1

من سيدفع تكاليف الحرب الشاملة في الشرق الأوسط؟

حول انعكاس توسع الصراع بين إسرائيل وإيران على أسعار النفط، كتبت أولغا ساموفالوفا، في “فزغلياد”:

لقد أدى الصراع بين إسرائيل وإيران التي استعادت إنتاج النفط إلى كميات ما قبل العقوبات إلى ارتفاع أسعار موارد الطاقة.

بشكل عام، ردة الفعل ليست مخيفة حتى الآن. ومع ذلك، فإن العواقب الاقتصادية يمكن أن تكون أكثر أهمية إذا تصاعد الصراع بين إيران وإسرائيل إلى حرب شاملة.
السيناريو متوسط الخطورة أن تقوم إسرائيل بضرب منشآت النفط والغاز في إيران.
وفي الصدد، قال الخبير في الجامعة المالية التابعة للحكومة الروسية والصندوق الوطني لأمن الطاقة، إيغور يوشكوف: “هناك العديد من الخيارات هنا. فيمكن لإسرائيل أن تهاجم حقول النفط نفسها أو البنية التحتية للموانئ لمنع إيران من تصدير النفط. استهداف الآبار أسوأ، نظرًا لصعوبة استعادتها وذلك يستغرق وقتًا أطول. وسيعاني جميع مستهلكي النفط في العالم من انخفاض صادرات الخام من إيران، حيث سترتفع الأسعار وسيضطرون إلى دفع مزيد مقابل الذهب الأسود. ولهذا السبب تعارض الولايات المتحدة بشدة استهداف إسرائيل لمنشآت النفط الإيرانية.
السيناريو الأكثر خطورة أن يسير الصراع في دوامة، فتبدأ الأطراف في تبادل الضربات الشديدة بشكل متزايد ووصولا إلى السيناريو الأكثر تطرفًا من حيث التأثير في سوق النفط. وهذا يعني إغلاق مضيق هرمز الذي يمر من خلاله ما يصل إلى 20% من إجمالي النفط في العالم وحوالي 20% من إجمالي الغاز الطبيعي المسال.
وبالطبع الضرر لن يقتصر على مستهلكي النفط، بل سيكون هذا مشابها لأزمة الطاقة التي اندلعت سنة 1973، عندما توقفت الدول العربية عن إمداد الغرب بالنفط. الآن سيكون هناك تأثير مشابه– صدمة فورية في الأسواق العالمية”.

روسيا اليوم




باحث في الشؤون الأمريكية: الهجوم الإيراني على إسرائيل أربك الولايات المتحدة

حول الضربة التي يوجهها التصعيد في الشرق الأوسط لحظوظ الديمقراطيين بالفوز، كتبت أناستاسيا كوليكوفا، في “فزغلياد”:

مساء الاثنين، شنت إيران هجومًا صاروخيًا واسع النطاق على إسرائيل. في المجمل، تم إطلاق أكثر من 180 صاروخًا. حدث ذلك بعد أقل من 24 ساعة من إطلاق الجيش الإسرائيلي عملية عسكرية برية ضد حزب الله في المناطق الحدودية بجنوب لبنان.

وفي الصدد، قال الباحث في الشؤون الأمريكية مالك دوداكوف: “لقد وجدت إدارة جو بايدن نفسها مرة أخرى في طريق مسدود. فالآن، على خلفية التصعيد في الشرق الأوسط، هي في حيرة تامة، والسياسيون الأمريكيون لا يعرفون كيفية الرد على ذلك. أنهم يخشون من تفاقم خطير في المنطقة عشية الانتخابات الأميركية، لأن مثل هذا التطور في الأحداث سيرتد عليهم. فأولاً، البنية التحتية العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط ضعيفة للغاية. وإذا بدأت الصواريخ الإيرانية بضربها، فإن ذلك سيؤدي إلى خسائر كبيرة في صفوف الجيش الأمريكي. في هذه الحالة، ستحدث ضربة قاسية للديمقراطيين عشية الانتخابات”.
وتابع دوداكوف: “ثانيًا، يؤدي الوضع في الشرق الأوسط إلى انقسام ناخبي الحزب الديمقراطي. فالآن يخسرون في الوقت نفسه أصوات كل من اليهود الأمريكيين، الذين سيصوتون لدونالد ترامب، والمسلمين الأمريكيين، الذين سيدعم كثيرون منهم المرشحين اليساريين في الانتخابات المقبلة”.
وواشنطن “سوف تكتفي يبعض التصريحات الصاخبة”، “لكن يجب ألا ننسى أن بنيامين نتنياهو، الذي يعمل وفق أجندته، يواصل تصعيد الوضع في لبنان ومن المستبعد أن يتخلى عن العملية البرية. لذلك، بصرف النظر عن ردة الفعل الأمريكية على الهجوم الإيراني، فإن مزيدًا من التفاقم في المنطقة محتمل تمامًا”.

روسيا اليوم




الغارديان: حسابات الربح والخسارة لدول الخليج والمنطقة من مواجهة إيران- إسرائيل

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا لمحررها الدبلوماسي باتريك وينتور تساءل فيه عن موقف دول الخليج والمنطقة بشكل عام من المواجهة الحالية بين إيران وإسرائيل.

وقال إن تزامن عقد مؤتمر وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي في العاصمة القطرية الدوحة مع زيارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان للمدينة نفسها، أثار أسئلة عن كيفية رد دول الخليج لو استخدمت إسرائيل نجاحاتها الأخيرة ليس لإضعاف إيران، ولكن لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. وقال إن دول مجلس التعاون الخليجي الستة السنية، ليست ميالة كثيرا باتجاه إيران الشيعية وجماعاتها الوكيلة. ففي عام 2016، صنفت هذه الدول حزب الله كجماعة إرهابية، ولكن هذه المجموعة تعارض التصعيد الإسرائيلي، وتعتقد أن الولايات المتحدة لديها الوسائل لكي تضبط رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وتتمسك دول الخليج بضرورة إنشاء دولة فلسطينية، كطريق وحيد للاستقرار الإقليمي والازدهار. وكتب وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان في صحيفة “فايننشال تايمز” يوم الأربعاء قائلا إن “الدولة الفلسطينية هي شرط أساسي للسلام وليست نتيجة ثانوية له”. ولم يشر الوزير السعودي إلى النزاع  الإيراني- الإسرائيلي، ولا لإمكانية ضغط الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي لم يتبق لديه سوى أشهر في الرئاسة، على إسرائيل.

والواقع هو أن قادة دول الخليج، ورغم الدعم الشعبي لفلسطين في دولهم، لن يغيروا استراتيجيتهم التي مضى عليها سنة، ويقدموا للفلسطينيين شيئا غير المساعدة الإنسانية والدعم السياسي.

وفي الوقت الحاضر، تتغير الأحداث بسرعة البرق في المنطقة، فإسرائيل التي استعادت قوتها تريد أن تكسر الجمود في غزة وتدمر حزب الله وتضرب إيران بطريقة تضعفها وتمنعها من إطلاق الصواريخ عليها مرة أخرى.

وبالتأكيد، ستشعر دول مجلس التعاون الخليجي بالقلق من التقارير التي تتحدث عن خطط إسرائيلية لضرب المنشآت النفطية الإيرانية، علاوة عن المنشآت النووية. وقال دبلوماسي عربي من دولة غير صديقة لإيران، إنه يخشى من التداعيات الأخلاقية لـ”النصر الكامل” لإسرائيل. والذي سيورث الشرق الأوسط درسا قاتما وهو أن “العدل” لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الحرب الشاملة.

 ويظل الموقف من مجلس التعاون الخليجي الذي يترأسه الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رئيس الوزراء القطري، هو أن وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل هو الحل للأزمة. لكن اغتيال إسرائيل لمحاور قطر، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، وجّه ضربة لآمال الدوحة لتحقيق هذا الأمل.

وفي الأزمة اللبنانية، دعت دول الخليج بما فيها الكويت والسعودية وقطر والإمارات وعمان، إسرائيل لاحترام سيادة لبنان والقبول بوقف إطلاق النار. وبنفس القدر لم تدعم أي منها الضربة الإيرانية ضد إسرائيل.

وإذا استمر صعود إسرائيل، فسيكون هذا معضلة لدول الخليج العربية. فمن ناحية، قد يؤدي إضعاف النفوذ الإيراني على المدى الطويل إلى خلق فراغ غير مرغوب فيه ومزعزع للاستقرار، حيث لا يسيطر على المنطقة سوى الجدار الحديدي الإسرائيلي. ومن ناحية أخرى، قد يمثل ذلك فرصة للدول الإقليمية لاستغلال ضعف إيران ودفع الجهات الفاعلة غير الحكومية المدعومة من طهران إلى الوراء.

ولدى العديد من دول المنطقة أسبابها لرؤية تراجع في التأثير الإيراني، فضعف طهران قد يمنح رئيس الوزراء العراقي فرصة لكبح جماح الميليشيات التابعة لإيران في العراق، كما قد يستعيد بشار الأسد، رغم صمته الواضح إزاء الصراع والدعم الذي أظهره له حزب الله، تأثيره في لبنان.

واتهم الأردن الذي حصلت فيه جبهة العمل الإسلامي على نتائج متقدمة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، إيران بمحاولات إثارة جماعات معادية. وفي البحرين التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل عام 2020، قمعت التظاهرات المؤيدة لفلسطين. وزعم تلفزيون “اللؤلؤة” أن تظاهرة نُظمت تعبيرا عن الحزن على مقتل زعيم حزب الله، حسن نصر الله.

وتعيش الكويت خلافا مع إيران حول استخراج الغاز الطبيعي من حقل للغاز في الخليج. وتظل العلاقة الأهم في المنطقة هي بين السعودية وإيران، وهي علاقة تحسنت بسبب الوساطة الصينية عام 2023، حيث استأنف البلدان العلاقات الدبلوماسية. واستقبلت السعودية الرئيس الإيراني لأول مرة منذ 11 عاما، وسمحت للحجاج من إيران بالسفر لمكة والمدينة، كما استأنفت الرياض علاقاتها مع النظام السوري الذي تدعمه إيران. وحصلت المملكة على دعم من طهران لوقف الهجمات الصاروخية من الحوثيين في اليمن.

وأكدت الرياض أكثر من مرة لواشنطن أنها ليست مهتمة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل طالما لم يكن هناك مسار يوثق به باتجاه حل الدولتين. وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حث نتنياهو السعودية على اتباع مثال الإمارات وتطبيع العلاقات مع إسرائيل بدون أن يشير إلى الموقف السعودي والعقبة التي يمثلها شخصيا لهذا الاتفاق.

وفي ورقة بحثية صدرت عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، ناقش المؤلفون أن العلاقات السعودية- الإيرانية ضرورية للحفاظ على السلام، قائلين إن “العملية الصفرية التي تسعى لاستبعاد طهران من أي ترتيب أمني أقليمي، لن تحظى بدعم  إقليمي، ولن تكون منتجا في النهاية”.

صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




القضايا الرئيسية في انتخابات 2024 الكشميرية

برز إلغاء المادة 370 وتأسيس دولة مستقلة في جامو وكشمير قضيتَين رئيسيتين في هذه الانتخابات، بينما تشكّل البطالة مصدر قلق مزمن كبير. الصحافي زاهور مالك قال: «ثمة استياء عميق في العديد من الدوائر تجاه إلغاء المادة 370. إلا أنه بدلاً من مقاطعة الانتخابات، دفع القرار الكشميريين إلى التصويت على نحو يتناقض مع الـ30 إلى الـ40 سنة الماضية. في وقت سابق، جرى استغلال مثل هذا الاستياء لدعم النزعة الاستقلالية والتطرف؛ ما أدى إلى صعود تهديدات وتحذيرات من مقاطعة الانتخابات، لكن هذه المرة، لم تسمح الطوابير الطويلة للناخبين بحدوث ذلك. وتبقى الميزة الأهم في هذه الانتخابات، أنها جاءت سلمية تماماً. وتكشف حقيقة خروج حشود من الناس للتصويت كيف أصبح التصويت في حد ذاته عملاً من أعمال المقاومة والتضامن».

وشرح مالك أن «السنوات الست الماضية من الحكم المستمر لنيودلهي دفع شعب جامو وكشمير للشعور بالتهميش السياسي. وأثار تنفيذ الحاكم غير المنتخب بل المعيّن مركزياً للعديد من القوانين مخاوف عامة الناس. إذ يرى أهل جامو وكشمير أن البيروقراطية التي تديرها الحكومة المركزية – حيث يتولى مسؤولون غير محليين المناصب الإدارية العليا – لا تتناسب مع القضايا والحساسيات المحلية».

من جهته، علّق المحلل السياسي مفتي شوكت فاروقي بأن «قرار الحكومة الهندية إجراء انتخابات يبدو ظاهرياً بمثابة خطوة نحو استعادة الوضع الطبيعي في الإقليم. ولكن، من دون معالجة السبب الجذري للصراع في كشمير – الوضع السياسي غير المحلول، وتطلعات الشعب الكشميري، وانعدام الثقة العميق بين الدولة ومواطنيها – فإن هذه الانتخابات لن تعدو مجرد ممارسة سطحية للديمقراطية».

والحقيقة، كان إلغاء المادة 370 عام 2019، الذي جرّد جامو وكشمير من وضعها الخاص واستقلالها كولاية داخل الاتحاد الهندي، سبباً في تفاقم التوترات. بل تسبّب القرار في انهيار الثقة بين السكان الكشميريين والحكومة الهندية. ونظر كثيرون إلى العملية الانتخابية في ظل الإطار السياسي الحالي، باعتبارها «غير شرعية»؛ لأنها لم تعد تمثل الهوية المميزة للإقليم أو تطلعات أبنائه للحكم الذاتي.

وفي قلب القضية، تكمن الحاجة إلى حل سياسي شامل يعالج تاريخ كشمير الفريد وتطلعاتها ومظالمها. ولا يمكن تحقيق ذلك عبر الانتخابات فقط، بل عبر الحوار الهادف بين الحكومتين الهندية والباكستانية والجهات السياسية المحلية وجماعات المجتمع المدني، بما في ذلك أولئك الذين يدافعون عن فكرة تقرير المصير، ويدعون إلى استقلال كشمير.

وبالانتقال إلى الانتخابات في كشمير، نجد أن حلبة التنافس راهناً تضم الأحزاب الإقليمية الكشميرية، على رأسها «المؤتمر الوطني» و«حزب الشعب الديمقراطي»، والعديد من الاستقلاليين الذين يتنافسون بصفتهم «مستقلين» سعياً إلى استعادة المادة 370 والوضع الخاص لجامو وكشمير. ويتواجه هؤلاء عملياً مع حزب «بهاراتيا جاناتا». وفي تصريح له، قال الرئيس السابق لحكومة الإقليم عمر عبد الله إن كشمير في حاجة إلى «استعادة هويتها» عبر إلغاء الخطوة التي اتخذتها حكومة مودي عام 2019. وفي المقابل، صرح أميت شاه، وزير داخلية مودي، خلال الشهر، بأن وضع الإقليم شبه المستقل «أصبح تاريخاً ولا أحد يستطيع إعادته». وأضاف أنه «لا يمكن للساعة أن تعود إلى وضع 370 عندما كان لدينا دستوران وعَلمان».

في سياق موازٍ، بين القضايا الرئيسية الأخرى في الانتخابات، احتجاز العديد من الشباب الكشميريين في السجون الهندية، وتحديات محلية مثل تفشي المخدرات والبطالة. وتشير تقديرات الحكومة منذ يوليو (تموز)، إلى أن معدل البطالة في كشمير يبلغ 18.3 في المائة، أي أكثر عن ضعف المتوسط الوطني.

وفي هذا الصدد، قال خورشيد أحمد (50 سنة): «هناك الكثير من القضايا التي نواجهها هنا. نحن سعداء لأننا سنرى تغييراً. نريد حكومتنا الإقليمية ونهاية حكم ممثل نيودلهي. قد تفهمنا حكومتنا الإقليمية، لكن لا أحد من الخارج يستطيع ذلك. أنا أدلي بصوتي اليوم لأننا نتعرض للقمع، وقد سُجن الأطفال، ويتعرضون لأفعال غير عادلة. نحن نصوّت اليوم ضد تصرفات مودي في كشمير».

وقال فايز أحمد ماجراي (46 سنة): «كانت السنوات الأربع الماضية صعبة. لقد اتخذت قوات الأمن إجراءات صارمة، والإذلال الذي ألحقه المسؤولون من الخارج بالسكان غرس شعوراً بالعجز. صيغت القوانين المعادية للشعب من دون استشارة السكان المحليين. أنا أصوّت لإنهاء عجزنا. نحن في مرحلة حرجة من التاريخ، والتصويت وسيلتي للتعبير عن رفضي ضد القوى العازمة على تدمير جامو وكشمير مع كل يوم يمرّ».

مع ذلك، يبدو أن بعض مواطني كشمير فقدوا الأمل باستعادة استقلال منطقتهم، مثل سهيل مير – وهو باحث – الذي قال: «لا أعتقد أن المادة 370 ستعود ما لم تحدث أي معجزة»، وتابع أن الأحزاب كانت تقدم وعوداً بشأن استعادة الحكم الذاتي في خضم أجواء «مشحونة سياسياً» للحصول على الأصوات.

في هذه الأثناء، وفي سابقة هي الأولى من نوعها، دعت سلطات نيودلهي دبلوماسيين أجانب إلى جامو وكشمير لمتابعة الانتخابات. وبالفعل، زار ما يقرب من 20 دبلوماسياً من سفارات مختارة، بينها سفارات الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وسنغافورة والفلبين وماليزيا، جامو وكشمير لمراقبة الانتخابات.

براكريتي غوبتا

صحيفة الشرق الاوسط




انتخابات تاريخية في جامو وكشمير أمام خلفية إلغاء حكومة مودي وضع «الولاية الاتحادية»

بعد عِقد من الزمن، توافد الناخبون بإقليم جامو وكشمير، ذي الغالبية المسلمة والخاضع للإدارة الهندية، بأعداد قياسية للتصويت للحكومة المحلية في إطار انتخابات البرلمان المحلي. واصطف الناخبون في طوابير طويلة، خارج مراكز الاقتراع، للإدلاء بأصواتهم. وأفادت لجنة الانتخابات الهندية بأن نسبة المشاركة في التصويت تجاوزت 61 في المائة، ما يشكل أعلى نسبة منذ 35 سنة. ويذكر أن الصراع في كشمير، الذي يعود بجذوره إلى تقسيم الهند وباكستان عام 1947، مستعر منذ أكثر من سبعة عقود. ولذا بدا مشهد طابور المقترعين عَصياً على التصديق، بالنظر إلى تاريخ منطقة كشمير الطبيعية العنيف لأكثر عن ثلاثة عقود. ويُذكر أن كلاً من الهند وباكستان تدعي أحقيتها بالسيادة الكاملة على كشمير الطبيعية، إلا أن كلاً منهما تسيطر على جزء من الإقليم، في عداء مستحكم زاد عمره على 75 سنة شهد توتراً ومجابهات عسكرية بين الجارتين النوويتين، منذ استقلالهما عن الحكم الاستعماري البريطاني عام 1947.

كانت أول انتخابات برلمانية في جامو وكشمير قد أجريت مارس (آذار) ويونيو (حزيران) 1957، ودار التنافس حينذاك على 75 مقعداً، بموجب الدستور الخاص بالإقليم. أما الانتخابات التشريعية الحالية، فتُعدّ الأولى منذ إلغاء حكومة ناريندرا مودي، الهندية اليمينية المتشددة، المادة 370 عام 2019، وخفض الوضع القانوني لما كان ولاية جامو وكشمير – وهو أعلى التقسيمات الإدارية في الهند – إلى مجرد «إقليم اتحادي» ووضعه تحت الحكم المباشر من العاصمة دلهي. ومعروف أن وضع «الولاية» أعطى جامو وكشمير دستورها وقوانينها وخدماتها الإدارية الخاصة… لكن اليمين القوي الهندوسي لا يريد ذلك.

تحوّل عند المقاطعين؟

تفيد جهات محسوبة على حكومة مودي بأن الناخبين الذين قاطعوا الانتخابات طوال السنوات الـ34 الماضية، أظهروا «تحولاً لافتاً» نحو الديمقراطية التشاركية، وتوجّهوا إلى صناديق الاقتراع لخوض تجربة التصويت الأولى لهم، ولم يكن هناك خوف من العنف المسلح أو الإكراه من أي جانب.

وتاريخياً، لطالما كانت مشاركة الناخبين في كشمير ضعيفة بسبب قوة النزعة الاستقلالية. إلا أنه للمرة الأولى منذ 30 سنة، لم تسجل هذه المرة دعوة لمقاطعة الانتخابات من قِبل الاستقلاليين، الذين أقبل بعضهم على الترشح للانتخابات بالوكالة. وبينما بدا التغيير واضحاً للبعض، فإن هذا لا يعني أن الإقليم تحوّل فردوس سلام، وأن القلق تلاشى إلى الأبد؛ إذ لا تزال الأرضية السياسية مضطربة جراء التغييرات الحاسمة التي شهدها العقد الماضي.

في هذا الصدد، علق المحلل السياسي والصحافي الكشميري المخضرم زاهور مالك، قائلاً: «لحسن الحظ، يجري نقل الجدال إلى صناديق الاقتراع وسط مشاركة جماهيرية. وما سيخرج من هذا التفويض يحمل أهم ختم داخل دولة ديمقراطية: إرادة الشعب». وأردف: «تشكل هذه الانتخابات الاختبار الرئيسي للتحولات السياسية بالمنطقة بعد انتهاء الوضع الخاص لجامو وكشمير، وهي ستكون مؤشراً رئيسياً على المزاج السياسي في منطقة شهدت تغييرات جذرية على امتداد العقد الماضي».

الاستقلاليون والانتخابات

كما سبقت الإشارة، لأول مرة، شارك عدد كبير من الاستقلاليين السابقين إلى الانتخابات، بما في ذلك أعضاء سابقون في جماعات محظورة. من بين هذه الشخصيات سرجان أحمد واغاي، وهو رجل دين بارز كانت له مواقف معادية للهند. لكن واغاي يترشح اليوم، من داخل السجن في دائرتين انتخابيتين بوسط كشمير، هما غاندربال وبيرواه.

وهناك أيضاً حافظ محمد سكندر مالك، القيادي المتمرد، الذي كان أول من تقدّم بأوراق ترشحه مرشحاً مستقلاً، مع أنه لا يزال مصفّداً بجهاز تتّبع في رجليه يعمل بتكنولوجيا «جي بي إس». وكان مالك قد اعتقل عام 2019، وجرى احتجازه مرتين بموجب قانون السلامة العامة.

كذلك، سيار أحمد ريشي (42 سنة) زعيم «الجماعة الإسلامية» المحظورة السابق والمرشح المستقل اليوم، الذي كان يروّج لآيديولوجية انفصالية، ارتأى على ما يبدو أن الاقتراع أفضل من الرصاص لمواجهة الظلم، وهو يتولى تنظيم حملته الانتخابية عبر التنقّل والتفاعل مع الناخبين من باب إلى باب. وللعلم، كانت «الجماعة الإسلامية» من مكوّنات «مؤتمر الحريات»، الذي هو مزيج من الأحزاب السياسية الاستقلالية في كشمير، وقد سبق له دعم دعوات مقاطعة الانتخابات بعد عام 1987.

وأيضاً التحق القيادي الاستقلالي السابق سليم جيلاني بركب المشاركين بعد 35 سنة من العمل الدؤوب في جبهة الاستقلاليين. وبرّر الرجل تغييره موقفه برغبته «في إنجاز التنمية الاقتصادية لكشمير، وحلّ وضع كشمير داخل الهند… ثم كيف يمكنني أن أنكر حقيقة أنني أحمل جواز سفر هندياً وأستخدم العملة الهندية؟».

سرّ التحول المفاجئ

المحلل السياسي مزمّل مقبول، يرى أن كثيرين ممّن عارضوا لفترة طويلة اندماج كشمير مع الهند غيّروا مواقفهم منذ إلغاء صفة الحكم الذاتي الخاص بالإقليم عام 2019. وبالمثل، قال الصحافي إشفاق سلام، الذي عمل على الأرض في كشمير على مدى العقدين الماضيين: «إن نجاح الزعيم الاستقلالي الشيخ عبد الرشيد، الذي فاز بمقعد في البرلمان أثناء الانتخابات الوطنية في وقت سابق من العام، بينما هو يقبع داخل سجن تيهار في نيودلهي، أعاد ثقة الناس في نزاهة الانتخابات. وجاء نجاحه بمثابة تعبير عن إحباط الناخبين تجاه الأحزاب السياسية القائمة، علاوة على كون ذلك بمثابة تصويت ضد نيودلهي». ويُذكر أن عبد الرشيد خرج من السجن بكفالة مؤقتة، وهو يتولّى حالياً تنظيم حملة قوية لصالح مرشحي حزبه السياسي البالغ عددهم 34 مرشحاً. وقد ألهم العديد من الاستقلاليين للانضمام إلى المعركة؛ ما أدى إلى زيادة المشاركة العامة في المؤتمرات الانتخابية.

انزعاج الأحزاب الرئيسية

من جهة ثانية، أثار العدد الكبير من المرشحين الذين خاضوا هذه الانتخابات من المرتبطين سابقاً بالتيارات الاستقلالية، القلق والشكوك في صفوف أقوى حزبين سياسيين تقليديين في كشمير، أي «المؤتمر الوطني» و«حزب الشعب الديمقراطي».

وفي هذا السياق، تساءل عمر عبد الله، رئيس وزراء جامو وكشمير السابق، الذي تعرّض للهزيمة أمام عبد الرشيد، عن مصدر الأموال التي يحصل عليها هؤلاء المرشحون – الذين صنّفتهم نيودلهي فيما مضى باعتبارهم «مسلحين» – ما مكّنهم من خوض الانتخابات، وأيضاً «السر» وراء التغيير المفاجئ في آرائهم. واتهم عمر هؤلاء بأنهم «فريق مرشحي الاحتياط» لحزب «بهاراتيا جاناتا» اليميني الحاكم بزعامة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وهنا نشير إلى أنه من الناحية الرسمية ليس لحزب «بهاراتيا جاناتا» (هندوسي قومي متشدد) أي وجود يذكر في إقليم كشمير ذي الغالبية المسلمة. فنظراً لتوقعه الخسارة، لم يدفع الحزب الحاكم في الهند تحت اسمه بأي مرشح في الانتخابات الوطنية بالإقليم في وقت سابق من 2024، وهذا رغم ادعائه أنه عزّز هيكله ورفع عضويته إلى 700 ألف داخل الإقليم، على امتداد العقد الماضي.

أهمية الانتخابات

يقول مراقبون إن انتخابات كشمير هذه ذات أهمية خاصة لأكثر من سبب، أبرزها أنها أول انتخابات تشريعية بعد إلغاء حكومة مودي المادة 370. وبجانب ذلك، يظهر أن لحكومة مودي وحزبه «بهاراتيا جاناتا»، مع هذه الانتخابات ما يشكّل «لحظة حساب». وحقاً، يُعد إلغاء المادة 370، التي منحت وضعاً خاصاً لجامو وكشمير، أخطر خطوة اتخذتها أي حكومة هندية منذ عام 1952. وترى الحكومة الهندية أن تغيير الوضع السابق يساعدها في تشكيل الحكومة بمفردها داخل جامو وكشمير، وأن هذا سيكون كافياً لمحو جميع أخطائها السابق. للمرة الأولى منذ 30 سنة لم تسجل هذه المرة دعوة لمقاطعة الانتخابات من قِبل الاستقلاليين الذين أقبل بعضهم على الترشح للانتخابات بالوكالة

براكريتي غوبتا

صحيفة الشرق الاوسط




دبلوماسية بزشكيان: انفتاح على الغرب في زمن «التراجع التكتيكي»

بالتزامن مع بداية حكومة مسعود بزشكيان، الذي دعا إلى مزيد من الانفتاح على الغرب وتجنب السياسات الصدامية، حذّر المرشد علي خامنئي من «التراجع غير التكتيكي في مواجهة الأعداء»، في إشارة حملت نقيضها، انفتاحه على «التراجع التكتيكي».

كلام خامنئي عن التراجع يذكر بمصطلح «المرونة البطولية» الذي أطلقه في بداية حسن روحاني في 2013، ما أعطى «الضوء الأخضر» للحكومة بالمضي قدماً في المفاوضات النووية، وخروجها من المرحلة السرية إلى العلن. كذلك تزامنت إشارة خامنئي مع بدء مهام بزشكيان الذي وضع رفع العقوبات هدفاً أساسياً في السياسة الخارجية، داعياً إلى إحياء الاتفاق النووي لعام 2015 كخطوة رئيسة لتخفيف العقوبات.

ظريف (رويترز)

يدرك رئيس الحكومة الإيرانية الجديد تأثير السياسة الخارجية القوية والدبلوماسية الواقعية على تحسين الوضع الاقتصادي، فشدّد على أن النمو لا يمكن أن يتحقق دون استثمارات أجنبية. أما بالنسبة لمساعي إحياء الاتفاق النووي فدونها تحدّيات كبيرة أبرزها «قانون الخطوة الاستراتيجية» الذي أقرّه البرلمان في نهاية عام 2020، ورفعت إيران بموجبه تخصيب اليورانيوم إلى 20 و60 في المائة، كما قلصت مستوى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كبير.

معلوم أن بزشكيان تعهّد إبّان الانتخابات بمراجعة القانون، وألقى حليفه محمد جواد ظريف باللوم على القانون في عرقلة جهود إدارة جو بايدن للعودة إلى الاتفاق. ولكن بعد الانتخابات، تراجع الرجلان عن انتقاداتهما للقانون، عندما كرّر المرشد خامنئي إشادته بالإجراءات. ولكن بما أن لبزشكيان علاقات قوية داخل البرلمان تبدو فرصه أفضل للتفاوض حول القضايا المثيرة للجدل. ومن جانب آخر، يهم الرجل ترميم العلاقات مع الغرب بدلاً من العزلة. وهذا ما انعكس في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال الأسبوع حين عبر «عن شعور إيران بالتهديد» من قِبَل القوى الخارجية.

بالتوازي، أرسلت الحكومة الجديدة إشارة واضحة بإعادة الدبلوماسيين الإيرانيين الثلاثة الذين مثلوا إيران في المفاوضات النووية، إلى العمل الميداني مجدداً. إذ صار عباس عراقجي، كبير المفاوضين السابقين، وزيراً للخارجية، ثم أصدر عراقجي مرسوماً بتعيين حليفه مجيد تخت روانتشي نائباً له في الشؤون الدولية. وينضم إلى المفاوضين بشكل غير رسمي، وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف؛ عيّن نائباً للرئيس للشؤون الاستراتيجية. واكتمل نصاب المفاوضين السابقين بتعيين كاظم غريب آبادي، سفير إيران السابق لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كبيراً للمفاوضين الإيرانيين.

صحيفة الشرق الاوسط




مسعود بزشكيان جرّاح القلب البراغماتي… يجد نفسه معالجاً لأزمات إيران المزمنة

لا يُعد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الذي سيبلغ السبعين من العمر الأحد المقبل، من ساسة الرعيل الأول الذين شاركوا في ثورة الخميني عام 1979 أو قادة الأحزاب السياسية، بما في ذلك التيار الإصلاحي، الذي ينتمي إليه. ثم إنه ليس من المحسوبين على الجهازين الأمني والعسكري، رغم حضوره في المشهد السياسي الإيراني، وتدرجه البطيء في المناصب على مدى العقود الثلاثة الأخيرة. وكان بزشكيان، الذي أطل على العالم بالأمس من منبر «الأمم المتحدة»، قد فاز في جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية المبكرة مدعوماً من الإصلاحيين، وفيها تغلب على المرشح المحافظ المتشدد سعيد جليلي، وحصل على أقل عدد من أصوات الناخبين بعد ثورة 1979، نظراً للمقاطعة التي وصلت إلى مستويات قياسية rnغير مسبوقة.

ولد مسعود بزشكيان في أكتوبر (تشرين الأول) 1954، لأب آذري تركي وأم كردية في مدينة مهاباد، بمحافظة أذربيجان الغربية، ثم انتقل إلى مدينة أورمية حيث أكمل دراسته الثانوية. والتحق بالتجنيد الإلزامي وأمضى سنتين في محافظة بلوشستان بجنوب شرقي البلاد، قبل أن ينتقل إلى طهران لدراسة الطب، وهناك توقفت دراسته في السنة الأولى بسبب أحداث الثورة التي أطاحت بنظام الشاه. وخلال سنتين من تعطل الجامعات الإيرانية بسبب ما يعرف بـ«الثورة الثقافية»، تزوّج بزشكيان ورزق بـ4 أبناء، لكنه فقد زوجته وأحد أبنائه في حادث سير مؤلم في 1993، ورفض الزواج ثانية.

الحرب العراقية الإيرانية

تزامنت عودة بزشكيان للدراسة في السنة الجامعية الثانية مع بداية الحرب الإيرانية – العراقية، وكذلك المعارك بين «الحرس الثوري» والأحزاب الكردية المعارضة. وانضم إلى الطاقم الطبي في جبهات الحرب، بمحافظة كردستان، قبل أن يتوجه جنوباً إلى مدينة عبادان التي شهدت معارك شرسة وأصبح مسؤولاً عن الفرق الطبية في جبهات الحرب. وبعد سنوات قليلة، عاد لإكمال دراسته في 1985.

ساهم سجلّ الرجل في جبهات الحرب بتسهيل مشواره العلمي، مستفيداً من الامتيازات الخاصة التي تمنحها السلطات للعسكريين في الحرب. وبالفعل، حصل عام 1990 على شهادة الاختصاص في الجراحة العامة، واستغرق الأمر 3 سنوات لحصوله على الاختصاص في جراحة القلب. ومن ثم، التحق بمستشفى أمراض القلب في مدينة تبريز، وأصبح رئيساً له، وصار أستاذاً جامعياً بقسم القلب والشرايين في جامعة تبريز للعلوم الطبية، لكنه لم يُقبل في المجمع الطبي الإيراني إلا عام 2010.

المسار السياسي

أداء بزشكيان المهني، وخصوصاً رئاسة جامعة العلوم الطبية في تبريز، أسهم بشقّ طريق جراح القلب الناجح، نحو المناصب السياسية، فصار نائباً لوزير الصحة في حكومة الإصلاحي محمد خاتمي الأولى. وبعد فوز خاتمي، بفترة رئاسية ثانية عام 2001، تولى منصب وزير الصحة وبقي في المنصب لنهاية فترة خاتمي عام 2005.

خاتمي وصف بزشكيان عندما قدّمه إلى البرلمان بأنه «قوي التصميم وعلمي وحازم» وأن «اختياره جاء بسبب التزامه وإيمانه وإدارته المقبولة خلال السنوات الماضية». ومنذ دخوله الوزارة كان من صفاته البارزة أنه «عفوي وصادق، ويتحلى بالتواضع وروح الخدمة»، لكن بعد سنتين كاد يفقد منصبه، إثر استجوابه في البرلمان بسبب زياراته الخارجية وقفزة أسعار الخدمات الطبية والأدوية، وهي من المشاكل التي رآها الإصلاحيون متجذرة في المؤسسة الطبية الإيرانية. كذلك، اهتزت صورته وزيراً بعض الشيء بعد قضية المصوّرة الصحافية الكندية – الإيرانية زهراء كاظمي، التي توفيت في ظروف غامضة داخل سجن إيفين عام 2003 بعد 17 يوماً من اعتقالها، وذلك بسبب تقرير قدّمه عن أسباب الوفاة.

تجربة برلمانية غنية

بزشكيان ترشّح للانتخابات البرلمانية عن مدينة تبريز (كبرى المدن الآذرية في إيران) بعد سنتين من انتهاء مهمته الوزارية، وفاز ليغدو نائباً في البرلمان الثامن. وأعيد انتخابه في البرلمانات التاسع والعاشر والحادي عشر. ثم ترشح للمرة الخامسة في الانتخابات البرلمانية، قبل أن يترشح للرئاسة في الانتخابات المبكرة إثر مقتل الرئيس المتشدّد إبراهيم رئيسي في حادث تحطم طائرة خلال مايو (أيار) الماضي.

هذا، ورغم اعتباره نائباً إصلاحياً عبر 5 دورات برلمانية، نأى بزشكيان بنفسه عن المواجهات الحادة بين الإصلاحيين والسلطة، وخصوصاً بعد الصدام الكبير في أعقاب إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد في 2009، ورفض المرشحين الإصلاحيين مير حسين موسوي ومهدي كروبي الاعتراف بنتائج الانتخابات. وباستثناء حالات نادرة، فإن مواقفه لم تتعارض كثيراً مع النواب المعروفين بولائهم الشديد للمرشد الإيراني علي خامنئي، ومن ثم تحوّل تدريجياً إلى أحد النواب الأكثر نفوذاً في البرلمان.

الاتفاق النووي

تزامن إعادة انتخاب بزشكيان في البرلمان العاشر، مع حكومة حسن روحاني والتوصّل للاتفاق النووي. ويومذاك حصد الإصلاحيون غالبية المقاعد في العاصمة طهران وشكّلوا كتلة باسم «الأمل»، وحصل بزشكيان على الأصوات المطلوبة لتولي منصب نائب الرئيس الأول، لمدة 3 سنوات متتالية. وكان رئيس كتلة، نائبه الأول حالياً، محمد رضا عارف.

إجمالاً، دعم الرجل الاتفاق النووي قبل وبعد توقيعه في 2015، وأيضاً بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق، وعدّه السبيل الضروري لحل مشاكل إيران الاقتصادية والسياسية الناتجة عن العقوبات والعزلة الدولية، وآمن بأن الاتفاق «فرصة تاريخية» للعودة إلى الاقتصاد الدولي. كذلك أيّد بقوة قبول إيران قواعد «قوة مهمات العمل المالي» (فاتف)، المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وحينها، اقترح أن يقصر «الحرس الثوري» أنشطته المالية مع بنوك تابعة له للالتفاف على قوانين «فاتف»، منتقداً تدخل «الحرس» في بعض المجالات الاقتصادية. وفي المقابل، أشاد أكثر من مرة بدور الجهاز العسكري في الأمن الإيراني، ورأى أن البلاد لا يمكن أن تستمر من دون «الحرس الثوري»، ودعا إلى التركيز على هذا الدور، وارتدى الزي الرسمي لـ«الحرس الثوري» كغيره من النواب بعدما صنّفت الولايات المتحدة «الحرس» منظمة إرهابية. وبخلاف بعض النواب الإصلاحيين، كان بزشكيان من المؤيدين للتعاون العسكري الإيراني – الروسي في سوريا.

مع الإصغاء للناسإبان الاحتجاجات التي هزّت إيران أعوام 2017، و2019، و2021، كان بزشكيان جريئاً في طرح المشاكل، منتقداً تجاهل مطالب الشعب، خصوصاً حل الأزمة المعيشية. وأكد على ضرورة الاستماع إلى صوت الناس والاستجابة لاحتياجاتهم. ورأى أن قمع الاحتجاجات وحده ليس الحل، بل يجب معالجة الأسباب الجذرية للاستياء العام، بما في ذلك القضايا الاقتصادية والبطالة والتمييز. وأشار مراراً إلى أن الفساد الإداري على مختلف المستويات قد فاقم الأزمات.

وبشكل عام، يؤمن بزشكيان بالحوار الوطني والإصلاحات التدريجية من خلال الآليات القانونية والسياسية، ومع التأكيد على احترام الحقوق المدنية، فإنه يسعى إلى إيجاد حلول سلمية للأزمات الداخلية. وحقاً، انتقد عدة مرات غياب لغة الحوار في الداخل الإيراني، لكنه نأى بنفسه عن الدعوات الإصلاحية لإجراء استفتاء لحل القضايا العالقة، ولا سيما السياسة الخارجية، ومنها تطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة.

رئاسته وتحدياته

مواقف وقاموس بزشكيان النائب لا تختلف اليوم عن تطلعات بزشكيان الرئيس بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية، مع استبعاد أن يؤدي انتخابه إلى تغيير في موازين القوى بإيران. ويُذكر أن انتخابه أتى بعد 3 سنوات من رفض طلبه الترشّح للانتخابات الرئاسية في 2021، «لعدم أهليته السياسية» حسب «مجلس صيانة الدستور» حينذاك.

هذا، وكان قد ترشح لأول مرة لانتخابات الرئاسة عام 2013، لكنه انسحب لصالح حسن روحاني. ولكن في المرة الأخيرة، حصل على موافقة «مجلس صيانة الدستور»، في خطوة مفاجئة. وأدى القسم الدستورية يوم 27 مايو بعد أسبوع من مقتل رئيسي. وبعد 63 يوماً، وقف أمام البرلمان (30 يوليو – تموز) لأداء القسم رئيساً للجمهورية.

التوازن بين الولاء والإصلاح

حاول بزشكيان سواء في الانتخابات الرئاسية أو بعد تشكيل الحكومة، تقديم نفسه على أنه يؤمن بالحوار الداخلي، ويدافع عن حقوق المرأة، وعبّر عن انتقاد واضح للتدخلات الحكومية في الحياة الشخصية، والسياسات القمعية، مع التركيز على العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان. وتعهّد أيضاً بإخراج إيران من العزلة الدولية، ورفع العقوبات عبر حلّ الأزمة النووية مع الغرب، كما تعهد بإصلاحات هيكلية في الاقتصاد، وإعادة انخراط شبكة البنوك الإيرانية بالأسواق المالية العالمية، عبر قبول قواعد «فاتف». وأظهرت مواقفه أنه يتبنى نهجاً متوازناً يعتمد على الدبلوماسية لتحقيق التنمية الاقتصادية ورفع العقوبات. وفي المقابل، دأب على انتقاد السياسات القائمة على الشعارات التي لا تقدم حلولاً عملية.

لكن بزشكيان واجه انتقادات بأنه لم يقدم حتى الآن أي برنامج أو حلول للقضايا التي أثارها في الانتخابات الرئاسية. ورداً على الانتقادات، تعهد بتعزيز موقع الخبراء في فريقه التنفيذي، وأن يكون أداء حكومته متماشياً مع رؤية خطة التنمية السابعة، وهو برنامج لـ5 سنوات يغطي المجالات كافة، أقرّه البرلمان العام الماضي.

من جهة ثانية، خلال حملته الانتخابية وبعد انتخابه، حرص بزشكيان على إظهار تواضع كبير، سواء في مظهره أو خطابه المعتدل. وحاول تعزيز صورته رئيساً من خلال تبنيه للبساطة والابتعاد عن المغالاة في وعوده، ما يجعل أسلوبه مختلفاً عن كثير من السياسيين الإيرانيين الذين يفضلون التوجهات النخبوية أو الثورية.

أيضاً، اتخذ بزشكيان من «الوفاق الوطني» شعاراً لحكومته، وحذّر من خلافات داخلية تعرقل التآزر الوطني، حتى بعد انتخابه واصل التحذير من عواقب الخلافات على الاستقرار الداخلي، إذ يرى أن الصراعات الداخلية ستقود البلاد إلى مزيد من الفقر والمعاناة تحت العقوبات.

في أي حال، يواجه بزشكيان تحديات داخلية كبيرة، لأن المعسكر الإصلاحي المهمش يسعى لاستعادة تأثيره في الحياة السياسية، رغم خيبة الأمل الشعبية من الإصلاحيين بعد فترات حكمهم السابقة. وهو حتى الآن يدفع باتجاه التوازن بين الولاء الشديد للمرشد علي خامنئي ودعواته للتغيير والإصلاح. وبينما يظهر تمسكاً شديداً بمسار المؤسسة الحاكمة، ويؤكد أهمية المرشد ودوره، يزعم تبني أجندة إصلاحية تهدف إلى معالجة الفجوة بين الشعب والحكام، ما يعكس رغبته في التغيير ضمن إطار النظام الحالي، لا عبر مواجهته المباشرة.

هذه الازدواجية من رئيس يدرك حدود صلاحيات الرئاسة، تحت حكم المرشد، تعكس استراتيجيته للبقاء في المشهد السياسي الإيراني. ومن ثم إحداث تغييرات تدريجية، من دون التعرض للمصالح الاستراتيجية الأساسية التي تسيطر عليها السلطة العليا في إيران.

عادل السالمي

صحيفة الشرق الاوسط




سرمين السورية: ممر الحجيج ومدينة الكهوف والقوافل

تُعتبر سوريا واحدة من أقدم المراكز الحضارية في العالم، حيث شهدت نشوء وتطور العديد من الحضارات المتعاقبة. هذا التنوع الحضاري ترك بصمة واضحة على أرضها، إذ تحظى سجلات التاريخ السورية بكنوز أثرية تعود إلى آلاف السنين، ما جعلها شاهدا يروي قصصاً عن الحضارات التي عاشت فيها، وتكشف عن تطور الإنسان وعلاقته ببيئته.
فيما تعتبر محافظة إدلب من أقدم المناطق المأهولة بالسكان في سوريا، وتتميز بتنوع آثارها الذي يعكس تاريخاً حافلاً امتد لآلاف السنين، إذ شهدت المحافظة تعاقب العديد من الحضارات، بدءاً من العصور الحجرية وصولاً إلى الحضارات الإسلامية، ما جعلها تحظى بإرث متنوع ومتعدد من المباني التاريخية والأثرية كالقلاع، والمعابد وحتى المدافن، بالإضافة إلى الأسواق المصممة بطرق مميزة، والعديد من القطع الأثرية الصغيرة.

من أقدم المدن السورية

سرمين، الواقعة في ريف إدلب الشرقي، ليست مجرد مدينة سكانية، إذ تُصنف كواحدة من أقدم المدن السورية التي تحمل تاريخاً حافلاً وآثاراً تعود إلى عصور تاريخية قديمة للغاية، خاصة أن سرمين تستقر على معالم أثرية تعود إلى العصرين الروماني والإسلامي، ما جعلها شاهدا مميزا عن التاريخ وتقلباته وتبدلاته السكانية.
ففي طريقك شرقاً وأنت تخرج من مدينة إدلب، بنحو 7 كم، تترآى لك مدينة سرمين، وسط الأبنية التي أنهكتها الحرب، والتجول في شوارعها وبين أزقتها، تخبرك أنها لم تكن مدينة عادية، إنما كانت عامرة بالأسواق والمصانع والمساجد، زارها الرحالة وكتبوا عنها الروايات والأشعار، ووقفوا في المدينة التي كانت من أكبر حواضر الشمال السوري، والغنية بمعالمها الأثرية وبعدها الحضاري، الموغل في القدم.

مدينة القوافل

تقع على مسافة 7 كيلو مترات من مدينة إدلب، وتتبع لمركز المدينة، ويحدها من الشرق مدينة سراقب، وكانت حاضنة للقرى حتى بلدة كفر حلب شمالاً وجنوباً، حتى معرة النعمان وغرباً حتى مدينة أريحا التي كانت تعاصرها، فقراها ممتدة وأرضها سهلية وخصبة، وأكثر زراعتها القمح والشعير والبقوليات، إلا أن ما يميزها هو انتشار أشجار التين والزيتون فيها على مساحات شاسعة.
كما تتموضع سرمين على طريق القوافل الذي كان يربط بين بلاد الشام وبلاد الرافدين، ما جعلها مركزاً تجارياً هاماً خلال العصور المتبدلة، بالإضافة إلى وقوعها على طريق القوافل داخل الأراضي السورية ما بين محافظتي إدلب وحلب، فموقع المدينة الاستراتيجي على طريق القوافل ساهم في ازدهارها وتطور الحركة التجارية فيها.
الكاتب عبد الحميد مشلح، زود صحيفة «القدس العربي» بمعلومات صادرة عن كتابه «الظاهر والدفون في بلد الزيتون» والذي تحدث فيه عن مدينة سرمين وبعدها التاريخي والحضاري، وذكر في كتابه، أن سرمين مدينة عريقة القدم، ذات شأن، ذكرت في التاريخ، وكانت ممراً لقوافل التجار بين حماة وحلب.
فقدت عزَها الغابر، ويجد الزائر في ضواحيها المغوار، والكهوف القديمة المنقورة في الصخر، وفيها أعمدة منقوشة، ومسجد يقال إنه بني على أنقاض كنيسة، والتي كانت معبداً وثنياً قبل انتشار المسيحية في المنطقة، والذي تم تجديده في العهد الفاطمي، وفق مذهبهم، لذلك هو مبني بتسع قباب فقط، لأن أهلها آنذاك من طائفة كانت لا تفضل الرقم عشرة.

أصل التسمية

تحظى تسمية مدينة سرمين بعدد من الروايات المتباينة والمتقاربة معا، ووفق الكاتب عبد الحميد مشلح فهناك عدة روايات، إحداها تقول، إنها آرامية الأصل كما يرى الأب أرملة وتعني المشرومون، وذكرها ياقوت الحموي، وقال إنها بلدة من أعمال حلب، قيل، إنها سميت بسرمين بن ليفز بن سام بن نوح عليه السلام، بينما قال الدكتور عدنان عطار، إن كلمة سر تعني بالفارسية (الثغر) والأسماء التي تركب معها اسم لشخص الذي سمي الثغر باسمه، فيما قال المياني في كتاب «الأمثال» إن سدوم هي سرمين بلدة من أعمال حلب.
وذكرها الغزي، بأنها من الأماكن التي لها شهرة في قضاء إدلب، وأهلها مسلمون سنة، وكانت بلدة عظيمة ذات أسواق، ومصايف، وخانات، وحمامات.

الحقب الزمنية

شهدت سرمين حضارات متعاقبة تركت بصماتها الواضحة على معمارها وتراثها، وفي معظم المصادر والكتب التاريخية ذكرت سرمين على أنها بلدة مغرقة في القدم، فقد فتحها أبو عبيدة بن الجراح سنة (17) للهجرة، وأصبحت تابعة لولاية قنسرين ومن ثم لولاية حلب.
وسيطر عليها الصليبيون سنة 492 هجرة، وخلال الحروب الصليبية كان يتناوب السيادة عليها العرب والفرنجة.
وفي عام 584 استعدادها السلطان صلاح الدين الأيوبي، في حين دخلها الخوارزمية في عام 638 هجري وخربوها ونهبوا ما فيها، وتوجهوا بعدها إلى معرة النعمان، وفي عام 658 هجري عاود التتار وخربوها ونهبوا خيراتها، وكانت إقامتهم في بلاد العمق وسرمين والمعرة.
عام 666 هجري حرر الظاهر بيبرس سرمين وأرجاء المحافظة وطرد الفرنجة منها، لتصبح تحت حكم المماليك إلى تاريخ معركة مرج دابق 922 هجري، لتصبح بعدها تحت الحكم العثماني مع بقية أرجاء المحافظة.
أما في العهد العثماني فكانت مركزاً إداريا للمنطقة كلها، ووسطاً تجارياً بين حلب وميناء الاسكندرية، ومركز إشعاع فكري في الفقه والتصوف والشعر والطب ومركز لإنتاج الصابون والحرير، وكانت تغرق منتجاتها مصر والشام.
وفي عام 1832ميلادي خضعت سرمين لحكم ابراهيم باشا إلى تاريخ 1840ميلادي، لتعود بعد ذلك للحكم العثماني إلى تاريخ 1918 ومن ثم الحكم الفيصلي، إلى عهد الاحتلال الفرنسي في 1920 وشارك معظم أبناؤها في الحروب ضد الاحتلال والمساهمة في استقلال سوريا.

مصانع الصابون

يقول مروان الطقش وهو أحد سكان مدينة سرمين والمهتمين بتاريخها، في حديثه مع «القدس العربي» إن أقدم ذكر لمدينة سرمين يعود للرقم الفخارية في مملكة ايبلا، في الألف الثالث قبل الميلاد، تحت عنوان المدن التابعة للملكة، وورد ذكرها في آثار أوغاريت على الساحل السوري، وفتحها المسلمون في عهد الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، على يد القائد أبي عبيدة بن الجراح، كما ورد في كتاب «الكامل» لابن الأثير.
وأضاف، أن المنطقة فيما يلي العهود الأموية والعباسية خضعت لحكم الدولة الفاطمية الإسماعيلية، وذكر الرحالة بن بطوطة أنه زارها منذ نحو 700 سنة، ووصف موقعها ومذهب أهلها في ذلك الحين، وتحدث عن صناعة الصابون التي تشتهر بها إضافة لمعامل النسيج وأسواقها العامرة.
في العصر الأيوبي، أرسل صلاح الدين الأيوبي ابنه السلطان غازي لاسترجاع المنطقة من حكم الفاطميين عام 580 هجري، وأخضعها لدولته، ما أدى لتقلص الوجود الإسماعيلي فيها، إلى أن جاء السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، عام 665 هجري، وأنهى الوجود الإسماعيلي فيها، وأصبح جميع سكانها من المسلمين «السنة» وفق ذات المصدر.
وأشار الطقش، في تصريحاته لـ «القدس العربي»: في أيام الدولة المملوكية، أطلق على مدينة سرمين اسم سنجق سرمين، وهذا الاسم الإداري، ويعني (لواء) أكبر من منطقة وأدنى من ولاية.
أما في زمن الحروب الصليبية، فقد دخلها الصليبيون ولم يستمر حكمهم فيها، وكانت في حينها تابعة لمملكة أنطاكيا الصليبية.
وذكر الباحث الراحل فائز قوصرة في كتابه «الرحالة في محافظة إدلب» الجزء الأول، أن إدلب قرية تتبع لسرمين فيما مضى، وبدأت أهمية إدلب الحالية بالظهور بعد أن اهتم بها الصدر الأعظم أحمد باشا الكوبرلي (1583-1661).

البعد الديني

من الناحية الدينية المذهبية، فقد كانت معظم الأديرة في القرن السادس الميلادي في منطقة إدلب، تتبع المذهب الأرثوذكسي اليعاقبي، ولم تكن تقيم طقوسها الدينية باللغة اليونانية البيزنطية الرسمية، إنما باللغة السريانية الشعبية في المنطقة، ويبلغ عددها (75) ديراً في إقليمي سوريا الأولى والثانية أي أنطاكيا وأفاميا، وهو المذهب الميتوفيزي، أما دير سرمين فقد كان خلقيدونياً، وهو مخالف لمذهب بقية الأديرة في المنطقة.

آثار سرمين

أهم المعالم الأثرية لمدينة سرمين، وفق مروان الطقش، هي المسجد الكبير، والذي يعود تاريخ بناؤه إلى عهد الدولة الفاطمية، وقد بنوه متأثرين بمذهبهم (9+1) أي أن من تسع قباب وقبة منفردة، ومنذ سنوات تم ترميمه بشكل أنيق.
وذكرها بن بطوطة في رحلته الشهيرة، فقال، إن سرمين ذات بساتين كثيرة وأكثر أشجارها الزيتون، وبها يصنع الصابون الآجري، ويجلب إلى مصر وحلب، وبها يصنع الصابون المطيب الذي تغسل به الأيدي، ويصبغونه بالحمرة والصفرة، وينسج بها ثياب قطن حسان تنسب إليها، وأهلها يبغضون العشرة، ومن العجب أنهم لا يذكرون رقم عشرة، وإذا بلغ السمسار رقم عشرة، ذكر تسعة وواحد، وقال لمسجدها تسع قباب لم يجعلوها عشرة قياماً بمذهبهم.
إضافة إلى الحمامات الموجودة فيها، وأهمها حمام الدرج وحمام المالحة، يوجد فيها قبر الصحابي الجليل ضرار ابن الأزور واخته خولة بنت الأزور، كما فيها قناة لجر المياه إلى المدينة، وآثارها موجودة شمال موقع الدوسة، وما زال بعض معالمها مودود حتى الآن، وتسمى بالعامية «القناي».
وذكر الطقش أن أهم ما يميز سرمين، هو وجود مدينة تحت الأرض مكونة من مغارات وأنفاق وأسواق وآبار وأبواب حجرية، وهي معروفة عند الكثير من الأهالي، ولا يكاد منزل إلا وتحته مغارة أو «جَب» موصول بقناة على مغارة مجاورة، أو تاج حجري (جلَاس).
كما يوجد فيها آثار لمعاصر الدبس المنحوتة في الصخر، ومعامل الصابون المشهورة في أماكن متعددة، كما تحتوي على عدد كبير من المساجد، كما انها تميزت بحياتها الثقافية النشطة، حيث كانت تضم العديد من العلماء والشعراء.

مدينة الضيافة

يشير مروان الطقش إلى أن سرمين عريقة من حيث المدنية المنتظمة البعيدة عن الحالة القروية البدائية، فثقافة أهلها متنوعة ومتنورة، وإذا ما اختير رموز من المنطقة، فإن سرمين تكون حاضرة، كما أن شعبها طيب وخدوم ومضياف، وطباعهم تمتاز بالألفة والكرم.
كما أن أكثر الأكلات الشعبية المحببة لأهلها هي الكبب بأنواعها والمحاشي والمجدرة، إضافة للمأكولات من الإنتاج المحلي كاللفت والعدس بحامض، ومنتجات الخضروات والأشجار، وكانت سابقاً تتميز بزراعة الجبس والقتة والقطن كما يزرع فيها السمسم بكثافة، فجميع أسطح المنازل مليئة بقبب السمسم حتى يتم تجفيفه وغربلته ثم يباع أو يخزن.

سرمين
الحالية تتألم

يسكن في سرمين حالياً ما يقارب 25 ألف نسمة، وحسب أحد أبناء المدينة الإعلامي عبد الله صطيفان، أن السكان يعيشون بحالة رعب، بسبب القصف المتكرر الذي تتعرض له من قبل قوات النظام السوري التي تبعد عنها بضع كيلو مترات في أطراف مدينة سراقب الغربية، وخاصة استهداف سيارات المدنيين في الأراضي الزراعية من قبل الطائرات المسيرة الانتحارية التابعة لقوات النظام والميليشيات الموالية له.
وأضاف المتحدث، أن السكان يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة بسبب الغلاء في الأسعار وخاصة آجار المنازل، فيوجد فيها نحو 700 عائلة نازحة و2300 عائلة من أهالي سرمين، فضلوا البقاء فيها تحت القصف على الذهاب للمخيمات، واستئجار منازل فوق طاقتهم المادية.
كما أن السكان متمسكون بأرضهم من أجل الاستفادة من الزراعة والاعتناء بالأشجار المثمرة التي تحقق لهم مردودا جيدا، مشيراً إلى أن الأهالي يعيشون حالة من الفقر في المدينة.
ويقول إن القصف المتكرر سبب حالة من قلة فرص العمل وشلل الحياة وخاصة في جانب التعليم، فكثير من الأحيان ما يتم تعليق الدوام في المدارس بسبب عمليات القصف، إضافة للدمار المتكرر بالبنى التحتية، الذي قد يعطل الخدمات للناس في كثير من الأحيان.
لفت صطيفان خلال تصريحات لـ «القدس العربي» إلى أن الناس تقصد سرمين بسبب معاملة أهلها الجيدة، إضافة لأسعار اللحوم والخضروات مقارنة بالقرى والبلدات المجاورة، كما أن آجار المنازل بحدها الأقصى لا تتجاوز 1000 ليرة تركية، وهو رقم زهيد في ظل الارتفاع الجنوني لتكلفة المنازل في الشمال السوري.
وتعرضت المدينة للتدمير والنهب خلال الصراع الدائر في سوريا، ما أدى إلى خسارة جزء كبير من تراثها الحضاري.

حسام محمد

صحيفة القدس العربي




دوافع سياسية تُنهي مهام بعثة أممية تحقّق بجرائم تنظيم «الدولة» في العراق: ملايين الوثائق في الطريق إلى الأرشيف أو سلّة المهملات

قطع الفريق الأممي المُكلّف بالتحقيق في الجرائم التي ارتكبها تنظيم «الدولة الإسلامية» إبّان سيطرته على نحو ثلث مساحة العراق بين الأعوام (2014 ـ 2017) الأسبوع الماضي، أعماله بناءً على طلب من الحكومة العراقية، قبل أن يسلّم السلطات الاتحادية ملايين الوثائق والأدلة التي وثّقت جمّلة الانتهاكات التي مارسها الجهاديون بحق العراقيين في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وسط مخاوف حقوقية من «إهمالها».

وتأسس فريق التحقيق الأممي «يونيتاد» بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2379 لسنة 2017 بهدف «تعزيز جهود المساءلة عن جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب المرتكبة من جانب تنظيم داعش» حسب ما ورد على موقع الفريق الذي توقّف عن التحديث رسمياً في 17 أيلول/سبتمبر الجاري.
في مقابلة سابقة مع «رويترز» تحدث رئيس الفريق كريستيان ريتشر عن الحاجة للمزيد من الوقت قائلا: «إذا حددنا موعدا نهائيا في ايلول/سبتمبر 2024 فلن نكون قد أكملنا سير التحقيقات» ولا مشروعات أخرى مثل عمل أرشيف مركزي لملايين الأدلة.
والأسبوع الماضي، نشر الفريق الدولي سلسلة نتائج حول جرائم ارتكبها التنظيم، من بينها تلك المتعلقة بهجومه على سجن بادوش بالموصل، وإعدامه نحو ألف نزيل غالبيتهم من الشيعة، فضلاً عن تقرير آخر يتحدث عن الجرائم الدولية للتنظيم ضد أفراد عشيرة البو نمر في محافظة الأنبار الغربية، وأيضاً توثيق حجم الدمار بمواقع التراث الثقافي التي تعود إلى جميع المجتمعات في العراق.
وأصدر الفريق، حسب تقرير لخّص فيه جمّلة أعماله في العراق على مدى السنوات الستّ الماضية، «19 تقييماً للقضايا وتقريراً تحليلياً- بمئات الصفحات- تُغطّي أفعالاً محددة قد ترقى إلى جرائم ضدّ الإنسانية وجرائم حرب وجرائم إبادة جماعية ارتكبها تنظيم داعش ضد المسيحيين والكاكائيين والشبك والشيعة والتركمان والسنة والأيزيديين». وتمت مشاركة نتائج العمل هذه مع السلطات العراقية المختصة إلى جانب الأدلة الأساسية التي أصدرها فريق التحقيق «يونيتاد».
ووفق الفريق الأممي فإن النتائج التي توصّل إليها تستند إلى ملايين الأجزاء من المعلومات التي جمعها الفريق وأنتجها على مر السنين، وتحديداً المعلومات التي قدمتها السلطات العراقية، لا سيما القضاء العراقي.
وتضمن الأرشيف «مواد أهمها مقابلات مباشرة من الناجين والشهود الذين تقدّموا لسرد رواياتهم من جميع أنحاء العراق. ويشمل أيضاً معلومات أخرى جُمعت من عدّة مصادر والتي أنتجها الفريق أيضاً، مثل تقارير الطب الشرعي».
وسلّم فريق التحقيق «يونيتاد» جزءاً مهماً من هذا الأرشيف إلى السلطات العراقية وفقاً لوثيقة اختصاصاته، حسب التقرير النهائي للبعثة الدولية، غير أن «المحفوظات الأكثر شمولاً» والتي تتضمن جميع سجلات الفريق، فإنّها مخزنة الآن بأمان داخل مقرّ الأمم المتحدة على أمل أن يتاح الوصول إليها في المستقبل لأغراض المساءلة.
تعاون البعثة الأممية مع السلطات العراقية أسهم في «حفر 68 مقبرة جماعية ذات صلة بالتنظيم، وإعادة رفات الضحايا الذين تم تحديد هوياتهم من هذه الحفريات إلى أسرهم، ورقمنة وحفظ 20 مليون سجل ورقي متعلق بتنظيم داعش والحصول على البيانات من عدد كبير من الأجهزة الرقمية (مثل الأقراص الصلبة والهواتف المحمولة) التي صادرتها السلطات العراقية من التنظيم».
وعلى الرغم من أهمية جهود الفريق في توثيق «الجرائم الإرهابية» وما أنتجته من أضرار على المجتمعات في العراق، غير أن الخبير في ملف حقوق الإنسان، الدكتور علي البياتي، يرى بأن المؤسسات العراقية لم تستطع القيام بـ«10في المئة» من هذه الجهود.
ويضيف في حديث لـ«القدس العربي» أن «الفريق الدولي المعني بالتحقيق في جرائم داعش (يونيتاد) الذي تشكّل بموجب قرار من مجلس الأمن الدولي، هو فريق تخصصي حقق تقدماً واضحاً في ملفاته التحقيقية بجرائم التنظيم. للأسف الشديد؛ هذا التقدم لم تقم به مؤسسات الدولة بنسبة 10 في المئة».
وأضاف البياتي وهو عضو سابق في مفوضية حقوق الإنسان العراقية قائلاً: «كان يفترض على المؤسسات العراقية الاستفادة من هذه البعثة وتطوّر امكاناتها، أو على أقل تقدير أن تخطو خطوات للاستفادة من هذه التحقيقات والملفات، من خلال انشاء محاكم خاصة لمحاكم مجرمي داعش، لكن لم يحصل ذلك».
وأشار إلى أنه «بدلاً عن هذه الخطوات، طلبت الحكومة العراقية إنهاء بعثة (يونيتاد). إن كان هناك بديل وخطوات مسبقة لتطوير المؤسسات العراقية في هذا الملف، فقد يكون القرار منطقياً ومقبولاً، غير إنه يتم من دون تقديم أيٍّ من تلك الخطوات يدل على إن هناك رغبة سياسية بإنهاء هذه التحقيقات، لكن لمصلحة من؟».
واعتبر البياتي الذي يترأس منظمة «مدافعون لحقوق الإنسان» أيضاً، القرار الحكومي بأنه «يصب في مصلحة من كان لهم دور في دعم داعش بشكل أو بآخر. لا يمكن تفسير الموضوع إلا من خلال هذه الزاوية. سنرى أن كل تلك الملفات تُرمى في سلّة المهملات أو سيتم وضعها في الأرشيف من دون تحقيق أي شيء».
ووفق الخبير في ملف حقوق الإنسان فإن خطوة إنهاء بعثة «يونيتاد» تحتاج إلى «تشريع قوانين ومؤسسات قادرة على القيام بمهامها، لكن البرلمان اليوم منشغل بأمور أخرى بعيدة كل البعد عن هذه القضايا المصيرية والمهمة والتي تمسّ أرواحا وجرائم حدثت بسبب لا مبالاة القوى السياسية ومؤسسات الدولة وعدم اعتبار حقوق المواطن أولوية لدى المشرع العراقي وصاحب القرار».
على المستوى ذاته، يرى رئيس «المركز العراقي لحقوق الإنسان» علي العبادي، وجود ضرورة في تمديد عمل الفريق الأممي للتحقيق بجرائم التنظيم.
وقال في تصريحات لمواقع إخبارية محليّة، معلقاً على إنهاء مهمة الفريق التحقيقي الأممي، إن الأخير «يعمل ضمن اتفاقيات دولية، وتقرير (يونيتاد) الذي أفصح عن جريمة سجن بادوش دليلاً على فضاعة مرتكبيها».
وأضاف أن «الفريق الأممي لم يكمل عملية جمع المعلومات، فضلا عن عدم وجود محاكمات حقيقية، إذ جرت 9 محاكمات فقط في البرتغال وايرلندا بالتالي هذا يحتاج إلى تطبيق». ووفقاً للحقوقي العراقي فإن «الآليات الدولية لمحاكمة مجرمي داعش الإرهابي قد تتقاطع مع القوانين الداخلية، بسبب عدم جدية في الإعدامات بحق المرتكبين بسبب المعارضات الدولية».
وشدد على ضرورة أن «يمدد عمل الفريق الأممي في العراق، كون التنظيمات الإرهابية ما زالت موجودة، وآلاف الضحايا ما زالوا موجدين».
واختتم بالقول: «العراق بحاجة إلى خبرات دولية بخصوص ملف حقوق الإنسان للاستمرار بمحاكمة المتسببين بسقوط ضحايا من الشعب العراقي».
القرار العراقي بوقف البعثة التحقيقية الأممية يتزامن أيضاً مع توجّه حكومي بإنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق «يونامي» في غضون العام المقبل 2025.
وفي 31 أيار/مايو الماضي، قرر مجلس الأمن الدولي، سحب بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق، الموجودة في البلاد منذ أكثر من 20 عاما، بحلول نهاية 2025 بناء على طلب بغداد.
وينص القرار الذي تم تبنيه بالإجماع على تمديد ولاية البعثة التي تم إنشاؤها عام 2003 «لفترة أخيرة مدتها 19 شهرا حتى 31 كانون الأول/ديسمبر 2025».
وكان رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني تحدث في رسالة إلى مجلس الأمن الدولي مطلع أيار/مايو، عن «تطورات إيجابية ونجاحات» طالبا إنهاء مهمة البعثة الأممية الموجودة منذ 2003.
ويرى الخبير الحقوقي العراقي، علي البياتي، أن عمل البعثة السياسي يضمن للدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، عدم تحوّل العراق إلى دولة «سطوية» معتبراً أن غياب العمل الإنساني الدولي في العراق يسهم في تراجع مؤشرات حقوق الإنسان في البلاد.
البياتي أوضح أن «وجود البعثات الدبلوماسية في العراق منذ عام 2003 عليه الكثير من الملاحظات، منها ما يتعلق بالتدخلات وتنفيذ أجندات وقضايا أخرى تتعلق بالفساد» مبيناً أن «منظومة الحكم في العراق غير طبيعية وتأسست بأيادٍ خارجية، وتحديداً بيد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، الأمر الذي يعني بأن استمرار هذا النظام السياسي وضمان عدم تعرضه إلى صدمات أكثر مما عليه الآن، يعتمد على رضى الغرب ووجود أدوات غربية تطمأنهم- على أقل تقدير- بعدم تحول هذا النظام إلى ما يضر مصالحهم».
ورأى أن «هذه البعثات- خصوصاً السياسية منها- هي أدوات غربية لضمان عدم تحوّل هذا النظام إلى نظام سلطوي أو استبدادي يكون سبباً في إحداث صراعات في المنطقة، وهو ما يؤثر على جميع دول العالم من بينها الدول الغربية، ويهدد مصالحها».
من جانب آخر، يشير البياتي إلى وجود «أجنحة إنسانية في عمل هذه البعثات، وأدوات تخص جوانب حقوق الإنسان، وهي أدوات غربية أيضاً بكونهم متقدمون في هذا الملف ويعرفون تفاصيله» معتبراً أن غياب هكذا بعثات «يؤدي إلى تراجع في الملفات الإنسانية وملفات حقوق الإنسان».

مشرق ريسان

صحيفة القدس العربي




انتخابات الأردن: نواب الإخوان أبعد عن الصخب وفي «كمون تكتيكي»

الصيغة الوحيدة الكفيلة بالسيطرة على كتلة التيار الإسلامي الأردني تحت قبة البرلمان والمطروحة هنا وهناك همسا الآن تتمثل في محاولة «شق» تلك الكتلة وقوامها31 نائبا، بمعنى تصنيفها إلى شريحتين من وجهة نظر السلطة التنفيذية، الأولى تضم المعتدلين المرنين، والثانية تشمل المتشددين المفترضين.

مبكرا تبحث سلطات الحكومة عن صيغة للسيطرة على ما يمكن أن يظهره نائب نقيب المعلمين الشهير ناصر النواصرة بعدما أصبح عضوا في البرلمان، وهو بكل حال ليس عضو مجلس نواب بالمعنى الاعتيادي، فالأرقام الإحصائية تشير إلى أنه استقطب منفردا لصالح القائمة العامة للتيار ما لا يقل عن 80 ألف صوت من الناخبين.
هؤلاء على الأرجح معلمون يريدون استعادة نقابتهم التي استهدفتها ضربات مستمرة وطوال خمسة أعوام من جهة الحكومة والسلطات. طبيعي أن يحاول النواصرة والذي قال عندما زار مكتب «القدس العربي» إن أولويته واحدة ويتيمة وهي نقابة المعلمين، أن يجتهد في إطار إعادة نشاط تمثيل ناخبيه تحت قبة البرلمان.
ولم يعرف بعد ما إذا كان رئيس الوزراء الجديد جعفر حسان قد انتبه أو تم تنبيهه لسيناريو تحريك ملف نقابة المعلمين برلمانيا فاستعان بأول نقيب للمعلمين وهو مصطفى الرواشدة وعينه وزيرا للثقافة.
الرواشدة بعثي سابق حزبيا، استقطبته السلطة وأصبح اليوم وزيرا مسيسا بعد عضوية مجلس الأعيان وكان قريبا من حراك المعلمين في الحكومة.
الانفراد بالنائب النواصرة ومن يمكن وصفهم بالمتشددين من الإسلاميين خطوة فيها قدر من الدهاء البيروقراطي لأن الحكومة بيدها امتيازات للنواب، وتستطيع التعاون مع نائب وحجب الخدمة عن آخر، لكن صلابة كتلة التيار الإسلامي كفيلة بأن تستعد لمثل هذا التكتيك عبر وضع منهجية مؤسسية تمثل 31 نائبا لهم نفس الكلمة والموقف في ملفي التشريع والرقابة.
استعدت كتلة جبهة العمل الإسلامي مسبقا للمرحلة اللاحقة. والأمين العام لحزب الجبهة وائل السقا عزل التيار عندما شاوره رئيس الوزراء الجديد عن مسألة سياق التشكيل الوزاري، وخاطب السقا الحكومة بقاعدة أن الجبهة تنتظر البيان والبرنامج الوزاري وليست معنية بالمزاحمة على حقائب وزارية، لا بل لا تهمها الأسماء إلا في سياق سمعتها ومواقفها المعروفة.
بعد ذلك بساعات فقط وضع المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين الإطار العمومي عندما أعلن بأن المشاركة بحقائب وزارية مسألة لها أسس ومعايير ومرجعيات في مجلس الشورى. ثم تقدم العضايلة بالخطاب الأهم معبرا عن اعتزازه بأن جماعة الإخوان المسلمين تتصدى لمشاريع الأطماع الإسرائيلية بالأردن.
القطب البرلماني الإسلامي صالح العرموطي قال أمام «القدس العربي» إن كتلته توافقية ولم يتم استعجال الأمور. لكن الأهم هو ما يجهزه الإسلامون عبر كتلتهم وهي الأعرض بتوقيع حزب واحد في إطار العمل المؤسسي تحت قبة البرلمان.
والحديث هنا عن لجنة إدارة للكتلة تجنبا للاختراقات بكل حال والحزب بطبيعة الحال يملك مقاعد القوائم العامة البرلمانية وليس الأشخاص، فمن يقيله حزبه يخسر مقعده بموجب القانون.
يطهو الإسلاميون طبختهم الإدارية الكتلوية بهدوء، وأغلب الظن أن رئاسة اللجنة التي ستدير الأمور قد تجلس بين يدي النائب أحمد القطاونة وقد تضم لاعبة مخضرمة ومسيسة هي النائب ديمة طهبوب، وممثل المخيمات في الأردن القيادي البارز الذي نجح في الانتخابات محمد عقل. لا يستعجل الإسلاميون مؤشرات المؤثرات الصوتية. ويزهدون بالأضواء تكتيكيا حتى الآن، ولديهم نواب بخبرات متراكمة في ملفات محددة مثل التربية والتعليم حيث النواصرة وهدى العتوم ومثل الطاقة حيث خضر بني خالد ومثل الصحة والطب حيث الدكتور إبراهم أبو الرب خلافا لقيادات مؤسسية بالصدارة ومهمة في الحركة الإسلامية ولديها خبرات في التشريع والرقابة.
لأول مرة في تاريخهم الإخوان سيكونون حتما في المكتب الدائم لمجلس النواب وفي اللجان الأساسية أيضا بحكم التفاضل العددي لمقاعدهم.
ولأول مرة بالمقابل صوتهم مهم جدا في ترسيم حجم الشرعية التي سيحظى بها رئيس مجلس النواب إن لم يترشح أي منهم للرئاسة حيث فكرة ترشيح القطب صالح العرموطي تبدو إلى حد ما متسرعة الآن والأفضل بعيدا عن الاستعراض والمزاحمة هو التأثير بمعركة انتخابات رئاسة المجلس في الدورة الأولى على الأقل بدلا من الزحام والمنافسة المباشرة.
أغلب التقدير أن النائب محمد عقل تحديدا سيتولى ملفا متقدما في التواصل السياسي مع الحكومة والمؤسسات الرسمية والنواب الشباب في التيار، مثل مالك الطهراوي ومعتز الهروط يمثلان طاقة جديدة لم تختبر سابقا.
الإسلاميون عموما حتى اللحظة يتفحصون مقاعدهم وامكانية استقطاب نواب مستقلين إلى كتلتهم وفرصهم في اللجان والمكتب الدائم، والنقاشات تجري بدون صخب وبعيدا عن الإعلام، ما يعني أن التسلل والاختراق في صفوفهم قد يكون صعبا للغاية خصوصا مع وجود أغلبية في الكتلة نجحوا في القائمة العامة التي يسيطر عليها الحزب وليس العكس، فيما مرحلة الكمون التكتيكي الحالية ستنتهي حتما عند أول تفاعل.

بسام البدارين

صحيفة القدس العربي