1

التصعيد جنوباً من ضمّ الغجر إلى استفزازات الحدود: ماذا ستفعل المقاومة لمواجهة توسّع اعتداءات العدو؟

مع ضمّ العدو الجزء اللبناني من قرية الغجر الحدودية، يعود التصعيد ليُلقي بظلاله على الحدود جنوباً. فهل تؤدي هذه الإجراءات إلى مواجهة؟ السؤال بات معقولاً جداً، وإن اختلفت إجاباته

رفع العدو من احتمالات التصعيد في مواجهة الساحة اللبنانية بعد إجراءاته لضم القسم الشمالي اللبناني من قرية الغجر: عمليات التسييج ووضع جدران إسمنتية حول البلدة داخل الأراضي اللبنانية، تفتح الميدان على أكثر من احتمال، وخصوصاً أنّ بيان إدانة الإجراءات الصادر عن حزب الله واضح في دلالته إلى تصعيد مقبل، وإن تعذّر من الآن الحديث عن مستوى مثل هذا التصعيد وحدوده.

والحديث عن قرب نشوب حرب بين إسرائيل وحزب الله قديم، ويتجدّد دورياً منذ سنوات طويلة، وإن كان هذه المرة مختلفاً عن السابق في منطلقاته وفي احتمالات حدوث الحرب، ويشبه إلى حد كبير التصعيد الذي كاد يتسبّب بمواجهة واسعة على خلفية الخلاف على الحدود البحرية العام الماضي.
ولا خلاف في أن العامين الماضيين، وربما أبعد من ذلك، كانا مشبعين بالاحتكاكات بين المقاومة والعدو على طول خط الجبهة، وما وراءه، بين أحداث أُعلن عنها وأخرى لا تزال مخفية عن الجمهور. لكن معظمها كان احتكاكاً استفزازياً موضعياً لا يدل على توجّهات عدائية للحرب، سواء لدى المبادر إليها أو من يتلقّاها.

إلا أن عدداً من الأحداث كان لافتاً، أخيراً، وكافياً ليكون سبباً للمواجهة، في حال كانت مطلوبة من أحدهما وفي حال كان ينتظر فرصة إخراجها إلى حيّز التنفيذ، وهو ما لم يحدث إلى الآن.
من الحوادث المسجّلة ما يعلن وما لا يعلن، وهو أيضاً معطى يتوافق مع إرادة اللاحرب وإن كان لا يلغيها: تعدٍّ وتجاوزٌ للحدود، «تعليم» طرف على آخر، احتكاك مادي تخللته مشادة وتضارب بالأيدي وصفعات، سحب سلاح وتوجيهه من دون إطلاق نار، أو إطلاق نار ترهيبي في الهواء يتبعه رد متناسب، فيما محاولات ترهيب المدنيين، وتحديداً من الجانب الإسرائيلي، عبر الصراخ وتوجيه السلاح وفي أحيان إطلاق نار في الهواء وإلقاء قنابل دخانية، باتت سمة فعل العدو، إلى أن ارتدع عنها.
في الموازاة، سجلت أحداث وخروق وازنة نسبياً، أُعلن عن القليل منها وبقي أكثرها خافياً. لكن، في كل مرة كان الجانبان يقتربان من المواجهة، حتى ولو محدودة وموضعية، كان أحد الطرفين يتراجع وينكفئ، وتحديداً من كان يتسبّب بالحادث. لكن، كما يبدو، مسار التحول والتراجع في هذه المعادلة بات هو السائد أخيراً في موازاة ارتفاع وزن الاحتكاكات ودلالاتها.
وفقاً لما يرد في إعلام تل أبيب، لم تعد قوة الرضوان التي يقال إنها تنتشر على طول الحدود مع فلسطين المحتلة، مؤلفة من بضع عشرات أو مئات ممن يقول العدو إنهم قاتلوا في سوريا ونُشروا على الحدود أو بالقرب منها بعد انتهاء مهماتهم هناك. إذ تشير التقارير العبرية إلى عدد من الألوية وإلى أكثر من 15 كتيبة. المهمة واضحة: الردّ الدفاعي على الاعتداءات البرية وصدّها، واجتياز الحدود في الحرب المقبلة، ونقل المعركة إلى أرض العدو.

قوة كبيرة كهذه من شأنها أن تعبّر عن نفسها بأفعال ميدانية تتعلق بأمنها، كالرصد والمراقبة وإجراءات الحماية والكمائن وتأسيس مواقع نظامية ومتنقلة مع جهد لوجستي يتناسب مع انتشارها في الميدان، فيما لا تنقطع عن المناورات والتدريبات، انطلاقاً من طبيعة مهمتها واختصاصها.
في المقابل، سعت إسرائيل مع انتشار قوة الرضوان إلى ما أمكن لتصعيب مهمتها في حال طُلب منها اجتياز الحدود وفقاً لما هو مخطط له. وهي إجراءات وقائية من شأنها أن تصعّب المهمة، لكنها لا تلغيها، كالكشف كما تقول إسرائيل عن أنفاق، أو تبديل الشريط الشائك بعوائق إسمنتية، وعمليات تجريف وتغيير في طبيعة الأرض.
سبقت كل ذلك وواكبته إلى الآن، سياسة إطلاق التهديدات والوعيد بالدمار والأذية، والإعلان عن تدريبات ومناورات تنتهي دائماً بنجاح مبهر! لمواجهة خرق الرضوان، وبين الحين والآخر الإعلان عن وسيلة قتالية ما واعتبارها سلاح «يوم الدين» في أي مواجهة مقبلة.
بين التهويل والتهديدات وبين الأفعال فارق كبير جداً. وهو ما ثبت أكثر من مرة في العامين الأخيرين في أكثر من حادثة كبيرة أو صغيرة، سجلت بين الجانبين. لكن، هل يسري ذلك على الغجر؟ وماذا عما هو دون الحرب؟ وما هو الفعل الذي لا يستتبع بالضرورة مواجهة؟ وماذا عن مواجهة محدودة لا تقود إلى حرب واسعة؟ وهل يسع الميدان أن يستوعب مواجهة أيام قتالية من دون أن ينزلق إلى ما هو أشمل وأوسع؟

في ما يرتبط بالمرحلة، المفارقة واضحة: كانت إسرائيل تبحث في المتغيرات التي من شأنها أن تضغط على حزب الله لمنعه من الرد على اعتداءاتها أو إلى أن يرد شكلياً، لكن بما يسمح للعدو بتغيير قواعد الاشتباك. إلا أن المهمة الآن باتت مختلفة، والعدو يبحث في المتغيرات التي تدفع حزب الله إلى تجاوز قواعد الاشتباك، للرد بما لا يتناسب ويزيد عن أي عدوان إسرائيلي تجاه الساحة اللبنانية وما يرتبط بها من ساحات، ناهيك عن المبادرة ابتداء.
وما تبحث عنه طاولة القرار في تل أبيب لا يقتصر على المتغيرات في الساحة اللبنانية، بل امتد أيضاً إلى الداخل الإسرائيلي الذي بات مشبعاً بالأزمات، وهو ما يعد متغيراً مناسباً لدفع حزب الله إلى التحرك ضد إسرائيل، كون متغير الأزمات يدفعها إلى الانكفاء والامتناع عن المبادرة وعن الرد.
المعضلة لدى صانع القرار الإسرائيلي هي في كيفية تغيير قناعات حزب الله بأن تل أبيب مقيدة اليد تجاه أي مواجهة بينية، وإقناعه بأنها جاهزة لتفعيل قدراتها العسكرية، تحديداً في الرد على ما تسميه «استفزازات» الحزب، فهل ينجح في مسعاه؟ النتيجة موضع شك كبير جداً. واحدة من المعضلات الإسرائيلية هي أن ما يقنع حزب الله ويدفعه إلى تغيير تقديراته بأن إسرائيل منكفئة عنه، هو أن يقدم العدو على استعراض للقوة وتفعيلها في لبنان، سواء بالمبادرة إلى ذلك أو رداً على «الاستفزازات». إلا أن هذه المبادرة لا تلغي أبداً أنّ إسرائيل غير معنية بالتصعيد في مواجهة الساحة التي يكمن فيها منسوب مرتفع من الإيذاء إن تسببت هي في إثارتها، ما يعني أن الحل هو سبب في زيادة المشكلة، وهي معضلة إسرائيلية مركّبة ومتداخلة.

قبل أيام صدر عن وزير حرب العدو يوآف غالنت حديث تهديدي موجه للبنان، وإن كان – للمفارقة – يعزّز من تقدير واقع الانكفاء الإسرائيلي عن الساحة اللبنانية. فتعليقاً على صاروخ أطلق على «الأراضي الإسرائيلية» من لبنان، قال غالنت إنه «في مواجهة أي انتهاك لسيادتنا وتحدّ لوجودنا في بلادنا، سنرد في المكان والزمان اللذين نختارهما، وبطرق علنية وسرية». وهو حديث تهديدي يدعو إلى الطمأنة نسبياً، وإن كان المقصود منه «ترهيب» الطرف الثاني، إلا أنه يظهر محدودية الخيارات الإسرائيلية المتطرفة في وجه لبنان.
إلا أن ما ورد، رغم سلامة مقدماته، لا يتوافق ولا يفسر إجراءات إسرائيل في الغجر؟ فهل اختلف موقفها وباتت جاهزة للرهان والمجازفة؟ الأسئلة لا تنقطع.

في المقابل، يقدّر حزب الله حدود الفعل الذي يقضي إلى مواجهة وذاك الذي لا يفضي إليها، رغم أن في تقديراته بعض الجرأة. إلا أن معظم إجراءاته وأفعاله تستند إلى مشروعية الفعل ومبدأ الرد على اعتداءات. جزء كبير من الحوادث والاحتكاكات التي بادر إليها جاءت رداً على أفعال إسرائيلية عدائية، مع مخاطرة بين الحين والآخر، بما تسمح، ويرى هو أنها تسمح به، قواعد الاشتباك و«المتغيرات»، سواء في لبنان أو في إسرائيل.
واحدة من ميزات موقف حزب الله تجاه الغجر أن أي فعل سيبادر إليه ضد العدو، يبقى في دائرة الرد على اعتداء صارخ للسيادة اللبنانية، وهو فعل لبناني يتناسب، مهما كان متطرفاً، على فعل إسرائيلي اعتدائي كبير جداً، ويضفي شرعية على فعل المقاومة، ويبرر موجباته، والتوثب إلى تنفيذه. فهل تبقى الأمور على ما هي عليه من دون الانزلاق إلى مواجهة؟
تسييج القسم اللبناني من الغجر لا يلغي لبنانية هذه المنطقة. لكنه قد يتسبب بإلغاء، أو السماح بتجاوز، قواعد الاشتباك وخرقها بتطرف.
وبناءً عليه، يمكن القول اليوم: نعم، لكنها نعم نسبية إزاء ارتفاع احتمال نشوب الحرب، وهو ما لا يجب أن يتجادل فيه اثنان، رغم أن الحرب نفسها، ما زالت غير حتمية.

الغجر: إسرائيل تستفيد من واقع ساهمت في صناعته
تصدّرت قرية الغجر المحتلة المشهد السياسي والإعلامي في الأيام القليلة الماضية بعد انتهاء إسرائيل من أعمال ضمّ القسم اللبناني منها إلى الأراضي السورية المحتلة بواسطة سياج حديدي. لكنّ الغجر، التي بدأت القوات الإسرائيلية أعمال ضمّ جزئها اللبناني منذ العام الماضي، تُعتبر بؤرة قابلة للاشتعال نظراً إلى عوامل عديدة أهمها ضمّ القسم اللبناني منها بالقوة، ما جعله محتلاً ويخضع لـ«جهود ومساعي التحرير».
حتى حزيران 1967، كانت الغجر تُعتبر سورية، وخاضعة بالفعل للإدارة السورية، ويحمل سكانها الجنسية السورية، وكانت حكومة دمشق تفكر في تغيير اسمها إلى «المثلث» لأنها تقع على حدود ثلاثة بلدان: سوريا ولبنان وفلسطين. في حرب الأيام الستة، وفي العاشر من حزيران 1967 تحديداً، احتلت القوات الإسرائيلية القرية التي لم تكن قد سقطت قبل ذلك، خصوصاً أن الجيش الإسرائيلي عندما احتل هضبة الجولان السورية لم يدخل الغجر معتبراً إيّاها أراضيَ لبنانية بحسب الخرائط البريطانية التي كانت في حوزته. بعد أشهر من ذلك، دخلت القوات الإسرائيلية القرية ووضعتها تحت إدارتها، وفي عام 1982 منحت إسرائيل جنسيتها لأهالي الغجر الذين صاروا يُعتبرون «مواطنين إسرائيليين على أراضي العدو». وانسحبت إسرائيل من شمال الغجر عام 2000 عندما أنهت احتلالها للجنوب الذي استمر 22 عاماً، لكنّ لبنان لم يستعد سيادته إلا على تخوم القرية، قبل أن تعاود إسرائيل احتلالها مرة أخرى خلال حرب تموز 2006، ولم تنسحب منها. ومنذ عام 1978 حتى عام 2000، بقيت عملية البناء والتمدد العمراني مستمرة، حتى غطّت الجزء اللبناني من الغجر.

اليوم، أكملت إسرائيل استفادتها من الواقع الذي ساهمت في صنعه في الغجر، إذ بات التداخل السكاني – العمراني هناك عاملاً مساعداً لتل أبيب في تضييع هوية الأرض من جهة، ومعرقلاً للجهود الرسمية اللبنانية المقابِلة من جهة أخرى. فيما رسمت الأسلاك الشائكة حول القسم اللبناني من الغجر، مشهداً غامضاً حيال مستقبل الهدوء الحذر الذي كان يلفّ المنطقة.


الخيم معضلة إسرائيلية جديدة
تتصرّف قيادة العدو على أساس أن هناك مساراً جديداً انطلق على الجبهة الشمالية، وأن حزب الله يتصرّف كمن انتقل إلى مستوى مختلف من التعامل مع الوضع على الأرض. ويأخذ قادة العدو في الحسبان ما يصفونه بـ«جرأة» حزب الله على القيام بأمور غير آبه بردّ فعل إسرائيل، ما يعكس اختلالاً في موقف تل أبيب من تطورات الساحة الشمالية. وفي هذا السياق، تحوَّلت الخيم التي نصبها حزب الله في منطقة مزارع شبعا إلى معضلة جدية تواجه حكومة العدو ومؤسسات القرار الأمني في كيانه. علماً أن الإسرائيليين يحرصون على إخفاء التقديرات والمواقف المتداوَلة داخل المؤسستين السياسية والأمنية، في محاولة لتقديمها كما لو أنها مُجمعة على قراءة واحدة وقرار واحد، للتخفيف من وطأة الانكفاء المفروض عليها في مقابل تحدّي الخيم.
وبحسب متابعين، فإن «الأداء المنضبط للمستويين السياسي والأمني يكشف عن المأزق، وأن العدو حاول في بادئ الأمر تفادي هذا التحدي عبر إبقائه خارج الأضواء. لكن مع خروجه إلى العلن تحوّل إلى تحدّ مركّب بعدما دخل العامل الداخلي الإسرائيلي على خط المواقف والتفاعل معه». وقال هؤلاء إن «التعتيم على هذه القضية وإبقاءَها بعيداً عن الواجهة السياسية والإعلامية لم يعودا خياراً في المرحلة الحالية. وفي المقابل، من الصعب تأجيل البحث فيها إلى أمد مفتوح، خصوصاً إزاء مخاطر إقدام قوات الاحتلال على محاولة إخلاء الخيم بالقوة». وأشاروا إلى أن «بقاء الخيمتين في أراض سيادية (وفق الخطاب الرسمي الإسرائيلي) سيحوّلها إلى سابقة يتم الاستناد إليها في أكثر من اتجاه أمني وردعي وسياسي. وبالتالي، يخشى العدو من تحوّل انكفائه عن ملف الخيمتين إلى محطة انطلاق نحو تمدّدهما لاحقاً، أو تكرار هذا النموذج في أكثر من بقعة لبنانية تحتلها إسرائيل بما فيها تلك التي تمتد على الخط الأزرق».

وشرح المتابعون أن «العنوان الأبرز في هذه القضية يتعلق بمعادلة الردع القائمة، إذ شكّلت خيم حزب الله محطة إضافية في تعزيز صورة ردعه، مقابل تآكل صورة الردع الإسرائيلي». ولفت هؤلاء إلى أن هذا الملف شكّل «تحدياً مباشراً لحكومة بنيامين نتنياهو التي تواجه المأزق الداخلي الذي تصاعد أخيراً».
يشار الى ان قوات الاحتلال أعلنت انها ستجري مناورات عسكرية في سهل الحولة والجولان المحتل، في المنطقة الشمالية، ابتداء من ليل امس حتى الخميس المقبل. وسيتم اغلاق طرقات رئيسية في المنطقة.

يحيى دبوق

المصدر: صحيفة الأخبار




من المقاومة والرئاسة إلى الاقتصاد: الهروب من السؤال الصعب

ذات مرة، تحدث نقيب أصحاب الفنادق في لبنان، بيار الأشقر، عن الأزمة قائلاً: «لبنان يحكمه مجلس إدارة يضم الجميع. كانت الأمور تسير بشكل جيد. كانت هناك أخطاء، وكانت هناك مراعاة لمصالح ومطالب هذا العضو أو ذاك، لكن، فجأة، قرر أحد أعضاء مجلس الإدارة قلب الطاولة». وعندما سُئل عمّن يقصد، أجاب بصوت منخفض: حزب الله!

الكلام العلني للأشقر، يمكن أن يُسمع مثله مع تفاصيل إضافية في الجلسات المغلقة. وهو نقاش يختصر أزمة البلاد بما يعانيه قطاع الخدمات السياحية، باعتباره كان دوماً أساسياً في الناتج القومي، قبل أن يصبح هذا الناتج، في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية، معتمداً في شكل شبه حصري على السياحة، بعدما أدّت السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية التي اعتُمدت مع الراحل رفيق الحريري الى تراجع بقية القطاعات الإنتاجية، كالصناعة والزراعة والصناعات التحويلية، وارتضى لبنان أن يكون المتعلّمون فيه موظفين في مؤسسات غنية خارجه، مع محاولات خجولة لإنتاج محلي يستقطب خبرات لبنانية متطورة في العلوم الحديثة.

وفق تفسيرات الأشقر، تبدو الأمور منطقية. الرجل يقول إن السياحة تقوم على ما توفّره من خدمات تستقطب الراغبين بالمجيء الى لبنان طلباً للراحة والترفيه. ويركّز أصحاب هذا الرأي على أبناء الخليج العربي، والأثرياء العرب من بقية الدول العربية، وقسم من غير العرب. وفي كل مرة يستعيد فيها أصحاب هذا القطاع سردية «الزمن الجميل»، يقدّمون لنا روايات وحكايات عن السيّاح الخليجيين الذين ينفقون أموالاً كثيرة، وعن النشاط العقاري والخدماتي الذي يرافق قدومهم الى لبنان.
وفق نظرية الأشقر، فإن امتناع الخليجيين عن القدوم الى لبنان سببه أعمال المقاومة في لبنان وخارجه. وهو تحدث عن ذلك في ذروة الغضب الخليجي على لبنان ربطاً بما اعتُبر «تدخل» المقاومة في سوريا والعراق واليمن. وما قاله الأشقر ينطبق على قطاعات أخرى كانت عمود اقتصاد الريع الذي قام بعد الحرب الأهلية، وخصوصاً القطاع المصرفي. إذ يرى النافذون فيه أن المشكلة السياسية سببها المقاومة التي تسبّبت بهروب الرساميل العربية والخليجية على وجه الخصوص من مصارف لبنان، وفي إجراءات حدّت من تدفق الرساميل، سواء من خلال العقوبات المباشرة التي فرضتها واشنطن باسم مكافحة الإرهاب وتبييض الأموال، أو عبر الانقطاع الخليجي العربي عن لبنان.
في الحالتين، يخال المرء أن إعلان المقاومة اعتزالها عن العمل سيقلب الأمور في لبنان رأساً على عقب. ويمكن تخيّل دعاية تلفزيونية هوليودية، فيها متاجر تتوسّع، ومطار يكبر، وطرقات تُشقّ، ومئات الآلاف يتدفقون عبر المعابر، واكتظاظ في خزائن المصارف اللبنانية، ونموّ صاروخي للاقتصاد، وارتفاع في حجم السيولة بالعملات الصعبة. تصبح القصة كلها على طريقة صناعة الأمل في الأفلام الأميركية.

لكن اللافت أن هؤلاء يتجاهلون، عن عمد، عشر سنوات من التعايش بين مشروع الحريري والمقاومة. وما من أحد منهم يتحدّث عن سر تدفق الأموال والسيّاح وعودة المهاجرين في السنوات حين كانت المعارك على أشدّها بين المقاومة وقوات الاحتلال، وحين شنّ العدوّ حربين قاسيتين عامَي 1993 و1996، ولم تسلم مناطق ولا منشآت لبنانية مدنية من جنونه. رغم ذلك، لم يكن أحد يرفع الصوت اعتراضاً، ولم يشر هؤلاء إلى مشكلات تواجه النموذج الاقتصادي الاستهلاكي الذي كرّسته سياسات الحريري ومعه كل من تعاقبوا على الحكم، لا بل كان بينهم من يشيد – ولو رياءً – ببطولات المقاومين وتضحياتهم، وكانت الأمور «ماشية» طالما أنّ أحداً لا يتحدث عن عناصر الأزمة البنيوية في النموذج الاقتصادي نفسه… حتى إذا ما وقعت الأزمة، رفض كل من استفادوا من «سنوات الرخاء» فكرة أن النموذج «خربان» من داخله، وألقوا باللوم على «السياسيين الطمّاعين الذين فرضوا على المصرف المركزي والمصارف استعمال ودائع الناس».

مشكلة هؤلاء ليست في أنهم لا يريدون تحمّل كلفة خيار المقاومة، وهذا حقهم، بل في أنهم يفترضون أن بقية اللبنانيين يريدون تحمّل كلفة خيارهم الاقتصادي بعدما كانت نتيجته دماراً شاملاً، ويعتقدون بأن غالبية لبنانية ستقبل بحلول تناسب أقلية كانت، ولا تزال، تمسك بمفاصل القطاعين المالي والاقتصادي، وتتحكم بـ«سوق المضاربة» الذي يحكم لبنان اليوم، ويقضي على بقية ودائع الناس.
اليوم، يأخذ النقاش حول الرئاسة استراحة نتيجة الاستعصاء العام، داخلياً وخارجياً. مع ذلك، لا يريد أحد الدخول في نقاش فعلي حول النموذج المفترض أن يأتي الرئيس الجديد للعمل على تقديمه بديلاً عما كان قائماً. وهو نقاش غائب حتى عن البديل المفترض من رياض سلامة بعد خروجه من حاكمية مصرف لبنان، ولا أحد يتطرّق الى آلية الفصل بين إدارة السياسة النقدية وإدارة السياسة المالية للدولة. بل يتركز البحث حول ما إذا كانت الولايات المتحدة راضية عن البديل الذي ينبغي أن يكون «ابن سوق»، يعرف كيف يتعامل مع «الزعران من السياسيين والمصرفيين والصرافين». حتى صار المرء يتوقع أن التوصيف الوظيفي لمنصب الحاكم مناسب لحارس على باب ملهي ليلي.
عملياً، كلما اقترب النقاش الحقيقي من أصل المشكلة ظهرت عوارض الأمراض اللبنانية التي لم تعالج يوماً. من حقّ كثيرين أن يطرحوا سؤالاً حول أيّ نظام يريده اللبنانيون اليوم. وهو سؤال لا تفرض الإجابات عنه انقساماً في الرأي يقود الى تقسيم للبلاد، بل تفرضه تطوّرات حصلت في كل العالم، وكانت هناك إجابات أبقت على البلاد موحّدة، وفتحت باب العلاجات الحقيقية.

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار




نتائج تحقيقات حادثة القرنة السوداء

بعد عشرة أيام على حادثة القرنة السوداء، باتت لدى الأجهزة القضائية ومخابرات الجيش اللبناني، رواية شبه كاملة لمقتل الشابين هيثم ومالك طوق. وفيما يحفل البلد، بعشرات الاشتباكات «الأهلية» سنوياً، ويسقط جرحى وقتلى لأسباب مناطقية وسياسية ومالية وشخصيّة، وبسبب «الضجر» في بعض الأحيان، تحوّلت الحادثة إلى محرّك لإيقاظ الغرائز والعصبيات الطائفية، وتحريك خطوط التّماس الوهمية.

لا شكّ في أن الصراع على الموارد وخلافات حدود القرى لن يقف عند القرنة السوداء، بل تكاد كل منطقة تغرق بنزاعاتها الصغيرة مع تحلّل دور الدولة تدريجاً وتراجع المناعة الوطنية أمام العصبيات والاستثمار السياسي. لكن لا يمكن إغفال الدعوات التي سبقت الحادثة ورفع بعض القوى السياسية خطاب الفدرالية والتقسيم، ومحاولتها استغلال الحادثة.
غالبية المصادر الأمنية والقضائية التي تحدّثت إليها «الأخبار» باتت على شبه يقين بأن هيثم طوق قُتل في تبادل لإطلاق النار بين شبّان من بلدتي بشري وبقاعصفرين، كنتيجة للمناوشات الدائمة في المنطقة والصراع على ثلاجات المياه وعلى المراعي. وبحسب المعلومات، فإن الاشتباك حصل بعد قطع شبان من بشري قسطلاً للمياه كان بعض أهالي بقاعصفرين قد مدّوه لجرّ مياه إحدى الثلاجات إلى مزروعاتهم في المنطقة، إذ يشير وجود عدد كبير من المظاريف الفارغة إلى حصول اشتباك بين مجموعتين، وأن طوق أصيب برصاصة لبندقية روسية معروفة باسم «زاخاروف» أو «بن لادن» من مسافة حوالي 160 متراً، ما ينسف نظريّة القنص، كما أن هذا النوع من البنادق موجود في حوزة الطرفين، مع ترجيح بأن هيثم قُتل برصاص شبّان من آل د. من بقاعصفرين.

بعد إصابة طوق، نقله شبان من بشري إلى المستشفى، فيما توجّهت مجموعات كبيرة من المسلحين من البلدة نحو الجرد بهدف الانتقام لمقتله. إلّا أن الجيش اللبناني كان قد باشر بإرسال قوّات خاصة بصورة عاجلة إلى المنطقة اعتمدت في تنقلاتها على آليات «atv»، وعلى مروحية عسكرية وطائرة سيسنا (وثّقت بالصور جزءاً كبيراً من الأحداث).

لدى وصول القوات الخاصة إلى الجرود، تعرّضت عدّة مرّات لإطلاق نيران من مسلّحين آتين من اتجاه بشرّي. وبحسب المعلومات، فإن موقوفين لدى المخابرات برّروا إطلاق النار على الجيش باعتقادهم أن الآليات تعود لحزب الله، وهو ما لم يقتنع المحقّقون به. ورغم أن الجيش حاول تفادي الردّ على مصادر النيران، إلّا أن تكرار الأمر اضطر الجنود للدفاع عن أنفسهم والردّ على مصادر النيران، فتعرّض مالك جرمانوس طوق إلى إصابة أدّت لاحقاً إلى وفاته. إلّا أن إصابة مالك لم تردع المسلحين عن استهداف الجيش، فتدخّلت المروحية وأطلقت النار من مسافة حوالي 100 متر على سيارة سوداء رباعية الدفع وأجبرت أربعة مسلحين في داخلها على تركها ورمي أسلحتهم ثم الاستسلام، ليتبيّن لاحقاً إصابة مالك.

ويستمر التحقيق مع أربعة موقوفين من بشرّي وعشرة موقوفين من بقاعصفرين للوصول إلى الرواية الكاملة.
في الجزء المتعلّق بمقتل هيثم، فإن الحادثة لا تخرج عن إطار الصراعات المعتادة بين سكان المناطق التي تشهد نزاعات عقارية، ويمكن للقضاء العدلي العادي متابعتها، كما يحصل الآن من قبل قاضي التحقيق الأول في الشمال سمرندا نصّار، كون الجريمة عدلية عادية، ووضعها في هذا الإطار يسحب الذرائع ممن يريد تحويلها إلى قضية أمن قومي لأهداف سياسية وطائفية. أما بخصوص مقتل مالك، فإن القضية من اختصاص المحكمة العسكرية، لقيام مسلحين بالاعتداء على الجيش ودفاع الجنود عن أنفسهم. ومن غير الواضح إذا كان الملفّ سيتم دمجه أو التعامل مع القضيتين بصورة منفصلة، لكنّ المؤكّد أن ما حصل في تلك الليلة ليس دليلاً على وجود «ثقافتين»، ولا على وجود «حدود» بين المناطق والطوائف، بل على وجود ثقافة الدم في كل مكان.

فراس الشوفي

المصدر: صحيفة الأخبار




سخونة في مزارع شبعا والغجر: اختبار أول يفتح على سيناريوهات عديدة

شهدت «جبهة الغجر» أمس تطورين لافتَين، تمثّل الأول ببيان لحزب الله تعليقاً على ضم قوات الاحتلال الإسرائيلي للقسم الشمالي من بلدة الغجر إلى الأراضي السورية المحتلة، بعد تطويقها بسياج حديدي جديد عزَلَها عن امتدادها اللبناني. والثاني، تمثّل بـ«رسالة صاروخية مزدوجة مجهولة المصدر» تلقتها تل أبيب مع سقوط صاروخ في القسم اللبناني من البلدة، وآخر في محيط سهل المجيدية اللبنانية المحتلة.

الحدثان المرتبطان ظاهرياً وعضوياً يمثلان مدخلاً لتصعيد تتزايد احتمالاته مع تجمّع المؤشرات والدوافع. وقد ظهر حزب الله في بيانه الأخير ربطاً بالإجراءات الإسرائيلية في الغجر، كمن يُلقي الحجة ويضع كل الأطراف أمام مسؤولياتها. داخلياً، بدءًا من الدولة اللبنانية بكافة مؤسساتها، لا سيّما الحكومة، ‏وصولاً إلى الشعب بل قواه السياسية والأهلية. وخارجياً، انطلاقاً من الأمم المتحدة التي تعترف بالقسم اللبناني من الغجر باعتباره جزءًا من ‏الأراضي اللبنانية لا نقاش فيه ولا نزاع حوله، وانتهاءً بإسرائيل التي اعتبر الحزب أن ما قامت به من «احتلال كامل للقسم اللبناني من بلدة الغجر بقوة ‏السلاح وفرض الأمر الواقع فيها، ليس مجرد خرق روتيني مما اعتادته قوات الاحتلال ‏بين الفينة والأخرى».‏

الردّ الإسرائيلي على «مصادر إطلاق الصاروخين»، والذي استهدف مناطق حرجية مفتوحة في قرى حلتا وكفرشوبا وكفرحمام بقصف مدفعي «محسوب»، سبقه أداء إعلامي مُربَك تطوَّر من نفي انطلاق صواريخ من لبنان، إلى اعتبار أصوات الانفجارات التي سُمعت في الأرجاء ناجمة من انفجار ألغام قديمة، وصولاً إلى الإقرار بسقوط قذائف هاون مصدرها لبنان، ثم الاعتراف بسقوط صورايخ أطلقتها «مجموعات فلسطينية»، قبل أن تبدأ في الإعلام العبري نغمة «من الصعب تصديق أن إطلاق الصاروخ من لبنان تزامناً مع بيان حزب الله حول الغجر، كان محض صدفة»، مع الكشف عن أن ما سقط في القسم السوري من الغجر هو صاروخ موجّه مضاد للدبابات وليس صاروخ أرض – أرض، ما يفسّر عدم انطلاق «القبة الحديدية» في مواجهته.
في هذه الأثناء، كانت قوات الطوارئ الدولية العاملة في جنوب لبنان تتحدّث هي الأخرى عن انفجارات لم تتمكن من تأكيد مصدرها أو سببها، قبل أن تتحدّث عن «احتمال إطلاق صاروخ»، لافتة إلى أنّ «هذا الحادث يأتي في وقت حسّاس وفي منطقة شهدت توترات في وقت سابق من هذا الأسبوع». تدرّج كل من القوات الإسرائيلية وقوات «اليونيفيل» في الإفصاح عن حقيقة الحدث قد يكون مردّه تفضيلهما «الوصول إلى نهاية سعيدة»، إلا أن الوقائع المسجّلة على الأرض، مثل نوعية الصواريخ التي دلّت عليها «آثار معيّنة» تركها «المُطلِقون» خلفهم، لم تترك لهما خيارات كثيرة، خصوصاً إذا ما صحّ أن الصاروخ «موجّه» بحسب ما سرّب إعلام العدو.
أيّاً تكن رواية القوات الإسرائيلية، إلا أن ما سُجّل من تطورات فتح الباب واسعاً أمام التكهّنات حول طبيعة ردّ الفعل المحتمل للمقاومة على الإجراءات الإسرائيلية الاستفزازية في الغجر. فالإعلام العبري حفل أمس بكثير من التحليلات والآراء التي تذهب إلى تأكيد وقوف حزب الله خلف «رسالة الصواريخ»، ليقول إن المقاومة لن تسكت على محاولة تل أبيب تكريس أمر واقع في البلدة بقوة السلاح، وبالتالي التنبيه من «نوايا المقاومة» في هذا الإطار.

وفي الحديث عن نوايا المقاومة، لا تحتاج إسرائيل إلى كثير من عناء التخمين. فمزارع شبعا وتلال كفرشوبا، وحتى قرية الغجر المحتلة بشقَّيها اللبناني والسوري، كانت جميعها شاهدة على «نماذج» من عمليات للمقاومة دارت رحاها في تلك المنطقة منذ ما قبل التحرير عام 2000 وما بعده، يمكن تصنيف بعضها في خانة «الردود»، وبعضها الآخر في خانة «المبادرة». أما اليوم، وفيما المنطقة تترنّح على وقع محاولات إسرائيلية متزايدة في الآونة الأخيرة لمحاولة فرض «وقائع ميدانية» جديدة، إنْ عبر عمليات التجريف ومدّ الأسلاك الشائكة في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقبالة حولا وغيرها، وإنْ عبر «قضم» القسم الشمالي للغجر، تبرز التساؤلات عن «الصدمة» التي يمكن أن تغيّر المشهد أو تعيده إلى هدوئه، خصوصاً أن الأمم المتحدة، عبر قوات «اليونيفيل»، تلعب دور المتفرّج، وتكتفي بـ«حثّ» إسرائيل على عدم خرق القرار 1701 في الغجر، وتدعو الجميع إلى «ضبط النفس».
سيناريوهات متعدّدة تلوح في الأفق، مع إصرار المقاومة على رفض التعدّيات الإسرائيلية، وتأكيد جهوزيتها الدائمة لمواجهة المحاولات الإسرائيلية الجديدة، ومع عجز واضح تبديه الحكومة اللبنانية في التعامل مع هذا الملف. وهنا، ثمّة في إسرائيل مَن يحذر من دخول قوات الاحتلال في «عصر الإشغال» مجدداً من بوابة القطاع الشرقي من جنوب لبنان.

حمزة الخنسا

المصدر: صحيفة الأخبار




مفاجأة نواب الحاكم: أعطونا الغطاء الكامل أو عيّنوا البديل

أطلق النواب الأربعة لحاكم مصرف لبنان إنذاراً مبكراً قبل 25 يوماً من انتهاء ولاية الحاكم رياض سلامة، داعين إلى تعيين بديل، وملوحين بخطوات تبدو الاستقالة الأكثر احتمالاً بينها.

وعلّل أحد نواب الحاكم لـ«الأخبار» البيان بأنه «لا يمكن المضي في مجلس مركزي سيحلّ أحد أعضائه محل الحاكم بسبب شغور المنصب، من دون اتفاق القوى السياسية على خطّة تُترجم بقوانين في مجلس النواب، وعلى أساسها تُرسم السياسة النقدية». وقال نائب آخر «إن الوضع صعب ومعقد، وفصل السياسة النقدية عن الصراعات السياسية يتطلب وجود تغطية شاملة للفريق الذي يريد القيام بمهمة الحاكم، وهذا يعني إقراراً سريعاً لقوانين تسمح بالعمل خارج السجالات السياسية القائمة».

عملياً، هذا ما يبرر بيان نواب الحاكم الأربعة، ومطلبهم بتعيين حاكم جديد، وتجاوز المادة 25 من قانون النقد والتسليف التي تنصّ على أنه في حالة شغور منصب الحاكم يحلّ محلّه النائب الأول (وسيم منصوري)، وقد عبر الأربعة عن رغبتهم في ايجاد صيغة جديدة من التعامل مع الأزمة تتخذ على أساسها قرارات، وهي أيضاً تُترجم قلقهم من أن الآتي أعظم، وهم يرفضون تحميلهم مسؤولية سياسات رسمها ونفّذها سلامة بلا موافقتهم.
خيار «المصلحة العامة» الوارد في البيان هو الاستقالة الجماعية، وهو أشبه برد فعل على عجز قوى السلطة عن مقاربة علاجية للأزمة. لكنه خيار يهدف بالدرجة الأولى إلى تبرؤ النواب الأربعة من أي مسؤولية تجاه أي تطوّرات وتعقيدات وضغوط ستحصل لاحقاً، ولا سيما في حالة حلول منصوري محلّ سلامة، واستمر النواب الثلاثة الآخرون (سليم شاهين، بشير يقظان، ألكسندر موراديان) في مناصبهم. فما سيُطلب منهم، لجهة إنفاق ما تبقى من الدولارات، والسير بالتعاميم التي أصدرها سلامة، والتعامل مع منصة صيرفة كأمر واقع، إضافة إلى تمويل الدولة عبر طبع العملة، سيضعهم جميعاً في مواقف حرجة وتصادم مباشر مع القوى السياسية، ولا سيما أن مرجعيات سياسية كانت خلف تعيينهم في مناصبهم. ويتوقع أن تمارس هذه المرجعيات الضغط عليهم لاستصدار قرارات مرفوضة مسبقاً منهم. وهم يدركون أن الآليات الاصطناعية لضبط سعر الصرف لن تصمد طويلاً، ويعرفون كم تدنى حجم احتياط المصرف المركزي من السيولة بالدولار، وبينما يتحدث سلامة عن رقم يقارب 9.3 مليار دولار، يتردد أن الرقم الفعلي أقل، ويوازي 7 مليارات مودعة لدى مصارف خارجية إضافة إلى سندات قابلة للتسييل بقيمة ملياري دولار. كما يدركون أن عجز الخزينة كبير جداً، ومصادر التمويل تقتصر على طباعة الليرات. وهذا سبب إضافي لرفض تحمّل أي مسؤولية نيابة عن سلامة.

كما بدا واضحاً أن نواب الحاكم ليسوا في وضع التعايش مع الأزمة كما هي حالها اليوم، سيما أن القوى السياسية تماطل في كل ما يتعلق باستمرارية الحكم. وقد ورد القلق من هذا الأمر في متن بيانهم الذي «أُعدّ بتأنٍّ»، إذ أشار إلى «تباينات سياسية تجلّت في العجز عن انتخاب رئيس للجمهورية وملء الشواغر في إدارات الدولة ومؤسّساتها، وانعكاسها على عمل السلطات التشريعية والتنفيذية»، كما لفتوا إلى أن هذا العجز يتزامن مع «مقاربات متناقضة للقوى السياسية تجاه معالجة الأزمة»، وأنه «في غياب خطّة شاملة وواضحة لإعادة التوازن المالي والمصرفي، وتحقيق توازن في موازنة الدولة ما يسمح للمصرف المركزي وضع الأسس النقدية والمالية لإعادة الثقة، لا يجوز أن ينسحب مفهوم تصريف الأعمال على السلطة النقدية الأعلى في الدولة». لذا، يطالبون بضرورة «تعيين حاكم في أقرب وقت، وإلا سنضطر إلى اتخاذ الإجراء الذي نراه مناسباً للمصلحة العامة».

كان النواب الأربعة قد أبلغوا رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، في اجتماعات مختلفة، نيتهم الاستقالة في حالة عدم تعيين حاكم بديل. وقال أحدهم إنه في الاجتماع الأخير مع ميقاتي، لم يقدّم رئيس الحكومة أي ضمانات مقابل استمرارهم في مناصبهم كما روّجت مصادره. بل توجد رواية يتناقلها مصرفيون، ومفادها أن ميقاتي سألهم عن ضمان سعر الصرف إذا وافق على مطالبهم بشأن ضبط «صيرفة»، فأتت إجاباتهم بالنفي، ليردّ ميقاتي بأن بقاء «صيرفة» ضروري.
لكن النواب الأربعة يعتقدون أن ما هو مطلوب كضمانة لبقائهم، يتجاوز ذلك. إذ إنه لا يكفي أن تكون الحكومة قد ناقشت الاتفاق على مستوى الموظفين مع صندوق النقد الدولي. فهذا الاتفاق يتطلب ترجمته من خلال إصدار قوانين في مجلس النواب ومراسيم تنفيذية، وهو أمر لم يتم بعد رغم مرور فترة كافية. ومضمون الاتفاق نفسه، يتضمن شروطاً مسبقة توجب على القوى السياسية اتخاذ مجموعة من القرارات الموجبة على مجلسي الوزراء والنواب، كشروط مسبقة لتوقيعه من قبل مجلس المديرين في الصندوق، إلا أن أياً من هذه الشروط لم يتحقق منذ منتصف أيار 2022 حين وقع الاتفاق. وقبل كل ذلك، يعتقد أحد نواب الحاكم، أن المسألة يجب أن تبدأ بإعادة هيكلة مصرف لبنان والمصارف، أي إعادة هيكلة القطاع المالي بكامله.

سيناريوهات

بناء على بيان النواب الأربعة، تُطرح أسئلة حول سيناريوهات ما بعد الخطوة. وسط تضارب في المعلومات حول وجود اتفاق تام بين الأربعة على خيار الاستقالة. لكن المشكلة قد تنفجر بمجرد استقالة النائب الأول لتعطيل كل القرارات على المستوى التقريري والتنفيذي في مصرف لبنان. والغموض الذي ورد، مقصوداً، في البيان بحرفيته «المصلحة العامة»، يترك هامشاً واسعاً لواحد من بينهم أو أكثر ألا يستقيل. فالقوى السياسية التي عيّنت هؤلاء لا مصلحة لها في انهيار سعر الصرف الآن، وترى خطراً كبيراً في تعطيل كامل قيادة مصرف لبنان.
وفي حالة شغور منصب الحاكم، سيتعطّل المجلس المركزي، وسيؤثّر ذلك جوهرياً في كل ما يتعلق بسعر الصرف، وبعمل «صيرفة» ويؤدي إلى انفلات المضاربات؛ فالحاكم لديه صلاحيات لا حصر لها في قانون النقد والتسليف، لكن هناك قرارات مهمّة منوطة أيضاً بالمجلس المركزي؛ إذ تنصّ المادة 33 من قانون النقد والتسليف على أن المجلس يحدّد سياسة المصرف النقدية والتسليفية، ويضع أنظمة تطبيق قانون النقد والتسليف، ويتذاكر في طلبات القروض المقدمة في القطاع العام، ويضع سائر الأنظمة المتعلقة بعمليات المصرف، ويقرّر موازنة نفقات المصرف، ويوافق على مشروع التقرير السنوي الذي يتضمن الأرباح والخسائر. لذا، لا يمكن تخيّل مصرف مركزي بلا حاكم وبلا مجلس مركزي.
وبين مرحلة ما قبل الشغور، ومرحلة ما بعده، يكون اللبنانيون أمام مرحلة الاستغلال السياسي المحلي والخارجي، والسؤال عندها يصبح: لمصلحة من ستميل كفّة تداعيات البيان في فترة ما قبل الشغور؟ هل ستتفق القوى السياسية على تعيين حاكم لمصرف لبنان، أم ستبقى عاجزة، كما هي حالها الآن، في انتظار ترتيب خارجي؟ وهل ستحاول القوى المحلية استغلال البيان لممارسة ضغوط بشأن دعوة الحكومة إلى جلسة لمناقشة التعيينات الشاغرة خلافاً للحصر الوارد في تصريف الأعمال؟ وماذا عن المرشحين لتولي منصب الحاكم في حالة التوافق على التعيين، إذ لم تصل المشاورات المستمرة داخل الكتل الطائفية إلى مرحلة إيجاد حلول للأزمة.

ad
يشار إلى أن التمديد لسلامة، وإن كان رائجاً لدى بعض الأوساط الرسمية وحتى المصرفية، إلا أنه مرفوض ويكاد يكون من المستحيل اللجوء إليه، علماً أن سلامة نفسه، الذي يكرر أنه لا يريد البقاء دقيقة واحدة بعد انتهاء ولايته، «لا يبدو رافضاً بالمطلق للأمر»، وهو «ميّز بين رفضه لعب دور مستشار لدى رئيس الحكومة ووزير المال ونواب الحاكم، وبين إمكانية التمديد له، كونه يرى في الخطوة فائدة لمواجهة الحملات القضائية والسياسية ضده، وكله من زاوية القول إنه الرجل الذي لا يمكن الاستغناء عنه».

بارود: حدود القانون في التعامل مع الشغور

مشكلة الفراغ المحتمل في قيادة مصرف لبنان، بعد بيان نواب الحاكم الأربعة، طرحت إشكاليات قانونية حول الملف برمته، وكيفية تعامل السلطات القائمة مع الأزمة. وبحسب الوزير السابق المحامي زياد بارود، هناك قراءة لحالتي التعيين والشغور الكاملَين. بالنسبة لتعيين حاكم بديل يقول بارود إنه «بحسب نص المادة 18 من قانون النقد والتسليف، يعيّن الحاكم بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء لاقتراح وزير المالية. الإشكالية هنا تتعلق بكون الحكومة مستقيلة. وعلى الرغم من أن اجتهاد مجلس شورى الدولة منذ 1969 يعتبر أن صلاحيات حكومة تصريف الأعمال تنعقد في معرض مسائل ملحة ترتبط بمهل منعاً للفراغ، إلا أن الشغور في منصب الحاكمية لا يمكن افتراضه، لأن القانون لحظ في المادة 25 منه تولي النائب الأول للحاكم مهام الحاكم ريثما يعيّن حاكم جديد. وبالتالي، يصبح تطبيق اجتهاد مجلس شورى الدولة في غير محلّه، وأرى من الصعوبة بمكان أن تعمد حكومة تصريف الأعمال إلى تعيين حاكم جديد، في القانون كما في السياسة».

أما بالنسبة لبيان نواب الحاكم فرأي بارود أنه «بيان استباقي يدق ناقوس الخطر، باعتبار أن الشغور في موقع متقدم في الدولة ليس تفصيلاً، خصوصاً في ظل الأزمة المالية والنقدية. لم أقرأ في البيان استقالة، وهذه الأخيرة ليست من دون مخاطر وتداعيات، علماً أن نواب الحاكم يقسمون اليمين أمام رئيس الجمهورية، ولا أرى سهولة في استقالتهم ببساطة ربطاً بواجباتهم. أما في القانون، فالاستقالة المدوّية، في حال حصلت، هي استقالة النائب الأول للحاكم، لأن المادة 25 من قانون النقد والتسليف تعطيه هو دون سواه من نوّاب الحاكم صلاحية تولّي مهام الحاكم. ولا انتقال من نائب أول إلى نائب ثان فثالث فرابع. حتى أن المادة 27 من القانون لا تعطي النائب الثاني إمكان تولي مهام الحاكم إلا في حال التعذر في تسلّم النائب الأول ووفقاً للشروط التي يحددها الحاكم حال ولايته، وثمة جدل حول ما إذا كان هذا الحل يبقى قائماً بعد نهاية ولاية الحاكم أم أنه يسقط، هذا في حال ممارسة الحاكم لهذه الصلاحية».

وختم بارود «في حال استقالة النواب الأربعة، يتعطّل المجلس المركزي كلياً، علماً أنه يتعطّل أيضاً بمجرد استقالة النائب الأول، علماً أن المادة 30 من القانون واضحة لجهة أنه لا يمكن للمجلس المركزي أن يجتمع في غياب الحاكم أو من ينوب عنه».

محمد وهبة

المصدر: صحيفة الأخبار




المصارف تقود التعديلات على الـ158 والـ151: كذبة الـ«لا هيركات»

في الاجتماع ما قبل الأخير للمجلس المركزي لمصرف لبنان، تقرّر إصدار تعديلات على التعميمين 151 و158. لكن لم يُكشف عن هذه التعديلات، إلا بعدما عقد المجلس جلسته الأسبوعية أمس، باعتبار أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، التقى جمعية المصارف في وقت ما بين الجلستين وتسلّم ردّها على التعديلات المنوي القيام بها. وبالفعل، أسقطت الجمعية بعض هذه التعديلات، ما يعني أن المصارف لا تزال، رغم إفلاسها، تقود القرارات التنظيمية في القطاع، وخصوصاً ما يتعلق بتوزيع الخسائر.

لذا، ما نوقش في اجتماعَي المجلس المركزي الأخيرين، لا أهمية له توازي النقاش الدائر بين الجمعية والحاكم. فالحاكم رياض سلامة المتهم بالاختلاس في الخارج، كان يرغب في نهاية عهده بالادّعاء بأنه وحّد سعر الصرف وخفّض الهيركات على الودائع. وهذا الأمر يفترض أنه سيدفع ودائع الدولار المصرفية (غير الفريش) على سعر «صيرفة» بدلاً من سعر الـ15 ألف ليرة القائم حالياً. لذا، اقترح تعديل التعميم 151 بما يتلاءم مع هذا الأمر. وكان هناك شبه اتفاق على ذلك في جلسة المجلس المركزي المنعقدة في 27 حزيران. إنما بعد اللقاء الذي حصل بين جمعية المصارف والحاكم، رفضت الجمعية الأمر باعتبار أن سحب الدولارات من المصارف على سعر «صيرفة» يتطلب مبالغ نقدية كبيرة بالليرة ويرتّب خسائر ضخمة على المصارف. واعتبرت الجمعية أن خطوة كهذه يجب أن تكون مغطّاة من مصرف لبنان، أي أن يموّلها مصرف لبنان لجهة الكتلة النقدية التي سيتطلّبها سحب الدولارات بسعر «صيرفة» الذي يساوي أكثر من خمسة أضعاف السعر القائم. كذلك رأت الجمعية أنه على مصرف لبنان أن يغطّي الخسائر التي ستترتّب على المصارف بسبب رفع سعر صرف دولار الوديعة، والانعكاسات السلبية لذلك على رساميل المصارف التي لم يبق منها سوى 12 مليار دولار (نظرياً قبل توزيع الخسائر في القطاع المالي)، أكثر من نصفها بالليرة اللبنانية. تقول مصادر مطّلعة، إن نواب الحاكم كانوا موافقين على هذه الخطوة رغم أنه كانت لدى بعضهم هواجس حول أثرها على الكتلة النقدية بالليرة، علماً أن بعضهم اقترح سابقاً زيادة سعر دولار الوديعة إلى ما بين 30 ألف ليرة و35 ألف ليرة. المهم، انتهى الأمر إلى إجراء تعديلات مختلفة تتيح لمصرف لبنان شراء الدولارات التي تشتريها المصارف من الزبائن بسعر 15 ألف ليرة لكل دولار.

الأمر نفسه تكرّر لجهة التعديلات على التعميم 158. كان التعميم يحدّد تسديد 400 دولار نقداً كل شهر، وإلى جانبها 400 دولار أخرى يتقاضاها المودع إجبارياً بسعر صرف حُدّد بـ15 ألف ليرة بعدما كان 12 ألف ليرة. وكان مصرف لبنان يموّل نصف هذه العملية بالدولارات النقدية، على أن يقع على عاتق المصارف النصف الثاني. وبحسب بيان أصدره مصرف لبنان في الأول من حزيران الفائت، فقد استفاد من التعميم 158 «نحو 180,976 عميلاً لغاية نهاية نيسان 2023، وبلغ المبلغ الإجمالي المدفوع لهؤلاء العملاء ما يوازي 1,778,604,896 دولاراً أميركياً، منها 889,474,488 دولاراً دُفعت نقداً مناصفة بين مصرف لبنان والمصارف».
في الواقع، كان نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة، يرون أن هذا التعميم يفرض «هيركات» علنياً ومباشراً على الوديعة، لذا اقترح بعضهم أن يكون شقّ تقاضي الـ400 دولار بالليرة اللبنانية على سعر 15 ألف ليرة، شقّاً اختيارياً حتى يُلغى «الهيركات»، أو على الأقل يكون قد ألغي نظرياً بالنسبة إلى المودع. لكن هذا الأمر ستترتب عليه زيادة في عدد المنتسبين إلى التعميم 158، وبالتالي فإن القدرة على تغطية الزيادة من 180 ألف عميل إلى نحو 300 ألف عميل ستضع ضغطاً على سيولة المصارف النقدية بالدولار، علماً أن لديها أصلاً نقصاً في هذه السيولة وأن عدداً منها يعاني من نقص في تغطية «الودائع الفريش» بنسبة 100% كما هو مطلوب. ببساطة، المصارف دفعت في السنة الماضية نحو 445 مليون دولار لتطبيق التعميم 158، وهي لا تريد مضاعفة هذا المبلغ، لكنها لا ترفض إيهام المودعين بأن الهيركات توقّف.

توصّلت الجمعية إلى تسوية تقضي بإلغاء الشق اللبناني من التعميم 158، وبأن يُخفض المبلغ للمنخرطين الجدد في التعميم 158 من 400 دولار نقداً إلى 300 دولار نقداً، أي ما يُقدر بنحو 200 مليون دولار إضافية في السنة ستدفعها المصارف. وسمح مصرف لبنان للمصارف بتمويل كل المبالغ المدفوعة وفق التعميم 158 من السيولة الخارجية التي فرضها عليها بموجب التعميم 154 الذي حدّد أن تكون لدى المصارف سيولة لدى مصارف المراسلة توازي 3% من الودائع بالدولار وأمهلها لإعادة تكوين هذه السيولة حتى نهاية 2024.
إذاً، كسبت المصارف تحرير بعض من سيولة الـ3% لفترة مع مهلة لتكوينها تزيد على السنة، وكسبت أيضاً أنها مع الحاكم ونوابه سيدّعون أنهم أوقفوا الهيركات. عملياً، سيمنحون المودع مهما كانت قيمة وديعته، نحو 300 دولار نقداً مع الأمل بأنهم لن يشطبوا الآن مبالغ إضافية من مجموع الوديعة، لكنهم لا يضمنون أن يحصل ذلك، بل سيقع اتخاذ القرار على عاتق حاكم آخر. هي عملية ترويج بأنه «لا هيركات الآن»، وهي عملية تزوير لوقائع من أبرزها أن الخسائر في القطاع المالي تفوق 70 مليار دولار أي نحو 4 أضعاف ونصف الناتج المحلي الإجمالي، وبكلام أوضح هذه الخسائر توازي أربع مرات ما ينتج من كل النشاط الاقتصادي على مدار السنة.

محمد وهبة

المصدر: صحيفة الأخبار




الهيئة الصحية تطلق «نداء»: التدخل «عنوة» لعلاج الإدمان والأمراض النفسية!

منذ عام 2006، تقدّم الهيئة الصحية الإسلامية خدماتها لمكافحة آفّة المخدرات وعلاج الأمراض النفسية «بناءً على رغبة المريض في العلاج وطلبه التعافي»، بحسب المدير العام للهيئة عباس حب الله. أمس، أطلقت الهيئة مشروع «نداء»، الموجّه إلى هذه الشريحة من المرضى، ويقوم أساساً على «الإتيان بالمدمنين والمرضى النفسيين غير المستقرين رغماً عنهم إلى المستشفى في حال رفضوا العلاج، بعد موافقة الأهل والطبيب الذي يتابع حالتهم. ومن ثم التتبع المنزلي، أي متابعة كل حالة بعد خروجها من المستشفى في المراكز المختصة وفي المنزل للتأكد من خضوعها لجلسات العلاج النفسي وإعادة التأهيل».

عزمت الهيئة وتوكّلت بعدما «ظلّ إقناع المريض أو إلزامه على العلاج محل مراجعة في حزب الله في السنوات الماضية نظراً إلى صعوبة التدخّل»، كما قال رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله السيد هاشم صفي الدين خلال حفل إطلاق المشروع أمس في مركز بلدية الغبيري الصحي الاجتماعي. وهو يقتصر حالياً ضمن نطاق بيروت ويتضمن خطاً ساخناً (76111265). أما في ما يتعلق بالكلفة المادية المترتبة على الأهل فيؤكد حب الله أنها «مقبولة لأنّ مراكزنا مدعومة وهناك صندوق خاص لمساندة المرضى المتعثرين مادياً».
وتدير الهيئة ثلاثة مستشفيات لعلاج المدمنين والمرضى النفسيين، هي «الشفاء» التخصّصي في عرمون، وجويّا الرعائي، و«إحياء» في سوق الغرب، إضافة إلى سبعة مراكز متخصّصة بالأمراض النفسية ومعالجة الإدمان، و29 مركزاً للرعاية الصحية تقدم خدمات لتأهيل المدمنين والمرضى.
المشروع انطلق فعلياً قبل أكثر من سنة. ففي إحصاء أجرته الهيئة في مستشفى «الشّفاء» التخصصي تبيّن أنّ 16% من المرضى عام 2020 أُحضروا إلى المستشفى قسراً، مقارنة بـ 18% عام 2022، و33% في النصف الأول من العام الجاري. علماً أنها ليست كلّ حالات المرض النفسي تستدعي دخول مستشفى، و«هناك حالات مستقرّة تقدّم لها الهيئة خدمات منزلية». لكنّ هناك أمراضاً نفسية وعقلية قد تشكل خطراً على صاحبها وذويه والمحيطين به كالاضطراب الثنائي القطب، والفصام، والاكتئاب الحاد… «عندما يقوم المريض بممارسات عنفية، ويظهر ميولاً انتحارية يُصار إلى نقله إلى المستشفى حيث يمكث بين 15 و30 يوماً لإزالة السموم من جسمه قبل إخضاعه للتأهيل في مراكز متخصّصة، ويبقى تحت المراقبة لفترة طويلة قد تصل إلى أكثر من سنة». ويشير حب الله إلى «وجود أطباء يشخّصون كل حالة وعلى أساس ذلك نقرر التدخل»، مشيراً إلى أن الهيئة أخذت على عاتقها التدخّل لمكافحة آفّة المخدّرات «بعدما ارتفعت نسب التعاطي حوالي الضعفين خلال السنوات الأخيرة جرّاء الأزمة»، وإطلاق المشروع جاء «استجابة لانخفاض أعداد الموقوفين بتهم التعاطي والترويج والتجارة بعد انتشار جائحة كورونا واكتظاظ السجون، وفي ظلّ الأزمات المالية التي مني بها القطاع العام من وزارات وبلديات وقوى أمنية، والنقص في عديدها. كذلك استجابة لتداعيات الأزمة الاقتصادية، والتفلت الأمني الذي يفتح الباب أمام التجارة والترويج للمخدرات حتى صارت هناك سكّة تموين تشمل كلّ الأراضي اللبنانية، تؤمّن المواد المخدّرة عند الطلب، عدا عمليات النشل والسّرقة بداعي تأمين ثمنها».

صحيح أن هذه مسؤولية الدولة، ولا سيما وزارة الشؤون الاجتماعية لتأمين التأهيل والرعاية للمدمنين والمرضى النفسيين، ووزارتي الصحة والتربية لوضع برامج توعوية ضد المخدّرات ولا سيما لفئة الشباب، والبلديات، والأجهزة الأمنية، لكن، «ليس هذا هو الوقت المناسب لنحاسب الدولة على تقصيرها، لذلك سنتحمّل في حزب الله مسؤوليتنا المجتمعية». وشدّد صفي الدين على «أننا لسنا دولة ضمن دولة، بل مثلما أنشأنا مقاومة ضد الاحتلال عندما تخلّت الدولة عن الدفاع عنا وعن أراضينا ومنازلنا، نحمي اليوم مجتمعنا على قدر إمكاناتنا ما دامت الدولة غير قادرة على فعل ذلك».

زينب حمود

المصدر: صحيفة الأخبار




لا تجعلوا جريمة القرنة كجريمة تفجير المرفأ

لا يستقيم حال أبناء الأرياف على ما يجري التعامل معه في جريمة القرنة السوداء. الناس هناك ليسوا في قلب المعادلة كما تعرفها المدن. بل تتحكّم العادات والتقاليد بكثير من الأفعال. التسامح عندهم حقيقي، ويحسن استعماله لتعزيز التواصل الإنساني، وحتى التجاري والتعاوني، بين أبناء هذه المناطق. لكنّ العصبية عنصر مكوّن لشخصية هؤلاء، والتوتر إذا ما ترافق مع دماء، تكون الأهوال حاضرة. وفي حالة لبنان، سنجد من بين أصحاب القرار في المركز من يريد استغلال هذا التوتر، أو هذه الدماء لغايات أخرى.

عندما يصرخ أبناء تلك المنطقة مطالبين القضاء بمعالجة النزاع العقاري، فهم يعرفون عمّا يتحدثون. يدرك هؤلاء أن المشكلات الصغيرة التي تبدأ بين أطفال، تجد من يأخذها إلى حروب دموية تستمر آثارها لعقود أو حتى لقرون. لذلك، يجب التعامل بجدية كبيرة مع نداء الأب هاني طوق، بالمسارعة إلى حسم النزاع العقاري. ويفترض بالمسؤولين عن القضاء في لبنان، من مجلس قضاء إلى نيابات عامة، إلى قضاة متخصّصين، التفرّغ لمعالجة هذه الأزمة التي ترخي بظلالها على ملفات حامية كثيرة.

ولا يحق لوزير العدل أن يتحدث عن عقبات تحول دون إنجاز القاضي العقاري في الشمال ملفه. يمكن لمدعٍ أو مدّعىً عليه الحديث عن عقبات، لكن لا يمكن للقضاء أن يتحدث عن عقبات. وإذا نطق القضاء، وأشهر هذه العقبات يساعد في تجاوزها، لا البقاء في دائرة الخوف؛ وبالتالي عدم إصدار أحكام تحسم خلافات عمرها أكثر من مئة سنة.
وثمّة أمر مستعجل أيضاً، يتعلق بالتحقيقات الجنائية والأمنية لتشخيص ما حصل، وكيف قُتل الشابان من أبناء بشري، وبرصاص من. وهي أمور لا يمكن التزوير فيها متى قام المعنيّون بوظيفتهم. هي مسألة علمية، وهناك أدوات حديثة لتحديد ما حصل. وليس منطقياً أن يتأخر التحقيق كثيراً. والخشية ليست من تخلّف مهني يمنع الوصول إلى حقيقة واضحة، بل من خضوع البعض لضغوط أو أهواء، تجعل ملف القرنة شبيهاً بملف تفجير مرفأ بيروت، وعندها يجري الخلط بين الدوافع وحقيقة ما حصل.
اليوم، يريد أهالي بشري معرفة كيف قُتل اثنان من أبنائهم، ويريدون، كما أهالي بقاعصفرين والضنية، معرفة من أطلق النار، ويريد الجميع معرفة حقيقة الوجود المسلح الذي أدى إلى ما حصل، وحقيقة الاشتباك الذي قيل إن الجيش خاضه مع مسلحين. ولم يعد كافياً القول إنه لطالما كان هناك مسلحون في هذه المنطقة، وبعد سقوط الدماء، لم يعد ينفع الحديث عن أن الناس اعتادوا على حمل المزارعين ورعاة الماشية أسلحتهم معهم، خصوصاً أن النزاع على المياه يكفي لقلب دولة رأساً على عقب. فكيف والجميع يعرف أن ما يحصل منذ عام 2001 في تلك الزاوية شكّل حالة استنفار دائم.

حتى فكرة أن يكون الجيش اللبناني مسؤولاً عن مقتل أحد الشابّين، ليست أمراً عادياً، لكنها حدثت مرات كثيرة، مع الجيش ومع القوى الأمنية والعسكرية الأخرى التي قتلت مدنيين عن طريق الخطأ، أو ضمن سياق مواجهة مع مطلوبين للعدالة. والجمهور لا يحكم على الجيش أو على القوى الأمنية متى كان الأمر خارج النزاعات السياسية. بهذا المعنى، يجب على قيادة الجيش اللبناني المبادرة إلى أخذ القرار والكشف عن كامل معطيات ما حصل، وتحديد المسؤوليات العملانية، قبل أن يفرض على القضاء السير في إجراءات تقود إلى خلاصة حكم عادل.
من يراقب المشهد عن بعد، يتصرف وكأنّ الأمر عبارة عن مشكلة تحصل يومياً في كل لبنان. لكنّ العاقلين من أبناء تلك المنطقة يتحدّثون بجدية كبيرة عن مخاوف من تمييع التحقيقات وتأخير إعلان النتائج، ويشيرون إلى توتّر كامن لا يستبعدون أن يقود إلى تغليب الثأر على المحاسبة. وفي هذه الحال، سيكون من الصعب توقّع مآلات الأمور هناك.
اللافت في ما يحصل، هو الغياب التام لوزير الداخلية القاضي بسام المولوي عن المشهد، وهو ابن الشمال الذي يعرف خصوصية الأمر وحساسيته، وهو من يقود، من موقعه الوظيفي، جهازَين أمنيّين كبيرين هما فرع المعلومات والمديرية العامة للأمن العام، إضافة إلى قطعات قوى الأمن. وبدل أن ينشغل الوزير بمطاردة مغرّد انتقد حكومة في الجزيرة العربية، أو محاباة مرجعية دينية من خلال ملاحقة أصوات تعترض على رقابة غير مشروعة، وبدل أن يستعرض إنجازات لا يشعر بها المواطن المنهك يومياً، يجدر به الانتقال للإقامة في مدينته طرابلس، عاصمة الشمال، وتولّي إدارة هذا الملف، بجوانبه الأمنية والسياسية والاجتماعية والأهلية، وأن يقوم لمرة واحدة بدور يجعله يستحق الموقع الذي يشغله.

إبراهيم الأمين

المصدر: صحيفة الأخبار




«الحزب» مُتمسّك بالخَيمتين: «أعلى ما في خيلكم اركبوه»

منذ أسابيع، والكيان الاسرائيلي مُنشغل بخيمتَين نَصَبهما «حزب الله» في منطقة مزارع شبعا، مُحاولاً بكل الوسائل دَفع الحزب إلى إزالتهما، من دون أن يفلح… فما هي قصتهما؟ وهل يمكن أن يُشكّلا شرارة لمواجهة عسكرية أو لِما يُعرف بـ”أيام قتالية”؟

نَقلت تل أبيب معركتها مع «حزب الله» من ملف الصواريخ الدقيقة الكاسِرة للتوازن وما شابَه الى تفصيل يتصل بخيمتين مكشوفتين على خط الحدود، سَبّبتا لها الارق والقلق، حتى أصبحتا هاجساً للجيش والحكومة الاسرائيليين.

والمفارقة انّ الاحتلال افتعَلَ من خيمتين على الحدود قضية، مُهدداً بالويل والثبور وعظائم الأمور اذا لم تتم إزالتهما، في حين انه بادرَ هو نفسه قبل أيام، ومن دون أن يَرفّ له جفن، الى ضَم الجزء اللبناني الشمالي من بلدة الغجر المحتلة بعد الانتهاء من أشغال تثبيت السياج الجديد، وذلك في اعتداءٍ فَج على السيادة الوطنية، ما دفعَ احد المعنيين بهذا الملف الى التساؤل: أيّهما يستحق رفع الصوت، وجود خيمتَين على أرض هي لبنانية ليس فقط وفق تعريف المقاومة بل الدولة أيضاً؟ ام ضَم مساحة واسعة من بلدة الغجر الى كيان الاحتلال؟

وإزاء تصاعد التهديدات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة والتلويح باستعمال القوة، رَد رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد متوجّهاً الى الاسرائيلي بالقول: «سكوت وتضَبضَب».

والمفارقة انّ الاحتلال افتعَلَ من خيمتين على الحدود قضية، مُهدداً بالويل والثبور وعظائم الأمور اذا لم تتم إزالتهما، في حين انه بادرَ هو نفسه قبل أيام، ومن دون أن يَرفّ له جفن، الى ضَم الجزء اللبناني الشمالي من بلدة الغجر المحتلة بعد الانتهاء من أشغال تثبيت السياج الجديد، وذلك في اعتداءٍ فَج على السيادة الوطنية، ما دفعَ احد المعنيين بهذا الملف الى التساؤل: أيّهما يستحق رفع الصوت، وجود خيمتَين على أرض هي لبنانية ليس فقط وفق تعريف المقاومة بل الدولة أيضاً؟ ام ضَم مساحة واسعة من بلدة الغجر الى كيان الاحتلال؟

وإزاء تصاعد التهديدات الإسرائيلية في الآونة الأخيرة والتلويح باستعمال القوة، رَد رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد متوجّهاً الى الاسرائيلي بالقول: «سكوت وتضَبضَب».

وتُرجّح اوساط قريبة من «حزب الله» أن «يَنضَب» الاحتلال، مستبعدة ان يلجأ الى اي تصعيد عسكري بسبب الخيمتين لمعرفته بالتبِعات المترتبة على ذلك، «أمّا اذا أخطأ التقدير وانزلقَ الى اي تصرف متهور فإن المقاومة جاهزة للتصدي له بالشكل المناسب».

وتُرجّح اوساط قريبة من «حزب الله» أن «يَنضَب» الاحتلال، مستبعدة ان يلجأ الى اي تصعيد عسكري بسبب الخيمتين لمعرفته بالتبِعات المترتبة على ذلك، «أمّا اذا أخطأ التقدير وانزلقَ الى اي تصرف متهور فإن المقاومة جاهزة للتصدي له بالشكل المناسب».

وتوضح هذه الاوساط ان «الاسرائيلي سكتَ في المرحلة الأولى وأجرى اتصالات بعيدا من الاضواء لمحاولة التخلص من الخيمتين، فلمّا لم يتوصّل الى نتيجة إنكفأ و»طَنّش»، لكنّ الإعلام الاسرائيلي حرّكَ الأمر مجدداً، ما أحرَج حكومة الاحتلال وجيشه اللذين راحا يضغطان ويرسلان التهديدات لرفع الخيمتين، فكان رد الحزب: «أعلى ما في خيلكم اركَبوه».

وتؤكد الاوساط أن «المقاومة وحدها تُحدّد مسار التعامل مع هاتين الخيمتين تِبعاً لتقديراتها»، مشددة على انه «تحت الضغط والتهديد لن يحصل العدو على شيء، وربما صدر حتى الآن نحو 14 تهديداً عنه، ولكن كل هذا التهويل لن يُجدي نفعاً».

وتوضح الاوساط ان «الجيش اللبناني مقتنع بطرح المقاومة ويوافقها على أنّ مكان وجود الخيمتين يقع ضمن الاراضي اللبنانية، علماً انه كان قد جرى التنسيق معه مُسبَقاً في شأنهما. وبالتالي، هناك تناغم في الموقف الميداني بين الجانبين، استنادا الى مقاربة مشتركة للمشكلة المفتعلة».

وتكشف الاوساط انّ «الجيش أبلغَ إلى من يهمه الأمر انه سيواجه عسكرياً أي اعتداء اسرائيلي وسيُدافع عن الأرض اللبنانية حيث نُصِبَت الخيمتان في حال استهدافها». وتلفت الى انه «كما أنّ العدو زَرعَ على طول الحدود نقاط مراقبة، فإنّ من حق المقاومة ان تعزز مراقبتها له، خصوصاً انّ نَزعته العدوانية صارخة ومن الضروري وضع تحركاته تحت المجهر».

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




الإستحقاق الرئاسي في العطلة الطولى

انتهت العطلة الطويلة للاضحى دونما ان تنتهي العطلة الطولى للاستحقاق الرئاسي. آخر حدث ذكّر به كانت زيارة جان ايف لودريان لبيروت قبل اسبوعين (21 حزيران) وانطفاؤها فور مغادرته. بعدذاك لم يؤتَ على اظهار اي اهتمام بانتخاب الرئيس بعد آخر فصوله في جلسة 14 حزيران

بعض الآمال القليلة المبالغ بها، ان الزيارة الثانية للموفد الرئاسي الفرنسي جان ايف لودريان منتصف هذا الشهر – اذا حصلت – قد تحمل أفكاراً اكثر جدية، قبل ان تتبخر الآمال تلك او تكاد في ضوء التطورات الاخيرة المستجدّة في بلاده وأعمال الشغب المتفاقمة في باريس وضواحيها ومدن اخرى. مع ذلك لم تفقد الفرصة الفرنسية حظوظها تماماً وان محاصرة بعقبات لا تحصى.

انتهت زيارة لودريان بلياقة افتقرت اليها زيارة الرئيس ايمانويل ماكرون لبيروت في الاول من ايلول 2020 عندما جمع الطبقة السياسية التي اعتاد مهاجمتها في ما بعد، وطلب منها استعجال انقاذ بلدها باصلاح الاقتصاد. صدّق وعود أولئك الذين جمعهم على امل عودته اليهم مجدداً في كانون الاول وقد نفذوا تعهداتهم له. هم كذبوا كما قال الفرنسيون لاحقاً، وهو لم يعد. في ختام زيارة لودريان موفداً من رئيسه، لم يجد مَن كذب عليه او خدعه ممن التقى بهم، بل افصحوا امامه ما لن يُقدموا عليه وهو انتخاب اي منهم المرشح الآخر او المرشح الثالث. في الحصيلة كرئيسه خذلوه.

الى ان يعود لودريان مجدداً او لا يعود، يستمر الاستحقاق الرئاسي معلقاً بلا خيارات مفتوحة. ينتظر مفاجأة حيال ما يمكن ان يحدث او لا يحدث وما يسع الفرنسيين ان يفعلوه او يعجزون عنه:
1 – الاقرار بأن الدور الفرنسي الحالي اكثر من عادي واكثر من مألوف. لا يقتصر على القنوات الديبلوماسية المعتادة كوزارتيْ الخارجية ولا على السفيرة الفرنسية في بيروت، بل اضحى بين يدي الفريق اللصيق بالرئيس وعلى طاولته هو بالذات في الاليزيه. مستشاره الرئاسي ايمانويل بون ومستشاره لشؤون الشرق الادنى باتريك دوريل ووزيرة الخارجية كاترين كولونا ومدير الاستخبارات الخارجية برنار ايميه، مضافاً اليهم لودريان، باتوا فريق عمله المعني بملف لبنان. مقدار ما في وسعهم المساعدة على ايجاد الحلول، يملكون ما يكفي من الاسباب لتعثرها بسبب اختلاف اساليب المقاربات. ذلك ما لا يُلمس في الدولتين الاخريين الاقل اهتماماً، الولايات المتحدة والسعودية. كلتاهما مكتفيتان بدور السفير في بيروت.
2 – السؤال الاساسي الذي وجهه لودريان الى المسؤولين والقيادات اللبنانية التي اجتمع بها لا يملك ان يجيب عنه هو بنفسه في ضوء ما سمعه منهم، وهو كيف السبيل الى خروج لبنان من مأزق انتخاب الرئيس. من المنطقي ان لا يجيب عنه الموفد الفرنسي مع انه اصغى الى اجابتيْ فريقيْ النزاع اللذين تحدّث اليهما. كلاهما وجد الحل في انتخاب مرشحه هو للرئاسة وتأكيد رفضه القبول بمرشح الفريق الآخر. ليس ذلك فحسب التناقض الوحيد الذي خبره معهما، بل ايضاً عدم استعدادهما للذهاب الى مرشح ثالث يصير الى التوافق عليه.

لم يحلْ ذلك دون ان يستنتج لودريان ان كليْ الفريقين الرئيسيين، الثنائيين الشيعي والمسيحي، يخوضان في الاستحقاق ما يتجاوز معركة انتخاب الرئيس الى معركة كسر شوكة الفريق الآخر. ليس ادل على ضراوة هذه المواجهة سوى امساك كل منهما بفيتويْ الطائفة والنصاب، ومقدرة كل منهما على منع انتخاب الرئيس دونما التوقف عند تداعيات استمرار الشغور.
3 – لا يزال الوقت طويلاً قبل الوصول الى اقتراح مرشح ثالث يُخرِج الفريقين من مأزق التوازن السلبي، ولا كذلك الذهاب الى طاولة حوار تفضي الى هذا الخيار. من غير المؤكد حتى، امكان اخراج الاستحقاق من خلال مرشح ثالث. كلاهما عبّرا امام الموفد الفرنسي عن عدم استعدادهما للتخلي عن مرشحيْهما، وفي الوقت نفسه الاقرار بالعجز عن انتخابه. بذلك طرحا امامه مشكلة لا يملكان حلها برفض تراجع كل منهما خطوة على الاقل الى الوراء، ولا يملك هو الآخر الحل دونما الذهاب الى مرشح ثالث.
4 – ان التوازن السياسي الحالي، السلبي في معظم مظاهره، غير مسبوق منذ اتفاق الدوحة عام 2008 وانتهاء ذاك الى انتخاب الرئيس التوافقي ميشال سليمان. ذلك كان شرطاً اساسياً ايضاً لانتخاب خلفه الرئيس ميشال عون عبر التوافق الشيعي – السنّي لكن بأوسع غطاء مسيحي مثّله عام 2016 التيار الوطني الحر وحزب القوات اللبنانية. في الاستحقاق الراهن ثلاثة تحوّلات جوهرية اوصلته الى المأزق ووضعت الثنائيين الشيعي والمسيحي في واجهة الحدث وتعطيل انتخاب الرئيس:
اولها غياب او تغييب المرجعية السنّية الممثلة بالرئيس سعد الحريري بعدما كانت عاملاً حاسماً في ايصال سليمان وعون الى الرئاسة. لا شريك سنّياً حالياً بل تشتت الطائفة على قوى هزيلة صغيرة ضعيفة تحتاج الى ملاذ يُوجّهها. اكثر مَن احتاج الى المرجعية السنّية هذه في ما مضى حزب الله بالذات كي تستقيم معادلة الاستقرارين المذهبي والسياسي. في السنوات الثلاث الاولى في ولاية عون كان الحليف الفعلي والظهير غير المستغنى عنه الى جانب الحريري.

ثانيها انهيار شبه كامل لـ«تفاهم مار مخايل» لم يعد يشفع فيه كلام رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل انه لم يتخلَّ عن حزب الله. على مهل تدرّج الحزب في الرد عليه بلا يأس الى ان اظهر اخيراً استغناءه الفعلي عنه. بعض المعلومات يجزم بتعليمات مصدرها امينه العام السيد حسن نصرالله الى قيادات الحزب بقطع اي تواصل مع باسيل وحزبه. لم يعد موت التفاهم مستمداً من انتهاء ولاية عون، بل أضحى ضرورة لحزب الله التخلص منه بعدما اكثَرَ عليه باسيل مفاجآته، ليس آخرها تعاونه مع حزب القوات اللبنانية لاسقاط ترشيح سليمان فرنجية. مقدار ما يبسّط التيار موقفه المناوئ لفرنجية ويعزوه الى عدم كفايته للمرحلة المقبلة، لا يجد حزب الله ما يفسر ما حدث سوى «خيانة» لا يسامح عليها.
ثالثها ظهور موقف مسيحي يسعه التجرؤ، من بين مرات نادرة منذ اتفاق الطائف، على النظام نفسه حتى، هو رفض حزبيْ القوات اللبنانية والكتائب والتيار الوطني الحر والشخصيات المسيحية المستقلة انتخاب رئيس يفرضه حزب الله عليهم. خلافاً لما رافق انتخابيْ سليمان وعون، كما قبلهما وبعدهما، اعتاد الفريقان المسيحيان ان يكون لكل منهما ظهير: سنّي لحزب القوات اللبنانية وشيعي للتيار الوطني الحر. هذه المرة يخوضان المواجهة معاً، وواحدهما يدير ظهره للآخر، في معزل عن الثنائية السنّية – الشيعية. كلاهما تخلصا من حليفين كانا ضروريين لهما طوال اكثر من عقد ونصف عقد من الزمن: نصرالله لعون ثم لباسيل والحريري لسمير جعجع. يُسمع بصوت عال في اوساط الاحزاب المسيحية مَن يقول ان عليهم هم اختيار الرئيس الماروني لا الذهاب الى مرشح يختاره لهم الحريري كما مع سليمان، وحزب الله كما مع عون.

اما العقدة في المنشار، فلا تزال نفسها: فرنجية عندما اختاره الحريري عام 2015 ثم عندما يختاره الثنائي الشيعي الآن.

نقولا ناصيف

المصدر: صحيفة الأخبار