دائماً في مجلس الأمن. وهو ما عكسته مواقفها من العدوان الوحشي على قطاع غزة، إذ وقفت الصين إلى جانب الحق والعدالة، وعبَّرت عن تأييد واضح لقضية الشعب الفلسطيني العادلة.

يحتفي الجانبان خلال العام الجاري بمرور عشرين عاماً على إنشاء منتدى التعاون العربي – الصيني، ونتطلع إلى أن تُسفر الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري للمنتدى، المزمع عقدها أواخر الشهر الجاري في بكين، عن نتائج إيجابية ترقى إلى تطلعات الشعبين العربي والصيني، وتعكس ما يجمعهما من إرث حضاري مشترك وآمال كبيرة في مستقبل واعد.

أحمد أبو الغيط

* الأمين العام لجامعة الدول العربية

صحيفة الشرق الاوسط