1

هكذا اختلف التكتيك بين فريقي فرنجية وأزعور

لئن كانت جلسة الانتخاب الـ 12 حافلة بالمؤشرات التي تستحق التشريح، الا انّ الأهم يبقى في استخلاص العبرة الاساسية منها، وهي ان ميزان القوى الحالي في المجلس النيابي لا يسمح بفوز عددي لأيّ اسم، وانّ المطلوب استبدال القطيعة بين فريقي سليمان فرنجية وجهاد أزعور بتَقاطع بينهما على مرشح متوافَق عليه.

تفسيرات كثيرة أُعطيَت لجلسة 14 حزيران ولنتائجها المطّاطة التي وجد فيها كل من طرفي «المنازلة» الانتخابية نصراً له ونكسة للآخر. إنها جلسة الموناليزا التي تمنح كل طرف انطباعا بأنه رابح تِبعاً للزاوية التي ينظر منها الى الأرقام.

لكن وبمعزل عن انحياز العواطف السياسية الى هذا الاتجاه او ذاك، فإن الأكيد هو ان جبهة سليمان فرنجية حققت اكثر مما كان يُتوقع لها، فيما حصلت جبهة جهاد أزعور على أقل مما كانت تفترضه بموجب حسابات الورقة والقلم.

والواضح ان القوى الداعمة لأزعور بالغت في الصخب والضجيج قبل جلسة الانتخاب انعكاساً لثقة زائدة في النفس من جهة وترجمة لحرب نفسية شنّتها على خصومها وحتى على النواب الحياديين من جهة أخرى، فرفعت سقف التوقعات مسبقاً ربطاً ببوانتاجات غير دقيقة، الى درجة ان البعض بدأ يروّج مبكراً لفوز أزعور بـ65 صوتاُ في الدورة الاولى، وصولا الى التلويح باحتمال إعلانه رئيسا للجمهورية ارتكازا على اجتهاد دستوري «غب الطلب».

في المقابل، لجأ «التحالف» المؤيد لفرنجية الى تطبيق تكتيك مُغاير، فاعتمد قاعدة «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»، ونشط بصمت وبصبر في الكواليس، بعيدا من الاضواء والضوضاء، لرفع حاصل مرشحه الى ما فوق الخمسين صوتاً، تاركاً للطرف المنافس ان يسرح ويمرح، على اساس ان المهم هو من يضحك اخيراً.

وبهذا المعنى، كان لافتا في الحسابات السياسية انّ الـ51 صوتا التي نالها فرنجية بَدَت من حيث الدلالات وكأنها أكثر من الـ 59 صوتا التي حصل عليها أزعور، والسبب في ذلك يعود بالدرجة الأولى إلى استعجال «محور التقاطع» في الترويج لقدرته على القفز فوق حاجز الـ60، فلمّا عجز عن فعل ذلك ظهر وكأنه مُنكسر.

وبعد جلسة تظهير الاحجام وتثبيت التوازنات، قرر قيادي بارز في الثنائي الشيعي ان يمضي صباح اليوم التالي على طريقته الخاصة، وان يُعطي إشارة الى ارتياحه الكبير بعد نتيجة جلسة 14 حزيران، فارتأى ان يخصص جزءا من وقته لحل شبكة الكلمات المتقاطعة في إحدى الصحف، انسجاماً مع «موضة» المرحلة، قائلاً: على الاقل، التقاطع هنا له معنى وجدوى.

واذا كان كلّ من معسكرَي فرنجية وازعور يجد في حصيلة الجلسة مكسباً ما، فإنّ الثابت هو ان النواب التغيبريين الذين صوّتوا لأزعور خرجوا بهزيمة كاملة، إذ انهم خسروا أنفسهم وصدقيتهم من غير أن يربحوا الرهان على أزعور.

ووفق اوساط مراقِبة، لقد تبين ان هؤلاء بلا «رْكاب» وسريعي العطب، فخضعَ جزء منهم للضغط والتنمر واضطر الى تجرّع الكأس المرّة او السامّة، فيما انقلبَ جزء آخر باسم الواقعية على ادبياته السياسية وعلة وجوده عبر الاقتراع لاحد رموز ما تسمّى «المنظومة» التي يفترض ان انتفاضة 17 تشرين كانت موجهة ضدها.

خلاصة الأمر، أن لا فائز في جلسة امس الأول بالضربة القاضية التي لا يملك احد أصلاً القدرة على توجيهها مهما كانت عضلاته النيابية مفتولة، ذلك أن الديموقراطية التوافقية التي يفرضها النظام الطائفي، وبمعزل عن مساوئها، تُلزم الجميع في نهاية المطاف بأن يذهبوا الى التسوية التي هي ممر الزامي لإنجاز الاستحقاقات الوطنية، مع الأمل في أن لا تكون كلفة الإقرار بهذه الحقيقة مُكلِفة هذه المرة أيضاً.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




همس حول دور العلولا… وانتظار لنتائج لقاء بن سلمان وماكرون

أرست الجلسة الـ 12 لانتخاب رئيس للجمهورية ثابتة واحدة لدى طرفي النزاع، وهي أن لا قدرة لأي منهما على انتخاب رئيس من دون توافق، حتى ولو كانت العوامل الخارجية تسير لمصلحته. وعليه، دخلت البلاد حالة من الستاتيكو لن يكسرها سوى تطور خارجي.

ومنذ انتهاء الجلسة، اعتبر الفريق الداعم لزعيم تيار المردة سليمان فرنجية أنه كسب جولة ضد الفريق الآخر، فيما أطلقت قوى «المعارضة» عملية «تحرّ» عن النواب الذين غرّدوا خارج سرب الاتفاق على التصويت لجهاد أزعور، وبدأت بتبادل الاتهامات بالغدر والخيانة والعودة إلى التشكيك في وجود مؤامرة شاركت فيها أطراف تقاطعت حول وزير المالية السابق.
وفي هذا الإطار، نُقِلت عن رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع انتقادات حادّة لرئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، واصفاً إياه بأنه «ليس محل ثقة» و«لا يمون على نواب التيار وعلى علاقاتهم مع القوى الأخرى». كذلك نُقل عن جعجع أن «لديه معلومات بأن نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب يعمل لمصلحة فرنجية، وأنه أقنع صديقه عاموس هوكشتين (المستشار الأميركي الخاص بالطاقة) بأن وصول الأخير إلى بعبدا ضروري لتثبيت الاستقرار نظراً إلى العلاقة التي تربطه بحزب الله وسوريا، وأن ذلك سيكون له تأثير إيحابي على مستقبل مشروع الطاقة في المتوسط، وهو ما بات يروّج له هوكشتين في أروقة الإدارة الأميركية».
وفيما كثرت التسريبات التي لم يتأكد منها شيء، قالت مصادر مواكبة إن المرحلة المقبلة محكومة بالمسار الخارجي الذي تتصدّره باريس. ففي مطلع الأسبوع المقبل، يصل إلى بيروت الموفد الرئاسي جان إيف لودريان لبدء مهمته التي كُلّف بها أخيراً. وتلي زيارته لقاء ماكرون وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والذي يُرجَّح أن يتناول الملف اللبناني، إذ إن الرياض وباريس عضوان في مجموعة اللقاء الخماسي حول لبنان، إلى جانب واشنطن والقاهرة والدوحة. وسبقَ أن استضافت العاصمة الفرنسية في شباط الماضي أطراف اللقاء في اجتماع لم يسفر عن أي نتيجة بسبب الرفض السعودي للمبادرة الفرنسية القائمة على انتخاب فرنجية رئيساً للجمهورية ونواف سلام لرئاسة الحكومة. لكنّ تطورات كثيرة حدثت منذ الاجتماع أفضت الى تبدّل يُمكن أن يُبنى عليه، إذ انتقلت الرياض من السلبية إلى الحياد الإيجابي بإعلانها عدم وضع فيتو على أي مرشح.

وفيما فسّر البعض خطوة ماكرون بتعيين لودريان بدلاً من باتريك دوريل على أنها تراجع فرنسي عن التسوية التي طرحتها باريس، أكدت مصادر رفيعة أن «فرنسا لا تزال متمسّكة بالمبادرة، وستعمل على إعادة تعويمها استناداً إلى نتائج جلسة الانتخاب الأخيرة التي أكّدت أن فرنجية محصّن بفريق صلب ويتعامل بجدية مع ترشيحه، في مقابل فريق المعارضة الذي ظهر تشتته وعدم تقاطعه حول هدف واحد».
وفيما كان الحديث يدور عن تغييرات مرتقبة في أعضاء خلية الأزمة في القصر الرئاسي الفرنسي، تسرّبت معلومات أمس عن تغييرات في الفريق السعودي المكلّف بمتابعة الملف. وتحدثت التسريبات عن «استبعاد المستشار في الديوان الملكي نزار العلولا عن الملف الرئاسي اللبناني، وهو المعروف بموقفه السلبي من المبادرة الفرنسية». وقالت مصادر مطلعة انه تم تكليف العلولا بملف السودان بدلا من لبنان. وهو امر حصل ربطا بالتطورات الخاصة بلبنان والسودان ايضا.
يشار الى ان العلولا سبق أن شارك في الاجتماعات التي عقدها وزير الخارجية فيصل بن فرحان مع نظيره السوري فيصل المقداد في السعودية أخيراً، وفسر حضوره إلا بسبب صلته بالملف اللبناني الذي تظهر السعودية اهتماماً بالبحث فيه مع دمشق. علماً أن الرئيس السوري بشار الأسد كان قد أبلغ ولي العهد السعودي بأن بلاده لا تريد التدخل في الشأن الداخلي اللبناني.
وكشفت المصادر عن لقاء جمع مسؤولاً سعودياً رفيعاً بشخصية لبنانية بارزة في إحدى العواصم العربية. وقالت المصادر إن المسؤول السعودي اعتبر أن «مشكلة الانتخابات الرئاسية في لبنان تكمن في ارتباطها بالتوافقات الإقليمية، خصوصاً بين الرياض ودمشق وطهران»، مشيراً إلى أن «العمل جارٍ على تحقيق التوافقات التي في حال حصلت فإن الرياض لا مشكلة لديها بوصول فرنجية إلى الرئاسة، بل ستساعد على تحقيق الأمر».

وأضاف المسؤول السعودي أن «الرياض على صلة بعدد من النواب الذين يتنقّلون من ضفة إلى أخرى، وأن هؤلاء يحتاجون إلى المملكة ليس باعتبارها الجهة التي تقدم المساعدات بل أيضاً كمرجعية، وهم ليسوا من النواب السنة فقط»، مشيراً إلى أن «الحديث عن أن الرياض قادرة على فرض رأيها على كل النواب السنة غير صحيح، فهناك نواب يعرفون أن مصالحهم التجارية والسياسية والاجتماعية مرتبطة بسوريا، وهم يؤكدون أنهم يريدون الحفاظ على علاقة جيدة معنا لكنهم في الوقت نفسه لا يريدون أن يكونوا على خلاف مع سوريا». وعن مرشح المعارضة، قال المسؤول السعودي إن «أزعور التقى بمسؤولين سعوديين أكّدوا له أن المملكة تقف على الحياد ولا تدعم أحداً أو تعارض أحداً، وسمع نصيحة بعدم الرهان على القوى المحلية فقط».
أما في ما يتعلق بالحراك القطري، فقد قررت الدوحة وقف اتصالاتها لفترة وجيزة، خصوصاً بعد اتفاق المعارضة على ترشيح أزعور، وأجّلت زيارة كانت مقرّرة لوفد أمني قطري إلى بيروت للاجتماع بكل القوى، بمن في ذلك فرنجية. وأبلغ متصلون بقطر أنهم سمعوا نصيحة بانتظار جولة المحادثات السعودية – الفرنسية الجديدة، لأنها ستحدد مستقبل عمل اللقاء الخماسي، وفي حال كان هناك توجه جديد، ستتم الدعوة إلى اجتماع في قطر أو ربما في السعودية.

أما مصرياً، فلم يطرأ جديد على ما كان زوار القاهرة أو المتصلون بالجانب المصري قد سمعوه قبل إعلان الاتفاق على أزعور، وهو أن المصريين يفضّلون قائد الجيش جوزف عون، ويتوافقون مع قطر على هذه النقطة، لكنهم لا يريدون الدخول في أي سجال مع السعودية لإدراكهم أن الاتفاقات السعودية في المنطقة ستشمل حتماً الملف اللبناني.

ميسم رزق

المصدر: صحيفة الأخبار




بداية المعالجة بإصلاح النظام التربوي: المدرسة أولى من المـحكمة

لو كان النظام التربوي سليماً في لبنان، هل كنا بحاجة إلى الحديث عن فلتان الضواحي وازدياد معدلات الجريمة؟ هل كنا سنشهد هذا الاكتظاظ في السجون والنسبة العالية من الأحداث المتسرّبين من المدارس القابعين في مراكز التوقيف؟

«إذا كانت أزمة التربية هي أزمة الحضارة بكاملها، فإن التربية نفسها مسؤولة كل المسؤولية عن تلك الأزمة، وأن من شأن الحل أن يتأتّى منها إلى حدّ كبير». هكذا عبّر الفيلسوف الفرنسي أوليفييه ريبول (1925 – 1992) عن الدور الأساس للتربية في حل الأزمات الأمنية والأخلاقية التي تشهدها المجتمعات، ويشهدها لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى. فإلى متى هذا الإهمال للمؤسسات التربوية والكوادر التعليمية؟
تقوم نظم التعليم والأسس الوطنية لأي بلد على العناصر الأكثر أهمية، وهي الطلاب. إذ تلتزم المدرسة، باعتبارها أول وأهم مؤسسة تعليمية في كل دولة، بتزويدهم بالاستعدادات اللازمة والمفيدة، من خلال رفع مستوى المعرفة والوعي لديهم، لحمايتهم من السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، وضمان عدم انخراطهم في البيئات غير الصحية، وذلك لاستدامة الأمن وتطوّر البلاد. إذا لم تتخذ الدولة، اليوم، التدابير اللازمة لمنع ومكافحة وتقليل الأضرار الاجتماعية الناجمة عن خلل في الإدارة التربوية والعدالة الاجتماعية والمنسحبة على جميع الإدارات العامة، فسنخسر بلا أدنى شك رأس المال البشري والاجتماعي والأخلاقي، المرتكز على الطلاب والأجيال الجديدة

العدالة الاجتماعية في التعليم والتربية يُفترض أن تؤخذ في الاعتبار في مرحلة الطفولة المبكرة، كرؤية وفلسفة يمكن أن تقود المقاربات التربوية. ومن الأمور المركزية في ذلك، التركيز على إنشاء مساحات أكثر إنصافاً وأخلاقاً حيث يمكن لجميع الأطفال المشاركة والتواصل بعضهم ببعض ومع مجتمعاتهم بطرق مدروسة رحيمة وعادلة.

تكمن أهمية العدالة الاجتماعية بأنها أُسس بعيدة المدى، وذات صلة بالسياقات التعليمية وما يليها، وهي جزء كبير من الحياة التي نعيشها جميعاً. وإنشاء رؤية للعدالة الاجتماعية والحفاظ عليها وتطبيقها يمكن أن يخدم المعلّمين في فهم جميع فروقات الأطفال ورعايتهم ودعمهم وإنشاء خطط لهم للتعلّم والازدهار. تكريس مفهوم العدالة مهم بشكل خاص للمعلّمين الذين قد يتعاملون مع قضايا الإنصاف أو الظلم في مرحلة الطفولة المبكرة، والتي قد تشمل أسئلة الأطفال وفضولهم للمعرفة والاستكشاف، أو للعمل مع أفراد الأسرة لمتابعة الطالب، أو التعامل مع القضايا الناشئة في المركز أو المدرسة أو المجتمع الأوسع.
لا تستطيع المدارس وحدها تغيير العوامل الهيكلية التي تؤدي إلى سوء توزيع الثروة ولا يمكنها القضاء على العنصرية والتمييز على أساس الجنس وأشكال أخرى من الإقصاء الاجتماعي والقمع الثقافي. ومع ذلك، ووفقاً لـبيتر ماكينيرني في بحثه «إعادة اكتشاف خطابات العدالة الاجتماعية: تحويل الأمل إلى واقع عملي» (2012)، «يمكن للمدرّسين جنباً إلى جنب مع أولياء الأمور ونقابات المعلّمين والجمعيات المجتمعية أن يلعبوا دوراً نشطاً في الطعن في سياسات وممارسات التعليم غير العادلة، والدعوة إلى نظام تمويل أكثر عدلاً للمدارس المحرومة، وتطوير مناهج أكثر عدلاً اجتماعياً وتعزيز الشعور بالتفاؤل والانتماء والثقة بين الطلاب».

العدل والإنصاف وفقاً لمزاج المعلّم
في دراسة حملت عنوان: «استكشاف عمل العدالة الاجتماعية لمعلّمي الطفولة المبكرة» أجراها باحثون في نُظم التعليم في أستراليا عام 2016، هدفت إلى إبراز أهمية السنوات الأولى من حياة الطفل لتعلّمه وتطوّره، وضرورة أن يكون معلّمو الطفولة المبكرة مهنيين ماهرين يتمتّعون بفهم عميق للعدالة الاجتماعية ويؤمنون بقدرة جميع الأطفال على النجاح رغم ظروف حياتهم أو بيئاتهم أو قدراتهم المختلفة. واستندت الدراسة إلى دليل واضح، نتج عن دراسات سابقة، بأن السنوات الأولى من حياة الأطفال لها تأثير عميق على نموّهم ورفاههم وتعلمهم، والاستثمار الجيّد في هذه السنوات يُخلّف نتائج تدوم مدى الحياة.
«منعرف إنك شاطرة، بس كرمال الطلاب الباقيين مضطرين نضربك معهم»، ترنّ هذه الجملة في رأس سمر (30 عاماً) عندما يُذكر أمامها مفهوم «العدل والإنصاف». مرّ على الحادثة أكثر من عشرين عاماً ولكنها محفورة في ذاكرتها: «كنت عاقلة كتير والأولى عالصف وأوّل مرة بنسى أعمل تمارين لمادة التربية الوطنية، وقّفوني بالملعب حد المشاغبين والمهملين وبلّش الناظر ومعلمة التربية ضرب فينا بالمسطرة». وتضيف: «أي عدالة؟ نسفولي العدل والإنصاف من صغري، ما كان في عدل، لا بهيدي الحادثة ولا بغيرها بالسنين يلّي بعدها، وعندي نقمة كبيرة على نظام التعليم». وتسأل سمر التي حفظت عناوين بعض الدروس في محاور كتاب التربية الوطنية والتنشئة المدنية للسنة الثالثة من التعليم الأساسي (من حقي الرعاية والحماية، والحياة المشتركة مع الرفاق، وأشارك الآخرين أفراحهم وأحزانهم): «الحماية بتكون بالضرب؟ ومشاركة رفاقي المهملين بالعقاب بميزان عدل مكسور؟ وهيك بتِكمَل مواساتي لهم بالحزن؟» تنهي سمر بأنه لا يزال الخوف من استمرار هذا الأسلوب الرجعي في التربية يرافقها وتحرص على ألّا ينسى ابنها فروضه المدرسية كي لا يتعرّض لأي نوع من العنف «حسب مزاج المعلمة، يا بتكون رايقة أو بتفش خلقها فيه، الناس جنّت بهالوضع وما عدنا نتوقع تصرفاتهم».

وفي دراسة أجرتها باحثة في جامعة أم القرى – السعودية عام 2016، تحت عنوان: «درجة تطبيق المدرسة لقيمة العدل كما يراها طلاب المرحلة الثانوية بمكة المكرمة»، هدفت إلى توضيح مكانة قيمة العدل في التربية والكشف عن درجة تطبيقه. أشارت الباحثة، وفق تحليلها، إلى أنه على رغم أن الإجابة عن محور تطبيق المدير لقيمة العدل مع الطلاب قد تركزت في الدرجة المتوسطة، إلا أن هذا الأمر لا يعني أن الإدارة المدرسية تجتهد فعلاً في تطبيق قيمة العدل وتحرص عليه. فقد أتت النتيجة بالنسبة إلى محور تطبيق المعلّم بأن هناك نسبة من عدم حرص بعض المعلّمين على العدل بتطبيق مبدأ الثواب والعقاب بين الطلاب. كما أن بعضهم لا يعطي جميع الطلاب فرصاً متساوية للمشاركة في حرية التعبير عن آرائهم عند طرح أي قضية للمناقشة. وخلُصت الدراسة إلى أن تقويم بعض المعلّمين للطلاب من حيث وضع الأسئلة ومراعاتهم لفروقات الطلاب الفردية عند وضعها وتصحيح الإجابات تفتقر إلى الموضوعية، وهذا ما يُحدث خللاً في تحقيق العدل بين الطلاب. وتعزو الباحثة ذلك إلى أن بعض المعلمين لا يزالون يستخدمون الطرق التقليدية للتقويم المرتكزة على قياس مهارات الحفظ والتذكر من دون الاهتمام بمهارات التحليل والنقد والإبداع، مما يُشعر الطلاب بالظلم.
«إنتو كلكم فُقرا، وإلا ليش أهلكم حطّوكم بمدرسة رسمية»، تروي رلى (21 عاماً) ما قالته لها مدرّسة مادة التربية قبل سبعة أعوام، الأمر الذي خلق لديها «عقدة نقص، مع إنو ما كنا فقرا، بس ضليت حاسة فيها لحد ما سجّلني بيّي بآخر سنتين ثانوي بمدرسة خاصة». تشرح رلى كيف أصبحت هذه الكلمات من مدرّسة «التربية» عبئاً عليها، جعلها غير متقبّلة للواقع الذي تعيشه «كنت ضل إبكي وقول ما في عدل، وطلع عنجد ما في عدل، لا بالمدرسة ولا بالجامعة».

أمّا بالنسبة لهادي (9 أعوام)، فإن جميع المعلّمين غير عادلين «بيحبّوا الشاطرين بس، وبس إرفع إيدي ما بيشوفوني، طب أنا بقلهم يساعدوني بس ما بدهم». بالنسبة إلى هادي فإن المدرسة باتت مكاناً غير مُفرح، وهو لا يزال في بداية مشواره الدراسي، فعلى من تقع المسؤولية؟

دور المناهج التربوية
«تنبع أهمية المناهج من أهمية وحجم الآثار المترتّبة أو الناتجة عن وجودها، حيث يتجلّى ذلك وينعكس على المؤسسات التعليميّة بكل عناصرها (المعلّم، والطلاب، والمنهج، والبيئية التعليمية..) بشكل مباشر، وعلى المجتمع بكل مكوّناته (الأفراد، والمؤسسات، والأُسر الاجتماعية، والدولة..)»، كما يشير مدير تطوير المناهج في مركز الأبحاث والدراسات التربويّة الأستاذ الجامعي عباس كنعان، في أطروحته حول «التربية الأخلاقية وبناء المنهج التعليمي في لبنان» (2016). ويضيف أن المنهج «يمكن أن يُتصوّر على مستوى السلوك الأخلاقي، والوعي العام، والتقدّم الحاصل في أي مجتمع من المجتمعات الإنسانية». كما يلفت إلى أن المناهج التربوية عامةً، والأخلاقية خاصةً، تكشف «عن الفلسفة القَيميّة التي يحملها المجتمع التي صاغها (..) وما يختزنه ذلك المجتمع الأخلاقي من ثروات ثقافية، وفكرية، وتربوية واجتماعية، تُعبّر عن العمق الأخلاقي لأي مجتمع من المجتمعات البشرية، ومدى اهتمامها بالحصانة الأخلاقية لأفرادها، بكل مكوّناته البشرية، ومستوياتها العمرية».
وحول أهمية تعديل المناهج التربوية وتطويرها وفق النظم الأخلاقية لقدرتها على مواكبة الضغوط الخارجية والداخلية للفرد، يؤكد كنعان أن «وجود المنهج التعليمي المُشبع بالقيَم الأخلاقية» يُمَكِّن الإدارات التربوية من متابعة المتغيّرات السلوكية الأخلاقية لدى المتعلّمين ومواكبتها. وبالتالي «يُصبح المنهج عاملاً ناظماً للقيَم الأخلاقية والسلوكية في المجتمعات البشرية، ومقوّماً لها». وهذا بدوره سينعكس إيجاباً على الحياة الفردية والمجتمعية، «كون المنهج له علاقة وثيقة بالحياة». وتجدر الإشارة إلى أن المتابعة تُعدّ إجراءً مهماً عندما يتعلق الأمر بتحديد الطلاب المتعثّرين المعرضين لخطر التسرّب أو الجنوح.

وفي مقابلة مع «القوس» يشير كنعان إلى أن العدالة في المناهج هي «قيمة إنسانية أخلاقية جوهرية تنحكم إليها باقي القيَم الأخلاقية، وفي حال أردنا إنشاء تراتبية أو منظومة للقيَم، ستكون العدالة على رأسها».
من جهة أخرى، يؤكد أن «العدالة هي طرح أخلاقي ثابت وموجود في الديانات السماوية كلها على المستوى اللبناني كمكوّنات اجتماعية تلتزم بدياناتها، فتشترك العدالة في الطروحات القَيميّة الدينيّة للمجتمع اللبناني على المستوى المكوّن أو الانتماء الديني». مبيّناً أن الدستور اللبناني والمنهج التعليمي (على مستوى الغايات) قد صرّحا عن هذا الطرح، لكن «إشكالية المنهج التعليمي تكمن في التطبيقات التي لها علاقة بالحلقات التعليمية، إذ إن هذه القيمة لم تظهر بالشكل الكافي في المنهج التعليمي ممّا أوجد التباسات مفهومية أو سلوكية عند المتعلّمين».

العودة إلى الأمر الواقع، يُطرح سؤال بديهي: هل التربية الأخلاقية ممكنة؟
يأتي جواب ريبول واضحاً ومختصراً بأن التربية الأخلاقية ليست إلا فرعاً من فروع التربية (أي التنشئة والتنمية والتحسين) التي تتحمّل مسؤوليته الأسرة أولاً والمدرسة ثانياً، ثم تكاملهما معاً. ويقول: «حسبنا أن نُفكّر لكي ندرك أن التربية الأخلاقية ليست في الأساس غير التربية نفسها» (فلسفة التربية، ص. 126).

تلازم العلم والسلوك الأخلاقي
«الحياة التي لا تكون قائمة على المحاسبة والمساءلة في المبادئ والقيَم والأخلاق ليست جديرة بأن تحيا»، تستشهد الاختصاصية في الأخلاقيات الأحيائية والمديرة المؤسِسَة لبرنامج سليم الحص للأخلاقيات الأحيائية والاحتراف في الجامعة الأميركية، تاليا عراوي، بفكرة سقراط التي عدّتها أساس كل ما يتعلّق بالفلسفة والأخلاق. في ورقة بحث نُشرت في الكتاب السنوي الثالث للهيئة اللبنانية للعلوم التربوية عام 2001، تحت محور «تجارب»، تشرح عراوي تفاصيل تجربتها في تدريس الفلسفة الأخلاقية في مدرسة «الانترناشيونال كولدج». تعرض الورقة لمحة موجزة عن أهمية دور الفلسفة الأخلاقية في التربية وكيفية تطبيقها على أرض الواقع. وحول تجربتها تقول عراوي: «تمحورت الفكرة الأساسية في هذه التجربة حول آلية استخراج القيَم من المناهج، فكان الهاجس الذي يشغلني هو تحديد نقاط معيّنة أستطيع بها الوَصل بين البرنامج المقرّر والقيَم التي أردت استنباطها. وكان تركيزي بشكل خاص على القيَم الأساسية كالصدق والأمانة واحترام الآخر والمسامحة والعمل على تقليص التصرفات غير المسؤولة».

من أُسس التربية الرائدة: الحوار البنّاء والجدل الموزون والانفتاح الفكري، كما تشير عراوي، وتضيف أن «للتربية قوة خاصة ومميّزة ترفض بها أسلوب التلقين الببّغائي الآلي، وتنشد أسلوباً تثقيفياً شفّافاً ومرناً مع تكريس جذري للقيَم الأخلاقية بكل ما فيها من تفهّم وقبول للآخر، إذ يصبح التطوّر جوهراً يتدرّج بانتقال متقن من الحيّز الفكري إلى الحيّز العملي، إذ إن الرؤية السليمة تقود إلى ممارسات سليمة». (راجع «القوس»، 27 آب 2022، «مشكلة عدم تقبّل الآخر»)
وطريقة التعليم المثلى بنظر عراوي هي التي «من خلالها تحصل التغيّرات في الأحاسيس أو في الأخلاق أو في التفكير». وتلفت إلى أن «التعليم يساعد على تغيير بعض المشاعر تجاه مسألة ما، كما يساعد على تكوين الشخصية الأخلاقية (Moral Character)».
وأشارت إلى أنه يفترض أن يتخلل كل مقرّر أو برنامج «إشباع للطالب بأفكار العدل والتسامح ومبادىء احترام حقوق الغير واللا عنف وغيرها من الموضوعات الأخلاقية بغية تهذيب شخصيته. فهذه الأمور تبقى راسخة على مرّ الزمن ويكون لها الأثر الأكبر في تصرفاته إذا ينخرط في معترك الحياة مواطناً فعّالاً».

ماذا عن القوانين غير العادلة؟
«تجربتي في تدريس المفاهيم السياسية والقضايا المتعلقة بالدولة أثبتت عمق تفكير الطالب عندما يكون موجّهاً بالاتجاه الصحيح»، تجد عراوي نفسها غير مقتنعة بنظرية الفيلسوف اليوناني أرسطو التي طرحها في بداية كتابه «الأخلاق» حيث قال «إن المواضيع المتعلقة بالأخلاق والسياسة يجب ألّا تُدرّس للطالب الشاب، إذ تنقصه التجربة والاتّزان العاطفي والجدية العميقة». لكن تجربة عراوي خلال ثلاث سنوات كانت إثباتاً واضحاً أن اعتقاد أرسطو ليس في محلّه. فتذكر على سبيل المثال: «مسألة الدولة وواجب احترام قرارات الدولة من أهم المواضيع التي طُرحت ولا زالت تطرح في فلسفة السياسة (Political Philosophy): فهل يجب الانصياع للقانون حتى لو كان ضد قناعات الشخص مثلما حصل مع سقراط؟ أم هل يجب أن يتّبع الإنسان ما يمليه عليه ضميره حتى لو كان مغايراً لقانون الدولة كما في فكر الفيلسوف الأميريكي ثورو (Henry David Thoreau)»؟ يُذكر أن فلسفة ثورو ونظريته حول المقاومة اللا عنفية تجاه القوانين غير العادلة كانت مصدر إلهام لحركة غاندي وكفاح مارتن لوثر كنغ الابن.

15 دقيقة تُحدث فرقاً كبيراً
قد تكون خبرتي في التعليم لا تتعدى السنتين، لكنني حرصت خلال تدريسي لمادة علوم الأحياء في مدرستَين مختلفتَين، على تخصيص وقت مدته 15 دقيقة في بداية كل حصة أتناول فيها حادثة معيّنة حصل فيها سلوك غير أخلاقي وأترك للطلاب، بمختلف أعمارهم ومراحلهم (من الرابع ابتدائي إلى الثاني ثانوي)، حرية التعبير عن نظرتهم تجاه هذا السلوك وكيفية تصويبه (على أن يكون السلوك موافقاً للنمو المعرفي والإدراكي لكل مرحلة عمرية). أجمع الكل -ولا أبالغ في قول «الكل»- على استنكار السلوكيات اللا أخلاقية، وهذا ما يؤكد أن الطلاب رغم خلفياتهم الثقافية والطائفية والمناطقية المختلفة، إلا أنهم في أصل فطرتهم السليمة يعلمون معنى الأخلاق وقادرون على إيجاد حلّ في حال كانوا أمام معضلة أخلاقية، لكن تنقصهم المتابعة الدقيقة والتوجيه السليم في بيئتهم المحيطة، لأن القدرة على التمييز بين الخير والشر فطرية، ووفقاً لـكانط فإن الإنسان قادر بنفسه على أن يبلغ «القانون الأخلاقي» (Moral Law)، لأن هذا القانون هو الضمير الذي أطلق عليه كانط في كتابه «نقد العقل العملي» (1788) اسم «القانون الأخلاقي في داخلي».
مع مرور الوقت، انعكست هذه الدقائق القليلة إيجاباً على طريقة تواصلي مع الطلاب، وبخاصة الذين كانوا موضوعين على اللائحة السوداء أو كما أُطلق عليهم اسم «مش طالع من أمرهم شي»، إذ بدأت تختفي تدريجياً «المشاغبة» أثناء الحصة، ثم انسحب الأمر إلى ارتفاع درجاتهم في اختبارات المادة. كنت أعلم بأن محاولتي هذه قد لا تجدي نفعاً، ولن ترسخ في عقول الطلاب إذا لم يرافقها تشارك مع الزملاء المدرّسين والنظام التعليمي ككل. فطوال ثمانية أشهر كنت أرى نفس الطلاب الذين يتحسّن تحصيلهم العلمي والأخلاقي في مادة علوم الأحياء، تتراجع علاماتهم في مادة التربية الوطنية والتنشئة المدنية وتسوء سلوكياتهم خلال الحصة. أليس من الأجدر تربية المدرّسين أولاً؟

ن هنا، يبرز دور المدرّس أو المربّي الحقيقي، إذ بحسب عراوي «الأخلاق والعلم حقیقتان متلازمتان وحيويّتان. فالعلم دون توجيه أخلاقي عميق يقلب المعرفة البشرية إلى مجموعة رذائل»، وتؤكد ضرورة اهتمام المعنيين بالشأن التربوي بتعليم الأخلاق في المدارس، وتشدّد على قدرة المربّي المؤهّل أخلاقياً على خلق الحوافز الفكرية وابتعاده عن أسلوب التلقين لإجبار الطلاب على الخروج من خمولهم الفكري وتطوير مهاراتهم التحليليّة في إطار علمي أخلاقي.

بشرى زهوه

المصدر: ملحق القوس من صحيفة الأخبار




حين تغيب الدولة ويسود منطق الضواحي الراسبة

حين يُمسي التفلّت الأمني هو الغالب والسائد في دولة اللا قانون واللا مساواة، تصبح المناطق الأكثر ابتعاداً عن الدولة هي الأصعب عيشاً، وأضيق أملاً. حينذاك، يبقى خيار الأكثرية الوحيد، التي لا تأتلف مع منطق القوة، الرحيل عن الموطن ومسقط الرأس الذي تتحكم بمصيره القلّة التي تخالف القانون، وتطلق النار، وتسرق وتتسلّط على مصالح المواطنين. هذا هو حال اللبنانيين مع بعض المخالفين في ضواحي المدن، سواءً في ضاحيتَي بيروت الجنوبية والشمالية أو في المناطق المتاخمة لطرابلس أو البقاع، حيث لا يقبل أيّ منطق سديد باستمرار الشغور السلطويّ لسطوة الدولة، ويرتكب المخالفون العنف على الأشخاص وممتلكاتهم

حين حُدّدت التنظيمات الإدارية لدولة لبنان الكبير بموجب قرار المفوّض السامي رقم 336 تاريخ 01/09/1920، تقسّمت الدولة إلى أربع متصرفيات وبلديتَين مستقلتَين هما بيروت وطرابلس وضواحيهما وجُعِلتا مدينتَين ممتازتَين.

لذلك أعلن المفوض الفرنسي في عام 1941 قراره رقم 79 بشأن منح مدينة بيروت الممتازة امتيازاً إدارياً. كان الهدف أن تمارس لجنة المدينة الممتازة الاختصاصات المنوطة بالمجلس الإداري في مناطق الدولة اللبنانية الأخرى. إذ تخضع هذه المدينة الممتازة إدارياً إلى نظام إداري خاص، ولكن أُهمِلت ضواحي هاتَين المدينتَين وأصبحت «منسيّة».

تعداد ضواحي بيروت

لم تأتِ التنظيمات الإدارية على ذكر الضواحي في بيروت، إلا عندما قررت منح امتياز للطاقة الكهربائية، فكان لا بد من تعداد القرى حفظاً لحقوق صاحب الامتياز. وذُكر ما يسمّى «ضواحي بيروت» في المادة الأولى من دفتر الشروط المختص بامتياز توليد القوة الكهربائية للتنوير وللقوة المحركة في مدينة بيروت الصادر عام 1931 (المرسوم رقم 7900). وشملت ضواحي بيروت وفق المرسوم القرى والمحلات الآتية: برج البراجنة والتحويطة وحارة حريك والشياح وبئر حسن والأوزاعي وفرن الشباك والحازمية وجسر الباشا والزعاتر وسن الفيل وبرج حمود والبوشرية.

إهمال الضواحي مقابل غضّ البصر
كانت الحكومات تنتهج، منذ العشرينيات، نهج الإهمال الإنمائي تجاه الضواحي، وتسمح بالمقابل لقاطني هذه الضواحي بمخالفة القوانين عبر غضّ البصر عنهم، وكانت المعادلة قائمة على المبدأ التالي: «مظاهر الدولة غير الحاضرة إنمائياً، تغيب أمنياً أيضاً». فتسمح لهم بالبناء عشوائياً، مثلاً، على قاعدة أن المناطق المحيطة لن تتضرّر بمخالفاتهم، وكأن القاعدة الرعناء تنطلق من أن الصرف الصحي يُحوّل إلى البحر، والبحر يتّسع للجميع!
تميّزت ضواحي المدن في لبنان، سابقاً، بأنها أحزمة بؤس. ولكن الواقع لم يعد كذلك، فباتت البلاد اليوم كلها بائسة، وأصبحت الضواحي مدناً قائمة بذاتها.

حين تطورت الضواحي وجرى إنماء الخدمات العامة فيها، بدأ قاطنوها يشعرون ببعض مظاهر الدولة الغائبة سابقاً، إلى أن شكّل الإنماء عدداً من الأحياء الراقية وأصبحت الضواحي تضمّ قسمين: الأول شبيه بالمدن، والثاني يتمثّل بالأحياء الشعبية التي تتميّز بغياب الدولة المطلق. بعد صدور قانون «تجريم إطلاق عيارات نارية في الهواء»، رقم 71 تاريخ 27/10/2016، استبشر قاطنو هذه المناطق خيراً، ولكنه لم يزهر رغم مرور سبع سنوات. ويعود ذلك إلى اعتقاد المشترعين أن إصلاح الحال يكون بوضع القوانين، في حين أن تطبيق قانون الأسلحة والذخائر وقانون العقوبات أو قانون الدفاع كان يمكن أن يصلح الحال.
قد لا تُلام أجهزة الدولة المركزية في الدول على غيابها عن أطرافها النائية حين تمتد على مساحات تصل إلى ملايين الكيلومترات، ولكن في لبنان تغيب الدولة عن الـ10452 كيلومتراً مربعاً وتحضر فقط أمنياً حيث تشاء.
رغم أن الأمن ليس المظهر الوحيد للدولة، إلا أنه أحد أهم مظاهرها، لا بل هو الضمانة لطمأنينة الأُسر، والضمانة للاستثمار حتى اقتصادياً.

في خلاصة القول، يقتضي التأكيد أنه حين ينحسر العدل ويتلاشى سلطان الحكم وتضعف سطوة الأخلاق تصبح البلاد تحت حكم شريعة الظلم، لا شريعة الغاب فحسب.

صادق علوية

المصدر: ملحق القوس من صحيفة الأخبار




إطلاق «قائد» حزب الله في أميركا

أطلقت سلطات الولايات المتحدة من وصفه الإعلام الأميركي سابقاً بـ«أخطر عنصر في حزب الله على التراب الأميركي»، وحيكت حوله روايات هوليوودية، وصدر عنه كتابان، وفيلم وثائقي، وعشرات التقارير الصحافية. 23 سنة قضاها «قائد حزب الله في القارة الأميركية» محمد يوسف حمود في السجون الأميركية، بعدما حُكم عليه بالسجن 155 عاماً، من دون أي دليل سوى روايات لـ«شاهد ما شافش حاجة». خرج حمود أمس، بلا أي تعويض معنوي أو مادي، سوى استقبال أهل منطقته له استقبال الأسرى المحرّرين من سجون العدو

عاد إلى لبنان، أمس، «الأسير المحرّر من المعتقلات الأميركيّة»، كما يصفه أهله، محمد يوسف حمود. مرفوعاً على الأكفّ، استُقبل حمود في برج البراجنة التي غادرها مهاجراً عام 1992، وعاد إليها بعمر الـ49 عاماً، قضى منها 23 سنةً سجيناً تنفيذاً لحكم بالسجن لـ 155 سنة بناءً على وشايةٍ مصدرها أشخاص في لبنان، وأحد المغتربين الذي قبض ثمن سجن حمود «إسقاطاً للتهم عنه، وفتح الأراضي الأميركية لـ12 فرداً من عائلته».

حمود الذي التقته «الأخبار»، وصف النظام القضائي الأميركي بـ«التعيس، الذي يكذب ويصدّق كذبته». لم يجد الأميركي أيّ دليل ضدّه، وتعمّد أن يحوك من قضيته قصة أشبه ما تكون بقصص «الخيال العلمي». فاعتمد على كلام شاهد دخل في نظام حماية الشهود، وباع حمود بـ«اتفاق قضائي»، فأدانه النظام من دون أدلّة بتمويل أنشطة حزب الله في لبنان بـ 3500 دولار أرسلها لأمّه كي تصرفها على الفقراء. أُلصقت بحمود كلّ التهم الممكنة وغير الممكنة، وحيكت حوله مؤامرات، وأُنتجت أفلام وثائقية عن «أخطر عناصر حزب الله في القارة الأميركيّة»، وكُتب عن «وصول عناصر الحزب إلى التراب الأميركي». وأصبح حمود في الإعلام الأميركي صديق (الشهيد عماد) مغنية، ومنسّق أعمال الحزب بين كندا والولايات المتحدة وفنزويلا، وصديقاً للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ومسؤول التواصل المباشر مع مكتب السّيد محمد حسين فضل الله. وهي تهمٌ كبيرةٌ إلى درجة لم يهضمها حتى بعض الإعلام الأميركي أيضاً! علماً أن «أنشطة» حمود المقيم في ولاية نورث كارولينا لم تتعدَّ حضور دعاء كميل كلّ ليلة جمعة.

القصة بدأت بوشاية من س. حرب، وهو لبناني من برج البراجنة يعيش في الولايات المتحدة. «ويُعرف بين أبناء الجالية بقيامه بأعمال غير قانونية، كتزوير بطاقات الائتمان والشيكات، وإدارته موقعاً إباحياً، ورشوة موظفي الهجرة». مقابل هذه التهم، واجه عقوبة السّجن مدى الحياة، فكان الحل بالنسبة إليه الكذب، والقبول بـ«تسوية قضائية تقتضي القول بأنّه ينقل أموالاً إلى حزب الله في لبنان بطلب من حمود».
مشى حرب في «الاتفاق القضائي» مع نظام العدالة الأميركي. ومقابل هذه الصفقة، خُفضت محكوميته من 30 سنة إلى 47 شهراً فقط. في المقابل، «اقتحمت الشرطة بيت حمود، فلم تجد سوى سلاح فردي مرخّص». منذ اللحظة الأولى، «بنيت تهمة نقل الأموال إلى حزب الله، بناءً على سيناريو جمع الناس يوم الخميس، وعرض مقاطع مصوّرة لعمليات عسكرية للحزب، والطلب من الحاضرين التبرع» يقول حمود. ولكن، «حاول المدّعي العام الأميركي إثبات ذلك لـ3 سنوات، ولم يفلح، إذ لم يعترف أحد». ويضيف: «وجدوا شيكاً واحداً محرّراً لمكتب السّيد فضل الله عام 1995، قيمته 3 آلاف دولار. والدفعة كانت قانونية تماماً في ذلك الوقت».
خلال سنوات الاعتقال الأولى، لم يثبت النظام القضائي الأميركي شيئاً على حمود، باستثناء مشاكل في الضرائب. في مقابل عقد عشرات المؤتمرات الصحافية، وإنفاق الملايين. «لم يعجب الأمر المدعي العام»، يقول حمود، فـ«أصبح النظام القضائي أمام أمر من اثنين، إمّا تركي، أو سجن س. حرب في التهم المثبتة عليه. فقبل حرب الاتفاق، وقال إنني أعطيته 3500 دولار لإرسالها إلى حزب الله عام 1999، وهو العام ذاته الذي تركت فيه لبنان نهائياً». ويشير حمود إلى أنّ «المدعي العام أنقذ نفسه أيضاً بهذه الصفقة، وقال في أحد تصريحاته الصحافية إنّ هذه القضية هي ضربة العمر».

لم تقف الأفلام الأميركيّة عند هذا الحدّ، بل استأجر الادّعاء خبيراً، دفع له 25 ألف دولار لتتبّع أحوال حمود في لبنان. خرج تقرير الخبير بخلاصات مثيرة للسخرية، فوصف المدرسة التي نشأ فيها حمود في برج البراجنة بأنّها «أكثر مدرسة متشدّدة ومعادية للأميركيين»! ومن التناقضات والقصص الخيالية، «تشبيه الاتصال بمكتب السّيد فضل الله بالاتصال بالمكتب البيضاوي». بالتالي، استنتج بأنّ حمود يجب أن يكون شخصاً هاماً جداً ليتمكن من الوصول إلى مكتب فضل الله. في المقابل «رجوتهم إجراء اتصال حقيقي بمكتب السّيد فضل الله، وأخبرتهم بسيناريو الوصول إلى السّيد، إذ سيحاول مساعدوه أخذ الاتصال عنه، وعند الإصرار سيعطون موعداً للتكلم معه». لكنّهم نسفوا كلامه من المحاضر.
حُكم حمود بدايةً بالسجن 155 سنة، وعام 2012 خُفّفت إلى 30 سنة، وصولاً إلى 25 سنة عام 2019. تنقّل خلال تأديتها بين عدد من السّجون، في ولايات تكساس وإنديانا وكنتاكي. ودرس القانون، وإدارة الأعمال، وعلم النفس، إضافة إلى عشرات المقرّرات العلميّة. أمّا السّجون التي مرّ عليها، فمنها المشدّدة الحراسة، وأخرى معروفة بـ«الدموية» بسبب أحداث العنف التي تجري فيها. ويقول: «احتاروا أين يسجنونني، فأنا لست عضو عصابات، أو مداناً بأمور مالية». ويضيف أنّ أصعب أيامه قضاها في سجن إصلاحي، تُقفل فيه الزنازين لـ23 ساعة، إلى أن وُضع في سجن خاص بالإرهابيين يدعى «وحدة إدارة الاتصال»، وهي وحدات سجن تجريبيّة سيئة السّمعة افتُتحت خلال «فترة الحرب على الإرهاب».

يروي حمود كيف كان يخشى السّجناء التعامل معه بسبب الصيت المرافق له، فـ«هو قائد حزب الله على الأراضي الأميركيّة»، بحسب الإعلام الأميركي. ويقول: «في إحدى المرّات تشاركت غرفة مع رئيس إحدى العصابات، الذي تراجع عن استعراض قوته أمامي، بعد أن رأى مجلة «reader digest»، وعلى غلافها صورتي وتقرير يقول عنه إنّي أخطر إرهابي في العالم».

فؤاد بزي

المصدر: صحيفة الأخبار




فرنجية يتقدم على أزعور بأكثر من 200 ألف صوت!!

تكرس جلسة الأربعاء النيابية لانتخاب رئيس للجمهورية الانقسام العمودي معطوفا على الفرز الطائفي في البلد، بدل أن يخرج من قبتها الدخان الأبيض إيذانا بانتهاء الشغور والبدء بإنتظام الحياة السياسية بعد فوضى تحول لبنان بأكمله الى “حارة كل مين إيدو إلو”.

هذا الانقسام، يشير الى إستحالة إنتخاب رئيس للجمهورية، وأن الشغور سيتمدد طالما لا يوجد توافق على مرشح تسوية، ومن ينظر الى تركيبة المجلس النيابي وخلافاته وصراعاته وتجاذباته وغياب القواسم المشتركة بين الكتل يدرك أن الأمل يكاد يكون مفقودا في إيصال رئيس الى قصر بعبدا.

أمام هذا الواقع، تعلو الأصوات التي ملّت التجاذبات والتعطيل والفراغ، مطالبة بتعديل الدستور وإنتخاب رئيس الجمهورية من الشعب بما يحول دون حصول أي شغور، أو بحل مجلس النواب وإجراء إنتخابات جديدة وفق قانون إنتخابات عصري يُنتج أكثرية وأقلية تستطيع أن تمارس حياتها السياسية الطبيعية بين موالاة ومعارضة كسائر البلدان الديمقراطية.

واللافت، أن رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع سبق وتوافقا عن بُعد، بأن رئيس الجمهورية العتيد يجب أن يكون قويا في طائفته ولديه حيثية مسيحية وتمثيلا شعبيا وازنا، فإذ بهما يتقاطعا على الوزير السابق جهاد أزعور الذي يُعتبر “مقطوعا من شجرة” سياسيا وشعبيا، وبمقارنة بسيطة مع رئيس تيار المرده سليمان فرنجية فإن كتلته النيابية حازت على أكثر من خمسين ألف صوت، وهو يمتلك الحيثية والتمثيل والأقدمية بالترشيح والاعتراف البطريركي بأنه واحد من القيادات المارونية الاربعة الأساسية، وقد جاءت الذكرى الـ 45 لمجزرة إهدن أمس الأول الأحد لتؤكد أن تأييد ودعم فرنجية يمتدان على مساحة الوطن ككل.

هذا على صعيد الأشخاص المرشحين، أما لجهة الكتل النيابية الداعمة لكليهما، فثمة فارق كبير جدا في التمثيل الشعبي بين الفريق الداعم لفرنجية وبين الفريق المتقاطع على أزعور يصل الى حدود 200 ألف صوت لمصلحة فريق فرنجية الذي بات يتقدم بالحيثية الشخصية مسيحيا وشعبيا على أزعور الذي لا يمتلك مطلق تمثيل، فيما يتقدم الفريق الداعم للأول بالتمثيل الشعبي على الفريق المتقاطع على الثاني، ما يشير الى أن الفريق الداعم لأزعور يناقض نفسه، وهو لا يشكل له خيارا، بل حاجة كونه المرشح الوحيد الذي يمكن التوافق عليه طائفيا ليس للوصول الى الرئاسة بل لقطع طريق فرنجية الى قصر بعبدا.

وبحسب مدير “المؤسسة الوطنية للدراسات والاحصاء” الدكتور زكريا حمودان ان الاشكالية العددية تنقسم الى قسمين:

ـ القسم الاول هو عبارة عن اصوات ينالها المرشحون في مجلس النواب، وهي عبارة عن اصوات النواب الـ 128 بحيث يُعتبر صوت النائب الذي نال 79 صوتا ونجح في الانتخابات بفعل خصوصية القانون الانتخابي ولاسباب طائفية، موازيا لصوت النائب الذي نال اكثر من 48 الف صوت تفضيلي.

ـ القسم الثاني إمتلاك المرشح سليمان فرنجية أكثر من 51% أي أكثر من 630 الف صوت من الاصوات التفضيلية التي نالها النواب الداعمون له، مقابل قرابة 34% من الاصوات التفضيلية التي نالها النواب المتقاطعون على ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور والتي لا تتعدى الـ420 الف صوت، إضافة الى قرابة 15% المتبقية تعود لاصوات تفضيلية نالها نواب غير داعمين لاي من الخيارات المطروحة حتى الآن. ما يشير بوضوح الى وجود فارق بأكثر من 200 الف صوت لصالح داعمي المرشح سليمان فرنجية.”

وإن كان النظام اللبناني برلماني يتم من خلاله إنتخاب الرئيس من النواب، فإنه لا يمكن تجاهل تمثيلهم الشعبي، فإذا كان هؤلاء يستمدون نيابتهم من الشعب اللبناني ويريدون الوقوف عند إرادته وإحترامها فمن الصعب أن يقبلوا بمصادرة أصوات الناس التفضيلية مقابل إرضاء إصطفاف طائفي يتناغم مع كيدية سياسية حملت البعض على التقاطع على مرشح لا يمتلك ميثاقية عددية مقابل دعم شعبي عددي وطني وجامع لسليمان فرنجية..

غسان ريفي – موقع سفير الشمال




3 حالات أسبوعيًا.. أرقام صادمة عن الانتحار في لبنان منذ بداية 2023!

غرّد مدير مركز الدولية للمعلومات جواد عدرا عبر حسابه على “تويتر” كاتِبًا: “أهم من انتخاب شبه رئيس، ارتفعت نسبة الإنتحار من بداية العام الحالي حتى 9 حزيران مقارنة بالفترة ذاتها في العام 2022 نحو 65 %”.

وأضاف: “وصلت إلى 66 حالة في 2023 أو أكثر من 3 حالات أسبوعيًا”.

وختم: “ستنشر “الدولية للمعلومات” التفاصيل الإثنين المقبل”.

وأدى ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض قيمة العملة المحلية، والارتفاع الهائل في معدلات التضخم، ورفع الدعم عن الأدوية والوقود إلى زيادة الصعوبة التي يواجهها الكثير من الناس لتلبية احتياجاتهم الأساسية.

138 حالة عام 2022

يشار إلى أنه بحسب قوى الأمن الداخلي، تم تسجيل 138 حالة انتحار عام 2022. غير أن هذا الرقم يمكن أن يكون أكبر لأن هناك العديد من العائلات التي لا تبلغ قوى الأمن عن انتحار أحد أفرادها، خوفاً من الوصمة الاجتماعية.

ووفق الدولية للمعلومات، وهي مؤسسة تُعنى بالإحصاء، فإن حوادث الانتحار تراجعت عام 2022 مقارنة بـ2021، بحيث وصل متوسط حوادث الانتحار سنوياً خلال الأعوام 2013 – 2022 إلى 143 حادثة، فيما سجل العدد الأكبر عام 2019 (172 حادثة). أما العدد الأدنى فسجل سنة 2013 (111 حادثة).

يذكر أنه منذ خريف 2019، يمرّ لبنان بأسوأ أزمة اقتصادية ومالية في تاريخه الحديث، حيث تُسجّل الليرة كل يوم رقماً جديداً بانهيارها أمام الدولار، ما أدى إلى ارتفاع معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية عند اللبنانيين، وسط عجز سياسي ومصرفي عن إيجاد حلول للأزمة.

المصدر: موقع صوت بيروت انترناشونال




وبالنسبة لبكرا شو؟

يقف حزب الله اليوم أمام منعطف آخر فيما يسعى إلى الحفاظ على موقعه داخل الدولة اللبنانية المتغيّرة.


وجّه استعراض قوة حزب الله العسكرية في بلدة عرمتى الجنوبية في 21 أيار/مايو الفائت رسائل عدة، ولا سيما لإسرائيل. ففي ظل اتفاقات المصالحة التي شهدتها المنطقة، أولًا بين السعودية وإيران ثم التقارب بين السعودية وسورية، يبدو أن حزب الله عاد ليوجّه تركيزه مجدّدًا نحو عدوّه في الجانب الآخر من الحدود الجنوبية. وقد ظهرت مؤشرات على ذلك في أوائل نيسان/أبريل حين أطلقت مجموعة غير محدّدة (بموافقة حزب الله لا شك) ما لا يقل عن 34 صاروخًا من لبنان باتجاه شمال إسرائيل، ما ولّد تكهّنات بأن الحزب يسعى إلى توحيد جبهات لبنان وغزة وسورية.

بغضّ النظر عن سلاح حزب الله، هل يملك فعليًا ما يلزم لخوض حرب مع إسرائيل اليوم؟ إن الدمار الذي سينجم عن ذلك سيكون مهولًا وقد يسفر عن ردود فعل مُزعزعة للاستقرار داخل لبنان في أوساط سكان لم يعد لديهم الكثير ليخسروه. لذا، يمكن طرح سؤال أطول أمدًا عن حزب الله، هو التالي: ما هي غايته النهائية؟ مثلما كشف قرار مشاركته في الانتخابات النيابية في العام 1992 عن رغبته بأن يصبح أحد مكوّنات الدولة اللبنانية، يقف حزب الله اليوم أمام منعطف آخر. فعليه الآن، باعتباره طرفًا بارزًا، أو بالأحرى الطرف البارز في لبنان، أن يقرّر ما الذي يريد أن يفعله بالدولة، وداخل الدولة، كي يحافظ على موقعه في المعادلة.

لا تزال الإجابة بعيدة المنال. فكل الخيارات المحتملة التي قد تراود حزب الله تطرح مخاطر له. إذا كان هدف الحزب الوحيد هو الاستمرار في دوره كوكيلٍ لإيران، فستتمثّل أولويته في الإبقاء على سلاحه وفرض حالة من الجمود في لبنان تضمن عدم تعرّض سلطة الحزب لأي تهديد. لكن سيؤدّي ذلك إلى تداعيات سلبية، من خلال تأجيج الاستياء المحلّي الذي تفاقمه النزعات الطائفية، فيما يحاول الحزب الحفاظ على تفوّقه ويدعم في الوقت نفسه نظامًا متداعيًا إلى حدٍّ كبير ومقاومًا للإصلاحات. لا يستطيع حزب الله أن يُبقي سائر البلد تحت سطوته إلى ما لا نهاية.

على سبيل المثال، من خلال تبنّي حزب الله رسميًا ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية، اتّخذ الحزب خطوة غير معهودة إذ حاول فرض رئيس مسيحي ماروني على الطائفة المارونية التي تعارض جميع أحزابها السياسية الرئيسة بشدة ترشيح فرنجية. تشير التقارير الصادرة في اليومَين الماضيَين إلى أن الأحزاب الثلاثة الأساسية، وهي القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر وحزب الكتائب، اتّفقت على دعم مرشّح منافس لفرنجية هو الوزير السابق جهاد أزعور الذي يتولّى راهنًا منصب مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي.

سنرى ما ستؤول إليه هذه الخطوة، لكن الأكثر دلالةً كان الردّ الصادر عن رئيس كتلة حزب الله محمد رعد على هذا الترشيح، إذ أعلن في 28 أيار/مايو، والغضب بادٍ عليه، أن أزعور هو مرشح “البعض في لبنان الذين يملكون الوقاحة اللازمة للتصريح علنًا برفضهم وصول مرشح للممانعة، في مقابل رضاهم بوصول ممثل الخضوع والإذعان والاستسلام”. أتت رسالة رعد واضحة: فالحزب مستعدٌّ لخوض حوار حول الاستحقاق الرئاسي، شرط أن يدافع الرئيس عن أولويات الحزب. تسبّب مساعي الحزب لفرض مرشّحيه في مناصب غير مخصّصة للطائفة الشيعية استياءً عارمًا في الدوائر غير الشيعية، ولا شكّ أن هذا الشعور سيتنامى في المستقبل.

ثمة خيار ثانٍ أمام حزب الله يتمثّل في إعادة تشكيل نفسه للإبقاء على هيمنته في ظل نظام اجتماعي وسياسي لبناني متغيّر. في هذه الحالة، قد يتعيّن على الحزب البدء جديًّا بالمساومة مع نظرائه الطائفيين والسياسيين، لكن ليس لتغيير النظام السياسي الذي يهيمن عليه الحزب، بل للحفاظ عليه. وسيشمل ذلك اتّخاذ خطوات فعلية لمعالجة قضايا جوهرية بالنسبة إلى الحزب، مثل سلاحه وتدخله في الصراعات الإقليمية، لكن بشكلٍ تسهم من خلاله التسويات الناشئة في ترسيخ أهداف حزب الله داخل النظام اللبناني.

من المستبعد للغاية أن يختار حزب الله هذا المسار. كان هذا نوعًا ما المنطق الكامن خلف سياسات البيريسترويكا التي انتهجها ميخائيل غورباتشوف في الثمانينيات، والتي اعتبر المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي أن نتيجتها كانت انهيار الاتحاد السوفياتي. لا بدّ من أن حزب الله يدرك أيضًا أنه بمجرد أن يبدأ تقديم التنازلات بصورة انتقائية في قضايا محدّدة، قد يفقد سيطرته على الديناميكيات ويُرغَم على التخلّي عن أمور أكثر بكثير مما قد يريد. لكن سلوك الحزب مضى في الاتجاه المعاكس، إذ حاول توسيع المجالات التي يمكنه فيها فرض اهتماماته الاستراتيجية على لبنان، بغضّ النظر عمّا يعنيه ذلك للسياسات الطائفية الداخلية.

أما الخيار الثالث أمام حزب الله فهو أشدّ خطورةً بعد، ويتمثّل في ذهابه إلى أبعد حدٍّ في محاولة إعادة تشكيل عقد اجتماعي لبناني جديد يتمحور حول مصالحه الخاصة وتحقيق استقراره، بهدف ترسيخ سلطته في الدولة إلى أجل غير مسمّى. يعني ذلك إعادة هيكلة النظام الدستوري والطائفي، والسيطرة على المؤسسات من خلال بلورة ميثاق وطني جديد يمنح الطائفة الشيعية المزيد من السلطة، ما يُفسح المجال أمام حزب الله لإقامة حواجز دائمة لحماية تفوّقه في البلاد.

لكن هذا المخطّط قد يؤدي إلى تشظّي لبنان، إذ إن الطائفة المسيحية الأوسع ستكون الخاسر الأكبر من الميثاق الوطني المعدّل. وفيما يتداول المسيحيون علنًا الحديث عن الفدرالية، أو حتى عن التقسيم، فإن إرساء عقد اجتماعي جديد يتمحور بشكل أساسي حول الطائفتَين الأكبر في البلاد، أي السنّة والشيعة، سيُفضي بشكل شبه مؤكد إلى شعور الكثير من المسيحيين بحالةٍ من الغربة النفسية. وستترتّب عن هذا السيناريو تداعيات تشمل تعبئة مسيحية أكبر ضد التغيير، تليها هجرة طائفية أكبر من البلاد، فيضطرّ حزب الله والشيعة إلى خوض مواجهة في المقام الأول ضد طائفة سنّية لا نية لها في تحويل لبنان رسميًا إلى وكيلٍ لإيران.

لكن إقدام حزب الله على تعديل الميثاق الوطني اللبناني لصالحه قد يتطلّب منه تقديم تنازلات كبيرة للطوائف الأخرى، من بينها منح المسيحيين لامركزية إدارية ومالية واسعة، ووضع استراتيجية جديدة للتعامل مع السنّة الذين يشكّلون الآن على الأرجح غالبية في البلاد وسيرغبون في تعزيز سلطتهم داخل المؤسسات الوطنية. ستكون عمليةٌ من هذا النوع معقّدة ومحفوفة بالمخاطر لحزب الله، ويبدو من المستحيل تخيّل ألّا يطالب السنّة بنزع سلاح حزب الله كشرط مسبق للموافقة على منح الشيعة دورًا أكبر في الدولة. لا يمكن أن يولد أي ميثاق جديد من وضعٍ يُنظر فيه إلى طائفة معينة على أنها تملك سلطات مهيمنة على الصعيد الوطني.

هذا ما لا يُدركه حزب الله تمام الإدراك. فالسياسات الطائفية في لبنان ستكون دائمًا أقوى من أي التزام إيديولوجي بـ”المقاومة” أو مبدأ آخر مماثل. علاوةً على ذلك، تتسبّب الثقة المفرطة التي يُبديها الحزب وهو يحاول التأكيد على الخيارات التي يفضّلها بإثارة مخاوف وجودية في أوساط أقليات لبنانية أخرى. وفي ظل غياب هيكلية مؤسّساتية فعّالة لتوجيه هذه المخاوف ومعالجتها، فقد تكون النتيجة الانزلاق إلى العنف. وهذا الخيار هو الأسوأ لحزب الله لأنه قد يُغرقه في حرب أهلية مفتوحة سيحاول الكثير من خصومه الإقليميين والدوليين استغلالها لصالحهم.

لا يبدو حزب الله قلقًا حيال هذه الأمور، فأسلحته تكسبه ثقة كبيرة بالنفس. لكن الحرب لا تُعتبر خيارًا له، لأنه لم يستطِع بناء أي أُسس دائمة على الأنقاض. واقع الحال أن النظام الطائفي يبقى، على الرغم من العيوب التي تشوبه، الحصن المنيع الأقوى في وجه حزب الله. لهذا السبب، يحاول الحزب بشكل متواصل زعزعة توازن خصومه الطائفيين وإبقائهم منقسمين. يشرح هذا الأمر سبب انزعاج محمد رعد الكبير من احتمال وقوف المسيحيين صفًّا واحدًا ضد فرنجية. قد تكون للوقائع الطائفية قريبًا الغلبة على حزب الله، وهذا وضع لا يستسيغه الحزب.


مايكل يونغ – مدير التحرير في مركز مالكوم كير – كارنيغي للشرق الأوسط

المصدر: مركز مالكوم كير – كارينغي للشرق الأوسط




ما السيناريوهات المتوقّعة لجلسة الأربعاء الانتخابية؟

كيف ستكون نهاية جلسة انتخاب رئيس الجمهورية المقرّرة في 14 حزيران المقبل؟ هل ستحمل رئيسًا الى قصر بعبدا؟ ما السيناريوهات المتوقعة لها؟. أسئلة كثيرة تُطرح على بعد أيام من الجلسة الانتخابية مع إيمان واضح لدى كثيرين بأنّ نتيجة الجلسة لن تكون سوى إضافة رقم جديد الى عداد الجلسات التي عُقدت سابقًا. يستبعد كثر من الفاعلين على خط الاتصالات الرئاسية أن تُنتج الجلسة رئيسًا اللهم الا اذا حملت “مفاجأة” غير متوقعة في ربع الساعة الأخير، وهذا أبرز ما يميّز السياسة اللبنانية، فعلى مدى عقود مضت خبِرنا أنّ ما هو مستبعد اليوم قد يُصبح واقعًا غدًا والعكس صحيح. كل شيء في السياسة جائز طالما أنّ كلمة السر الخارجية تفعل فعلها لدى كثيرين. الاستحقاق الرئاسي إحدى المحطات السياسية الرئيسية التي لطالما خضعت لموجات من المدّ والجزر قبل أن يسلك المسار الانتخابي الطريق الطبيعية التي من المفترض أن يسلكها.   

الحال المذكور نعيشه اليوم على وقع الفراغ الرئاسي المستمر منذ 31 تشرين الأول 2022، أي منذ انتهاء عهد رئيس الجمهورية السابق العماد ميشال عون. أكثر من ثمانية أشهر لم تتمكّن فيها القوى السياسية اللبنانية من إيصال رئيس الى قصر بعبدا. أكثر من 10 جلسات انتخابية عُقدت بلا نتيجة. ولمن لا يعلم، فقد حدّد الدستور اللبناني ــ في المادة 49 منه ــ إجراءات انتخاب الرئيس الجديد من قبل مجلس النواب بأعضائه البالغ عددهم 128 عضوًا. الانتخاب يكون بالاقتراع السري بأغلبية الثلثين من مجلس النواب في الدورة الأولى أي 86 من أصل 128 نائبًا. أما في الدورة الثانية فيجري الاكتفاء بالغالبية المطلقة أي 65 نائبًا. 

لدى سؤال مصادر فاعلة على خط الاتصالات عن مصير جلسة الأربعاء تُسارع الى القول “خروج البعض عن التفاهم الفرنسي يضع لبنان في مهبّ الريح”. برأيها، ثمّة سيناريوهات لا تُحمد عقباها بانتظار الساحة اللبنانية في حال جرى نعي هذا الاتفاق. لكنها في المقابل تعوّل على التحرك الفرنسي القديم-الجديد وما سيحمله وزير الخارجية الفرنسي السابق جان إيف لودريان الى لبنان، سائلةً :”هل سينضم السعوديون الى الموقف الفرنسي لنشهد انفراجة رئاسية أم سيتعقّد المشهد أكثر فأكثر؟!”.

بزي: ثلاثة خيارات محتملة 

المحلّل السياسي الدكتور وسيم بزي يرسم في حديث لموقع “العهد” الإخباري ثلاثة سيناريوهات واحتمالات لجلسة الأربعاء: 

1- تأمين النصاب لانعقاد الدورة الأولى للانتخاب. تلك الدورة ستكون بمثابة إظهار لموازين القوى والتوازنات، يُعوّل على أرقامها في السياسة دون انتخاب رئيس، على أن تحدّد هذه الدورة مصير الدورة الثانية لجهة تطيير النصاب من عدمه مع أرجحية فقدان النصاب. وفي هذه الدورة لا يُرجّح أن يحصل المرشحان أزعور وفرنجية على أرقام وازنة. الأرقام ستتراوح بين حصول النائبَين على 53 الى 55 صوتًا وسط عدم حسم المتردّدين ــ البالغ عددهم حوالى 18 نائبًا ــ لموقفهم حتى الساعة. وهنا يستبعد بزي الوصول الى رقم الـ65 نائبًا لأي منهما. وفي هذا السياق، يوضح أنّ حزب الله وحركة “أمل” يخوضان غمار هذه المواجهة بقوة دفع وإيمان كبيرين و”تكتيك” لا يزال سرّيًا قد تنتج عنه مفاجأة كبيرة. 

2- تطيير النصاب من الدورة الأولى بمعنى أن لا يلتئم النصاب نهائيًا وبالتالي كل ما يجري يبقى في إطار “الصخب” ودون نتائج حقيقية. 

3- حصول مفاجأة كبيرة عبر انعقاد دورتين أولى وثانية تؤديان الى انتخاب رئيس، وهذا احتمال يكاد يكون صفريًا أي بلا حظوظ. 

ثلاثة تطورات ترسم خريطة المشهد 

يلفت بزي الى أنّ ثمّة ثلاثة تطورات كبيرة حصلت خلال الـ24 ساعة الماضية قد ترسم خريطة الطريق لمشهد الأربعاء. التطور الأول تمثل بإعلان رئيس مجلس النواب نبيه بري “أننا رشّحنا فرنجية لنصوّت له”. التطور الثاني تمثل ببيان كتلة الوفاء للمقاومة الذي أكّدت فيه أنها ستقترح للمرشح الذي دعمته. التطور الثالث تمثل بإعلان “اللقاء الديمقراطي” في بيان مكتوب دعمه لخيار أزعور دون أن يؤكّد  في المضمون اذا كان سيقترع له أم لا. برأي بزي، من الآن حتى الأربعاء سنكون أمام أيام تبدو فيها وتيرة الحركة سريعة جدًا والاصطفافات يُغلفها الكثير من الإرباك وعدم الوضوح. 

يوضح بزي أنّ ثمّة 18 نائبًا في عداد المتردّدين ما بين خيار فرنجية وأزعور والورقة البيضاء. العمل على هؤلاء النواب سيكون حاسمًا لجهة تظهير المشهد. جزء من هؤلاء النواب ينتمي الى الكتل السنية الأساسية، جزء ينتمي الى “التغييريين”، إضافة الى النواب الثلاثة (شربل مسعد، عبد الرحمن البزري، وأسامة سعد)، النائبان عماد الحوت ونبيل بدر، علمًا أن نواب عكار الستة يُفترض أنهم يتأرجحون بين فرنجية والورقة البيضاء، يضيف بزي. 

ويشدّد المتحدث على أنّ مشهد الرئاسة أثبت أنّ العامل الخارجي مؤثر جدًا على العامل الداخلي. وفق قناعاته، يُعطي النائب السابق وليد جنبلاط الاعتبار الوحيد للموقف السعودي. وبحسب بزي، صحيح أنّ السعودية تهمس أنها على مسافة واحدة من كل الأطراف وأنها لم تتدخل، وهذا ما عبّر عنه السفير السعودي في موسكو لنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف لكنّ هذا لا يعني أن  المنطق الحاقد على فرنجية مدفوع من قوى خارجية أساسية منها قطر والسعودية وأميركا. وهنا يسأل بزي:” هل هذا المسار يهدف لمعادلة الأزعور بفرنجية والذهاب الى الخيار الأميركي المفضّل والمتمثل بقائد الجيش جوزيف عون؟ أم أن تغطية أزعور بتعليق عمله في صندوق النقد يُثبت أن هناك إرادة دولية تقودها أميركا هي التي تزكّي جهاد أزعور وتدفع به مرشحًا منذ أكثر من سنة؟. 

وفيما يشير بزي الى مجيء لودريان الى لبنان، يؤكّد أنّ الحل الفرنسي لا يزال  قائمًا وأنّ أي كلام عن استبعاده يجافي الحقيقة. ويذكّر بجوهر هذا التفاهم القائم على أن هناك فريقًا أساسيًا اسمه حزب الله يجب أن تعبر الرئاسة من خلاله حتى تصل الى شاطئ الأمان، مع الإشارة الى أنّ الجانب الفرنسي اتكأ على تفويض أميركي يبدو أنه تراجع الى حد كبير، وعلى إيجابية سعودية لم تصل الى خواتيمها حتى الآن. 

وفي الختام، يشدّد بزي على أنّ من يريد فعلًا أن يُخرج لبنان من محنته عليه أن يُراهن على التوافق، ويبدو موقف حزب الله وحركة “أمل” في هذا الإطار، وإلا فنحن أمام أزمة رئاسية طويلة ستطيح بموعد حاكمية مصرف لبنان وتجعل لبنان أمام سيناريوهات خطيرة. تمامًا كما أنها قد تطيح بموعد انتخاب قائد جديد للجيش أواخر العام القادم وسط شغور منصب رئيس الأركان. حينها ستفقد الولايات المتحدة الأميركية ــ وفق بزي ــ سطوتها على لبنان ليتقدّم احتمال المؤتمر التأسيسي كثيرًا على مخرج الانتخابات، يختم بزي.  
 

فاطمة سلامة – موقع العهد




مَن هو المجنون الذي يعمل على عزل المقاومة؟

لا يمكن للتاريخ أن يعيد نفسه كيفما كان. يمكن للبعض استعادة تاريخه، عندما يتمسّك بأفكاره نفسها، ويعتقد أنه قادر على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.

عام 2005، عند اغتيال رفيق الحريري، هبّ كل أعداء المقاومة في لبنان والخارج لمحاصرتها وتحميلها المسؤولية، وإطلاق برنامج عزلها سياسياً وطائفياً واجتماعياً، بالتزامن مع ارتفاع مستوى الحصار الأميركي والغربي والدعاية المعادية، وصولاً إلى محاولة القضاء عليها في حرب تموز 2006.
خلال عام ونيّف، تصرّفت المقاومة بهدوء، وتعاملت مع الوقائع الجديدة بحكمة، وخاضت التواصل السياسي ثم التحالف الانتخابي لمنع الانفجار الأهلي. وعندما شعرت بأن هناك من يخطط لعزل قوة شعبية كبيرة كالتيار الوطني الحر بقيادة العماد ميشال عون، بادرت إلى مدّ اليد، وتوصّلت معه إلى تفاهم أفشل غالبية أهداف الفريق الآخر. ولم تكتف المقاومة بالورقة فقط، بل انطلقت في برنامج كان عنوانه مساعدة المسيحيين على استعادة حقوق ضاعت منهم بسبب غباء قيادات الجبهة اللبنانية من جهة، والسياسات التي اتبعها الفريق السياسي الحاكم طيلة 15 سنة.

وأول ما قامت به كان في إبلاغ الأقربين والأبعدين بأن التيار الوطني الحر جزء حقيقي من المشهد السياسي في لبنان، فخاضت معارك دخوله إلى الحكومة بقوة. وعندما وقعت أحداث السابع من أيار 2008، لم تتصرف كمن يقود انقلاباً للسيطرة على السلطة. بل ثبّتت القواعد، وعادت إلى موقعها وحجمها المنصوص عليه في قواعد التمثيل، لكنها فرضت حصانة فعلية على تمثيل التيار الوطني الحر. واختلفت مع الأقربين والأبعدين لحفظ تمثيل التيار في حقائب أساسية داخل الحكومات.

بعد اندلاع الأزمة السورية، تصرّفت المقاومة من موقع المعني بحفظ الوجود المسيحي في المنطقة، وساعدت إلى أبعد الحدود في منع عملية تهجير واسعة كان يعدّ لها الآخرون. وعندما دنت ساعة الانتخابات الرئاسية، وقفت وحدها، وواجهت الجميع داخلياً، من الحليف الأقرب نبيه بري إلى حلفاء الأمر الواقع من سعد الحريري ووليد جنبلاط، وواجهت غلوّ أعداء التيار بين المسيحيين. وعندما اجتمع كل هؤلاء، وإلى جانبهم السعودية وفرنسا والولايات المتحدة لمنع وصول العماد عون، أقفلت المقاومة الأبواب كافة، وقالت كلمة واحدة: ميشال عون أو لا أحد!
مضت السنوات، وامتنعت المقاومة، داخل أطرها وفي بيئتها، عن أي نقاش حول آلية عمل فريق الرئيس عون في الدولة، واستسلمت لرغبته في تعيينات جوهرية، من قيادة الجيش إلى رئاسة مجلس القضاء الأعلى إلى التجديد لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وصولاً إلى عشرات المواقع والوظائف. وقبلت تحمّل اللوم من كل من يريدون منها أن تكون رأس حربة في مشروع إسقاط هذا النظام. وعندما اندلع حراك 17 تشرين، لم يقف غير السيد حسن نصرالله يتحمل بصدره عبء دعوة الناس إلى الخروج من الشوارع، فيما احتشد الآخرون خلف صبية يرددون هتافات كان عنوانها وهدفها الفعلي عزل التيار الوطني الحر وإطاحته. وعندما حان موعد الانتخابات النيابية، ضغطت لإقناع جميع الحلفاء بأن العقد السياسي مع التيار غير قابل للطعن، وساعدت بقوة في حفظ حصة التيار النيابية في أكثر من دائرة ومنطقة، وتحمّلت بصدرها الأخطاء التي حرمت فريقها السياسي مقاعد كثيرة في بيروت والجنوب والبقاع وحتى الشمال.

لم تقف المقاومة عند هذا الحد، بل ذهبت حيث لها نفوذ في المنطقة، فاتحة الأبواب أمام دور إضافي للتيار الوطني الحر على الساحة العربية. وألزمت نفسها عدم التواصل مع شخصيات ومجموعات وقوى مسيحية كي لا يغضب التيار. وحتى داخل الحزب نفسه، لطالما مارس السيد حسن، شخصياً، الضغوط لوقف النقاش النقدي حول التيار وسياساته.
والمقاومة تعرف وتثق بأن الوضع في لبنان ليس في خير، وأن طبيعة النظام القائم لا تسمح بأي تغيير جوهري أو إصلاح جذري، وأن قلب النظام عملية كبيرة كلفتها عالية جداً، وغير مضمونة النتائج، وهي لن تخوض مغامرة، بينما تُلقى على عاتقها المهمة الأساس المتعلقة بحفظ لبنان في وجه المطامع الإسرائيلية.
وحتى عندما مارس الغرب كل أنواع الضغوط على حلفاء الحزب، كان السيد حسن، شخصياً، يعفي هؤلاء من التزاماتهم، ويقول لهم أنتم في حل من التحالف معنا، فاحفظوا مصالحكم، واذهبوا حيث ترتاحون، ونحن نتكفل بأحوالنا…

فجأة، وعندما قرر الحزب الاستناد إلى المنطق نفسه الذي اعتمده لاتخاذ قرارات كبيرة، ووجد أن سليمان فرنجية هو الحليف الأنسب لمنصب الرئاسة، انقلبت الأمور رأساً على عقب، وانطلقت معركة قذرة، وها هي تطل برأسها، عنوانها هو نفسه الذي كان مطروحاً قبل نحو عقدين، أي عزل المقاومة، سياسياً وطائفياً واجتماعياً واقتصادياً إن أمكن، وتهيئة الأجواء المناسبة لعدوان جديد تعدّ له إسرائيل لمن يعرف أو لا يعرف!
فما الذي حصل؟
من هي هذه القوة الجبّارة التي أعادت وصل ما لا يمكن لحمه بين قوى وتيارات ومجموعات في معركة واحدة هدفها إطاحة فرنجية، ونتيجتها عزل المقاومة؟ وما هو السحر الذي أعاد جمع التيار الوطني الحر بكل خصومه الذين قاتلوه ولم يقفوا يوماً إلى جانبه، من القوات اللبنانية إلى الكتائب وجماعات السفارة الأميركية ورجال السفارة السعودية وحاضني «ثوار 17 تشرين» وبعض ممثليهم من النواب؟
وما هو السحر الذي أضاف على هؤلاء، وليد جنبلاط، ومن يعتقدون أنهم ورثة آل الحريري بين السنة؟ وما الذي جعل كل هؤلاء يقفون اليوم في جبهة واحدة يخوضون معركة واحدة، عنوانها إسقاط سليمان فرنجية، لكن هدفها هو نفسه: عزل المقاومة؟!
ما يحصل هذه الأيام لم يعد بالإمكان صرفه في سوق المناكفات اللبنانية التقليدية، بل يلامس حدود المؤامرة الفعلية التي يشارك فيها كل شياطين الأرض في لبنان وخارجه، سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً ومالياً وإعلامياً ودينياً، ولم يعد يجد هؤلاء من عدو لهم سوى المقاومة، وهم يفترضون أن بالإمكان القيام بما يقود إلى عزلها ومحاصرتها وإضعافها تمهيداً لضربها.

مجنون من لم يراجع نفسه جيداً، وانتحاري من يتوهّم نفسه في موقع تغيير المعادلات الصلبة القائمة. انها ساعة الحقيقة التي تخص الجميع، داعمين وناخبين ومرشحين. أما من يريد العودة بالتاريخ الى ما سبق، فيمكن التوضيح ببساطة أن هناك مسؤولية اساسية تقع على عاتق شخصين: الأول، جبران باسيل وهو اليوم في موقع مماثل لموقع وليد جنبلاط في 5 ايار 2008، عندما قال لاحقاً انه تحمس وأخطأ، والثاني هو جهاد ازعور، الذي تحوّل الى فؤاد سنيورة ثان، وقبل بأن يكون فتيل الانفجار!

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار