1

هل سيكون “الغاز الإسرائيلي” أقرب الاحتمالات لتزويد سوريا بالطاقة؟

يعيش الحكم الجديد في سوريا في ذروة جهد مكثف لتوسيع سيطرته في الدولة؛ فهو مطالب بالتصدي للبنى التحتية المتهالكة ولا سيما في مجال الطاقة، ولقدرته على ضمان توريد منتظم للكهرباء على مدى أكثر من بضع ساعات في اليوم. الإمكانيات المتوفرة له قليلة في هذا الموضوع. صحيح أن هناك اتفاقاً مع الأكراد، الذين يتحكمون بحقول النفط في شمال – شرق الدولة على توريد النفط للحكم المركزي، منذ عهد الأسد، لكن التفاصيل اليوم غير واضحة، وليس في ذلك ما يغير صورة الوضع البشعة جوهرياً.

ربما تتردد شركات دولية في التوقيع على عقود مع النظام الجديد عقب علامات الاستفهام القائمة في شأنه وأساساً في ضوء العقوبات الأمريكية. من هنا توجد بضع مصادر محتملة للطاقة بالنسبة لسوريا.

روسيا – شبكة علاقاتها مع النظام السوري الجديد متضعضعة، لكن الطرفين يبديان اهتماماً بفتح “صفحة جديدة”. في الأسابيع الأخيرة، ثمة تقارير بشأن سفن روسية شقت طريقها إلى ميناء بانياس. الشرع ملزم أن يأخذ بالحسبان شبكة علاقاته المستقبلية مع واشنطن في حالة قرر الالتفاف على العقوبات.

الأردن – للمملكة مصلحة واضحة في استقرار الساحة السورية وبتقدم شبكة علاقات بناءة مع النظام الجديد. وحسب تقارير مختلفة، تلقى الأردن إذناً من الولايات المتحدة لتوريد 250 ميغاواط من الكهرباء ليس في ساعات الضغط، لجارته من الشمال. ليس في ذلك ما يلبي احتياجات السوريين كثيراً، لكنها خطوة تدل على استعداد أردني للمساعدة.

تركيا – شبكة علاقات سوريا الجديدة مع أنقرة مقربة جداً. فسقوط الأسد يفتح أمام تركيا بدائل مشوقة لمسارات جديدة للطاقة، ومنها ربط تركيا بأنبوب الغاز العربي من خلال تمديده إلى ما وراء النقطة التي يصل اليها في سوريا، ومشروع إقامة أنبوب غاز بين قطر وتركيا عبر سوريا. لا يوجد في مثل هذه الخطوات ما يحل مشاكل سوريا.

قطر – علم في الأيام الأخيرة بمبادرة قطرية تلقت ضوءاً أخضر من الولايات المتحدة لضخ الغاز إلى سوريا عبر الأردن. إذا ما راجعنا الاحتمالات الفنية لأنبوب الغاز العربي، فإن ضخ الغاز شمالاً ليس ممكنا. فالغاز يمر من خلاله باتجاه واحد، من الشمال إلى الجنوب، أي غاز إسرائيلي إلى الأردن ومن هناك إلى مصر. وثمة ارتباط شمالي بين إسرائيل والأردن ربما يسمح بضخ غاز إسرائيلي إلى أنبوب الغاز العربي، ومن هناك شمالاً إلى سوريا. رسمياً، سيدور الحديث عن “غاز أردني/مصري”. عملياً، هذا “غاز إسرائيلي”.

خطوة دائرية من هذا القبيل، إذا ما خرجت إلى حيز التنفيذ، ستجسد الإمكانية السياسية – الاستراتيجية الكامنة في “دبلوماسية الطاقة”. وهذه وجدت تعبيرها في التعاون الإقليمي، الذي بني في شرق البحر المتوسط في العقد الأخير. إن إمكانية توسيعه وتعميقه قائمة في ظل سياسة إسرائيلية عقلانية وتوافقية. إن مساعدة إسرائيلية كهذه بالطاقة قد تساعد في بناء شبكة علاقات بناءة مع النظام الجديد في سوريا. علامات الاستفهام والشكوك في إسرائيل لا تستبعد التقاء المصالح حيثما توجد هذه.

ميخائيل هراري

صحيفة معاريف العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




القنبلة السلفية والسلم الأهلي في سوريا

لا تمر بضعة أيام دون توتر موضعي في بعض مناطق البلد بسبب تدخلات سلفيين، بعضهم مسلحون ومن قوى الحكم الحالي، في أوجه من حياة السوريين الاجتماعية. الأمثلة متكاثرة، هنا بعضها. تعرضت دورية مسلحة لفنانين شبان صادفتهم في فضاء عام يصورون شيئاً عن الشهيد باسل شحادة. عناصر الدورية رفضوا وصف باسل بالشهيد لأنه غير مسلم، وحطموا صورة له، وتصرفوا بالجملة كميليشيا طائفية مستعلية دينياً ومستقوية بالسلاح (لمن لا يعلم، كان باسل المنحدر من أسرة مسيحية دمشقية قد تخلى عن دراسة السينما في أمريكا وعاد إلى سوريا للمشاركة في الثورة، وقتل في حمص في قصف للقوات الأسدية استهدف سيارته، وكان في الثامنة والعشرين وقت استشهاده). وجال غير مرة دعاة سلفيون في أحياء ذات أكثرية مسيحية في دمشق في سيارات تبث أناشيدهم بمكبرات الصوت، وتدعو إلى الإسلام مثلما يُعرِّفه هؤلاء الدعاة. وآخر تلك الحوادث جرت في حي الدويلعة المختلط السكان، وقد تكفل شبان مسيحيون ومسلمون بصرف الدعاة. وبعد أقل من شهر من سقوط النظام كان دعاة سلفيون، واحد منهم على الأقل غير سوري، ينظمون مسابقة دينية دعوية في مدينة جبلة الساحلية، استفزت السكان الذين بينهم نسبة لا بأس بها من العلويين. وهدد أحدهم طفلاً بالفلقة إن لم يحفظ القرآن.
يدافع موالون للعهد الجديد في سوريا عن الحق في الدعوة السلمية إلى الإسلام، ويقارنون ذلك بحرية الدعوة الدينية في أوروبا. هل هذا وجيه؟ ليس بين الدعاة والمبشرين الدينيين في أوروبا، والأنشط بينهم شهود يهوه وجماعات مسيحية أصغر، وبين الدولة أي التباس؛ وهم لا يستفيدون من حماية خاصة، ولا يستهدفون جماعات دينية مغايرة (المسلمين مثلاً) ليست آمنة تماماً على نفسها، وفي بلد تتملك قطاعات من سكانه خشية مشروعة من الاضطهاد الديني. ثم أن حرية الدعوة أو التبشير الديني في أوروبا هي جزء من الحريات الدينية التي تشمل حرية عدم الاعتقاد الديني، وحرية تغيير الاعتقاد الديني، والحق في الحيرة أو تعليق الحكم في الشأن الديني، وهذا مع حق مكفول للمعنيين في جميع الأحوال بأن يعبروا عن أفكارهم ومعتقداتهم في المجال العام. المقارنة ليس وجيهة بالتالي، ومن يصر عليها مطالب بأن يدافع عن كل هذه الحريات الدينية في سوريا كي يكون متسقاً مع نفسه.
والواقع أن قطاعات السكان المتحفظة على التنطُّع السلفي في سوريا لا تقتصر على مسيحيين أو علويين أو غير مسلمين سنيين، بل تشمل قطاعات من الأخيرين كذلك. الإسلام السني في سوريا متنوع، وغير سلفي في أكثريته. السلفية أخذت بالانتشار في تسعينيات القرن الماضي، ومعها نزعة اجتماعية بالغة المحافظة، وميل قوي إلى التكفير. وبعد الثورة تواطأت شروط داخلية، تمثلت بخاصة مع ديناميكية تجذر وتشدد وعسكرة وأسلمة انتشرت في البيئات السنية التي تعرضت لعنف تمييزي من جهة الحكم الأسدي، مع شروط خارجية، تمثلت أساساً في وجود خميرة جهادية في العراق المجاور، ثم في دعم شبكات سلفية خليجية، أقول تواطأت هذه الشروط الداخلية والخارجية من أجل تسهيل لقاء السلفية والسلاح، لنحصل على طيف متنازع سياسياً (لكن قليل التمايز فكرياً) من سلفية جهادية أممية وسلفية مجاهدة محلية. هيئة تحرير الشام، جبهة النصرة سابقاً، عرضت تحولاً يبدو غير مكتمل من السلفية الجهادية إلى السلفية المجاهدة، لكن تكوينها الأصلي لا يزال حاضراً وفاعلاً سياسياً عبر جهاديين أجانب، يقدر عددهم بنحو 5000، وقد شاركوا في مذابح العلويين في الساحل في وقت أبكر من الشهر الجاري.

آخر ما تحتاجه سوريا بعد الأبد الأسدي وتركته الثقيلة، وبعد نحو 14 عاماً من القسوة والدمار، وبينما يعاني 90 في المئة من السوريين من الفقر، هو أن يُزجّ المجتمع السوري في معارك إيديولوجية ودينية

وبكل تنويعاتها، السلفية ليست الإسلام السني السوري، بل قطاع منه، وافد بقدر كبير من خارج البلد، أو وليد شروط بالغة القسوة من الإفقار السياسي ثم من العنف التمييزي الإبادي بعد الثورة السورية. والعلاقة بين السلفيين واللاسلفيين تنطوي سلفاً على توترات مهددة للسلم الأهلي بقدر لا يقل عما يتصل بمخاوف الجماعات غير المسلمة السنية. قبل حين شكا أمام مسجد من مدينة حماه من تدخل سلفي في صلاة وتدين المؤمنين في مسجده وحيّه. ويبدو أنه جرى إحلال أئمة سلفيين محل ائمة سابقين في مساجد في العديد من مناطق البلد، وينسب لهؤلاء الأئمة الجدد أنهم دعوا الناس للجهاد وقت تفجر العنف في الساحل، وأن لهم ضلعاً بالتالي في مذابح العلويين.
يتجاوز الأمر اليوم أسلمة المسلمين، النهج الذي سار عليه الإسلاميون في الثورة السورية، والذي ينسخ نهج تعريب العرب البعثي، ويتحكم بتعريف الإسلام مثلما تحكم الحكم البعثي بتعريف العرب على نحو يجعل منهم، الإسلاميين والبعثيين، التعبير الوحيد، الأصلح والأصح، عن الإسلام أو العروبة. نقول يتجاوز الأمر اليوم نسق أسلمة المسلمين إلى تسليف السنيين، دفعهم نحو ما سماه الإمام الحموي «تدين نجدي»، ينزع نحو تبديع أو تكفير الممارسات الدينية المحلية، المتشكلة تاريخياً واجتماعياً. هذا لا يؤدي إلى قلاقل سياسية واجتماعية فقط، ولا إلى مخاطر تطال «السلم الأهلي» فقط، وإنما هو مفقر روحياً ودينياً، في مجتمع تعرض لإفقار مديد على هذين المستويين، ويحتاج بالأحرى إلى احترام ما استطاع تنميته في نفسه من روح وقيم رغم كل شيء. مقابل صور التدين المحلي، وليست كلها صوفية بالمناسبة، وغير قليل منها فقهية تقليدية محافظة، السلفية هي المذهب الإسلامي الأقل روحانية، والأكثر تقيداً بشكليات وتفاصيل قيافية وسلوكية وتعبدية جف منها النسغ الروحي. وهي لا تدافع عن حق في الوجود إلى جانب غيرها، بل عن استحقاق للسيطرة على غيرها، لا يمكنه إلا أن يكون مقوضاً للدولة والمجتمع.
وإنما لأن الأمر يتصل بنسق مجرب معلوم مسبقاً، نسق أسلمة المسلمين، فإنه لا يبعد لتسليف السنيين أن يصير سياسة معتمدة إن لم يواجه بمقاومات تضبطه. أمثلة التسليف المذكورة فوق تبدو تكوينية، تتصل بتكوين الفريق المسيطر الجديد، على نحو ينفي كونها «أخطاء فردية»، ويقربها من مسالك منهجية. وإذا كنا نتردد بعض الشيء في الكلام على الصفة المنهجية لتلك المسالك فلأن تكوين المسيطرين الجدد يبدو أقل تجانساً وانسجاماً، وأكثر تنافراً وتجريبية، من أن يسمح بسلوك منهجي على هذا المستوى الدعوي أو غيره. على أنه يسمح سلفاً بالخشية من قنبلة سلفية موقوتة، من شأن انفجارها أن يودي بـ«السلم الأهلي»، وربما بالبلد المزعزع الأركان أصلاً.
آخر ما تحتاجه سوريا بعد الأبد الأسدي وتركته الثقيلة، وبعد نحو 14 عاماً من القسوة والدمار، وبينما يعاني 90 في المئة من السوريين من الفقر، هو أن يُزجّ المجتمع السوري في معارك إيديولوجية ودينية. وآخر ما تحتاجه كذلك استقطابات حادة إضافية تفاقم من تهتك نسيجها الاجتماعي المتهتك أصلاً. تحمل النزاعات الدينية والطائفية والإثنية في داخلها خطر الإبادة على نحو رأينا تحققاً مفزعاً له في الساحل قبل أسبوعين فحسب. الأصح هو نقل الصراعات من الحقل الديني الذي تكون في مطلقة ولا تقبل الحل مثلما نعرف من تاريخنا وتواريخ غيرنا، إلى الحقل السياسي والحقوقي حيث تكون نسبية وقابلة لمعالجات ناجعة. الأصح كذلك توجيه الطاقات المحدودة في اتجاه الدفاع عن الحقوق المهددة والحريات الهشة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية البائسة. وربما يستفرغ السلفيون طاقتهم الفائضة في تأمين موارد لمساعدة الفقراء وإيواء المشردين، في تحسين شروط العيش الدنيوي لملايين السوريين، بدل الانشغال بالمصير الأخروي لغيرهم.

ياسين الحاج صالح

صحيفة القدس العربي




ناشونال إنترست: حملة “الصدمة والترويع” ضد الحوثيين لن تؤدي إلى نتيجة حاسمة في البحر الأحمر

نشرت مجلة “ناشونال انترست” مقالا لجيمس هولمز، رئيس الإستراتيجية البحرية في كلية الحرب البحرية قال فيه إن استراتيجية حملة الرئيس دونالد ترامب ضد الحركة الحوثية تظل قاصرة لأن الحملات الجوية مهما كانت قوية لا تعتبر بديلا عن نشر القوات على الأرض.

وقدم الكاتب قراءة علمية لمفهوم الحرب الجوية مقارنة مع نظريات الحرب التي تؤدي لانتصار الجيوش. وتساءل بداية عن استراتيجية إدارة ترامب في البحر الأحمر وهل ستكون العمليات ضد الحركة الحوثية حاسمة؟

وقال هولمز إن الإدارة الحالية وخلافا لإدارة جو بايدن، ترى أن الهجوم هو أفضل طريقة للدفاع عن الممرات البحرية، حيث تقصف السفن الحربية التابعة للبحرية الأمريكية وحاملات الطائرات المقاتلة/الهجومية مواقع رئيسية في اليمن بمساعدة مقاتلات سلاح الجو الأمريكي، وهم يفعلون ذلك بشكل مستمر تقريبا، وهو ما يعلم الحملة الحالية بأنها هجومية.

استراتيجية ترامب ضد الحركة الحوثية تظل قاصرة لأن الحملات الجوية مهما كانت قوية لا تعتبر بديلا عن نشر القوات على الأرض

 أما إدارة بايدن، فقد فضلت الموقف الدفاعي، والذي دافعت بموجبه، فرق العمل البحرية عن نفسها بينما كانت تسعى جاهدة لحماية سفن الشحن التجاري من صواريخ الحوثيين وطائراتهم المسيرة.

 ونادرا ما لجأت القوات الأمريكية وقوات التحالف التي شكلتها إدارة بايدن للهجوم، حيث أطلقت صواريخ كروز واستهدفت الطائرات الحربية أهدافا ساحلية.

 ويرى هولمز أن الرئيس ترامب تبنى نسخة ثانية من “الصدمة والترويع”، وهو الاسم الذي أطلقته إدارة جورج دبليو بوش على حملتها الجوية ضد العراق عام 2003. ويشترك نهج بوش وترامب بنفس المنطق. وبناء على هذا الأسلوب، تقوم القوات الجوية بتوزيع جهودها في الأجواء لضرب سلسلة من الأهداف العسكرية والمنشآت التابعة للعدو. ولأن الطائرات لا تستطيع البقاء في الأجواء لمدة طويلة، بسبب نفاد وقودها وذخائرها فإنها ليست دائمة وتعطي وقتا للخصم للتكيف والتعافي من الأضرار وكذا تخفيف الصدمة النفسية الناجمة عن التعرض لقصف جوي. ومع ذلك، فهناك مشكلة جوهرية في القوة الجوية. ويظهر التاريخ أن القصف الجوي لا يكون حاسما عندما يتم فصله عن العمليات البرية. فالناس يعيشون على البر والحروب تحسم على الأرض، لا في السماء أو البحر.

وقد أعلن المنظر العسكري جي سي وايلي أن السيطرة على التضاريس الرئيسية أو على بعض المكاسب المادية أو قوات العدو، هو الهدف الأعلى للاستراتيجية العسكرية. ذلك أن السيطرة تعني نشر قوة قتالية كافية للاستيلاء على شيء ما والاحتفاظ به لفترة كافية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية والسياسية.

وبناء على ذلك، يعتبر الأدميرال وايلي “الرجل في ساحة المعركة حاملا سلاحه”، سواء كان جنديا أو جندي البحرية الذي يجوب الأرض اليابسة مزودا بسلاحه، بأنه الحكم النهائي لتحقيق النصر في ساحة المعركة.

 فجميع القوى والتشكيلات العسكرية الأخرى، بما في ذلك القوات الجوية والبحرية، موجودة في النهاية لدعمه.

 وفي الوقت الذي تحاول فيه حملات الصدمة والترويع تجاوز حدود القوة الجوية، محققةً نتائج حاسمة، إلا أن وايلي يصنف القوة الجوية باعتبارها أسلوبا “تراكميا” في شن الحروب وعلى عكس الأسلوب “المتسلسل”. واعتبر أن العمليات المتسلسلة هي مباشرة بطبيعتها وحاسمة إذا تم تنفيذها بقوة ومهارة وحماس. وكما يوضح قوله، فإن القوات التي تشن حملات متسلسلة تنتقل من اشتباك تكتيكي إلى آخر، ومن معركة إلى أخرى، حتى تنتزع السيطرة الكافية من العدو، وعندها تخرج منتصرة.

ومن السهل فهم العمليات المتسلسلة، لأنه يمكنك رسمها على الخريطة أو المخطط البحري كخط أو منحنى مستمر متموج نحو الهدف النهائي. وتعتمد كل مواجهة تكتيكية على تلك التي حدثت قبلها، وتشكل تلك التي ستأتي. ويؤدي تغيير أي مواجهة إلى انحراف التسلسل بأكمله، مما يغير نمط القتال الأكبر. فالعمليات البرية التقليدية هي بالطبع، متسلسلة: ويجب عليك أن تستولي على النقطة (أ) قبل أن تتمكن من الاستيلاء على النقطة (ب).

من السهل فهم العمليات المتسلسلة، لأنه يمكنك رسمها على الخريطة أو المخطط البحري كخط أو منحنى مستمر متموج نحو الهدف النهائي

وبالمقابل، فالعمليات التراكمية، حيث لا يقتصر مفهوم وايلي على القوة الجوية فحسب، بل يشمل أيضا القوة البحرية وحرب المتمردين ومكافحة التمرد، تظل مختلفة. وتتكون الحملة التراكمية من العديد من الاشتباكات التكتيكية غير المرتبطة ببعضها البعض في الوقت أو المكان الجغرافي. كما أن التأثير البصري الناتج عن رسم مثل هذه الحملة المتناثرة على الخريطة أو الرسم البياني ليس خطا أو منحنى بل ويظهر كمجرد بقع طلاء.

فالمقاتل الذي ينفذ حملة تراكمية ينفذ هجمات صغيرة في كل مكان، وليس بالضرورة أن تتزامن الجهود الفردية في الوقت نفسه. كما لا يعتمد الهجوم على الهجوم السابق أو يؤدي إلى الهجوم التالي. ولا يوجد عمل تكتيكي، مثل قصف مصنع أو إغراق سفينة شحن، فهو يوجه ضربة حاسمة واحدة للعدو. وفي النهاية قد تتراكم العمليات الدقيقة وتؤدي إلى شيء كبير. وربما أدت إلى نتيجة حاسمة، ولكنها تظل مكملة للعمليات المتسلسلة وليست بديلا عنها.

والسؤال، هل ستؤدي حملة الصدمة والترويع 2 والتي يشنها ترامب إلى نتيجة حاسمة في البحر الأحمر؟

يقول هولمز إن من السابق لأوانه الجزم بذلك. لكن الأدميرال وايلي سيسخر من ادعاء الطيارين الراسخ بأن القوة الجوية أداة حاسمة في الحرب. وسيسخر تحديدا من افتراضهم بأن القدرة على تدمير شيء من الجو تعادل القدرة على السيطرة عليه. فالسيطرة تمثل الهدف الرئيسي للاستراتيجية العسكرية، أما القصف الجوي، مهما بلغ من الشدة، فلا يمكن أن يحل محل القوات البرية.

وسيعتبر وايلي الحملة الجوية والصاروخية في البحر الأحمر، حتى تلك التي شنت بقوة في ظل “الصدمة والرعب 2.0″، حملة تراكمية تهدف إلى إضعاف الحوثيين وتثبيط عزيمتهم. وفي المقابل، سيعرب عن شكوكه في أن الهجوم سيحقق تلك الأهداف، ما لم ينفذ بالتنسيق مع العمليات البرية، أي حملة عسكرية ناجحة ستحرم الحوثيين من أدوات الحرب، وبخاصة أن عزيمة الحوثيين لاستخدام ما يملكونه من أسلحة لا تقهر.

إلا أن وايلي يذكرنا بأن التدمير لا يعني السيطرة وبدون السيطرة، تفشل الاستراتيجية العسكرية. لذا، فالجواب المختصر هو لا، لن تقود حملة ترامب الحالية ضد الحوثيين إلى نتيجة حاسمة. فرغم أن استراتيجية ترامب هي أفضل من استراتيجية بايدن غير المتواصلة، إلا أنها على الأرجح ستكون مترددة.

وهذا هو رأي وايلي، انطلاقا من قراءته للتاريخ العسكري وهو رأي يتفق معه كاتب المقال هولمز.

وفي النهاية يؤكد الكاتب أن رأيه قائم على الرأي العلمي العسكري وليس رفضا لمجرد الرفض. وهو لا ينطبق على العمليات ضد الحوثيين بل ويلقي ظلال الشك حول جوهر العقلية العلمية.

ففي النهاية، أي نظرية للنصر العسكري ليست سوى نظرية ولا يمكن القبول بها إلا إذا صمدت أمام محاولات “دحضها”. وبهذا المعنى، يعد البحر الأحمر مختبرا لما ينجح وما لا ينجح في الحروب البحرية والجوية المعاصرة. ويجب والحالة هذه النظر إلى الحملة الجوية كتجربة، واستخدام نتائجها في تخطيط الإستراتيجيات والعمليات في ميادين قتال أهم مثل غرب المحيط الهادئ، كما يقول.

مجلة ناشونال انترست

ترجمة ابراهيم درويش




العراق لتشريع «الحشد»… هيكل جديد بصلاحيات الجيش

أظهرت وثيقة حصلت عليها «الشرق الأوسط» لمسودة قانون جديد لـ«الحشد الشعبي» في العراق منْح «الهيئة» صلاحيات موازية للجيش، فيما حددت هيكلاً تنظيمياً لقيادة المؤسسة، مع تقديم استشارات أمنية للحكومة، وتنفيذ عمليات عسكرية واستخبارية.

وأفادت وثيقة تحمل اسم «قانون هيئة الحشد الشعبي» بأن الأخيرة «جزء من القوات المسلحة، وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة»، لكنها في الوقت نفسه تمنحها حق التسلح لحماية النظام الديمقراطي والدستوري في البلاد.

وكان البرلمان العراقي قد قرأ القانون الجديد أول مرة يوم الاثنين 24 مارس (آذار) 2025، بعد أن سحبت الحكومة العراقية قانوناً سابقاً يحمل اسم «قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي الحشد الشعبي».

وسحبت الحكومة العراقية، في 11 مارس 2025، مشروع القانون من مجلس النواب بهدف تعديله بسبب خلافات سياسية، ووسط ضغوط أميركية بأن تخضع «الحشد الشعبي» للحكومة العراقية.

وجرى تغيير اسم مشروع القانون إلى «قانون هيئة الحشد الشعبي»، بينما كان اسم المشروع السابق «قانون خدمة وتقاعد مجاهدي الحشد الشعبي».

وحثت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس، في مؤتمر صحافي يوم 24 مارس الحالي، الحكومة العراقية على أن «تتأكد من سيطرتها على جميع الأجهزة الأمنية داخل حدود العراق، بما في ذلك (الحشد الشعبي)، الذي يجب أن يستجيب للقائد العام، وليس لإيران».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه «أبو فدك»... (أرشيفية - إعلام حكومي)
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه «أبو فدك»… (أرشيفية – إعلام حكومي)

تعريف «الحشد»

يعرّف القانون الجديد «هيئة الحشد الشعبي» بأنها «جزء من القوات المسلحة، وترتبط بالقائد العام»، و«يحظر على منتسبيها الانتماء إلى أي حزب أو ممارسة نشاط سياسي».

ومن شأن إقرار المسودة الجديدة إلغاء قانون «الهيئة» القديم الذي أُقرَّ في عام 2016، كما ستحل «الهيئة» الجديدة، التي تأسست بناء على القانون المعدل، محل «الحشد الشعبي» الحالي.

وحدد القانون الجديد مهمة «الحشد الشعبي» بـ«المساهمة في حماية النظام الديمقراطي في العراق، والدفاع عن البلد وحماية وحدة وسلامة أراضيه، ومكافحة الإرهاب بجميع أشكاله، والمساهمة في تأمين وحماية الأمن الوطني».

وسيكون «الحشد» ملزماً «بناء وتنظيم جهاز عسكري متكامل من حيث التسليح والتجهيز والتدريب وتطويره، وتسليح وتجهيز المجاهدين وتزويدهم بأحدث المعدات التكنولوجية، وإدخال التقنيات الحديثة ونظم المعلومات لتطوير أساليب العمل في الهيئة»، في حال أقر مجلس النواب القانون الجديد.

وستقدم الهيئة «المعلومات والاستشارة للحكومة في القضايا المتعلقة بالأمن الوطني وسلامة الأراضي العراقية»، وهذا من مهام «جهاز المخابرات» الذي من المفترض أن يقدم الاستشارة للسلطات بشأن التهديدات.

هيكل «الحشد»

وتضمنت مسودة القانون الجديد هيكلاً إدارياً لـ«هيئة الحشد الشعبي» لا يختلف كثيراً عمّا هو قائم حالياً، بقيادة رئيس، ورئيس أركان، ودونهما مسؤولو دوائر تخصصية.

ونصّت المسودة على أن «رئيس (الهيئة) هو الرئيس الأعلى والمسؤول عن تنفيذ أعمالها ومهامها، ويمارس الرقابة والإشراف على أنشطتها وفعاليتها، ويكون بدرجة وزير، ويعين وفقاً للقانون».

ولا تشترط هذه الصيغة سناً قانونية للتقاعد؛ مما يعني أن رئيس «الهيئة» الحالي، فالح الفياض، يمكنه الاستمرار في منصبه، بدرجة وزير.

وكان مسؤولون عراقيون وقادة أحزاب بدأوا مفاوضات سياسية لإصلاح «هيئة الحشد الشعبي» استجابة لضغوط أميركية، واقترحوا تعيين ضابط كبير من الجيش رئيساً لـ«الهيئة»، بدلاً من الفياض الذي تجاوز السن القانونية إلى جانب ارتباطه بحزب سياسي.

وحدد القانون الجديد مهام رئيس «الهيئة» بـ«رسم السياسة، وتنفيذ قرارات مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، وإصدار قواعد السلوك والاشتباك الخاصة بمجاهدي (الهيئة)».

ولتعيين رئيس أركان «هيئة الحشد الشعبي»، وضعت مسودة القانون الجديد شرطاً يقضي أن تكون لديه خدمة لا تقل عن 10 سنوات في «الهيئة»، وبرتبة «فريق» أو «فريق أول ركن»؛ مما يعني أن المرشحين للمنصب سيكونون من بطانة الفصائل المسلحة أو ضباطاً موالين لها.

وحدد القانون الجديد مهام رئيس أركان «الهيئة» بـ«تنفيذ الخطط والعمليات العسكرية والاستخباراتية، والإشراف على تسليح وتجهيز وتدريب مجاهدي (الهيئة)، والرقابة على سير النظام العسكري في (الهيئة)».

وفي حال أُقرت المسودة، فإن حسابات «(هيئة الحشد الشعبي)… ستخضع لرقابة وتدقيق ديوان الرقابة المالية الاتحادي».

«مجاهد»… و«أكاديمية»

وردت كلمة «المجاهد» 4 مرات في مسودة القانون لوصف العنصر المقاتل في «الحشد الشعبي»، كما منحت «الهيئة» حق تأسيس مديرية تحمل اسم «التوجيه العقائدي».

وتنص المسودة على «نشر ثقافة الدفاع عن الوطن وتشجيع المواطنين على التعاون مع (هيئة الحشد الشعبي)».

وكان القانون السابق قد تضمن تصنيفات لعناصر «الحشد الشعبي» شملت أوصافاً عقائدية؛ من بينها العنصر «المبلغ» المكلف الإرشاد الديني والعقائدي.

ووفق المسودة الجديدة، فإن «الهيئة» تؤسس «أكاديمية الحشد الشعبي» التي تتمتع بالشخصية المعنوية وترتبط برئيس «الهيئة»، وتمنح شهادة البكالوريوس في العلوم العسكرية. إلى جانب تأسيس «شركة المهندس العامة للمقاولات» لتنفيذ مشروعات إنشائية وهندسية وميكانيكية.

وفقاً للمسودة، فإن «الحشد الشعبي» سيشترك مع الجيش العراقي وجهاز المخابرات في عدد من المهام التي حددها الدستور؛ أبرزها «الدفاع عن العراق وحماية النظام الديمقراطي»، و«مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله»، و«تقديم الاستشارات الأمنية للحكومة»، و«تنفيذ العمليات العسكرية اللازمة لحماية العراق»، و«تنفيذ عمليات عسكرية واستخباراتية».

صحيفة الشرق الاوسط




تبادل اتهامات حاد بين السودان والإمارات في مجلس الأمن ورئيسة المجلس تتدخل

شهدت الجلسة المفتوحة لمجلس الأمن الدولي حول السودان، اليوم الجمعة، تبادلاً حاداً للاتهامات بين السفير السوداني الحارث إدريس الحارث والسفير الإماراتي محمد عيسى أبو شهاب، ما دفع رئيسة المجلس، سفيرة الدنمارك، إلى التدخل لإنهاء الجدل.

الجلسة، التي تحدث فيها ممثلو جميع أعضاء المجلس، بالإضافة إلى المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسل، والأمين العام لمنظمة “أطباء بلا حدود”، كريستوفر لوكيير، ركزت على الوضع الإنساني المتفاقم في السودان والانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون، خاصة النساء والأطفال.

وفي ختام المداولات، أُعطيت الكلمة للسفير السوداني، تلاه السفير الإماراتي، حيث تبادل الطرفان سلسلة من الردود الحادة، مما اضطر رئيسة المجلس إلى التدخل وإبلاغ كل منهما بأنها ستنهي قبول حق الرد لإنهاء الجلسة.في كلمته أمام مجلس الأمن، أكد السفير السوداني الحارث إدريس الحارث أن الجيش السوداني يعمل على حماية المدنيين، مشيرًا إلى أن الدولة وضعت خارطة طريق متكاملة لحماية المدنيين في المناطق التي يسيطر عليها الجيش، وقدمتها إلى رئاسة وأعضاء مجلس الأمن.

كما شدد الحارث على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها قوات الدعم السريع، متهمًا إياها بجرائم حرب تضمنت الاغتصاب الجماعي، والاستعباد الجنسي، وبيع الفتيات والنساء. وأوضح أن الدولة أنشأت وحدة لمكافحة العنف ضد المرأة بهدف حماية النساء، وتأهيلهن، وتوفير سكن آمن، وإنشاء لجان حماية ومراكز إيواء، لافتا إلى أن هذه الوحدة تتعاون مع منظمة اليونيسف لتدريب المتطوعات، والحماية من التحرش، وتسهيل الوصول إلى نظام العدالة.

واتهم السفير السوداني قوات الدعم السريع بارتكاب عمليات اغتصاب جماعي للرجال بهدف إذلالهم وكسر كرامتهم، مشيرًا إلى أن هذه الجرائم ارتُكبت بمساعدة مرتزقة وأفراد أجانب بدعم من “الراعي الإقليمي”، في إشارة ضمنية إلى جهات يُعتقد أنها تدعم هذه القوات.
أوضح السفير السوداني أن وحدة مكافحة العنف ضد المرأة وثّقت أكثر من 1138 حالة اغتصاب استُخدمت وسيلةً لكسر كرامة الأسر، بالإضافة إلى 36 حالة استعباد جنسي.

ودعا السفير مجلس الأمن إلى تقديم الدعم اللازم لضحايا العنف الجنسي، مطالبًا بتوفير الرعاية الشاملة، والإجهاض الآمن، وإنشاء مراكز آمنة لحماية النساء، إلى جانب دعم المنظمات المحلية العاملة في هذا المجال.قال السفير الإماراتي محمد عيسى أبو شهاب إن الشعب السوداني تعرض خلال 699 يومًا للهجمات القاتلة التي استهدفت المدنيين، وخاصة النساء. وقدم في كلمته توصيات من بينها اعتبار حالات العنف ضد النساء كأحد المعايير التي تستدعي فرض العقوبات على مرتكبيها. كما شدد على ضرورة محاسبة كل من ارتكبوا جرائم الاغتصاب، خاصة ضد الأطفال، داعيًا إلى تقديم الدعم للضحايا بما في ذلك الدعم النفسي.

قال السفير الإماراتي محمد عيسى أبو شهاب إن بلاده قدمت مساعدات إنسانية بقيمة 600 مليون دولار منذ بداية الصراع، لكنه أشار إلى أن المطلوب هو مزيد من الدعم. كما طالب مجلس الأمن بضمان دخول المساعدات عبر كافة نقاط الدخول. وأكد أن الإمارات لا تزال ملتزمة بدعم الشعب السوداني. وفي النقطة الأخيرة من مداخلته، دعا السفير المجلس إلى إجبار الأطراف المتحاربة على وقف أصوات البنادق.

وطلب السفير السوداني حق الرد على نظيره الإماراتي، قائلا إن الإمارات تمارس دورا شريرا في بلاده “وإن لم يتوقف دورها في دعم ميليشيا الدعم السريع وحكومتها الموازية وعلى المجلس أن يكون واضحا في تحديد اسم الإمارات بدل قول العناصر الخارجية. العنصر الخارجي في هذه الحرب هي دولة الإمارات. يقولون إنهم يريدون أن يسيطروا على السودان لأن لهم مصالح فيه، وهل لا تحمى المصالح إلا بالحرب ودعم الميليشيات وقصف دارفور 188 مرة وعن طريق محاولة إنشاء مطار في نيالا وعن طريق المسيرات؟. ألا يخجل مندوب الإمارات حين يقول إنه يدعم الشعب السوداني؟”.

رد السفير الإماراتي محمد عيسى أبو شهاب قائلاً: ” السفير السوداني يتهرب من تحمل المسؤولية ويحاول إلقاء اللوم على الآخرين. نحن نؤكد أن الإمارات لم تكن طرفاً في هذا الصراع وهي ليست طرفاً الآن، ولا تأخذ موقفاً مع أي طرف. الكذب سيظل كذباً. الحقيقة هي أن الأطراف المتحاربة هي المسؤولة عن وقوع الضحايا، وعن استخدام الأسلحة الكيميائية، وعن استخدام العنف الجنسي كوسيلة في الحرب. هم المسؤولون عن عدم الحضور إلى طاولة المفاوضات. فقط أطراف الصراع هم من يستطيعون إيقاف هذه الحرب. لا حل عسكرياً لهذا الصراع”.

طلب السفير السوداني الرد مرة أخرى، فنبهته رئيسة المجلس إلى أن هذه ستكون المداخلة الأخيرة. وقال السفير السوداني: ” الحرب ستتوقف عندما تتوقف الإمارات عن التدخل في شؤوننا. والإثباتات موثقة في تقرير الكونغرس الأمريكي والبحوث الكثيرة، وقد قدمنا وثائق من 74 صفحة لمجلس الأمن لإثبات التدخل الإماراتي الذي يهدف إلى سرقة مواردنا”. وأضاف: “هناك وثيقة تثبت أن الإمارات تشتري السلاح الأمريكي وتحوله إلى الميليشيات، وسيأخذ الكونغرس الأمريكي قراراً في هذا الشأن”.

رد عليه السفير الإماراتي مجدداً، وتلقى أيضًا تنبيهاً من الرئيسة أن هذا سيكون الرد الأخير، قائلاً: ” السفير السوداني يدعي أنه ملتزم بالسلام. إذا كان كذلك، فلماذا يرفض المشاركة في أي مبادرة تدعو إلى السلام؟ الجيوش تقام لحماية شعوبها، ولحماية النساء والأطفال من أي ضرر، لا لقتلهم وإلحاق الأذى بهم. الجيش يحمي الحدود ويحمي الشعب. فلماذا لا يأخذ هؤلاء هذه المهمة بجدية؟ مرة أخرى، أدعو إلى وقف إطلاق النار و الانخراط في مفاوضات سلام بدلاً من توجيه الاتهامات لبلدي”.

https://x.com/tajalsserosman/status/1900268448225055217?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1900268448225055217%7Ctwgr%5E685d12043fd18133d0c4153b4f0624fe54f4b345%7Ctwcon%5Es1_c10&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.alquds.co.uk%2FD8AAD8A8D8A7D8AFD984-D8A7D8AAD987D8A7D985D8A7D8AA-D8ADD8A7D8AF-D8A8D98AD986-D8A7D984D8B3D988D8AFD8A7D986-D988D8A7D984D8A5D985D8A7D8B1%2F

اليونسيف: الانتهاكات الجنسية للأطفال غير مقبولة

وكانت المديرة التنفيذية لليونيسف، كاثرين راسيل، قد بدأت الجلسة وتحدثت عن التقارير التي تلقتها والمثيرة للقلق عن انتهاكات جسيمة ضد الأطفال المحاصرين في هذا الصراع، بما في ذلك تجنيدهم واستخدامهم من قبل الجماعات المسلحة. وقالت إنه بين حزيران/ يونيو وكانون الأول/ديسمبر 2024، تم الإبلاغ عن أكثر من 900 حادثة انتهاك جسيم ضد الأطفال، لكنها أكدت أن هذه الأرقام ليست سوى جزء بسيط من الواقع.

وأضافت أن الاستخدام واسع النطاق للأسلحة المتفجرة له تأثير مدمر على الأطفال وسيستمر تأثيرها على المجتمعات بعد انتهاء الحرب. وقالت راسل إن الصراع يشهد أيضا انهيارا لسيادة القانون وإفلاتا تاما من العقاب على الأذى المروع الذي يلحق بالأطفال.

وأضافت مديرة اليونسيف: “في السودان اليوم، ينتشر العنف الجنسي. ويُستخدم لإذلال شعب بأكمله والسيطرة عليه وتفريقه وإعادة توطينه قسرا وإرهابه. وفي الوقت الحالي، يُقدر أن 12.1 مليون امرأة وفتاة وعددا متزايدا من الرجال والفتيان معرضون لخطر العنف الجنسي. هذه زيادة بنسبة 80 في المئة عن العام السابق”.

ووفقا للبيانات التي حللتها اليونيسف، تم الإبلاغ عن 221 حالة اغتصاب ضد الأطفال في عام 2024 في تسع ولايات. وفي 16 من هذه الحالات، كان الأطفال دون سن الخامسة وأربعة رضع دون سن عام واحد.

وقالت راسل إن البيانات لا تقدم سوى لمحة عن أزمة أكبر وأكثر تدميرا، حيث لا يرغب الكثيرون أو لا يستطيعون الإبلاغ،

أطباء بلا حدود: فشل المجلس تخل عن مسؤولياته

من جهته، قال الأمين العام لمنظمة أطباء بلا حدود، كريستوفر لوكيير، إن دعوات مجلس الأمن المتكررة لإنهاء النزاع وحماية المدنيين ليس لها أثر على إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق.

وأضاف: “بينما تُدلى البيانات في هذه القاعة، يظل المدنيون مغيبين عن الأنظار، بلا حماية، يتعرضون للقصف والحصار والاغتصاب والتشريد، محرومين من الطعام والرعاية الطبية والكرامة. تتعثر الاستجابة الإنسانية، حيث تشلها البيروقراطية وانعدام الأمن والتردد، وبسبب ما يمكن أن يصبح أكبر سحب للاستثمارات في تاريخ المساعدات الإنسانية. بالنسبة لزملائي في الخرطوم، وفي طويلة، وفي نيالا – ولمرضانا في جميع أنحاء السودان – فإن فشل هذا المجلس في ترجمة مطالبه إلى أفعال يبدو تخليا عنهم في مواجهة العنف والحرمان”.

وقال لوكيير “إن إعلان جدة كان ينبغي أن يكون لحظة فاصلة، لكنه أصبح أكثر بقليل من مجرد درع خطابي مناسب – يُستدعى للتعبير عن القلق فيما يعفى المسؤولون والمؤثرون من اتخاذ إجراء حقيقي”.

ودعا إلى ميثاق جديد يصون بقاء الشعب السوداني وكرامته، ويخضع لمراقبة مستقلة، تدعمه آلية مساءلة قوية تضمن التزام جميع أطراف النزاع بتعهداتها. وقال إن الأزمة في السودان تتطلب تحولا جذريا عن نهج الماضي الفاشل. ملايين الأرواح تعتمد على ذلك.

صحيفة القدس العربي




بوهلر: “لسنا وكالة لإسرائيل”.. وترامب بدأ يسأم من نتنياهو وائتلافه

الرئيس الأمريكي سئم من مماطلة نتنياهو في المفاوضات لعقد صفقة مع حماس. في البداية، استبعد هو ومساعدوه حكومة إسرائيل من المفاوضات وتحدثوا مع حماس مباشرة. ويحاولون الآن التخلص من الوسيط حتى في القناة الداخلية الإسرائيلية، والتحدث مباشرة إلى الشعب. مبعوث ترامب الخاص لشؤون المخطوفين، آدم بوهلر، طرح مساء أمس على الجمهور الإسرائيلي الصورة التي يرفض نتنياهو عرضها – تم تحقيق تقدم في المفاوضات، وهناك مخطوفون سيعودون إلى البيت. “أقول لمواطني إسرائيل، لا تخافوا أن ينساكم الرئيس الأمريكي”، قال بوهلر في مقابلة مع “أخبار 12”. هكذا ببساطة، قفز عن ماكينة الإعلام.
تصريح بوهلر في “سي.إن.إن”، “نحن ولايات متحدة لأمريكا ولسنا وكالة لإسرائيل”، يميز الأسلوب غير الدبلوماسي للإدارة الجديدة. وثمة تصريح مشابه لممثل في الإدارة السابقة كان سيهز الأرض في إسرائيل. ربما تعودنا على إدارة ترامب، لكننا لم نستوعب حتى الآن. هذه هي بوصلة الولايات المتحدة للصفقات القريبة في الشرق الأوسط، ومن الجدير بنتنياهو أن ينقش هذه الجملة على ذراعه أو على الأقل تعليقها في مكتبه. الأمور سبق وكتبت هنا أكثر من مرة، وسنكررها مرة أخرى – من ناحية ترامب، هذا هو تسلسل الأمور: إعادة المخطوفين، إنهاء الحرب، ثم الصفقة الكبيرة مع السعودية.
حماس استوعبت الرسالة بمساعدة قطر (أو ربما قطر استوعبتها بمساعدة حماس). قال بوهلر في مقابلات مع وسائل الإعلام الإسرائيلية إن حماس مستعدة لصفقة شاملة تشمل وقف إطلاق النار لخمس – عشر سنوات ونزع السلاح والتنازل عن الحكم في القطاع. هذه هي الصورة الكبيرة، حتى لو أوضح سموتريتش اليوم في لوبي “أرض إسرائيل الكاملة” في الكنيست بأن وزارة الدفاع تعمل على إقامة إدارة لتشجيع الهجرة من غزة. مصدر مطلع على مضمون اللقاء بين ترامب ونتنياهو في البيت الأبيض، قال للصحيفة إنه عندما طرح رئيس الحكومة في محادثاته مع ترامب معارضة الحكومة لمواصلة الصفقة، أجاب الرئيس بأن عليه معرفة كيفية إدارة الائتلاف. مع كل الاحترام، ترامب لن يسمح لسموتريتش بتأخير تنفيذ خطته.
كل الجهود تصب في محادثات يوم الثلاثاء في الدوحة. تتحدث إسرائيل عن صفقة يوم الثلاثاء أو الأربعاء، وأن هناك مخطوفين سيعودون السبت أو الأحد. حتى لو كانت هذه الأفكار متفائلة قليلاً، فالتوجه نفسه واضح. أتباع رئيس الحكومة يحبون وصفه كمن يلعب الشطرنج مع الجميع. عملياً، لعب نتنياهو البوكر مع الجميع في هذه الحالة. جاء القطريون وحفروا له نفقاً تحت السور. وهو الآن بدون حماية.
قطر من ناحيتها تأخذ لنفسها المكان الرئيسي على طاولة المفاوضات، وتزيح المصريين. في الدوحة كل شيء محسوب. رئيس حكومة قطر، محمد آل ثاني، أجرى مقابلة مع الصحافي المحافظ جداً تاكر كارلسون، المقرب من إيلون ماسك. في خطوة مثيرة للاهتمام، تحدث آل ثاني مباشرة إلى اليمين الأمريكي العميق. البدلة الغربية التي كان يرتديها أثناء المقابلة مع “أخبار 12” استبدل بها العباءة والكوفية. استضاف آل ثاني مجري المقابلة في بيته الخاص.
فيما يتعلق بإيران، نقل آل ثاني رسائل للانفصاليين من نوع كارلسون. السلام أفضل من الحرب. وقد أكثر من مدح ويتكوف في المقابلة، وأشار إلى أنهما صديقان إلى درجة أن آل ثاني شارك في حفل زفاف نجل ويتكوف قبل عشرة أشهر من الانتخابات الأمريكية. “من ينتقده باعتباره أداة قطرية، أشخاص لا يريدون صفقة”، شرح رئيس الحكومة القطرية. الرسالة واضحة: ويتكوف وآل ثاني يريان الصفقة بالمنظار نفسه. ورون ديرمر الكبير، مبعوث نتنياهو ووزير الشؤون الاستراتيجية، لم ينجح في التفريق بينهما.

حاييم لفنسون

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




لوموند: الخطة العربية بشأن غرة واقعية

السلام الذي تنشده المنطقة لا يمكن تحقيقه من خلال إنكار الحقوق المشروعة لشعب بأكمله

ذكرت صحيفة لوموند الفرنسية، في افتتاحيتها الصادرة اليوم الإثنين تحت عنوان “خطة عربية واقعية لقطاع غزة”، أن الدول العربية رغم تعرضها لانتقادات كثيرة بسبب سلبيتها، بادرت باتخاذ خطوة مهمة في النزاع الإسرائيلي الفلسطيني عبر اعتماد خطة طموحة لإعادة إعمار قطاع غزة يوم الثلاثاء الرابع من مارس/آذار.

وأضافت الصحيفة: “في الوقت الذي يستمر فيه وقف إطلاق النار الهش في هذا الشريط الضيق من الأرض، الذي دمره الرد الإسرائيلي على هجوم حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، يتعين علينا الترحيب بهذه الخطة، التي تسعى إلى منح الأمل لسكان غارقين في أقسى أشكال البؤس”.

وتابعت الصحيفة الفرنسية مؤكدة أنه رغم إمكانية تحسين مضمون هذه الخطة، نظراً للتحدي المزدوج المتمثل في إعادة إعمار غزة وإدارتها، فإن مبادئها تستند إلى تقييم واقعي للوضع. كما أن المبلغ المقدر، الذي يتجاوز 50 مليار دولار، يتوافق مع تقديرات الأمم المتحدة.

وأشارت صحيفة لوموند إلى أن الرغبة في تهميش حركة حماس تبدو واضحة أيضاً، حيث “فقدت الحركة الإسلامية شرعيتها في نظر من تزعم أنها تمثلهم”. واعتبرت الصحيفة أن الحرص على ربط عملية إعادة الإعمار هذه بالمشروع السياسي لحل الدولتين يُظهر التزام الدول العربية بمبدأ ربط التطبيع الكامل مع إسرائيل دائماً بتحقيق تقرير المصير للفلسطينيين في الأراضي التي احتلتها إسرائيل بالقوة عام 1967.

ورأت صحيفة لوموند أن الرفض الفوري لهذه الخطة من قبل السلطات الإسرائيلية، التي لا تزال تمنع الصحافة من دخول غزة، أمر مؤسف للغاية، ليس فقط لأنها لم تقدم حتى الآن أي بديل، ولكن أيضاً لأنها تبدو وكأنها تتجاهل، أكثر من أي وقت مضى، آراء جيرانها العرب، بمن فيهم أولئك الذين أبرموا معها اتفاقات أثبتت متانتها. وأكدت الصحيفة أن تبني سياسة الرفض الدائم لكل شيء يؤدي حتماً إلى طريق مسدود، وهو ما تجلت آثاره المأساوية واليائسة بوضوح.

وترى صحيفة لوموند أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعتبر أن الحديث عن “اليوم التالي” يعني بالضرورة مراجعة حسابات “اليوم السابق”، أي الخيارات السياسية التي قادت إلى هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول. وبينما انخرط الجيش الإسرائيلي والمخابرات الداخلية في عملية مراجعة مؤلمة، يواصل نتنياهو رفض القيام بذلك، مما يعكس تمسكه بنهجه دون الاعتراف بالمسؤوليات أو الأخطاء.

وأكدت صحيفة لوموند أن حكومة نتنياهو تجد في واشنطن حليفًا سياسيًا وأيديولوجيًا لا يفعل سوى دفعها نحو مزيد من التعنت. ويتجلى هذا التوجه الأمريكي في استقبال وزير الخزانة سكوت بيسنت لوزير اليمين المتطرف بتسلئيل سموتريتش، بل ويتعدى ذلك إلى الاقتراح غير الأخلاقي والخيالي الذي طرحه دونالد ترامب بإفراغ قطاع غزة من سكانه وتحويله إلى مشروع عقاري.

وأعربت الصحيفة عن أملها في أن تلتزم الدول العربية بمخططها لإعادة إعمار غزة، وهو المشروع الذي حظي بدعم الدول الأوروبية الكبرى، بما في ذلك ألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وفرنسا. واعتبرت الصحيفة أن هذا الالتزام يعيد التأكيد على مبدأ جوهري تم تجاهله بشكل مأساوي خلال اتفاقات أبراهام الأولى التي وُقعت عام 2020 بين إسرائيل والبحرين والإمارات والمغرب: وهو أن السلام الذي تنشده المنطقة لا يمكن تحقيقه من خلال إنكار الحقوق المشروعة لشعب بأكمله.

صحيفة لوموند الفرنسية




كيف ومتى أصبحت جيبوتي مفتاح النفوذ السعودي في إفريقيا؟

في السنوات الأخيرة، شهدت السياسة الخارجية السعودية تحوّلاً كبيراً، مدفوعاً برؤية المملكة 2030، التي أعلنها وليّ العهد السعودي محمد بن سلمان، في تشرين الأول/ أكتوبر2017، وتقوم على فكرة محورية تتمثل في بناء دولة قوية مزدهرة، تتجاوز حدود الاعتماد على عوائد تصدير النفط، إدراكاً منه أنّ ذلك سوف يبقي عليها كدولة ريعية، ويهدد اقتصادها بتقلّبات مستمرّة. لذا تبنّت رؤيةً تهدف إلى تقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز مكانة السعودية كقوة إقليمية مؤثرة. 

انعكس هذا التحوّل في توجّه المملكة نحو إفريقيا، حيث شهدت العلاقات بين المملكة العربية السعودية ودول القارة الإفريقية، تطوّراً نوعياً خلال العقد الأخير، لتتجاوز ملفات العون الاقتصادي والمساعدات الإنسانية، بالتزامن مع مجموعة من المتغيرات، أهمها احتدام المنافسة بين القوى الدولية والإقليمية، لضمان وتعظيم مصالحها الوطنية في القارة، وتنامي أنشطة الإرهاب والهجرة غير المشروعة والجريمة المنظّمة فيها، ورغبة المملكة في تنويع خريطة شركائها الخارجيين، وتقليل الاعتماد على الغرب، والاستفادة من الإمكانيات الاقتصادية للقارّة، وتبرز جيبوتي كإحدى المحطات الأساسية لهذه الإستراتيجية، نظراً إلى موقعها الجغرافي الحيوي على مضيق باب المندب، وأهميتها في التوازنات الإقليمية، سواء على الصعيد السياسي أو العسكري أو الاقتصادي.

العلاقات التاريخية بين السعودية وجيبوتي

تعود جذور العلاقات بين السعودية وجيبوتي، إلى العقود الأولى لاستقلال الأخيرة، حيث كانت المملكة من أوائل الدول التي اعترفت رسمياً بها كدولة ذات سيادة، وافتتحت قنصليتها فيها عام 1976، أي قبل الاستقلال الرسمي عن فرنسا، ثم تحولت القنصلية إلى سفارة في عام 1977، ما يعكس اهتمام المملكة بتعزيز وجودها الدبلوماسي في هذه الدولة ذات الأهمية الإستراتيجية. في المقابل، كانت سفارة جيبوتي في السعودية، من أولى السفارات (الجيبوتية) التي افتُتحت في جميع أنحاء العالم.

سارعت السعودية مستغلة تدهور العلاقات بين جيبوتي وإيران، لتوقيع اتفاقية عسكرية ودفاعية في عام 2017 مع جيبوتي، لإنشاء قاعدة عسكرية هناك لردع إيران، ولتكون بمثابة منصة للعمليات العسكرية في اليمن، ولفرض حصار بحري عليها منعاً لمد قوات الحوثيين بالأسلحة والمساعدات العسكرية

يمكن وصف العلاقات الثنائية بالاسقرار -نسبياً- وقد شهدت جوانب عديدة من التقارب، حيث دعمت جيبوتي العمليات العسكرية التي قادتها السعودية ضد الحوثيين في اليمن، عام 2015، وخفّضت على إثر هذا الدعم علاقتها بقطر في أعقاب الخلاف الدبلوماسي بين الأخيرة والكتلة التي تقودها السعودية، ما أدّى إلى سحب قطر قوات حفظ السلام التابعة لها، وتخلّيها عن دورها كوسيط بين إريتريا وجيبوتي في حزيران/ يونيو 2017. وسرعان ما تولّت السعودية دور الوسيط في النزاع، بدلاً من قطر، إلى أن حُلّ في 2018.

أما على الجانب الأمني، ففي عام 2016، وعندما أجرت السعودية مناورات “رعد الشمال“، التي تُعدّ من أكبر الأحداث العسكرية في العالم، من حيث عدد الدول المشاركة، واتّساع منطقة المناورات، والعتاد العسكري المتقدم، من أسلحة ومعدّات عسكرية نوعية، كانت جيبوتي من المشاركين فيها إلى جانب 19 دولةً أخرى.

وعلى الجانب التنموي قدمت السعودية حتى الآن مساعدات لجيبوتي بقيمة تفوق 370 مليون دولار، تنوعت بين تطوير للبنى التحتية والتعليم والصحة ومشروعات أخرى.

أهمية جيبوتي في الاستراتيجية السعودية

تمثل جيبوتي إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية السعودية الحديثة التي تتطلع إلى تعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، لا سيما في المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية مثل القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، حيث الدولة الإفريقية موقعًا استراتيجيًا على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة والطاقة العالمية والذي يحصد المرتبة الثالثة عالمياً، قياساً بدوره فى خدمة التجارة العالمية، بعد مضيقى هرمز وملقا، ما يجعلها نقطة محورية في التوازنات الإقليمية. وتسعى المملكة العربية السعودية في إطار رؤيتها 2030 إلى تنويع تحالفاتها الدولية وتعزيز وجودها في إفريقيا عبر بوابة جيبوتي، وذلك من خلال الاستثمار في قطاعات البنية التحتية واللوجستيات.

رغم التنافس بين إيران السعودية، لكن ميزان العلاقات الرسمية مال لصالح المملكة، التي دعمت جيبوتي بما يزيد عن 370 مليون دولار لتمويل مشاريع تنموية وبنى تحتية.

وفقًا لهذة الرؤية وطبقًا لموقع جيبوتي قررت السعودية إنشاء مركز لوجستي في المنطقة الحرة بجيبوتي، وهو ما أحدث تطور في جهود المملكة العربية السعودية لتوسيع العلاقات التجارية مع أفريقيا، فإن المدينة اللوجستية السعودية ستغطي مساحة 120 ألف متر مربع في المرحلة الأولى بعقد إيجار مدته 92 عامًا، وستشمل تلك المنطقة مستودعات ومرافق تجارية ومعرضًا للصناعات السعودية، لتكون المنطقة مركزاً للصادرات في جميع أنحاء أفريقيا.

ومن المتوقع أن يزداد حجم التجارة السعودية الجيبوتية مع توجه المملكة لإقامة خطوط بحرية وبرية وجوية مباشرة مع جيبوتي، حيث ستكون الخطوط الملاحية بين موانئ جيبوتى وجدة وجازان، بالإضافة لتسيير رحلات منتظمة ومباشرة من المملكة العربية السعودية إلى جيبوتي اعتباراً من بداية عام 2025. 

هذا بجانب تعزيز التعاون الأمني والعسكري لضمان الاستقرار الإقليمي وحماية مصالحها الاقتصادية والسياسية، حيث أن أهمية جيبوتي بالنسبة للسعودية تتجاوز البعد الاقتصادي، إذ إنها تمثل نقطة ارتكاز استراتيجية يمكن من خلالها التأثير على الديناميكيات الإقليمية، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد على النفوذ في منطقة البحر الأحمر، كما أن التقارب الجيبوتي-السعودي يعكس أيضًا أبعادًا سياسية وأمنية نظرًا لموقعها والذي يقع على مقربة من الطرف الغربي من المحيط الهندي، خصوصًا مع تنامي التهديدات التي تشكلها الجماعات المسلحة والقرصنة البحرية والتي اشتهرت بها تلك البقعة، بالإضافة لبعدها عن اليمن (معقل الحوثيين والذي يمثل التهديد الأكبر للسعودية ) بمسافة 20 ميلًا، والذي يقودنا إلى التنافس السعودي الإيراني وانعكاساته على العلاقات مع جيبوتي.

فالعلاقات السعودية والإيرانية في جيبوتي تعكس التنافس الإقليمي بين البلدين في منطقة القرن الأفريقي، حيث تسعى كل من الرياض وطهران لتعزيز نفوذهما في جيبوتي.

تنافس إيراني قرب المضيق

على الرغم من أن إيران من بين أوائل الدول الإسلامية التي بادرت بالاعتراف بدولة جيبوتي كما هو الحال مع السعودية، وعلى الرغم من تشابه الدوافع لدى الدولتين للوجود في جيبوتي، إلا أن العلاقات الجيبوتية الإيرانية لم تتسم بالاستقرار، وكان الميزان الرسمي -إن صح التعبير- مائلاً لجهة السعودية عن إيران.

فمن الجانب التنموي والإنساني فتستخدم الرياض المساعدات والاستثمارات لكسب تأييد جيبوتي حيث قدمت المملكة دعماً اقتصادياً في تمويل مشاريع البنية التحتية مثل الموانئ والطرق، بينما تواجه إيران صعوبات في مواكبة هذا الدعم بسبب عزلتها الدولية.

ومن الناحية الدينية تحاول إيران نشر نفوذها الأيديولوجي في بعض دول القرن الأفريقي كما تفعل في الغرب الإفريقي، حيث قامت بافتتاح عدداً من المراكز الشيعية في جيبوتي والذي يعد من أهمهم “مركز أهل البيت” وذلك خلال عام 2014، ولكن لم يظهر أثر هذا التحرك بأرقام رسمية، وتظل جيبوتي أقرب إلى النهج السني والذي تتبعه السعودية وتدعمه ببناء مساجد وفتح مدارس قرآنية. 

 أما دبلوماسياً وكما ذكر سلفاً، فعلى الرغم من أن السعودية وإيران كانتا من أوائل الدول التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جيبوتي، إلا أن العلاقات ظلت مستقرة مع السعودية، بل ودعمتها جيبوتي بأن قطعت علاقاتها الدبلومسية مع إيران في عام 2016 تضامناً معها إثر الاعتداء على السفارة السعودية في طهران، وبعد المصالحة بين السعودية وإيران في آذار/ مارس 2023، أعادت جيبوتي العلاقات الدبلوماسية مع إيران في أيلول/ سبتمبر من نفس العام.

تسعى المملكة في إطار رؤيتها 2030 إلى تنويع تحالفاتها الدولية، وتعزيز وجودها في إفريقيا عبر بوابة جيبوتي، وذلك من خلال الاستثمار في قطاعات البنية التحتية واللوجستيات. لذا تمثل جيبوتي إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية السعودية الحديثة التي تتطلع إلى تعزيز نفوذها في القارة الأفريقية، نظرًا لموقعها الاستراتيجي على مضيق باب المندب

عسكرياً، وصل التعاون العسكري في 2011 بين طهران وجيبوتي، محطته الأهم، حيث تم إبرام اتفاقيات تعاون في مجال تقديم الدعم العسكري الإيراني البحري إلى جيبوتي، يقضي بموجبه أن تقدم طهران مساعدات لقوات البحرية الجيبوتية في عديد من المجالات، من بينها التدريب وتطوير المعدات العسكرية، إلا أن دعم جيبوتي لجبهة السعودية لاحقاً في عملية “عاصفة الحزم”، والذي تلاه قطع العلاقات الدبلوماسية حال بين استكمال هذا التعاون.

ولكن إيران دائماً ما حاولت -حتى على المستوى غير الرسمي- التواجد في جيبوتي بطرق مختلفة، حيث تم رصد محاولات لشركات تتبع الحرس الثوري الإيراني للتغلغل في موانئ جيبوتي، تحت أسماء شركات تجارية، وذلك لكون جيبوتي من أقرب النقاط إلى خليج هرمز، والذي يشكل جزءاً من الأمن القومي الإيراني، بالإضافة إلى ما يقدّمه التواجد الإيراني في ساحل الشرق الإفريقي من تسهيلات لعملية تهريب السلاح إلى الحوثيين في اليمن، ما يعزز قدرتها على إمكانية تهديد الأمن القومي الإسرائيلي والخليجي عامة والسعودي خاصة، وعلى الملاحة الدولية بشكل عام.

لذلك سارعت السعودية مستغلة تدهور العلاقات بين جيبوتي وإيران، وخططت لإنشاء قاعدة عسكرية سعودية في جيبوتي لضمان أمن المنطقة ومصالحها الاستراتيجية، ووقّعت في عام 2017 اتفاقية عسكرية ودفاعية مع جيبوتي لإنشاء قاعدة عسكرية في البلاد، لتعزيز الوجود العسكري في جيبوتي لردع إيران وليكون بمثابة منصة للعمليات العسكرية في اليمن، وفرض حصار بحري عليها منعاً لمد قوات الحوثيين بالأسلحة والمساعدات العسكرية.

بعد توقيع تلك الإتفاقية أبدت  مصر رغبتها في أن تكون هذه القاعدة مشتركة (مصرية-سعودية) باعتبارها عمقاً استراتيجياً مصرياً في أقصى الجنوب وضمن نطاق أمنها القومي، خاصة أن العلاقات المصرية السعودية كانت تمر بخلافات في تلك الفترة.

بعد توقيع الإتفاقية أبدت  مصر رغبتها في أن تكون القاعدة العسكرية (مصرية-سعودية) مشتركة، باعتبارها عمقاً استراتيجياً في أقصى الجنوب وضمن نطاق أمنها القومي، وانتهى الحال بعدم إنشائها.

انتهى الحال بعدم إنشاء القاعدة العسكرية في جيبوتي، لأسباب لم يتم الإعلان عنها من الطرفين، ربما كان ذلك وفق رؤية السعودية الجديدة والتي تصبو لتعزيز الجانب الاقتصادي على الجانب العسكري عن طريق إنشاء المنطقة اللوجيستية، خاصة بعد التغييرات الإقليمية الممتابعة، كعودة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، والاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة بعد السابع من أكتوبر 2024، والذي امتد إلى استهداف أذرع إيران في الوطن العربي، كإضعاف حزب الله اللبناني والقضاء على قياداته، ثم القضاء على نظام الأسد في سوريا، كل تلك المتغيرات عززت من قوة السعودية في المنطقة وفي المقابل أضعفت نفوذ إيران نسبيًا.

مستقبل العلاقات ومدى نجاحها

في ظل التوجه السعودي نحو تعزيز نفوذها في إفريقيا، وفي ظل المتغيرات العالمية والإقليمية وخاصة في الشرق الأوسط فمن المتوقع أن تشهد العلاقات بين السعودية وجيبوتي مزيدًا من التطور في السنوات المقبلة، خاصة في مجالات الأمن، والطاقة، والتجارة، ومع ذلك، تواجه هذه العلاقة بعض التحديات، أبرزها: التنافس الإقليمي والدولي، حيث تسعى قوى كبرى أخرى لتعزيز نفوذها في جيبوتي مثل الصين والولايات المتحدة والذين يمتلكون بالفعل قواعد عسكرية كبيرة هناك.

في المجمل، تمثل جيبوتي عنصرًا محوريًا في الاستراتيجية السعودية تجاه إفريقيا، حيث تسعى المملكة إلى تعزيز شراكتها مع جيبوتي في مختلف المجالات، بما يحقق المصالح المشتركة لكلا البلدين.

نعمة نجيب

موقع رصيف 22




هل ينجح العرب في مواجهة «خطة ترامب»؟

رغم الالتباس الذي شاركت وسائل إعلام عالمية في صنعه يوم 11 شباط/فبراير (واعتذرت رويترز عنه بعد ستة أيام) وأثار اللغط حول ما صرّح به ملك الأردن خلال لقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فإن ما تأكد أن الرسالة العربية التي أوصلها عبد الله الثاني كانت أن حكومات الأردن ومصر والسعودية وقطر والإمارات، ستتقدم بخطة متكاملة ومفصلة لإعمار غزة من دون تهجير الفلسطينيين، خلال القمة المصغرة المقرر عقدها في الرياض اليوم، وأن تلك الخطة البديلة سيتم اعتمادها في القمة العربية الطارئة التي ستعقد في القاهرة في 4 آذار/مارس المقبل.
تتعلّق الخطورة الهائلة للحقبة الراهنة بالتأثير غير المتوازن على أحوالنا للقوة الأمريكية المهيمنة في العالم، معطوفة على الحكومة الإسرائيلية التي كانت، حتى قبل ترامب، تعمل جاهدة على مشروع إبادة وتطهير عرقي وإنهاء للمشروع السياسي الفلسطيني، وتتعلق بالتالي بمصير قطاع غزة وأهله، وبالفلسطينيين ككل، وبالبلدان العربية المجاورة (التي اختار ترامب أن تكون الأردن ومصر) وهو ما سيؤدي لتداعيات هائلة، بالضرورة، في مجمل الجغرافيا السياسية للأمم العربية وأنظمتها السياسية.
مهم لمعرفة طريقة التعاطي مع ترامب أن نعرف أن قراراته، وخططه، واقتراحاته، خلقت فوضى داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها (توقّفت كل الوكالات التابعة للوزارات الأمريكية عن الإنفاق، وتم رفع دعاوى قضائية على أغلب تلك القرارات لأسباب قانونية، أو لغموض مقاصدها، أو لأسباب أخرى) وهذا ينطبق على الفوضى العالمية باستثناء أن مفاعيلها في منطقتنا ستكون أخطر بكثير، إذا لم تتحضّر الحكومات العربية لمواجهة قائمة على المعرفة بأهداف هذه الفوضى، وأساليب الابتزاز السياسية التي تستخدمها إدارة ترامب، والتي تحاول إسرائيل الاستفادة القصوى منها.
عزا البعض سياسات ترامب إلى فرضية «فافو» التي أعلن عنها بنفسه في تغريدة نشرها (اختصار لجملة بذيئة يُفهم منها اعتقاده بضرورة خلق فوضى ثم جعل الآخرين ينشغلون بإعادة ترتيبها) وقرأها البعض الآخر ضمن تكتيكاته في «فن الصفقة» (كتاب شهير له) وذلك باستخدام هذه التصريحات لدفع الطرف المقابل للخضوع وقبول تنازلات أكبر.
من الواضح أن ترامب لا يتحسّب للتداعيات الكارثية لأفعاله وأقواله بدءا من أمريكا نفسها، كما أشار مقال أخير لتوماس فريدمان يقول إن «الاقتصاد الأمريكي» هو فكرة خيالية في عقل ترامب فتجميع سلع مثل الهاتف الذكي وأجهزة الكومبيوتر والساعات تحتاج لتعاون آلاف الشركات وملايين الأشخاص في أكثر من 50 دولة ومنطقة (ملخصا ذلك بقوله: «إنها النظم البيئية لا الاقتصاد، يا غبي»).
يتعلّق الأمر إذن، فيما يخصّ الفلسطينيين والعرب (والذين لحق بهم الأوكرانيون الذين يستخدم ترامب معهم أساليب الترهيب والإخضاع والمطالبات القصوى: طالبهم أمس بدفع 500 مليار دولار) بفهم أساليب الابتزاز القصوى، والوقوف بقوة في وجهها، وهو التصرف الوحيد الذي سيدفع ترامب للعودة من واقع الصفقات الخياليّ إلى أرض الواقع الحقيقي. هذا الواقع الحقيقي يقول إن فكرة «تهجير الفلسطينيين» هي جريمة حرب (بالمناسبة فإن اتهام محكمة الجنايات الدولية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بجرائم حرب وإصدارها أمرا باعتقاله كان باعتباره مسؤولا عن ترحيل غير شرعي لسكان من مناطق محتلة في أوكرانيا إلى روسيا) وأن «شراء غزة» غير ممكن ضمن القوانين الأممية، كما أن هناك نسبة كبيرة من نواب الكونغرس الأمريكي يرفضون هذه الخطة.
ما يثير العجب، ضمن هذا السياق، أن العرب، ممثلين في الجامعة العربية، لم يقوموا برفع سقف المطالب العربية، كما فعل الأمريكيون والإسرائيليون (الذين أضافوا إلى مزاوداتهم تصريحات تهاجم السعودية ومصر وقطر) ولم يستخدموا آلية للتفاوض تتناسب مع أساليب البلطجة الترامبية والإسرائيلية، بل قاموا، بلسان أحمد أبو الغيط، بمطالبة «حماس» بالتنحي عن القطاع!
المنطقيّ، والبديهي، والمطلوب من العرب هو التمسك بالقوانين الأممية والدولية، التي تؤكد أن تهجير الفلسطينيين جريمة حرب، كما تؤكد على حق الفلسطينيين في تمثيل أنفسهم سياسيا وديمقراطيا، مما يجعل «حماس» جزءا من كياناتهم السياسية بالضرورة، وهو لا يتنافى بالتأكيد مع ضرورة الإصرار على دور للسلطة الفلسطينية في إدارة قطاع غزة، وعلى تجريم الإبادة الجماعية الجارية، وكل خطط التطهير العرقي، في غزة كما في الضفة الغربية.

صحيفة القدس العربي




الشؤون المدنية معطلة في سوريا… وتسجيل الوفيات والولادات والزواج معلَّق

مع ازدياد شكاوى السوريين بعدم قدرتهم على إنجاز أي معاملة تتعلق بالأحوال المدنية من تسجيل الوفاة أو الولادة أو الزواج وغيرها، كشفت مصادر مسؤولة في «الشؤون المدنية» أن الشبكة المغذية لجميع المديريات في المحافظات السورية الـ14، متوقفة، والمديريات ومراكز النفوس المتفرعة عنها، لا تقدم أي خدمات، باستثناء المديرية المركزية في دمشق التي يقتصر نشاطها حالياً على منح بعض الأوراق الرسمية ضمن اختصاصها.

ساعات عمل قليلة

وقالت المصادر لـ«القدس العربي» إن العاملين في مديريات الشؤون المدنية في المحافظات كافة، يترددون يومياً على أماكن عملهم، لساعات قليلة من دون أن يمارسوا أي وظيفة، وحالهم هكذا منذ إسقاط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر الماضي، ومن دون أن تكون لديهم أي معلومة عن أسباب إيقاف شبكة «الشؤون المدنية» على مستوى البلاد، والفترة التي ستبقى أعمالهم معلقة خلالها».
المصادر التي توقعت أن لا تطول فترة التوقف كثيراً «لأن الأمر يتعلق بمصالح كل السوريين، وهناك تراكم سيترك أثره».
أوضحت أن «القوانين والتعليمات التنفيذية، كانت تضع فترات زمنية محددة لتسجيل الوقائع إن في حال الولادة أو الوفاة أو الزواج أو الطلاق، وتصل إلى 15 يوماً في المناطق القريبة من مراكز الشؤون المدنية، والمعروفة عند المواطنين بدوائر النفوس في الريف السوري وفي المدن، على حين تصل إلى 30 يوماً في باقي القرى البعيدة عن تلك المراكز».
وبينت أن «موظفي الشؤون المدنية جاهزون لاستئناف عملهم مباشرة لكن وزارة الداخلية لم تشغل بعد البرنامج الإلكتروني الذي نعمل عليه، ويستطيع المواطن الحصول على بعض الوثائق التي كنا نقدمها مثل: إخراج القيد أو البيان العائلي أو بيان زواج أو الطلاق، من المديرية المركزية حصراً في شارع الثورة في دمشق، لكنه حتى هناك لا يستطيع تسجيل أي واقعة».
وإن كان سبب توقف الشبكة المركزية عن العمل يعود إلى مخاوف من إمكان التلاعب بالمعلومات المخزنة عن المواطنين السوريين أو الفلسطينيين المقيمين في سوريا، والذين يعاملون معاملة السوري في كثير من القضايا، وحتى عن المجنسين من رعايا الدول الأخرى أوضحت المصادر أنه «لا تتوفر أي فكرة ولا معلومة عن سبب إيقاف الشبكة، ولابد من أن تكون هناك بعض القضايا التي ربما يتابعونها لكننا لا نعلم ما هي، وربما هناك مساع لإدخال تعديلات جديدة على البرنامج المطبق أو تحديثه ليصبح ذا فاعلية أقوى وأسرع من البرنامج المعتمد حالياً، ولكن كل ما سبق هي مجرد تخمينات لا أكثر». وعن مدى دقة معلومات متداولة عن وجود عشرات الآلاف من الإيرانيين المجنسين، وعمل الإدارة المركزية في التدقيق بقوائم هؤلاء، أو في إمكان العمل على منح الجنسية لأناس جدد، قالت المصادر: «إن ذلك مجرد أقوال لا يمكننا تأكيدها، ولم نتلقَ أي كتب بهذا الخصوص ولم تتسرب أيضاً معلومات عن مثل هذه الأمور، وحواسب النفوس كانت تظهر سابقاً أوضاع المواطنين إن كانوا يحملون الجنسية السورية بالولادة أو ممن تم تجنيسهم حديثاً، فهؤلاء تحمل على قواعد بياناتهم تاريخ اكتسابهم الجنسية السورية». وأوضحت أن «مثل هذه الملاحظات يتم تثبيتها ضمن قواعد البيانات لما يتعلق ذلك بحقوق أخرى مثل التملك والإرث وغيرها، وهو ما كان يظهر عند زواج السوري من فلسطينية مثلاً أو بالعكس».

باستثناء المديرية المركزية في دمشق… وسجلات المعتقلين ستساعد ذويهم

وعن آليات تثبيت حالات الوفاة لسوريين اختفوا قسراً في مناطق العمليات العسكرية، أو ضمن المعتقلات والسجون، أوضحت المصادر أن «الأمر قبل سقوط النظام كان يتم عبر إصدار قرار حكم قضائي بسبب الفقدان، أما الآن فإن الوضع ليس واضحاً، وننتظر التعليمات الجديدة لمعالجة مثل هذه القضايا التي ترتبط بالمختفين أو المتوفين تحت الاعتقال من دون وجود أي توثيق لهم».
وتابعت: «إن إخفاء الوثائق الخاصة بمصير المعتقلين خلال عهد النظام السابق، كان شائعاً والكثير من السوريين لم يكن يعلمون مصير أبنائهم في المعتقلات، وفي المقابل كانت تصل إلى الشؤون المدنية خطابات من بعض الجهات الرسمية تثبت حالات الوفاة، وهؤلاء كان أقاربهم يتأكدون من مصيرهم إذا ما حصلوا على شهادة وفاة من دوائر النفوس».
وأوضحت المصادر أنه «في بعض الحالات ظهرت وقائع تناقض ما سبق، حيث تم الإفراج عن معتقلين كان ذووهم قد تبلغوا بوفاتهم، وهؤلاء كان لابد من صدور قرار قضائي لرفع إشارة الوفاة عن قيدهم الشخصي».
وبينت المصادر أنه «إذا ما توفرت اليوم سجلات عن مصير المعتقلين السابقين، وتم تزويدها للشؤون المدنية، فإننا في هذه الحالة سنوفر الكثير من الجهد على المواطنين، ولن تكون هناك حاجة لقرارات قضائية تثبت واقعة الوفاة». وعبرت المصادر عن قلقها في اتجاه مصير الكثير من زملاء المهنة، حيث «جرت عمليات إعادة تقييم للعاملين في الشؤون المدنية على مستوى الإدارة المركزية والمديريات في المحافظات، والموظفون بانتظار معرفة مصيرهم إن سيواصلون عملهم بعد تفعيل الشبكة المتوقع قريباً، أم سينقلون إلى أماكن أخرى، أو سيتم إنهاء عقود غير المثبتين منهم ممن كان يعمل بعقود سنوية». وأحدثت الشؤون المدنية في وزارة الداخلية السورية بموجب مرسوم تشريعي حمل الرقم 76 لعام 1947، وترتبط مباشرةً بوزير الداخلية عن طريق معاونه للشؤون المدنية، وتتمتع بالاستقلال المالي ويخضع العاملون فيها للقانون الأساسي للعاملين في الدولة ولا يوجد فيها عناصر عسكرية باستثناء الحراس وبعض السائقين.
وحسب نظامها الداخلي، فإن الشؤون المدنية تقوم بالإشراف على تنظيم الاستفتاء على منصب رئاسة الجمهورية، وعلى تنظيم انتخابات مجلس الشعب، والمساعدة في اجراءات انتخابات الإدارة المحلية، وتسجيل المواطنين (ولادة، وفاة، زواج، طلاق…الخ) ومعالجة قضايا التملك العقاري لغير السوريين، وقضايا التملك على الحدود، وشؤون الحج، وتدقيق معاملات الجنسية وإصدار صكوكها وتدقيق معاملات الوكالات الداخلية والخارجية، وطلبات إشهار أنظمة الجمعيات والأندية، والمعاملات المتعلقة بالشؤون الدينية، ومعاون وزير الداخلية للشؤون المدنية مكلف بمهام رئيس اللجنة المركزية لتسجيل المكتومين، ورئيس اللجنة العليا لأملاك الأتراك، ورئيس اللجنة العليا لأملاك اليهود، وعضو في لجنة الحج العليا.
ويكاد مبنى الإدارة المركزية للشؤون المدنية في شارع الثورة في دمشق، خالياً من المراجعين، بعد أن كان ذات المبنى يستقبل الآلاف يومياً، ورغم تعطل مصالح المواطنين، إلا أن حالة من القبول بالأمر الواقع مازالت مسيطرة على عموم البلاد.

لا أحد يفكر في الزواج

وقال أحد المواطنين لـ«القدس العربي» معلقاً على إيقاف تسجيل الوقائع، إن الأمر حالياً ليس حاجة ملحة، فيمكن تأجيل تقييد حالات الوفاة أو الولادة وحتى تثبيت عقود الزواج أو الطلاق، وأصلا في المنطقة التي قدمت منها، لم أسمع أحداً قد عقد قرانه في هذه الظروف منذ سقوط نظام الأسد، والزواج إن كان لابد منه، فلا يتوقف عند الأوراق الرسمية إذ يمكن القيام به عبر المشايخ، ومن ثم يمكن إعادة تثبيت العقد بعد أن تعود النفوس للعمل.
وبين المواطن أن الإجراءات المتوقفة حاليا تصبح ملحة إذا ما كان صاحبها يزور البلاد لفترة محددة ومجبر على المغادرة، لكن حتى هذا الوضع بات اليوم أسهل من زمن النظام السابق بعد تخلص الكثير من السوريين من رهاب الزيارة وإمكانية مراجعة الأفرع الأمنية، وأيضا مع عودة العديد من شركات الطيران العربية والأجنبية للعمل من مطار دمشق الدولي.

تلافي النواقص

ولم يتحرك أحد من عمال مديريات المحافظات للسؤال عن مصيرهم باستثناء العمال في مديرية الشؤون في السويداء الذين راجعوا مبعوث القيادة الجديدة لمحافظة السويداء مصطفى البكور للاحتجاج والاستفسار عن سبب توقف التوصيل الشبكي بين مديرية الشؤون في المحافظة والإدارة العامة في دمشق، حسب صحيفة «الوطن» السورية، التي نقلت عن البكور تأكيده ضرورة تلافي النواقص في المديرية، واتخاذ إجراءات سريعة من شأنها إعادة العمل في مركز مدينة شهبا لخدمات الأحوال المدنية الذي تعرض للسرقة والتخريب.

جانبلات شكاي

صحيفة القدس العربي