لبنانيون يحاولون الهروب من صدمات الماضي… لكنهم خائفون من المستقبل
|
تُمضي اللبنانية آلاء فقيه، وهي صاحبة متجر، الليل مستيقظة، تطاردها المخاوف من كارثة أخرى قد تضرب لبنان.
ومثل الكثيرين غيرها، تعاني آلاء من صدمات الماضي، من الحرب الأهلية بين 1975 و1990، إلى التفجير المدمر في ميناء بيروت عام 2020، والانهيار الاقتصادي، وتخشى من القادم مستقبلاً، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.
وقالت آلاء (33 عاماً) التي تتسارع نبضات قلبها بالليل وهي ترتجف: «ما بقى عم بهيدا بيصير عندي كثير دقات قلب سريعة، أول شي قعدة عطول هيد الرجفة فهيدولي كلهم أكيد من ورا التراكمات اللي صارت علينا، يعني نحنا ما بعرف نحنا مفروض أنه هلا أنا 33 سنة بعد عمري يعني مفروض ما أكون بكل هيدول القصص، عم أفكر يعني أفكر بكيف بدأت كيف… إذا أنا مثلاً مشيت لا سمح الله ما يطلع انفجار، إذا أنا يعني أنه أنا وماشية مثلاً ما يطلع انفجار، فكله هيدا أكيد بيأثر سلبي على نفسيتي».
وأصبح الناس الآن أكثر قلقاً بشأن احتمال نشوب صراع شامل آخر بين جماعة «حزب الله» اللبنانية وإسرائيل (كما جرى في حرب عام 2006)، حيث تندلع اشتباكات بين إسرائيل و«حزب الله» على الحدود منذ بداية الحرب بقطاع غزة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
آلاء فقيه أم لبنانية تعمل في شركة عائلتها للفواكه والخضراوات تقف أمام متجرها في برج حمود بلبنان 2 سبتمبر 2024 (رويترز)
وأثمرت عقود من الفساد وسوء الإدارة في النخبة الحاكمة اللبنانية انهيارَ النظام المالي في عام 2019، ما أدى إلى ضياع المدخرات، وتراجُع قيمة الليرة، وتأجيج الفقر.
وفي العام التالي تعرضت بيروت لانفجار ضخم بفعل مواد كيميائية في ميناء المدينة، ما أسفر عن مقتل 220 شخصاً على الأقل، وكان قوياً لدرجة أنه كان محسوساً على بعد 250 كيلومتراً في قبرص، وأرسل سحابة دخان بشكل الفطر فوق العاصمة اللبنانية.
وأدّت الضغوط السياسية إلى إخراج التحقيق – الذي كان يسعى إلى ملاحقة أصحاب النفوذ بشأن الانفجار – عن مساره.
وقالت آلاء فقيه: «ما بقى عم نضحك هيدا الضحكة إللي كنا نضحكها من قلبنا فعلياً… ما في هيدي السعادة إللي نحن كنا نحس فيها، منصير من أقل شي هيك دغري بتبكي دغري بينزلوا دموعي».
آليات التكيف
قالت المحلّلة النفسية ألين الحسيني عساف، إن اللبنانيين يكافحون في مواجهة مستويات عديدة من المعاناة، مضيفةً أن البعض يُخفون مشاعرهم، بينما يعيش آخرون في حالة إنكار.
وأضافت: «عندنا آلية دفاعية غير هي الإنكار، ما بده بقى يحكي فيه عنده آلية دفاعية… الانزوائية، إما سافر ما بده يسمع شي بقى عن لبنان، في آلية دفاعية هي أنه يهرب بأكثر نسبة… الكحول، إما المخدرات إما عندنا آلية دفاعية هو عم يهرب كمان بعوارض النفسية الجسدية بيقعد بالتخت (السرير) وما بده يعمل بقى شي».
وانزلق لبنان الذي كان يُطلق عليه في السابق اسم «سويسرا الشرق الأوسط»، إلى حرب أهلية وحشية متعدّدة الأطراف عام 1975.
وليس من الصعب العثور على ما يُذَكّر الناس بالحرب، بما في ذلك المباني المليئة بثقوب الرصاص في منطقة كانت تُعرف سابقاً باسم الخط الأخضر، والتي قسمت بيروت إلى شرق مسيحي وغرب يغلب عليه المسلمون.
وما زالت التوترات الطائفية وذكريات الحرب عالقة في الأذهان وتخيّم في الأجواء.
وأضافت ألين عساف: «نحن عم نعرف إنه كل العوارض النفسية هي في تعابر في إرث نفسي بينتقل من جيل لجيل، وبيظله عايش إذا الشخص ما اشتغل على حاله، على الصعيد النفسي بيظله عايش فينا وبينتقل… على الجيل الثاني والتالت والرابع، فمجرد صوت هو عم يرجع ينعش كل الصدمات المكبوتة».
منال سرياني أم لبنانية ومديرة عمليات في قطاع الضيافة تصلي في كنيسة في عوكر بلبنان 28 أغسطس 2024 (رويترز)
ومنال سيرياني، والدة إيدان (4 سنوات)، نموذج مماثل، فصدمتها ناتجة عن ذكريات تفجير ميناء بيروت.
وقالت منال التي تعمل في مجال الضيافة: «لا أشعر بأنني بأمان، وذلك أثبت منذ 4 أغسطس (يوم الانفجار)؛ لأنه من وقتها كيف ما تبرمي بتحس أنه أنت لست بأمان، هذا هو الموضوع الرئيسي، كيف أنه إذا كان هذا قد يحدث في بلد مثل هذا وكيف بعدين إللي صارت القصص أنه ما فيش تتبع ما فيش… لا يوجد تحقيق… ما حدا عم يقولي شو عم بيصير، أنت لا تعرف ماذا يحدث، وعلى أسوأ وعلى أسوأ».
وأضافت: «أنا لا أشعر بالأمان لنفسي، ولا أشعر بالأمان لأطفالي… يمكن أن يحدث أي شيء أنه يمكن أن يكون يلعب في الخارج، تأتي قذيفة أعطيك العافية، وما نفعل بعد ذلك؟ لا يمكن أن يحدث أي شيء في بلد كهذا».
وسعت منال للراحة من أفكارها في الكنيسة.
وقالت: «عندما تدخل إلى الكنيسة تشعر بأنك قد تجري 10 دقائق… تفضّي وتعود إلى الخارج… وتعود إلى نفس المجموعات».
صحيفة الشرق الاوسط
نشأة عاشوراء في جبل عامل… عن التاجر الإيراني الذي أشاع التطبير والحسينيات
|
الجدل حول طقوس عاشوراء، لا ينقطع ولا ينتهي. هو جدل يتجدد كل عام، بمناسبة ومن دون مناسبة، فالطقوس العاشورائية هذه محط جدل سنّي شيعي، وشيعي شيعي. تختلف الروايات الشيعية في نشأتها؛ فمنهم من يعيد بدايتها مباشرةً إلى واقعة كربلاء ومقتل الحسين بن علي، على يد جيش يزيد بن معاوية، ويؤكد أن نساء آل الحسين هنّ من ابتدأنها حزناً على الضحايا، ومنهم من ينسبها إلى بداية نشأة الدويلات الشيعية وأبرزها دولة البويهيين، ودولة الصفويين، إذ حملتا معهما إحياءات رسميةً لهذه المناسبة وهذه الطقوس، في فارس والعراق، بالإضافة إلى دولة الفاطميين في مصر، والحمدانيين في حلب.
أول الطقوس تاريخياً… العهد البويهي
شكّلت واقعة كربلاء ذاكرة الطائفة الشيعية، وأعطت الجماعة ماضياً مشتركاً ورسّخته في التاريخ، كما وُلدت معها سلسلة من الطقوس التي تشكل خصوصية العقيدة الشيعية الإمامية. وكانت إقامة الشعائر بمناسبة استشهاد الحسين، تتخذ أشكالاً متعددةً حوالي بداية القرن العشرين، نتجت من تطوّر تقاليد قديمة كانت منتشرةً لدى المسلمين من مختلف الطوائف. وتم إحياء هذه التقاليد منذ عهد الصفويين (1501-1722م)، وأضيفت إليها أعمال الشبيه، أي تمثيل الفاجعة على صورة موكب.
وبذلك تصبح الشعائر الكبرى التي تطورت عبر العصور لدى الشيعة بمناسبة ذكرى عاشوراء، أربعةً: مجالس العزاء أو التعزية، وزيارة قبر الحسين لا سيما في العاشر من محرم وفي الأربعين، والمواكب الحسينية، وأعمال الشبيه، وقد تُرافق المجالس والمواكب أعمال مختلفة من أذى النفس، تتراوح بين ضرب الصدر باليد، أو ما يُسمّى باللطم، وضرب الظهر بالسوط، أو ما يسمّى بالتطبير.
وكان انتشار هذه الشعائر يزيد أو ينقص، وتتعدد صوره وتختلف بحسب اختلاف المناطق في العالم الشيعي، وذلك بحسب ما ذكرت المستشرقة الفرنسية صابرينا ميرڤان، في كتابها “حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل وأدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان”.
يتجدد الجدل حول طقوس عاشوراء كل عام، جدل سنّي شيعي، وشيعي شيعي. إذ تختلف روايات نشأتها؛ فمنهم من يعيد بدايتها مباشرةً إلى واقعة كربلاء ومقتل الحسين بن علي، ومنهم من ينسبها إلى بداية نشأة الدويلات الشيعية وأبرزها دولة البويهيين، ودولة الصفويين
وتروي المستشرقة الفرنسية، أن “مجالس العزاء أول ما ظهر من هذه الشعائر، فقد أعادتها بعض السنن إلى يوم الفاجعة نفسه، إذ بدأت بها نساء آل الحسين قبل اقتيادهنّ إلى دمشق. ثم توبعت هذه المجالس في العهد الأموي، سرّاً في البيوت، ثم أقيمت في العهد العباسي علناً، فقد أقيمت في القرن العاشر الميلادي في أماكن في بغداد وحلب والقاهرة يجتمع فيها الناس خصيصاً لإقامة هذه المجالس التي سُمّيت بالحسينيات؛ وكانوا يبكون فيها وينتحبون وينشدون المراثي ويقرأون المقاتل. وقد أصبحت مجالس العزاء تقام بعد ذلك طوال الأيام العشرة الأولى من شهر محرم”.
أما زيارة قبر الحسين وقبور شهداء كربلاء، فكانت شائعةً في القرون الإسلامية الوسطى، والدليل على ذلك أن الخليفة العباسي المتوكل (تـ861م)، أراد أن يضع لها حدّاً سنة 850م، فهدم قبر الحسين. بعد ذلك تعاظم أمر هذه الزيارات شيئاً فشيئاً، لا سيما في عهد الصفويين. أما المواكب الحسينية، فإن المؤرخ ابن الأثير (1233م)، فيعيد تاريخها إلى سنة 963م، ويقول إن معزّ الدولة، أول البويهيين، قد أعلن الحداد على الحسين في يوم عاشوراء من تلك السنة، ومنذ ذلك الحين بدأ الشيعة بالطواف في شوارع بغداد في مواكب كانت سبباً للصدام مع السنّة.
وبالانتقال إلى أعمال التشبيه، فقد بدأ بها الصفويون بعد ذلك بكثير، في القرن الخامس عشر الميلادي، وذلك بحسب ما جاء في كتاب ميرفان سابق الذكر، حيث تروي أن “أعمال التشبيه تُنسب في التقليد الشعبي الفارسي إلى الشاه إسماعيل، أول الصفويين، بهدف نشر المذهب الاثني عشري في بلاد فارس؛ وكان الشاه عباس بعده يحثّ على إقامة هذه الاحتفالات. ثم جاء القاجاريون بعدهم فتابعوا نهجهم؛ وأقاموا ورعوا، بدلاً من المشاهد الموزّعة، مسرحيةً فعليةً تُمثَّل على خشبة المسرح، إلا أن ذلك اقتصر حينها على بلاد فارس”.
وتضيف: “أما الشعائر التي تقوم على أذى النفس، والتي كانت معروفةً قديماً في العقائد السائدة في الشرق الأوسط، فإنها لم ترافق شعائر عاشوراء إلا في زمن متأخر. ويؤكد إسحاق نقاش، بالبرهان المقنع، أن شيعة شمال إيران أوّل من بدأ بممارسة التطبير، وقد شهد على ذلك رحّالة عثماني، إذ يذكر أنه رأى سنة 1640م، هذه الشعائر الدامية؛ وقد أتت من القوقاز وأذربيجان، ولم تصل إلى داخل إيران وإلى البلاد العربية إلا في القرن التاسع عشر”.
المستشرقة الفرنسية عادت أيضاً لنقل ما سجّله عدد كبير من الرحالة حول مشاهداتهم الدقيقة لإقامة شعائر عاشوراء في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في إيران، “حيث كان الاحتفال بذكرى موقعة كربلاء ينتشر بلا عناء في عهدي الصفويين والقاجاريين، وكانت الحماسة تصل إلى أقصاها في اليوم العاشر، يوم عاشوراء، حين تسيل دماء اللاطمين في حمأة الموكب. وفي ما خلا مجالس العزاء وأعمال الشبيه والزيارة، كانت تسير المواكب الحسينية، وكان بعض المشاركين فيها يؤدون الشعائر القائمة على أذى النفس تكفيراً عن ذنوبهم، وهم من وصفهم الكونت دوغوبينو، سنة 1866، بالبرابرة الذين يسوطون أنفسهم بسلاسل الحديد ويغرزون الإبر في أجسادهم. وجاء أوجين أوبين، بعده بأربعين سنةً، فأظهرت روايته شعائر أخرى في أذى النفس، إذ كان التوّابون يلطمون صدورهم بإيقاع متكرر قوي، أو يجرحون رؤوسهم قبل أن يسيروا في الموكب، ويضربون على الجرح حتى تسيل الدماء”.
وترى ميرفان، في كتابها، أن أعمال التشبيه التي بدأها الصفويون أحرزت نجاحاً باهراً، وكان تكاثر الروايات حول مصرع الحسين وما يرافقه من طقوس مختلفة، شاهداً على حيوية هذا المسرح الديني الذي انتشر في المدن وفي الريف، ثم نُظّم ودُعم من حكومات الملوك القاجاريين في المدن الكبرى، واستعملوه في تثبيت حكمهم، وكانوا بتنظيمهم هذا الاحتفال يتمكّنون من السيطرة على الشعب والتأثير عليه.
وتضيف أنه “بعد عهد ناصر الدین شاه، انقلبت أداة الترويج هذه، أي تمثيل فاجعة كربلاء، على الحكام واستعملها المعارضون وأنصار الدستور في ترويج أفكارهم، فما كان من رضا شاه بهلوي، إلا أن منع إقامتها سنة 1935، ولكنه لم يستطع محوها، إذ أصبحت تقام في الأرياف”.
الصفويون والتشيّع الجديد
هذه التغيرات التاريخية المفصلية على طقوس عاشوراء، كان هدف الصفويين منها، كسب الطاعة غير المباشرة، عن طريق السيطرة على الشيعة باسم ثورة الحسين والمظلومية بهدف خلق أيديولوجيا تخدم مصالحهم ونفوذهم، إذ يرى المستشرق والدكتور في الفلسفة الإسلامية كولن تيرنر، في كتابه “التشيع والتحول في العصر الصفوي”، أن “الصفويين أرادوا أن يبدعوا فكراً شيعيّاً جديداً، تناقلته الأجيال باعتباره فكراً أصيلاً”، حيث يروي في كتابه “كيف قامت الدولة الصفوية بدايةً من دخول إسماعيل القائد الصفوي، تبريز سنة 1502م، وتنصيب نفسه شاهاً، واعتماده التشيع مذهباً رسميّاً للبلاد حيث يكشف عن خطّة إستراتيجيّة في بسط النّفوذ وتحقيق الهيمنة السّياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة”.
بحسب مستشرقة فرنسية فقد ظهرت مجالس العزاء أول مرة يوم الفاجعة نفسه، وبدأتها نساء آل الحسين قبل اقتيادهنّ إلى دمشق. ثم استمرت سراً في العهد الأموي، وعلناً في العهد العباسي
ويواجه الباحث أقوال نور الله الشوشتري، الذي “بذل قصارى جهده لإثبات أنّ إيران كانت إماميةً بمعظمها قبل الصفويين، والحال أنّ إيران كانت في معظمها سنّيةً صوفيةً، حتّى أنّ إسماعيل عجز بعد فتحه، عن العثور على أيّ مدوّنة عن المبادىء العامة للإمامية ما عدا مخطوطة يتيمة في الفقه كانت في مكتبة نائية”.
وركّز كولن تيرنر، على دور الشيخ علي الكركي العاملي، في نشر المذهب الإمامي في إيران في عصر إسماعيل الصفوي، وتحصّل الكركي على امتيازات وعقارات بسبب ولائه المطلق للصفويين، كما قمع التسنّن وفرض التشهير المذهبي بالخلفاء الراشدين الأوائل، كما جاء في الكتاب.
كما اختار كولن تيرنر، أن يهتمّ في الفصل الرابع بمحمّد باقر المجلسي، صاحب كتاب “بحار الأنوار” الذي يُعدّ من أساسيات التقليد الشيعي، وهو من أبرز فقهاء الإمامية في آخر العصر الصفوي، ومؤسس الأرثوذكسية الجديدة، حيث اهتمّ الصفويون بالعجيب والغريب من الروايات، وأدخلوا تقاليد اللطم والتطبير، وشجّعوا على سبّ الخلفاء والصحابة وزوجات الرسول، وكفّروا أهل السنّة وأرباب التصوّف.
وزارة الشعائر الحسينية
في المقابل، يرى الدكتور والمفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه “التشيّع العلوي والتشيّع الصفوي”، أن “الطقوس العاشورائية الحالية ناتجة عن الارتباط بين الصفوية والمسيحية، حيث تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي شكلت خطراً جدياً على أوروبا، وفي هذا الإطار عمد الشاه الصفوي، إلى استرضاء المسيحيين من خلال دعوتهم للهجرة إلى إيران، وشيّد لهم ‘جلفا’ مدينة مستقلة قرب العاصمة ومنحهم الحماية التامة والحرية الكاملة في ممارسة طقوسهم الدينية”.
ومن جهته، يرى شريعتي أن “رجال الدين الصفويين سعوا إلى تجميل صورة بعض الشخصيات المسيحية وإقحامها في المشاهد التمثيلية التي تقام إحياءً لذكرى عاشوراء، من ذلك أن رجلاً كرواتياً يحضر أحد هذه المشاهد فيتأثر فيقتحم المكان ببدلته الأنيقة ويهاجم معسكر يزيد وأنصاره ويواسي الحاضرين بأجمل مواساة، بحيث ما أن يراه الناظر حتى يتيقن بأن كلب هذا المسيحي الإفرنجي أطهر من ‘السنّة’ الذين قتلوا الحسين”.
وبحسب ما ورد في كتابه، فإن “الصفويين استحدثوا منصباً وزارياً جديداً باسم وزير الشعائر الحسينية، حيث ذهب الوزير إلى أوروبا الشرقية وأجرى هناك تحقيقات ودراسات واسعةً حول المراسيم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية وأساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية والوسائل المتّبعة، بما في ذلك أنماط الديكورات التي كانت تُزيَّن بها الكنائس في تلك المناسبات واقتبس تلك المراسيم والطقوس وجاء بها إلى إيران”.
“ومن هذه المراسم أيضاً طريقة تمثيل حياة شهداء الحركة المسيحية الأوائل وإظهار مظلوميتهم وطريقة قتلهم بواسطة حكّام الجور كل ذلك تحت عنوان Passions، حيث أصبحت جزءاً من الهوية الشيعية، كما أن مراسيم اللطم والزنجيل والتطبير وحمل الأقفال ما زالت تمارس سنوياً في ذكرى استشهاد المسيح في منطقة Lourder، وهذه المراسيم دخيلة على المذهب كما أن هنا ممارسات أُدخلت على عاشوراء مماثلة لطقوس الرجال السبعة mysteres 7 (الميراكل Miracles)، التي تعتمد علة تشييع رمزي لنعش عيسى مصلوباً وهبوطه وعروجه ونحو ذلك”.
“أما النوائح التي تؤدّى بشكل جماعي فهي تجسيد دقيق لمراسيم مشابهة تؤدّى في الكنائس ويطلَق عليها اسم ‘كر’، كما أن الستائر ذات اللون الأسود التي توشَّح بها أبواب وأعمدة المساجد والتكايا والحسينيات هي مرآة عاكسة بالضبط لستائر الكنيسة”.
البداية من لبنان
كان لا بدّ من وضع بداية تمهيدية لشيوع طقوس عاشوراء عند الشيعة، وذلك لسرد بداية هذه الطقوس في جبل عامل، الذي كان مركز شيوعها الأساسي، حتى وصلت إلى عهدنا الحالي، حيث مرّت المناطق الشيعية المختلفة بمراحل زمنية محددة بحسب العلاقات والأنظمة الاجتماعية السائدة فيها، وتنوعت وتبدلت أماكن إقامة الشعائر الحسينية من “التكيات” و”الحسينيات”، بالإضافة إلى البيوت والمساجد والمقامات والمقابر. كتب السيّد محسن الأمين في “خطط جبل عامل”، أن “الحسينيات بمثابة تكيات منسوبة إلى الإمام الحسين، لأنها تُبنى لإقامة مراسم عزائه فيها، وأن أصلها جاء من الإيرانيين والهنود الذين بنوها في بلادهم وفي العراق أيضاً. وأورد أن الحسينية لم تكن معروفةً سابقاً في جبل عامل، فالتجمعات تقام في المساجد وهي أفضل”.
ومن جهته، يرى شريعتي أن “رجال الدين الصفويين سعوا إلى تجميل صورة بعض الشخصيات المسيحية وإقحامها في المشاهد التمثيلية التي تقام إحياءً لذكرى عاشوراء،
يؤيد هذا الكلام الشيخ ياسر عودة، خلال حديثه إلى رصيف22، إذ يرى أن “الحسينيات بدأت عند الشيعة في العهد الصفوي، والمؤسس لها هم الفاطميون قبل الصفويين، وهم أصحاب فكرة إنشاء المراقد لتكريس الفكر الديني الذي يريدونه ولترويج السياحة”.
جاء في “خطط جبل عامل” أن الحسينيات بمثابة تكيات منسوبة إلى الإمام الحسين، وأن أصلها جاء من الإيرانيين والهنود الذين بنوها في بلادهم وفي العراق أيضاً، وأن الحسينية لم تكن معروفةً سابقاً في جبل عامل، لأن التجمعات كانت تقام في المساجد
ويقول عودة: “هناك فارق زمني كبير بين العهدين البويهي والصفوي، ففي عهد الصفويين أُدخل على الدين الكثير من المفاهيم وأكثرها أحاديث لعن الصحابة المنسوبة إلى أهل البيت. العقل البويهي أنتج الكثير من القضايا التي شوّهت التشيّع ومنها الشتم واللعن”.
الاضطهاد وبداية عاشوراء في لبنان
وبالعودة إلى جبل عامل (أي مناطق جنوب لبنان)، أولى الشهادات المكتوبة التي وصلتنا حول احتفالات عاشوراء فيه، أتت من جون ورتابيه، سنة 1860. فهو يصف في بضعة أسطر مقتضبة، ما كان يجري من احتفالات في ذلك الحين: يقضي المتاولة الأيام العشرة الأولى من شهر محرم في حداد وبكاء، على ذكرى مقتل الحسين، ويقرأون في هذه الأيام روايةً طويلةً مؤثرةً ويكفّون عن العمل. ويسمّونها الأيام العشرة، وكانت إقامة الشعائر في تلك الحقبة مقتصرةً إذاً على مجالس العزاء. وما ينقله التاريخ الشفهي عنها، أنها كانت تقام في السرّ. فالروايات المتناقَلة إلى اليوم، تقول إن العامليين كانوا يقيمون هذه المجالس في بيوتهم لكي يختفوا عن أنظار العثمانيين، الذين منعوا إقامتها في العلن، بحسب ما نقلت المستشرقة الفرنسية في كتابها “حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل و أدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان”.
تروي ميرفان: “كان الجنود يقومون بدوريات لرصد ما قد يقوم به الشيعة من احتفالات دينية؛ وكان الناس يوقفون أولاداً في الأزقّة يراقبون مرورهم فينذرون المجتمعين. فإذا ما دخل الجنود عليهم، وجدوهم يشربون الشاي أو يقرأون القرآن”.
ووثّقت ميرفان حول تاريخ هذه الشعائر، نقلاً عن السيد محسن الأمين في سيرته، “أن المجالس كانت تقام في عهد طفولته، أي في ما يعود إلى العقد الثامن من القرن التاسع عشر. وكان يُقرأ في أثناء الليالي العشر الأولى من محرم، في كتاب ضخم مؤلّفه من البحرين واسمه المجالس، وفيه عشرة فصول طويلة، كل فصل مخصص لمجلس”.
ويلاحظ الأمين أن في هذا الكتاب تشويهاً للتاريخ، وأحاديث مكذوبةً أشبه بالأساطير. ومع ذلك فإنه كان مقدّراً عند الناس في جبل عامل. حتى أنه يقول: “والسعادة العظمى لمن يحظى بهذا الكتاب أو يملكه، ولم تكن هذه المجالس تخضع لنظام احتفالي فقد كان المشاركون فيها يدخّنون ويتحادثون كما لو أنهم كانوا في مقهى حول الراوي. كذلك فإنها لم تكن مطردةً ولا منظمةً. أما في اليوم العاشر، يوم مقتل الحسين، فإن هذه العادة تُكسر ويُقرأ في مقتل أبي مخنف (تـ774م)، وهو من المؤرخين الأوائل في تاريخ الإسلام، ثم يُتلى دعاء زيارة قبر الحسين، فإن لم يكن بالإمكان زيارة كربلاء يوم عاشوراء فإن تلاوة هذا الدعاء على غير قبره واجبة. ثم كان يؤتى بالطعام إلى المساجد وفي الغالب يكون من الهريسة، وهي طعام خاص بيوم عاشوراء مؤلّف من القمح واللحم يوزّع على الفقراء”.
وفي عام 1880، بعد عودته من العراق، جاء الشيخ موسى شرارة، بتغييرات كثيرة على هذه العادات، كانت بحسب ما يقول محسن الأمين: “مبدأ الإصلاح لمجالس العزاء”، وأول ما قام به من عمل، هو أنه بدّل الكتب المستعملة في المجالس، فاستبدلها بكتاب أتى به من العراق، كان قد جمع نصوصه أحد قرّاء التعزية، فنسخ منه العديد من النسخ ووُزّعت في جبل عامل. ومع أن في هذا الكتاب الجديد في رأي محسن الأمين، جملةً من الأكاذيب، وتزويراً للتاريخ الصحيح، فإنه كان أصلح مما كان قبله ومجالسه أكثر تنظيماً. واستبدل موسى شرارة مقتل أبي مخنف، بمقتل ابن طاووس، اتّباعاً لما كان سائداً في العراق وإيران، واتّبعه الناس في ذلك، بحسب ميرفان.
يرى علي شريعتي أن الطقوس العاشورائية الحالية ناتجة عن الارتباط بين الصفوية والمسيحية، إذ تضامن الاثنان لمواجهة الإمبراطورية الإسلامية العظمى التي شكلت خطراً جدياً على أوروبا
ولم يكتفِ موسى شرارة، بتوطيد قراءة المجالس في الأيام العشرة الأولى من محرم احتفالاً بذكرى فاجعة كربلاء، بل أسس لغيرها على مثالها على مدار السنة. فأقام مجالس أسبوعيةً في بيته، بالإضافة إلى ذلك، أدخل عادات جديدةً في الدفن، فأقام مجالس الفاتحة عن أرواح العلماء والشخصيات الكبرى تُقرأ فيها المرائي. وقد شجّع رجال الدين والأدباء على نظم المراثي لقراءتها في هذه المناسبات. وقد اتّبعه الشعراء في ذلك وانتشر هذا التقليد في جبل عامل. كذلك فإنه منع النساء من السير وراء الجنازة، وسنّ لأهل بلدته بنت جبيل، عادة عمل الطعام عن روح الميت ثلاثة أيام.
وتؤكد المستشرقة الفرنسية: “وبذلك يكون موسى شرارة قد قام بتنظيم مجالس العزاء وإحيائها” (وهي اللفظة التي يستعملها محسن الأمين)، فبات القارئ يتلو نص رواية المعركة في كربلاء واستشهاد الحسين على الجماعة، فينوحون ويبكون على ما حلّ بأهل البيت، كما أنه وسّع نطاق الشعائر المتصلة بالاحتفال باستشهاد الحسين، ولم يكن بالإمكان اعتبار هذا الإصلاح القائم على إدخال عناصر خارجية جديدة، من باب البدع القبيحة، بل من باب البدع الحسنة، ولا سيما أن من أدخلها مجتهد مشهود له بالعلم والاستقامة”.
تحريض تجّار إيرانيين على المواكب
ترى المستشرقة الفرنسية خلال توثيقها حركة الإصلاح الشيعية في كتابها، أن “مجالس العزاء التي أدخلها موسى شرارة طُعّمت بالتمثيليات المسرحية وبالمواكب الحسينية على الطريقة الإيرانية، بتحريض من إيرانيين كانوا قد استقروا في جبل عامل من فترة وجيزة. وبالفعل، نزلت في جبل عامل خلال القرن التاسع عشر جماعة من الإيرانيين معظمهم من التجار، وقد تأقلموا شيئاً فشيئاً، ولم يكونوا تياراً من الهجرة ذا أهمية كبرى، بل حالات من الأسر المنفردة، وكان من بينهم ميرزا يمارس الطب التقليدي وكان يُعدّ واحداً من أدباء النبطية المقربين من أحمد رضا وسليمان ظاهر. وكان ابنه بهيج، أول من درس الطب من العامليين في الجامعة الأمريكية في بيروت. وقد كان للأب والابن دور في إدخال هذه الشعائر على مرحلتين، بفارق يناهز العشرين سنةً”.
وتوثّق عن السيد محسن الأمين: “يذكر محسن الأمين المرحلة الأولى منهما، وقد حدثت بعد عودة حسن يوسف مكي من العراق، أي نحو سنة 1895. فقد قام بعض الإيرانيين في ذكرى عاشوراء بممارسة الشعائر على الطريقة الإيرانية، ولاسيما منها ‘الشبيه’ أي تمثيل الفاجعة. وقد منع حسن يوسف مكي استعادتها ثانيةً لحكمه بأنها خارجة على الشرع، مستعيناً على ذلك بالقائمقام في صيدا. إلا أن الإيرانيين تدخّلوا لدى والي بيروت، فأمر القائمقام بالسماح لهم بإقامة هذه الشعائر، أي تمثيل الفاجعة وإقامة الشعائر المتعلقة بأذى النفس. وهكذا استطاع الإيرانيون أن يدخلوا هذه الشعائر إلى النبطية، وما لبث العامليون أن قلّدوهم في إقامتها، وقد تعاظم عددهم، فانتشرت المواكب واستقطبت الجماهير من القرى
المجاورة، ويختم محسن الأمين عرضه بمقارنة هذه المواكب، وكان يُطلق عليها اسم المواكب الحسينية، بحلقات الذكر الصوفية، مما يعني أنه كان يشجب هذين العملين على حد سواء”.
و”تأصّل” هذا التطعيم الشعائري في النبطية، وكانت الشعائر تقام فيها على الطريقة الإيرانية، وباللغة الإيرانية. بعد وفاة حسن يوسف مكي، سنة 1906، خلفه عبد الحسين صادق، على الرياسة الدينية في النبطية، فترك الحرية للناس في إقامة هذه الشعائر، بل شجّع على إقامتها وشارك في إعادة تصميمها على أن من العلماء من كان يعارضها، فكان بعضهم يبدون مقاومةً لهذه الشعائر الجديدة، بحسب ميرفان التي تؤكد في كتابها أن “المرحلة الثانية من هذا التطعيم الشعائري بدأت سنة 1919، على أغلب الظن، وكان الفتى بهيج میرزا قد أنهى دراسته في الطب، وعاد إلى النبطية حيث كان أحد صانعي عودة هذه الشعائر الإيرانية”.
ثورة “التنزيه”
لم يقف السيد محسن الأمين، صامتاً من هذه الطقوس التي نشرها الإيرانيون في جبل عامل “جنوب لبنان”، فقد ألّف رسالة “ثورة التنزيه” في شهر محرم سنة 1346هـ، كثورة إصلاحية لعاشوراء مما دخلها من طقوس ومنها الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكل ما هو دخيل عليها. وقد ذكر السيّد الأمين تسعة إشكالات على الشعائر الحسينية، هي: “الكذب بذكر الأمور المكذوبة المعلوم كذبها وعدم وجودها في خبر ولا نقلها في كتاب، التلحين بالغناء الذي قام الإجماع على تأييده، إيذاء النفس وإدخال الضرر عليها، استعمال آلات اللهو كالطبل والزمر والصنوج النحاسية، تشبيه الرجال بالنساء في وقت التمثيل، إركاب النساء الهوادج مكشفات الوجوه وتشبيههنّ ببنات الرسول، الصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكلّ ما يوجب الهتك والشنعة مما لا يدخل تحت الحصر”.
ثورة الأمين أحدثت ردود أفعال وصلت إلى الاعتداءات الجسدية على مناصري هذه الثورة، حيث جاء في الجزء الأول من “رسالة التنزيه”: “يذكر الشيخ محمد الحسون الذي جمع وحقق رسالة التنزيه بأجزائها الثلاثة أنه ما أن وصلت الرسالة إلى النجف الأشرف حتى انقسم الكتّاب فيها إلى معارضين، وهم الأكثر، ومؤيدين وهم القلة القليلة، حتى أتت ردود الأفعال من مراجع دينية ومختلف طبقات المجتمع حتى تضمنها السبّ واللعن”.
دور الصحف في الثورة
ولم تقف الصحف موقف المحايد من هذه الثورة بحسب ما ورد في “رسالة التنزيه”: “فكانت الشرارة الأولى لهذه الحركة الإصلاحية، حيث قامت صحيفتا ‘الأوقات العراقية’ و’العهد الجديد’ البيروتية، بنشر آراء السيد محمد مهدي الموسوي البصري والسيد محسن الأمين، والمؤيدون للسيّد الأمين لجأوا إلى الصحف أكثر من المخالفين له، لأنهم القلة القليلة، وقد سُدّت الأبواب في وجوههم، فكتبوا فيها حتى أن البعض منهم كتب بأسماء مستعارة كـ’حبيب بن مظاهر’ و’أبي فراس'”.
رفض السيد محسن الأمين الطقوس التي نشرها الإيرانيون في جبل عامل جنوب لبنان، فألّف رسالة “ثورة التنزيه” 1346هـ، كثورة إصلاحية لعاشوراء مما دخلها من طقوس كالصياح والزعيق بالأصوات المنكرة القبيحة، وكل ما هو دخيل عليها
ويقول جامع الرسالة الشيخ محمد حسون، إنه “كان أيضاً لصحيفة ‘ديوائن ميسج’، التي كانت تصدر باللغة الإنكليزية في الهند، دور كبير وقد كتب صاحبها ‘محمد علي سالمين’ مقالات عديدةً مؤيدةً للسيد الأمين، وترجم بعضها إلى العربية، وصحيفة ‘الهاتف’، وإن كانت صدرت متأخّرةً عن زمان الفتوى، إلا أن صاحبها الأستاذ جعفر الخليلي، كان له دور فعّال في مناصرة السيد الأمين”.
شيعة صفويون وشيعة علويون!
“لم تقتصر ردة الفعل على الشتائم واللعن والاضطهاد بل انقسم الناس إلى طائفتين؛ ‘علويين’ و’أمويين’، وعُني بالأمويين أتباع السيّد محسن الأمين، وكانوا قلةً قليلةً لا يُعتدّ بها، وأكثرهم كانوا متسترين خوفاً من الأذى”، كما جاء في الرسالة.
ومن الصحافة إلى الشعر الذي كان له دور كبير، صيغت أبيات ردّاً على ما كان ينشده لاطمو الصدور وضاربو الرؤوس وهم يجولون في شوارع النبطية، مما لقنهم إياه مهاجمو الحركة الإصلاحية، حيث أوردت منها الرسالة:
“لعن الله أناساً
حرموا ندب الحسين”.
فكان الردّ الشعري:
“عدّ الله أناساً قولهم كذب ومـيـن
ألصقوا بالدين مما قد أتــــوه كــل شــين
أظهروا للدين حباً وهو حب الدرهمين”.
وتسرد الرسالة في تلك الحقبة أنه “كان للمجالس العاشورائية في النبطية دور كبير في هذه الجدلية، حيث راح سقاة الماء يجولون في مأتم الحسين يوم عاشوراء ينادون مردّدين: ‘لعن الله الأمين – ماء’، بينما كان نداؤهم من قبل يتلخص في ترديدهم القول: ‘لعن الله حرملة – ماء’، فأبدلوا حرملة بـ’الأمين’ نكايةً وشتماً”.
ومن الشعراء الخطباء الذين كان لهم دور بارز في هذه الأحداث، الشاعر الكبير والخطيب المفوّه السيد صالح الحلي (تـ1359هـ)، الذي وقف موقفاً معارضاً بل معادياً ومعانداً للسيد الأمين، ومما قاله فيه بحسب ما جاء في الجزء الأول من “رسالة التنزيه”: “يا راكباً أما مررت بـ’جلّق’ فأبصق بوجه ‘أمينها’ المتزندق”.
الأمين إلى دمشق ومنع الطقوس في مقام السيدة زينب
هذه الحرب لم تقتصر على جبل عامل، بل انتقلت إلى دمشق مقر إقامة السيد محسن الأمين، حيث ورد في الجزء الثالث من رسالة التنزيه، أن “دعوة الأمين تطورت من سنة وصوله إلى دمشق في أواخر شعبان من سنة 1319هـ. يقول المؤرخون: لم يمضِ خمسة أشهر على وصوله إلى دمشق وكان قد عرف ما يجري في هذا اليوم في مقام السيدة زينب بضاحية دمشق من لطم الصدور وإدماء الرؤوس فقاطع وجمعاً من مؤيديه هذه الطقوس واكتفى بإقامة حفل تتلى فيه السيرة الحسينية بدمشق”.
وفي السنة الثالثة، عزم على منع الاحتفالات بصورتها المزرية الدامية مستعيناً على ذلك بجمهور الدمشقيين المؤيدين له الذين انطلقوا إلى مقام السيدة زينب يخبرون القادمين من الخارج بأن لا احتفالات بعد اليوم على ما كانت تجري عليه، وأن عليهم العودة إلى بلدانهم، فكان الأفراد القادمون يمتثلون لذلك، وهم يرون الشدّة في هذا الكلام والتصميم على تنفيذه بكل وسيلة، بحسب ما جاء في الجزء الثالث من الرسالة.
هذا الجدل لا يزال مستمراً حتى وقتنا الحالي، إذ يرى الشيخ حسن حمادة العاملي، في حديثه إلى رصيف22، أن “موضوع عاشوراء حزن وبكاء على الحسين (ع)، فأول من بكى عليه هو النبي محمد (ص)، وهذا بإجماع جميع المسلمين فكلهم يقول إنه لما وُلد الإمام الحسين (ع)، نعاه رسول الله (ص)، وقبّله في نحره، فسألته السيدة فاطمة الزهراء (ع): لماذا قبّلته في نحره؟ فأجاب النبي (ص): لأنه يُقتل مذبوحاً”.
ويضيف: “طبعاً نحن نتحدث عن إقامة العزاء بحيث لا نشوّه الدين أو المذهب، أمّا بخصوص التطبير والنواح فبرأيه يختلف عن موضوع البكاء؛ فإن فقدت عزيزاً أو سمعت بمظلومية شخص ما بطبيعتي أحزن عليه، فما بالك بالإمام الحسين وما جرى عليه في كربلاء؟”.
ويتابع: “أنا لا أطبّر، لكنّها مسألة فقهية مختلف عليها بين المراجع في المذهب الجعفري، فمنهم من يقول مستحبّ وآخرون يحرّمون ولا أستطيع أن أعطي رأيي في هذا الموضوع، فأنا لست بفقيه”، مشيراً إلى أن “هناك أموراً أدخلت على الدين من حيث التمثيل واللحن بالقصائد، لكن لا يمكن أن أعمّم بأنها جميعها دخيلة، وفي حال كان هناك شخص ما يشوّه الدين لا يمكن أن نلزمه للمذهب، أما إدخال الموسيقى أي الغناء في القصائد الحسينية ففي حال كان اللحن محرماً، فلا يجوز، أما اللطميات المتعارفة فلا إشكال فيها”.
وحول التمثيل في عاشوراء، برأيه هو “موجود وهناك مسلسل عن معاوية. كيف أقبل بهذا الأمر ولا أقبل بتمثيل ما جرى مع الحسين (ع) لتجسيد مظلوميته”، في حين اعتبر أن “الحسينية هي مكان ليجتمع الناس على ذكر أهل البيت (ع)، وإحياء أمرهم والمراد منها إقامة مجالس الحسين (ع)، وفي حال كان هذا المكان تعليمياً وتنويرياً فأين المشكلة؟ وإن كانت بدعة فهي بدعة حسنة ولكن يجب أن تصل رسالة أهل البيت، ولكل مفهوم معنى، وأشك أن يكون السيد محسن الأمين قد نهى عن البكاء على الحسين عليه السلام”.
حسن سنديان
موقع رصيف 22
في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين.. يرى الناس الأمل في حماس
|
لطالما كان مخيم عين الحلوة، وهو أكبر تجمّع للاجئين الفلسطينيين وأحفادهم في لبنان، مكانًا مضطهدًا وفقيرًا ومُنهكًا بسبب العنف الفصائلي. وعادةً ما ينظر سكانه لمستقبلهم بيأس ولكن بات المزاج العام هنا مفعمًا بالحيوية الآن.
فوفقُا لمسؤولين من حماس ولبنان، ازدادت معدّلات التجنيد لحماس وجناحها المسلح “كتائب القسام” في جميع تجمعات اللاجئين الفلسطينيين الاثني عشر في لبنان، ويقولون إن المئات من المجندين الجدد انضموا إلى صفوف المقاتلين في الأشهر الأخيرة مدفوعين بالحماس الذي أثارته حرب حماس المستمرة ضد “إسرائيل”.
وفي زيارة نادرة إلى عين الحلوة، رأى صحفيون من صحيفة نيويورك تايمز ملصقات للمتحدث باسم كتائب القسام، أبو عبيدة، في كل مكان وعيناه تطلان من وشاح أحمر وأبيض مرقط ملفوف حول وجهه مثل القناع ويحث السكان على “القتال في سبيل الله”.
في قطاع غزة – معقل حماس، حيث قُتل نحو 40 ألف فلسطيني خلال 10 أشهر ونصف من الحرب – انفضّ الكثير من الناس عن الحركة. ولكن في أماكن أخرى، أكسب استعداد حماس للقتال ضد “إسرائيل” أتباعًا جددًا. وحسب ما قاله أيمن شناعة، قائد حماس في هذه المنطقة من لبنان، في مقابلة أجريت معه: “صحيح أن أسلحتنا لا تضاهي أسلحة عدونا. لكن شعبنا صامد ويدعم المقاومة، وينضم إلينا”.
قال بعض الشبان الذين يتجوّلون في أحد شوارع عين الحلوة إن هذه هي المرة الأولى التي يشعرون فيها بالأمل، وإن كلًا منهم يعرف العشرات من أفراد العائلة أو الأصدقاء الذين انضموا إلى حماس منذ بدء الحرب في تشرين الأول/ أكتوبر.
لا يؤثّر هذا التجنيد على القتال في غزة لأن الدخول إلى القطاع صعب للغاية، لكنه يعزز قوة حماس في لبنان. وعادة ما يبقى المجندون في المجتمع المحلي ويساعدون في إدارة الشؤون المحلية وأحياناً يقتربون من الحدود الجنوبية للبنان لإطلاق الصواريخ على “إسرائيل”.
كان الشباب متفائلين بأن حماس يمكن أن تكسِب الفلسطينيين القدرة على العودة إلى الوطن الوحيد الذي يعترفون به، الأرض التي أصبحت الآن “إسرائيل”. لطالما كانت هذه العودة، مهما بدت مستبعدة، مسألة إيمان بالنسبة للاجئين الفلسطينيين.
في أواخر الأربعينيات، في الحروب التي أحاطت بإنشاء “إسرائيل”، طردت القوات اليهودية العديد من العرب الفلسطينيين وفرّ العديد من الفلسطينيين الآخرين تحسبًا للعنف. ولم تسمح إسرائيل لهم أو لأحفادهم بالعودة أو استعادة ممتلكاتهم.
استقر مئات الآلاف من الفلسطينيين في مخيّمات اللاجئين في الضفة الغربية وغزة ولبنان والأردن وسوريا، وعلى مدى عقود، أصبحت هذه المخيمات بلدات مبنية – لا تزال تسمى مخيمات في كثير من الأحيان – تمثّل الآن موطناً للملايين. أما في لبنان، فقد مُنع هؤلاء الفلسطينيون من الحصول على الجنسية أو شغل مجموعة واسعة من الوظائف.
وأحد هذه التجمعات هو مخيم عين الحلوة، حيث يتكدس 80 ألف نسمة في مساحة لا تتجاوز نصف ميل مربع، ومعظمها داخل مدينة صيدا الساحلية الجنوبية. وقال شناعة إن الرجال هنا على استعداد للتضحية بأرواحهم لمحاربة “إسرائيل”، لكنه رفض الإفصاح عن عدد الذين تم تجنيدهم من منطقة صيدا.
كان يتحدّث في مركز مجتمعي تديره حماس حيث جلس الرجال يشربون القهوة ويأكلون التمر بينما كانوا يشاهدون لقطات مروعة من حرب غزة. وكانت تزيّن الجدران صور رسمها الأطفال لزعيم حماس السياسي الذي تم اغتياله مؤخرًا، إسماعيل هنية. في الشوارع، أظهر ملصق تجنيد جديد لكتائب القسام عشرات الشبان والفتيان المبتسمين الذين بالكاد أنهوا المرحلة الإعدادية وكان في الخلفية المسجد الأقصى في القدس، وهو موقع يقدسه المسلمون.
أطلقت حماس اسم “طوفان الأقصى” على هجومها على “إسرائيل” في 7 تشرين الأول/أكتوبر، والذي أدى إلى مقتل نحو 1200 قتيل وخطف نحو 250 شخصًا وأشعل الحرب الدائرة في غزة. وقدّم الملصق ورشة عمل تدريبية لـ”جيل الأقصى” الجديد، معلنًا أن القدس “لنا”.
ويعتبر بعض الفلسطينيين أن أبو عبيدة، الناطق كتائب القسام، هو “تشي جيفارا” الخاص بهم – وهو ثوري ماركسي مات منذ زمن طويل لا يزال يمثل رمزًا ثقافيًا بالنسبة لهم. وتنتشر صورة أبو عبيدة في كل مكان تقريبًا داخل عين الحلوة وتزين الأوشحة وسلاسل المفاتيح.
ويعد حزب الله، وهو ميليشيا شيعية مسلمة وحزب سياسي وحركة اجتماعية لها علاقات قوية مع إيران، القوة المهيمنة في لبنان، وله جذور عميقة بشكل خاص في الجنوب. لكن في الجيوب الفلسطينية مثل عين الحلوة، تنشط جماعات فلسطينية متعددة ولها أتباع – بعضها علماني والبعض الآخر، بما في ذلك حماس، يتّبع أيديولوجية إسلامية سنية. وتتحالف حماس، التي تدعمها إيران أيضًا، مع حزب الله في عدائها ل”إسرائيل”.
على مدى سنوات، منع الجيش اللبناني الصحفيين من دخول مخيّم عين الحلوة، حيث تقاتلت الفصائل المسلحة عدة مرات فيما بينها ومع الجيش اللبناني من أجل السيطرة على المخيم. وبموجب اتفاق دولي مبرم منذ عقود، يبقى الجيش بشكل عام خارج الجيوب الفلسطينية التي تعمل بشكل شبه مستقل داخل دولة بالكاد تستطيع الحكومة المركزية الضعيفة فيها توفير الكهرباء، ناهيك عن توفير الأمن.
لكن صحفيي صحيفة “نيويورك تايمز” تمكّنوا من دخول البلدة وسط حشد من المشيعين خلال تشييع جنازة مسؤول في حماس، سامر الحاج، الذي قُتل هذا الشهر بغارة جوية إسرائيلية. وصفه الجيش الإسرائيلي بأنه أحد كبار المتشددين المسؤولين عن شن هجمات من لبنان على “إسرائيل”، وأكدت حماس أنه كان يعمل لصالح الحركة لكنها رفضت الإفصاح عن المنصب الذي كان يشغله.
نعش سامر الحاج، المسؤول في حركة حماس من عين الحلوة الذي قُتل في غارة جوية إسرائيلية هذا الشهر.
حمل المشيّعون النعش من مشرحة قريبة عبر مدخل عين الحلوة، حيث رُفعت لافتة كُتِب عليها “معركة طوفان الأقصى، معركة العزة والنصر”. هتف الحشد: “دماؤنا وأرواحنا فداء لك أيها الشهيد!” بينما أطلق الرجال النار في الهواء فصاحت إحدى النساء في وجوههم: “لا تطلقوا النار! وفروا ذلك للإسرائيليين!”. وشقّ الموكب طريقه عبر متاهة من المباني والأزقة الضيقة التي بالكاد تتسع لعربة فاكهة، إلى منزل الحاج، حيث كانت أرملته وطفلاه في انتظار جثمانه.
برج البراجنة، بالقرب من بيروت، واحد من اثني عشر مجتمعاً في لبنان حيث يعاني اللاجئون الفلسطينيون وأحفادهم من الفقر واليأس.
قالت خيرية كايد يونس (82 سنة) إنها كانت تعرف أن الحاج، وهو صديق مقرب لابنها، كان مع حماس لكنها لم تكن تدرك أنه شخصية مهمة حتى استهدفته “إسرائيل”. وقالت إنه كان معروفًا بلطفه – غالبًا ما كان يلعب مع الأطفال المحليين – واستعداده لتقديم يد العون للجيران المحتاجين.
وأضافت: “هذا الرجل من أهلنا ومن حارتنا ومن مخيمنا ومن وطننا فلسطين، ونحن نبكي على فقده”. وأضافت بصوت مرتفع وهي تمسح الدموع من على وجنتيها المتجعدتين: “إذا مات أحدنا، فسيقوم مائة مكانه، لن نتوقف. نحن صامدون!”.
خارج منزل الحاج، قادت فريال عباس الحشد في هتافات داعمة ليحيى السنوار، الذي خلف هنية كزعيم سياسي لحماس، والذي يُعزى إليه التخطيط لهجوم 7 تشرين الأول/ الأول على “إسرائيل”. وصرخت قائلة: “لا تقلق يا سنوار، لدينا رجال مستعدون للتضحية بأنفسهم!”.
وعلى الرغم من أن المسؤولين الإسرائيليين لم يؤكدوا ولم ينفوا أن قواتهم قتلت هنية، كما هو معتقد على نطاق واسع، إلا أنهم قالوا إنهم يهدفون إلى قتل السنوار. لكن ما إذا كان بالإمكان إضعاف حركات مثل حماس أو تدميرها من خلال حملات اغتيال كبار قادتها أمر لطالما كان موضوع نقاش بين الخبراء الذين يدرسون حركات التمرد.
أنصار حماس ينددون باغتيال هنية بمسيرة في صيدا بلبنان.
ويقولون إن استراتيجية مواجهة العنف بالعنف، بدلاً من معالجة المظالم الكامنة، تخاطر بدفع المزيد من الناس إلى التطرف. فالجماعات العلمانية التي هيمنت على الحركة الفلسطينية لفترة طويلة لم تعد مفضلة لدى الفلسطينيين. وبعد مرور عقدين على وفاته، باتت صور ياسر عرفات، رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة في يوم من الأيام، نادرة بشكل ملحوظ وتلاشت في عين الحلوة. وكانت صور خليفته، محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، أكثر ندرة.
رجل يحمل مجسّم قذيفة صاروخية في موكب تكريمي لهنية في صيدا.
لقد امتد الصراع بين السلطة الفلسطينية والجماعات المتشددة مثل حماس إلى اشتباكات عنيفة في غزة والضفة الغربية ومجتمعات اللاجئين، مما قوض قدرة الفلسطينيين على مواجهة “إسرائيل” سياسيًا. وقال خالد الجندي، وهو زميل بارز في معهد الشرق الأوسط، وهي منظمة بحثية في واشنطن: “إن عدم وجود عنوان مركزي في فلسطين للتفاوض من أجل السلام أضعف القضية الفلسطينية وزعزع استقرار المنطقة”.
وأضاف أن “أي صفقة يعقدها عباس مع “إسرائيل” يمكن أن تعطلها حماس. فلا توجد مجموعة واحدة تحتكر التفاوض على السلام أو شن الحرب بين الفلسطينيين. وهذا ما أضعفهم وسيستمر في إضعافهم في المستقبل”. لكن منذ تشرين الأول/ أكتوبر، داخل مخيم عين الحلوة، توقفت الجماعات عن توجيه أصابع الاتهام إلى بعضها البعض – في الوقت الراهن.
استأثر نشر «حزب الله» شريط فيديو يُظهر فيه واحدة من منشآته الصاروخية الموجودة في أنفاق تحت الأرض، باهتمام عدد من السفراء المعتمدين لدى لبنان، خصوصاً أن نشره تزامن مع تعليق المحادثات في الدوحة للتوصل إلى وقف النار في غزة، على أن تُستأنف في القاهرة قبل نهاية الأسبوع الحالي، وسط مسحة من التفاؤل الرسمي اللبناني بأنها ستكون حاسمة، وستؤدي إلى إنهاء الحرب في القطاع مع ارتفاع منسوب الضغط الأميركي على رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لسد الفجوات التي تؤخر ولادة الاتفاق.
راجمة صواريخ ضخمة مجهّزة لإطلاق الذخائر على مدخل نفق كشف عنه «حزب الله» بمقطع فيديو (أ.ف.ب)
وتجلى الاهتمام الدبلوماسي الأجنبي بطرح أسئلة تتعلق بالظروف التي أملت على «حزب الله» نشر الفيديو، مع أن الضرورات العسكرية تستدعي إبقاءها قيد الكتمان، وعدم إظهارها للعلن؛ ليكون في وسعه الاحتفاظ بعامل المفاجأة لاستخدامها في الوقت المناسب، مع أنه أبقاها مجهولة الموقع الجغرافي.
صورة لقيادي «حزب الله» فؤاد شكر خلال إحياء ذكرى أسبوع على اغتياله في بيروت (إ.ب.أ)
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر سياسية، تواصل معها السفراء، أن ما يهم هؤلاء، هو الاستقصاء عن الظروف الميدانية التي أملت على الحزب نشره، ربما لاستدراج ردود إسرائيل عليه، مع أن المشمولين باتصالاتهم أكدوا أن لا نية للحزب بتوسعة الحرب التي تهدد إسرائيل بها، وأنه مستمر في مساندته لغزة لضمان انسحاب إسرائيل منها، وإن كان يضطر من حين إلى آخر للرد على تجاوز إسرائيل للخطوط الحمر لاغتيالها القيادي فؤاد شكر، وآخرين من كوادره العسكريين في العمق اللبناني.
«عماد-4»
وتوقف السفراء أمام إطلاق اسم «عماد-4» على المنشأة الصاروخية، في محاولة لمعرفة ما قبله أو بعده من مخزون لسلاحه الصاروخي، وسألوا عن التوقيت وعلاقته باستئناف محادثات وقف النار في غزة.
وتأكد للسفراء أن نشره ليس محصوراً برفع معنويات مقاتلي الحزب، وشد أزرهم في مواجهتهم للمسيرات الإسرائيلية التي تلاحقهم من مكان لآخر، وإنما لتمرير رسالة إلى تل أبيب بأن هذه المنشأة الصاروخية ما هي إلا عينة لما لديه من مخزون صاروخي، يجيز للحزب استخدامه في حال أقدمت على توسعة الحرب لتحقيق توازن ردعي يُفترض أن تحسب له إسرائيل ألف حساب.
راجمة صواريخ ضخمة مجهّزة لإطلاق الذخائر على مدخل نفق كشف عنه «حزب الله» بمقطع فيديو (أ.ف.ب)
وقيل للسفراء، حسب المصادر، إن الحزب باقٍ على موقفه بإعطاء فرصة للمحادثات المتنقلة ما بين الدوحة والقاهرة لوقف النار في غزة، وهذا يستدعي منه التمهل في الرد على إسرائيل، والموقف نفسه ينسحب على إيران التي أحيطت علماً، كما علمت «الشرق الأوسط»، بتعليق المحادثات في الدوحة وانتقالها إلى القاهرة التي يجب أن تشكل محطة حاسمة لتقرير مصير وقف النار.
فرصة للمحادثات
كما تأكد أن الحزب لا يرى ضرورة لاستخدام ما لديه من سلاح صاروخي دقيق ما دامت المواجهة مع إسرائيل تنطلق من مساندته لغزة، وبالتالي لا داعي للكشف عما لديه من أسلحة نوعية ومتطورة قبل الأوان، والتي سيضطر إلى إخراجها من أنفاقه للرد على تهديدات إسرائيل في حال مضت قدماً نحو توسعة الحرب.
فالحزب، وإن كان قد امتنع بالواسطة، عن الرد على أسئلة السفراء عما إذا كان سيصرف النظر عن رده على اغتيال شكر، في حال توصلت المحادثات لوقف النار في غزة، أبلغَ من يعنيهم الأمر بأنه ليس في وارد الإجابة عن أسئلة افتراضية، لأن ما يهمه النتائج وليس التوقعات.
وعليه أراد الحزب أن يقيم، من نشره للفيديو، حالة من توازن الرعب مع إسرائيل للضغط عليها للوصول إلى تسوية لعودة الاستقرار للجنوب بتطبيق القرار 1701 بكل مندرجاته برعاية أممية على قاعدة إنجاح محادثات وقف النار في غزة.
تنسيق مع بري وميقاتي
وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن التنسيق قائم بين رئيسي البرلمان نبيه بري والحكومة نجيب ميقاتي، ويتبادلان الرأي مع «حزب الله» لوضعه في أجواء لقاءاتهما بالموفدين إلى لبنان.
وكشفت مصادر سياسية أنهما يبديان ارتياحهما لموقف «حزب الله» الذي لم يسجل اعتراضه على تدفق الموفدين الأجانب، ومن بينهم الوسيط الأميركي آموس هوكستين، إلى لبنان. وقالت إن الحزب على قناعة بتوفير الفرصة لمحادثات وقف النار في غزة، وهو يتمهل حالياً في الرد على إسرائيل، ويحتفظ بحقه في الرد بالوقت المناسب مقدراً الوضع العام في البلد.
ولفتت إلى مواكبة ميقاتي، ومعه وزير الخارجية عبد الله بوحبيب، للاتصالات ذات الصلة بالوضع المشتعل في الجنوب. وقالت إن ما يهمهما لجم إسرائيل ومنعها من تدحرج الحرب نحو الجنوب.
في حين الذين التقوا الموفدين الأجانب من وزراء خارجية ومسؤولين أمنيين من دول عدة، فضلوا البقاء في الظل بعيداً عن الأضواء، ومنهم مَن يتواصل مع «حزب الله»، توقفوا ملياً أمام تعاطي الحزب بواقعية ومرونة في مواجهته لإسرائيل على خلفية تقيده بشروط مساندته لغزة، وهذا ما يتعارض مع توجهات الحزب الآيديولوجية التي كانت قائمة في السنوات الأولى لولادته.
وبكلام أوضح يرى هؤلاء أن الحزب منذ أن قرر مساندته لغزة، لا يزال يتصرف بواقعية ويلتزم بالسقف العسكري الذي رسمه لنفسه بعدم إعطاء الذرائع لإسرائيل لتوسعة الحرب أو استدراجه لها، وهو يمارس، كما يقول هؤلاء، ضبط النفس إلى أقصى الحدود، ويضطر للرد عليها لتجاوزها الخطوط الحمر، سواء باغتيالها لشكر أو باستهدافها كوادر أمنية تتولى الإشراف على الوضع الميداني في الجنوب ومستلزماته.
تجنب السجال
ورغم أنهم تجنبوا الدخول في سجال مع المعارضة على خلفية انتقادها لتفرد الحزب بقرار السلم والحرب دون العودة إلى الدولة كونها وحدها صاحبة القرار في هذا الخصوص، رغبة منهم بعدم تعميق الهوة بين اللبنانيين المنقسمين على أنفسهم بين مؤيد للحزب ومعارض له، فإنهم في المقابل يتوقفون أمام مبادرة الحزب لإعادة النظر بطروحاته الآيديولوجية التي تأسس عليها وظلت قائمة لسنوات، إلى أن تخلى عن شعاره «زحفاً زحفاً نحو القدس»، وعن دعوته لزوال إسرائيل واستبدل بها واقعية تأييده حق العودة للفلسطينيين، وهذا ما استمر عليه بتعاطيه مع مساندته لغزة تحت سقف ضبط إيقاع المواجهة في الجنوب، وعدم توفير الذرائع لإسرائيل لتوسعة الحرب.
التوقيت الميداني
لذلك اختار الحزب التوقيت الميداني، بنشره للفيديو، للرد على التهديدات الإسرائيلية، ليس لتوسعة الحرب التي لا يريدها، كما يؤكد مصدر في الثنائي الشيعي لـ«الشرق الأوسط» وأعلمَ بها الموفدين الغربيين والثلاثي (الأميركي- المصري – القطري)، وإنما للضغط على تل أبيب لتعيد النظر في حساباتها، بإعلامها سلفاً بأن ليس هناك من منطقة ستبقى بمنأى عن صواريخه الذكية والدقيقة التي تعد، كما يقول مقربون منه، بالمئات.
محمد شقير
صحيفة الشرق الاوسط
المخابرات الإسرائيلية تحذر وزراء وجنرالات من اغتيالات يعدّها «حزب الله»
|
كشفت مصادر سياسية وأمنية في تل أبيب، أن المخابرات الإسرائيلية كثفت جهودها لمواجهة احتمال تنفيذ «حزب الله» اللبناني عمليات اغتيال لشخصيات سياسية وعسكرية بارزة، فاعلة حالياً أو في السابق، انتقاماً لعمليات الاغتيال الكثيرة التي تنفذها إسرائيل منذ اندلاع الحرب على غزة.
وأكدت هذه المصادر أن كثيراً من الجنرالات والوزراء تلقوا تحذيرات كهذه، وطالبوا بالالتزام بإجراءات الحذر والوقاية التي يفرضها عليهم جهاز «الشاباك» (المخابرات الإسرائيلية العامة)، وتم تعميم تحذيرات مشابهة على وزراء وجنرالات سابقين أيضاً.
وبحسب هذه المعلومات، فإن الوزير اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، الذي يقوم باستفزازات في المسجد الأقصى، تلقى تحذيرات مضاعفة وتكلم في جلسة الحكومة الأخيرة عن مضاعفة الحراسة عليه.
مظاهرة دعت إليها منظمات شبابية فلسطينية ولبنانية في صيدا بجنوب لبنان احتجاجاً على اغتيال زعيم «حماس» إسماعيل هنية والقائد العسكري لـ«حزب الله» فؤاد شكر (أ.ف.ب)
وقالت المصادر إن المخابرات تفرض حراسة مشددة عموماً على قادة الجيش والمخابرات ورؤساء الحكومات والوزراء السابقين والحاليين، ولكن هذه الحراسة زادت خلال الحرب على غزة، خصوصاً بعد تنفيذ عمليات اغتيال كبيرة طالت عدداً من القادة البارزين في «حماس» و«حزب الله»، وحتى الحرس الثوري الإيراني. وفي أعقاب اغتيال فؤاد شكر، قائد الذراع العسكرية لـ«حزب الله»، في قلب الضاحية ببيروت، ثم اغتيال إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، أجرى «الشاباك» مداولات جديدة قرر فيها إحداث تغييرات في منظومة الحراسة لتصيح أشد حذراً وأقوى حماية.
جنود إسرائيليون قرب موقع سقوط صاروخ أطلقه «حزب الله» باتجاه الجليل الأعلى نهاية يوليو وأسفر عن مقتل إسرائيلي (رويترز)
وذكرت في هذا السياق أن القصف الصاروخي الذي يقوم به «حزب الله»، كاد يصيب مسؤولين بإسرائيل عدة مرات، آخرهم الجنرال اهرون حليفا، الذي سقط صاروخ «حزب الله» على بعد 100 متر منه، نهاية الشهر الماضي. لكنها لم تستطع معرفة إذا كان ذلك القصف مخططاً ومبنياً على معرفة بوجود هؤلاء القادة في المكان المقصوف، أم مجرد صدفة.
غير أن هذه الحوادث كانت كافية لمطالبة جميع المسؤولين بالحذر في تحركاتهم والتقليل من الكلام عن مواعيدهم ولقاءاتهم وزياراتهم. وفي ضوء التهديدات باستهداف إسرائيليين في الخارج، طولب هؤلاء المسؤولون بالتخفيف من زياراتهم إلى الخارج.
لقطة من فيديو لعنصر من «حزب الله» اللبناني يطلق قذيفة صاروخية تجاه موقع إسرائيلي
يذكر أن المخابرات والقيادات العسكرية الإسرائيلية، تتخذ إجراءات استنفار لمواجهة عمليات انتقام من إيران و«حزب الله» و«حماس»، ولا تركن إلى التصريحات الإيرانية بالتروي، وتجميد الانتقام حتى لا يتم التخريب على الصفقة. وهي مصرة على أن التصريحات الإيرانية من جهة وتهديدات «حزب الله» أنه لا يربط الانتقام مع الصفقة، من جهة ثانية، ما هي إلا حرب أعصاب وخدع حربية. ولذلك تسعى لأكبر قدر من الاحتياط.
في السياق، ومع إعلان «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس»، و«سرايا القدس» التابعة لـ«الجهاد الإسلامي»، تبنيهما عملية التفجير التي وقعت مساء الأحد، في تل أبيب، تشعر أجهزة الأمن الإسرائيلية بالإحباط.، فهي تدير حرباً شعواء منذ 30 شهراً، تحديداً منذ يوم 9 مارس (آذار) لسنة 2022، ضد كل عناصر المقاومة الشعبية أو المقاومة المسلحة، في الضفة الغربية، بغرض منع هذه العمليات بالذات.
آلية عسكرية إسرائيلية خلال اقتحام مخيم نور شمس في الضفة الغربية (أ.ف.ب)
وفي إطار الحملة، وضعت قوائم بأسماء النشطاء السياسيين والمسلحين، وبدأت في حملة اعتقالات ضدهم. وشملت هذه الحملة جميع البلدات الفلسطينية مع التركيز على مخيمات اللاجئين. ففي كل ليلة تقوم بحملات اعتقال في 5 أو 10 بلدات. ولكي تعتقل شخصاً واحداً، ترسل مئات الجنود وعشرات المجنزرات وتحتل عدة بيوت محيطة به وتروع الأطفال وتخيف النساء ولا ترحم مسناً أو مريضاً.
ويقال إن هذه الحملة كانت من أسباب كثيرة دفعت «حماس» إلى هجوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، على إسرائيل. وخلال الحرب على غزة تضاعفت الحملة وشملت نحو 10 آلاف معتقل، جرى خلالها استخدام وحدات الكوماندوس القتالية والدبابات وقصف مناطق مزدحمة في المدن والمخيمات بالطائرات المقاتلة والمسيرات الانتحارية.
ومع ذلك، فإن العمليات المسلحة وعمليات التفجير مستمرة، وبلغ عددها نحو 40 عملية داخل إسرائيل ومستوطناتها في الضفة الغربية. وبحسب بيان «حماس» و«الجهاد»، فإن «العمليات الاستشهادية بالداخل المحتل ستعود للواجهة، طالما تواصلت مجازر الاحتلال وعمليات تهجير المدنيين واستمرار سياسة الاغتيالات».
فريق طبي إسرائيلي ينقل جريحاً سقط جراء الهجوم الصاروخي الذي نفذه «حزب الله» من جنوب لبنان فبراير الماضي (إ.ب.أ)
وقالت الشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن العام (الشاباك) اليوم (الاثنين)، إن انفجار تل أبيب نجم عن عملية نفذت بواسطة عبوة شديدة الانفجار، وأسفرت عن مقتل منفذها وإصابة إسرائيلي بجراح. وجاء في بيان مشترك: «بعد وقوع العملية وإجراء تقييم خاص للأوضاع بمشاركة كل جهات التحقيق، تم الإيعاز برفع حالة التأهب وأعمال البحث الواسعة في أنحاء غوش دان (منطقة تل أبيب)».
وكان جهاز الأمن الإسرائيلي قد رجح في وقت سابق، أن الانفجار كان «محاولة فاشلة» لتنفيذ عملية تفجيرية. وقال ضابط كبير في الشرطة: «تم منع عملية بنسبة 99 في المائة»، وإن التقديرات هي أن القتيل بالانفجار الذي كان يحمل المتفجرات جاء من مدينة نابلس في الضفة الغربية. وأضاف أنه «بأعجوبة لم يقع الانفجار في كنيس أو في مركز تجاري قريبين، وكان بإمكان هذا الحدث أن ينتهي بعشرات القتلى».
تجدر الإشارة إلى أن آخر مرة وقع فيها انفجار كهذا في تل أبيب، واشتبه حينها بأنه عملية فاشلة، كان في 15 سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، ووقع في متنزه اليركون وفرض أمر حظر نشر بشأنه أيضاً. وفي 13 مارس من العام الماضي، وقع انفجار عند مفترق مجدو، أسفر عن إصابة شخص بجروح خطيرة، وأعلنت أجهزة الأمن الإسرائيلية لاحقاً، أن المنفذ ينتمي لـ«حزب الله»، وأنه تسلل من لبنان وتم قتله قرب الحدود عندما حاول العودة إلى لبنان، لكن إسرائيل لم تحمل «حزب الله» أو إيران المسؤولية، وفرضت تعتيماً على الموضوع.
نظير مجلي
صحيفة الشرق الاوسط
تماهي مسيحيين لبنانيين مع لوبان وترامب… هاجس “أقليات” أم تعصّب؟
|
ثمة انطباع بأن مسيحيي لبنان يتعاطفون على نطاق واسع مع اليمين القومي المتطرف الفرنسي، بزعامة مارين لوبان، ومع التيار اليميني المتطرف الذي يمثّله دونالد ترامب، في الولايات المتحدة الأمريكية.
لا إحصائيات رسميةً تتيح التدقيق في ذلك. لكن الحديث المباشر مع الناس ورصد منصات التواصل الاجتماعي الرقمية أو تصريحات بعض المؤثرين المزعومين، يُظهران ميلاً واضحاً، لا يمكن التقليل من شأنه، إلى التماهي والتماثل مع تيارات وشخصيات كهذه؛ قوى ترفض القيم الليبرالية، وثقافة الانفتاح على الآخر، والتعددية الثقافية، وتدعو إلى مكافحة الهجرة، والدفاع عن الحدود الوطنية، وتدافع عن السيادة وتعارض المنظمات الدولية فوق-الوطنية، وتتمسك بالثقافة المحافظة والقيم التقليدية ودور الأسرة والدين، وتشدد على أهمية التجانس الاجتماعي.
رهان على اليمين المتطرف
لم يخفِ كثيرون مشاعر حزنهم على خسارة حزب لوبان، “التجمع القومي”، في الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية الفرنسية، في 7 تموز/ يوليو 2024، بعد فرحتهم بانتصار هذا الحزب في الانتخابات البرلمانية الأوروبية في فرنسا بين 6 و9 حزيران/ يونيو 2024. كانت الغصّة تملأ قلوبهم، وهم يتحدثون ويعترفون بأنهم كانوا يراهنون على انتصار اليمين المتطرف.
لتماهي مسيحيين لبنانيين مع لوبان وترامب تفسيرات متعددة. فهو يعكس من جهة، هاجس الأقليات في منطقة المشرق، ويندرج، من جهة ثانية، في خانة الشوفينية والتعصب. ماذا أيضاً؟
جولة سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي الرقمي، تكفي لملاحظة مدى قوة رهان كهذا لدى البعض. مثلاً، صفحة “جنود الرب” (وهي مجموعة متطرفة ظهرت في السنوات الماضية)، على منصة “إكس” (تويتر سابقاً)، هللت لفوز حزب لوبان في الانتخابات الأوروبية: “أقصى اليمين يفوز بالانتخابات الأوروبية ومارين لوبان تعلن استعدادها لتولّي السلطة في فرنسا… التغييرات، (استعدّوا)”. ويعكس تعليق أحد المواطنين على فيسبوك، رغبةً قويةً في انتصار حزب لوبان في الدورة الثانية من الانتخابات التشريعية: “الرب يسوع و(السيدة) العذراء (مريم) والقديسون معك وبإذن الله اليوم (سوف) ينتصر أقصى اليمين المسيحي في فرنسا على الشرّ”.
لاحقاً، يشير تعليق آخر إلى أن دعم اليسار للمهاجرين واللاجئين في فرنسا، “قد يؤدي إلى تغيير الهوية الفرنسية”، مع أنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن “(العنصر) الإيجابي الوحيد (في فوز اليسار في فرنسا، هو موقف هذا الفريق الإيجابي من القضية الفلسطينية واستنكاره جرائم إسرائيل وتأييده الاعتراف بدولة فلسطين”. ثم يضيف أن اليسار سيساهم في إبعاد “فرنسا عن القيم المسيحية الكاثوليكية، وسينحرف نحو العلمانية الشاملة والإلحاد، داعماً بذلك حقوق المثليّين والشاذّين والمتحوّلين ومؤيداً الإجهاض”.
كذلك علّقت صفحة “جنود الرب” على فيسبوك، على محاولة اغتيال دونالد ترامب، في 13 تموز/ يوليو 2024، بالقول إن هذه المحاولة تمّت “على يد أعداء الإنسانية”، لتضيف في تعليق آخر: “معنا هو الله، فاعلموا أيّها الأمم وانهزموا… لأن الله معنا اسمعوا إلى أقصى الأرض… لأن الله معنا أيّها الأقوياء انغلبوا… لأن الله معنا لأنّكم ولو قويتم، فستنغلبون أيضاً… لأن الله معنا”. هذه العيّنة الصغيرة لا تعبّر عن رأي مجموعة أقلية في لبنان، بل عن رأي عام لا يمكن تجاهله.
صحيح أن تحالف اليمين المتطرف الفرنسي خاب أمله من نتائج الاقتراع في بيروت، في الدورة الأولى من الانتخابات التشريعية الفرنسية، في 30 حزيران/ يونيو 2024، وذلك لأن مرشحه عن الدائرة العاشرة للفرنسيين في الخارج، جان دوفيرون (Jean De Veron)، حلّ في المرتبة الرابعة بحصوله على 17.99% من الأصوات في لبنان، بعد الفائز الأول، مرشح حزب الجمهوريين اليميني (26.46%)، يليه مرشح “الجبهة الشعبية الجديد” اليسارية (26.16%)، تليه مرشحة الائتلاف الحاكم (22.44%). لكن هذا لا ينفي أن نسبة التعاطف مع اليمين المتطرف مرتفعة في أوساط اللبنانيين، خاصةً المسيحيين منهم.
دوافع مختلفة
لهذا التماهي مع لوبان وترامب تفسيرات متعددة. فهو يعكس من جهة، هاجس الأقليات في منطقة المشرق، ويندرج، من جهة ثانية، في خانة الشوفينية والتعصب. ثمة من ينظر إلى ظاهرة تأييد شخصيات مثل ترامب ولوبان، بوصفها ظاهرةً تتغذى من نزعة الكراهية ضد المسلمين والأجانب. لكن في المقابل، هناك من يرى أن الخوف من تأثير تصرفات المتطرفين الإسلامويين، خصوصاً أن آثار ظاهرة “داعش” لا تزال قائمةً، هو الذي يدفع عدداً كبيراً من مسيحيي لبنان والشرق الأوسط عموماً إلى التعاطف والتماهي مع اليمين المتطرف والشعبوي في الغرب.
عندما كانت النازية في ذروتها، خلال الحرب العالمية الثانية، تلقّت البطريركية المارونية في لبنان، رسالةً تحذيريةً أمريكيةً واضحةً ضد التماهي مع حكومة “فيشي” الفرنسية، حليفة ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية. كانت واشنطن قلقةً للغاية من استخدام مطارات عسكرية في سوريا ولبنان
هكذا، تختلط الدوافع مع بعضها البعض، لكنها تؤدي إلى نتيجة واحدة؛ التقارب مع الغرب الذي لطالما دافع عنه مسيحيو لبنان، والذي لا يبدو اليوم تقارباً مع الغرب الليبرالي، غرب التعددية الثقافية، والغرب المنفتح على الآخر، بقدر ما هو تقارب مع الغرب المحافظ، غرب القوميات والعنصرية، والغرب المفرط في كراهية الأجانب. وهذا الاتجاه يتناقض مع الدور التاريخي التقدّمي الذي لعبه مسيحيو لبنان دفاعاً عن العالم الحرّ والليبرالية.
دروس التاريخ
عندما كانت النازية في ذروتها، خلال الحرب العالمية الثانية، تلقّت البطريركية المارونية في لبنان، رسالةً تحذيريةً أمريكيةً واضحةً ضد التماهي مع حكومة “فيشي” الفرنسية، حليفة ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية. كانت واشنطن قلقةً للغاية من سماح حكومة “فيشي” للمقاتلات الألمانية باستخدام مطارات عسكرية في سوريا ولبنان من أجل دعم الثورة العراقية ضد بريطانيا، في العام 1941، بحسب دراسة للأكاديمي أنطوان حكيّم، نشرها في مجلة (Cahiers de la Méditerranée)، باللغة الفرنسية، سنة 1994.
هكذا، في أيار/ مايو 1941، زار القنصل الأمريكي في بيروت، كورنيليوس فان إنغرت (Cornelius Van H. Engert)، البطريرك الماروني آنذاك بطرس عريضة، وأبلغه أن من مصلحة المسيحيين، والموارنة خصوصاً، دعم أي عملية عسكرية هدفها استئصال التهديد النازي في منطقة الشرق الأوسط، بحسب ما ورد في الرسالة الجامعية للباحثة فاليري-هيلين أزهري (Valérie-Hélène Azhari)، حول “السياسة الفرنسية في لبنان خلال الحرب العالمية الثانية”، في معهد العلوم السياسية في باريس، سنة 2003.
كان هذا الموقف بمثابة غطاء أمريكي لعملية عسكرية بقيادة بريطانية بين أيار/ مايو وتموز/ يوليو 1941، شاركت فيها قوات “فرنسا الحرّة” أيضاً، ضد الجيش الفرنسي التابع لحكومة “فيشي” في سوريا ولبنان، قطعت الطريق على محاولات تعزيز نفوذ ألمانيا النازية في المنطقة، لكنها أدّت أيضاً إلى إضعاف النفوذ الفرنسي في لبنان وسوريا. حينها، أدرك المسيحيون الموارنة أن القوة الأمريكية ستكون قوةً مهيمنةً في الغرب، وشعروا بضرورة نسج علاقات معها بعدما أيقنوا عدم قدرتهم على الاعتماد على الحاضنة الفرنسية، لأن قوة فرنسا تآكلت على الساحة الدولية إثر هزيمتها أمام ألمانيا النازية في العام 1940.
دور شارل مالك
التماهي مع أمريكا، منقذة الليبرالية والقيم الكونية في أوروبا والغرب في وجه الهمجية والشوفينية والتمييز العنصري والتفوق العرقي، وَضَع الموارنة ومسيحيي لبنان عموماً، في الموقع نفسه مع حماة الليبرالية في العالم، وهو الموقع النقيض للنازية والفاشية. انعكس ذلك في مساهمة المفكر اللبناني، شارل مالك، في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الجمعية العام لمنظمة الأمم المتحدة في 10 كانون الأول/ ديسمبر 1948.
العالم الذي كان يطمح إلى المساهمة في بناء هذا الإعلان، هو عالم نقيض لما كانت تمثله النازية والفاشية، ولما يمثله اليوم اليمين المتطرف والشعبوي بخطابه المعادي للأجانب والهجرة والمساواة والعولمة. المادة 2 منه، تنص على أن “لكلِّ إنسان حقّ التمتع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة (فيه)، دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي، سياسيًاً كان أو غير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أيِّ وضع آخر (…)”.
التماهي مع أمريكا، منقذة الليبرالية والقيم الكونية في أوروبا والغرب في وجه الهمجية والشوفينية والتمييز العنصري والتفوق العرقي، وَضَع الموارنة ومسيحيي لبنان عموماً، في الموقع نفسه مع حماة الليبرالية في العالم، وهو الموقع النقيض للنازية والفاشية
وتنص المادة 13 منه في فقرتها الثانية، على أن “لكلِّ فرد الحقّ في مغادرة أيِّ بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده”، في حين تؤكد الفقرة الأولى من المادة 14، على أن “لكلِّ فرد حقّ التماس ملجأ في بلدان أخرى والتمتُّع به خلاصاً من الاضطهاد”. أما المادة 18 من هذا الإعلان، فتنصّ على أن “لكلِّ شخص حقّاً في حرِّية الفكر والوجدان والدين، ويشمل هذا الحق حريته في تغيير دينه أو معتقده، وحريته في إظهار دينه أو معتقده بالتعبُّد وإقامة الشعائر والممارسة والتعليم، بمفرده أو مع جماعة، وأمام الملأ أو على حدة”.
توقيع شارل مالك على هذا الإعلان، ترك ليس للبنان فحسب بل للمسيحيين أيضاً، رصيداً معنوياً ثميناً في نادي العالم الليبرالي. وإذا كانت حصيلة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان غير مثالية اليوم، فذلك لأن العبرة في التطبيق. وإنْ كان هناك خطر فعلي على مستقبل هذا الإعلان ومبادئه، فإن السبب يتمثل في بروز التيارات الشعبوية والقوى اليمينية المتطرفة، في فرنسا وأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. فأين مصلحة مسيحيي لبنان والشرق عموماً في التفريط بهذا الرصيد الكوني؟
وإذا كان لهذا الرصيد من دلالة، فهي تتمثل في أن شارل مالك -الذي تشير سيرته الذاتية إلى أنه اضطر إلى مغادرة ألمانيا، حيث كان يدرّس الفلسفة، بعد وصول النازيين إلى الحكم في العام 1933 بسبب المضايقات العنصرية التي عانى منها- أسس لسياسة خارجية لبنانية فاعلة وغير محايدة وبعيدة كل البعد عن حالة اللامبالاة حيال المسائل الإنسانية والدولية العادلة.
انضمام لبنان إلى نادي الأمم، بعد تأسيس الأمم المتحدة، كان انضماماً إلى منظمة دولية تتدخل في المشكلات الدولية من أجل حفظ الأمن والسلم الدوليين، ومن أجل حماية حقوق الإنسان، وتقديم مساعدات إنسانية، وفرض التزام اللاعبين الحكوميين واللاعبين غير الحكوميين بتطبيق القانون الدولي. بالطبع، هذا الالتزام المناقض لسياسة العزلة (Isolationism)، لا يعني أن تتم التضحية بسيادة لبنان واستقراره من أجل قضايا دولية وخارجية، كما حصل في سبعينيات القرن العشرين مع المسألة الفلسطينية. لكن هذا الالتزام يتطلب أن يحافظ لبنان، والمسيحيون خصوصاً، على إرثه العالمي وعلى سمعته بوصفه بلداً، يدافع بقوة عن سيادته بكل تأكيد، لكن أيضاً بوصفه بلداً غير منعزل عن معركة الدفاع عن القيم الليبرالية والانفتاح والتعددية الثقافية والتسامح وتقديم الحماية، في وجه دعاة الكراهية والعنصرية والتفوق العنصري في العالم، وطبعاً عن حق الشعوب في تقرير مصيرها.
نبيل الخوري
موقع رصيف 22
قانون موحّد للأحوال الشخصية في لبنان… يدعمه مسيحيون ويعارضه مسلمون، لماذا؟
|
في بلد الـ18 طائفةً دينيةً، حيث لكل طائفة من تلك الطوائف قانون أحوال شخصية خاص بها، ومحاكم خاصة تُنظّم قضايا الزواج والطلاق والميراث… وغيرها من القضايا الشخصية لأتباعها، تتوزع حياة اللبنانيين الشخصية على 15 قانوناً للأحوال الشخصية موزعةً بين الطوائف الدينية المختلفة.
إلاّ أنّ هذه القوانين على اختلافاتها الكبيرة، اجتمعت على شيء واحد، هو الإجحاف في حق النساء وحقوقهنّ، حيث تعاني الأخيرات في لبنان من تمييز وظلم قانوني كبير من أبرز أوجهه أنّ جميع قوانين الأحوال الشخصية تسمح بزواج القاصرات، ومن إجحاف في قوانين الحضانة والإرث. فبرغم اختلاف شروط وإجراءات الطلاق من طائفة إلى أخرى، إلاّ أنّها في معظم الحالات، تحرم المرأة من حقوقها بشكل غير عادل.
أمّا قانون الحضانة، فغالباً ما يحرم الأمّ من أطفالها بعد سنّ معيّنة. والوضع ليس أفضل في قوانين الميراث، التي يسمح بعضها بحصول الذكر على ضعف حصة الأنثى في الميراث. كما تفرض جميع قوانين الأحوال الشخصية الطائفية، على المرأة، أن تكون تحت ولاية ولي أمر ذكر، في العديد من القرارات الشخصية والقانونية، ما يقيّد حريتها واستقلاليتها.
الحاجة إلى إقرار قانون موحّد للأحوال الشخصية
بناءً على ما سبق، ظهرت الحاجة إلى إقرار قانون أحوال شخصية موحّد، يهدف إلى توحيد التشريعات التي تحكم قضايا الأسرة لجميع المواطنين اللبنانيين، بغض النظر عن انتمائهم الديني، ويتضمن مجموعةً من القواعد والإجراءات التي تنظّم الزواج، الطلاق، النفقة، الحضانة، والميراث، بطريقة تتفق مع المبادئ العامة للعدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وتحفظ حقوق كلا الجنسين، وعلى وجه الخصوص حقوق المرأة اللبنانية، التي تعاني من إجحاف كبير وواضح في قوانين الأحوال الشخصية الطائفية.
وصل مشروع اقتراح “قانون الأحوال الشخصية الموحّد”، الذي تقدّمت به جمعية “كفى عنفاً واستغلالاً”، إلى المجلس النيابي في 14 كانون الأول/ ديسمبر 2022، ونال توقيع تسعة نواب من كتل نيابية مختلفة (سامي الجميل، ميشال دويهي، جورج عقيص، بلال عبد الله، فريد البستاني، إلياس جرادة، بولا يعقوبيان، فراس حمدان، ومارك ضو).
في لبنان 18 طائفة، لكل منها قانون أحوال شخصية ومحاكم خاصة بها، تُنظّم قضايا الزواج والطلاق والميراث لأتباعها، إلاّ أنّ هذه القوانين على اختلافاتها الكبيرة، اجتمعت على شيء واحد، وهو الإجحاف في حق النساء وحقوقهنّ
مشروع ” كفى”، ليس الأول، “ففي عام 1957، قُدّم مقترح قانون أحوال شخصية موحّد لم يتم إقراره، ثم تبعته أكثر من محاولة جميعها باءت بالفشل. لكنّه أول مشروع قانون يشمل الأحوال من لحظة التسجيل في دائرة النفوس حتى الوفاة. سيلغي مشروع القانون هذا، إذا أُقرّ، قوانين الأحوال الشخصية الطائفية الـ15، وسيوحّد جميع المواطنين على الأراضي اللبنانية باختلاف انتماءاتهم الدينية والطائفية من خلال إخضاعهم لزاماً لقانون واحد ينظّم أحوالهم مدنياً لا طائفياً.
أبرز النقاط في طرح جمعية “كفى”
يُعدّ هذا القانون من حيث الشكل والمضمون، خطوةً قانونيةً تؤدي -في حال إقراره- إلى خلق ثورة حقوقية على صعيد القوانين. ونعرض في ما يلي أبرز المواد التي تناولها:
يسجّل جميع اللبنانيين على الأراضي اللبنانية عقود الزواج في سجلات مدنية في دوائر النفوس، تدوَّن عليها جميع التغييرات في أحوال الزوجين الشخصية، علماً بأن تسجيل الزيجات ومفاعيلها سيخضع لهذا القانون، إلا أن للزوجين حرية اختيار شكل الزواج وإقامة المراسيم والشعائر الدينية.
وصل مشروع “قانون الأحوال الشخصية الموحّد” في نهاية 2022، ونال توقيعات تسعة نواب من كتل نيابية مختلفة، وفي حال أقره البرلمان سيلغي 15 قانوناً للأحوال يعمل بها اليوم.
يضع مشروع القانون حدّاً لزواج القاصرات. فلا يجيز، بموجب المادة السابعة منه، عقد زواج على الأراضي اللبنانية قبل بلوغ الطرفين الثامنة عشرة من العمر، ويعاقب من يخالف أحكام هذه المادة بالحبس من 3 أشهر إلى سنة، وبدفع غرامة مالية تبلغ 4 أضعاف الحد الأدنى للأجور.
يُمنع عقد الزواج، إذا كان أحد العاقدين مرتبطاً بزواج سابق قائم، فيتوقف بذلك تعدّد الزوجات.
الزوجان ملزمان بالإنفاق على المنزل وعلى الأولاد، إلا إذا اتفقا على خلاف ذلك في العقد. كما يشتركان في ملكية الأموال خلال الزواج، ويُعدّ المنزل الزوجي ملكيةً مشتركةً لا يجوز التصرّف بها إلا بموافقة الزوجين.
يُسجَّل الأولاد في الخانة الفردية لكلّ من الوالدين، ويحملون اسم عائلة الأم أيضاً بعدما كانوا يحملون اسم عائلة الأب فحسب.
الحضانة بعد الطلاق تكون مشتركةً، والطفل يقيم مع والدته في منزل الأسرة، إلا في الحالات الاستثنائية مثل إذا كانت مصلحة الطفل أو رأيه يستدعيان التصرف خلافاً لذلك.
تبطل مفاعيل الحكم الشرعي عند الميراث: “للذكر مثل حظ الأنثيين”، إذ يرث الأولاد، بموجب مشروع القانون، أهاليهم بالتساوي من دون تمييز بين ذكر أو أنثى.
تباين مواقف النواب السُنّة
لا تتقاطع مواقف الكتل النيابية اللبنانية من قانون الأحوال الشخصية الموحد، وتختلف حسب توجهاتها السياسية والطائفية.
يتجلّى التباين بين النواب اللبنانيين حيال مشروع القانون خلال حديثهم إلى رصيف22، للوقوف على موقفهم من قانون الأحوال الشخصية الموحّد الذي تقدّمت به جمعية “كفى”.
وكان موقف بعض النواب السنّة رافضاً للقانون، أو متشائماً حياله، على الرغم من عدم اطّلاع غالبيتهم على تفاصيله، وهو ما يمكن أن يُفسَّر بتقاطع موقف بعض النواب مع موقف دار الفتوى من منطلقات دينية، بالإضافة إلى تجنّب بعضهم التصادم معها.
في حديثه إلى رصيف22، يؤكّد النائب أشرف ريفي، رفضه لأيّ قانون يتناقض وقوانين الأحوال الشخصية الإسلامية في لبنان. ريفي، وعلى الرغم من عدم اطّلاعه على مشروع القانون، يرى أنّ “لبنان يشهد هجمةً غربيةً تهدف إلى ضرب الأسرة والقيم عند المسلمين”، ويخلط ريفي بين ما يسمّيه “تسويقاً للمثلية الجنسية، وحقوق المرأة”، عادّاً أنّ الموضوعين يصبّان في خانة واحدة، هدفها تدمير المجتمع. وعن الإجحاف الذي تتعرّض له النساء في قوانين الأحوال الشخصية من ناحية الإرث والحضانة، والسماح بزواج القاصرات، والطلاق، وتعدد الزيجات، يجيب بأنّه “تمّ تعديل سنّ الحضانة ورفعه إلى الـ12 عاماً، مع إعطاء الطفل حرية الخيار”. أمّا ظاهرة تزويج القاصرات “فأصبحت تنحصر في حالات استثنائية “، فيما يرى أنّ تعدد الزيجات “حرية شخصية”، لتبقى قوانين الإرث والطلاق “نصوصاً دينيةً، أرفض الخروج عنها كمسلم”.
وعلى غرار ريفي، يؤكّد النائب عبد الرحمن البزري، عدم اطّلاعه على المشروع ، رافضاً التصريح. وكذلك النائب عدنان طرابلسي، إذ يصرّح لـرصيف22، بأنّ “‘كفى’ لم تعرض القانون عليه بعد، فيما كلّ قانون يخالف بأحكامه الشرع، أنا ضده، ولا يمكنني الموافقة عليه”، إلاّ أنّه لم ينكر الإجحاف الذي يطال النساء في بعض القوانين، عادّاً أنّ” إقرار قانون موحّد للأحوال الشخصية في لبنان، هو مسألة حسّاسة، وتحتاج إلى مقاربة دقيقة ودراسة عميقة، وتفاهمات بين الطوائف”.
يلغي مشروع القانون تعدد الزوجات، وزواج القاصرات، ويعتبر منزل الزوجية ملكية مشتركة بين الزوجين، وفي حال الطلاق تكون الحضانة مشتركةً، والطفل يقيم مع والدته في منزل الأسرة، كما يساوي بين الذكر والأنثى في الميراث
بدوره، يرى النائب المستقلّ وضاح الصادق، في حديثه إلى رصيف22، أن القانون بصيغته الحاليّة لن يحظى بموافقة المجلس النيابي، وتالياً نحن نحتاج إلى تجزئته على مراحل”، داعماً “إقرار القانون بصيغة اختيارية، كمرحلة أولى على الأقل”.
ولم يكن موقف النائب المستقل إبراهيم منيمة، بعيداً عن موقف صادق، حيث يرى في حديثه إلى رصيف22، أنّ “مشروع القانون قد يتعارض والدستور، الذي يحمي في المادة التاسعة منه حرية المذهب ويكرّس قوانين الأحوال الشخصية الطائفية”.
ويرفض منيمنة، مبدأ مقاربة الموضوع من منظار “الخوف من دار الفتوى”، مشدداً على أنّه “لا يجب أن يتحوّل القانون إلى اختبار للنواب، وهو يحتاج إلى مقاربة موضوعية وحوار وطني، يأخذ في عين الاعتبار تعقيدات المجتمع، والحريات التي تندرج تحت منظومة فكرية معيّنة، ومكتسبات حقوقية”، رافضاً “فرض مبدأ معيّن على المواطنين”.
وعلى عكس زملائها من النواب السنّة، تشرح النائبة المستقلّة حليمة قعقور، لرصيف22، كيف أنّ جمعية “كفى”، تواصلت معها قبل يومين من تقديمها مشروع القانون إلى مجلس النواب، وتالياً لم يكن لـ”حزب لنا” الذي تنتمي إليه، الوقت الكافي لدراسته، إلا أنّ المعنيين درسوه بسرعة، وهم ليسوا ضدّ القانون بالمطلق بل يدعمونه ويعدّونه ضرورةً ولو أنّ لديهم بعض الملاحظات التي لم تأخذ بها الجمعية، لضيق الوقت.
الاشتراكي يدعم الطرح
أمّا عضو الحزب الاشتراكي، النائب بلال عبد الله، فيشدّد في حديثه إلى رصيف22، على أنّ الحزب لم يوقّع على القانون لتسجيل مواقف سياسية، “بل عن قناعة”، عادّاً أنّ “القانون وعلى الرغم من عدم سهولة أن يسلك طريقه إلى التشريع، لاصطدامه بكتل نيابية معارضة، إلاّ أنّها معركتنا وعلينا خوضها حتى النهاية”.
ودعم الاشتراكي للقانون لم يحُل دون وضعه بعض التحفظات عليه، ومنها كما يذكر عبد الله: “إلزامية القانون، حيث نفضّل أن يكون في الفترة الأولى اختيارياً، خصوصاً أننا نعيش في بلد طائفي، وتالياً علينا إعطاء الخيار للأفراد، بحرية اختيار القانون الذي يرغبون في اتّباعه”، أمّا التحفّظ الثاني الذي سجله الحزب الاشتراكي فهو منع القانون تعدّد الزيجات، حيث يرى عبد الله، أنّ “تعدد الزيجات حق طبيعي نصّت عليه القوانين الدينية، ونحن لا نريد استفزاز الطوائف”.
الشيعة يعارضون والمسيحيون يوافقون
على المقلب الشيعي، يرى النائب محمد خواجة، عضو كتلة التنمية والتحرير، في حديثه إلى رصيف22، أنّ “هذه المسألة تحتاج إلى دراسة معمّقة ومتأنيّة، فهذه عقدة عمرها أكثر من 100 عام، ولا يمكن حسمها بهذه البساطة، خصوصاً أنّ النظام اللبناني تحكمه الطوائف”، مؤكّداً أنّه لم يطّلع على الطرح الذي تقدّمت به جمعية “كفى”.
أمّا “حزب الله”، فموقفه أكثر تشدداً من “حركة أمل”، حيث ذكر في أكثر من مناسبة معارضته لقانون مدني للأحوال الشخصية بذريعة “مخالفته الشرع المقدّس مخالفةً تامةً”.
أمّا الأحزاب المسيحية، التي فرّقتها السياسة، فجمعها الطرح، ولو أنّ للبعض تحفظات عليه، خصوصاً من ناحية إلزامية القانون.
يشرح النائب فريد البستاني، في حديثه إلى رصيف22، أنّه وقّع على مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحّد الذي تقدّمت به جمعية “كفى”، ممثلاً نفسه، كنائب مستقلّ في كتلة “لبنان القوي”، عادّاً أنّ “هذا القانون شرط رئيسي للانتقال إلى الدولة المدنية والمساواة في الحقوق أمام القانون”. وعن فكرة تعارض الطرح مع المادة 9 من الدستور يجيب: “حتى الدستور قابل للتعديل والتطوير”، منتقداً ما يصفه بـ”البدعة”، وهو السماح بتسجيل الزواج المدني في لبنان، بعد أن يتزوج اللبنانيون في قبرص وتركيا، وعدم إقراره بالقانون.
يرى بعض النوّاب بأن مشروع القانون مخالف للدستور الذي يضمن حرية الطوائف، ويصفه حزب الله بأنه مخالف للشريعة، بينما يؤيده النواب المسيحيون مع تحفظات.
وعن المعارضة التي قد تواجه هذا الطرح يجيب: “سبق أن تقدمت باقتراح قانون لإقرار الزواج المدني الاختياري في لبنان، وقوبلت بهجوم وانتقادات كبيرة. أعطينا حرية الاختيار في هذا الطرح، فلماذا رُفض؟”.
وتجدر الإشارة إلى أنّ “التيار الوطني الحرّ”، يدعم هذا الطرح على أن يكون اختيارياً لا إلزامياً باعتبار أنه “لا يمكننا أن نفرض شيئاً في لبنان على أحد”.
وإلى موقف التيار، ينضمّ “حزب الكتائب”، حيث يرى النائب سليم الصايغ، في حديثه إلى رصيف22، أنّ “الكتائب مع إلزامية الطرح، لعدّ الحزب أنّ جميع اللبنانيين يجب أن يكونوا متساوين أمام القانون، وإلا سنبقى نعاني من المشكلة الحالية نفسها، وهي تعددية القوانين التي تطبّق على كلّ مواطن ‘شكل’، وبهذه الخطوة يمكن استكمال بناء الدولة المدنية”.
من جهته، يؤكّد عضو تكتل الجمهورية القويّة النائب جورج عقيص، في حديثه إلى رصيف22، أنّ “القوات تدعم القانون بصيغته الحالية ولم تكن لديها أيّ تحفظات على أيّ مادة فيه”.
ولفت عقيص إلى أنّ “القوات ذهبت أبعد من مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحّد الاختياري، وتقدمت باسم نائبيها ملحم رياشي، وجورج عقيص، باقتراح قانون آخر يرمي إلى تشريع الزواج المدني الاختياري في لبنان، وذلك في خطوة استباقية؛ فإن قوبل الطرح الأوّل بالرفض سيكون هناك طرح بديل”.
إلى ذلك، موقف الأحزاب المسيحية متجانس مع موقف بكركي، الذي أكّدت مصادر مطلعة لـرصيف22، أنّ “الراعي يدفع باتجاه إقرار قانون موحّد إلزامي، وليس اختيارياً، رامياً الكرة في ملعب المسلمين”.
التعطيل ودور جمعية “كفى”
بدوره، يوضح النائب المستقل مارك ضو، أنّ “النواب التسعة الذين وقّعوا على المشروع تقدموا به إلى مجلس النواب، إلا أنّ مشروع القانون لم يحوَّل إلى اللجان النيابية للدراسة، وهذه الخطوة من مسؤولية رئيس المجلس”، داعياً جميع النواب للاطّلاع على المشروع، عادّاً أنّ “المشكلة هي صراع سلطة حول من سيحكم أمور المواطنين”.
وكان من اللافت إجماع غالبية النوّاب المسلمين على عدم إطلاعهم على القانون، وعدم تواصل منظمة “كفى” معهم، على الرغم من تأكيد المحامية ليلى عواضة، مسؤولة وحدة العنف الأسري في المنظمة، في حديثها إلى رصيف 22، على أنّ “المنظمة طالبت بمواعيد فرديّة من كلّ النواب، وتم إرسال نسخة عن مسوّدة القانون بشكل منفصل لكل نائب، وبعدها تمت زيارة النواب الذين تجاوبوا كلّاً على حدة وعُقدت لقاءات معهم لمناقشة ملاحظاتهم على النسخة. وأعطى عدد من النواب ملاحظات على مسوّدة القانون بعد قراءتها، وتمت مناقشة هذه الملاحظات معهم. بعد ذلك، تم الاتفاق معهم على أنّ الملاحظات التي لا تمسّ بجوهر القانون، لن تُعدَّل في مسودّة القانون، وسنتركها للمناقشة داخل مجلس النواب”.
وتلفت عواضة إلى أنّ “بعض النواب، لم يعطوا المنظمة موعداً لمناقشة القانون، ولم يجيبوا على الاتصالات، وجزء منهم من نواب التغيير”. وتضيف: “بعد اللقاءات الفردية مع النواب، عقدنا طاولة نقاش مشتركةً، وقّع خلالها النواب على القانون، وتمّ الاتفاق بناءً على إجماع النواب المشاركين في اللقاء على حذف مادة منح المرأة الجنسية لأولادها من القانون، لكون هذ الموضوع يتطلب قانوناً وشروطاً خاصةً”.
التحديات التي يواجهها القانون
يواجه قانون الأحوال الشخصية الموحد، تحديات عدة في لبنان، أبرزها التعددية الطائفية التي تصعّب التوافق على قانون موحد، من دون التغاضي عن دور المرجعيات الدينية التي تتشدد بغالبيتها في مناهضة قوانين أحوال شخصية موحدة بحجة المسّ بحرية الدين والمعتقد. وتبقى العقدة الأساسية غياب القدرة على توافق عدد كافٍ من النواب والكتل السياسية لدعم مشروع القانون الذي سيُحكم عليه بالموت السريري في أدراج مجلس النواب اللبناني، وتالياً ضياع فرصة تحقيق عدالة قانونية في الأحوال الشخصية بين اللبنانيين.
باولا عطية
موقع رصيف 22
آخرهم إسماعيل هنية وفؤاد شكر.. اليكم أبرز القادة السياسيين والعسكريين في حزب الله وحماس الذين اغتالتهم إسرائيل
|
لبنان مهدد بالانتقال إلى القائمة «الرمادية» لغسل الأموال في الخريف
|
ارتفع منسوب الريبة في أوساط القطاع المالي المحلي من الإمعان الحكومي في انتهاج سياسة «عدم الاكتراث» إزاء الخروج المتدرج والمستمر للبلد ومؤسساته من الأسواق المالية الدولية، والمعزّز بتوسع ظاهرة حجب الترقبات والبيانات المالية الخاصة بلبنان واقتصاده من قبل المؤسسات المالية العالمية ووكالات التصنيف الائتماني الدولية.
ولا يتردد مسؤول مصرفي كبير في التحذير من بلوغ مرحلة السقوط المتسارع إلى قعر «عدم اليقين»، حسب وصفه، الذي لا تقل تداعياته خطورة عن الانغماس في دوامة الانهيارات النقدية والمالية الجسيمة التي أعقبت القرار الحكومي في ربيع عام 2020 بإشهار التعثر غير المنظّم مع الدائنين عن دفع مستحقات سندات دين دولية (يوروبوندز)، والمستتبع قانونياً باستحقاق كامل محفظة الدين العام من هذه السندات البالغة نحو 30 مليار دولار، والمبرمجة في إيفاء فوائدها وأقساطها لغاية عام 2037.
إهمال غير مفهوم
وحسب المصرفي الذي تواصلت معه «الشرق الأوسط»، ليس من المفهوم بتاتاً عدم رصد أي رد فعل من السلطة التنفيذية والوزارات المعنية، وإهمال تقدير الأضرار الكارثية على المديين القريب والمتوسط، جراء تدحرج كرة رفع بيانات لبنان وتوقعاته الاقتصادية من التقارير الدورية للمؤسسات الدولية، والمعوّل عليها أساساً لمعاونته على تحديد معالم مسار الخروج من نفق الأزمات النظامية التي تشرف على ختام عامها الخامس على التوالي.
وفي الوقائع، أفادت وكالة التصنيف الدولية «فيتش» بأنّها ستتوقف عن إصدار تصنيفات خاصة بلبنان، بسبب عدم وجود إحصاءات مالية ونقدية كافية، مشيرة في تقريرها إلى أنّ أحدث الإحصاءات المالية تعود إلى عام 2021، في حين حاز صندوق النقد الدولي الأسبقية بحجب بيانات لبنان وترقباته للعام الحالي، وتلاه البنك الدولي بإزالة هذه البيانات بدءاً من العام المقبل.
ويشكل غياب الاحصاءات والتوقعات الخاصة بأي بلد واقتصاده من قبل أبرز المؤسسات الدولية، وفق المسؤول المعني، فجوة حقيقية وغير قابلة للتعويض في مخاطبة المانحين الدوليين والمستثمرين الذي يعتمدون التقارير المنجزة كمرجع موثوق لقراراتهم، لا سيما لجهة شمولها بيانات الناتج المحلي والمالية العامة وسائر المؤشرات الحيوية الشاملة لميزان المدفوعات والميزان التجاري، فضلاً عن ميزانيات القطاع المالي وسواه من إحصاءات وتوقعات مستقبلية.
ضبابية وقلق متزايد
وقال مسؤول مالي معني بالملف لـ«الشرق الأوسط»، إن القرار الأحدث للبنك الدولي بحجب لبنان عن ترقباته، يعكس مدى ارتفاع منسوب المخاطر وكثافة الضبابية التي تكتنف الأوضاع الداخلية، لا سيما التمادي في تأخير انتخاب رئيس جديد للجمهورية، والشكوك المستمرة حول فاعلية الحكومة المستقيلة منذ أكثر من عامين.
ويزيد من تفاقم التداعيات المتوقعة لحجب بيانات لبنان، وارتكازه أساساً إلى التعميق المستمر لواقع الضبابية الكثيفة والغموض غير البناء الذي تتوافق المرجعيات المالية الدولية ومؤسسات تقييم الجدارة الائتمانية على إبراز مخاطره، الارتفاع المتجدد لمستوى القلق من نفاد المهل المتكررة التي منحتها مجموعة العمل المالي الدولية للبنان لإحراز تقدم ملموس في معالجة أوجه القصور التي يعانيها في مكافحة غسل (تبييض) الأموال.
وتشير المعطيات المتلاحقة في هذا الصدد إلى اقتراب لبنان مجدداً من الانزلاق إلى خفض تصنيفه السيادي وإدراجه ضمن القائمة «الرمادية» خلال الاجتماع الدوري للمجموعة في الخريف المقبل، في حال لم يتم الالتزام سريعاً بحزمة من التدابير ذات الأبعاد القانونية والقضائية الخاصة بسد قنوات مشبوهة للفساد والتقصير في المحاسبة، رغم الإقرار بسلامة الاستجابة المطلوبة من قبل مؤسسات القطاع المالي، والتقدير الظرفي بصعوبة الالتزام بإجراءات ذات أبعاد سياسية.
جهود منصوري الخارجية
ويبذل حاكم البنك المركزي (بالإنابة) وسيم منصوري جهوداً خارجيةً مكثفةً للحصول على مهلة جديدة، بموازاة تحركات داخلية وقرارات متتالية له بوصفه رئيساً لهيئة التحقيق الخاصة المولجة مهام مكافحة الجرائم المالية، وبما يشمل الضبط المحكم للكتلة النقدية والحد من المبادلات الورقية (الكاش)، وتجميد حسابات مشبوهة لمسؤولين سابقين مدنيين وغير مدنيين، وتزويد القضاء المحلي والخارجي بما يطلب من وثائق أو بيانات ذات صلة بشبهات مالية وبملاحقات قائمة بالفعل.
ويشدّد منصوري في اجتماعاته الداخلية والخارجية، آخرها مع كبار المسؤولين في وزارة الخزانة الأميركية وصندوق النقد والبنك الدوليين، على أولوية تفعيل المحاسبة عبر القضاء والشروع بالإصلاحات البنيوية في الدولة وتحديث الإدارة، ضمن المرتكزات الأساسية لتصحيح الانحرافات وتحديد طريق التعافي والنهوض.
علي زين الدين
صحيفة الشرق الاوسط
قائد الجيش ليس متمرداً
|
خاص “الوطنية” – المحرر السياسي
في الآونة الأخيرة، يتعرض قائد الجيش العماد جوزاف عون لحملة إعلامية قاسية، القسط الأكبر منها هو بدوافع سياسية، إذ أنها تصب بشكل أو بآخر في خانة تشويه مع العماد عون كمرشح جدي لرئاسة الجمهورية يحظى بدعم عدد من القوى السياسية المحلية والخارجية. بالإضافة الى وجود مجموعة من العوامل المحلية والدوافع الشخصية والنفعية الضيقة تقف خلف القسط الآخر من الحملة. لكنها بالمجمل تتسق، ولو بشكل قد يكون غير مقصود، في تقديم رأس المؤسسة العسكرية بصورة المتمرد على السلطة السياسية والأنظمة والقوانين.
لكن، وبمعزل عن الأهداف السياسية لهذا الفريق أو ذاك، فإن الإنصاف يفرض علينا العودة الى بعض محطات مسيرة العماد عون منذ تعيينه قائداً للجيش، وتفنيدها لتبيان التشويه الذي يطالها، من أجل المؤسسة العسكرية وإرثها ومستقبلها لا من أجل العماد عون فقط، على طريقة الراحل الكبير محمد حسنين هيكل، أحد أبرز أعلام الصحافة والكتاب السياسيين المعاصرين في العنوان الذي اختاره لكتابه عن حقبة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر “لمصر لا عبد الناصر”.
دعوة مفصلية
في 8 آذار 2017، اتخذ مجلس الوزراء المجتمع برئاسة رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة العماد ميشال عون، قراراً بترقية العميد الركن جوزاف عون الى رتبة عماد، وتعيينه قائداً للجيش اللبناني، بتزكية من رئيس الجمهورية، وموافقة باقي الأفرقاء السياسيين الممثلين في الحكومة.
عقب أشهر قليلة من تعيينه، حصل تراشق إعلامي كبير على خلفية دعوة رئيس الحكومة آنذاك الرئيس سعد الحريري لقائد الجيش الى الاجتماع به في مكتبه بالسراي الحكومي، الأمر الذي اعتبر بمثابة استدعاء خارج عن صلاحيات رئيس الحكومة.
نصح العماد جوزاف عون من قبل العديد من المراجع القانونية والدستورية بعدم تلبية الدعوة، لكنه لم يلتفت اليها، ولا الى كل الدعم السياسي والإعلامي والمعنوي الهائل الذي حظي به حينذاك، وقام بتلبية دعوة رئيس الحكومة بمنتهى الاحترام، مبدداً كل الحملة وما أثارته حينها من انقسامات اكتست بطابع طائفي فج، ونأى بنفسه وبالمؤسسة العسكرية عن الصراع المتأجج بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة على النفوذ والصلاحيات، بما يعكس مدى انضباطه واحترامه للسلطة السياسية، وعدم تأثره بالشعبويات والهرج والسياسي من أجل صناعة زعامة وهمية.
غداة اللقاء، خرجت صحيفة “المستقبل” الناطقة بلسان رئيس الحكومة سعد الحريري، بتقرير أشادت فيه بقائد الجيش وبـ”أهمية لقاء السراي باعتباره أوقف كل حملات التحريض على الجيش، ووضع حداً للمصطادين في الماء العكر، ولكل من يصوب سهامه باتجاه المؤسسة العسكرية”.
كان هذا اللقاء مفصلياً في تقديم قائد الجيش الى الرأي العام، وماهية نهجه وسياسته قي قيادة المؤسسة العسكرية، وأتاحت للعماد عون تأسيس وتجسير قنوات تواصل عميقة ومتينة مع مختلف دوائر صنع القرار في لبنان. الأمر الذي أكسبه احتراماً هائلاً، استمر في مراكمته في السنوات اللاحقة حتى يومنا هذا.
حماية الإرث المؤسساتي
حينما اندلعت انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، تعرض العماد جوزاف عون الى ضغوطات شديدة من قبل بعض القوى السياسية الحاكمة، ونشدد على كلمة بعض لأهميتها، من أجل البطش بالمعتصمين وفتح الطرقات. لكنه رفض تلبية هذه الرغبات وليست القرارات، إذ لم يصدر أي قرار بهذا الخصوص عن مجلس الوزراء. ومذاك الى اليوم، يتم تصوير قائد الجيش بصورة المتمرد بسبب رفضه هذا، وأنه نابع من رغبات وأهداف شخصية.
لكن العماد عون في موقفه لم يكن مبتدعاً ولا شخصانياً، بل كان أميناً على استمرارية إرث المؤسسة العسكرية بعدم التصادم مع الشعب، الذي ينتمي اليه ويحمي حرياته. وهذا الإرث كان حاضراً في محطات كثيرة أحدثها عدم امتثال قائد الجيش العماد ميشال سليمان عام 2005 لرغبة السلطة السياسية في منع وصول المتظاهرين الى ساحة الشهداء بوسط بيروت، فكانت مظاهرة 14 آذار التي أسست لحقبة سياسية كاملة.
علاوة على محطات أخرى مثل الاشتباكات التي اندلعت عام 1958 اعتراضاً على سياسات الرئيس الراحل كميل شمعون، والتي نأى الجيش فيها بنفسه عنها، مما قاد الى انتخاب قائده آنذاك العماد فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية باتفاق دولي، فكان عهد الإنماء والمؤسسات. وحينما حاولت بعض القوى السياسية الفئوية إشراك الجيش في الحرب الأهلية، نأت قيادة المؤسسة العسكرية بنفسها، وفضلت “علقم” الانقسامات المفتعلة على “مرارة” الولوغ في دماء اللبنانيين، مما أفضى في النهاية الى بروز ظاهرة العماد ميشال عون.
بين البيروقراطية والقوى الدولية
في الكثير من الانتقادات، يتم إبراز الهبات التي قدمتها بعض الدول الى الجيش، كنموذج لتمرد العماد جوزاف عون على الأنظمة والقوانين. بيد أن من يقفون خلف هذه الحملات، يعرفون أن طريقة تقديم تلك الهبات والقنوات التي سلكتها كانت بموافقة الأطراف التي قدمتها، من أجل تجاوز العقبات الإدارية البيروقراطية المحلية، وأن الأمر ليس قاصراً على الهبات التي قدمت للجيش، بل هي سياسة عامة اتبعتها الأطراف المانحة منذ بدء “الانهيار الكبير”، نتيجة عدم ثقتها بالقنوات الرسمية بسبب الفساد المذهل الذي صار مضرب مثل عالمي. ولنا في طريقة تنفيذ البرامج التي تشرف عليها وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة التربية المثال الأوضح.
علاوة على ذلك، لو أن العماد عون ارتضى الوقوع في إسار البيروقراطية، لكنا اليوم نتحدث عن كارثة ضربت الجيش وقوضت فعاليته. من الأمثلة على ذلك، كشف أحد ملاك المستشفيات المتعاقدة مع الجيش أن إدارة المستشفى وكادرها الطبي طلبا منه فسخ التعاقد مع المؤسسة العسكرية، بعدما وصل حجم الفواتير المتراكمة الى مبلغ ناهز المليون دولار. فما كان منه إلا مراجعة قائد الجيش الذي أكد له إنهاء كل المعاملات اللازمة، لكن المشكلة هي في وزارة المالية وطريقة تصفيتها للفواتير ودفعها، والتي تراكم مستحقات العديد من المؤسسات المتعاقدة مع الوزارات وإدارات الدولة. الأمر الذي أدى الى رفض الكثير من تلك لمؤسسات الاستمرار في عقودها. هذا المثال لوحده كفيل بالإحاطة بمدى الصعوبات التي يجببها قائد الجيش، والتي تضطره الى زيارة رئيس المجلس النيابي تارة، ورئيس الحكومة طوراً، لفك العقد البيروقراطية.
أما على صعيد الموفدين الخارجيين الكثر الذين يأتون الى لبنان لتقديم اقتراحات من أجل اليوم التالي في الجنوب، والذين يزورون اليرزة للتداول بها مع قائد الجيش، فإن العماد جوزاف عون لم يخرج قط عن حدود صلاحياته، فأبدى رأيه فيما يتعلق بالأمور التقنية التي تدخل في اختصاصات الجيش، وكل ما يخرج عنها أحاله الى السلطة السياسية مؤكداً الالتزام بقراراتها. والأمر نفسه فعله في كل زياراته الخارجية، ولم يسجل عليه مطلقاً أي محاولة للخروج على السلطة السياسية. وهذا ما يعلمه حزب الله قبل غيره، وهو محط تقدير وإشادة من قبله.
بالإضافة الى الكثير من التفاصيل الأخرى التي لا يتسع المجال لذكرها، والتي تثبت أن قائد الجيش العماد جوزاف عون ليس متمرداً على السلطة السياسية، وأبعد منها ليس متمرداً على واقع سياسي معقد وتوازنات سياسية وطائفية ومذهبية هشة. بالمحصلة، لا يمكن اختزال 8 سنوات ونيف من عهد العماد جوزاف عون في قيادة الجيش بوقائع مبتسرة وتأويلات في غير مكانها لنهج حمى المؤسسة العسكرية واستقرارها وفعاليتها في عز عاصفة يجمع الداخل والخارج على أنها غيرت وجه لبنان.