1

واشنطن بوست: خطة إماراتية لغزة ما بعد الحرب واجتماع سري في أبو ظبي وقائمة أسماء لقيادة فلسطينية متجددة

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للمعلق ديفيد إغناطيوس بعنوان “الإمارات العربية المتحدة تحاول تنفيذ اتفاقيات إبراهيم جديدة في غزة”، كشف فيه عن قنوات سرية شاركت فيها الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة الأسبوع الماضي، برعاية من الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتي، ورون ديرمر الذي يعتبر من المقربين البارزين لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبريت ماكغيرك، مسؤول ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض.

وأضاف الكاتب أنه في الوقت الذي سيلقي فيه نتنياهو خطابه أمام الكونغرس الأربعاء، كان موفده الدبلوماسي الأبرز يستكشف مع الإماراتيين والأمريكيين، مقترحات جديدة وخلاقة حول “اليوم التالي” في غزة. وناقش الدبلوماسيون دورا لسلطة فلسطينية “متجددة” تدعو وتمنح دولا عربية وأوروبية ومن دول العالم النامي “تفويض إعادة الاستقرار” في غزة.

وناقش المجتمعون قائمة لقادة محتملين للسلطة الفلسطينية وعلى رأسها رئيس الوزراء السابق سلام فياض. وتبدو هذه النقاشات مهمة، في ضوء رفض نتنياهو للسلطة الفلسطينية وتجنبه تقديم خطة مفصلة حول اليوم التالي. إلا أنها قد تثير الآمال الكاذبة في ظل الملامح الأخرى من مأساة غزة، حيث لايزال الواقع على الأرض هو قتال وحشي.

ناقش المجتمعون قائمة لقادة محتملين للسلطة الفلسطينية وعلى رأسها رئيس الوزراء السابق سلام فياض المدعوم من الإمارات

ويقول إغناطيوس إن المبادرة تقدمت بها الإمارات التي طورت علاقات وثيقة مع إسرائيل ونتنياهو خلال المفاوضات على اتفاقيات إبراهيم عام 2020. وبطريقة ما، يمكن اعتبار الحوار بأنه “إحياء لاتفاقيات إبراهيم” على حد تعبيره.

وناقش المسؤولون العرب والإسرائيليون والأمريكيون تفاصيل بدون الكشف عن هويتهم. وكان موقع “أكسيوس” قد كشف يوم الثلاثاء عن اللقاء في أبو ظبي.

ويضيف الكاتب أن الإماراتيين بادروا بعقد اللقاء نظرا لإحباطهم من غياب التفكير الخلاق بشأن غزة ما بعد الحرب. وقدم عبد الله بن زايد سلسلة من الأفكار حول إدارة الموضوعات الأمنية والسياسية بعد نهاية ما تراه إدارة بايدن المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار. ولخصت الإمارات أفكارها في ورقة بيضاء أرسلت إلى البيت الأبيض يوم الثلاثاء.

وجوهر المقترح الإماراتي هو قيام السلطة الفلسطينية “المتجددة”، وباعتبارها السلطة الشرعية المعترف بها في غزة، بدعوة شركاء دوليين لدعم الأمن والمساعدات الإنسانية في مرحلة “تفويض إعادة الاستقرار”، والتي قد تستغرق عاما. وتدعم الإمارات فياض، رئيس الوزراء ما بين 2007- 2013 كزعيم للجهود الإصلاحية. ويقبل الإسرائيليون على ما يبدو به، لكن فياض لم يرد على أسئلة من الكاتب يوم الثلاثاء.

ويفترض المقترح الإماراتي قدرة  السلطة الفلسطينية على طلب الدعم العسكري والأمني من بلدان عدة. ورغم رفض نتنياهو الدائم للسلطة، إلا أن ديرمر أبلغ الحاضرين بأن إسرائيل قد تدعم هذا النهج. ومن الدول العربية التي يمكن ان تشارك وتقدم الدعم هي قطر ومصر والمغرب والإمارات نفسها. وناقشت الأطراف في الاجتماع دعما أمنيا محتملا من دول غير عربية أيضا، بما فيها إيطاليا ورواندا وأندونيسيا والبرازيل ودول آسيا الوسطى.

 وستقدم الولايات المتحدة الأمريكية مركز قيادة وتحكم ودعم لوجيستي من قاعدة قريبة في مصر، إلى جانب دعم من متعهدين أمنيين أمريكيين، وهو جزء من الخطة قد يثير الجدل. وناقشت مجموعة القنوات السرية الحصول على دعم لخطة إعادة الاستقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة وليس مجلس الأمن، هربا من الفيتو الروسي أو توقف المفاوضات.

وسيتبع “تفويض إعادة الاستقرار” مرحلة باسم “تفويض إعادة الإعمار” والذي قد يمتد على سنوات. وقدمت الإمارات في الورقة البيضاء، الأفكار الأساسية: فبعد توقف القتال، سترسل السلطة الفلسطينية المتجددة دعوات للجهات التي ستقدم الأمن. ويجب على إسرائيل الموافقة وعدم محاولة تقويض الجهود في غزة من خلال اتخاذ خطوات استفزازية في الضفة الغربية تؤدي لتفجر الوضع هناك.

جوهر المقترح الإماراتي هو قيام السلطة الفلسطينية “المتجددة”، بدعوة شركاء دوليين لدعم الأمن والمساعدات الإنسانية في مرحلة “تفويض إعادة الاستقرار”، والتي قد تستغرق عاما.

ويأمل الإماراتيون أن تقدم الولايات المتحدة “خريطة طريق” معدلة تؤدي في النهاية إلى دولة فلسطينية، مع أن إسرائيل لن توافق عليها. وتتصور الخطة الإماراتية توسيعا للمحور المدعوم دوليا والتحرك من الشمال حتى الجنوب، وبمنطقة بعد الأخرى. ويشبه هذا النهج ما اقترحه وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت عن خلق “فقاعات” أمنية، مع أن المبعوث الإسرائيلي لم يتحدث عن هذا. ورفض نتنياهو مقترح غالانت، إلا أن مجرد حضور ديرمر يعني موافقته على نسخة جديدة لخطة وزيره السابقة.

ويقول إغناطيوس إن الإمارات باتت تلعب دورا متزايد في غزة، حيث أقامت مستشفى ميدانيا، ولعبت دورا في الجهود الإنسانية. واعتمدت على شبكة القيادي السابق في السلطة الفلسطينية محمد دحلان الذي يعيش في أبو ظبي.

ويظل دحلان شخصية مثيرة  للجدل داخل الأوساط الفلسطينية، وليست لديه نية للعودة إلى قطاع غزة حسب قول المسؤولين. إلا أن الإماراتيين يأملون بمواصلته ومن خلف الأضواء استغلال شبكته من الداعمين القدامى.

ويعلق الكاتب أن مشاركة فريق نتنياهو الذي ظل يتعامل باحتقار مع خطط اليوم التالي، أمر مشجع، لكن المطلب الحقيقي في غزة، الشرط الذي لا غنى عنه هو نهاية الحرب، وحوار أبو ظبي رغم كونه مشجعا لم يفعل أي شيء لإسكات البنادق.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش




فايننشال تايمز: 4 أولويات إماراتية لاستقرار غزة.. قوة دولية مؤقتة بدون العودة للوضع الراهن

دعت لانا نسيبة، الوزيرة المساعدة للشؤون السياسية، والمبعوثة الخاصة لوزير الخارجية الإماراتي للشؤون الخارجية، إلى قوة دولية مؤقتة في غزة، قائلة إن دول المنطقة تستطيع لعب دور مهم لتحقيق السلام.

وفي مقال نشرته صحيفة “فايننشال تايمز”، قالت إن الإمارات قامت، قبل أسبوعين بإجلاء مجموعة من الأطفال الذين أصيبوا إصابات خطيرة، ومرضى السرطان من غزة إلى أبو ظبي. مشيرة إلى أن هذه هي المهمة الإنسانية الـ 18 التي قامت بها الإمارات لتخفيف الكارثة الإنسانية التي تعيشها غزة منذ تسعة أشهر. وقالت إن الإمارات أدخلت 39,000 طن من المساعدات العاجلة، وأنشأت تسع محطات لتحلية المياه، ومستشفى عائماً لمعالجة الجرحى، وأقامت مستشفى ميدانياً.

نسيبة: يجب أن تغير جهودُ “اليوم التالي” مسارَ النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني باتجاه إنشاء دولة فلسطينية تعيش بسلام وأمن إلى جانب إسرائيل

وقالت إن الإمارات، مع الشركاء، كانت في مقدمة الرد على الكارثة في غزة. فمع مقتل حوالي 40,000 وجرح 90,000 شخص، حسب المسؤولين الفلسطينيين، بات من الواضح أن وقف إطلاق النار، والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين بات أمراً مهماً. وهو ما دعت إليه الإمارات بدون توقف خلال فترة رئاستها الدورية لمجلس الأمن الدولي. وقالت إن الإمارات دعمت جهود الوساطة التي تقوم بها قطر ومصر والولايات المتحدة.

وقالت نسيبة إن الحوار الدائر بين دول المجتمع الدولي حول النهج الواجب اتخاذه في مرحلة ما بعد الحرب بغزة، فقد كانت الإمارات واضحة، فالهدف يجب ألا يكون هو العودة للوضع الراهن الذي سبق 7 تشرين الأول/أكتوبر. ويجب أن تغير جهود “اليوم التالي” مسار النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني باتجاه إنشاء دولة فلسطينية تعيش بسلام وأمن إلى جانب إسرائيل. ويجب أن تؤدي الجهود الجماعية للرد على رعب الحرب والاحتلال إلى سلام عادل ودائم. ولهذا السبب، تقول نسيبة، إن هناك حاجة لكسر دوامة العنف في غزة، ووضع الأسس لمستقبل مختلف لإسرائيل وفلسطين.

 والخطوة الأولى لهذه الجهود هي نشر قوة دولية مؤقتة للرد على الأزمة الإنسانية، وفرض النظام والقانون، ووضع الأسس للحكم، وتعبيد الطريق لتوحيد غزة مع الضفة الغربية، تحت سلطة وطنية شرعية واحدة.

 وترى أن قوة دولية مؤقتة تركز على هذه الأولويات الأربع، ستكون جزءاً رئيسياً في مساعدة الفلسطينيين على تحقيق طموحهم الوطني بدولة فلسطينية، وعبر المفاوضات الهادفة.

وقالت إن دخول قوة دولية مؤقتة لن يتم إلا من خلال دعوة رسمية من السلطة الوطنية. ويجب أن تكون صادرة عن حكومة يقودها رئيس وزراء جديد يتمتع بالثقة والصلاحيات والاستقلال، وقادر على معالجة الإصلاحات الضرورية لتحسين الحكم لجميع الفلسطينيين، وقادر على تحمّل مسؤولية إعادة إعمار غزة.

وقالت إن إسرائيل، كقوة محتلة، يجب أن تقوم بدورها لإنجاح هذا الجهد. فغزة لن تستطيع العيش لو بقيت تحت الحصار، ولا يمكن إعادة إعمارها لو لم يسمح للسلطة الوطنية الشرعية بأن تتحمل مسؤولياتها.

 ولن ينجح أي جهد في ظل تزايد بناء المستوطنات والعنف والتحريض عليه في الضفة الغربية المحتلة. وأشارت إلى أن مهمة كهذه بحاجة لدعم كامل من كل أصحاب المصلحة المعنيين بالسلام. ومع توفر الموارد والقدرات للجميع، فيمكن لكل طرف لعب دور حيوي في هذه العملية. مضيفة أن دول المنطقة تستطيع، ويجب أن تسهم بشكل كبير بتحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والذي سيصبّ، بالمقام الأول، في مصلحتنا. إلى جانب اللاعبين الإقليميين، تظل القيادة الأمريكية، سواء في تعافي غزة من آثار الحرب والجهود الرامية لإحياء العملية السلمية، أمراً لا غنى عنه.

نسيبة: دخول قوة دولية مؤقتة إلى غزة لن يتم إلا من خلال دعوة رسمية من السلطة الوطنية. ويجب أن تكون صادرة عن حكومة يقودها رئيس وزراء جديد يتمتع بالثقة والصلاحيات والاستقلال

فمن خلال الالتزام الأمريكي القوي والواضح بتحقيق حل الدولتين، وتشجيع الإصلاح الفلسطيني، والشراكة الإسرائيلية، وكذا دعم المهمة الدولية، فإننا نقترح عوامل مهمة للنجاح، كما تقول نسيبة. ولو تبعت مرحلة فرض الاستقرار بمرحلة ما بعد النزاع والتعافي من وقف إطلاق النار، فيجب أن تكون هناك رقابة ورصد لشروطه.

وأكدت أن وجود قوة دولية مؤقتة لا يعني بأي حال أنها بديل عن منظمات ووكالات الامم المتحدة العاملة على الأرض، بل على العكس يجب أن تعمل بشراكة ضمن نظام الأمم المتحدة، وتوسع مواردها وصلاحيات عملها.

ولن تكون المهمة سهلة، والتجربة تظهر هذا، حسب قولها، ولكنها تؤكد أن معظم الفلسطينيين والإسرائيليين يتطلعون للسلام، وعليه ستكون هذه القوة طريقاً للخروج من النزاع وتحقيق تطلعاتهم.

صحيفة فايننشال تايمز

ترجمة ابراهيم درويش




“لقاء شعبي” مثير بين “العضايلة وهنية”: خطاب موحد في “المخاطر والاشتباك والحواضن”.. والأهم “حديث الضفتين”

اللقاء الذي تم الإعلان عن عقده “مع صورة” بين المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن ورئيس حركة حماس خطف فورا الأضواء ليس لأنه “الأول” بين قطبي التيار الإسلامي في “ضفتي نهر الأردن” فقط بل لأنه تضمن “رسائل سياسية مشفرة” تكمل نصاب فكرة “المخاطر” الإسرائيلية التي تطال الضفتين أيضا.

 طوال الوقت وخلال استقبال شخصيات سياسية أردنية في الدوحة أو إسطنبول بقي الشيخ إسماعيل هنية يوجه “رسائل إيجابية” بعنوان حرص المقاومة الفلسطينية على “أمن واستقرار الأردن” وإظهار قدر بسيط من “العتب” بسبب عدم تمكينه من زيارة عمان وإقامة علاقات من أي صنف مع الحكومة الأردنية.

 وطوال الوقت أظهرت قيادة حماس حرصا إضافيا على “تجنب” إغضاب المؤسسة الرسمية الأردنية، حتى إن خالد مشعل القيادي البارز في حماس و”أبرز الأردنيين” فيها أفاد عدة مرات بعدم وجود أي علاقة تنظيمية من أي نوع بين الحركة وجماعة الإخوان في الأردن، مصرا على أن المسألة تخص “الانتماء فقط لمدرسة فكرية” ليس أكثر.

لكن الشيخ إسماعيل هنية وهو يستقبل المراقب العام للإخوان المسلمين الشيخ مراد عضايلة تقصد فيما يبدو سياسيا التأشير ضمنا على أن أي إنجاز تسجله المقاومة الفلسطينية في الواقع الفلسطيني ضد الاحتلال “منتج قومي” يمكن أن يعزز مصالح الأردن الأساسية.

خلال استقباله الشيخ عضايلة في “قمة شعبية” مرسومة ببيكار سياسي سبقت وقتيا الانتخابات الأردنية تقدم الشيخ هنية بنعومة بالشكر لموقف الشعب الأردني الداعم للشعب الفلسطيني وتحدث عن علاقات تاريخية بين الشعبين معمدة “بالدم الموحد”.

 يفترض بالعلاقة بين الشعبين أن لا تثير أي حساسية عند الرسمي الأردني فيما اللقاء نفسه الذي لم يعقد سابقا وشهدته الساحة السياسية الآن بحد ذاته رسالة عميقة على وجود “حاضنة شعبية أردنية” علنية للمقاومة وحصرا لحركة حماس في البنية الاجتماعية الأردنية، الأمر الذي أشار له بوضوح العضايلة وبدون أي تردد.

الأهم أن العضايلة أعلن عن اللقاء وأرسل لـ “القدس العربي” تصريحا يلخص الحيثيات وفيه تأكيد على “رؤية الإخوان” الوطنية بخصوص المخاطر التي يثيرها اليمين الإسرائيلي ضد “الدولة الأردنية” من خلال مشروع “ضم الضفة الغربية”.

تقصد عضايلة أن يركز على “وحدة الاشتباك” في الضفتين في مواجهة “مشروع اليمين الإسرائيلي”. وتقصد الشيخ هنية بدوره تجنب أي “إشارة“ يمكنها انتقاد الموقف الرسمي الأردني في لقاء يعيد التأكيد على الحاضنة الاجتماعية ودورها ووحدة مصير الشعبين.

 انعقاد اللقاء بحد ذاته “حدث مهم” على صعيد نمو مساحة “تفهم مقاصد المقاومة” ودورها في حماية المصالح الأردنية مستقبلا، وأغلب التقدير أن الحكومة الأردنية “لا تمانع” مثل هذا اللقاء الذي قد يشكل لاحقا استدراكا ما دامت عدة دول ومحاور منشغلة الآن بملف “المصالحة الفلسطينية” وما دام أن عملية “شيطنة المقاومة وحماس” التي جازف بها بعض المراهقين الأردنيين “أخفقت”.

صحيفة القدس العربي




حجّ المتسلّلين… أردنيون يأتون مكة عبر الوديان

يتسلل أردنيون إلى مكة المكرمة عبر طرق وعرة تمر بالوديان المحيطة بأم القرى التي يقصدها من لم يصبهم الدور لأعوام عديدة، أو فقراء يدفعهم الشوق إلى مخالفة القوانين المحلية والسعودية التي تحظر أداء المناسك عبر تأشيرات الزيارة.

– ببطء شديد يمر الوقت على الأربعينية الأردنية أم حمزة وقريبتها التي تشاركها غرفة فندق في مكة المكرمة بعدما ألقت الشرطة السعودية القبض على شقيق الأولى خلال رحلته إلى مدينة جدة (80 كيلومترا غرب مكة)، وبينما تنتظران ما ستقرره السلطات السعودية بحقهما، يحاول الرجل دخول مكة مرة أخرى سالكًا إحدى الطرق غير المأهولة لأم القرى.

وتحركت السيدتان والرجل بسيارتهم الخاصة من الأردن مباشرة في اتجاه مكة بعدما حصلوا على تأشيرة زيارة راغبين في أداء فريضة الحج دون تصريح، قبيل منتصف شهر ذي القعدة (23 مايو/ أيار الماضي)، واستقروا بأحد فنادقها البعيدة عن المسجد الحرام، وخاض ثلاثتهم الرحلة رغم معرفتهم خطر الإبعاد إذا ضبطتهم الشرطة. تقول أم حمزة، وهي أرملة تعول ثلاثة أبناء، لـ”العربي الجديد”، إنها لا تملك المال الكافي للحج النظامي الذي تراوح كلفته في الأردن بين 3310 دنانير (4671 دولارا أميركيا)، و7000 دينار (9879 دولارا)، بينما لم تتكلف سوى ألف دينار (1411 دولارا)، قيمة التأشيرة وكلفة الإقامة والمعيشة في السعودية.

وتعتبر أم حمزة نفسها “محظوظة” لأنها لم تدخل ضمن 321 ألف شخص تم إبعادهم عن السعودية، بينهم 153 ألفا و998 أجنبيا دخلوا بتأشيرات زيارة وكانوا ينوون الحج دون تصريح، بحسب إفادة مدير الأمن العام في السعودية الفريق محمد البسامي، الذي كشف في مؤتمر صحافي عن ضبط 64 ألف شخص حاولوا نقل الحجاج غير النظاميين في الموسم الحالي إلى المشاعر المقدسة يعملون مع 140 شركة حج وهمية.

التسلل إلى مكة عبر الوديان

رصدت وزارة الحج والعمرة السعودية إعلانات لشركات وحسابات وهمية على منصات التواصل الاجتماعي تدعي تنظيمها رحلات الحج بأسعار مغرية، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية عن مصدر في 26 إبريل/ نيسان الماضي، مشددًا على أن القدوم لأداء فريضة الحج لا يتم إلا من خلال الحصول على تأشيرة حج صادرة عن الجهات المعنية في المملكة العربية السعودية بالتنسيق مع مكاتب شؤون الحج فيها في الدول الأخرى.

تصريحات الوزارة كانت خيط البداية الذي تتبعته معدة التحقيق لترصد تعليقات المئات من الحجاج غير النظاميين في مجموعات بمنصات وتطبيقات التواصل، تعمل كقنوات تواصل بينهم لنشر التحذيرات من أماكن دوريات الأمن السعودي وحملاتها التفتيشية، فـ”لا يمكن للحاج المخالف الخروج حتى لشراء الخبز”، لأن دوريات الشرطة تنتشر بكثافة في شوارع مكة، ما يزيد خطر ضبطهم حال استوقفت الشرطة أيا منهم وطلبت الاطلاع على تصريح الحج والبطاقة التعريفية الخاصة به بالإضافة لسوار المعصم الذي يحمل كل بيانات الحجاج النظاميين والذي عممت السعودية عليهم ارتداءه بدءًا من موسم حج 2016.

تحذيرات يتداولها حجاج مخالفون (فيسبوك)
لا تردع العقوبات الحجاج غير النظاميين إذ يعاودون التسلل إلى مكة  (جانب من حوارات الحجاج المتسللين في مجموعاتهم على واتساب)

ويحظر على حاملي تأشيرات الزيارة بكافة أنواعها الوجود في مكة المكرمة خلال الفترة بين 23 مايو/أيار وحتى 22 يونيو/حزيران الجاري الموافق 15 ذي الحجة، أي بعد انتهاء مناسك الحج وفق ما أعلنته وزارة الداخلية السعودية عبر حسابها بمنصة “إكس”، والتي تطاردهم باعتبارهم مخالفين لأنظمة وتعليمات الحج وتفرض عليهم غرامة قدرها 10 آلاف ريال (2665 دولارا) بغض النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما يتم ترحيل المقيمين المخالفين إلى بلدانهم، وحظر دخولهم مرة أخرى للبلاد، ويعاقب كل من ينقل المخالفين بالسجن لمدة تصل لستة أشهر، وغرامة تصل لـ 50 ألف ريال (13.326 دولارا)، ومصادرة وسيلة النقل، مع ترحيل الناقل المخالف إذا كان مقيماً بعد تنفيذ العقوبة، ويُمنع من دخول المملكة وفقاً للفترات المحددة بموجب النظام.

لماذا تصاعدت الظاهرة؟

لم تردع العقوبات عشرات الشركات التي تنشط في دول عدة، من بينها الأردن، حيث رصدت معدة التحقيق عشر شركات تقدم خدمات التسفير لراغبي الحج دون تصريح بكلفة تراوح بين 1300 و1500 دينار أردني (1834 – 2117 دولارا)، إما برًا عبر معبر العمري الحدودي بين الأردن والسعودية ثم إلى مدينة جدة ومنها يركب الحجاج المخالفون سيارات دفع رباعي خاصة تسلك بهم طرقًا غير مأهولة ووديانا حتى تتجاوز كل النقاط الأمنية ودوريات الشرطة المنتشرة على الطرق الرئيسية وتنزلهم قبل مسافة ما بين كيلومتر إلى كيلومترين يمشونها نحو مكة المكرمة، أو جوًا عبر مطار الملك عبد العزيز الدولي بمدينة جدة ليسلك الحجاج المسار البري نفسه وصولًا إلى مكة المكرمة.

وادعت معدة التحقيق أنها تسعى للحج عبر تأشيرة زيارة وتواصلت مع شركتين للنقل البري إحداهما في محافظة الزرقاء (20 كيلومترا شرق عمّان)، والأخرى لها عدة فروع في مختلف مدن الأردن، أكدت الأولى إمكانية السفر والحصول على التأشيرة مقابل 225 دينارا (317 دولارا)، بالإضافة لكلفة السيارة التي ستدخلها إلى مكة المكرمة والبالغة في المتوسط 500 ريال سعودي (133 دولارا)، توزع على عدد الركاب في السيارة. و”عليها تدبير السكن والمواصلات والمعيشة داخل مكة المكرمة”.

يصل الحجاج غير النظاميين إلى مكة عبر الأودية والطرق الجبلية

“لقد تأخرت”، يوضح ممثل الشركة، قائلا أنه كان عليها السفر قبل شهر من موسم الحج حتى تضمن أداء الفريضة، مؤكدًا أنها إذا وصلت للسعودية قبل يوم عرفة بأيام قليلة فربما لا تتمكن من دخول مكة، وهو ما يتطابق مع إفادات حجاج مخالفين بأنهم دخلوا مكة المكرمة بتأشيرات الزيارة قبل موسم الحج بفترات تراوح ما بين 25 و45 يوما.

و”لم تبدأ محاولة آلاف الحجاج الأردنيين لأداء الفريضة دون تصريح أول مرة في موسم الحج الحالي”، إذ يؤكد الرئيس السابق للجنة السياحة الدينية بجمعية وكلاء السياحة والسفر الأردنية بلال روبين أنها تعود لسنوات عديدة لكنها زادت بشدة خلال السنوات الأخيرة وخاصة في الموسم الحالي بعد التسهيلات الكبيرة التي أقرتها السعودية على تأشيرات الزيارة في يونيو/ حزيران 2023، ما مكّن مئات آلاف الأردنيين من الحصول عليها ودخول السعودية في أي وقت.

ويؤكد الموظف في الشركة الثانية تسهيل سفر أعداد كبيرة بتأشيرات زيارة، لكنه وصف وضعهم حاليًا أنهم “خائفين وكأنهم في سجن”، مشددًا على علم كل الحجاج بعدم قانونية الحج بهذه الطريقة “لكنهم أوكلوا أمرهم لله”، يقول الرجل، ورفض الإفصاح عن خط سير واضح للرحلة البرية مكتفيًا بالقول إنها ستكون من عمّان إلى مكة مباشرة، وإن الشركة تعيّن مرشدًا لقيادة الرحلة حتى يعود الحجاج معه بعد انتهاء الشعائر.

وتخضع كل الحافلات المتجهة إلى مكة لتشديد أمني مكثف، ويقول حجاج أردنيون نظاميون لـ”العربي الجديد”، إن شرطيًا يفتش الحافلات قبل تحركها من جدة أو المدينة قاصدة مكة المكرمة ويتأكد من حمل كل فرد تصريح الحج الخاص به ويضع على باب الحافلة ملصقًا يُمنع شقه أو إزالته حتى تصل الحافلة إلى مكة.

واتفق الموظفان على أن موسم الحج هذا العام يشهد تشديدًا أمنيا غير مسبوق، ما دعا الشركات العاملة بهذا النشاط للتنبيه على عملائها بعدم الخروج من الفندق نهائيا وتعيين مندوبين لتلبية احتياجاتهم اليومية، وقال الموظف في الشركة الثانية إن اعتراف أحد الحجاج على الشركة من شأنه تطبيق عقوبات نقل الحجاج بدون تصريح على الشركة وممثليها، لكنه في الوقت نفسه يستدرك قائلا إن الشرطة عندما تقبض على الحجاج المخالفين تنقلهم إلى جدة دون إلزامهم بدفع الغرامة، حسبما أكد حجاج مخالفون لـ”العربي الجديد”، وسرعان ما يبحثون عن سيارة تدخلهم تهريبا إلى مكة عبر أحد الوديان المحيطة بها مقابل 500 – 1000 ريال سعودي للفرد الواحد (بين 133 و267 دولارا)، إذ تكثف الدوريات الأمنية نشاطها في كل الطرق الرئيسية والفرعية المؤدية لمكة المكرمة، لكن حجاجا آخرين أكدوا لـ”العربي الجديد”، ارتفاع أجرة “سيارات التهريب” لتراوح ما بين 400 و600 دينار (564 – 846 دولارا)، وأن عليهم المشي لمسافة تزيد على كيلومتر في أحد الوديان حتى يعودوا لمكة، مفسرين ارتفاع السعر لزيادة الطلب من قبل المبعدين عن مكة.

أحد الأردنيين يتحدث حول أحوال الحجاج المخالفين في السعودية (العربي الجديد)
حجاج أردنيون مخالفون يؤكدون على التشديدات الأمنية الكبيرة (العربي الجديد)

حبس اختياري

تبلغ حصة الأردن من الحجاج هذا العام ثمانية آلاف حاج من أصل 23 ألفا سجلوا رغبتهم في الحج من مواليد عام 1970 وما قبله، بالإضافة 4500 حاج من مسلمي 1948 يمرون من الأردن في قوافل الحج بالتنسيق مع وزارة الأوقاف ومكاتب الحج والعمرة الأردنية، وبحسب وزير الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردني محمد الخلايلة، فإن الوزارة أجرت قرعة لاختيار ألف مواطن من مواليد الفترة ما بين الأول من يوليو/ تموز 1952 والحادي والثلاثين من ديسمبر/ كانون الأول 1970 للسماح لهم بالحج في الموسم الحالي، إذ تستند الوزارة في اختيارها على معيار منح التأشيرة للأكبر سنًا، وهو ما لم يكن متوفرًا لدى “أم حمزة” ومرافقيها.

ويقضي الحجاج المخالفون أسابيع متخفين في أحياء مكة المكرمة البعيدة عن المسجد الحرام، ومن بينهم الخمسيني مأمون وزوجته الأربعينية، إذ لم يخرجا منذ ما يزيد على ثلاثة أسابيع من شقة وفرتها لهما إحدى الشركات بحي العزيزية البعيد نحو ستة كيلومترات عن المسجد الحرام. يقول مأمون لـ”العربي الجديد”، إنه يسكن غرفة بشقة مكونة من ثلاث غرف برفقة عائلتين أخريين، وفي بداية سكنهما كانت زوجته هي التي تقضي حاجات الأسرة من غذاء ودواء، لكن منذ بداية يونيو/ حزيران زاد “التشديد” الأمني ما دعا الشركة لتوفير مندوبين لأداء تلك المهمة، ورغم ذلك يخشى مداهمة الأمن السعودي لمقر إقامته وزوجته مثلما حدث مع مخالفين آخرين.

“ننتظر بفارغ الصبر يوم عرفة من أجل الإحرام ثم الدخول بين الحجاج النظاميين”، يقول مأمون، مستبعدًا أن يضبطهما الأمن إذا نجحا في الاندساس بين النظاميين. لكن مساعي مأمون وغيره للتسلل مهددة بالفشل، إذ يستبعد المتحدث باسم وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية علي الدقامسة تسلل الحجاج غير النظاميين لخيام أفواج الحج الأردنية في يوم عرفة، ويقول بينما هو ضمن أفراد بعثة الأردن للحج هذا العام لـ”العربي الجديد”، إن سوارًا إلكترونيا في معصم كل حاج نظامي يظهر على الماسح الضوئي معلوماته الكاملة.

ارتفاع الطلب على خدمة الحج غير النظامي (فيسبوك)
ارتفاع الطلب على خدمة الحج غير النظامي (فيسبوك)

وفي 8 و23 مايو/أيار الماضي أطلقت وزارة الأوقاف الأردنية تحذيرين للمواطنين الأردنيين من الحج بدون تصاريح، مشددة على وجوب أداء فريضة الحج عبر تأشيرات معتمدة فقط، ودعت المواطنين للحذر وتجنب ما سمتها شركات وحملات وحسابات وهمية على وسائل التواصل الاجتماعي تزعم تنظيمها رحلات بتأشيرات زيارة على أنها تصلح للحج.

ووفق الرئيس السابق للجنة السياحة الدينية بجمعية وكلاء السياحة والسفر الأردنية بلال روبين، فإن وزارة الأوقاف الأردنية عممت على جميع شركات الحج والعمرة بعدم تسهيل الحج لحاملي تأشيرات الزيارة، لكن بعض الشركات لم تلتزم بهذا التعميم، خاصة مع ارتفاع الطلب على هذه الخدمة بفعل فارق الكلفة الكبير بين الحج النظامي وغير النظامي.

الخطر مستمر حتى المطار

لا تخلو طريق عودة الحاج المخالف من المخاطر، وفقا للخمسيني الأردني عبد الرحيم محمد الذي خاض تجربة الحج المخالف العام الماضي، إذ تنتشر على طرق الخروج من مكة دوريات أمنية مكثفة تفتش على تصاريح الحج لدى الخارجين، قائلا لـ”العربي الجديد”: إن دورية ضبطته في يوم 17 ذي الحجة أثناء توجهه لمدينة جدة ووجد نفسه مضطرًا لدفع غرامة 10 آلاف ريال لم تكن متوفرة معه فاضطر للاستدانة مع بعض معارفه، وحررت بصماته في أحد مقار وزارة الحج والعمرة السعودية بالمدينة المنورة وأبلغوه بمنعه من دخول السعودية لمدة خمس سنوات.

ونفى أربعة من الحجاج المخالفين أن تكون الشركات أبلغتهم بهذا الإجراء الأخير وقال مأمون إن الشركة أبلغته وزوجته فقط بأمر الدوريات الأمنية خلال موسم الحج، وإنه يخشى ضبطه إذا ما نجح في التسلل بين الحجاج فلا معارف له في السعودية يقرضونه.

دار الإفتاء المصرية تجيز الحج دون تصريح أو بتأشيرة مزورة مع إثم فاعله (فيسبوك)
دار الإفتاء المصرية تجيز الحج دون تصريح أو بتأشيرة مزورة مع إثم فاعله (فيسبوك)

وتبدو حساسية الأمر في أن جواز الحج بدون تصريح أو بتأشيرة غير صالحة أصبح مثار جدل فقهي، فالمفتي العام للسعودية عبدالعزيز آل الشيخ، أفتى بعدم جوازه وأن الحاج من دون تصريح آثم، مستندًا إلى فتوى بوجوب طاعة ولي الأمر، لكن دار الإفتاء المصرية أفتت عبر صفحتها الرسمية بمنصة “فيسبوك” بصحة الحج دون تصريح أو بتأشيرة مزورة مع إثم فاعله وقالت إن “تأشيرات الحج من جملة القوانين التنظيمية المباح تشريعها لتحقيق مصلحة الفرد والمجتمع، ويجب الالتزام بها، ويحرم تزويرها، فإن خالف بعض الأفراد فأدوا الحج بتأشيرات مُزورة عالمين بذلك فقد ارتكبوا إثمًا عند الله ومخالفةً دُنيويةً تستوجب العقوبة، مع صحة الحج”.

شروق شحدة

صحيفة العربي الجديد




الاستخبارات الأمريكية: معركة الحوثيين في البحر الأحمر ستستمر ولو توقفت الحرب في غزة

سفينة النقل اليونانية “توتور” غرقت أمس في أعماق البحر الأحمر، بالضبط بعد أسبوع من إصابتها بقارب متفجر بدون ركاب أرسله الحوثيون من اليمن. هذه هي السفينة الثانية التي يغرقها المتمردون المدعومون من إيران، ويبدو أنهم لا ينوون التوقف. في أيار، بعد سيطرة الجيش الإسرائيلي على معبر رفح في قطاع غزة، أعلن زعيمهم عبد المالك الحوثي بأن رجاله “يستعدون الآن للمرحلة الخامسة والسادسة من الحرب. لدينا خيارات استراتيجية كثيرة ومهمة ستؤثر على العدو. ليس لدينا خطوط حمراء، ولا اعتبارات سياسية تجعلنا نغير موقفنا”. حتى إن الحوثي دعا زعماء دول عربية لإرسال سلاحهم “الذي صدئ في المخازن”، حسب تعبيره، لاستخدامه لصالح المعركة في غزة.
من غير الواضح ما الذي يخطط له الحوثيون للأيام القادمة، أو كيف يقسمون مراحل الحرب، التي ألحقت خسائر اقتصادية باهظة حول العالم بسبب تحويل مسار النقل من البحر الأحمر وقناة السويس، ما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار التأمين في فرع الملاحة البحرية. ولكن خلافاً للتقديرات التي أصبحت افتراضات أساسية القائلة إن حزب الله سيلقي سلاحه عند التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، فإن للحوثيين اعتبارات خاصة بهم. فهم بدأوا الهجمات في البحر الأحمر في 19 تشرين الأول وبكونهم جزءاً من نسيج “وحدة الساحات”، فإنهم القوة الوحيدة التي تمثل دولة والتي تعمل ضد الأهداف الإسرائيلية والغربية. جهات استخبارية أمريكية تقدر أنه لا تأكيد بأنهم سيوقفون نشاطاتهم في حالة التوصل إلى وقف لإطلاق النار في قطاع غزة.
رئيسة المخابرات الوطنية في الولايات المتحدة افريل هاينس، سئلت عن رأيها في لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الشهر الماضي حول تقديرها بشأن إلى متى سيستمر تهديد الحوثيين. فقدمت هاينس، وهي التي شغلت في السابق منصب رئيسة الـ سي.آي.ايه، إجابة غامضة وامتنعت عن الربط بين نشاطات الحوثيين والحرب في غزة. وحسب رأيها، فإن ساحة البحر الأحمر تخدم مصالح سياسية لزعيم الحوثيين الذين يطمح إلى تعزيز مكانته في المنطقة والعالم، من خلال الاستناد إلى قدرة الإنتاج المحلية للصواريخ والمسيرات وأنواع سلاح أخرى. “لا نعتقد أن الأمر سيتغير في الفترة القريبة”، قالت هاينس. “هذا لا يعني أن الهجمات الأمريكية وهجمات التحالف الذي يعمل في البحر الأحمر لا تؤثر، ولكنها لم تكن كافية لوقف الحوثيين حتى الآن”.
هذه حرب استنزاف تستند إلى استراتيجية وضعتها الولايات المتحدة في بداية الحرب بهدف منع الهجمات والمس بقدرات الحوثيين، مع تجنب شن حرب شاملة ضدهم. هذا التنظيم سيطر على عاصمة اليمن صنعاء في 2014، والآن يسيطر بالفعل على حوالي نصف أراضي الدولة. هذه الاستراتيجية تستند، ضمن أمور أخرى، إلى الخوف من إشعال ساحات أخرى، بالأساس استئناف إطلاق الصواريخ على السعودية. منذ نيسان 2022 يتم تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بين السعودية والحوثيين. ومثلما في لبنان، فإن الولايات المتحدة تخشى من تطورات ستجرها إلى تورط عميق أكثر في الشرق الأوسط، حتى مواجهة مباشرة مع إيران.
في حين أن حزب الله ينسق بشكل وثيق مع طهران، والمليشيات الشيعية في العراق تخضع لتوجيهاتها بشكل كبير، فإنه يصعب تقدير لأي درجة ستتأثر نشاطات الحوثيين إذا أمرتهم إيران بوقف إطلاق النار. شبيهاً بالتنظيم الشيعي في لبنان، يستخدم الحوثيون الحرب لتعزيز مكانتهم الداخلية في اليمن. فهم يفرضون بواسطتها التجنيد على أبناء القبائل “من أجل الوطن”، ويفرضون الضرائب والرسوم لتمويل “الحرب الوطنية”، وبالأساس حكمهم، حتى إنهم يستغلون حالة الطوارئ التي أعلنوها لتحييد الخصوم السياسيين. يتم إرسال معارضيهم إلى السجن ويتم تحطيم المكانة السياسية لرؤساء القبائل الخصمة بواسطة إعادة توزيع مناطق السيطرة التقليدية التي تخلق تجمعات سكانية جديدة تحتضن أغلبية لمؤيدي الحوثيين.
إعداد خارطة طريق
إلى جانب تعزيز السيطرة في المحافظات التي هي تحت سيطرة الحوثيين، فإنهم يستعدون لإجراء مفاوضات مع حكومة اليمن الرسمية. لم يحدد بعد موعد بداية المحادثات، ولكن تم الاتفاق في كانون الأول على خارطة الطريق في إطار الاتصالات برعاية الأمم المتحدة والولايات المتحدة والسعودية. حسب هذه الوثيقة، فإن الرياض ستمول دفع رواتب الموظفين الذين يعملون في المحافظات التي هي تحت سيطرة الحوثيين، الذين لم يتسلموا الرواتب منذ 2016. وتم الاتفاق أيضاً على أن الحوثيين سيتمكنون من تصدر النفط وسيتم رفع بعض قيود الحصار على الميناء في مدينة الحديدة التي يسيطرون عليها. واستمراراً لهذه البنود، قد يجلس الحوثيون والحكومة في اليمن لإجراء مفاوضات حول تشكيل حكومة مشتركة، ثم إجراء الانتخابات لتشكيل حكومة دائمة.
لكن تم تجميد تطبيق خارطة الطريق عند انضمام الحوثيين للحرب متعددة الساحات في غزة، وهي الخطوة التي أضرت بتصدير النفط من الأماكن التي هي تحت سيطرة الحكومة الرسمية في اليمن. في الوقت نفسه، وجدت الولايات المتحدة نفسها في معضلة أمام الحوثيين مع قرار الرئيس الأمريكي في كانون الثاني اعتبارهم “كيان إرهاب عالمياً له تصنيف خاص”. وهو تعريف لا يعيدهم إلى قائمة منظمات الإرهاب العالمية في واشنطن، التي كانوا فيها حتى شباط 2021. في السنة نفسها، قرر الرئيس الأمريكي رفعهم من القائمة للدفع قدماً بعملية السلام في اليمن. التعريف الحالي يمنح إدارته مرونة أكبر في فرض العقوبات على الحوثيين ويوفر هامش أوسع للتفاوض معهم.
في الشهر الماضي، نشر أن الولايات المتحدة شجعت السعودية على “إخراج خارطة الطريق من التجميد”، رغم استمرار هجمات الحوثيين. وهي خطوة قد تمكن واشنطن من إنهاء تورط الحوثيين في الحرب، والتركيز على إقامة تحالف دفاع إقليمي مع السعودية، وحتى تشكل تحالف إقليمي ضد إيران. ولكنها عملية اصطدمت بمقاومة حكومة اليمين التي تخشى من أن تؤدي أي مصالحة مع الحوثيين إلى تآكل عميق في مكانتها، وأيضاً من جانب “المجلس الانتقالي الجنوبي الذي هو جسم سياسي تم تشكيله في 2017 برئاسة عيدروس الزبيدي الذي يسعى لإعادة تأسيس دولة جنوب اليمن.
منظومة الضغوط والمصالح هذه يستغلها زعيم الحوثيين الذي يعتبر استمرار الحرب في البحر الأحمر وفي زيادة حدتها رافعة استراتيجية حيوية، قد تجلب له تنازلات سياسية من حكومة اليمن والولايات المتحدة والسعودية، وفي الوقت نفسه حمايته من هجوم شامل على المناطق التي هي تحت سيطرته من قبل قوات التحالف برئاسة واشنطن. بناء على ذلك، حتى لو تم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، فإن البحر الأحمر قد يظل ساحة حرب مشتعلة. وبقي أن نرى هل ومتى ستقرر الولايات المتحدة تنفيذ “إعادة نظر” في سياستها تجاه الحوثيين. هذا في الوقت الذي ما زالت تلتزم فيه بالأخذ في الحسبان سيناريو ستضطر فيه إلى التدخل في الحرب لبنان، وربما حتى أبعد منه.
تسفي برئيل

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




الأردن: وفيات الحج و«الاتجار بالبشر»… أسئلة من الوزن الثقيل سياسياً ووطنياً

التحقيق المحتمل والوشيك في وفيات الحجاج الأردنيين على المستوى المحلي يوازي من باب الصدفة المحضة، ملف تحقيق مؤكد الآن بعنوان سماسرة الاتجار بالبشر. وكلاهما يثير؛ أي التحقيق المفترض والآخر المؤكد، أسئلة من الوزن الثقيل والصعب سياسياً ووطنياً.
وهي تلك الأسئلة التي دفعت الإعلامي والصحافي المعروف باسل العكور لنشر مقال موجع بعنوان «وطني يؤلمني».
ولا رابط طبعاً بين حدثين إلا ذلك الذي يعيد تكرار التساؤلات والاستفسارات عن منزلقات الوضع الاقتصادي في البلاد، وعن تراجعات وأحياناً انهيارات مفهوم الإدارة والخدمة العامة، بحيث عايش الأردنيون ـ بسبب التراجع في مستوى إدارة حكوماتهم ـ حدثين خارج المألوف والتراث التاريخي للأردنيين هما:
أولاً، عدد وفيات كبير نسبياً للحجاج أثناء تأدية الفريضة. وثانياً، ما فضح أو تردد أو كشف مستوره عن وجود شبكات للاتجار بالبشر نتج عنها، لأول مرة بالمألوف الأردني، وجود شباب من النشامى عالقين في دول لا يعرف عنها الشعب الكثير، مثل غواتيمالا وبنما وحتى المكسيك.
في الملف الأول المتعلق بوفيات الحجاج، غياب غير مفهوم للمسؤولين والوزراء في الحكومة، الذين ينبغي لهم سد ثغرات التواصل والإعلام والتقدم بروايات وسرديات الجمهور. وفي ملف وفيات الحجاج حالة تلاوم غير مسبوقة أقرب للتكهنات بعنوان من مسؤول عن ماذا؟
تلك حالة غير مسبوقة إدارياً، برأي السياسي الناشط مروان الفاعوري، الذي تحدث لـ«القدس العربي» عن مشكلات طبيعية تنتج عن أزمة الأدوات في الإدارة وعن أسئلة تتكاثر حول طبيعة أداء الحكومة ورموزها بدلاً من تقديم إجابات.

عالم «السماسرة» يطرق أبواب «البيروقراط»

لذلك، في رأي الفاعوري وغيره، تكشف جزئية التلاوم أو التنصل من المسؤوليات في ملف وفيات الحجاج عن ضعف وهشاشة كبيرين، وهو ما أشار له أيضاً ناشط إلكتروني هو مجدي قبالين، عندما طرق مجدداً باب السؤال الذي عبرت منه الحكومة سابقاً في أحداث على شكل فجائع اجتماعية مثل حادثة ميناء العقبة وانهيار بناية جبل اللويبدة».

المسؤولية الأدبية والأخلاقية

وهو يطرق موضوع المسؤولية الأدبية والأخلاقية للوزراء. لكن القناعة وقد سمعتها «القدس العربي» مباشرة في أقرب نقطة في مقر رئاسة الوزراء، مترسخة بأن إقالة وزير أو مسؤول كبير كلما وقعت حادثة، يمكن أن تقع دوماً خطوة قد لا تتميز بالحكمة، خلافاً لأنها خطوة ستعني أن الحكومة لن تشتغل.
ورغم أن مبدأ المسؤولية الأدبية طبق مراراً وتكراراً في الماضي، فإن الإفلات منه حكومياً في أحداث محددة، يربك الجمهور والرأي العام، ويبدو جزئية عصية على الفهم؛ لأن تجميد تطبيق مبدأ المسؤولية الأدبية عموماً يعني المزيد من الاحتقان في المجتمع، لا بل السحب من رصيد الدولة ذاتها وسط الناس.
وفي كل حال، بعض الوزراء لا يعملون ولا يحدثون فارقاً، لكنهم – في إطار لغز ما – يحتفظون بوظائفهم. وبكل حال، ملف وفيات الحجاج المتدحرج هو فرصة إضافية للإطلالة على واقع سياسي في خريطة الأولويات جعل الإصلاح الإداري عموماً في آخر سلك الأولويات والاحتياجات.
حتى إن الحكومة هي التي شكلت لجنة من أجله خلافاً للجان الملكية التي شكلت من أجل نسختي التحديث في التمكين الاقتصادي والمنظومة السياسية.
لا يعجب خبير مثل الدكتور أنور الخفش، أن يتقلص الاهتمام بإصلاح الإدارة عموماً إلى هذا المنسوب. وكل التعليقات التي يمكن رصدها ثم جمعها للمواطنين وللخبراء بعدما حصل في موسم الحج، تشير إلى تقصير إداري بالمقام الأول، كما حصل في الماضي في واقعة وحادثة مستشفى السلط الشهيرة.
ما يحتاجه تحديث منظومة خدمات القطاع العام كما يبدو ـ في رأي الخبراء ـ أكثر من مجرد لجنة تشكلت خلف الستائر ووضعت تقريراً تبنته الحكومة، فيما تضم تلك اللجنة -برأي البرلماني والسياسي الكبير ممدوح العبادي- أشخاصاً لا يعرفون شيئاً عن القطاع العام ولم يسبق لهم أن خدموا فيه.

مصاب كبير

مصاب الأردنيين في حجاجهم كبير، والسؤال عما حصل واضح أنه ينبغي أن يبقى سؤالاً أردنياً بالمعنى البيروقراطي والسياسي بامتياز.
لكن على جبهة التحقيق المؤكد، فتح الملف أخيراً عبر النيابة في مدينة إربد شمالي البلاد، وقد أوقف أحد الأشخاص من قطاع مكاتب خدمات السفر، ومنع سفر شخص آخر على ذمة تحقيق بتهمة الاتجار بالبشر.
ذلك تحقيق مثير وغير مسبوق خلافاً لأنه غير مألوف في وجدان المجتمع الأردني.
اللافت جداً في ملف النيابة التحقيقي هنا أن القوانين والتشريعات الأردنية تضمن متابعة سماسرة ضللوا شباناً أردنيين وعزفوا على وتر الهجرة إلى الولايات المتحدة، فعلق نحو 23 شاباً منذ أسابيع الآن في دول مثل المكسيك وبنما وغواتيمالا، بعدما أغرتهم فكرة دفع أموال للدخول بصورة غير شرعية إلى الولايات المتحدة.
تلك القضية عالجها منذ 10 أسابيع الإعلام في أكثر من تغطية وتقرير ولفت نظر، لكن نيابة مدينة إربد بدأت الإجراءات في ملف مثير لن تبقى تداعياته السياسية على الأقل عند حدود القانون والتحقيق القضائي، بل يفترض أن تصل عاجلاً أم آجلاً إلى البحث في الظاهرة الجديدة جداً التي تحاول إنكارها السلطات الحكومية، والتي انتهت بأردنيين عالقين إما في البحر أو في دول أمريكا اللاتينية، وهو مشهد لم يسبق لذاكرة الأردنيين الجماعية أن احتفظت بمثيل له إلا منذ أسابيع فقط.

بسام البدارين

صحيفة القدس العربي




منتدى التعاون العربي ــ الصيني… بناء شراكة لمستقبل مشرق

ستنعقد الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني – العربي في يوم 30 مايو (أيار) في بكين، بمناسبة الذكرى الـ20 لتأسيس منتدى التعاون الصيني – العربي. بما أنَّ هذه الدورة أول دورة للاجتماع الوزاري تعقد بعد القمة الصينية – العربية الأولى الناجحة، فإنها تكتسب أهمية كبيرة لتنفيذ مخرجات القمة الصينية – العربية والإسراع في بناء المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك نحو العصر الجديد.

انعقدت القمة الصينية – العربية الأولى في ديسمبر (كانون الأول) عام 2022 في السعودية، حيث حضر الرئيس شي جينبينغ القمة، وألقى فيها الكلمة الرئيسية، ولخص روح الصداقة الصينية – العربية المتمثلة في «التضامن والتآزر والمساواة والمنفعة المتبادلة والشمول والاستفادة المتبادلة»، وحدد المسار والاتجاه لبناء المجتمع الصيني – العربي للمستقبل المشترك، وطرح «الأعمال الثمانية المشتركة» حول التعاون العملي بين الصين والدول العربية، الأمر الذي قوبل بتجاوب حار في الدول العربية. لقد أصبح بناء المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك، الذي يتقدم بخطوات ثابتة إلى الأمام على مدى أكثر من عام، راية مجيدة تبلور تحتها التوافقات الصينية – العربية على الأصعدة السياسية والتنموية والأمنية والحضارية، وتقود العلاقات الصينية – العربية لشق الطريق والمضي قدماً بخطوات واسعة.

تواصل الصين والدول العربية تعزيز التعاون الاستراتيجي لتحقيق مستوى أعلى من الثقة الاستراتيجية المتبادلة. واستقبل الرئيس شي جينبينغ بنجاح قادة فلسطين والجزائر وسوريا وموريتانيا وغيرها من الدول العربية في الصين، مما يرشد العلاقات الصينية – العربية للتطور على المستوى العالي. وتمت إقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية الشاملة أو علاقات الشراكة الاستراتيجية بين الصين و14 دولة عربية وجامعة الدول العربية حتى الآن، بعد إقامة علاقات الشراكة الاستراتيجية بين الصين وكل من فلسطين وسوريا. وأصبح العالم العربي من المناطق التي لها النسبة الأعلى من عدد الشركاء الاستراتيجيين للصين. تدعم الدول العربية بثبات الجهود التي تبذلها الصين للحفاظ على مصالحها الجوهرية وهمومها الكبرى، وتظلُّ تلتزم مبدأَ الصين الواحدة وتنتهج سياسة الصين الواحدة. بالمقابل، تدعم الصين بثبات جهود الدول العربية لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية، والحفاظ على سيادة البلاد وكرامة الأمة، وتسوية النزاعات والخلافات عبر الحوار والتشاور، والسير على طريق تقوية الذات عبر التضامن لتحقيق الأمن الجماعي.

قد أسفر الصراعُ الفلسطيني – الإسرائيلي الذي انفجر منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، عن وقوع عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف المدنيين، وأزمة إنسانية خطيرة. لا يمكن لأي بلد أو شعب محب للسلام أن يبقى غير مبالٍ أمام هذا المشهد. في وجه الوضع الخطير، ظلَّت الصين تقف إلى جانب الحق والعدالة والجانب الصحيح للتاريخ، وتدفع المجتمع الدولي لتركيز جهوده على وقف إطلاق النار، ومنع القتال، وحماية سلامة المدنيين، وتوسيع الإغاثة الإنسانية، وإيجاد حل شامل وعادل ودائم للقضية الفلسطينية في يوم مبكر بتحقيق «حل الدولتين». تتضامن وتتعاون الصين مع الدول العربية، مما عزّز الثقة المتبادلة بينهما في النضال للدفاع عن العدالة الدولية.

تواصل الصين والدول العربية توسيع التعاون العملي بينهما لتحقيق المنفعة المتبادلة والكسب المشترك بجودة أعلى. قد وقّعت الصين مع جميع الدول العربية وجامعة الدول العربية وثائقَ التعاون لبناء «الحزام والطريق»، وقد نفذ الجانبان ما يزيد على 200 مشروع كبير في إطار «الحزام والطريق»، ويستفيد ما يقرب من ملياري نسمة لدى الجانبين من نتائج التعاون. تبقى الصين أكبر شريك تجاري للدول العربية للسنوات العديدة المتتالية. خلال العامين الماضيين، وصل حجم التبادل التجاري بين الجانبين إلى مستوى جديد، حيث يبقى هذا الحجم الآن على المستوى القياسي البالغ 400 مليار دولار أميركي، وهو 10 أضعاف مما كان عليه قبل 20 عاماً. كما يشهد التعاون الصيني – العربي تقدماً بارزاً في مجالات الطاقة والمالية والبنية التحتية وغيرها، حيث استوردت الصين 265 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية في عام 2023، وهذا الرقم يشكل 47 في المائة من واردات الصين الإجمالية للنفط الخام من الخارج، كما يتقدم التعاون الصيني – العربي في مجالات الطاقة الكهروضوئية وطاقة الرياح والطاقة النووية للأغراض المدنية والطاقة الهيدروجينية. وتدخل العملة الصينية إلى الدول العربية بشكل متسارع؛ إذ وقعت أو مددت الصين اتفاقيات تبادل العملات المحلية مع كل من مصر والإمارات والسعودية، وأصدرت مصر بنجاح سندات «باندا» في الصين.

أما في مجال البنية التحتية فظهرت سلسلة من «علاماتٍ جديدة بنتها الصين في الدول العربية مثل المبنى في العاصمة الإدارية المصرية الجديدة، الذي يلقبه المصريون بـ«الهرم الجديد»، وهو أعلى مبنى في أفريقيا، والطريق السيار الذي يربط شرق الجزائر وغربها ويتجاوز طوله 1200 كيلومتر، واستاد لوسيل الملعب الرئيسي لكأس العالم في قطر، وجسر محمد السادس في المغرب، وهو أكبر جسر معلق في أفريقيا. كما حقق التعاون الصيني – العربي نتائج مثمرة في مجالات المعلومات والاتصالات والطيران والفضاء والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي وغيرها من المجالات المتقدمة والحديثة، إضافة إلى التشغيل العالي المستوى للمراكز العديدة في مجالات نقل التكنولوجيا ونظام «بيدو» للملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، والبحوث الدولية لمكافحة الجفاف والتصحر وتدهور الأراضي، مما يشكل شبكة لنقل التكنولوجيا والتعاون فيها تربط مؤسسات البحوث العلمية والشركات الابتكارية للصين والدول العربية.

تواصل الصين والدول العربية توسيع التواصل الحضاري، مما حقق التفاهم بين الشعوب على نحو أعمق. تقوم الصين والدول العربية بتعزيز التواصل المستمر حول الحوكمة والإدارة، حيث نجح الجانب الصيني في تنظيم 4 دورات للمنتدى الصيني – العربي للإصلاح والتنمية و20 دورة تدريسية للدول العربية التي استضافها مركز الدراسات الصيني – العربي للإصلاح والتنمية، وتم فيها تدريب نحو 500 فرد من المسؤولين الحكوميين والأكاديميين في المؤسسات الفكرية والإعلامية في الدول العربية. نجد أنَّ تبادل الاستفادة بين الحضارتين الصينية والعربية يتقدم في طليعة دول العالم؛ إذ إن جامعة الدول العربية كانت أول منظمة إقليمية في العالم أصدرت مع الصين وثيقة بشأن تنفيذ مبادرة الحضارة العالمية في الدورة الأولى لمنتدى ليانغ تشو التي انعقدت في ديسمبر عام 2023، وكانت أول منظمة إقليمية في العالم وقّعت وثيقة التعاون مع الصين بشأن إنشاء رابطة للمؤسسات الفكرية في يناير (كانون الثاني) عام 2024. وتمت إقامة الفعاليات الدورية المتنوعة التي تشمل الدورة الأولى لمنتدى تنمية الشباب الصيني والعربي، والدورة العاشرة لندوة العلاقات الصينية – العربية والحوار بين الحضارتين الصينية والعربية، والدورة الخامسة لمهرجان الفنون العربية، ممَّا أسهم في تفعيل التبادل في كافة المجالات على نحو شامل. وقد تمَّ ترجمة ونشر 50 كتاباً من المؤلفات الصينية والعربية الكلاسيكية في إطار «تبادل الترجمة والنشر للمؤلفات الصينية والعربية».

ولاقت البرامج السمعية والبصرية الصينية مثل «الهجرة إلى السعادة»، و«وسام الجمهورية» و«أقنعة وكنوز» إقبالاً واسعاً لدى الجمهور العربي، وتجاوز عدد النقرات الإجمالي لها 500 مليون مرة. كما أنَّ هناك إقبالاً كبيراً من الدول العربية على تعلم اللغة الصينية، حيث إن الصين قد أنشأت 21 فرعاً لمعهد كونفوشيوس وفصلي كونفوشيوس بالتعاون مع 13 دولة عربية، وتم إدراج تعليم اللغة الصينية في منظومة التعليم الوطني بشكل رسمي في الإمارات والسعودية وفلسطين ومصر وتونس وجيبوتي. ينتعش تبادل الأفراد بشكل سريع من تأثير جائحة فيروس «كورونا» المستجد؛ إذ تجاوز عدد الرحلات الجوية بين الصين والدول العربية ما كان عليه قبل الجائحة، إضافة إلى فتح الرحلات الجوية الجديدة بين بكين والرياض، وبين شيامن والدوحة، التي ساهمت في إقامة ممرات جوية جديدة للصداقة الصينية – العربية.

يدل الحصاد المبكر لبناء المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك على أن تطوير العلاقات الصينية – العربية يتماشى مع رغبة وتطلعات الشعوب، ويتفق مع المصلحة المشتركة للجانبين، وله آفاق واعدة ومستقبل مشرق.

في الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني – العربي الذي سينعقد قريباً، ستواصل الصين العمل مع الدول العربية على تسريع وتيرة التنفيذ لمخرجات القمة الصينية – العربية الأولى، ودفع العلاقات الصينية – العربية نحو مستقبل أرحب، رافعة رايةَ إقامة المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك عالياً.

ستواصل الصين السير مع الدول العربية على طريق الثقة الاستراتيجية المتبادلة؛ لتوطيد الأسس السياسية الراسخة. تعد نهضة الأمة حلماً مشتركاً للجانبين؛ الصيني والعربي، وتمثل الاستقلالية وتقوية الذات مسعى مشتركاً لهما. ستقيم الصين علاقات الشراكة الاستراتيجية مع مزيد من الدول العربية، وتعمل مع الدول العربية كالمعتاد على تبادل الدعم للطرف الآخر في جهوده للحفاظ على مصالحه الجوهرية، ليكون الجانبان إخوةً يتآزرون ويتساندون. ستواصل الصين تعزيز التعاون والتنسيق مع الدول العربية في الشؤون الإقليمية والدولية، وتحدد مواقفها وسياساتها وفقاً لطبيعة الأمور، وتسعى إلى إيجاد حلول للقضايا الساخنة مع مراعاة المطالب المشروعة لكافة الأطراف؛ لتعزيز السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وصيانة العدل والإنصاف الدوليين، ودفع الحوكمة العالمية نحو اتجاه يخدم مصلحة الدول النامية.

ستواصل الصين السير مع الدول العربية على طريق الازدهار والانفتاح، لزيادة ديناميكية تنموية أقوى. يتلاقى توجه الصين للانفتاح غرباً مع توجه الدول العربية للتطور شرقاً، مما شكل تياراً هائلاً للتعاون المتسم بتكامل المزايا والمنفعة المتبادلة والكسب المشترك. ستواصل الصين العمل مع الدول العربية على بناء «الحزام والطريق» بجودة عالية، بما يضفي حيوية عصرية نابضة على طريق الحرير العريق. ستواصل الصين العمل مع الدول العربية على ترسيخ التعاون في مجال الطاقة بوصفه المحور الرئيسي، وتعزيز علاقات الشراكة للعرض والطلب على الطاقة فيما بينهما. وترحب الصين بالدول العربية لزيادة الاستثمار في التنمية الصينية، وفي الوقت نفسه، ستواصل دعم الجانب العربي لتنفيذ المشاريع النموذجية الكبرى والمشاريع الصغيرة والجميلة والناجعة، وستعمل مع الجانب العربي على تهيئة قطب النمو للصناعات المتقدمة والحديثة الذي يضم مزيداً من المكونات العلمية والتكنولوجية.

ستواصل الصين السير مع الدول العربية على طريق الشمول والاستفادة المتبادلة، وإجراء تبادلات حضارية أكثر تنوعاً. تلتقي الحضارتان الصينية والعربية بعد تجاوز الجبال والبحار، والتفاهم بينهما قائم منذ آلاف السنين، وكلتا الحضارتين سجلت قصصاً ذائعة الصيت في التاريخ للتلاحم و«التنافع» بين الحضارات المختلفة. ستواصل الصين العمل مع الدول العربية على استكشاف الطرق التنموية المتنوعة للتحديث، وزيادة توثيق التواصل الثقافي والشعبي في مختلف المجالات التي تشمل الثقافة والتعليم والسياحة والشباب والفنون، وتكريس قيم البشرية المشتركة المتمثلة في السلام والتنمية والإنصاف والعدالة والديمقراطية والحرية، ورفض «نظرية صراع الحضارات» ومقاطعة «الإسلاموفوبيا»، وتنويع حديقة الحضارات في العالم، وقيادة الحضارة البشرية نحو الاحترام المتبادل والتعايش المتناغم.

ستواصل الصين السير مع الدول العربية على طريق التعاون الجماعي؛ لإقامة منصة أكثر تكاملاً. كانت السنوات الـ20 التي مضت على إنشاء منتدى التعاون الصيني – العربي دافعاً للتطور المزدهر والنابض؛ إذ تم خلالها إقامة 19 آلية مهمة في إطار المنتدى بما فيها الاجتماع الوزاري والحوار السياسي الاستراتيجي ومنتدى الإصلاح والتنمية ومؤتمر التعاون في مجال الطاقة، وتم إصدار 85 وثيقة مهمة، الأمر الذي وضع نموذجاً للتعاون الجماعي بين الدول النامية. «من الحسن إلى الأحسن»، بما أنَّ إقامة المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك قد فتحت عهداً جديداً للعلاقات الصينية – العربية، فهي ستسجل بكل التأكيد صفحة جديدة لبناء منتدى التعاون الصيني – العربي، وستقوده في المسيرة الجديدة. سيواصل الجانب الصيني العمل مع نظيره العربي على تعزيز بناء المنتدى لخلق 20 سنة أخرى أكثر روعة، يكون فيها التعاون الجماعي بين الصين والدول العربية نحو الهدف السامي المتمثل في إقامة المجتمعين الصيني والعربي للمستقبل المشترك!

وانغ يي

وزير الخارجية الصيني – عضو المكتب السياسي للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني

صحيفة الشرق الأوسط




العلاقات العربية ــ الصينية ومنتدى التعاون العربي ــ الصيني

تمتدُّ العلاقات العربية – الصينية بجذورها في أعماق التاريخ؛ فقد عرف العربُ منذ القِدم أنَّ الصين دولة ذات حضارة عريقة، ومن جانبهم عرف الصينيون القدماء الحضارةَ العربية، خصوصاً عبر طريق الحرير القديم، الذي لم يكن طريقاً للتجارة فحسب، بل كان أيضاً جسراً للتواصل الثقافي والتفاعل الحضاري. وقد أنتجت العلاقات بين الجانبين تفاعلات مثمرةً وممتدة عبر قرون من التواصل. كما أسهم الرحالة والجغرافيون والمؤرخون العرب في تعزيز المعرفة المتبادلة بين الشعبين، بعد أن زاروا الصينَ ووصفوها وتحدثوا عنها. وعلى سبيل المثال، وصف الرحَّالة العربي الأشهر «ابن بطوطة» أحوالَ الصين بدقة، وتحدث بإعجاب كبير عن الاحترام الذي حظي به المسلمون في مختلف المدن الصينية التي زارها، كما ذكر في رحلته ذائعة الصيت «تحفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار».

وفي العصر الحديث تبادل الجانبان التضامنَ والدعم في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وتم إبرام العلاقات الدبلوماسية بين جمهورية الصين الشعبية منذ نشأتها في عام 1949، والدول العربية بعد حصولها تباعاً على الاستقلال، كما دعمت الدول العربية حصولَ جمهورية الصين الشعبية على مقعدها في الأمم المتحدة.

غير أنَّ التعاونَ بين الجانبين شهد ديناميكية كبيرة منذ بداية القرن الحالي، إذ أصبحت العلاقات مع جمهورية الصين الشعبية في صلب اهتمامات الدبلوماسية العربية الجماعية، وكان الإعلان عن إقامة منتدى التعاون العربي – الصيني أحدَ أهم أحداث العلاقات العربية – الصينية في الأعوام الخمسين الأخيرة؛ وكان ذلك خلال الزيارة التاريخية للرئيس الصيني السابق هو جينتاو، لمقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بتاريخ 30/1/2004؛ حيث جرى التوقيع على وثيقة إعلان المنتدى يوم 14/9/2004 في القاهرة. وقد شكَّل هذا المنتدى نقلة نوعية في مسيرة العلاقات العربية – الصينية، فقد وفَّر إطاراً مؤسسياً مهماً للتعاون الجماعي، جمع لأول مرة في التاريخ بين الصين والدول العربية كافة.

والواقع أنَّ تأسيس منتدى التعاون العربي – الصيني جاء في وقت ازداد فيه الاهتمام الدولي بالقارة الآسيوية، ولم تكن الجامعة العربية بمعزل عن هذا المنحى الدولي، إذ أدركت هي الأخرى أهمية تنويع شراكاتها بالتوجه نحو الشرق وتعزيز التعاون مع الدول النافذة في القارة الآسيوية ومن أبرزها الصين.

ومنذ تأسيس المنتدى شهد التعاونُ العربي – الصيني الجماعي طفرةً حقيقية، وتشعبت آلياته لتشمل مختلف مجالات التعاون السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والتنموية، وعُقد العديد من الاجتماعات والفعاليات في هذا الإطار.

وشهد التعاون بين الجانبين تطوراً مهماً بانعقاد القمة العربية – الصينية الأولى يوم 9 ديسمبر (كانون الأول) 2022 في الرياض، وأسفرت هذه القمة، الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات بين الجانبين، عن نتائج مهمة، حيث تم اعتماد ثلاث وثائق هي: إعلان الرياض، ووثيقة الخطوط العريضة لخطة التعاون الشامل بين جمهورية الصين الشعبية والدول العربية، ووثيقة تعميق الشراكة الاستراتيجية العربية – الصينية من أجل السلام والتنمية.

ويرجع نجاح هذا المنتدى في المقام الأول إلى توفر الإرادة السياسية لدى الجانبين، وكذلك جدية الالتزام بتنفيذ بنود البرامج التنفيذية للمنتدى، وانتهاج المسلك التدريجي في توسيع المنتدى وتطوير آلياته، وهو ما مكَّن من تحقيق نتائج ملموسة أسهمت في تعزيز التواصل والتعاون بين الصين والدول العربية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية وغيرها. وانعكس ذلك بشكل إيجابي على نمو واتساع العلاقات التجارية بين الدول العربية والصين التي أصبحت من أكبر الشركاء التجاريين للدول العربية، إذ تضاعف حجم التبادل التجاري بين الصين والدول العربية أكثر من عشر مرات منذ إنشاء المنتدى، إذ انتقل من 36.7 مليار دولار في عام 2004 إلى 400 مليار دولار عام 2023. ومن المتوقع أن يواصل هذا المنتدى مسيرته بخطى ثابتة في ظل الآفاق الواعدة للعلاقات العربية – الصينية، وتوافُر الإرادة المشتركة لدى الجانبين العربي والصيني للمضيّ قدماً في طريق التعاون والعمل المشترك.

إنَّ التعاون العربي – الصيني يقوم على احترام مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وميثاق جامعة الدول العربية، ومبادئ التعايش السلمي، والسعي إلى تحقيق السلام والأمن الدوليين باتِّباع الوسائل السلمية في حل النزاعات الدولية، ونبذ استخدام القوة أو التهديد بها في العلاقات الدولية وتكريس مبدأ المساواة في السيادة والاحترام المتبادل لاستقلال الدول ووحدتها وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. كما يسعى الجانبان العربي والصيني من خلال الاجتماعات المشتركة إلى تنسيق المواقف بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وتأييد كل طرف للطرف الآخر في صيانة الاستقلال والسيادة وسلامة الأراضي؛ فالصين تؤيد الدول العربية في قضاياها العادلة المشروعة وحماية مصالحها الوطنية، كما أنَّ الدول العربية تؤكد موقفها الداعم لمبدأ الصين الواحدة.

وفي هذا الصدد أكَّد الجانب الصيني في مناسبات عدة تأييد الصين لجهود الشعب الفلسطيني من أجل استرجاع حقوقه الوطنية المشروعة، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والدفع بعملية السلام إلى الأمام على أساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة ومبدأ الأرض مقابل السلام ومبادرة السلام العربية. ومن جانب آخر ما فتئت الصين تقدّم مساعدات إنسانية مهمة للشعب الفلسطيني. وقد أشار الرئيس الصيني شي جينبينغ، في كلمته في القمة العربية – الصينية الأولى المنعقدة في الرياض يوم 9/12/2022 إلى أنه «لا يمكن أن يستمر الظلم التاريخي الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني إلى أجلٍ غير مسمى، ولا تجوز المساومة على الحقوق الوطنية المشروعة، كما أنَّ التطلعات لإقامة دولة مستقلة لا تقبل الرفض (…) وأنَّ الجانبَ الصيني يدعم بكل ثبات إقامة دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة الكاملة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ويدعم نيل فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وسيواصل تقديم المساعدات الإنسانية إلى الجانب الفلسطيني…».

لقد كانت تلك المواقف الداعمة للقضية الفلسطينية، وذلك الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني ولوكالة «أونروا» من الجانب الصيني، محلَّ تقدير عالٍ من الجانب العربي الذي يتطلَّع إلى استمرار هذا الدعم وذلك التأييد، كما يثمِّن دور جمهورية الصين الشعبية ومواقفها الداعمة للقضية الفلسطينية في الأمم المتحدة، وهو دور مهم للغاية كون الصين عضواً دائماً في مجلس الأمن. وهو ما عكسته مواقفها من العدوان الوحشي على قطاع غزة، إذ وقفت الصين إلى جانب الحق والعدالة، وعبَّرت عن تأييد واضح لقضية الشعب الفلسطيني العادلة.

يحتفي الجانبان خلال العام الجاري بمرور عشرين عاماً على إنشاء منتدى التعاون العربي – الصيني، ونتطلع إلى أن تُسفر الدورة العاشرة للاجتماع الوزاري للمنتدى، المزمع عقدها أواخر الشهر الجاري في بكين، عن نتائج إيجابية ترقى إلى تطلعات الشعبين العربي والصيني، وتعكس ما يجمعهما من إرث حضاري مشترك وآمال كبيرة في مستقبل واعد.

أحمد أبو الغيط

* الأمين العام لجامعة الدول العربية

صحيفة الشرق الاوسط




غزة «لاعب حيوي» في أي انتخابات أردنية و«شيطنة الإخوان» حققت نتائج عكسية

ما يمكن قراءته بين أسطر نتائج الانتخابات الطلابية الأهم التي جرت طوال نهار الثلاثاء وأعلنت نتائجها فجر أمس الأربعاء في أم الجامعات الأردنية، كثير ومتعدد وبدلالات عميقة من الصنف الذي يصعب إسقاطه أولاً من حسابات مزاج المجتمع الأردني العام، وثانياً -وهو الأهم- من حسابات الانتخابات الوشيكة يوم 10 أيلول/سبتمبر المقبل.
لا يتعلق الأمر فقط بما تمكنت من إنجازه قائمة أهل الهمة الطلابية في أضخم جامعة في البلاد فيها نحو 50 ألف طالب، بقدر ما يتعلق بكيفية وآلية وخلفية ما أنجزته هذه الكتلة الطلابية وسط أجواء مشحونة ومعقدة في الشارع الطلابي ضدها.
قالت أرقام نتائج تلك الانتخابات الجامعية الكثير سياسياً، لكن الأهم ما لا تقوله مباشرة تلك النتائج التي أقرت بأن الاتجاه الطلابي الإسلامي الذي يتبع «الإخوان المسلمين» طبعاً، حصل على انتصارين ضخمين لا يستهان بهما، وهما الفوز بـ 9 مقاعد من أصل 18 مقعداً تمثل الاتحاد المركزي للطلاب، وثانياً، توفير دليل مباشر على قدرات الاستقطاب عند التيار الشاب في الحركة الإسلامية وحزبها؛ لأن عدد طلاب «الإخوان المسلمين» لا يمكنه أن يصل في أضخم جامعات البلاد إلى 50 ٪ من 22 ألف طالب شاركوا في الاقتراع. نسبة الاقتراع زادت قليلاً عن 52 ٪ من مجموع طلاب الجامعة، والقائمة الإسلامية حصلت على 50 ٪ من المقاعد والقوة التصويتية.

التصويت لفكرة

يعني ذلك سياسياً، أن رابطاً ما تشكل بين ممثلي التيار في الشارع الطلابي وبين أكثر من عشرة آلاف طالب صوتوا في الصناديق للفكرة وليس للاتجاه الإسلامي؛ لأن أغلبهم ليسوا مسجلين في الحركة الإسلامية وحزبها.
يظهر ذلك قدرات استقطاب كبيرة لدى التيار الإسلامي وسط الجمهور حتى عندما يتعلق الأمر بالتيارات الشابة والحراكات الطلابية التي تهتم بها أعلى مستويات القرار في الدولة بهدف ضمان مستقبل مسار التحديث السياسي الذي حظي بغطاء ملكي ومرجعي.
يحتاج خصوم التيار الإخواني في الأردن بعد هذه النتائج، إلى وقفة عميقة وطويلة للإجابة عن السؤال التالي: كيف ينجح الاتجاه باستقطاب تصويت أكثر من 10 آلاف طالب وطالبة في معقل أقدم وأهم الجامعات الحكومية، وعلى أي أساس؟
سؤال حرج ومهم، ولا يبدد ضجر انتظار الإجابة الشفافة عليه إلا سؤال أصغر ومختصر: لماذا يحصل ذلك بصورة محددة؟
الثابت المفهوم أن مجلس طلبة الجامعة الأردنية غاب خمس سنوات، فالانتخابات لم تجر منذ خمس سنوات.
وكتلة «قائمة النشامي» المنافس التقليدي للاتجاه الإسلامي، كانت هي المسيطرة في آخر نسخة انتخابية قبل النسخة الأخيرة، ما يعني أن قوة ما على الصعيد التنظيمي وعلى صعيد الخطاب الوطني السياسي هي التي دفعت نصف الناخبين الطلاب من الجنسين لمناكفة الاتجاهات الرسمية عبر التصويت لممثلي الاتجاه الإسلامي الذين كانوا أصلاً على مقاعد الدراسة الثانوية قبل 5 سنوات.
مجدداً، قراءة ما بين الأسطر تؤدي إلى طرح أسئلة صعبة.

ما خفي من أسطر «أهل الهمة»… «انتصاران مهمان» للجماعة

والرابط الوحيد المنطقي هو أن حملة شيطنة «الإخوان المسلمين» في الحالة العامة التي تقررت وأحياناً وجهت مؤخراً من جهات غامضة لأسباب علنية تتعلق بدعمهم للمقاومة في غزة، قد انتهت (نقصد تلك الحملة) بوضع نصف عدد مقاعد اتحاد الطلاب في أهم الجامعات الحكومية بين أحضان «الإخوان المسلمين».
عاقب الناخبون الشباب الفتية هنا بين الجنسين، الاتجاهات الرسمية والحزبية الوسطية التي حاولت صناعة فتنة اسمها «الإخوان المسلمون» وبالتأكيد لدى التيار الإسلامي ميكانيزمات ووسائل وتقنيات تظهر أنه الأكثر خبرة ميدانياً في استغلال واستثمار حملات الشيطنة ضده.
ثمة رابط آخر لم يعد خفياً؛ فبعض الذين نجحوا باسم التيار الإسلامي من الطلاب كان قد خرج للتو من السجون ضمن ما عرف في عمان بسلسلة التوقيفات الإدارية لنشطاء الحراك الشعبي المناصر لغزة والمقاومة. لا بل الناجح الأبرز من قائمة «أهل الهمة» الإسلامية، محمد الخطيب، حصد أصواتاً مرتفعة، فيما كان يوم الاقتراع لا يزال في السجن والتوقيف، حسب منشورات إلكترونية، باعتباره من قادة الحراكات الشعبية المناصرة لغزة في مسألة ينبغي التوقف عندها.
صوت طلاب الجامعة الأردنية لزميل في السجن تمكن من تقديم طلب الترشيح قانونياً وهو خلف القضبان باعتباره بين المعتقلين السياسيين. ذلك قد يضمن، ضمناً، للطالب المشار إليه موقعاً متقدماً في رئاسة اتحاد الطلاب. لكن الأهم هو القناعة السياسية العامة التي اختصرها السياسي مروان الفاعوري وهو يناقش مع «القدس العربي» مؤشرات انتخابات الجامعة الأردنية، عندما لفت النظر إلى أن الشارع الطلابي في بعض المفاصل يصوت أيضاً للاتجاه الذي يدعم غزة والمقاومة، في إشارة جديدة أعقبت نتائج انتخابات رابطة الكتاب التي تقول إن غزة وما يحصل فيها لاعب أساسي ليس في المشهد الوطني الشعبي الطلابي الأردني، لكن في اللعبة الانتخابية أيضاً.

التصويت لغزة والمقاومة

لم يقف الأمر طبعاً عند هذا الحد، فقد أرسل المراقب العام لجماعة «الإخوان المسلمين» الشيخ مراد العضايلة لـ«القدس العربي» نتائج التصويت قبل اعتمادها وإعلانها رسمياً وبدون أي خلل رقمي، ما يعني تلقائياً ليس فقط أن الجماعة وفرت المظلة لذلك الحضور القوي لممثلي طلابها، بل إن لدى الجماعة قدراً ليس فقط على استقطاب الأصوات ولا الفوز بنصف المقاعد، بل أيضاً على متابعة التفاصيل إجرائياً وفي الميدان وعند صناديق الاقتراع، وأحياناً بصورة أسرع حتى من اللجنة التي أشرفت على الانتخابات.
الأكثر حساسية قد يكون الانطباع العام بأن تمكن الاتجاه الإسلامي الطلابي من السيطرة وليس الاكتساح، ومن نسخ مفهوم معادلة النصف المعطل وشبه المسيطر في أعرق وأقدم جامعة حكومية في البلاد، هو بمثابة البروفة السياسية المسبقة لجاهزية الإسلاميين في التعاطي مع تفاعلات انتخابات نيابية في 10 أيلول المقبل.
التيار الإسلامي جاهز تماماً وبوضوح، والطاقم الذي يقوده الشيخ العضايلة طوال الأشهر التي أعقبت 7 أكتوبر، بقي في الميدان ومع الشباب والموقوفين. وغزة حاضرة بكل حال. وللتذكير، ما دام مفهوم النصف المعطل قد برز، فثمة ورقة في درج العضايلة ورفاقه أعدت مسبقاً، اسمها ليس المغالبة والأغلبية في البرلمان، بل «حكومة ظل» تدفع مسار التحديث السياسي إلى معايير أرقى.

بسام البدارين

القدس العربي




تساؤلات بشأن قدرة البنية البحثية العربية على التنبؤ بالكوارث المناخية

أثارت الكوارث المناخية التي ضربت عدداً من البلدان العربية في الآونة الأخيرة تساؤلات بشأن قدرة البنية البحثية العربية على التنبؤ بهذه الكوارث.

ووُصفت عاصفة الإمارات التي وقعت في شهر أبريل (نيسان) الماضي بأنها «الأقوى في تاريخ منطقة الخليج العربي».

ويعود تواتر الأحداث المناخية العنيفة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى حدوث تغيرات عميقة في الدورة الهيدرولوجية على مستوى العالم، وفق ألبرت فان دايك، أستاذ الهيدرولوجي في الجامعة الوطنية الأسترالية، الذي يوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه التغيرات نتجت عنها ارتفاعات مضطردة في درجة حرارة الهواء وارتفاع مستويات الرطوبة، فضلاً عن الجفاف والأمطار الفجائية».

وتعد معرفة التوقيت المناسب لاحتماليات زيادة فرص حدوث الفيضانات أمراً مهماً للغاية من أجل اتخاذ إجراءات تحدّ من تقليل الخسائر، بحسب محمد عبد الغني، الباحث في الجيومورفولوجيا المناخية بجامعة ليدز البريطانية. يقول عبد الغني لـ«الشرق الأوسط» إن «ارتفاع مستوى سطح البحر يؤدي إلى زيادة احتمال حدوث عواصف قوية وأعاصير مدارية وشبه مدارية، ما يعرض المنشآت المدنية للخطر، ويهدد بحدوث خسائر كبيرة في الأرواح».

وتقدر قيمة الأضرار المادية المحددة لجميع موانئ الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (100 ميناء) بنحو 67 مليون دولار أميركي سنوياً، بسبب الحوادث المناخية العنيفة، وفق دراسة نشرت في يناير (كانون الثاني) عام 2023 بمجلة «Communications Earth & Environment».

الإمارات ليست استثناء

في شهر أبريل (نيسان) الماضي، شهدت الإمارات هطول أكبر كميات أمطار خلال الأعوام الـ75 الماضية، وشهدت منطقة «خطم الشكلة» بإمارة العين وحدها هطول 254.8 مليمتر من الأمطار في أقل من 24 ساعة، بحسب المركز الوطني للأرصاد في الإمارات.

أمطار غزيرة شهدتها دبي في شهر أبريل الماضي (أ.ف.ب)

لكن عاصفة الإمارات لم تكن بداية الأحداث المناخية والكوارث الطبيعية الخطيرة في المنطقة العربية خلال العامين الماضيين؛ ففي أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2021، تعرضت سواحل سلطنة عمان المطلة على بحر العرب – وهو جزء من المحيط الهندي – لإعصار مدمر (الإعصار شاهين) تسبب في كثير من الأضرار للبنى التحتية والرقعة الزراعية والمنازل، كما قطع أبراج الاتصالات، ما عظَّم من الخسائر الاقتصادية والأضرار المادية التي نتجت عن ذلك الإعصار.

وفي شهر سبتمبر (أيلول) من عام 2023، تعرض إقليم شمال شرقي ليبيا لعاصفة خلّفت نحو 5 آلاف قتيل وآلاف المصابين، بحسب تقرير لـ«المنظمة الدولية للهجرة»، نشر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بالإضافة إلى تدمير مدينة درنة التي ابتلع البحر نحو ثلثها، بعد أن تسببت الأمطار الغزيرة في انهيار سدين، ما أدى إلى تدفق مزيد من المياه إلى المناطق المغمورة بالفعل بمياه البحر.

لكن رغم التبعات الكارثية للحدث، يرفض عبد الغني «المبالغة» في وصف الحدث، إذ يعتقد أن ليبيا تعرضت لما يعرف بـ«العواصف شبه الاستوائية»، وأنه لا يمكن وصف الحدث بأنه إعصار: «ما هي إلا عاصفة شبه استوائية بدليل وجود منخفض شبه صحراوي على السواحل الليبية، جزء من هذا المنخفض متعمق فوق سطح البحر المتوسط، والجزء الآخر منه فوق الصحراء الليبية، ويسير من الغرب للشرق بشكل شبه منتظم».

رجال إنقاذ بالقرب من جثث ضحايا لقوا حتفهم بعد فيضانات درنة (إ.ب.أ)

ويشدد عبد الغني على أن «الأعاصير تتكون فوق أسطح المحيطات إذا توافرت لها ظروف وشروط جوية ودرجات حرارة تؤهل تكونها وتعمقها فوق مسطحات المحيطات، ويؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى تضخيم تواتر موجات البحر القصوى، عن طريق رفع خط الساحل الأساسي».

وبحسب تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ عن الظواهر المتطرفة، فإنه بات من الواضح أن التغير المناخي أثّر بشكل ملحوظ على كثير من المتغيرات المرتبطة بالمياه، مثل هطول الأمطار ونشاط الرياح الشديدة، وهي ظواهر ترفع من شدة وسرعة وتيرة حدوث الفيضانات.

البنية البحثية

ورغم تعرض المنطقة العربية للمخاطر البيئية، سواء السيول أو الأمطار الفجائية الشديدة أو الأعاصير والعواصف ونوبات الجفاف والحرارة الشديدة، فإن البنية التحتية البحثية في البلدان العربية لا تزال عاجزة عن سد الفجوات في الدراسات التنبؤية المتعلقة بالمناخ والأرصاد الجوية التي تعتمد بالأساس على الأقمار الاصطناعية المملوكة لدول غربية، وفق باحثين، من بينهم أحمد قناوي، أستاذ الجغرافيا المناخية المساعد، في جامعة المنصورة (دلتا مصر).

يقول قناوي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «تخلو المنطقة العربية من الأقمار الاصطناعية المخصصة للرصد الجوي، باستثناء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) في السعودية، لكن تصدر النماذج المناخية المختصة بالمنطقة غالباً عن جهات بحثية غربية أو اليابان».

ونوّه إلى أنه «حتى هذا النموذج الاستثناء الذي طوّره باحثو (كاوست) والذي تبلغ دقته المكانية من 1 إلى 5 كيلومترات لا يغطي كامل المنطقة العربية، وإنما يركز على المحافظات السعودية فقط».

مشيراً إلى أن «هذا النوع من النماذج المناخية يحتاج أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، في الوقت الذي لا تسمح فيه البنية التحتية البحثية في معظم الجامعات العربية باستخدام هذه التكنولوجيا».

دمار هائل في مدينة درنة الليبية بسبب الفيضانات (أ.ف.ب)

لكن رغم أهمية النماذج المناخية، فإنه «لا يمكن الاعتماد عليها في رصد هذه الأحداث، لأنها تقدم تنبؤات لفترات زمنية طويلة ومتوسطات عامة، ولا توفر تنبؤات دقيقة على مستويات يومية، ومن ثم يكون البديل هو الاعتماد على الأقمار الاصطناعية المختصة بأغراض الرصد الجوي، التي توفر بيانات على مدى زمني قدره أيام، حيث تعتمد أنظمة الإنذار المبكر العربية على هذه الأقمار الاصطناعية الغربية». بحسب قناوي.

وسيؤدي تطوير البنية التحتية البحثية في المنطقة، من خلال الأقمار الاصطناعية المتخصصة والمراكز البحثية وأنظمة الرصد المبكر، إلى تحسين مستوى الاستجابة مع الكوارث، وتجنب أكبر قدر ممكن من تأثيراتها السلبية، وفق أستاذ الجغرافيا المناخية المساعد بجامعة المنصورة المصرية.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط