1

التحقيق الفرنسي مع ماريان الحويك: ثروتي ورثتها عن أبي… ولا أعرف من يديرها!

قبل أيام، وجّهت قاضية التحقيق الفرنسية أود بوروزي إلى ماريان الحويك، المساعِدة التنفيذية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة، تهمتَيْ تشكيل عصابة أشرار إجرامية وتبييض أموال في إطار عصابة منظّمة. ووضعت بوروزي الحويك تحت مراقبة قضائية ومنعتها من التواصل مع مصرف لبنان أو العمل فيه، وألزمتها بدفع ضمان مالي بقيمة 1.5 مليون يورو، قبل أن تعمد أمس إلى تثبيت الحجز على أموالها وأملاكها في فرنسا. هذه الاتهامات هي حصيلة تحقيقات قامت بها القاضية الفرنسية في نيسان الماضي، ومبنية بشكل رئيسي على شهادة الحويك التي تضمّنت تناقضاً وعدم قدرتها على إثبات مصدر أموالها.

«الأخبار» حصلت على محضر الجلسة التي استمعت فيها قاضية التحقيق الفرنسية إلى «المديرة التنفيذية السابقة لمكتب حاكم مصرف لبنان»، في 27/4/2023، وفق تعريف الحويك لـ«مشوارها المهني». وتكشف إفادة الحويك، بما لا لبس فيه، أن سلامة كان يتعاطى مع وظيفته في البنك المركزي بعقلية من وقع على منجم ذهب وينوي استنفاده بأي طريقة، سواء عبر توزيع الامتيازات والرشى والقروض الميسرة على رؤوس السلطة السياسية لقاء حمايته، أو عبر التعاميم والبرامج التي ابتدعها في سياق خلق دكاكين جانبية لتبرير صرف الأموال، وأيضاً عبر تسخير آخرين، من بينهم الحويك، واجهة لاختلاس أموال المصرف وإجراء تحويلات وامتلاك شركات مقابل «فتات» بملايين الدولارات لمن ارتضوا أن يكونوا «فترين» الحاكم للتغطية على أعماله.

في جلسة الاستماع، تحدثت «المديرة التنفيذية السابقة لمكتب حاكم مصرف لبنان»، في 27/4/2023، وفق تعريف الحويك لـ«مشوارها المهني»، عن «تفوّقها» في الدراسات المصرفية في جامعة LAU، ما فتح أبواب مصرف لبنان أمامها رغم عدم تمرّسها في أي عمل قبل ذلك. وخلال فترة التدريب، أُعجب حاكم المصرف المركزي رياض سلامة بـ«ديناميكية» المتدربة الجديدة، كما تقول، فسمح لها بالتنقل بين مختلف المديريات لدرس أوضاعها وإمكان إعادة تنظيمها. هكذا، وُظفت الحويك في المصرف وبدأت رحلة 13 عاماً من «العمل الشاق» والترقيات السريعة، إدارياً ومالياً، إلى أن قرّرت عام 2018 وضع نفسها في فترة استيداع (إجازة غير مدفوعة)، لتعود عام 2020 مستشارة للحاكم بلا راتب، رغبة منها في إيجاد حل للأزمة المالية وهو أشبه بـ«عمل تطوعي»، إذ إنها تعيش «من مواردها الخاصة المؤلّفة من ادّخاراتها الشخصية إضافة إلى أموال عائلتها».
من هنا تبدأ القاضية بوروزي فكفكة مسار الأموال الموجودة في حسابات الحويك في سويسرا ولوكسمبورغ وموناكو، ليتبين خلال الجلسة أن مصدر هذه الأموال البالغة 5 ملايين دولار ليس والدها حميد كما تدّعي، بل مصرف لبنان، أو بالأحرى حاكمه. فماريان لم تكن سوى واجهة استخدمها الحاكم لاختلاس أموال عامة وخاصة وتبييضها في الخارج باسم شركات عدة في مصارف أوروبية. وبالطبع، لم تتطوّع ماريان لهذه المهمة، بل تقاضت مقابلها شققاً وأموالاً ونفوذاً في مصرف لبنان لا يحلم بها أي طالب تخرّج حديثاً بالشهادة نفسها وفي الكلية نفسها. وقد دفعت مزاعم الحويك حول ثروة والدها القاضية الفرنسية إلى سؤالها عن سبب دراستها في لبنان وليس في الخارج، فأجابت بأنها كانت تنوي ذلك، لكنها عندما شعرت بأن مسيرتها العملية ناجحة في بيروت غيّرت قرارها. وتُرجم هذا «النجاح» بتملك شقة في باريس بقيمة مليون و600 ألف يورو، وشقة في بيروت بقيمة 700 ألف دولار، وشقة في الرابية بقيمة مليون دولار. كما أكدت أن في حوزتها 5 ملايين و700 ألف يورو في حسابها وهو «كل ما تملك» بفضل «وظيفة شغلتها كمديرة تنفيذية لمكتب الحاكم براتب بدأ بما يراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين ليرة ووصل إلى 18 مليوناً بين عامي 2007 و2018». لذلك، لم تفهم الحويك «الكثير من الظلم الذي تعرّضت له، بينما أنا لست رياض سلامة ولا بمركزه أو بمسؤوليته، ولا أعرف ما الذي دفع الإعلام إلى تصويري كرياض سلامة»، معربة عن اعتقادها بأن «نجاحها وراء تسليط الضوء عليها وخصوصاً تكريمها محلياً وعالمياً وتنويه البنك الدولي بها في أحد تقاريره، وهو تنويه لم يحظَ الحاكم بمثله».

نبيل عون مدير أعمالي الذي لم ألتقه أبداً!

رغم «شطارة» مساعدة حاكم مصرف لبنان و«تفوقها» الذي فتح أبواب المصرف أمامها، إلا أنها لم تكن ضليعة بألف باء تبييض الأموال وكيفية إقفال الصفقات من دون إثارة الشبهات. لذلك كلّف الحاكم رياض سلامة صديق طفولته نبيل عون تسهيل معاملات ماريان وإرشادها إلى «الطريق الصحيح». في ردها على أسئلة القاضية بوروزي حول عدد من الأسماء، من بينها عون، أجابت الحويك بأنها «لا تعرفه شخصياً ولا تعرف طبيعة عمله»، وهي تعرّفت إليه من دون أن تلتقيه عن طريق الحاكم عام 2010، عندما قرّر والدها توزيع ثروته على أولاده (لها شقيقة وشقيقان)، وبسبب «جهلي بالأعمال المصرفية آنذاك، طلبت من الحاكم مساعدتي فأرشدني إلى نبيل عون». والحديث عن «الجهل» بالأعمال المصرفية، هنا، صادر عن متفوّقة في دراساتها المصرفية وذات قدرات استثنائية دفعت الحاكم إلى تكليفها إعادة هيكلة مديريات مصرف لبنان. وما يزيد الرواية غرابة تأكيد الحويك أنها ووالدها تعاملا مع عون وأوكلاه كل أمورهما المصرفية في لبنان والخارج من دون أن يلتقياه ولو لمرة واحدة. رغم ذلك، وثق الوالد وابنته بعون ثقة عمياء، ووقّعا له على كل الأوراق التي تخوّله التصرف بأموالهما وحساباتهما ومنها «الأوراق اللازمة لفتح حسابين مصرفيين (باسم ماريان) في سويسرا ولوكسمبورغ». وفي عام 2010، حوّل والدها، بواسطة عون، حصتها البالغة 5 ملايين دولار من «ثروته» إلى هذين الحسابين، وهي حصة موازية لحصص أشقائها الثلاثة كما تقول. وبناء على نصيحة صديق سلامة الذي يعمل في الدائرة المصرفية الخاصة في المصرف السويسري، بسام سلامة، حيث أودعت الحويك جزءاً من أموالها، أنشأت شركة Rise Invest في بنما بتاريخ 18/11/2011 (هي المستفيدة الاقتصادية الوحيدة منها)، «لأن الإيداع باسم شركة يكون أفضل خصوصاً إذا كانت من دون نشاط تجاري». إلا أن الغرض الفعلي من عمل مماثل غالباً ما يكون إخفاء اسم المالك الحقيقي بالتلطي وراء شركة وهمية. ويُعتقد بحسب الوثائق التي سُرّبت في ملف «أوراق بنما» أن الشركة تعود لرياض سلامة نفسه. إذ تؤكد الوثائق أن الحويك هي المساهم الوحيد في الشركة التي صُمِّمت لتكون «سرية»، وأصدرت الشركة أسهماً لحامليها، وهي نوع من ضمانات الأسهم الخاصة التي تسمح للمالك بالبقاء مجهول الهوية. وتظهر الوثائق الإبلاغ عن «فقدان أو تدمير» أسهم «رايز إنفست» لحاملها عام 2015، وإصدار شهادات أسهم جديدة باسم الحويك. وتقول الأخيرة إنها استخدمت هذه الشركة لتحويل أموال إلى مصرف BGL BNP Paribas في لوكسمبورع «لشراء شقة في باريس حيث ثمة فرع للمصرف نفسه هناك». وهنا، أيضاً، لم تكن المستشارة على علم بأي تفصيل؛ بل كان سلامة هو من يخطط ويُعدّ وينفذ كل الإجراءات اللازمة. وبحسب ما صرحت أمام بوروزي، «كان للحاكم ومعارفه التأثير الأكبر في هذا القرار، إذ وصلها بشخص يدعى روجيه حاج توكّل إدارة حسابها في لوكسمبورغ، والتقته لاحقاً عدة مرات «عبر سلامة وحين كان يزور زبائنه في لبنان لأخذ تواقيعهم على الأوراق».

حسابا «رايز إنفست» في سويسرا ولوكسمبورغ ليسا الوحيدَين، فثمة حساب ثالث لشركة في سويسرا أيضاً، تحديداً في مصرف JULIUS BAER، يحتوي على 800 ألف يورو. وعندما استوضحت القاضية الحويك عن إيداع مبلغ 484 ألف يورو في مصرف BGL من حساب شركة قبرصية، بررت الأمر بأنه نتيجة «نشاطها التجاري عبر حضانة شركات تجارية، وقد قام المستثمرون معها بإيداع هذا المبلغ في BGL ومبلغ مماثل في مصرف JULIUS BAER في سويسرا». ولم تجد ماريان أي غرابة في فتحها كل هذه الحسابات وتحويل الأموال في ما بينها، فكل ذلك لأجل ضمان «مستقبلها»، بما فيها أربعة تحويلات مالية إلى حساب شركتها في «جوليوس باير»، وبررتها بأنها «لجمع رأس مال من أجل تأسيس شركة خاصة»، من ضمنها تحويل من شركة «ويستلايك» التي نفت معرفتها بأصحابها، ما يعني أنها تتصل بأشخاص وتتفق معهم على تمويل الشركة الحاضنة من دون أن تعلم من أين يحولون الأموال أو تدقق بها. لكن، تشاء المصادفة أن «ويستلايك»، ومقرها بنما، تملك حساباً في «جوليوس باير» في زوريخ، وسبق للنيابة العامة الفدرالية السويسرية أن كشفت أنّ صاحبها هو رياض سلامة في إطار التحقيقات في أموال شقيقه رجا سلامة. لذلك، سألت القاضية إذا كان رياض سلامة من ضمن الأشخاص الممولين فأجابت ماريان: «نعم وحصته من التمويل 200 ألف دولار وقد أكد لي الحاكم أنها من أمواله الخاصة». لكن، لماذا صرّحتِ أمام القاضي جان طنوس بأن الحاكم دفع لكِ مكافأة سنوية عن عملك بهذه القيمة، فردت أن هذا المبلغ اعتبره سلامة مكافأة على جهودها، فيما هي اعتبرته مساهمة في الاستثمار. علماً أن سلامة كان قد أكد في إفادته أمام القاضي طنوس أن الحويك «أقدمت على تنفيذ عدد من المشاريع تتعلق بالاقتصاد الرقمي» وأنه «رغب في تسديد قيمة هذه المشاريع من جيبه الخاص، فطلب من شقيقه رجا تسديد مبالغ مالية للحويك على أربع أو خمس دفعات بقيمة 500 ألف أو 600 ألف دولار لكل دفعة»!

عرضت القاضية الفرنسية على ماريان الحويك مجموعة وثائق ودلائل تفضح ادّعاءاتها، من بينها تحويل يثير الشبهات بقيمة 1.8 مليون يورو من حساب شركة «رايز انفست» في سويسرا إلى حساب BGL، فأجابت بأن مصدر هذا التحويل هو والدها. عندها واجهتها بوروزي بأن المبلغ المحوّل تمّ عبر شركة Liban Management and consulting التي يملكها نبيل عون إلى حساب شركتها وليس من حساب والدها، فنفت أن تكون على علم بذلك. وعندما واجهتها بوروزي بما يثبت أن تحويلاً وصل إلى شركة عون بقيمة مليون و999 ألفاً و900 يورو قبيل يوم واحد من تحويل مليون و800 ألف يورو إلى حسابها وسألتها عن صاحب هذه الأموال ومصدرها، نفت أن تكون على معرفة بذلك. وحول عدم تحويل والدها الأموال إلى حساباتها المصرفية الخاصة بل عبر شركة نبيل عون، قالت ماريان إنه «أمر تجهله»، وإنها لم تكن تعلم من هو مالك شركة «ليبان مانجمنت» ولا سبب تحويل هذا المبلغ إليها في هذا الوقت. عند ذلك الحدّ طلبت بوروزي توضيحاً من «المساعدة التنفيذية» حول الوثائق التي حُجزت في مصرف BGL. فقد تبيّن أن رياض سلامة هو من أرسل بريداً إلكترونياً إلى البنك بخصوص مبلغ مليون و800 ألف يورو الخاص بشركتها. مجدداً، ماريان التي لا تعلم شيئاً، إذ نفت علمها بالبريد الإلكتروني، لكنها تعلم أن «سلامة كان حريصاً على مساعدتها في إنجاز هذا التحويل». فسألتها القاضية عمّا دفع الحاكم إلى مخاطبة المصرف بنفسه، علماً أن القوانين تمنع ذلك، وعما إذا كانت قد منحت موافقتها «صراحة أو ضمنياً على مناقشة حسابات شركتها المصرفية مع سلامة»، فردّت إيجاباً، ما يؤكد أن سلامة شريك في حساب ماريان.

وعرضت القاضية وثيقة على الحويك هي عبارة عن رسالة word أعدّها مدير مصرف BGL ليوقّعها عون، تتعلق بمستلزمات التدقيق المالي لتبرير إدخال مبلغ مليون و800 ألف يورو إلى الحساب، فنفت علمها بذلك وقالت إنه ليس لديها تفسير للوثيقة لأن ما يقوم به نبيل عون في المصرف «لا علاقة لي به وكل ما أعرفه أنه تم التحقق من مصادر الأموال من قبل المصرف من دون اعتراض وجرت عملية الإيداع بسلاسة». ومن خلال الوثيقة يتبين أن عون صرّح لمصرف BGL بأنه يتصرف بالنيابة عن حميد الحويك، وأن هذا التحويل يتم بصفة شخصية وليس من نشاط تجاري، وهو ما يتعارض مع التبرير الذي قدّمه عون نفسه ضمن رسالة موجهة إلى المصرف السويسري، وصرّح فيه أن هدف التحويل المنجز عبر شركة «ليبان مانجمنت» هو الاستثمار. فنفت ماريان أن يكون المبلغ مُعدّاً للاستثمار التجاري، ولم تملك إجابة على سؤال عن السبب الذي دفع برياض سلامة إلى إعادة النسخة الموثّقة إلى المصرف المختص لقبول المبلغ وليس نبيل عون ما دام هو مكلفاً من والدها. وثمة سؤال أساسي وجّهته القاضية الفرنسية يختصر كل المشهد وهو أن عون أكّد أنه كان يتصرف نيابة عن رياض سلامة ليقدّم له خدمة، فهل كانت هذه المبالغ هدية من رياض؟ «بالتأكيد لا» قالت ماريان.

المجلس المركزي شريك في الاختلاس

النقطة التي قلبت كل مسار التحقيق وأوضحت المخطّط الاحتيالي الذي أعدّه ونفّذه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة عبر مساعدته حيناً وزوجته حيناً آخر وشقيقه وغيرهم هو التمكن من إثبات أن مصدر الـ 5 ملايين دولار التي تسلّمتها شركة «رايز انفست» هو مصرف لبنان. فقد تسلّمت الشركة 3 دفعات: 1.350 مليون دولار و1.800 مليون دولار و1.800 مليون دولار في تواريخ مختلفة 4/2012، 9/1/2013 و31/1/2013 ومبلغ 1.979 مليون دولار تحت عنوان «أتعاب استشارات». ويتبين من أقوال نبيل عون خلال استجوابه في فرنسا أن مصرف لبنان حوّل إليه 5 ملايين و500 ألف دولار وُزعت ما بين تحويلات إلى «رايز انفست» ومبلغ 460 ألف دولار إلى حساب ندي سلامة نجل رياض سلامة. وخلال جلسة الاستجواب سألت بوروزي الحويك عما إذا كانت تعلم أن مصدر الأموال المودعة في حساب شركتها هو مصرف لبنان، فأجابت بالنفي مكرّرة «الكذبة» نفسها بأن هذه التحويلات تعود إلى والدها، ولا علاقة لها بمصرف لبنان. لكنها ابتكرت نظرية استثنائية مفادها أن كل مصرف تجاري في لبنان له الحق بفتح حساب في مصرف لبنان، وتجري المقاصّة بين الأموال الدائنة والمدينة للمصرف عند المركزي، وربما، بحسب الحويك، هذا هو سبب صدور التحويل من مصرف لبنان! من دون أن تشرح ما علاقة حسابات المصارف في مصرف لبنان بحساب والدها الشخصي، إذا كان ثمة حساب أصلاً كما ادّعت وجوده في بنك الموارد الذي يملكه مروان خير الدين الذي وُضع رهن التحقيق في فرنسا في نيسان الماضي.

فقد تبين أن التحويلات لا تظهر اسم والدها ولا اسم بنك الموارد، بل من مصرف لبنان حصراً، وتتضمن إلى جانب الأموال كتاباً بخط يد رياض سلامة عرضته بوروزي أمام المستمع إليها، لتبرير إيداع هذا المبلغ من المال في حساب شركة نبيل عون. وهو ما يناقض الادّعاء بأن هذا المال يأتي من حساب والدها. فما كان من ماريان إلا أن شكّكت في أن يكون الكتاب بخط يد سلامة نفسه ولا الدافع وراء كتابته لرسالة مماثلة. لكنها، للمفارقة، عقّبت بأنه في حال صدور التحويلات من مصرف لبنان فإن الحاكم «لا يستطيع أن يوقّعها منفرداً، خصوصاً إذا تجاوزت قيمة التحويل 20 ألف دولار بل يجب اقتران توقيعه بموافقة المجلس المركزي؛ ولا يمكن تحويل مثل هذا الرقم خلسة». إذاً بحسب ماريان، المجلس المركزي كان شريك سلامة في عمليات الاختلاس من أموال مصرف لبنان، أو أقله على علم بها ويتستر عليها. أما ما تبقّى من ثروتها فلا يزال في المصارف التي أودعته فيها، وأشارت إلى تحويلها غالبية أموالها إلى مصرف Richelieu في موناكو الذي يرئِس مجلس إدارته أنطون صحناوي، بناءً على نصيحة من سلامة الذي نقل أيضاً كل أمواله إلى هذا المصرف.

مروان خير الدين: مساعد مساعدة الحاكم!

إلى جانب عون وأصدقاء سلامة في المصارف الأوروبية الذين سهلوا إيداع هذه المبالغ له ضمن حسابات مساعدته مما يجعلهم شركاء في عمليات التبييض، يبرز دور رئيس مجلس إدارة بنك الموارد مروان خير الدين. فخلال استجواب نبيل عون في فرنسا، أدلى أمام القاضية بوروزي بأنه «طلب من رياض سلامة مستنداً يثبت أن مصدر الأموال المحوّلة إلى حسابه ليس مصرف لبنان فزوده بوثيقة صادرة عن بنك الموارد». هذا الأمر كان موضوع سؤال بوروزي لماريان بعد عرض الوثيقة عليها. فقالت الأخيرة إن «المبالغ الواردة إلى حساب عون تتعلق به، أما أنا فأوضحت ما هي المبالغ التي وردت إلى حساباتي، وأنا على علم بالوثيقة التي عرضتموها عليّ لأنني طلبت نسخة عنها من الحاكم، خصوصاً بعد أن تم إقفال الحساب (أقفل حسابا رايز إنفست في سويسرا ولوكسمبورغ في عام 2016 من قبل المصرفين بالتزامن مع إقفال حسابات شركة فوري بعد انكشاف أوراق بنما). وأشارت الحويك إلى أنها طلبت النسخة كي تؤكد أن مصدر هذه الأموال «ليس مصرف لبنان بل حساب والدي في بنك الموارد» نافية أن يكون سبب التحويل هو «الاستثمار»، كما هو مدوّن في الوثيقة. مرة أخرى، كذّبت القاضية الفرنسية الحويك بالوثائق، وأطلعتها على رسالة واتساب بين سلامة وخير الدين يملي فيها الحاكم على رئيس مجلس إدارة بنك الموارد حرفياً ما يجب أن يكتبه في الرسالة الصادرة عن مصرفه، ما يبين أن خير الدين كان يعمد إلى تزوير شهادات من مصرفه لصالح الحاكم للتغطية على استخدام أموال مصرف لبنان في عمليات تحويل الأموال. كما تسألها عن محادثة واتساب بينها وخير الدين أرسل فيها الأخير شهادة صادرة عن سلامة، وتطلب هي تعديل المعلومات الواردة فيها والأسماء.

وبررت الحويك أنها طلبت تعديل اسمها «كي يتطابق مع اسمها كما هو وارد على جواز السفر، وتعديل التاريخ على الإفادات السابقة لتلبية طلبات المصارف الأجنبية». ومن الواضح أن الوثائق والمستندات الخاصة بواتساب خير الدين قد تم سحبها من هاتفه الخاص واللابتوب عند توقيفه في مطار باريس. إذ في إطار «الخدمات» المقدمة من خير الدين إلى سلامة، شهادة منه بتحويل 3 ملايين و350 ألف دولار من حساب والد الحويك إلى حسابها في مصرف EFG وقد أكدت ماريان ذلك. عندها سألتها القاضية كيف يشهد خير الدين أنه تم تحويل هذا المبلغ من مصرفه إلى EFG في حين أن المبلغ محوّل إلى شركة نبيل عون، فأجابت: «لا أعرف». ونفت أنها كانت موجودة عندما أملى سلامة هذه الرسالة على خير الدين، لكنها اكتفت بالإشارة إلى حصولها على الإفادة وإلى تحويل الأموال من بنك الموارد إلى حسابها.

شركات في الخليج

اللافت في جلسة الاستماع ظهور أسماء شركات مملوكة من الحويك للمرة الأولى في الخليج، من بينها شركة «سوينغ مانجمنت» التي «اكتشفت» القاضية وجودها في محادثة واتساب بين خير الدين والحويك، فأوضحت الأخيرة أن الشركة أنشئت في دبي، لكنها لم تقم بأي نشاط تجاري. كما سئلت عن شركة FOO التي تُعنى بتطوير البرامج المعلوماتية ويملكها غدي الريّس، فأجابت أنها «تعاملت معها خلال فترة إنشاء شركتها CLOUDX لأنها كانت بحاجة إليها لإنشاء العملات الإلكترونية». أما مديرة العمليات المصرفية الخاصة في بنك الموارد ريم سلامة «فقد تعاملت معها خلال فترة إنشائي لشركة CLOUDX، وليست مستشارتي المصرفية الخاصة بل هي الشخص الذي أتواصل معها في علاقتي مع بنك الموارد». وعندما سألتها بوروزي: لماذا لم تطلبي الشهادة منها بل من خير الدين؟ أجابت الحويك: «جرى ذلك بناءً لرأي الحاكم الذي اتصل بمروان خير الدين وأفهمه الطلب». وعما إذا كانت فتحت حساباً لشركتها في دبي؟ أجابت: «كلا».
كذلك تطرّقت القاضية إلى محادثة بين الحويك وخير الدين حول شيك مصرفي بقيمة 56 ألف دولار من مصرف لبنان إلى بنك الموارد، وفيها تسأله كيف يريدها أن تتصرف بالمبلغ، فادّعت الحويك أولاً أمام بوروزي بأنها لا تتذكر شيئاً عن هذا الشيك، قبل أن تستدرك بأنه إيجار مقر شركتها. وعندما عرضت القاضية عليها صورة الشيك مجدداً، أجابت بأنه صادر عن بنك عوده ويمكن أن يكون من أحد معارفها، إلا أنها لم تتعرف إلى التوقيع. وعندما سألتها القاضية عن سبب استفسار خير الدين عن الأمر، وردّها عليه مع تفاصيل عن بنك قطري، أجابت بأن الأمر قد يكون «خدمة لأحدهم، وهذا يحدث أحياناً»!

لا أعرف رجا سلامة

في بداية جلسة الاستماع سألت القاضية بوروزي ماريان الحويك عن عدد من الأسماء، وكان لافتاً أن الحويك نفت معرفتها بشقيق حاكم مصرف لبنان رجا سلامة، وأكدت أنها لا تتذكر حتى ملامح وجهه، ولم تشاهده في مصرف لبنان سوى مرة واحدة أثناء خروجه من مكتب الحاكم، عندما أبلغتها السكرتيرة بأنه شقيق رياض سلامة. أما ندي سلامة، ابن الحاكم، فقد قابلته مرة واحدة في مؤتمر مالي لمصرف لبنان في لندن عام 2015 ولم ترَه منذ ذلك الحين أبداً، وليس لديها رقم هاتفه أو عنوان بريده الإلكتروني.
أما صديقة الحاكم وشريكته آنا كوزاكوفا، فقد أكّدت الحويك أنها لا تعرف عنها سوى ما قرأته في الإعلام، كما أنها لا تعلم شيئاً عن أليزابيت سلامة، ابنة الحاكم من كوزاكوفا. وقالت الحويك التي عملت في مصرف لبنان لنحو 15 عاماً إنها «تعتقد» بأن ابن شقيقة سلامة، مروان عيسى الخوري، يعمل في دائرته القانونية، كما نفت نفياً قاطعاً أن تكون قد سمعت بشركة «فوري» أو شركتَي Amanior و SI 2 SA المملوكتين من الحاكم.

رلى إبراهيم

المصدر: صحيفة الأخبار




أحلام التقسيم [3/3]: نحو علاج للمسألة اللبنانية لا المسألة المسيحية

التصوّرات النظرية لمشاريع الفدرالية، والتي تنتهي إلى توزيع «المقاطعات» الجديدة في لبنان، ليست من النوع القابل للنقاش. ذلك أن من قام بهذا التمرين كان يفترض به الاستعانة بعلم الرياضيات، وهو ما لا يظهر أبداً في كل ما يطرحه دعاة تغيير النظام في لبنان والذهاب إلى فدرالية لا تعني عملياً سوى التقسيم على أساس طائفي.

من يردْ، اليوم، في عام 2023، أن يطرح هذه الفكرة، يجب أن يكون مستعداً بصورة منطقية، وأن يطرح ما هو قابل للتحقّق. إلا أن مشكلة هؤلاء تبدأ من تجاهلهم الأسباب الدفينة لخراب لبنان، عندما يتناسون مئة عام من عمر «الشركة اللبنانية» لصاحبها الغربي الذي لم يسأل أحداً من أهل هذه الأرض عمّا قرره من دول وكيانات. كما يتجاهل هؤلاء (عمداً أو سهواً) التاريخ الذي صاحب الولادة العبثية لهذا الكيان، ويقفزون فوق سنوات من الدم والدموع والنار والحديد، إذ لم يكن أمراً عادياً أن يتجاهل دعاة العودة الفعلية إلى لبنان الصغير، أحوال من سلخوا من مجموعات كانت متجانسة طائفياً ومذهبياً، وتنطق اللغة نفسها ويتعامل بعضُها مع بعض تجارياً، مثل سكان الجليل في شمالي فلسطين أو سكان الجانب السوري من الحدود مع لبنان بحدّيه الشرقي والشمالي.
من لا يريد نبش الماضي، ربما يفعل ذلك بقصد إخفاء مسلسل الجرائم التي ارتُكبت بحق أبناء هذه المنطقة على مرّ العقود. لكن أصحاب هذه النظرة، يفتقدون حتى لخيال المبدع عندما يرسمون حدوداً لمناطق وكانتونات ومقاطعات. ومشكلة هؤلاء الأولى والأهم، أنهم يتصرفون وكأنّ شيئاً لم يحصل، أو كأن الأمور لا تزال على حالها منذ مئة عام. ثمة تجاهل غير مفهوم لحقائق صلبة حول تطور الوضع السكاني في لبنان، وتطور الأحوال الاجتماعية والمعيشية للبنانيين، وفوق ذلك، حجم المتغيّرات القائمة من حولنا.

هل فكّر هؤلاء مثلاً، في واقع بيروت الكبرى اليوم، أم يعتقدون أنها لا تزال كما كانت عليه قبل خمسة أو أربعة أو حتى ثلاثة عقود؟ ومن يملك الحق في تقرير مصير سكانها ومالكي عقاراتها ومصانعها وجامعاتها ومستشفياتها، أم هو يفكر في إعادة التاريخ إلى الوراء وربما يذهب به خياله، إن لم يكن عقله العنصري، أن يطالب هؤلاء بالرحيل، لأنه قرّر أن هذه المدينة لا تخصّهم إدارياً، أو أنه سيفرض عليهم قوانين بحسب انتمائهم الطائفي والمذهبي، أو مكان المولد وغير ذلك من الصفات التي تعكس التخلف؟
هل فكّر المنظّرون للفدرالية في الاستعانة بشركات الهاتف الخلوي، أو دائرة الضرائب البلدية، أو مؤسسة كهرباء لبنان، لمعرفة طبيعة التوزّع السكاني في أكثر من منطقة لبنانية؟ هل يعتقد هؤلاء بأن جبل لبنان لا يزال كما كان عليه الأمر قبل خمسين سنة؟ وما هو واقع الحال اليوم في البقاع أو الشمال أو الجنوب؟
ولأن للحقائق الصلبة وقعها القاسي أحياناً، صار لزاماً التوجه مباشرة إلى أصحاب هذه النظريات، رغم أنهم يمثلون أقلية غير متماسكة، ولو أنهم يعملون وسط مزاج مضطرب عند كثيرين. وإذا كان يحق لأي كان أن يفكر كيفما يريد، فالأمر لا يبقى هكذا عندما يختار البعض طريقاً يقوده فعلياً نحو الانتحار، وهو انتحار لا يصيبه وحده بل يصيب الآخرين رغماً عنهم.
النقاش الواقعي يفرض القول إن معظم دعاة هذه الطروحات هم من المسيحيين، ومن الموارنة على وجه الخصوص، ويؤيدهم بعض المسلمين، من الشيعة والدروز والسُّنة أيضاً. وهؤلاء المسلمون يريدون أصلاً الانتماء إلى «لبنان القديم»، ويأملون بنمط عيش يتوافق مع النمط المقترح من فريق التقسيم. ولذلك، يصعب أن تجد اليوم بين المسلمين حالة وازنة تقبل النقاش في فكرة التقسيم، لكن ستجد حشداً كبيراً من المسيحيين يستمعون إلى هذه التوجهات، وإن كانت القوى السياسية الممثّلة للناخب المسيحي اليوم، تعرف أن نظام مصالحها يتحقق من خلال فكرة المحاصصة مع الفريق المسلم، وهو ما فعلته خلال كل العقود الماضية، بمعزل عن هوية الراعي الخارجي لكل تسوية.

بناءً عليه، يفترض بالغالبية اللبنانية التي تريد بقاء لبنان موحّداً أن تتحمل المسؤولية، وأن لا يقتصر موقفها على رفض فكرة التقسيم، بل عليها البحث عن علاج جذري، لا يستهدف حصراً «هواجس العقل الأقلوي»عند البعض، بل يجب النظر إلى الأمر بهدف تقديم علاج للمسألة، باعتبارها تخصّ كل اللبنانيين الذين يعانون الأمرَّيْن من هذا النظام المتخلّف، سواء كان اسمه ميثاق الـ 43 أو الطائف أو ما يعادلهما. وإذا كان أصحاب طروحات التقسيم لا يعتبرون تجربة الجبهة اللبنانية في سبعينيات القرن الماضي تعبّر عنهم، أو يأخذون على قادتها فشلهم في تحقيق الهدف، فإنه لا يمكن لهؤلاء أن يعتبروا فشل القوى اليسارية أو العلمانية في فرض النظام غير الطائفي بالمطلق، وكأنه غير صالح، بل ربما يكون فشله ناجماً عن سوء إدارة من قبل قيادات هذه القوى.
الواقع البسيط يقول إن فكرة التقسيم دونها أهوال كبيرة، أبرزها أن الوقائع اللبنانية اليوم لا تترك مجالاً لعيش هذه الفكرة، وليس في لبنان من قوة قادرة على فرضها بالقوة. أما الإصرار على القول بأن «هذا ما يناسبنا ونقطة على السطر»، فهو كلام لا مكان له في قوانين العلوم السياسية ولا في آليات بناء الدول، ولا في تطوير أنظمتها، وهو برغم كل الكلام المشذّب والملطّف، لا يخفي ما تضمره الأنفس من سعي مجموعة إلى الانفصال، بحجة أنها لم تعد تستفيد من النسخة الجديدة للبنان.

لقد بالغ المسيحيون في رفع سقف هواجسهم وإعلاء شأن مخاوفهم، فيما يبالغ المسلمون في الرهان على عامل الوقت حتى ينال الضمور من المحتجّين، فلا يبقى لهم حول ولا قوة لفعل أي شيء. وفي الحالتين، سيكون صادماً القول لكل هؤلاء إن علاج المسألة اللبنانية، قد لا يستقيم قبل إسقاط الحدود التي رسمها الاستعمار لتسهيل قيام إسرائيل… سيكون من الغريب إقناع هؤلاء بأن إزالة إسرائيل شرط إلزامي لقيام بلد عربي قادر على تأمين الحقوق لجميع أبنائه!

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار




أحلام التقسيم [2/3]: هل بات علينا نبش أرشيف الحرب لمنع تجدّدها؟

في غياب الإحصاءات الدقيقة، اعتاد اللبنانيون لعبة الأرقام المنفوخة. حتى اليوم، لا يزال كثيرون مقتنعين بأنّ الحرب الأهلية قضت على نصف مليون شخص. بعد انتهاء الحرب، سادت قناعة أخرى بوجود مئة ألف جنديّ سوريّ في لبنان. وفي عام 2005، تبارى اللبنانيون في حشر الملايين في ساحات لا تتّسع لأكثر من 350 ألف شخص. بعد اندلاع الحرب على سوريا، قرّروا أنّ في لبنان أكثر من ثلاثة ملايين سوريّ. وعندما حصل الانهيار، خرج من يعمّم أنّ مئات المليارات من الدولارات هُرّبت إلى الخارج. وحتّى عند الحديث عن موظّف فاسد، لا يقبل أحد بحصوله على أقلّ من خمسين مليون دولار أو مئة مليون! طبعاً، من دون أن ننسى الـ 12 مليون لبناني في المهجر، وكأنّ نصف اللبنانيين – على ما يقولون – الذين هاجروا خلال عشرين عاماً، بين القرنين التاسع عشر والعشرين، أنجبوا 12 مليوناً، بينما النصف الثاني الذي بقي في لبنان لم ينجب أكثر من ثلاثة ملايين. وحتى عندما يطرح موضوع العمالة اللبنانية في الخليج، تُطرح أرقام توحي وكأنّ هناك مليون لبناني يعيش في الجزيرة العربية! وقسْ على ذلك.

ولأنّ لعبة الأرقام محفوفة بالمخاطر؛ كونها تُلامس القاعدة السّكانية لقوى النظام الطائفي، فإنّ فكرة الإحصاءات مرفوضة فعلياً. لكن، على سبيل المثال، أظهرت لوائح الشطب قبل الانتخابات النيابية الأخيرة، وأقلام اللبنانيين في الخارج، أنّ هؤلاء ليسوا بالرّقم الذي يقلب المعادلات داخلياً، حتى لو أثّروا في هذا المقعد أو ذاك، وأنّ نسب التصويت بحسب توزيعهم الطائفي ليست فارقة إلى حدّ يسمح بالقول إنّ المسلمين في الخارج أقلية مقابل غالبية ساحقة للمسيحيين. وفي انتخابات الداخل، حتى لو حصل تضارب في قراءة الأرقام، فإنّ النسب الإجمالية تشير إلى أنه لو أُتيح التصويت لمن هم في الثامنة عشرة، لكان عدد المسيحيّين سيقارب نحو ثلث اللبنانيين، وربما يصل إلى حدود خُمْس السكان.
صحيح أنّ لعبة العدّ ليست في مصلحة أي لبنانيّ يريد وحدة هذا الكيان وتماسكه، لكنها تصبح إلزامية عندما يطلق التقسيميّون فكرتهم الجديدة عن الانفصال، لأنّ الأمر لا يتعلق عندها بالعدد فقط، بل بأمور كثيرة، أهمها مكان السكن. إذ إنّ هناك مناطق (يفترض التقسيميون أنها جزء من كيانهم المنشود) خالية من أبناء الطائفة التي يسعون إلى «إنقاذها» بالانفصال. فيما ثلُث سكان المناطق التي يعتبرونها ذات صفاء طائفي، هم من غير أبناء الطائفة نفسها. لذلك، فإنّ فكرتهم تقوم على طرد هؤلاء، وعلى أن يشكل الخوف والاضطهاد المضادّ، وإغراء «البلد الجديد» أسباباً كافية لانتقال أولئك إلى هذه المناطق. وهو ما حصل خلال تجربة الانفصال الأولى، عندما طرد حزب الكتائب ومتفرعاته كلّ من هو غير مسيحيّ بالهوية، أو القناعة من مناطق سيطرته، قبل أن يطلق عملية «النّقاء بالولاء» ضدّ خصومه من المسيحيين أنفسهم.

يبدو أنّ هناك حاجة إلى نبش الماضي؛ حتى لو خرج من يقول إنّ ذلك نكء للجراح. إذ ثمة ضرورة لإنعاش ذاكرة جيل من اللبنانيين، وإطلاع جيلين آخرين على حقيقة ما كانت عليه الأمور يوم سادت الحروب الأهلية لبنان، وتوضيح الصورة الافتراضية عن مآل العيش في ظل حكم أقلية انفصالية فاشية، وعن طبيعة التحالفات الداخلية والخارجية التي تنشدها هذه الجماعة عندما تتحكم بالأمور.

الفكرة هي أنّ النّسخة الجديدة من التقسيميين ليست أفضل من القديمة، بل إنها، ربما، أقلّ معرفة وجدية وخبرة وقدرة على تحقيق الهدف ذاته. وإذا كانت الأطماع الأميركية والإسرائيلية، في مرحلة ما بعد قيام كيان العدو، فرضت وقائعها على لبنانيين قبل أن تقودهم نحو الحرب المجنونة، فإنّ هذه الأطماع لم تغب بعد. لكن، ما تغيّر هو أنّ العدو الذي كان يستطيع أن يصل بجيشه إلى بيروت لتنصيب رئيس كما فعل في 1982، لم يعد قادراً على تكرار ذلك. حتى الأميركيون أنفسهم يكادون يستنفدون كل أسلحتهم، بما فيها الحصار الاقتصادي والعقوبات المالية والتحريض وأعمال التجسس الفتنوية. مع ذلك، فإنّ من سيقفون مرة جديدة إلى جانب الانتحاريين الجدد يعرفون أنّ المطلوب هو أمر واحد، وهو إدخال لبنان، مجدداً، في أتون حرب تقضي على ما تبقى من دولته، وتُهجِّر أكثر من نصف أهله. والمشكلة أنّ التقسيميين الجدد يفترضون أنّ اللحظة الراهنة مناسبة، فيتخذون من كل حراك داخلي عنواناً لرفع رايتهم. هكذا فعلوا مع حراك 17 تشرين، وبعد انهيار النظام المصرفي، وهكذا يفعلون اليوم مع المعركة الرئاسية، ومشكلة النزوح السوري. وسيرفعون كل الوقت صوتهم ضد سلاح المقاومة التي لا تعنيهم بشيء، لأنّ «علاجهم» لمشكلة الاحتلال الإسرائيلي هو الاستسلام والتطبيع مع العدو. وهم لا يرون حاجة إلى علاقة بين لبنان وسوريا، واعتبار الأخيرة معبراً نحو العالم العربي، إذ إنهم، أساساً، يفضّلون هجرة مسيحيّي الأردن وسوريا والعراق إلى لبنان إن كانوا أغنياء، أو إلى الخارج إن كانوا فقراء.

أمر آخر لا يقلّ خطورة، وهو أنّ أصحاب هذه النظرة العنصرية لم يعيشوا هذا القلق عندما قامت سلطة «داعش» في العراق وسوريا، وكادت تصل إلى لبنان. ولم يقل هؤلاء كلمة عن عمليات الإبادة التي تعرّض لها المسيحيون، بل كانوا يتساءلون في غرفهم الضيقة: لماذا لم يغادروا هذه البلاد أصلاً؟ وبعضهم كان يعتقد أنّ اضطهاد هذه الأقليّات من جانب «داعش» سيتحوّل إلى سلاح إضافي لإخافة من تبقّى من المسيحيين، سواء بعنوان التطرّف السنّي أو التطرّف الشيعي.

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار




القصّة الكاملة لأحداث القرنة السوداء؟

أثار البيان الأوّليّ الصادر عن قيادة الجيش ليل السبت تساؤلات بحجم الحادثة التي وقعت في القرنة السوداء وأدّت إلى وقوع قتيلين من آل طوق مشرِّعةً الأبواب مجدّداً على “حرب الفتنة” بين “الأهالي”. فالبيان الذي اكتفى بالإشارة إلى “تعرُّض أحد المواطنين لإطلاق نار في منطقة القرنة السوداء أدّى إلى مقتله، وقُتل لاحقاً مواطن آخر في المنطقة عينها”، والتأكيد على انتشار الجيش وتوقيف عدد من الأشخاص، أثار التباساً حول مسؤولية الجيش حين ذكّر ببيان سابق بتاريخ 1 حزيران حذّرت فيه قيادة الجيش يومذاك “المواطنين من الاقتراب من منطقة التدريب العسكرية في القرنة السوداء، وإعادة التشديد على عدم اقتراب المواطنين كافّة من هذه المنطقة تحت طائلة المسؤولية وحفاظاً على سلامتهم ومنعاً لوقوع حوادث مماثلة”.

حقيقة ما حصل
في الوقائع، كانت قيادة الجيش قد أصدرت في 12 حزيران الماضي بياناً أشارت فيه إلى “قيام وحدات من الجيش حتى 11 تشرين الثاني المقبل بتنفيذ تمارين ومناورات تدريبية بالذخيرة الحيّة في منطقة التدريب العسكرية في القرنة السوداء”، محذِّرة “المواطنين من الاقتراب من منطقة التدريب العسكرية حفاظاً على سلامتهم، وتفادياً لعرقلة تدريبات وحدات الجيش تحت طائلة المسؤولية”.
لم يأتِ إصدار الجيش لهذا البيان ضمن سياق روتينيّ بل على خلفيّة تكرار حالات الاشتباك والتوتّر، إضافة إلى اعتداء عدّة أشخاص من بشرّي في 4 حزيران على راعٍ من بلدة بقاعصفرين-الضنّية كان يسوق قطيعه في جرود البلدة، وقتلهم عدداً من رؤوس الغنم والماعز بعد إطلاق الرصاص عليها من أسلحة حربية كانت بحوزتهم.

وفق المعلومات، قادت هذه الحادثة، فوق جبال من تراكم الاحتقانات، إلى المشهد الدمويّ في القرنة السوداء الذي تتحمّل مسؤوليّته السلطة السياسية العاجزة والقضاء “المرتخي” والمتواطئ.
ما يزال الجيش يتابع التحقيقات لتحديد المسؤوليّات، خصوصاً أنّ القتيل الثاني وقع في لحظة كانت المنطقة في ذروة التوتّر وتضمّ ثلاثة أطراف مسلّحة هي الجيش ومجموعة شباب الضنّية ومجموعة شباب بشرّي، ويحاول تحديد هويّة مطلقي النار.
هذا وعلم “أساس” أنّ الضحيّة الأولى الشابّ هيثم طوق قُتل في منطقة الشِحَين برصاص مجموعة من شبّان الضنّية قدمت إلى المنطقة معزّزة بالسلاح لحماية قطيع الماعز ولدى اصطدامها بوجود مجموعة شبّان (من بشرّي) حصل استنفار بين الجهتين وسحب سلاح واشتباكات استمرّت نحو نصف ساعة وأدّت إلى مقتل هيثم طوق.
إثر الحادث نفّذ الجيش بشكل فوري انتشاراً عسكرياً في المنطقة واستدعى “فوج المغاوير” واستنفرت القطعات العسكرية واستعان الجيش بمروحيّات الهليكوبتر في محاولة للقبض على المجموعة المتورّطة بالحادث، وذلك قبل أن تُعلِن النائبة ستريدا جعجع طلبها من الجيش التدخّل.
لكن خلال توجّه الجيش إلى المكان تعدّدت الروايات في شأن ما حصل، خصوصاً أنّ عناصره وُضعوا مرّة جديدة في بوز مدفع درء الفتنة الطائفية. فثمّة رواية تتحدّث عن اصطدام الجيش بمجموعة من الشبّان البشرّاويّين من طالبي الثأر إثر معرفتهم بمقتل هيثم طوق، بعدما وجّه إليهم نداءات متكرّرة للانسحاب، وأدّى إلى حصول اشتباك قُتل خلاله الشابّ مالك طوق، فيما هناك رواية أخرى تشير إلى أنّ مالك طوق سَقط بعد محاولته تجاوز نقطة عسكرية للمغاوير في المنطقة وعدم امتثاله للأوامر العسكرية بالتراجع.

19 موقوفاً لدى الجيش
تفيد معلومات “أساس” أنّ عدد الموقوفين لدى الجيش بلغ 19 موقوفاً: 13 من بقاعصفرين و6 من بشرّي، فيما ضُبطت لدى الطرفين أسلحة حربية خفيفة ومتوسطة وذخائر، وجرت محاولات من جانب نواب منطقة بشرّي لإطلاق سراح الشبّان.
هو مشهد يتكرّر تقريباً كلّ سنة وفي التوقيت نفسه في تلك الجرود بين أهالي منطقتَيْ بشرّي والضنّية بسبب خلافات بينهم حول المشاعات والمراعي وإمدادات المياه، ويؤدّي دوماً إلى وقوع إشكالات، لكنّ حادثة القرنة السوداء صباح السبت أيقظت شياطين الفتنة من أوكارها وشَحَنَت النفوس ووضَعَت “مُعسكرَيْ” الضيعتَيْن على سلاحهما.
في السنوات الماضية تكرّرت اتّهامات بقاعصفرين-الضنّية لأشخاص من بشرّي بقتل رؤوس من الماعز والماشية في محيط القرنة السّوداء مع نفي متكرّر من بشرّي و”القوات اللبنانية” لحصول حوادث كهذه، وذلك ضمن مسلسل النزاع المستمرّ على ملكيّة “القمّة الأعلى” وحقّ استثمارها والاستفادة من مياهها.

لم تسفر كلّ الجهود والمساعي التي تُبذل سنويّاً، على كلّ المستويات، عن إيجاد حلّ لهذه المشكلة التي تتفاقم كلّ صيف وتؤدّي إلى تأجيج الغرائز الطائفية وتستدعي تدخّل “القمم” الروحية والمرجعيات السياسية، فيما تزدهر “الاستثمارات” في الدماء والنفوس المحقونة من جهات من الطرفين في مقابل من يسعى، من الطرفين أيضاً، إلى دفن الفتنة وتهدئة الخواطر مع دعوات إلى “تحكيم العقل والحكمة وترك القضاء يأخذ مجراه”.
حتى الآن ما تزال بركة مياه لريّ المزروعات في محيط “تلّة سمارة” بجرود بقاعصفرين تؤجّج النزاع بين بشرّي والضنّية، وغالباً ما تستدعي استنفاراً أمنيّاً وتدخّلات رئاسية وسياسية. وهي تدخل ضمن الأعمال التي ينفّذها “المشروع الأخضر” في وزارة الزراعة، لكنّ بلدية بشرّي ونوّابها يرون أنّها مخالفة للقوانين وتقع ضمن القطاع العقاري لبشرّي.
هكذا تبدو الخلافات على جرّ المياه بين القضاءين قضية كونيّة تتجدّد كلّ عام. نزاع مُستمرّ منذ سنوات طويلة يتخلّله تقطيع أنابيب الجرّ نحو بقاعصفرين واستخدام أسلحة خفيفة في الاشتباكات.
في الواقع لم تحسم خرائط الجيش النزاع بين بلديّتَيْ بقاعصفرين وبشرّي، وهي تُظهِر أنّ القرنة السّوداء تبعد نحو 4 كيلومترات خطّ نار عن حدود بشرّي الإدارية. وقالت أمانة السجلّ العقاري في الشمال في تقرير لها عام 2014 إنّ “القرنة السوداء ومحيطها يقعان ضمن نطاق بلدية بقاعصفرين العقارية”. وهناك خرائط رسمية من أيّام الانتداب الفرنسي تُثبت أنّ القرنة السوداء تقع ضمن الضنّية، تقابلها خرائط عقارية جديدة تُظهِر أنّ مساحة كبيرة من المنطقة المحيطة بالقرنة السوداء تصنّف ضمن النطاق العقاري لبشرّي.

وإلحاقاً ببيانها الأول دعت قيادة الجيش “جميع اللبنانيين إلى التحلّي بالمسؤولية وضبط النفس والحرص على السلم الأهلي، وعدم الانجرار وراء الشائعات واستباق التحقيق”.
كما أكدت القيادة أنّ “الوحدات العسكرية تواصل الانتشار وتنفيذ التدابير الأمنية في المنطقة، وأن الجيش يقوم بالتحقيق في الموضوع تحت إشراف المراجع القضائية المختصة”.

ملاك عقيل

المصدر: موقع أساس ميديا




شرف الدين لجعجع: حَكّم ضميرك

تحرّك من جديد ملف النازحين، على المستوى الرسمي بين الدولتين اللبنانية والسورية، بعد زيارة وزير المهجرين في حكومة تصريف الأعمال عصام شرف الدين لدمشق قبل أيام… فما هي فرص تزخيم آليات العودة الآمنة، استناداً إلى دينامية ثنائية، بعيداً من «قيود» البعض في المجتمع الدولي؟

يستعد وفد وزاري لبناني موسّع للتوجّه إلى دمشق قريباً لاستكمال البحث الذي بدأه شرف الدين، وبلورة منهجية فعّالة وعملية، لتأمين عودة أكبر عدد ممكن من النازحين، ما يعكس قراراً رسمياً بتعزيز الانفتاح على سوريا وتفعيل التواصل معها، بعد انتهاء «النزوح العربي» عنها ومدّ الجسور مجدداً بينها وبين العرب وفي طليعتهم السعودية.

ويؤكّد شرف الدين لـ«الجمهورية»، انّ زيارته الأخيرة لدمشق كانت ناجحة ومفيدة، «وما طالبنا به صار»، معلناً عن وجود جهوزية تامة لدى الدولة السورية لاستقبال أعداد كبيرة من النازحين.

ويلفت شرف الدين، إلى انّ لقاءاته مع المسؤولين السوريين عكست ثقة متبادلة، «من شأنها ان تساعد في تسهيل معالجة ملف النازحين».

ويضيف: «نحن ننتظر رداً من المسؤولين السوريين على الطريقة التي سيتعاملون بها مع الحالات الآتية ضمن النازحين: المتخلّفون عن خدمة العلم، مكتومو القيد غير المسجّلين، والسجناء السوريون في لبنان وإمكان ان يستكملوا محكوميتهم في بلدهم».

ويؤكّد شرف الدين انّ لقاءاته في دمشق مهّدت الطريق أمام زيارة الوفد الرسمي اللبناني قريباً، موضحاً انّ مجلس الوزراء كلّف وزير الخارجية عبدالله بو حبيب بالتواصل مع الدولة السورية لترتيب الزيارة التي سيشارك فيها وزراء الخارجية، المهجّرين، الشؤون الاجتماعية، الثقافة، العمل، السياحة، الزراعة، والاعلام.

ويعتبر انّ البيئة الإقليمية باتت تسهّل عودة النازحين عقب المصالحات التي تحققت في المنطقة، واستعادة سوريا مقعدها في جامعة الدول العربية، مشيراً إلى أنّه سيتمّ تفعيل الحلول الممكنة لملف النازحين في المرحلة المقبلة.

ويشدّد شرف الدين على وجوب تغيير منهجية المقاربة لهذه القضية الملحّة في اتجاه الانتقال من العودة الطوعية إلى الإعادة الآمنة، موضحاً انّ الأولى تعتمد على مبادرة النازحين أنفسهم إلى تسجيل طلبات العودة لدى مراكز الأمن العام، بينما الثانية ترتكز على انتقال فِرَق الأمن العام ووزارة المهجرين الى المخيمات لتعبئة استمارات تتعلّق بظروف العائلات النازحة، وبالتالي تحديد اي منها يستطيع العودة ولا يملك مبررات للبقاء، تمهيداً لرفع الملفات إلى الجانب السوري ونيل موافقته على عودة أصحابها.

ويتابع: «علينا نحن أن نذهب إلى المخيمات ونشرح للنازحين الإيجابيات الموجودة في مواجهة تضليل الغرب وعراقيله المفتعلة».

ويوضح شرف الدين، انّه ناقش في دمشق إمكان تشكيل لجنة ثلاثية تضمّ لبنان وسوريا والمفوضية، على أن تنبثق عنها لجان فرعية في مناطق العودة لمتابعة اوضاع العائدين اقتصادياً واجتماعياً وطمأنتهم، «وهذا من شأنه ان يشجع آخرين على ان يحذوا حذوهم، كذلك نواصل البحث مع المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في ضرورة منح المساعدات للنازحين في داخل الأراضي السورية».

وتعليقاً على موقف رئيس «القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي اعتبر انّه و«إثر ما سُرِّب عن ايجابية زيارة وزير المهجرين عصام شرف الدين إلى دمشق، أضحى لزاماً على حكومة تصريف الأعمال وضع روزنامة عملية واضحة حول عودة كل النازحين السوريين إلى ديارهم، قبل نهاية هذا العام، وأيّ تأخير سيُعتَبر تواطؤاً لجهة محاولة توطين اللاجئين السوريين..»، يقول شرف الدين: «لبنان بلد حرّيات ويستطيع اي كان ان يصرّح بما يريد، ولكن على جعجع ان يُحكّم ضميره وان يكون منطقياً لجهة الفترة المطلوبة لاكتمال العودة».

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




إسرائيل «تضمّ» الجزء اللبناني من الغجر: شغب إسرائيلي على حدود الجولان

انتهت في الأيام الماضية، الأشغال الإسرائيلية لتثبيت السياج الجديد الذي ضمّ كامل الجزء الشمالي اللبناني من بلدة الغجر المحتلة إلى الأراضي السورية المحتلة. بذلك، باتت الغجر كاملة تحت الاحتلال الإسرائيلي وخارج السيادة اللبنانية، حتى في ظل عدم وجود أي جندي إسرائيلي على أرضها. ومن دون أي سيطرة لبنانية، صار الجزء الشمالي من الغجر منفصلاً كلياً عن السيادة اللبنانية، وخارج الوصاية الكلية لقوات الطوارئ الدولية (اليونيفل)، التي لا يُسمح لها بالدخول إليها باعتبارها خارج نطاق عملها، في خرق واضح للقرار 1701.

للوصول إلى أقرب نقطة إلى الجزء اللبناني من قرية الغجر، يمكن الوقوف عند الوزاني غرباً للإطلالة عن بعد نحو 1 كلم، أو من الشرق من صوب بلدة العباسية على بعد 1.5 كلم. علماً أن هناك طريقاً يمرّ بمحاذاة الجزء الشمالي من الغجر ويربط الوزاني بالعباسية بمسافة 3 كلم، لكنّ هذا الطريق بات محرّماً على أيّ لبناني ومخصّصاً فقط لدوريات «اليونيفل»، رغم وقوعه خارج السياج الحديدي الجديد الذي يضم الجزء اللبناني من الغجر. وتلعب قوات «اليونيفل» هناك دور الحارس، إذ تضع أسلاكاً وموانع حديدية على طول الطريق من الجهة الشمالية المحررة، لمنع اقتراب اللبنانيين منها، ما يشكّل «حزاماً أمنياً» غير معلن حول قرية الغجر بطول 3 كلم، يستكمل إجراءات العزل التي أقامتها قوات الاحتلال حول البلدة. ويقيم الجيش اللبناني حاجزاً عند نقطة أساسية تؤدي إلى الطريق، علماً أنه بموجب الإجراءات الإسرائيلية الجديدة والمترافقة مع تلك التي تقوم بها «اليونيفل»، بات الجيش ممنوعاً من الوصول إلى ذلك الطريق أيضاً، إذ بات يتطلب دخوله النادر لتنفيذ دورية عليه، إذناً وتنسيقاً مسبقيْن من قيادة «اليونيفل» في الناقورة.

لم تقتصر الإجراءات الإسرائيلية على «تطويق» الغجر بجزءَيها السوري واللبناني، بل رفعت قوات الاحتلال أبراجاً حديدية ثبّتت على كل منها كاميرات يصل مداها إلى 5 كلم، إضافة إلى كاميرات صغيرة ومكبّرات صوت موجّهة نحو الأراضي اللبنانية المحرّرة. هذه التحركات المتدحرجة وغير المترابطة مع أحداث أخرى تشهدها الحدود اللبنانية – الفلسطينية، والتي تتعلق بإسرائيل وأولوياتها الأمنية، كانت قوات الاحتلال قد شرعت بها في آذار 2022، أعقب ذلك، في أيلول من العام نفسه، قرار فتح الغجر أمام حركة السياحة الإسرائيلية بعد اعتبارها منذ التحرير في أيار من عام 2000 منطقة عسكرية مغلقة، إلى أن أعلنت تل أبيب العام الماضي سحب قواتها من المنطقة والإبقاء على «حرس الحدود» فيها، على اعتبار أنها انسحبت من الجزء اللبناني من الغجر. إلا أن كل الإجراءات والتحركات الإسرائيلية، بما فيها المباشرة بعملية تسييج الجزء اللبناني، كانت تتم على أساس أنها أرض محتلة.
انتهت إسرائيل من عملية «تسييج» الغجر، بالتزامن مع نشاط لقواتها على طول الحدود اللبنانية – الفلسطينية، وتغيير معالم العديد من النقاط عند «الخط الأزرق» على الحدود بين بلدة ‎حولا ومستعمرة «المنارة»، أو عند «خطّ الانسحاب» في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. وهنا، لا بد من الإشارة إلى وجود فرق كبير بين «الخط الأزرق» في بلدة الغجر، و«خط الانسحاب» في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.
فـ«الخط الأزرق» في قرية الغجر يعترف به الاحتلال الإسرائيلي وقوات «اليونيفل» ولبنان الرسمي. أما في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، فإن لبنان لا يعترف بوجود «خط أزرق» هناك لأنه يعتبرها أراضيَ لبنانية محتلة، بل يطلق عليه «خط انسحاب»، بينما تعترف به «اليونيفل» والاحتلال الإسرائيلي، ويقولان إنه «خط أزرق يتحفَّظ عنه لبنان». وتبرّر القوات الدولية اعترافها بأن هذه المنطقة كانت منذ ما قبل التحرير عام 2000 ضمن منطقة عمل قوات «إندوف» العاملة في الجولان السوري المحتل. في مقابل هذا الواقع الذي يحاول الاحتلال تكريسه وتُعلن «اليونيفل» عدم «صلاحيتها» لمنعه، يقول أهالي مزارع شبعا وتلال كفرشوبا إنهم كانوا قبل التحرير عام 2000 يدخلون إلى مزارع فشكول وقفوة ورويسة القرن وزبدين لقطف محاصيلهم الزراعية بناءً على تصاريح خاصة من قوات الاحتلال، بينما لم يُسجّل دخول أي من المواطنين السوريين إلى المزارع المحتلة، في أحداث ووقائع واضحة وبسيطة يتداولها أهالي المنطقة للتدليل على لبنانية المزارع.

على أيّ حال، يأتي ضمّ الجزء اللبناني من ‎قرية الغجر إلى الجزء السوري المحتل، بعدما أعادت القوات الإسرائيلية احتلاله خلال عدوان تموز 2006، رغم وجود محاولات دبلوماسية سابقة لـ«إقناع» العدو بالانسحاب منها وتنفيذ القرار 1701. وعلى الدوام كان النقاش مفتوحاً في إسرائيل حيال الطريقة الأفضل للتعامل مع قرية الغجر، خصوصاً في شقها اللبناني. وكان رئيس حكومة الاحتلال الأسبق آرييل شارون اقترح إخلاء الجزء الشمالي من الغجر، وتدمير المباني فيه، كما درست حكومات الاحتلال المتعاقبة خيارات أخرى مثل تقسيم القرية، وإقامة حاجز بين الشطرين اللبناني والسوري، وتكثيف الحماية العسكرية في المنطقة، وتخيير سكان الغجر بين البقاء «في كنف الاحتلال» أو الانتقال للعيش في كنف السلطة اللبنانية، وبناء جدار حول الجزء الجنوبي من القرية وعزلها بين «الخط الأزرق» وهضبة الجولان، أو بناء جدار حول الجزء الشمالي وضمّه إلى المنطقة المحتلة، والخيار الأخير هو الذي طُبّق اليوم.

اليوم، تبدو الغجر كـ«بلدة واحدة» وقد «وحّدها الاحتلال» تحت سلطته. كانت مساحتها المسكونة تبلغ نحو 500 دونم، وتُقسّم إلى الحارة الجنوبية القديمة وهي مقامة على نحو 100 دونم وتقع ضمن الحدود السورية، أما الحارة الشمالية المقامة على نحو 400 دونم، فتُعتبر لبنانية، لكن مساحتها اليوم صارت أكبر مما كانت عليه، إذ تمدّد العمران فيها نحو الجزء اللبناني بشكل كبير، وبات هذا الجزء موطناً للعدد الأكبر من سكّان البلدة البالغ عددهم نحو 2800 نسمة. هذا التداخل بين ما هو سوري وما هو لبناني خلق واقعاً معقّداً في الغجر التي يرفض أهلها الاختيار بين كونهم تابعين لسوريا أو للبنان. هذا الواقع يشبه إلى حدّ كبير العلاقة المتداخلة والمعقّدة بين البلدين اللذَين يعتبران أن البتّ في «نَسَب» الغجر كما مزارع شبعا وتلال كفرشوبا لا يستقيم في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي الذي يعتبر أنها أراضٍ تابعة للجولان احتُل معظمها في عام 1967، ما يعكس قراراً مبدئياً بالتعامل معها على أنها «مُحتلة يتوجّب استرجاعها بالطرق المناسبة»، رغم قرار إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، في آذار 2019، الاعتراف بـ«سيادة إسرائيل» على هضبة الجولان السورية التي احتلتها عام 1967 وضمّتها عام 1981.
يوم وقّع ترامب قرار الاعتراف هذا، غرّد على «تويتر» كاتباً: إن هضبة الجولان لها «أهمية حيوية لدولة إسرائيل والاستقرار الإقليمي». اليوم، وبعد استكمال قوات الاحتلال الإسرائيلي «تطويق» الغجر وضمّ جزئها اللبناني إلى الأراضي السورية المحتلة، يحلو للبعض التذكير بما كتبه الصحافي الإسرائيلي أليكس فيشمان في صحيفة «يديعوت أحرنوت» العبرية عام 2008، إذ اعتبر أن «أحد الأماكن الوحيدة في الشرق الأوسط، التي يمكن لإطلاق النار على جرافة، أن يؤدي فيها إلى تدهور إقليمي في أيامنا هذه، هو في قرية الغجر الواقعة في زاوية مهملة في أطراف هضبة الجولان، التي ضُمت إلى إسرائيل خطأً».

حمزة الخنسا

المصدر: صحيفة الأخبار




أحلام التقسيم: العودة بالمسيحيين إلى زمن الخوف

عودة إلى مطلع سبعينيات القرن الماضي. التعبئة على أشدّها وسط قواعد قوى الجبهة اللبنانية، وفي مقدّمها حزب الكتائب بقيادة بيار الجميل، وألعاب سياسية تقليدية يقودها كميل شمعون، وحشد مسيحي جمع كل الأقطاب من الشمال إلى الجنوب خلف قادة المسيحيين في جبل لبنان، ومعهم «الجيش الأسود» الذي مثّل قاعدة الهرم في الكنيسة. كلّ هؤلاء عبّروا، في أشهر قليلة، عن رغبتهم في إقامة كانتون مسيحي يقيهم شرّ مطالب المسلمين بتعديل صيغة الحكم من جهة، ويبعد عنهم حلم اليسار بنسف النظام الطائفي، ويقيهم «شر» العروبة التي يرونها اسماً حركياً للإسلام. ولم يكن هؤلاء يحتاجون إلى من يقرأ لهم وقائع المنطقة والعالم، وسط صراع جدي بين قيادة منظمة التحرير في لبنان، ودمشق بقيادة الرئيس الراحل حافظ الأسد. فيما عملت السعودية بالتفاهم – الدائم – مع الأميركيين على صيغة لا تجعل الانفجار في لبنان يخرج عن حدود هذا البلد الصغير.

اليوم، يمكن لأيّ لبناني أن يستمع إلى روايات عن الحرب الأهلية، يسردها سياسيون يلعبون دور «الحكواتي». لكن، لم يخرج علينا، بعد، مؤرّخ يُشهَد له بعلمه وموضوعيته ليقدّم رواية كاملة لا تحابي أحداً، وتقفل الباب على «الأمجاد الوهمية» لغالبية القوى التي انخرطت تدريجياً في حرب أهلية قاسية ومدمّرة ضربت كل لبنان، قبل أن يطلق الخارج صفارة انتهاء اللعبة بعدما أُنهك جميع اللاعبين، وندخل في تسوية غير مكتملة ارتاح خلالها اللبنانيون، وعدلوا في مقاعدهم، قبل أن يعود الخارج اليوم إلى تشجيعهم على دورة جديدة من العنف، لتحصيل ما يفترضون أنه الأفضل لهم. وحجة الخارج على اللبنانيين أن التعديلات في طبيعة القوى التي قادت آخر فصول الحرب الأهلية، لا تزال ممسكة بالقرار اليوم، ومن استجدّ وجاء معبّراً عن تعديل في التمثيل السياسي لهذه الجماعة أو تلك، لم يفعل أكثر من الجلوس مكان مَن كان قبله، لكنه لم يغيّر في قواعد اللعبة أو المقاربة.

في تلك الفترة، قرأ خصوم الجبهة اللبنانية في حراكها رغبة بتقسيم لبنان، والذهاب نحو حماية يقدّمها الغرب بواسطة إسرائيل. وهو عنصر مقلق بحد ذاته، فكيف إذا ترافق مع انخراط قسم كبير من اللبنانيين في دعم مباشر وعملي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وهو أمر تعزّز بعد خيانة أنور السادات التاريخية التي جعلت حافظ الأسد يعدل من نظرته إلى شكل التسوية في لبنان، ويدخل بعدها في حرب طويلة مع الأميركيين وحلفائهم من العرب. وكانت الحركة الوطنية تلعب دور الواجهة العامة لتحالف فيه خليط من القوى الطائفية والمذهبية والعلمانية والفلسطينية والسورية. وقد فشل كل هؤلاء في معالجة ما يمكن وصفه بـ«المسألة المسيحية» في لبنان.
اليوم، ثمّة عمل جدي ومنتظم ومثابرة حقيقية، من قبل مجموعات تعتقد بأن تجربة السلم الأهلي بين عام 1991 وعام 2023 ثبت أنها غير مناسبة للمسيحيين، وأن فكرة العيش في حكم ذاتي فكرة مجدية وقابلة للتحقّق. وبمعزل عن كل البحث الجغرافي والطبوغرافي والديموغرافي والاقتصادي والمعيشي، فإن اختصار أحلام هؤلاء يمكن وضعه في سردية صغيرة تقول: «ستكون لدينا المساحة الجغرافية الممتدّة من جبل الريحان جنوباً حتى حدود القبيات شمالاً، وفيها تعرّجات شرقاً وغرباً، وهي كافية ليعيش فيها أكثر من مليوني نسمة. وفيها بوابات عبور إلى الخارج بحراً وجواً، من دون الاضطرار حتى للعبور البري، ويمكن لابن هذه المناطق أن يسافر في رحلة تقوده إلى مطار، يجد في انتظاره أهله، أو من يخدمه ليصل إلى منزله، ومن ثم سيكون هناك في خدمته كل ما يحتاج إليه للتسوّق والترفيه، كما يمكن إقامة مواقع عمل خاصة تقوم على فكرة التجارة العامة، ومراكز العلوم المتقدّمة التي تحتاج إلى عمالة سوداء أقل، ويكون لهذه المنطقة قطاعها المصرفي، ووحداتها الإدارية، وقوتها الأمنية والعسكرية التي تؤدي وظيفة الأمن الداخلي، فيما يجري البحث عن حياد بضمانة قوى كبرى في الإقليم أو العالم… ونقطة على السطر.

هكذا يختصر التقسيميون فكرتهم، ولديهم إجابات افتراضية حول العلاقة مع بقية البلاد، وهم يقيسون هذه العلاقة من زاوية المنفعة والتبادل التجاري من جهة، وكلّ بحسب موقعه الطائفي والمذهبي أو الفكري. لكنهم لا يعتقدون بأن أهالي بقية لبنان سيشكلون خطراً حقيقياً عليهم، بل سيكون هناك تعاون مثمر، لأن أصحاب هذه النظرية مؤمنون بأنهم الأفضل في العلم والتجارة والعلاقة مع الخارج القريب أو البعيد، والأرقى اجتماعياً، ولديهم ما يتوق الآخرون للحصول عليه. وحتى مشكلة العمالة السوداء، يجدون لها حلاً على ما يقول قس يعيش في بلاد المهجر، إذ يمكن «استقدام نحو مئة ألف من أقباط مصر وإثيوبيا، هم كل ما نحتاج إليه من عمالة سوداء، ومن يتجذّر منهم في أرضنا، وينتمي إلى إحدى كنائسنا، لن يشكل توطينه خطراً فعلياً علينا».

منعاً للغرق في هذه الأوهام، تجدر الإشارة إلى الذين يخطّطون لأمر كهذا، ليسوا سوى أقلية فاعلة بين المسيحيين. لكن ما هو لافت، ويحتاج إلى عناية، يتعلق بالمزاج العام السائد لدى غالبية مسيحية، ما يساعد أصحاب هذه التصوّرات على التوسع في عرض أفكارهم، ورفع مستوى الأوهام بقرب قيام الدولة المنشودة. وقصة المزاج مرتبطة بجهد التقسيميين، لكنها تتأثّر بالتطورات الجارية في لبنان، حيث باتت سهلة العودة إلى تعميم منطق الخوف عند المسيحيين، وإقناعهم بأن عدواً حاضراً يقف على الأبواب. ولا يحتاج المهوّلون إلى نقاش كبير مع الناس، وهم لا يأبهون لأي سؤال عن هوية هذا الخوف الذي كان ذات مرة سنياً ناصرياً أو بعثياً، ثم صار علمانياً سورياً أو عراقياً، أو يسارياً شرقياً، قبل أن يتحول إلى شيعي إيراني، مع تجدّد الخوف من الفلسطيني الذي يريد أخذ لبنان بدلاً من فلسطين، أو السوري الذي لا يريد العودة إلى بلاده لا طوعاً ولا غصباً.
لكنّ التجربة علّمت الجميع بأن تعزيز هذا المزاج لا يكون إلا برفع منسوب الخوف من الآخر. وبسلوك جرّبه كل الانفصاليين في العالم، فإن الخوف يجب أن يكون حاضراً في كل خطوة، من الأكل والشرب والسكن والتعليم والعمل والدين والسياسة، وهي لعبة تجيدها قوى تجذّرت يمينيتها على مرّ عقود وقرون، وتتّخذ طابعاً فاشياً يشبه كل الحركات الانفصالية في العالم، والقسوة علامة راسخة في سلوكها مثل خطابها، والتعميم عنصر أساسي في التعبئة حتى لا يكون هناك مجال لأي تردّد أو ظن أو شك في هوية الآخر. لكنها، أيضاً، فاشية وإقصائية ليس فقط في وجه الآخر، بل أساساً وسط بيئتها، إذ لا تقبل صوتاً سائلاً أو مناقشاً، وتتعامل مع أبناء الرعية الرافضين على أنهم أهل ردّة وجب قتلهم قبل صياح الديك، وهو أمر حصل في كل العالم، وشهدناه في لبنان، عندما قرّر حزب الكتائب ومتفرعاته أن نقاوة الدماء تتطلب فحص الأقربين قبل الأبعدين، وأنه لا مجال حتى لدور خاص بالكنيسة، فإما أن تكون جزءاً من المعركة أو لا حاجة إليها وسيطاً للوصول إلى الإله المحفور اسمه أعلى السهم الموجّه إلى صدور الرافضين.

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار




مقتل شابين شمال لبنان والجيش ينفذ انتشاراً ويضبط أسلحة حربية وذخائر

نفّذَ الجيش اللبناني انتشاراً في منطقة القرنة السوداء شمال لبنان، إثر مقتل شابين بإطلاق نار، وضبط أسلحة حربية وكمية من الذخائر، وأوقف عدداً من الأشخاص.

وقال بيان صادر عن قيادة الجيش اللبناني، مساء اليوم السبت، إنه “بتاريخ أول تموز/يوليو 2023، تعرّضَ أحد المواطنين لإطلاق نار في منطقة القرنة السوداء، ما أدى إلى مقتله، كما قُتل لاحقاً مواطن آخر في المنطقة عينها. ونفذ الجيش انتشاراً في المنطقة، ويعمل على متابعة الموضوع لكشف ملابساته، كما أوقف عدداً من الأشخاص، وضبط أسلحة حربية وكمية من الذخائر”.

وأضاف البيان: ” لما كانت قيادة الجيش حذّرت، في بيان سابق بتاريخ 12 حزيران/يونيو 2023، المواطنين من الاقتراب من منطقة التدريب العسكرية في القرنة السوداء، تعيد التشديد على عدم اقتراب المواطنين كافة من هذه المنطقة تحت طائلة المسؤولية، وحفاظاً على سلامتهم، ومنعاً لوقوع حوادث مماثلة”.

وكانت “الوكالة الوطنية للإعلام” اللبنانية الرسمية قد أعلنت، في وقت سابق اليوم، عن “مقتل الشاب هيثم طوق في منطقة القرنة السوداء- بشري على يد قناصين، ويقوم طيران الجيش اللبناني في هذه الأثناء بتمشيط المنطقة، بحثاً عن المجرمين”.

من جهته تابع رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي “حادث مقتل الشاب هيثم طوق بالرصاص في منطقة القرنة السوداء، عبر سلسلة اتصالات، أبرزها مع قائد الجيش العماد جوزف عون والمراجع الأمنية والقضائية المختصة”، بحسب بيان صادر عن الموقع الرسمي لميقاتي.

وأعلن ميقاتي أن “هذه الحادثة مدانة، وستتم ملاحقة مرتكبيها وتوقيفهم ليأخذ القانون مجراه وليكونوا عبرة لغيرهم”. مشدداً، خلال اتصال مع نائب بشري السيدة ستريدا جعجع، على “ضرورة تحلي الجميع بالحكمة وعدم الانجرار إلى أي ردات فعل، خصوصاً في هذا الظرف الدقيق الذي نعيشه”.

ولاحقا أعلنت “الوكالة الوطنية للإعلام” اللبنانية الرسمية عن ” مقتل شاب ثان قنصاً في منطقة القرنة السوداء- بشري”.

المصدر: صحيفة القدس العربي




800 مليار ليرة تكفي فقط رواتب 18 شهراً: بلديّة بيروت إلى الإفلاس

تقف بلديّة بيروت على شفير الإفلاس. موجوداتها في مصرف لبنان لا تتعدّى 800 مليار ليرة، بالكاد تكفي لتسديد رواتب الموظفين والكلفة التشغيليّة لمقرها لـ 18 شهراً

بلدية العاصمة التي كانت أثرى البلديّات في لبنان، بمداخيلها وموجوداتها في مصرف لبنان، مُهدّدة بـ«إقفال أبوابها». في الغرف المغلقة، يتحدّث موظفون عن سوء أحوالهم. بعدما كانوا يتقاضون أجوراً أعلى من زملائهم في البلديات الأُخرى، ويتمتّعون بمعاشاتٍ تقاعديّة شهريّة وتغطية صحيّة مدى الحياة لهم ولعائلاتهم، لا يتعدى راتب غالبيتهم اليوم الـ150 دولاراً بعد إقرار رفع الأجور، فيما التغطية الصحيّة غير مؤمّنة إلا بـ«حلاة الروح»، وباتصالات شخصية يقوم بها مسؤولون مع رجال أعمال لتغطية فواتير استشفائية للمرضى، خصوصاً تلك المترتّبة عن عمليّات جراحيّة. أما ما كان يُحسب إنجازاً لرئيس البلديّة السابق بلال حمد بإدخال الموظفين المتقاعدين في جداول الرواتب الشهريّة والتغطية الصحيّة، فقد تحوّل إلى عبء يُثقل كاهل صندوق البلديّة الذي يقترب من الإفلاس.

منذ بدء الأزمة، تعيش البلدية «كل يوم بيومه»؛ لا هي قادرة على مد يد العون لأبناء العاصمة من الفقراء ولا عاد في وسعها تنفيذ أي مشروع إنمائي. فعلياً، البلدية باقية بفعل «الأيادي البيضاء» لجمعيّات وشخصيّات تنفّذ مشاريع في العاصمة و«تصرف» على بعض مستلزمات مقر البلديّة (كالهبة التي قدّمها رجال أعمال لتركيب ألواح طاقة شمسيّة لمبنى البلدية قبل نحو 3 أشهر). فيما يقتصر دور رئيس المجلس والأعضاء على «الرعاية الرسمية» وقصّ شرائط الافتتاح، من دون أن تكون لهم لا ناقة ولا جمل في ما يحصل، اللهم إلا الالتزام بـ«رد الجميل» من «كيس» البلديّة بخدمات و«تمريقات».

«دوّامة» الرواتب السبعة
البلدية الأثرى التي استردّت من الحكومة سابقاً ملف جمع وكنس نفايات العاصمة لأنّها اشتبهت برائحة فساد تفوح من العقود، وقفت على أبواب السراي الحكومي أياماً لتُعيد الملف إلى الصندوق البلدي المستقل قبل نحو شهرين، وإلا كان عليها أن تُسدّد مستحقّات شركة «رامكو» (60 مليون دولار سنوياً على تسعيرة 15 ألف ليرة) لمدّة 4 أشهر قبل أن تُشهر إفلاسها رسمياً!
هكذا، مرّ «قطوع» النفايات بسلام، لكن البلديّة عادت و«علقت» في دوّامة رفع رواتب الموظفين إلى 7 رواتب بعدما أوقفت مفاعيل التغطية الصحيّة الشاملة التي كانت تُكلفها ملايين الدولارات، واستثنت منها العمليّات الطارئة.

وبحسب معلومات «الأخبار»، يُقدّر عدد الموظفين الحاليين بنحو 1500 (نصفهم من المتعاقدين الذين يتمتّعون بتغطية صحيّة شاملة وبرواتب تُضاهي رواتب الموظفين الأصيلين)، و4 آلاف متقاعد يتلقّون رواتب وتغطية صحيّة شاملة مع عائلاتهم. وبالتالي، فإنّ رفع الأُجور سيُكلّف صندوق البلديّة 450 مليار ليرة لتسديد هذه الرواتب، ناهيك عن الكلفة التشغيلية لمقر البلدية (كتأمين المازوت مثلاً)، فيما لم يتبقّ من موجودات المجلس البلدي في مصرف لبنان سوى 800 مليار ليرة، بعدما كانت تُقدّر سابقاً بأكثر من 600 مليون دولار.
وعليه، فإنّ تسيير الأعمال بالطريقة المُعتادة يعني حُكماً أن تُشهر البلدية إفلاسها في غضون سنة ونصف سنة في حال حصرت إنفاقها فقط بدفع الرواتب وتسديد النفقات الأساسيّة لمقرّها، من دون أن تقوم بأي مشروعٍ، خصوصاً أنّ حصّتها من عائدات الصندوق البلدي المستقل الذي تقوم الحكومة بـ«تنقيطه» عليها لم تعد «محرزة».

لا مداخيل
في المقابل، لا تزال مداخيل البلديّة على «دولار الـ1500»، في ظل افتقادها إلى فريق جباية خاص وعدم جدولة المباني بحسب ترتيب المناطق، وتخلّف الكثير من القاطنين، وبينهم أصحاب فنادق «5 نجوم» في العاصمة، عن تسديد الضرائب، إضافة إلى «حيل» يقوم بها هؤلاء لخفض تخمينات القيمة التجارية، ناهيك عن امتناع كثيرين عن التصريح للبلدية تُفيد بسكنهم في المباني المنشأة حديثاً، وافتقاد البلدية للمداخيل التي كانت تجنيها من رخص البناء.

في بحثه عن مصادر دخل، استحصل محافظ بيروت القاضي مروان عبّود أخيراً على رأيٍ استشاري من ديوان المُحاسبة بإمكانية رفع القيم التأجيريّة لشقق العاصمة «بما يتناسب مع الأوضاع الحالية وحفاظاً على تسيير المرفق العام». فيما تُحضّر دائرة الهندسة دفاتر شروط بكل مواقف السيارات التابعة للبلدية للتحضير لمزايدات لتأجيرها بدل تلزيمها إلى محظيين بطريقة غير قانونية كما حصل في عهد المحافظ السابق زياد شبيب. فيما تعمل دائرة الأملاك على مسحٍ شامل لأملاك البلديّة، إذ إن لا «داتا» للبلدية عن أملاكها منذ عشرات السنوات، إضافة إلى عدم قيام المسؤولين السابقين بتسجيل عقارات تمّ شراؤها خلال العهود السابقة، ناهيك عن مئات الأملاك المُحتلة والمستثمرة من دون أن تكون مداخيلها لصالح البلدية.

كما «تُصارع» البلدية للاستحصال على فوائد أرباحها من أسهمها من شركة «سوليدير» التي تُريد الأخيرة تسديدها على «الـ1500»!

يُدرك عبّود أنّه يُسابق الزمن و«يُقامر» بالوقت لتأمين الموارد قبل إفلاس البلديّة فعلياً بعدما ورث جهازاً «متخماً» بالموظفين ويعشعش فيه الفساد. وهو بدأ أخيراً عمليّة ترشيد للإنفاق إلى حد «الخناق». لكنه يصطدم بعدم وجود جهوزيّة إداريّة وعدم إمكانيته الطلب من الموظفين زيادة جهودهم في ظل تآكل رواتبهم. رغم ذلك، يستنفر عبود موظفيه لزيادة المداخيل ووقف استنزاف أموال البلديّة، ويرفض في حديثه لـ«الأخبار» الإجابة عن سؤال عمّا سيحصل في حال عدم نجاح خطّته بالقول: «في أمل، وستؤمّن هذه الموارد»، مشدداً على «أنني لن أسمح بإعلان البلدية إفلاسها».

أموال البلدية في حسابات خاصة؟

منذ سنوات، يتردّد في أروقة البلديّة كلام عن وجود حسابات خاصة تغذيها أموال التقديمات الاجتماعيّة باسم اثنين من الموظفين المعتمدين لقبض المساعدات المرضيّة للموظفين والأُجراء السابقين، هما يوحنا أنطون وغسّان نُهرا، بذريعة القفز عن البيروقراطيّة الإداريّة والتسريع في إنجاز المعاملات، خصوصاً أنّ «أمين الصندوق المركزي في بلدية بيروت لا يستطيع تغذية صندوقنا بالمبالغ المطلوبة كوْنه يؤمّن المعاشات التقاعديّة شهرياً للمتقاعدين»، وفق ما ورد في كتاب الطلب الذي قدّمه نهرا وأنطون ووافق عليه محافظ بيروت.
هذا الحساب ليس جديداً، ويعود تاريخه إلى زمن المحافظ السابق زياد شبيب الذي ضرب بالقوانين عرضَ الحائط غير آبهٍ بقانون المُحاسبة العموميّة وتحديداً المادة 2 التي تنص على أنّ «الأموال العموميّة هي أموال الدولة والبلديّات، والمؤسسات العامة التابعة للدولة أو البلديات، وأموال سائر الأشخاص المعنويين ذوي الصفة العموميّة»، إضافة إلى المادة 243 التي «تحظر على الإدارات العامة والبلديات والمؤسسات العامة والأشخاص المعنويين المذكورين في المادة الثانية من هذا القانون فتح حسابات في المصارف الخاصة أو فتح حساب خاص بها في مصرف لبنان».

شبيب أدار الأُذن الطرشاء لكل الكتب التي وصلته من المصلحة الماليّة بمعارضتها للحسابات الخاصة التي لا يُمكن إنشاؤها من دون قرارٍ صادر عن مجلس الوزراء، ولا إلى هيئة التفتيش البلدي التي عادت ورضخت لطلبه بسبب تبعيّتها الإداريّة للمحافظ. هذا الأمر ترك الكثير من التساؤلات حول استغلال المال العام للمنفعة الشخصية وتحديداً إلى «بيت سر» المُحافظ باعتبار أن نُهرا وأنطون كانا من المحسوبين عليه.
ومع ذلك، لم يتمكّن أي من المتابعين إثبات أي مُخالفة مع وجود سريّة مصرفيّة تحمي هذه الحسابات، إضافة إلى تبرير رسمي لمصير هذه الأموال في حال وفاة أي من الموظفين، بأنّ نهرا وأنطون سبق لهما أن وقّعا على وكالةٍ لدى الكاتب بالعدل تُفيد بأن هذه الحسابات ليست شخصيّة وإنّما تتضمّن أموالاً عموميّة تعود لبلديّة بيروت، فيما يشير بعض المسؤولين إلى أنّ هذا «الأمر لا يكفي مع عدم وجود أي ضوابط على كيفيّة استخدام هذا الحساب».
وما يزيد الشكوك أن هذه الحسابات تعدّت في الكثير من الأحيان الأموال المخصّصة للتقديمات الاجتماعية، بل تتشعّب بحسب بيان عن حركتها خلال السنوات الماضية حصلت عليه «الأخبار»، لتصل إلى زينة الأعياد ونفقات لزوم مكتب المحافظ السابق.
ورغم المخالفات القانونية الأساسيّة التي تشوب إنشاء هذه الحسابات، لم يغيّر تعيين المحافظ القاضي مروان عبود في واقع الأمر شيئاً، إذ أبقى الأخير على الحسابات، وأحجم عن «كب» الأموال فيها يَمنةً ويَسرةً وحصرها برواتب الموظفين المتقاعدين، بحجّة الإبقاء عليها من أجل الضرورات الطارئة. والمستغرب أنّ قلّة من المسؤولين في المجلس البلدي تعرف تفاصيل عن هذا الحساب الذي يطغى عليه عنصر السريّة!

يُدرك عبّود أنّ هذا الأمر غير قانوني، لكنه يشير إلى أنّه غير قادر على توقيفه في ظل رفض المصارف فتح حسابات جديدة، إضافة إلى حاجة البلدية إلى هذه الحسابات لتسديد رواتب المتقاعدين. بالنسبة إلى عبود، فإنّ الحسابات لا يُمكن أن تُشكل أي مزراب هدرٍ أو فساد خصوصاً أنّ تدقيقاً مفصّلاً يشملها.

لينا فخر الدين

المصدر: صحيفة الأخبار




قاضية فرنسية تتهم مساعدة حاكم «مصرف لبنان» بـ«تبييض أموال»

قالت إنها جزء من «عصابة منظمة» ومنعتها من التواصل مع «المركزي»

وجّهت قاضية فرنسية إلى مساعدة حاكم مصرف لبنان السابقة ماريان الحويّك تهم فساد مالي، في ختام جلسة استماع عُقدت في باريس (الجمعة) في إطار التحقيقات الجارية حول ثروة رياض سلامة في أوروبا. وتحقّق دول أوروبية عدّة بينها فرنسا في ثروة سلامة. ويشتبه المحقّقون في أنّ حاكم المصرف المركزي اللبناني راكم أصولاً عقارية ومصرفية عبر مخطّط مالي معقّد، فضلاً عن إساءته استخدام أموال عامة لبنانية على نطاق واسع خلال تولّيه حاكمية مصرف لبنان منذ أكثر من ثلاثة عقود. ويشتبه القضاء الفرنسي بأنّ الحويك أدت دوراً بارزاً في هذا المخطّط.

ونقلت وكالة «فرنس برس» عن مصدر قضائي أنّ قاضية التحقيق وجّهت إلى الحويّك تهمتي «تشكيل عصبة أشرار إجرامية وتبييض أموال» في إطار عصابة منظّمة. وأضاف أنّ قاضية التحقيق أمرت بوضع الحويّك تحت مراقبة قضائية وبمنعها من التواصل مع مصرف لبنان المركزي أو العمل فيه وبإلزامها بدفع ضمان مالي بقيمة 1.5 مليون يورو.

وعلّق وكيل الدفاع عن الحويك المحامي ماريو ستاسي على قرار قاضية التحقيق بالقول إنّ موكّلته «تنفي الاتّهامات وستقدّم الأدلّة التي تؤكّد أنّ الأموال المجمّعة أتت بشكل أساسي من هبة منحها إياها والدها الذي كان رجل أعمال ثرياً».

ومثلت الحويك (43 عاماً) نهار الجمعة أمام قاضية التحقيق التي استمعت إليها طوال النهار، واستجوبتها خصوصاً بشأن دورها المفترض في تحويلات مالية مشبوهة بين مصرف لبنان وحسابات مصرفية أوروبية. وكان القضاء الفرنسي وجّه الاتهام نفسه في نهاية مارس (آذار) الماضي إلى مروان خير الدين، الوزير السابق ورئيس مجلس إدارة «بنك الموارد»، وهو مصرف لبناني خاص. كما وجّه اتهامات في يونيو (حزيران) 2022 إلى الأوكرانية آنا ك. القريبة من سلامة. وتشكّل ثروة سلامة محور تحقيقات في لبنان وخارجه، حيث تلاحقه شبهات عدّة بينها اختلاس أموال وغسلها وتحويلها إلى حسابات في الخارج.

وتنتهي ولاية سلامة (72 عاماً) حاكماً للمصرف المركزي في نهاية يوليو (تمّوز) الحالي، وهو ينفي الاتّهامات الموجّهة إليه، ويعتبر أنّ ملاحقته تأتي في سياق حملة سياسية وإعلامية «لتشويه» صورته. وتغيّب سلامة في 16 مايو (أيار) عن جلسة استجواب في باريس، فعمدت إثرها القاضية أود بوريزي التي تقود التحقيقات إلى إصدار مذكرة توقيف في حقّه. وبعدما تسلّم نشرة حمراء من «الإنتربول» بناء على مذكرة التوقيف الفرنسية، قرّر القضاء اللبناني منعه من السفر وصادر جوازي سفره اللبناني والفرنسي.

وزار محقّقون أوروبيون بيروت ثلاث مرات خلال العام الحالي، واستمعوا إلى مديري مصارف وموظفين حاليين وسابقين في مصرف لبنان، واستجوبوا سلامة في مارس. وفي مارس 2022، جمّدت فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ أصولاً لبنانية بقيمة 120 مليون يورو للاشتباه بأنّ مالكها هو سلامة. واتُّخذ هذا الإجراء في إطار تحقيق يطال سلامة وأربعة من القريبين منه، بينهم شقيقه رجا سلامة ومساعدته ماريان الحويك، بتهم غسل أموال و«اختلاس أموال عامة في لبنان بقيمة أكثر من 330 مليون دولار و5 ملايين يورو على التوالي، بين 2002 و2021».

وكانت الحويّك قالت في مايو خلال جلسة استجواب أمام قاضٍ لبناني: «لم أعمل بتاتاً في إدارة الشؤون اليومية لحاكم مصرف لبنان». وأوضحت أنّها تقاضت خلال ستّ سنوات، إضافة إلى راتبها، مبلغاً «يناهز 800 ألف دولار أميركي» في إطار عملها ضمن مشروع للاقتصاد الرقمي نفّذه مصرف لبنان. وهذا المبلغ الذي حُوّل إلى حساب في سويسرا جَمَّدتهُ السلطات السويسرية. وقالت الحويّك إنّها لم تشعر «بالقلق لأن هذا المبلغ دُفع من الحساب الشخصي للمحافظ».

وتُصدر محكمة الاستئناف في باريس (الثلاثاء) المقبل حُكمها في مدى قانونية إجراءات الحجز المنفّذة على أصول عقارية وأموال لسلامة في أوروبا، بعدما طعن وكلاء الدفاع عنه بهذه الإجراءات. وتشمل إجراءات الحجز المطعون بها شققاً في مناطق راقية في باريس، وأخرى في بريطانيا وبلجيكا، وحسابات مصرفية.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط