1

نشأة عاشوراء في جبل عامل… عن التاجر الإيراني الذي أشاع التطبير والحسينيات

الجدل حول طقوس عاشوراء، لا ينقطع ولا ينتهي. هو جدل يتجدد كل عام، بمناسبة ومن دون مناسبة، فالطقوس العاشورائية هذه محط جدل سنّي شيعي، وشيعي شيعي. تختلف الروايات الشيعية في نشأتها؛ فمنهم من يعيد بدايتها مباشرةً إلى واقعة كربلاء ومقتل الحسين بن علي، على يد جيش يزيد بن معاوية، ويؤكد أن نساء آل الحسين هنّ من ابتدأنها حزناً على الضحايا، ومنهم من ينسبها إلى بداية نشأة الدويلات الشيعية وأبرزها دولة البويهيين، ودولة الصفويين، إذ حملتا معهما إحياءات رسميةً لهذه المناسبة وهذه الطقوس، في فارس والعراق، بالإضافة إلى دولة الفاطميين في مصر، والحمدانيين في حلب.

أول الطقوس تاريخياً… العهد البويهي

شكّلت واقعة كربلاء ذاكرة الطائفة الشيعية، وأعطت الجماعة ماضياً مشتركاً ورسّخته في التاريخ، كما وُلدت معها سلسلة من الطقوس التي تشكل خصوصية العقيدة الشيعية الإمامية. وكانت إقامة الشعائر بمناسبة استشهاد الحسين، تتخذ أشكالاً متعددةً حوالي بداية القرن العشرين، نتجت من تطوّر تقاليد قديمة كانت منتشرةً لدى المسلمين من مختلف الطوائف. وتم إحياء هذه التقاليد منذ عهد الصفويين (1501-1722م)، وأضيفت إليها أعمال الشبيه، أي تمثيل الفاجعة على صورة موكب.

وبذلك تصبح الشعائر الكبرى التي تطورت عبر العصور لدى الشيعة بمناسبة ذكرى عاشوراء، أربعةً: مجالس العزاء أو التعزية، وزيارة قبر الحسين لا سيما في العاشر من محرم وفي الأربعين، والمواكب الحسينية، وأعمال الشبيه، وقد تُرافق المجالس والمواكب أعمال مختلفة من أذى النفس، تتراوح بين ضرب الصدر باليد، أو ما يُسمّى باللطم، وضرب الظهر بالسوط، أو ما يسمّى بالتطبير.

وكان انتشار هذه الشعائر يزيد أو ينقص، وتتعدد صوره وتختلف بحسب اختلاف المناطق في العالم الشيعي، وذلك بحسب ما ذكرت المستشرقة الفرنسية صابرينا ميرڤان، في كتابها “حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل وأدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان”. 

يتجدد الجدل حول طقوس عاشوراء كل عام، جدل سنّي شيعي، وشيعي شيعي. إذ تختلف روايات  نشأتها؛ فمنهم من يعيد بدايتها مباشرةً إلى واقعة كربلاء ومقتل الحسين بن علي،  ومنهم من ينسبها إلى بداية نشأة الدويلات الشيعية وأبرزها دولة البويهيين، ودولة الصفويين 

وتروي المستشرقة الفرنسية، أن “مجالس العزاء أول ما ظهر من هذه الشعائر، فقد أعادتها بعض السنن إلى يوم الفاجعة نفسه، إذ بدأت بها نساء آل الحسين قبل اقتيادهنّ إلى دمشق. ثم توبعت هذه المجالس في العهد الأموي، سرّاً في البيوت، ثم أقيمت في العهد العباسي علناً، فقد أقيمت في القرن العاشر الميلادي في أماكن في بغداد وحلب والقاهرة يجتمع فيها الناس خصيصاً لإقامة هذه المجالس التي سُمّيت بالحسينيات؛ وكانوا يبكون فيها وينتحبون وينشدون المراثي ويقرأون المقاتل. وقد أصبحت مجالس العزاء تقام بعد ذلك طوال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم”.

أما زيارة قبر الحسين وقبور شهداء كربلاء، فكانت شائعةً في القرون الإسلامية الوسطى، والدليل على ذلك أن الخليفة العباسي المتوكل (تـ861م)، أراد أن يضع لها حدّاً سنة 850م، فهدم قبر الحسين. بعد ذلك تعاظم أمر هذه الزيارات شيئاً فشيئاً، لا سيما في عهد الصفويين. أما المواكب الحسينية، فإن المؤرخ ابن الأثير (1233م)، فيعيد تاريخها إلى سنة 963م، ويقول إن معزّ الدولة، أول البويهيين، قد أعلن الحداد على الحسين في يوم عاشوراء من تلك السنة، ومنذ ذلك الحين بدأ الشيعة بالطواف في شوارع بغداد في مواكب كانت سبباً للصدام مع السنّة.

وبالانتقال إلى أعمال التشبيه، فقد بدأ بها الصفويون بعد ذلك بكثير، في القرن الخامس عشر الميلادي، وذلك بحسب ما جاء في كتاب ميرفان سابق الذكر، حيث تروي أن “أعمال التشبيه تُنسب في التقليد الشعبي الفارسي إلى الشاه إسماعيل، أول الصفويين، بهدف نشر المذهب الاثني عشري في بلاد فارس؛ وكان الشاه عباس بعده يحثّ على إقامة هذه الاحتفالات. ثم جاء القاجاريون بعدهم فتابعوا نهجهم؛ وأقاموا ورعوا، بدلاً من المشاهد الموزّعة، مسرحيةً فعليةً تُمثَّل على خشبة المسرح، إلا أن ذلك اقتصر حينها على بلاد فارس”.

وتضيف: “أما الشعائر التي تقوم على أذى النفس، والتي كانت معروفةً قديماً في العقائد السائدة في الشرق الأوسط، فإنها لم ترافق شعائر عاشوراء إلا في زمن متأخر. ويؤكد إسحاق نقاش، بالبرهان المقنع، أن شيعة شمال إيران أوّل من بدأ بممارسة التطبير، وقد شهد على ذلك رحّالة عثماني، إذ يذكر أنه رأى سنة 1640م، هذه الشعائر الدامية؛ وقد أتت من القوقاز وأذربيجان، ولم تصل إلى داخل إيران وإلى البلاد العربية إلا في القرن التاسع عشر”.

المستشرقة الفرنسية عادت أيضاً لنقل ما سجّله عدد كبير من الرحالة حول مشاهداتهم الدقيقة لإقامة شعائر عاشوراء في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في إيران، “حيث كان الاحتفال بذكرى موقعة كربلاء ينتشر بلا عناء في عهدي الصفويين والقاجاريين، وكانت الحماسة تصل إلى أقصاها في اليوم العاشر، يوم عاشوراء، حين تسيل دماء اللاطمين في حمأة الموكب. وفي ما خلا مجالس العزاء وأعمال الشبيه والزيارة، كانت تسير المواكب الحسينية، وكان بعض المشاركين فيها يؤدون الشعائر القائمة على أذى النفس تكفيراً عن ذنوبهم، وهم من وصفهم الكونت دوغوبينو، سنة 1866، بالبرابرة الذين يسوطون أنفسهم بسلاسل الحديد ويغرزون الإبر في أجسادهم. وجاء أوجين أوبين، بعده بأربعين سنةً، فأظهرت روايته شعائر أخرى في أذى النفس، إذ كان التوّابون يلطمون صدورهم بإيقاع متكرر قوي، أو يجرحون رؤوسهم قبل أن يسيروا في الموكب، ويضربون على الجرح حتى تسيل الدماء”.

وترى ميرفان، في كتابها، أن أعمال التشبيه التي بدأها الصفويون أحرزت نجاحاً باهراً، وكان تكاثر الروايات حول مصرع الحسين وما يرافقه من طقوس مختلفة، شاهداً على حيوية هذا المسرح الديني الذي انتشر في المدن وفي الريف، ثم نُظّم ودُعم من حكومات الملوك القاجاريين في المدن الكبرى، واستعملوه في تثبيت حكمهم، وكانوا بتنظيمهم هذا الاحتفال يتمكّنون من السيطرة على الشعب والتأثير عليه.

وتضيف أنه “بعد عهد ناصر الدین شاه، انقلبت أداة الترويج هذه، أي تمثيل فاجعة كربلاء، على الحكام واستعملها المعارضون وأنصار الدستور في ترويج أفكارهم، فما كان من رضا شاه بهلوي، إلا أن منع إقامتها سنة 1935، ولكنه لم يستطع محوها، إذ أصبحت تقام في الأرياف”.

الصفويون والتشيّع الجديد

هذه التغيرات التاريخية المفصلية على طقوس عاشوراء، كان هدف الصفويين منها، كسب الطاعة غير المباشرة، عن طريق السيطرة على الشيعة باسم ثورة الحسين والمظلومية بهدف خلق أيديولوجيا تخدم مصالحهم ونفوذهم، إذ يرى المستشرق والدكتور في الفلسفة الإسلامية كولن تيرنر، في كتابه “التشيع والتحول في العصر الصفوي”، أن “الصفويين أرادوا أن يبدعوا فكراً شيعيّاً جديداً، تناقلته الأجيال باعتباره فكراً أصيلاً”، حيث يروي في كتابه “كيف قامت الدولة الصفوية بدايةً من دخول إسماعيل القائد الصفوي، تبريز سنة 1502م، وتنصيب نفسه شاهاً، واعتماده التشيع مذهباً رسميّاً للبلاد حيث يكشف عن خطّة إستراتيجيّة في بسط النّفوذ وتحقيق الهيمنة السّياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة”. 

بحسب مستشرقة فرنسية فقد ظهرت مجالس العزاء أول مرة يوم الفاجعة نفسه، وبدأتها نساء آل الحسين قبل اقتيادهنّ إلى دمشق. ثم استمرت سراً في العهد الأموي، وعلناً في العهد العباسي

ويواجه الباحث أقوال نور الله الشوشتري، الذي “بذل قصارى جهده لإثبات أنّ إيران كانت إماميةً بمعظمها قبل الصفويين، والحال أنّ إيران كانت في معظمها سنّيةً صوفيةً، حتّى أنّ إسماعيل عجز بعد فتحه، عن العثور على أيّ مدوّنة عن المبادىء العامة للإمامية ما عدا مخطوطة يتيمة في الفقه كانت في مكتبة نائية”.

وركّز كولن تيرنر، على دور الشيخ علي الكركي العاملي، في نشر المذهب الإمامي في إيران في عصر إسماعيل الصفوي، وتحصّل الكركي على امتيازات وعقارات بسبب ولائه المطلق للصفويين، كما قمع التسنّن وفرض التشهير المذهبي بالخلفاء الراشدين الأوائل، كما جاء في الكتاب.

كما اختار كولن تيرنر، أن يهتمّ في الفصل الرابع بمحمّد باقر المجلسي، صاحب كتاب “بحار الأنوار” الذي يُعدّ من أساسيات التقليد الشيعي، وهو من أبرز فقهاء الإمامية في آخر العصر الصفوي، ومؤسس الأرثوذكسية الجديدة، حيث اهتمّ الصفويون بالعجيب والغريب من الروايات، وأدخلوا تقاليد اللطم والتطبير، وشجّعوا على سبّ الخلفاء والصحابة وزوجات الرسول، وكفّروا أهل السنّة وأرباب التصوّف.

وزارة الشعائر الحسينية

في المقابل، يرى الدكتور والمفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه “التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي”، أن “الطقوس العاشورائية الحالية ناتجة عن الارتباط بين الصفوية والمسيحية، حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي شكلت خطراً جدياً على أوروبا، وفي هذا الإطار عمد الشاه الصفوي، إلى استرضاء المسيحيين من خلال دعوتهم للهجرة إلى إيران، وشيّد لهم ‘جلفا’ مدينة مستقلة قرب العاصمة ومنحهم الحماية التامة والحرية الكاملة في ممارسة طقوسهم الدينية”.

ومن جهته، يرى شريعتي أن “رجال الدين الصفويين سعوا إلى تجميل صورة بعض الشخصيات المسيحية وإقحامها في المشاهد التمثيلية التي تقام إحياءً لذكرى عاشوراء، من ذلك أن رجلاً كرواتياً يحضر أحد هذه المشاهد فيتأثر فيقتحم المكان ببدلته الأنيقة ويهاجم معسكر يزيد وأنصاره ويواسي الحاضرين بأجمل مواساة، بحيث ما أن يراه الناظر حتى يتيقن بأن كلب هذا المسيحي الإفرنجي أطهر من ‘السنّة’ الذين قتلوا الحسين”.

وبحسب ما ورد في كتابه، فإن “الصفويين استحدثوا منصباً وزارياً جديداً باسم وزير الشعائر الحسينية، حيث ذهب الوزير إلى أوروبا الشرقية وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعةً حول المراسيم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية والوسائل المتّبعة، بما في ذلك أنماط الديكورات التي كانت تُزيَّن بها الكنائس في تلك المناسبات واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها إلى إيران”.

“ومن هذه المراسم أيضاً طريقة تمثيل حياة شهداء الحركة المسيحية الأوائل وإظهار مظلوميتهم وطريقة قتلهم بواسطة حكّام الجور كل ذلك تحت عنوان Passions، حيث أصبحت جزءاً من الهوية الشيعية، كما أن مراسيم اللطم والزنجيل والتطبير وحمل الأقفال ما زالت تمارس سنوياً في ذكرى استشهاد المسيح في منطقة Lourder، وهذه المراسيم دخيلة على المذهب كما أن هنا ممارسات أُدخلت على عاشوراء مماثلة لطقوس الرجال السبعة mysteres 7 (الميراكل Miracles)، التي تعتمد علة تشييع رمزي لنعش عيسى مصلوباً وهبوطه وعروجه ونحو ذلك”.

“أما النوائح التي تؤدّى بشكل جماعي فهي تجسيد دقيق لمراسيم مشابهة تؤدّى في الكنائس ويطلَق عليها اسم ‘كر’، كما أن الستائر ذات اللون الأسود التي توشَّح بها أبواب وأعمدة المساجد والتكايا والحسينيات هي مرآة عاكسة بالضبط لستائر الكنيسة”.

البداية من لبنان

كان لا بدّ من وضع بداية تمهيدية لشيوع طقوس عاشوراء عند الشيعة، وذلك لسرد بداية هذه الطقوس في جبل عامل، الذي كان مركز شيوعها الأساسي، حتى وصلت إلى عهدنا الحالي، حيث مرّت المناطق الشيعية المختلفة بمراحل زمنية محددة بحسب العلاقات والأنظمة الاجتماعية السائدة فيها، وتنوعت وتبدلت أماكن إقامة الشعائر الحسينية من “التكيات” و”الحسينيات”، بالإضافة إلى البيوت والمساجد والمقامات والمقابر. كتب السيّد محسن الأمين في “خطط جبل عامل”، أن “الحسينيات بمثابة تكيات منسوبة إلى الإمام الحسين، لأنها تُبنى لإقامة مراسم عزائه فيها، وأن أصلها جاء من الإيرانيين والهنود الذين بنوها في بلادهم وفي العراق أيضاً. وأورد أن الحسينية لم تكن معروفةً سابقاً في جبل عامل، فالتجمعات تقام في المساجد وهي أفضل”. 

ومن جهته، يرى شريعتي أن “رجال الدين الصفويين سعوا إلى تجميل صورة بعض الشخصيات المسيحية وإقحامها في المشاهد التمثيلية التي تقام إحياءً لذكرى عاشوراء،

يؤيد هذا الكلام الشيخ ياسر عودة، خلال حديثه إلى رصيف22، إذ يرى أن “الحسينيات بدأت عند الشيعة في العهد الصفوي، والمؤسس لها هم الفاطميون قبل الصفويين، وهم أصحاب فكرة إنشاء المراقد لتكريس الفكر الديني الذي يريدونه ولترويج السياحة”. 

جاء في “خطط جبل عامل” أن الحسينيات بمثابة تكيات منسوبة إلى الإمام الحسين، وأن أصلها جاء من الإيرانيين والهنود الذين بنوها في بلادهم وفي العراق أيضاً، وأن الحسينية لم تكن معروفةً سابقاً في جبل عامل، لأن التجمعات كانت تقام في المساجد 

ويقول عودة: “هناك فارق زمني كبير بين العهدين البويهي والصفوي، ففي عهد الصفويين أُدخل على الدين الكثير من المفاهيم وأكثرها أحاديث لعن الصحابة المنسوبة إلى أهل البيت. العقل البويهي أنتج الكثير من القضايا التي شوّهت التشيّع ومنها الشتم واللعن”.

الاضطهاد وبداية عاشوراء في لبنان

وبالعودة إلى جبل عامل (أي مناطق جنوب لبنان)، أولى الشهادات المكتوبة التي وصلتنا حول احتفالات عاشوراء فيه، أتت من جون ورتابيه، سنة 1860. فهو يصف في بضعة أسطر مقتضبة، ما كان يجري من احتفالات في ذلك الحين: يقضي المتاولة الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في حداد وبكاء، على ذكرى مقتل الحسين، ويقرأون في هذه الأيام روايةً طويلةً مؤثرةً ويكفّون عن العمل. ويسمّونها الأيام العشرة، وكانت إقامة الشعائر في تلك الحقبة مقتصرةً إذاً على مجالس العزاء. وما ينقله التاريخ الشفهي عنها، أنها كانت تقام في السرّ. فالروايات المتناقَلة إلى اليوم، تقول إن العامليين كانوا يقيمون هذه المجالس في بيوتهم لكي يختفوا عن أنظار العثمانيين، الذين منعوا إقامتها في العلن، بحسب ما نقلت المستشرقة الفرنسية في كتابها “حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل و أدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان”.

تروي ميرفان: “كان الجنود يقومون بدوريات لرصد ما قد يقوم به الشيعة من احتفالات دينية؛ وكان الناس يوقفون أولاداً في الأزقّة يراقبون مرورهم فينذرون المجتمعين. فإذا ما دخل الجنود عليهم، وجدوهم يشربون الشاي أو يقرأون القرآن”.

ووثّقت ميرفان حول تاريخ هذه الشعائر، نقلاً عن السيد محسن الأمين في سيرته، “أن المجالس كانت تقام في عهد طفولته، أي في ما يعود إلى العقد الثامن من القرن التاسع عشر. وكان يُقرأ في أثناء الليالي العشر الأولى من محرم، في كتاب ضخم مؤلّفه من البحرين واسمه المجالس، وفيه عشرة فصول طويلة، كل فصل مخصص لمجلس”.

ويلاحظ الأمين أن في هذا الكتاب تشويهاً للتاريخ، وأحاديث مكذوبةً أشبه بالأساطير. ومع ذلك فإنه كان مقدّراً عند الناس في جبل عامل. حتى أنه يقول: “والسعادة العظمى لمن يحظى بهذا الكتاب أو يملكه، ولم تكن هذه المجالس تخضع لنظام احتفالي فقد كان المشاركون فيها يدخّنون ويتحادثون كما لو أنهم كانوا في مقهى حول الراوي. كذلك فإنها لم تكن مطردةً ولا منظمةً. أما في اليوم العاشر، يوم مقتل الحسين، فإن هذه العادة تُكسر ويُقرأ في مقتل أبي مخنف (تـ774م)، وهو من المؤرخين الأوائل في تاريخ الإسلام، ثم يُتلى دعاء زيارة قبر الحسين، فإن لم يكن بالإمكان زيارة كربلاء يوم عاشوراء فإن تلاوة هذا الدعاء على غير قبره واجبة. ثم كان يؤتى بالطعام إلى المساجد وفي الغالب يكون من الهريسة، وهي طعام خاص بيوم عاشوراء مؤلّف من القمح واللحم يوزّع على الفقراء”.

وفي عام 1880، بعد عودته من العراق، جاء الشيخ موسى شرارة، بتغييرات كثيرة على هذه العادات، كانت بحسب ما يقول محسن الأمين: “مبدأ الإصلاح لمجالس العزاء”، وأول ما قام به من عمل، هو أنه بدّل الكتب المستعملة في المجالس، فاستبدلها بكتاب أتى به من العراق، كان قد جمع نصوصه أحد قرّاء التعزية، فنسخ منه العديد من النسخ ووُزّعت في جبل عامل. ومع أن في هذا الكتاب الجديد في رأي محسن الأمين، جملةً من الأكاذيب، وتزويراً للتاريخ الصحيح، فإنه كان أصلح مما كان قبله ومجالسه أكثر تنظيماً. واستبدل موسى شرارة مقتل أبي مخنف، بمقتل ابن طاووس، اتّباعاً لما كان سائداً في العراق وإيران، واتّبعه الناس في ذلك، بحسب ميرفان.

يرى علي شريعتي أن الطقوس العاشورائية الحالية ناتجة عن الارتباط بين الصفوية والمسيحية، إذ تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي شكلت خطراً جدياً على أوروبا

ولم يكتفِ موسى شرارة، بتوطيد قراءة المجالس في الأيام العشرة الأولى من محرم احتفالاً بذكرى فاجعة كربلاء، بل أسس لغيرها على مثالها على مدار السنة. فأقام مجالس أسبوعيةً في بيته، بالإضافة إلى ذلك، أدخل عادات جديدةً في الدفن، فأقام مجالس الفاتحة عن أرواح العلماء والشخصيات الكبرى تُقرأ فيها المرائي. وقد شجّع رجال الدين والأدباء على نظم المراثي لقراءتها في هذه المناسبات. وقد اتّبعه الشعراء في ذلك وانتشر هذا التقليد في جبل عامل. كذلك فإنه منع النساء من السير وراء الجنازة، وسنّ لأهل بلدته بنت جبيل، عادة عمل الطعام عن روح الميت ثلاثة أيام.

وتؤكد المستشرقة الفرنسية: “وبذلك يكون موسى شرارة قد قام بتنظيم مجالس العزاء وإحيائها” (وهي اللفظة التي يستعملها محسن الأمين)، فبات القارئ يتلو نص رواية المعركة في كربلاء واستشهاد الحسين على الجماعة، فينوحون ويبكون على ما حلّ بأهل البيت، كما أنه وسّع نطاق الشعائر المتصلة بالاحتفال باستشهاد الحسين، ولم يكن بالإمكان اعتبار هذا الإصلاح القائم على إدخال عناصر خارجية جديدة، من باب البدع القبيحة، بل من باب البدع الحسنة، ولا سيما أن من أدخلها مجتهد مشهود له بالعلم والاستقامة”.

تحريض تجّار إيرانيين على المواكب

ترى المستشرقة الفرنسية خلال توثيقها حركة الإصلاح الشيعية في كتابها، أن “مجالس العزاء التي أدخلها موسى شرارة طُعّمت بالتمثيليات المسرحية وبالمواكب الحسينية على الطريقة الإيرانية، بتحريض من إيرانيين كانوا قد استقروا في جبل عامل من فترة وجيزة. وبالفعل، نزلت في جبل عامل خلال القرن التاسع عشر جماعة من الإيرانيين معظمهم من التجار، وقد تأقلموا شيئاً فشيئاً، ولم يكونوا تياراً من الهجرة ذا أهمية كبرى، بل حالات من الأسر المنفردة، وكان من بينهم ميرزا يمارس الطب التقليدي وكان يُعدّ واحداً من أدباء النبطية المقربين من أحمد رضا وسليمان ظاهر. وكان ابنه بهيج، أول من درس الطب من العامليين في الجامعة الأمريكية في بيروت. وقد كان للأب والابن دور في إدخال هذه الشعائر على مرحلتين، بفارق يناهز العشرين سنةً”.

وتوثّق عن السيد محسن الأمين: “يذكر محسن الأمين المرحلة الأولى منهما، وقد حدثت بعد عودة حسن يوسف مكي من العراق، أي نحو سنة 1895. فقد قام بعض الإيرانيين في ذكرى عاشوراء بممارسة الشعائر على الطريقة الإيرانية، ولاسيما منها ‘الشبيه’ أي تمثيل الفاجعة. وقد منع حسن يوسف مكي استعادتها ثانيةً لحكمه بأنها خارجة على الشرع، مستعيناً على ذلك بالقائمقام في صيدا. إلا أن الإيرانيين تدخّلوا لدى والي بيروت، فأمر القائمقام بالسماح لهم بإقامة هذه الشعائر، أي تمثيل الفاجعة وإقامة الشعائر المتعلقة بأذى النفس. وهكذا استطاع الإيرانيون أن يدخلوا هذه الشعائر إلى النبطية، وما لبث العامليون أن قلّدوهم في إقامتها، وقد تعاظم عددهم، فانتشرت المواكب واستقطبت الجماهير من القرى

المجاورة، ويختم محسن الأمين عرضه بمقارنة هذه المواكب، وكان يُطلق عليها اسم المواكب الحسينية، بحلقات الذكر الصوفية، مما يعني أنه كان يشجب هذين العملين على حد سواء”.

و”تأصّل” هذا التطعيم الشعائري في النبطية، وكانت الشعائر تقام فيها على الطريقة الإيرانية، وباللغة الإيرانية. بعد وفاة حسن يوسف مكي، سنة 1906، خلفه عبد الحسين صادق، على الرياسة الدينية في النبطية، فترك الحرية للناس في إقامة هذه الشعائر، بل شجّع على إقامتها وشارك في إعادة تصميمها على أن من العلماء من كان يعارضها، فكان بعضهم يبدون مقاومةً لهذه الشعائر الجديدة، بحسب ميرفان التي تؤكد في كتابها أن “المرحلة الثانية من هذا التطعيم الشعائري بدأت سنة 1919، على أغلب الظن، وكان الفتى بهيج میرزا قد أنهى دراسته في الطب، وعاد إلى النبطية حيث كان أحد صانعي عودة هذه الشعائر الإيرانية”.

ثورة “التنزيه”

لم يقف السيد محسن الأمين، صامتاً من هذه الطقوس التي نشرها الإيرانيون في جبل عامل “جنوب لبنان”، فقد ألّف رسالة “ثورة التنزيه” في شهر محرم سنة 1346هـ، كثورة إصلاحية لعاشوراء مما دخلها من طقوس ومنها الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكل ما هو دخيل عليها. وقد ذكر السيّد الأمين تسعة إشكالات على الشعائر الحسينية، هي: “الكذب بذكر الأمور المكذوبة المعلوم كذبها وعدم وجودها في خبر ولا نقلها في كتاب، التلحين بالغناء الذي قام الإجماع على تأييده، إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها، استعمال آلات اللهو كالطبل والزمر والصنوج النحاسية، تشبيه الرجال بالنساء في وقت التمثيل، إركاب النساء الهوادج مكشفات الوجوه وتشبيههنّ ببنات الرسول، الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكلّ ما يوجب الهتك والشنعة مما لا يدخل تحت الحصر”.

ثورة الأمين أحدثت ردود أفعال وصلت إلى الاعتداءات الجسدية على مناصري هذه الثورة، حيث جاء في الجزء الأول من “رسالة التنزيه”: “يذكر الشيخ محمد الحسون الذي جمع وحقق رسالة التنزيه بأجزائها الثلاثة أنه ما أن وصلت الرسالة إلى النجف الأشرف حتى انقسم الكتّاب فيها إلى معارضين، وهم الأكثر، ومؤيدين وهم القلة القليلة، حتى أتت ردود الأفعال من مراجع دينية ومختلف طبقات المجتمع حتى تضمنها السبّ واللعن”.

دور الصحف في الثورة

ولم تقف الصحف موقف المحايد من هذه الثورة بحسب ما ورد في “رسالة التنزيه”: “فكانت الشرارة الأولى لهذه الحركة الإصلاحية، حيث قامت صحيفتا ‘الأوقات العراقية’ و’العهد الجديد’ البيروتية، بنشر آراء السيد محمد مهدي الموسوي البصري والسيد محسن الأمين، والمؤيدون للسيّد الأمين لجأوا إلى الصحف أكثر من المخالفين له، لأنهم القلة القليلة، وقد سُدّت الأبواب في وجوههم، فكتبوا فيها حتى أن البعض منهم كتب بأسماء مستعارة كـ’حبيب بن مظاهر’ و’أبي فراس'”. 

رفض السيد محسن الأمين الطقوس التي نشرها الإيرانيون في جبل عامل جنوب لبنان، فألّف رسالة “ثورة التنزيه” 1346هـ، كثورة إصلاحية لعاشوراء مما دخلها من طقوس كالصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكل ما هو دخيل عليها 

ويقول جامع الرسالة الشيخ محمد حسون، إنه “كان أيضاً لصحيفة ‘ديوائن ميسج’، التي كانت تصدر باللغة الإنكليزية في الهند، دور كبير وقد كتب صاحبها ‘محمد علي سالمين’ مقالات عديدةً مؤيدةً للسيد الأمين، وترجم بعضها إلى العربية، وصحيفة ‘الهاتف’، وإن كانت صدرت متأخّرةً عن زمان الفتوى، إلا أن صاحبها الأستاذ جعفر الخليلي، كان له دور فعّال في مناصرة السيد الأمين”.

شيعة صفويون وشيعة علويون!

“لم تقتصر ردة الفعل على الشتائم واللعن والاضطهاد بل انقسم الناس إلى طائفتين؛ ‘علويين’ و’أمويين’، وعُني بالأمويين أتباع السيّد محسن الأمين، وكانوا قلةً قليلةً لا يُعتدّ بها، وأكثرهم كانوا متسترين خوفاً من الأذى”، كما جاء في الرسالة.

ومن الصحافة إلى الشعر الذي كان له دور كبير، صيغت أبيات ردّاً على ما كان ينشده لاطمو الصدور وضاربو الرؤوس وهم يجولون في شوارع النبطية، مما لقنهم إياه مهاجمو الحركة الإصلاحية، حيث أوردت منها الرسالة:

“لعن الله أناساً

حرموا ندب الحسين”.

فكان الردّ الشعري:

“عدّ الله أناساً قولهم كذب ومـيـن

ألصقوا بالدين مما قد أتــــوه كــل شــين

أظهروا للدين حباً وهو حب الدرهمين”.

وتسرد الرسالة في تلك الحقبة أنه “كان للمجالس العاشورائية في النبطية دور كبير في هذه الجدلية، حيث راح سقاة الماء يجولون في مأتم الحسين يوم عاشوراء ينادون مردّدين: ‘لعن الله الأمين – ماء’، بينما كان نداؤهم من قبل يتلخص في ترديدهم القول: ‘لعن الله حرملة – ماء’، فأبدلوا حرملة بـ’الأمين’ نكايةً وشتماً”.

ومن الشعراء الخطباء الذين كان لهم دور بارز في هذه الأحداث، الشاعر الكبير والخطيب المفوّه السيد صالح الحلي (تـ1359هـ)، الذي وقف موقفاً معارضاً بل معادياً ومعانداً للسيد الأمين، ومما قاله فيه بحسب ما جاء في الجزء الأول من “رسالة التنزيه”: “يا راكباً أما مررت بـ’جلّق’ فأبصق بوجه ‘أمينها’ المتزندق”.

الأمين إلى دمشق ومنع الطقوس في مقام السيدة زينب

هذه الحرب لم تقتصر على جبل عامل، بل انتقلت إلى دمشق مقر إقامة السيد محسن الأمين، حيث ورد في الجزء الثالث من رسالة التنزيه، أن “دعوة الأمين تطورت من سنة وصوله إلى دمشق في أواخر شعبان من سنة 1319هـ. يقول المؤرخون: لم يمضِ خمسة أشهر على وصوله إلى دمشق وكان قد عرف ما يجري في هذا اليوم في مقام السيدة زينب بضاحية دمشق من لطم الصدور وإدماء الرؤوس فقاطع وجمعاً من مؤيديه هذه الطقوس واكتفى بإقامة حفل تتلى فيه السيرة الحسينية بدمشق”.

وفي السنة الثالثة، عزم على منع الاحتفالات بصورتها المزرية الدامية مستعيناً على ذلك بجمهور الدمشقيين المؤيدين له الذين انطلقوا إلى مقام السيدة زينب يخبرون القادمين من الخارج بأن لا احتفالات بعد اليوم على ما كانت تجري عليه، وأن عليهم العودة إلى بلدانهم، فكان الأفراد القادمون يمتثلون لذلك، وهم يرون الشدّة في هذا الكلام والتصميم على تنفيذه بكل وسيلة، بحسب ما جاء في الجزء الثالث من الرسالة.

هذا الجدل لا يزال مستمراً حتى وقتنا الحالي، إذ يرى الشيخ حسن حمادة العاملي، في حديثه إلى رصيف22، أن “موضوع عاشوراء حزن وبكاء على الحسين (ع)، فأول من بكى عليه هو النبي محمد (ص)، وهذا بإجماع جميع المسلمين فكلهم يقول إنه لما وُلد الإمام الحسين (ع)، نعاه رسول الله (ص)، وقبّله في نحره، فسألته السيدة فاطمة الزهراء (ع): لماذا قبّلته في نحره؟ فأجاب النبي (ص): لأنه يُقتل مذبوحاً”.

ويضيف: “طبعاً نحن نتحدث عن إقامة العزاء بحيث لا نشوّه الدين أو المذهب، أمّا بخصوص التطبير والنواح فبرأيه يختلف عن موضوع البكاء؛ فإن فقدت عزيزاً أو سمعت بمظلومية شخص ما بطبيعتي أحزن عليه، فما بالك بالإمام الحسين وما جرى عليه في كربلاء؟”.

ويتابع: “أنا لا أطبّر، لكنّها مسألة فقهية مختلف عليها بين المراجع في المذهب الجعفري، فمنهم من يقول مستحبّ وآخرون يحرّمون ولا أستطيع أن أعطي رأيي في هذا الموضوع، فأنا لست بفقيه”، مشيراً إلى أن “هناك أموراً أدخلت على الدين من حيث التمثيل واللحن بالقصائد، لكن لا يمكن أن أعمّم بأنها جميعها دخيلة، وفي حال كان هناك شخص ما يشوّه الدين لا يمكن أن نلزمه للمذهب، أما إدخال الموسيقى أي الغناء في القصائد الحسينية ففي حال كان اللحن محرماً، فلا يجوز، أما اللطميات المتعارفة فلا إشكال فيها”.

وحول التمثيل في عاشوراء، برأيه هو “موجود وهناك مسلسل عن معاوية. كيف أقبل بهذا الأمر ولا أقبل بتمثيل ما جرى مع الحسين (ع) لتجسيد مظلوميته”، في حين اعتبر أن “الحسينية هي مكان ليجتمع الناس على ذكر أهل البيت (ع)، وإحياء أمرهم والمراد منها إقامة مجالس الحسين (ع)، وفي حال كان هذا المكان تعليمياً وتنويرياً فأين المشكلة؟ وإن كانت بدعة فهي بدعة حسنة ولكن يجب أن تصل رسالة أهل البيت، ولكل مفهوم معنى، وأشك أن يكون السيد محسن الأمين قد نهى عن البكاء على الحسين عليه السلام”.

حسن سنديان

موقع رصيف 22




سيناريوهات الرد الإيراني على عملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران

تستكشف هذه الورقة الاستجابات الإيرانية المحتملة لاغتيال إسماعيل هنية، وتقدم تحليلًا عميقًا للإستراتيجيات العسكرية الإيرانية الموسعة ضد إسرائيل.


بعد حادثة اغتيال قاسم سليماني، في يناير/كانون الثاني 2020، حاولت طهران تطوير نسخة جديدة مما يسمى “محور المقاومة” عبر التحول نحو نموذج أقل مركزية وهرمية، ولذلك فقد تم منح الفصائل المنضوية تحت هذا المسمى، حرية أكبر في اتخاذ القرار وتعزيز القدرات العسكرية والاقتصادية. وعلى الرغم من نجاح هذا النموذج في تطوير القدرات العسكرية وتوسيع نفوذ هذه الفصائل في المساحات المحلية التي تنتشر فيها، إلا أن عملية طوفان الأقصى وما تبعها من تعويل إسرائيلي على استهداف القيادات الإيرانية وقيادات حزب الله وضرب القنصلية الإيرانية والاغتيال الجريء الأخير لإسماعيل هنية في قلب طهران، أظهر محدودية فاعلية هذه الإستراتيجية في نطاقها الواسع وأظهر كذلك الحاجة إلى تعديل في العقيدة العسكرية الإيرانية لفرض مزيد من الردع على إسرائيل.

وكشكل مواز لمحاولات تطبيع إسرائيل عمليات الاغتيال عاملًا عسكريًّا مستقبليًّا في صراعها مع إيران ومحور المقاومة، مع الحفاظ على عدم الانخراط بحرب مفتوحة، فإن إيران تعمل في ذات الوقت على تطبيع التحول من ضرب الساحات الرمادية والجانبية لإسرائيل إلى استهداف المدن الإسرائيلية بشكل مباشر وأيضًا من دون الانخراط بحرب كلاسيكية. وتشير هذه المرحلة الجديدة في صراع الطرفين إلى تصعيد خطير؛ حيث يعمل كل جانب على تكييف إستراتيجياته للتغلب على الآخر في لعبة جيوسياسية عالية المخاطر وقريبة من حافة الهاوية.

رايات الانتقام

في 31 يوليو/تموز 2024، أعلن الحرس الثوري الإيراني اغتيال الشهيد إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس. وبحسب وكالة فارس للأنباء، فإن اغتيال إسماعيل هنية حدث حوالي الساعة الثانية منتصف الليل إثر مقذوف أُطلق من الجو استهدف محل إقامته في أحد المساكن الخاصة بقدامى المحاربين شمالي العاصمة طهران(1). ووقعت عملية الاغتيال بعد مشاركة هنية في حفل تنصيب الرئيس الإيراني الجديد،​​​​ مسعود بزشكيان. ولم يفصح الحرس الثوري عن تفاصيل عملية الاغتيال أو طريقة تنفيذها.

في مصلى جامعة طهران، وهو المكان المخصص لصلاة الجمعة وتشييع القيادات العسكرية الإيرانية، أقام المرشد الإيراني صلاة الجنازة على إسماعيل هنية، وسط هتافات متكررة من المشاركين في الصلاة الذين رددوا شعارات: “الموت لأمريكا” و”الموت لإسرائيل”. وبعد ذلك تم تشييع هنية في شارع الثورة انتهاء بميدان الحرية الذي له دلالات إيرانية تشير إلى شعارات الثورة الأولى وانتصارها.

استنكر أغلب القيادات العسكرية والسياسية الإيرانية حادثة الاغتيال وتوعدوا بالرد القاسي، ونشر المرشد الإيراني علي خامنئي بيان تعزية باستشهاد إسماعيل هنية. وبحسب البيان، فقد اعتبر خامنئي أن الحادثة تعد انتهاكًا للأراضي الإيرانية وعدَّ الانتقام له واجبًا إيرانيًّا، كما أكد خامنئي: “أن النظام الصهيوني المجرم والإرهابي بهذه العملية قد وفَّر الأرضية لعقابه بشكل حازم”(2). وأشار الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، إلى أن إيران تنعى شريكها في الأحزان والأفراح، رفيق درب المقاومة الدائم وقائد المقاومة الفلسطينية الشجاع، شهيد القدس، الحاج إسماعيل هنية.

وبعد انتهاء صلاة الجنازة، بدأت إيران في صياغة ردها على عملية الاغتيال التي يعتبرها الكثير من المحللين الإيرانيين عملية انتهاك كبيرة للأراضي الإيرانية قد تفوق في حجمها عملية اغتيال قاسم سليماني حتى، ولذلك لا تظهر بوادر تردد أبدًا في عملية الرد القادم.

عقب اغتيال إسماعيل هنية، رُفعت الراية الحمراء والتي كُتب عليها “يالثارات الحسين”، فوق قبة مسجد جمكران في مدينة قم الإيرانية، هذه الراية تشير إلى مطالبات شعبية ودينية واسعة في إيران بالرد الحازم على عملية الاغتيال هذه(3).

ورُفعت هذه الراية لأول مرة فوق قبة هذا المسجد بعد اغتيال قاسم سليماني في العراق، في يناير/كانون الثاني 2020، وبعد ذلك رُفعت كذلك بعد ضرب القنصلية الإيرانية في دمشق، في أبريل/نيسان 2024.

أميركيًّا، وعلى عكس حادثة اغتيال فؤاد شكر، القائد العسكري في حزب الله والتي أشارت الولايات المتحدة بشكل مباشر إلى إعلام إسرائيل لها بالعملية قبل تنفيذها، أنكرت واشنطن بسرعة أي علم مسبق بعملية اغتيال إسماعيل هنية في طهران(4). وكان هذا النفي إستراتيجيًّا؛ حيث هدفت واشنطن إلى الحفاظ على قناة دبلوماسية مع طهران، سعيًا إلى تهدئة الانتقام الإيراني المحتمل ضد إسرائيل. ويوضح النهج الأميركي في هذا السيناريو توازنًا دقيقًا بين دعم حليفتها إسرائيل ومحاولة منع تطور الأحداث إلى حرب مفتوحة قد تنجرُّ لها الولايات المتحدة، وذلك من خلال ممارسة تدخلات دبلوماسية عبر وسطاء بين طهران وواشنطن. وكانت هذه الطريقة في إدارة الحوادث الدولية واضحة أيضًا في أعقاب استهداف إسرائيل للقنصلية الإيرانية في دمشق؛ حيث نأت الولايات المتحدة بنفسها مرة أخرى عن المعرفة المسبقة بالهجوم.

سيناريوهات الرد الإيراني

في ظل اغتيال إسماعيل هنية، الشخصية المهمة والمحورية لإيران والمقربة من مرشدها الأعلى علي خامنئي الذي عدَّ نفسه صاحب الدم وصاحب الانتقام؛ وفي ظل اعتبار إيران بجميع مكوناتها الشعبية والعسكرية والسياسية ما حدث انتهاكًا للسيادة والأراضي الإيرانية، فمن المستبعد بشكل كامل الحديث عن سيناريوهات الرد الضعيف أو الرد السيبراني أو حتى الرد في المساحات الجانبية الأخرى غير الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبناء على ذلك، فإن خيارات إيران الانتقامية تضيق إلى سيناريوهين رئيسيين لا ثالث لهما:

الاستهداف العسكري المباشر والمنفرد

قد يكون العمل العسكري المباشر المنفرد أكثر السيناريوهات المحتملة في رد إيران على إسرائيل. فقد ورد أن المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، دعا إلى توجيه ضربة مباشرة إلى إسرائيل تستهدف كلًّا من تل أبيب وحيفا. ويبدو أن خامنئي طلب من قادة الجيش والحرس الثوري إعداد خطط هجومية ودفاعية لضرب أهداف إسرائيلية عسكرية والتحضر لمواجهة أي عمليات انتقامية(5).

“صحيفة كيهان” الإيرانية المتشددة والمقربة من مراكز صنع القرار، طالبت برد مباشر وسريع لا يستهدف فقط إسرائيل بل يستهدف كذلك القواعد العسكرية الأميركية(6). إلا أن السوابق التاريخية تشير إلى أن إيران لن تتجه إلى توسيع الصراع في اللحظات الأولى بل ستتركز ضرباتها نحو القواعد العسكرية الإسرائيلية فقط.

لابد من الإشارة هنا إلى أن الرد الإيراني سيكون بشكل مؤكد أكبر من عملية الوعد الصادق 1 التي ضربت فيها طهران إسرائيل بنحو 300 صاروخ باليستي وطائرة مسيرة نتيجة قصف القنصلية الإيرانية في دمشق. فقبل أسابيع من حادثة اغتيال هنية، قال الجنرال أمير علي حاجي زاده، قائد القوة الجوية للحرس الثوري الإيراني، في كلمة له: إن إيران تتوق إلى عملية الوعد الصادق 2 والتي سيتجاوز فيها عدد الصواريخ جميع العمليات السابقة ضد إسرائيل والولايات المتحدة(7).

لقد طورت إيران ترسانة هائلة من الصواريخ الباليستية متوسطة وطويلة المدى القادرة على ضرب أهداف في عمق إسرائيل. وتشكل هذه الصواريخ، إلى جانب تكنولوجيا الطائرات بدون طيار المتقدمة، تهديدًا كبيرًا في المنطقة. صاروخ شهاب 3 هو صاروخ متوسط ​​المدى يبلغ مداه حوالي 1300 كيلومتر، وهو أحد الصواريخ الإيرانية الأقدم ولكن الموثوقة، القادرة على حمل حمولات متفجرة كبيرة. ويستخدم صاروخ شهاب 3 محركًا يعمل بالوقود السائل أحادي المرحلة مع مركبة إعادة دخول منفصلة، ​​مما يعزز مداه ودقته. وتمتد النسخة المطورة منه إلى حوالي 1600 كيلومتر. ويبلغ مدى صاروخ عماد الإيراني، مع مخروط أنف مُعاد تصميمه وأنظمة توجيه محسنة، 1700 كيلومتر، مما يجعله قادرًا على ضرب أهداف في جميع أنحاء إسرائيل.

وهناك صاروخ مهم آخر هو صاروخ خرمشهر، الذي اعتمد في تطويره على صاروخ هواسونغ-10 الكوري الشمالي، بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر عند حمل رأس حربي يزن 1500 كيلوغرام. ويمكن لصاروخ خرمشهر التهرب من اكتشاف الرادار واختراق الدفاعات الجوية للعدو بسبب بصمته الرادارية المنخفضة، وهو ما يمثل قفزة كبيرة في قدرات الصواريخ الإيرانية. وعلاوة على ذلك، يبلغ مدى أول صاروخ فرط صوتي إيراني، الفاتح، الذي تم الكشف عنه في عام 2023، 1400 كيلومتر ويمكنه التنقل بسرعات تصل إلى 15 ماخ، مع إصدار مطور، الفاتح-2، تم تقديمه في عام 2024 بمدى متزايد يبلغ 1500 كيلومتر.

إن قدرات الطائرات بدون طيار الإيرانية تكمل ترسانتها من الصواريخ الباليستية؛ مما يوفر أداة متعددة الاستخدامات لكل من المراقبة والهجوم. استُخدمت طائرة شاهد-136، وهي طائرة بدون طيار انتحارية بعيدة المدى يبلغ مداها حوالي 2000 كيلومتر، على نطاق واسع وهي معروفة بفعاليتها من حيث التكلفة ومسارات الطيران المبرمجة مسبقًا؛ مما يجعل من الصعب اعتراضها. وتعد طائرة مهاجر-6 مركبة جوية بدون طيار متعددة الأدوار وتستخدم لأغراض المراقبة والهجوم، ومجهزة بذخائر موجهة بدقة وقادرة على القيام بمهام طويلة الأمد. يمكن تزويد طائرة أبابيل-3، المستخدمة في المقام الأول للاستطلاع، بالمتفجرات لمهام انتحارية ولديها مدى وتحمل معتدلان. ويمكن لطائرة القدس مهاجر-10، وهي طائرة بدون طيار أكثر تقدمًا ذات مدى وحمولة ممتدة، إجراء مهام طويلة المدى وتستخدم لأغراض مختلفة، بما في ذلك المراقبة والحرب الإلكترونية والضربات الدقيقة.

في الأشهر الأخيرة، أظهرت إيران قدراتها الصاروخية من خلال اختبارات وتمارين مختلفة. على سبيل المثال، في فبراير/شباط 2024، أطلقت إيران صواريخ باليستية بعيدة المدى من سفينة حربية(8)؛ مما أظهر قدرتها على ضرب أهداف على بعد يصل إلى 1700 كيلومتر. وأكد هذا الاختبار قدرة إيران المتنامية على إطلاق الصواريخ من منصات متنوعة، مما يزيد من تعقيد التدابير الدفاعية للخصوم مثل إسرائيل. ونظرًا لهذه القدرات، فإن رد إيران على الاستفزازات الكبيرة، مثل اغتيال إسماعيل هنية، قد ينطوي على مزيج من هذه الصواريخ المتوسطة والطويلة المدى والطائرات بدون طيار المتقدمة. وتمكِّن هذه الأنظمة إيران من ضرب أهداف استراتيجية داخل إسرائيل؛ مما يشكل تهديدًا كبيرًا للاستقرار الإقليمي.

سيناريو الرد المشترك

إن الرد الإيراني أحادي الجانب والمنضبط قد يحقق فائدة مزدوجة؛ فهو من شأنه أن يساعد في استعادة هيبة إيران ويعمل رادعًا مؤقتًا ضد إسرائيل. إن السوابق التاريخية، مثل هجمات الصواريخ والطائرات بدون طيار، في أبريل/نيسان 2024، تثبت قدرة إيران على معايرة ردود أفعالها لتجنب الصراعات واسعة النطاق مع الاستمرار في إظهار قوتها. لقد تسببت هذه الهجمات في أضرار طفيفة بسبب الدفاعات الإسرائيلية الفعالة والتنسيق الدولي؛ مما يشير إلى أن إيران قادرة على الحفاظ على موقعها الإستراتيجي دون التصعيد إلى حرب واسعة النطاق.

إذا ما قررت طهران الاتجاه نحو التصعيد غير المحسوب وغير المنضبط انتقامًا لهنية فقد تبدأ ردًّا مشتركًا ومنسقًا يشمل حزب الله من لبنان والقوات الإيرانية في سوريا والحوثيين من اليمن. هذا الرد المحتمل قادر على تنفيذ هجمات منسقة على المواقع والمصالح الإسرائيلية؛ مما يرفع بشكل كبير من مخاطر اندلاع حرب إقليمية تضم تحالفات متعددة.

حزب الله، الذي انخرط بالفعل في مناوشات متكررة مع القوات الإسرائيلية على طول الحدود، قد يكثف عملياته وينسقها مع هجمات إيرانية صاروخية متزامنة. وفي سوريا، كانت الميليشيات المدعومة من إيران والحرس الثوري الإسلامي نشطة ويمكن أن تشن هجمات من هذه الجبهة. وفي الوقت نفسه، يتمتع الحوثيون في اليمن، الذين تلقوا دعمًا كبيرًا من إيران، بالقدرة على شن هجمات بالصواريخ والطائرات بدون طيار على المصالح الإسرائيلية. وقد أظهر هجوم الحوثيون الأخير عبر مسيرة يافا قدرتهم على ضرب أهداف بعيدة بدقة كبيرة(9)، وهو ما قد يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى الصراع.

من جانبه، اقترح وزير الدفاع الأميركي السابق، مارك إسبر، أن الرد الإيراني المنسق قد ينطوي على مزيج من الضربات الصاروخية والطائرات بدون طيار ضد المنشآت الإسرائيلية، على غرار الاستجابات الإيرانية السابقة. وقد تطغى إستراتيجية الهجوم متعددة الأوجه هذه على الدفاعات الإسرائيلية وتؤدي إلى تصعيد الصراع بشكل كبير.

خاتمة

إن الإستراتيجية الجيوسياسية الإيرانية تجاه إسرائيل تتسم بالصبر والحساب بدلًا من المواجهة الفورية والمباشرة. وقد صاغ المرشد الأعلى، آية الله خامنئي، رؤية يتوقع فيها زوال إسرائيل في غضون 25 عامًا، ليس من خلال ضربة قاضية واحدة، بل من خلال سلسلة من الانتصارات الإستراتيجية التدريجية. وتتوافق هذه الطريقة مع العقائد السياسية والعسكرية الأوسع في إيران، والتي تفضل الحرب غير المتكافئة والتخطيط طويل الأجل على الاشتباكات الخطرة وغير المتوقعة.

إن القدرات العسكرية الإيرانية متجذرة بعمق في الحرب غير المتكافئة. وهذا ينطوي على الاستفادة من التكتيكات غير التقليدية وحرب العصابات والقوات بالوكالة لتآكل قوة ومعنويات خصم أكثر قوة تقليديًّا وعسكريًّا خصوصًا في مجال التسليح الجوي. ويجسد دعم إيران لجماعات مثل حزب الله وحماس هذه الإستراتيجية؛ مما يمكِّنها من ممارسة الضغط على إسرائيل بشكل غير مباشر ومستمر دون الانخراط في حرب مفتوحة. تهدف هذه التكتيكات إلى استغلال نقاط ضعف إسرائيل بمرور الوقت، مما يخلق صراعًا مطولًا يُضعف موقف إسرائيل إقليميًّا ودوليًّا.

إن إيران، بدلًا من السعي إلى تحقيق انتصارات فورية واسعة النطاق، تركز على تجميع مكاسب أصغر ولكنها مهمة تعمل بشكل جماعي على تحويل ميزان القوى. وقد تشمل هذه الانتصارات النفوذ السياسي في البلدان المجاورة، أو التقدم التكنولوجي، أو العمليات الناجحة بالوكالة. وكل نجاح يبني قوة إيران، يعزز بالضرورة إستراتيجيتها طويلة الأجل لعزل وإضعاف إسرائيل. ويضمن هذا النهج المنهجي أن تظل إيران مرنة وقابلة للتكيف، وتجنب فخاخ الخسائر الكارثية وضرب منشآتها النووية وبنيتها التحتية.

في هذا الإطار الإستراتيجي، يظل تطوير القدرات النووية قضية مثيرة للجدال ومتوترة للغاية. إن النخب الإيرانية، وخاصة بعد الانتكاسات الكبيرة مثل اغتيال شخصيات بارزة مثل إسماعيل هنية على الأراضي الإيرانية، غالبًا ما تدعو إلى إعادة تقييم السياسة النووية الإيرانية. وتؤكد تصريحات كمال خرازي، مستشار المرشد خامنئي ورئيس المجلس الإستراتيجي للعلاقات الخارجية، حول التحول المحتمل في العقيدة النووية الإيرانية على خطورة التهديدات المتصورة للأمن الوطني. وفي حين يؤطَّر السعي إلى الحصول على القنبلة النووية كإجراء دفاعي، فإنه يعمل أيضًا رادعًا قويًّا، ويوضح لإسرائيل والعالم أن إيران مستعدة للتصعيد إذا كان بقاؤها على المحك.

إن إستراتيجية إيران لها آثار عميقة على استقرار الشرق الأوسط. فمن خلال تجنب المواجهة المباشرة والتركيز على المكاسب التدريجية، تحافظ إيران على حالة مستمرة من الصراع منخفض الشدة مما يعقِّد جهود السلام. كما يضغط هذا النهج على اللاعبين الإقليميين الآخرين للاستجابة، مما يخلق بيئة جيوسياسية ديناميكية ومتقلبة في كثير من الأحيان. ومع ذلك، فإن صبر إيران الإستراتيجي يفتح أيضًا السبل للمفاوضات والدبلوماسية؛ حيث يمكن معالجة أهدافها الطويلة الأجل من خلال الحوار المستدام والتنازلات المتبادلة.

إن النهج الذي تنتهجه إيران في التعامل مع صراعها مع إسرائيل يشبه لعبة شطرنج مطولة؛ حيث تكون كل خطوة مدروسة وتهدف إلى تحقيق هدف بعيد. وتعكس هذه الإستراتيجية، فهمًا عميقًا للديناميكيات الإقليمية ونقاط القوة والضعف التي تتمتع بها إيران. وفي حين يظل التحول المحتمل نحو القدرات النووية يشكل تهديدًا وشيكًا، فإنه يشكِّل جزءًا من استراتيجية معقدة ومتعددة الأوجه تهدف إلى ضمان نفوذ إيران وبقائها في منطقة تزداد اضطرابًا يومًا بعد يوم.

محمود البازي – باحث متخصص بالشؤون الايرانية

مركز الجزيرة للدراسات

مراجع

1) اولین جزئیات ترور اسماعیل هنیه در تهران (التفاصيل الأولى لاغتيال هنية في طهران)، وكالة أنباء فارس، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/4fw4BoL

2) رهبر انقلاب در واکنش به ترور هنیه: خونخواهی مهمان عزیزمان را وظیفه خود می‌دانیم (قائد الثورة ردًّا على اغتيال هنية: نعتبر من واجبنا أن ننتقم لدماء ضيفنا العزيز)، وكالة أنباء إطلاعات، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/3WuVjAx

3) اهتزاز پرچم سرخ انتقام برفراز گنبد مسجد جمکران (راية الانتقام الحمراء على قبة مسجد جمكران)، وكالة إيسنا للأنباء، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/46wBDAI

4) أميركا تنفي علمها بعملية اغتيال هنية وإسرائيل تتأهب، الجزيرة نت، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/3yuZ5Sn

5) ادعایی درباره دستور رهبر انقلاب برای حمله به اسرائیل (ادعاء حول أمر قائد الثورة بمهاجمة إسرائيل)، وكالة أنباء روز نو، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/3WnEibs

6) انتقام خون میهمان با میزبان است، دنیا منتظر است (سوف ینتقم المضیف لدم الضيف، العالم يترقب)، صحيفة كيهان الإيرانية، 31 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/3A4QYMW

7) حاجی‌زاده: آرزومند رسیدن فرصت عملیات «وعده صادق ۲» هستیم (حاجي زاده: نتمنى الحصول على فرصة لتنفيذ عملية “الوعد الصادق 2″، وكالة تسنيم للأنباء، 1 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 1 أغسطس/آب 2024)، https://bit.ly/3WMk78E

8) إيران تزعم إطلاق صواريخ باليستية بعيدة المدى من سفينة حربية، سي إن إن عربية، 13 فبراير/شباط 2024 (تاريخ الدخول: 1 أغسطس/آب 2024)، https://bit.ly/3LKS6bf

9) قطعت 2000 كيلومتر وضللت أنظمة الرصد.. معلومات جديدة عن المسيرة “يافا”، الجزيرة نت، 20 يوليو/تموز 2024 (تاريخ الدخول: 31 يوليو/تموز 2024)، https://bit.ly/3Ag2xAN




ممثل حماس في إيران يكشف تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياة إسماعيل هنية ولحظة الانفجار

كشف ممثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في إيران، خالد القدومي، عن ملابسات وتفاصيل بشأن عملية اغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية ومرافقه وسيم أبو شعبان، فجر الأربعاء الماضي، في العاصمة الإيرانية طهران، نافيا صحة ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية عن أن الاغتيال تم عبر قنبلة مزروعة في مكان الإقامة.

وقال القيادي في حماس لـ”العربي الجديد” إن الشهيد إسماعيل هنية وصل إلى إيران فجر الثلاثاء على رأس وفد من قيادات الحركة، ضمّ رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية خليل الحية والقياديين في المكتب السياسي محمد نصر وزاهر جبارين، بالإضافة إلى ممثل حماس في إيران (القدومي نفسه)، مضيفا أن الوفد توجه مساء الثلاثاء إلى البرلمان الإيراني للمشاركة في تأدية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اليمين الدستورية في البرلمان، و”هناك التف حوله عدد كبير من البرلمانيين والمسؤولين الإيرانيين والضيوف الأجانب وعانقه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بحفاوة ورفع يده كعلامة نصر”، ثم بعد ذلك زار الوفد معرض “أرض الحضارة” في برج ميلاد في العاصمة. وقال القدومي إن “مجسم قبة الصخرة للمسجد الأقصى في المعرض استوقف الشهيد هنية للحظات، ثم شاهد مسرحية لبنت إيرانية كانت تمثل دور طفلة فلسطينية استشهدت عائلتها وهي وسط الدمار، فناداها القائد هنية وقبّل رأسها مستذكرا أطفال غزة وأحفاده وأولاده الذين استشهدوا”.

ومضى القدومي قائلا إن رئيس المكتب السياسي والوفد المرافق له توجهوا بعد ذلك إلى مقر الرئاسة الإيرانية تلبية لدعوة بزشكيان على مأدبة العشاء، ثم “انتقل إلى مقر إقامته (شمالي طهران) الذي لم يكن سريا وكان معروفا لدى الكثير من الناس، وكان خاصا بكبار الضيوف القادمين إلى البلد”. وأضاف أن “ما يقال حول كيفية معرفة (إسرائيل) بمقر إقامته وغير ذلك هو كلام فارغ عن المضمون، لأن الشهيد القائد كان في زيارة علنية وفي لقاء علني، وهو شخصية دبلوماسية، حيث كان رئيس وزراء فلسطين السابق وكان قائد حماس”.

وأوضح ممثل حماس لـ”العربي الجديد” أنه “بعد وصولنا إلى مقر الإقامة في وقت متأخر من الليل، صلى القائد الشهيد صلاة العشاء، ثم جلسنا وتحدثنا عن مراسم اليمين الدستورية للرئيس وأجوائها الطيبة، وقال لي مباشرة إن العديد من وزراء الخارجية وممثلين عن دول بعضها لا تعترف بحماس تقدموا للسلام عليه وتبادلوا التحيات معه”. وأضاف: “تحدثنا عن حادث الاغتيال للشهيد فؤاد شكر وفضل الشهادة وحسن الخاتمة، وقال إن هذه هي نهاية سعيدة لكل أخ مجاهد يقاتل الكيان الصهيوني”.

بعد ذلك توجه الشهيد هنية إلى غرفته للنوم، وفق القدومي، الذي قال إن مرافقه وسيم أبو شعبان “الذي صليت خلفه صلاة العشاء في تلك الليلة كان يحرس الشهيد هنية خارج غرفته، وهو يقرأ القرآن”. وقال ممثل حماس: “كان المصحف بين يديه عندما استشهد وعليه دمه الطاهر”.

مقذوف من الجو لاغتيال إسماعيل هنية

وأكمل القيادي في حماس متحدثا عن اللحظات الأخيرة في حياة إسماعيل هنية، أنه “في تمام الساعة 1:37 دقيقة حدثت صدمة للمبنى، فخرجت من المكان الذي كنت فيه، فرأيت دخانا كثيفا، وبعد ذلك عرفنا أن الحاج أبو العبد قد استشهد”، مشيرا إلى أنه “كان هناك وميض”. وأضاف “من شدة الصدمة التي حصلت للمبنى ظننت أنه حصل رعد أو زلزال، ففتحت النافذة لم أجد مطرا أو رعدا، فالجو كان حارا، وذهبنا إلى الطابق الرابع الذي كان فيه الشهيد فوجدنا أن جدار وسقف المكان الذي كان فيه قد سقط وتدمر”.

وتابع القدومي: “من الواضح من شكل المكان بعد الهجوم وما حدث له، ومن جثة الشهيد القائد إسماعيل هنية، أن الاستهداف قد تم بواسطة مقذوف من الجو، سواء كان صاروخا أو قذيفة”، مشيرا إلى أنه لا يريد خوض تفاصيل أكثر “حيث هناك فرق فنية تخصصية من الأشقاء في الجمهورية الإسلامية تقوم بالتحقيق وستعلن عن النتائج لاحقا”.

ونفى ممثل حماس في إيران رواية صحيفة “نيويورك تايمز” و”روايات مضللة مماثلة” في الصحافة الإسرائيلية، عن زرع قنبلة تحت سرير رئيس المكتب السياسي لحماس في مكان إقامته، وكذلك مزاعم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري عن عدم تنفيذ هجوم إسرائيلي جوي آخر لاستهداف شخصية أخرى في تلك الليلة سوى الهجوم الذي أدى إلى اغتيال القيادي فؤاد شكر. 

وأوضح القدومي أن رواية “نيويورك تايمز” وهاغاري تنفيها شهادات وحقائق على الأرض، مؤكدا أن الهدف من هذه الروايات والتصريحات هو “رفع المسؤولية المباشرة عن الاحتلال الإسرائيلي لاحتواء تبعات الجريمة والرد عليها “. وأضاف أن الاحتلال الإسرائيلي “هو الذي خطط ونفذ الجريمة بعلمٍ وموافقةٍ أميركيين”، مشيرا إلى أن الإدارة الأميركية “شريكة فيها وأعطت الموافقة لنتنياهو لارتكابها خلال زيارته لواشنطن” الأخيرة.

وشدد القدومي على أن “الشهيد القائد إسماعيل هنية هو واحد من 40 ألف شهيد في قطاع غزة ارتقوا في حرب إبادة شاملة، 70% منهم أطفال ونساء”، مؤكدا أن “دماءه الطاهرة ستكون لعنة تطارد الصهاينة وطوفانا جديدا يستكمل مشروع طوفان الأقصى لإيصاله إلى محطته الأخيرة بتحرير القدس وأرض فلسطين من النهر إلى البحر”.

صابر غل عنبري

صحيفة العربي الجديد




كيف تهدد سياسة طهران في إفريقيا المصالح الإسرائيلية في القارة؟

بينما يتركز الاهتمام الإسرائيلي هذه الأيام بشكل رئيسي على المساعدات التي تقدمها إيران للوكلاء في إطار نظام “السيوف الحديدية”، تواصل طهران توسيع أنشطتها في أنحاء القارة الإفريقية، بما يزيد من التهديد السياسي للمصالح الأمنية والاقتصادية الإسرائيلية في هذه القارة. وفي ضوء ذلك، يتعين على إسرائيل صياغة استراتيجية تمنع إيران من تحقيق أهدافها فيها.

منذ بداية حرب “السيوف الحديدية” بل وأكثر من ذلك منذ هجوم 14 نيسان/أبريل الذي نفذته إيران ضد إسرائيل باستخدام أسراب من الطائرات بدون طيار، يبدو أن الاهتمام الإسرائيلي في السياق الإيراني يتركز بشكل أساسي على المساعدات التي ترسلها طهران إلى وكلائها في جميع أنحاء الشرق الأوسط من أجل الضغط على إسرائيل لوقف الحملة في قطاع غزة وبالتالي إنقاذ حماس، فضلاً عن احتمال نشوب حرب شاملة بين البلدين. إن تركيز إسرائيل على النشاط الإيراني في جميع أنحاء الشرق الأوسط قد يؤدي إلى إغفال اتجاه مهم للغاية في السياق الإيراني، ألا وهو تزايد النشاط الإيراني في القارة الإفريقية في الأشهر الأخيرة. وهذا النشاط يعرض عدداً من المصالح الأساسية لإسرائيل للخطر في القارة.

لقد كانت إفريقيا قارة “مفضلة” لأنشطة إيران منذ بداية الثورة الإسلامية، ويرجع ذلك إلى مجموعة واسعة من الأسباب: فقد رأت إيران هوية أيديولوجية بينها وبين العديد من البلدان في إفريقيا، في ضوء رغبتها المشتركة في محاربة “الغازي الغربي الأجنبي”؛ بل إن طهران أرادت حماية الأقلية الشيعية الكبيرة في جميع أنحاء القارة، كما سعت إلى استغلال موارد القارة لتلبية احتياجاتها الخاصة. هذه الأسباب والقرب الجغرافي لإفريقيا من الشرق الأوسط جعل من القارة عاملاً جاذباً في نظر القيادة الإيرانية.

رأت إيران هوية أيديولوجية بينها وبين العديد من البلدان في إفريقيا، في ضوء رغبتها المشتركة في محاربة “الغازي الغربي الأجنبي”

وحتى في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد، زادت إيران من نشاطها السياسي في جميع أنحاء القارة الإفريقية، ولكن يبدو أن الرئيس الإيراني السابق، إبراهيم رئيسي، أخذ الفكرة عدة خطوات إلى الأمام. وفي إطار رغبته في تعزيز العلاقة مع “الجنوب العالمي”، كبديل سياسي واقتصادي للغرب، اعتبر رئيسي تعزيز العلاقات مع إفريقيا الهدف السياسي الأول والأهم لرئاسته، وعمل على تعزيز العلاقات مع العديد من الدول. في القارة، عقد العديد من المنتديات المشتركة وزار عدة دول.

وفي الأشهر الأخيرة، زادت إيران أنشطتها في إفريقيا. ولا يتعلق الأمر بتعزيز المصالح الاقتصادية والسياسية فحسب، بل يتعلق وبرغبة إيران في توسيع مبيعات نفطها إلى العديد من دول القارة للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية منها. وهذا الاتجاه ملحوظ بشكل خاص في منطقة شرق إفريقيا، ولكن يمكن ملاحظة الزيادة في النشاط الإيراني بشكل عام في جميع أنحاء القارة.

وفي منطقة القرن الإفريقي وشرق القارة، تواصل طهران توسيع علاقاتها مع السودان وتنقل إلى أيدي الجيش السوداني طائرات بدون طيار من نوع مهجر 6، لتعزيز قدراتها في إطار العمل المدني في البلاد، ومع الاعتقاد أن إيران بهذه الطريقة ستتمكن من جني مكاسب سياسية وأمنية، من حيث تجديد العلاقة السياسية بين الدول، وإنشاء ميناء لاستخدام طهران في منطقة بورتسودان، وهذه العملية تشبه إلى حد كبير المساعدة التي قدمتها إيران لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، كجزء من الحرب الأهلية التي شنها ضد المتمردين من مقاطعة تيغراي، وهي المساعدة التي أدت إلى تحسين قدرات الجيش الإثيوبي بشكل كبير.

تعميق العلاقات مع الجيش السوداني، والرغبة في تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وتجديد العلاقة السياسية مع جيبوتي، يسمح لإيران بزيادة وجودها الأمني ​​في هذه المنطقة الاستراتيجية

وإلى جانب تعميق العلاقات مع السودان، جددت طهران علاقاتها الدبلوماسية مع جيبوتي العام الماضي بعد انقطاع دام سبع سنوات. وكان موقع جيبوتي الاستراتيجي بالقرب من مضيق باب المندب أحد الأسباب الرئيسية لرؤية طهران لتجديد هذه العلاقات. إلى جانب هذه الجهود، تعمل طهران على تعميق علاقاتها الدبلوماسية مع القاهرة من خلال مجموعة واسعة من القنوات.

إن تعميق العلاقات مع الجيش السوداني، والرغبة في تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع مصر، وتجديد العلاقة السياسية مع جيبوتي، يسمح لإيران بزيادة وجودها الأمني ​​في هذه المنطقة الاستراتيجية. وستخدم هذه الخطوة عددًا من الأغراض المهمة من وجهة نظر إيران، من بينها زيادة “الحصار الاقتصادي” على إسرائيل، وإعادة بناء قنوات لنقل الذخيرة إلى حماس في قطاع غزة، فضلاً عن تحسين القدرة على زيادة إسقاط قوتها.

وحتى في شمال إفريقيا، تواصل إيران توسيع علاقاتها السياسية مع تونس، ومؤخرًا تم إلغاء شرط التأشيرة للمواطنين الإيرانيين الذين يسعون لدخول البلاد، وذلك على ما يبدو بهدف تسهيل بناء العلاقة الاقتصادية بين البلدين. ويضيف توسيع هذه العلاقات أيضاً إلى العلاقات الاستراتيجية التي بنيت في السنوات الأخيرة بين إيران والجزائر، وكذلك إلى البصمة الأمنية والسياسية التي تتمتع بها طهران في ليبيا. ومن خلال القيام بذلك، تحاول إيران بناء “سلسلة إقليمية متصلة” في البلدان الشمالية من القارة، ما يسمح لها بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ​​ومضيق جبل طارق، بطريقة تزيد من التهديد الذي تتعرض له القارة الأوروبية، بل وبالأساس لزيادة الضغط العسكري على المغرب، الذي تعتبره القيادة الإيرانية معقل النشاط الإسرائيلي/الأمريكي في هذه القارة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الوجود الإيراني يسمح لها بزيادة المساعدات العسكرية لمتمردي البوليساريو، الذين يقاتلون الوجود المغربي في منطقة الصحراء الغربية. وإلى جانب ذلك، تحاول إيران أيضاً توسيع علاقاتها السياسية مع موريتانيا، وبالتالي زيادة “الشعور بالحصار” على المغرب من جانبه الغربي أيضاً.

تحاول إيران بناء “سلسلة إقليمية متصلة” في شمال إفريقيا، ما يسمح لها بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط ​​ومضيق جبل طارق، وهو ما يزيد الضغط العسكري على المغرب، الذي تعتبره معقل النشاط الإسرائيلي- الأمريكي في هذه القارة

وإلى جانب هذا النشاط في القرن الأفريقي وشمال أفريقيا، تعمل إيران على توسيع علاقاتها الاقتصادية مع مختلف البلدان في شرق القارة، بما في ذلك كينيا وأوغندا وزيمبابوي. إلى ذلك، تحاول طهران استغلال الفراغ الناجم عن “انسحاب” الوجود الفرنسي في منطقة الساحل، وكما هي الحال مع الصين وروسيا، فإنها تحاول أيضاً الحصول على حصة اقتصادية وسياسية في تلك الدول. ومن الأمثلة على ذلك النيجر، حيث لدى إيران عدد كبير من المصالح مثل خامات اليورانيوم، التي يمكنها شراؤها لاستخدامها في برنامجها النووي. وفي الواقع، لم يتم الإبلاغ إلا مؤخرًا عن توقيع اتفاقية بين البلدين حول هذه القضية.

ويجب أن تثير هذه التطورات قلق إسرائيل بشكل خاص، لأنها تزيد من التهديد العسكري عليها من منطقة القرن الإفريقي وتهدد قدرتها على مواصلة الاتجاه نحو تشديد العلاقات السياسية مع العديد من الدول في جميع أنحاء القارة. وفي هذه الأثناء، تعمل إيران على الإضرار بالجهود السياسية التي تبذلها إسرائيل، وخاصة تجاه منظمة الدول الإفريقية، من خلال الجزائر وجنوب إفريقيا، اللتين يُزعم أنهما تفرضان ثمناً من دول القارة مقابل دعمها لإسرائيل (المغرب على سبيل المثال). وتستخدم إيران علاقاتها معهم للتحايل على العقوبات المفروضة عليها من قبل الغرب، وقبل كل شيء لتعزيز مكانتها باعتبارها مصدرًا رائدًا للأسلحة في العالم، وذلك بشكل أساسي من خلال تصدير الطائرات بدون طيار التي تمتلكها إلى أي شخص يريدها.

وفي ضوء ذلك، فمن الصحيح أن تفكر إسرائيل في بناء استراتيجية هدفها الحفاظ على قدرتها على النفوذ في القارة الإفريقية إلى جانب تقليص كبير لقدرة إيران على النفوذ في إفريقيا. ولأن التوقيع السياسي لإسرائيل في هذه القارة محدود للغاية (لدى إسرائيل 10 ممثليات في القارة الأفريقية وحدها)، فمن الصحيح دراسة الخطوات التالية:

– التعاون مع دول الخليج، التي تنظر أيضاً بعين الشك الشديد إلى النشاط الإيراني في إفريقيا، والذي يعرض مصالحها الأساسية في القارة للخطر.

– تعميق التنسيق مع الولايات المتحدة فيما يتعلق بالعلاقات مع الدول التي تخشى النشاط الإيراني وخاصة لتحقيق أسعار الربح (أو الخسارة) لأي دولة تختار عدم التعاون مع إيران.

– تعميق العلاقات الأمنية مع دول القرن الإفريقي ودول شرق إفريقيا؛ لمنع إيران من “السيطرة” على البحر الأحمر لتلبية احتياجاتها الخاصة، وفي الوقت نفسه تعزيز التنسيق مع مصر فيما يتعلق بالبحر الأحمر. منع الزحف الإيراني في هذه المنطقة.

– تكثيف كبير للحملة السياسية الرامية لمنع إيران من تصدير الأسلحة النووية التي تمتلكها، ومن ثم تحسين وضعها الاقتصادي والأمني ​​(من خلال تبادل هذه المساعدات).

– توسيع المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تقدمها لدول القارة التي تعارض الوجود الإيراني فيها، والتي اختارت الحفاظ على علاقاتها مع إسرائيل، رغم “إغراءات” تعميق التعاون مع طهران.

خلاصة القول، إن توسع النشاط الإيراني في جميع أنحاء إفريقيا يعرض مصالح إسرائيل المهمة في القارة للخطر. ومن دون بناء استراتيجية واسعة مع دول أخرى، يكون هدفها تحدي هذا النشاط، قد تستخدم إيران موطئ قدمها في إفريقيا لزيادة التهديد العسكري والاقتصادي لإسرائيل، ولثني الدول الأخرى عن التعاون معها، ولإقناع الدول الأخرى بعدم التعاون معها، وتحصيل ثمن من تلك الدول التي اختارت زيادة التعاون مع إسرائيل.

داني سيترينوفيتش

منشورات مركز بحوث الأمن القومي الاسرائيلي 15/7/2024

ترجمة صحيفة القدس العربي




من أجل جيوبولتيك خاصة بدول الجنوب

يعيش العالم تطورات سياسية هائلة في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، حيث تشابكت جائحة كورونا أو كوفيد 19 مع الحروب التي اندلعت في أوكرانيا وفلسطين، وارتفاع حدة المواجهة بين الثنائي روسيا – الصين في مواجهة الغرب. وأصبح عنوان مختلف أبحاث مراكز التفكير الاستراتيجي، البحث في موضوع انتقال ثقل العالم من المحيط الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة إلى المحيط الهادئ بزعامة الصين والدول التي ستدور في فلك هذا أو ذاك.
وعملية الانتقال هذه والتحولات التي يعيشها العالم تشكل تحديا حقيقيا للدراسات الجيوسياسية أو جيوبولتيك، وذلك لأن إيقاع التغيير سريع ومكثف ويحمل مفاجآت، وما زال ثقل العالم متمركزا نسبيا في الغرب، وما زال الباحثون يعتمدون في دراساتهم على النظريات التي أنتجها باحثون غربيون بالأساس أمثال، فريدريك راتزل وألفريد ماهان وهالفورد ماكندر ونيكولاس سبيكمان ضمن آخرين.
وتعد الجيوسياسية مادة أو تخصصا يجمع من كل التخصصات، إذ تتطلب الدراسات الجيوسياسية معرفة لا بأس بها بعلوم مثل، الاقتصاد والتاريخ وعلم الاجتماع والعلوم السياسية والصناعات الحربية وعلم الاجتماع. ورغم شيوع استعمال جيوبولتيك، وهو تركيب لكلمتي الأرض والسياسة مع دلالة عسكرية والأمن القومي، إلا أن الباحثين يستعملون مثلا جيوإكونومي بمعنى «جيواقتصاد» و»جيو إعلام». وتوجد دراسات جيوسياسية مكتوبة من زاوية اقتصادية أكثر من زاوية سياسية أو من زاوية ثقافية أكثر من سياسية. ويبقى هدف الدراسات الجيوسياسية هو المساعدة على اتخاذ القرار، لاسيما بالنسبة للحكومات، وتصبح ضرورية عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات الحاسمة في العلاقات الدولية، وفيما يتعلق بالجانب العسكري وضمان الأمن القومي ومكانة وسط الأمم. وعادة ما ترتبط هذه القرارات زمنيا بالمدى المتوسط والبعيد، لأنه إذا أردنا تعريفا ميدانيا لهذا التخصص فهو، دراسة المستقبل السياسي والعسكري والاقتصادي والثقافي لأمة في علاقاتها بباقي الأمم، سواء في محيطها المباشر أو غير المباشر والبعيد جغرافيا، إذ لا يمكن إنجاز دراسة جيوسياسية حول دولة افريقية معينة، من دون ليس فقط دراسة علاقاتها بمحيطها الافريقي، بل بدول من حجم الصين والولايات المتحدة رغم البعد الجغرافي. وتعتبر مراكز التفكير الاستراتيجي مرادفا للدراسات الجيوسياسية بامتياز، وتنتج الكثير من الدراسات وفق نظريات مرتبطة في العمق عموما برؤية ومصالح الدول التي ينتمي إليها الباحثون. وهذا التخصص هو أقرب إلى التاريخ من حيث الهوية، توجد نظريات وتصورات للتاريخ، لكن كل دولة تتوفر على رؤية معينة للتاريخ، تتماشى وهويتها الوطنية وإرثها الحضاري. وهذا لا يحصل في حالة جيوبولتيك عموما، فهذا التخصص حديث وهو من اختصاص الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، ثم القوى الكبرى الجديدة مثل الصين وروسيا. لهذه القوى تصورات جيوسياسية خاصة بها بينما غالبية دول العالم تفتقر لتصور محدد.

مضمون أطروحات كبار منظري جيوبولتيك لا تناسب دول الجنوب، لأنها مصاغة لفضاءات تختلف عن فضاءات الجنوب، اختلافات تمس التاريخ والثقافة والاقتصاد والمستوى العسكري

وانتبهت دول الجنوب الى أهمية الدراسات الجيوسياسية، وأصبحت كل دولة تريد صياغة خريطة طريق جيوسياسية خاصة بها للمستقبل. وتصطدم هذه التطلعات بعائقين الأول، يتجلى في ضعف الدراسات الجيوسياسية في دول الجنوب بحكم محدودية دور الجامعة، التي تبقى حديثة التأسيس بعد الاستقلال عموما. ويتمثل العائق الثاني، في قلة الباحثين القادرين على صياغة نظريات خاصة بالجنوب باستقلالية عن السلطة السياسية، ومن دون السقوط في البروباغندا، وهذا يفتح الباب أمام أشباه الخبراء، إذ أن معظم نظريات جيوبولتيك من إنتاج مفكرين ينتمون الى الدول الكبرى، وهي ترسم معالم الحفاظ على التفوق ومواجهة المنافسين والانتشار في العالم. وعليه، مضمون أطروحات كبار منظري جيوبولتيك لا تناسب دول الجنوب، لأنها مصاغة لفضاءات تختلف عن فضاءات الجنوب، اختلافات تمس التاريخ والثقافة والاقتصاد والمستوى العسكري والأهداف المسطرة مستقبلا ضمن قضايا أخرى. علاوة على هذا، نظريات الغرب تهدف إلى الحفاظ على قوة الغرب، بينما دول الجنوب تحتاج لمفكرين يصيغون نظريات تعمل على صعود الجنوب واكتسابه القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية. ولهذا، فهذه الدراسات تتطلب أولا تطوير نظريات تتعلق بالعلاقات الإقليمية لدول الجنوب من خلال بناء التجمعات الإقليمية، ثم صياغة العلاقات مع القوى الكبرى. واللافت في كثير من الدراسات الجيوسياسية هو انتقاد الغرب والترحيب في المقابل بالصين وروسيا، وكأن قدر الجنوب بدوله وشعوبه هو البحث الدائم عن وصي، بدل التفكير انطلاقا من مصالح الجنوب. ويعد انتقاد الغرب واعتبار الصين بديلا، عملية تغيير وصي بوصي آخر. ولا تعد الصين نموذجا للديمقراطية وسيادة القانون، فهي دولة تفتقر للديمقراطية الداخلية، ولكنها منصفة في علاقاتها الخارجية، بينما الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تمارس ديمقراطية داخلية متطورة لصالح شعوبها وغير منصفة في علاقاتها الخارجية، بل منحازة في الكثير من الملفات مثلما يحدث الآن في حرب قطاع غزة. ودائما تساعد محطات تاريخية لفهم ظهور وعي بقضايا معينة، ونجد المنعطف الحقيقي بشأن رؤية جيوسياسية في الجنوب مستقلة عن الشمال، ولا تعتمد الشعارات السياسية التي كانت جوفاء في الغالب بعد الاستقلال، في حادثين، كورونا وحرب أوكرانيا – روسيا. علاقة بالحدث الأول، وجدت معظم دول العالم الثالث نفسها محرومة من الكثير من المواد، خاصة الطبية، حيث كل الدول الغربية وروسيا والصين فضلت تلبية حاجياتها أولا قبل التفكير في الآخر. وهنا بدأ التفكير في بناء الذات الوطنية، ما تطلب البحث عن مفكرين وباحثين مختصين في الجيوسياسة. وتجلى الحدث الثاني في رفض معظم دول العالم الثالث الانضمام الى المخطط الغربي لإدانة روسيا في الحرب الأوكرانية، وهذا يعني أنه يجب على الغرب عدم تعميم مشاكله. وكان المفكر والسياسي الفرنسي دومينيك فيلبان قد صرح وقتها «الجنوب لا ينضم إلينا لأن هذه الحرب ليس حربه».
ومقارنة بين دول الجنوب، تنفرد تلك التي لديها مشاريع طموحة مثل تركيا والبرازيل وإيران وجنوب افريقيا وإندونيسيا، بإنتاج فكر جيوسياسي متميز يتماشى ومشاريع أممها وأوطانها، من خلال أجندة مواضيع دقيقة هي الطاقة النووية السلمية والصناعة الحربية والصناعة المدينة المتقدمة واستقلالية القرار السياسي.

حسين مجدوبي – كاتب مغربي

صحيفة القدس العربي




فيتسو ورئيسي وأردوغان وفوتشيتش: هل حان وقت الاغتيالات السياسية؟

سلسلة حوادث مثيرة للشك، وقعت في أيار/مايو الجاري. فهل هناك جهة معينة تقف وراءها؟ حول ذلك، كتب سيرغي ميركين، في “أوراسيا ديلي”:

تميز شهر أيار/مايو بعدد من الأحداث البارزة والمأساوية التي أدت إلى إبعاد العديد من السياسيين العالميين عن الحياة السياسية النشطة. بعضهم، إلى الأبد.

في 15 أيار/ مايو، أطلق يوراي تسينتولا النار على رئيس الوزراء السلوفاكي روبرت فيتسو؛ وفي 19 مايو، تحطمت الطائرة المروحية التي أقلت الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي والعديد من المسؤولين الآخرين رفيعي المستوى في الجمهورية الإسلامية؛ وفي تركيا، تم الكشف عن مؤامرة للإطاحة بالرئيس رجب طيب أردوغان، بدعم من مسؤولين في وزارة الداخلية التركية؛ وفي السادس عشر من الشهر نفسه، تم اعتقال رجل في صربيا لتهديده بقتل الرئيس ألكسندر فوتشيتش. ونُشر خبرٌ عن محاولة لاغتيال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان آل سعود، إلا أن هذه المعلومة تم نفيها لاحقا.

ما الذي يوحد هؤلاء السياسيين؟ جميعهم لا يناسبون المؤسسة الليبرالية العولمية الغربية، لأنهم لا يريدون التصرف وفقا لـ “القواعد” الموضوعة في واشنطن. بالطبع، هناك أيضًا احتمال أن يكون تسينتولا مريضا نفسيا لا أحد وراءه، وأن تكون مروحية الرئيس الإيراني قد تحطمت بسبب سوء الأحوال الجوية. وإلى أن يثبت العكس، لا يمكن استبعاد هذه الخيارات.

عندما يسود الاستقرار النسبي في الجغرافيا السياسية، نادرا ما تؤدي الاغتيالات السياسية إلى عواقب وخيمة؛ لكن الأمر مختلف عندما تحدث اضطرابات في العالم السياسي.

ويبدو أن المؤيدين المتطرفين للهيمنة الغربية قد أدركوا أنه لا يمكنهم خلق اضطرابات باستخدام الأساليب التقليدية، فها هم الآن يهزون الوضع في جميع أنحاء الكوكب، على أمل إشعال حرب عالمية، أملا في أن يؤدي ذلك إلى بقاء نموذجهم للنظام العالمي، بل وتعزيزه. والاغتيالات السياسية هي إحدى وسائل إيصال الأمور إلى بداية هذه الحرب.

روسيا اليوم




مقتل رئيسي خسارة للقوقاز

حول عواقب مقتل الرئيس الإيراني، كتب الخبير في معهد شمال القوقاز-فرع الأكاديمية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة التابعة للرئاسة الروسية، سيرغي ريشتنياك، في “أوراسيا ديلي”:

بفضل السيد إبراهيم رئيسي إلى حد كبير، أصبحت إيران لاعباً قويًا حقيقيًا على الساحة الدولية، كما زاد نفوذ إيران في منطقة القوقاز، بالدرجة الأولى، بفضل السياسة الاقتصادية الهادفة والخطوات النشطة لإنشاء ممر تجاري بين الشمال والجنوب، من روسيا إلى دول جنوب شرق آسيا، ما أدى إلى تدفق الاستثمارات إلى أذربيجان وأرمينيا.

ولهذا السبب، وعلى الرغم من المواجهة الداخلية بين الزعيمين الأرميني والأذربيجاني، أعرب كلاهما عن تعازيه الصادقة للشعب الإيراني، لأن هذه ليست خسارة لإيران فحسب، بل ولهما. فإيران، إلى جانب روسيا، وتركيا، ضمنت الأمن في المنطقة من تغلغل ممثلي الحركات المتطرفة من الشرق الأوسط.

إن مقتل رئيسي يخلق صعوبات لإيران، لكن ذلك لن يؤثر في مسار الدولة الإيرانية. صحيح أن إيران سياسيًا قويًا، لكن قضيته سوف تستمر بالتأكيد. ولطالما واجه العالم الإسلامي عدم الاستقرار بسبب المواجهة بين القوى الثلاث الأقوى – إيران وتركيا والمملكة العربية السعودية.

بدأت الموارد الإعلامية لحلف الناتو تتحدث عن تصعيد محتمل للعنف في المنطقة بعد مقتل رئيسي، لكن من غير المرجح أن يحدث هذا. وذلك ما تشير إليه ردود فعل دول المنطقة.

سوف تُبذل جهود لزعزعة استقرار الوضع في المنطقة، لكن من المستبعد أن تؤدي إلى نتائج كارثية، ما لم يتم العثور على أثر أنغلوسكسوني في حادث تحطم مروحية رئيسي. ولكن حتى في هذه الحالة هناك احتمال كبير لأن ترد إيران بشكل خفي، كما جرت العادة في الشرق.

روسيا اليوم




من الخميني إلى رئيسي… إليكم أبرز الجنازات «الضخمة» لشخصيات إيرانية

ولطالما أقامت طهران جنازات ضخمة للعديد من الشخصيات البارزة. وفي ما يلي أكبر الجنازات في إيران بدءاً من أحدثها، جنازة رئيسي:

يتجمع المشيعون حول شاحنة تحمل نعوش الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي ورفاقه (أ.ب)

3 أيام… من تبريز إلى مشهد

بحسب وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، تجمعت حشود في ساحة وسط تبريز ولوحت بأعلام وصور لرئيسي الذي قضى عن 63 عاماً وللقتلى السبعة الآخرين في الحادث.

ونُقلت النعوش الثمانية مغطاة بالعلم الإيراني على متن شاحنة وسط الحشود.

ووفق ما ذكرت «تسنيم»، فإن مراسم وداع رئيسي وعبداللهيان ومرافقيهما ستقام حتى مصلى مدينة تبريز، ومن هناك سيتم نقلهم إلى مشهد.

المعزون الإيرانيون يلمسون النعوش وهم يقدمون التعازي بالرئيس الراحل إبراهيم رئيسي ومساعديه خلال موكب جنازة في تبريز (أ.ب)

وبدأت مراسم التشييع في الساعة 0930 صباحاً، لكن حضور الناس كان كبيراً لدرجة أنه لم يعد هناك مكان والحشد كبير للغاية، وفقاً للوكالة.

وستقام مراسم تشييع جثامين رئيسي ومرافقيه، الثلاثاء، في تبريز وبعد الظهر في مدينة قم، كما ستقام مساءً مراسم توديع الجثامين في مصلى العاصمة طهران، وستنطلق صباح الأربعاء مراسم التشييع من جامعة طهران إلى ساحة آزادي (الحرية) بالعاصمة طهران، حيث ستقام عصراً مراسم بحضور ضيوف ووفود أجنبية في طهران، بحسب الوكالة.

الآلاف يشاركون في موكب جنازة رئيسي ومساعديه السبعة (د.ب.أ)

كما ستقام صباح الخميس مراسم التشييع في خراسان الجنوبية، وفي مساء هذا اليوم ستقام مراسم دفن جثمان رئيسي في حرم الإمام الرضا في مدينة مشهد الإيرانية، بحسب «تسنيم».

ولقي الرئيس الإيراني حتفه، برفقة وزير الخارجية، الأحد، إثر تحطم مروحية كانت تقلهما في منطقة ورزقان بمحافظة أذربيجان الشرقية في شمال غربي البلاد في أعقاب لقاء بين رئيسي ورئيس أذربيجان المجاورة إلهام علييف.

الخميني

في 3 يونيو (حزيران) 1989، في الساعة 22:20 بتوقيت غرينتش، توفي المرشد الإيراني الأول الخميني، في جماران بطهران الكبرى عن عمر ناهز الـ86 عاماً بعد أن أمضى أحد عشر يوماً في جلسة خاصة في مستشفى بالقرب من إقامته، بعد إصابته بخمس نوبات قلبية في عشرة أيام.

وأقيم للخميني جنازة رسمية ثم دُفِن في مقبرة بهشت الزهراء (جنة الزهراء) في جنوب طهران.

وحسب الإحصاءات التي قدمتها السلطات الإيرانية حينذاك، فإن عدد المشاركين في هذه المراسم فاق الـ10 ملايين و200 ألف مشارك.

تم نقل التابوت مع جثة الخميني إلى المصلى وهي قطعة أرض شاغرة في شمال طهران وعُرضت الجثة هناك على منصة عالية مصنوعة من حاويات شحن فولاذية في علبة زجاجية مكيفة الهواء ملفوفة في كفن أبيض (متداولة)

في 5 يونيو (حزيران)، تم نقل التابوت مع جثة الخميني إلى المصلى، وهي قطعة أرض شاغرة في شمال طهران وعُرضت الجثة هناك على منصة عالية مصنوعة من حاويات شحن فولاذية، في علبة زجاجية مكيفة الهواء، ملفوفة في كفن أبيض، بقيت هناك حتى اليوم التالي. وكان مئات الآلاف من المعزين قد رأوا الجثة.

وفي 6 يونيو (حزيران)، تم إنزال الجثمان وفتح التابوت لمحمد رضا كلبايکاني لإمامة صلاة الجنازة التي استمرت 20 دقيقة. بعد ذلك، بما أن حشود المعزين قد تضخمت بين عشية وضحاها لتصل إلى ملايين عدة، كان من المستحيل تسليم الجثمان إلى المقبرة عبر طهران إلى الجزء الجنوبي من المدينة في موكب.

وفي نهاية المطاف، تم نقل الجثة إلى طائرة هليكوبتر تابعة لطيران الجيش وتم نقلها جواً إلى المقبرة.

هاشمي رفسنجاني

في 10 يناير (كانون الثاني) 2017، شارك عشرات الآلاف من الإيرانيين في تشييع جنازة الرئيس السابق علي هاشمي رفسنجاني. وأمّ صلاة الجنازة التي أقيمت في طهران آنذاك المرشد علي خامنئي.

وبدت في المشاهد التي عرضها التلفزيون الحكومي يومها أعداد كبيرة من الناس محتشدة في الشوارع المحيطة بجامعة طهران.

كان رفسنجاني من أقوى المؤيدين لروحاني وأشد المساندين للاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع القوى الدولية الكبرى (إ.ب.أ)

وكانت حشود المشيعين تهتف وهي تحمل صور الرئيس السابق، وقد ازدحموا في الشوارع بينما كان يُنقل النعش إلى المنطقة التي دفن فيها الخميني، حيث دفن رفسنجاني في ضريح الخميني.

حشود المشيعين يحيطون بنعش رفسنجاني (إ.ب.أ)

وتوفي هاشمي رفسنجاني في مستشفى الشهداء في العاصمة الإيرانية طهران عن عمر ناهز 82 عاماً. وكانت ولاية هاشمي رفسنجاني في الرئاسة قد انتهت قبل عشرين عاماً مضت، لكنه ظل شخصية مؤثرة في السياسة الإيرانية، وزعيماً للإصلاحيين والمعتدلين.

تدفق الآلاف الإيرانيين إلى الشوارع حول جامعة طهران للمشاركة في جنازة رفسنجاني (رويترز)

وفي ذلك الوقت، نقلت شبكة «بي بي سي» عن محللين قولهم إن جنازته تحولت استعراضاً للقوة من جانب التيار الإصلاحي المعتدل في إيران.

سليماني

في 3 يناير (كانون الثاني) 2020، قُتل قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري» قاسم سليماني في غارة جوية أميركية بطائرة مسيّرة من دون طيار بالقرب من مطار بغداد الدولي. وأقيمت مراسم تشييع جنازة سليماني في الفترة الممتدة من الرابع وحتى السابع من يناير (كانون الثاني) 2020.

وخرج مئات الآلاف من الأشخاص إلى شوارع طهران لحضور جنازة سليماني (إ.ب.أ)

وتمت هذا المراسم في بعض مدن العراق وعدد من مدن إيران، بما في ذلك بغداد وكربلاء والنجف والأحواز ومشهد والعاصمة طهران وكذلك في قم، وأخيراً في مسقط رأسه كرمان.

وُصفت الجنازة في الداخل الإيراني بأنها الأكبر منذ جنازة الخميني.

نعش سليماني (رويترز)

كما وصفت شبكة «سي إن إن» أعداد المُشيّعين الذين شاركوا في الجنازة بطهران بأنهم «بحرٌ من الناس»، في حين قدر التلفزيون الحكومي الإيراني عدد المشيعين في طهران فقط بـ7 ملايين شخص.

كانت جنازة سليماني الأضخم بعد الخميني (إ.ب.أ)

وصلّى المرشد علي خامنئي على سليماني خلال مراسم الجنازة إلى جانب الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني ومسؤولين آخرين على رأسهم قائد «فيلق القدس» الجنرال إسماعيل قاآني.

لينا صالح

صحيفة الشرق الأوسط




إبراهيم رئيسي.. رئيس إيران الذي نشأ في الحوزات وتدرّج في القضاء

تعرّضت طائرة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي اليوم الأحد لـ”حادث” خلال زيارته إلى محافظة أذريبجان الشرقية، حيث كان يرافقه وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، ولا يزال مصيره مجهولا.

وطمأن المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، مساء الأحد، خلال لقاء مع أسر بعض أعضاء الحرس الثوري، بأنه “لن يحدث أي خلل في شؤون البلاد”، في أول تعليق له على سقوط طائرة الرئيس الإيراني، فيما تسخّر إيران إمكانات كبيرة للتعامل مع الحادث.

بعد مرور نحو عدة ساعات على حادث طائرة الرئيس الإيراني، ما يزال مصيره مجهولاً؛ بعد الإعلان عن تعرّض طائرة كانت تقلّه مع وزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان ومسؤولين آخرين لحادث في محافظة أذربيجان الشرقي شمال غربي إيران. وكان الرئيس الإيراني قد توجه في وقت سابق اليوم إلى موقع حدودي بين إيران وجمهورية أذربيجان لافتتاح سد “قيز قلعه سي” في منطقة أرس، بمشاركة نظيره الأذربيجاني إلهام علييف.

وفاز إبراهيم رئيسي بالانتخابات الرئاسية الإيرانية الـ13، التي أجريت في يونيو/ حزيران 2021، ليصبح الرئيس الثامن للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكان فوزه متوقعاً بنسبة كبيرة. رئيسي كان مرشح التيار المحافظ على الرغم من تأكيده أنه ليس محسوباً على تيار بعينه، وهذا التبني ضمن له أصوات أبناء التيار في المجتمع، فضلاً عن أصوات شرائح أخرى.

وكان في انتظار رئيسي أزمات وتحديات كبيرة، داخلياً وخارجياً، وعد أن يحلها اعتماداً على القدرات الداخلية للبلاد، لكن مراقبين شككوا في ذلك، ورأوا أن هذه الأزمات متشابكة جداً ويصعب حلها من دون تحقيق انفراجة في العلاقات الخارجية الإيرانية بالذات مع الغرب. أما الأوساط المحافظة حينها فتحدثت عن أنه في مقدور البلاد تجاوز هذه العقبة عبر تنمية العلاقات مع الشرق، خاصة روسيا والصين.

وتصدرت الأزمة الاقتصادية أزمات إيران، والتي أصبحت مرتبطة بالعقوبات الأميركية المفروضة على طهران منذ أكثر من ثلاث سنوات، فضلاً عن مشكلات بنيوية في الاقتصاد الإيراني، إضافة إلى المفاوضات النووية التي تجريها إيران مع أميركا، ولا سيما أن إبراهيم رئيسي محسوب على التيار المحافظ المتحفظ على هذه المفاوضات.

معلومات عن إبراهيم رئيسي

إبراهيم رئيسي رجل دين محافظ، ولد في مدينة مشهد شرقي إيران عام 1960، ودرس في الحوزة العلمية في مشهد، قبل مواصلة دراسته الدينية لاحقاً في مدينة قم، العاصمة الدينية للثورة الإسلامية الإيرانية، والتي تخرّج منها ودرّس فيها كبار قادتها، في مقدمتهم آية الله روح الله الموسوي الخميني الذي قاد الثورة الإسلامية.

كان رئيسي إبان انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 في التاسعة عشرة من عمره، ولذلك لا يعتبر من الفاعلين فيها، وتشير التقارير الإعلامية إلى مشاركته في الاحتجاجات والمسيرات المناهضة للنظام البهلوي السابق إلى جانب زملائه في الحوزات العلمية الإيرانية.  

رئيسي متزوج من بنت رجل الدين الإيراني أحمد علم الهدى، المعروف بمواقفه المتشددة في السياستين الداخلية والخارجية، والذي يمثل الولي الفقيه في محافظة خراسان الرضوية، فضلا عن عضوية علم الهدى بمجلس خبراء القيادة المخوّل تعيين وعزل المرشد.

لم يسبق أن تولى إبراهيم رئيسي منصباً سياسياً أو تنفيذياً في السلطة التنفيذية، وهو يمتلك في الأساس خبرة قانونية وقضائية، وتدرج في السلك القضائي بعد أن انضم إلى الجهاز القضائي الإيراني بعد عام على انتصار الثورة في 1981، ليصبح في العشرين من عمره مدّعياً عامّاً لمدينة كرج القريبة من العاصمة، من ثم تولى المنصب ذاته في مدينة همدان غربي البلاد.

ومن العام 2004 إلى 2014، تولى رئيسي منصب نائب رئيس السلطة القضائية، ثم عُيّن في منصب النائب العام في البلد، واستمر فيه عامين تقريباً، قبل أن يعينه المرشد الإيراني الأعلى سادن (خادم) العتبة الرضوية في مشهد، مرقد علي بن موسى الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة، وهو من أهم المناصب الدينية في البلاد. وبعد ذلك، منذ مارس/آذار 2019، عيّنه المرشد الإيراني رئيساً للسلطة القضائية خلفاً لصادق آملي لاريجاني، الرئيس الحالي لمجمع تشخيص مصلحة النظام.

بعد تعيينه رئيساً للسلطة القضائية، أطلق إبراهيم رئيسي مشروعاً لإجراء إصلاحات في السلطة، عرف بمشروع إحداث التحول فيها، ليبدأ في إطاره مكافحة الفساد في السلطة واعتقال قضاة ومسؤولين فيها وإخضاعهم للمحاكمة، كان في مقدمتهم نائب الرئيس السابق للسلطة أكبر طبري الذي حكم عليه بالسجن 31 عاماً خلال مارس/آذار الماضي.  

كما أنه، في خطوة غير مسبوقة في الجهاز القضائي الإيراني، أدرج أسماء من تصفهم السلطات بـ”السجناء الأمنيين” في قوائم سجناء يطلب رئيس الجهاز من المرشد الإيراني إصدار العفو عنهم في المناسبات الداخلية.  

جرّب رئيسي حظوظه في السباق الرئاسي عام 2017، ونازل الرئيس حسن روحاني بوصفه أحد أهم المرشحين المحافظين، لكنه لم يفز وحلّ ثانياً بعد حصوله على 16 مليون صوت، وفاز روحاني لولاية ثانية بعد حصوله على 24 مليون صوت بدعم من الإصلاحيين.

وفي بيان إعلان ترشحه، قال رئيسي إنه يترشح للانتخابات “مستقلاً، لإحداث التحول في إدارة السلطة التنفيذية ومكافحة الفقر والفساد والاحتقار والتمييز”، مؤكداً أنه يحترم جميع المرشحين والتيارات السياسية. وبعد تسجيل ترشحه في الداخلية الإيرانية، ركز رئيسي على الأزمة الاقتصادية في البلاد و”البطالة والغلاء”، قائلاً: “إنني أرى نفسي منافساً للفساد والأرستقراطية وليس لتيار أو أحزاب سياسية”. وأضاف أن “لا انسداد في البلاد”. 

المصدر: صحيفة العربي الجديد




مسؤولان أمريكيان أجريا محادثات غير مباشرة مع إيران لتجنب التصعيد بالمنطقة

أجرى اثنان من كبار المسؤولين في إدارة الرئيس جو بايدن محادثات غير مباشرة مع مسؤولين إيرانيين في سلطنة عُمان هذا الأسبوع حول كيفية تجنب تصعيد الهجمات الإقليمية، حسبما أفاد موقع “أكسيوس”.

المحادثات ركزت على توضيح عواقب تصرفات إيران وحلفاء طهران في المنطقة ومناقشة المخاوف الأمريكية بشأن وضع البرنامج النووي الإيراني

وبحسب ما ورد،  كانت المحادثات- التي شارك فيها كبير مستشاري الرئيس بايدن لشؤون الشرق الأوسط، بريت ماكغورك، وأبرام بالي القائم بأعمال المبعوث الأمريكي لإيران – هي الجولة الأولى من المناقشات بين الولايات المتحدة وإيران منذ يناير، عندما عقدت مفاوضات مماثلة في سلطنة عُمان.

وجرت المحادثات بعد ما يزيد قليلا عن شهر من الهجوم الصاروخي غير المسبوق الذي شنته إيران على إسرائيل في 13 أبريل.
ووضع الهجوم منطقة الشرق الأوسط على شفا حرب إقليمية.
وأطلقت إيران 350 صاروخًا باليستيًا وطائرة بدون طيار باتجاه إسرائيل ردًا على اغتيال إسرائيل للجنرال محمد رضا زاهدي، أحد كبار جنرالات فيلق القدس الإيراني المسؤول عن العمليات العسكرية لتلك الدولة في لبنان وسوريا.

وكان هذا أول هجوم مباشر على إسرائيل يتم إطلاقه من الأراضي الإيرانية.
وكان زاهدي قد قُتل في غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى بالقرب من السفارة الإيرانية في دمشق.
وقد تم الرد على  الهجوم الإيراني عبر جهد عسكري جوي وصاروخي مشترك غير مسبوق من قبل إسرائيل والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا والأردن والمملكة العربية السعودية.

وبعد عدة أيام من الهجوم، ردت إسرائيل بضربة استهدفت نظام الدفاع الجوي S-300 في قاعدة جوية إيرانية.
وأشار “أكسيوس” إلى أن أحد الأهداف الرئيسية لإدارة بايدن منذ 7 أكتوبر كان ولا يزال منع الحرب الإسرائيلية على غزة من أن تؤدي إلى حرب إقليمية.

ومن غير الواضح من الذي يمثل إيران في المحادثات.
وقالت المصادر إن المحادثات ركزت على توضيح عواقب تصرفات إيران ووكلائها في المنطقة ومناقشة المخاوف الأمريكية بشأن وضع البرنامج النووي الإيراني.
وألمح العديد من المسؤولين الإيرانيين في الأسابيع الأخيرة إلى إمكانية تحرك إيران نحو إنتاج الأسلحة النووية.
وقال فيدانت باتيل، نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية، يوم الاثنين، إن إدارة بايدن لديها طرق للتواصل مع إيران عند الضرورة.

وأضاف: “تواصل إدارة بايدن تقييمها بأن إيران لا تقوم حاليًا بالأنشطة الرئيسية التي قد تكون ضرورية لإنتاج جهاز نووي قابل للاختبار”.
وأضاف باتيل أن الولايات المتحدة لا تعتقد أن المرشد الأعلى الإيراني قد اتخذ قرارا “باستئناف برنامج التسلح الذي نحكم على إيران بتعليقه أو إيقافه في نهاية عام 2003”.
ورفض البيت الأبيض ووزارة الخارجية التعليق على المحادثات في سلطنة عُمان، وفقاً لموقع “أكسيوس.

المصدر: موقع أكسيوس

ترجمة: رائد صالحة – القدس العربي