1

قانون للحدّ من التحرش الجنسي.. تشديد العقوبة وتأهيل الضحايا

بعد سنتين على نفاذ قانون «تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه» رقم 205/2020 (المنشور في العدد 1 من الجريدة الرسمية بتاريخ: 7/1/2021)، فتح الأستاذ المحاضر في القانون الجزائي وحقوق الإنسان والقاضي السابق زياد مكنًا النقاش واسعاً حول أهمية القانون ومدى فعاليته لجهة الحد من ازدياد ظاهرة التحرش الجنسي في المجتمع اللبناني. بأسلوب علمي يفند مكنّا في كتابه الصادر حديثاً «قانون تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه» مواد القانون معتمداً مبدأ المقارنة بين القانون اللبناني والقوانين الفرنسية والتونسية لجهة الوصف الجرمي لموضوع التحرش الجنسي وصولاً إلى العقوبات وتشديدها، نعرض في ما يلي أبرز الأفكار والعناوين التي طرحها الكتاب


يقول مكنّا في كتابه، الجزء الأول من «مجموعة القوانين المشروحة» التي تهدف إلى شرح قوانين عدّة في مجالات مختلفة، إن غايات القانون التي حددتها الأسباب الموجبة بحماية الأشخاص الذين يتعرضون للتحرش الجنسي، معاقبة مرتكبي جرائم التحرش وإعادة تأهيلهم، «تظهر الأهمية التي يوليها القانون للضحية سواء لجهة حمايتها وتأهيليها، أم لجهة الوقاية التي تتخذ في أحد أشكالها إعادة تأهيل من سبق وارتكب جرم التحرش الجنسي، إضافة إلى طابعه العقابي الذي على أهميته، لا يراه كافياً لوحده لمعالجة النتائج السلبية التي تصيب ضحية التحرش الجنسي».

ويلفت إلى العناصر التي حددها المشترع اللبناني للتحرش بالاستناد إلى الفعل وموقف الضحية منه في نص الفقرة 1 من المادة 1: يشترط أن يكون الفعل سلوكاً سيئاً، متكرراً، خارجاً عن المالوف، وذا مدلول جنسي، يشكل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للمشاعر، يقع على الضحية في أي مكان وُجدت، وبأي وسيلة. متوقفاً عند وصف السلوك بأنه «سيّئ» معتبراً أنه لا يمكن حصر الفعل بلفظ السيّئ بإطار موضوعي كون بعض التصرفات لا تثير أي إشكالية في وصفها، وهناك انقسام حول ما يحتمل أن يوصف بهذا اللفظ لا سيّما في ضوء خصوصيات المجتمع اللبناني.

وفي ما يتعلق بالسلوك المتكرر، يلفت مكنّا إلى أن نص الفقرة 1 من القانون لم تعدد الأفعال لاعتبار السلوك متكرراً، ولم يحدد المشترع المدة الفاصلة بين الفعلين أو الأفعال التي تشكل العادة، معتبراً أن عدم التحديد يُبقي الأمر متروكاً لتقدير القاضي، في كل حالة على حدة، للقول بما إذا كان السلوك المشكو منه «متكرراً». مؤكداً فكرة «اللجوء إلى الوسائل البديلة (الوساطة) وليس فقط الشكوى الجزائية لحل مشاكل التحرش الجنسي في إطار علاقات العمل، وذلك بهدف الحفاظ قدر الإمكان على علاقة العمل» (ص 19).

العقوبات المشددة للتحرش

يظهر الكتاب اجتهادات القضاء الفرنسي والتونسي حول موضوع التحرش الجنسي، كما يتناول عدداً من القرارات الصادرة عن المحاكم في هذا الخصوص. وبعد استعراضه للعقوبات التي تفرض على المتحرش في المادة الثانية من القانون رقم 205/2020، التي تنص في الفقرة (أ) على «الحبس من شهر حتى سنة وبغرامة تتراوح بين ثلاثة أضعاف وعشرة أضعاف الحد الأدنى الرسمي للأجور أو بإحدى هاتين العقوبتين» وصولاً إلى تشديد العقوبة في الفقرة (ج) لتصل إلى «الحبس من سنتين إلى أربع سنوات وبغرامة تتراوح من ثلاثين إلى خمسين ضعف الحد الأدنى للأجور، في حال وقع جرم التحرش على حدث أو شخص من ذوي الاحتياجات الإضافية، أو إذا كان الجاني له سلطة مادية أو معنوية أو وظيفية أو تعليمية على المجنى عليه، وإذا ارتكب فعل الجاني شخصان أو أكثر، وإذا استخدم الجاني الضغط الشديد النفسي أو المعنوي أو المادي في ارتكاب الجرم للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية».

وفي هذا السياق، يلفت مكنّا إلى أن «القانون الفرنسي يكتفي للتشديد في أن تكون الضحية في حالة ضعف ظاهرة أو معروفة من الفاعل، ولا يتضمن أي شرط يتعلق بمدى قدرتها على المدافعة، فالفقرة 3 من المادة 222-33 من قانون العقوبات الفرنسي تحدد حالات الضعف لدى الضحية، التي تشدد عقوبة التحرش الجنسي المرتكب بحقها، وهي السن، الإعاقة الجسدة أو النفسية، حالة الحمل، وحالة الضعف الناتجة عن الوضع المالي أو الاجتماعي».

أما في تونس، ينص الفصل 226 – ثالثاً، من مجلة الإجراءات الجزائية، المضاف بموجب المادة 15 من القانون المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، على مضاعفة عقوبة التحرش الجنسي «إذا سهّل ارتكاب الجريمة حالة استضعاف الضحية الظاهرة أو المعلومة من الفاعل».

التحرش على الأصول والفروع

تعقيباً على سلطة الجاني المادية أو المعنوية أو الوظيفية أو التعليمية على المجني عليه، المذكورة في المادة الثانية (ج) من قانون «تجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه»، حيث تشدد هذه الحالة سوء استخدام السلطة لغاية التحرش الجنسي، وتشمل أوجه السلطة كافة. يشير مكنّا إلى «قضية كانت معروضة على محكمة الجنايات في بيروت، أنكر المتهم أبوته للقاصرة غير البالغة من العمر خمس عشرة سنة، التي اتهم بجناية المادة 506 لإقدامه على مجامعتها بالاستناد إلى أنها ابنته، فردت المحكمة ما أدلى به لهذه الجهة، معتبرة أنه على فرض ثبوت أنها ليست ابنته إلا أنه كان يمارس عليها سلطة، ما يجعل عناصر المادة المذكورة متحققة». لافتاً إلى أن «قانون العقوبات الفرنسي ينص صراحة في الفقرة 3 من المادة 222-33 على تشديد العقوبة في الحالة التي يكون فيها الفاعل أحد أصول الضحية، أو أي شخص له عليها سلطة قانونية أو فعليّة» (Autorité de droit ou de fait).

كما ينص الفصل 226 – ثالثاً من المجلة الجزائية التونسية، المضافة بموجب الفصل 15 من القانون المُتعلّق بالقضاء على العنف ضد المرأة، على مضاعفة عقوبة التحرش الجنسي في حال كان الفاعل من أصول الضحية أو فروعها من أي طبقة، وكذلك، إذا كانت له سلطة على الضحية.

تأهيل ضحايا ومرتكبي التحرش

«إن فكرة تأهيل ضحايا التحرش الجنسي، التي أتى بها القانون 205/2020، مهمة جداً على صعيد جبر ضررهم. فالأضرار التي تصيب ضحايا هذه الجرائم، لجهة طبيعتها، وآثارها النفسية السلبية، لا يمكن التعويض عنها بالكامل، بما هو متعارف عليه تقليدياً في قواعد التعويض، ويهدف تأهيل ضحايا التحرش الجنسي إلى تقديم المساعدة اللازمة، وفق حالة كل منهم، بهدف التخلص من آثار ما تعرضوا له واندماجهم في المجتمع»، يؤكد مكنّا في كتابه، مشيراً إلى أن «فكرة التأهيل في القانون المذكور لم تقتصر على ضحايا التحرش الجنسي، بل تشمل مرتكبي هذا الجرم أيضاً، وفق ما تبيِّن المادة 6».

يصبّ التأهيل حتماً في منفعة مرتكبي التحرش، ويحقق مصلحة المجتمع أيضاً، إذ يؤدي إلى درء خطر التحرش الذي يمكن أن ينتج عنهم مستقبلاً، وبذلك تلتقي هذه الفكرة مع فكرة الوقاية.

وفي هذا الخصوص، ينص الفصل 10 من القانون المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة في تونس على أن تتَّخذ وزارة العدل كل التدابير اللازمة لإعادة تأهيل مرتكب جريمة العنف ضد المرأة وإعادة إدماجه في الوسط العائلي والاجتماعي.

آلية الوقاية والتأهيل

إن أساس آلية الوقاية والتأهيل يتمثل بصندوق خاص ينشأ لدى وزارة الشؤون الاجتماعية، يُحدّد نظامه بموجب قرار تنظيمي يصدر عن وزير الشؤون الاجتماعية. رغم مرور سنتين ونصف السنة على صدور القانون 205/2020، لم يتم إنشاء هذا الصندوق فعلياً بعد، علماً أن آلية إنشائه ووضع نظامه المحددة أعلاه، بسيطة ولا تستلزم إجراءات معقدة.
يُموَّل هذا الصندوق من مساهمات الدولة، إذ يُرصد لهذه الغاية اعتماد في الموازنة العامة السنوية لوزارة الشؤون الاجتماعية. إلا أن هذه الوسيلة في التمويل قد تواجه صعوبات في الوضع الحالي للمالية العامة.

وحول الكتاب وتفاصيله، أجرت «القوس» مقابلة مع الكاتب للتعرف أكثر على ما يحمل في طياته وعلى أهميته العلمية والقانونية.

– يتزامن صدور الكتاب مع ازدياد نسب جرائم التحرش الجنسي، فما أهميّة وجود قانون يُجرّم هذا الفعل؟

تبرز أهميّة هذا القانون بأنه خطوة مهمة في مجال التشريع الرامي إلى حماية الحقوق الأساسيّة، ومكافحة أحد أشكال التمييز ضد المرأة، فرغم أن فاعلي جرم التحرش الجنسي وضحاياه يمكن أن يكونوا من الجنسين، إلّا أن الغالبيّة الساحقة لتلك الأفعال تمسّ بالنساء، وقد أدّت تاريخيّاً إلى تشكيل عقبة أمام انخراطهنّ في مجال العمل.

– كيف يمكن تطوير القانون الحالي لتجريم التحرش الجنسي وتأهيل ضحاياه؟

بشكل عام، عندما يصدر قانون جديد في مجال محدد تكون الغاية الأساسيّة إيجاد إطار قانوني للحالة التي يتمّ التشريع من أجلها. ومن الطبيعي بعد ذلك أن يُظهر التطبيق العملي بعض النواقص في القانون، أو بعض النواحي التي تحتاج إلى تفصيل كي تتحقق الغاية منها. فعلى سبيل المثال، أقرّ القانون الحالي مبدأ حماية الضحايا والشهود خلال الإجراءات، وهذا أمر جيّد على الصعيد المبدئي، إلّا أنه لم ينصّ تفصيلاً على تدابير الحماية ووسائلها والآليّات الواجب سلوكها لإقرارها، الأمر الذي يمكن أن يؤدي عمليّاً إلى عدم فعاليّة هذا المبدأ، لا سيّما أن بعض أوجه الحماية، كسرّية هويّة الشهود يتعارض مع مبادئ إجرائيّة مُكرّسة قانوناً، فلا يجوز إقرار وسيلة الحماية هذه إلّا بنصوص قانونيّة صريحة ومُحددة الشروط والنطاق.

إضافةً إلى ذلك، يغلب الطابع العقابي على هذا القانون، ولا يشتمل على آليّات وموجبات الوقاية من التحرش الجنسي في أماكن محددة يكثر فيها كأماكن العمل، فمن المفيد هنا التفكير في كيفيّة تطويره لهذه الناحية، والاسترشاد بتجارب تشريعيّة عدة منها التشريع الفرنسي.

قد أشرت في معرض شرح القانون إلى أمور تصلح لفتح نقاش علمي غايته تطوير القانون. ومن يطّلع على مسار التشريع الفرنسي في هذا الخصوص يجد أنه خضع لتعديلات عدّة منذ إقرار تجريم التحرش الجنسي عام 1994 لغاية النص الساري المفعول اليوم، وكان آخرها عام 2018. والأمر سيّان في ما يتعلّق بأحكام التحرش الجنسي في قانون العمل الفرنسي، التي أُقرّت عام 2008 وحصل آخر تعديل عليها في 2022.

وبموازاة أهميّة تطوير النصوص القانونيّة، يجب التركيز على أهميّة إنشاء وتفعيل آليّة تأهيل ضحايا التحرش الجنسي ومرتكبيه، إذ إن مبدأ التأهيل الذي أقرّه القانون وأبرزه في عنوانه يبقى مُجرّد نص من دون مفعول إذا لم يتمّ إنشاء الصندوق الخاص في وزارة الشؤون الاجتماعيّة ومباشرة مهامه المنصوص عليها في المادة 6 من القانون بفعاليّة.

فاطمة خشاب درويش

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




«شو قصة الـ 50 مليون دولار؟»

الخزينة الفارغة وأسس الاقتراض من مصرف لبنان

تداول مسؤولون لبنانيون ووسائل إعلامية بياناً صدر عن نواب حاكم مصرف لبنان، يُطالب بتعديل قانوني يجيز الاقتراض من مصرف لبنان، فيما الواقع أن الاقتراض وفق القانون الحالي لا يحتاج إلى أي تعديل أو ضمانات، إلا إذا أراد المعنيّون تعديل شرط من هذه الشّروط. فالمبدأ العام، وفق أحكام قانون «النّقد والتّسليف وإنشاء المصرف المركزي» المنفّذ بمرسوم رقم 13513 تاريخ: 01/08/1963، يقضي بأن الاقتراض ممنوع إلّا في حالات استثنائية، وإن توافرت هذه الحالات فإن عقد الاقتراض هو الذي يحال إلى مجلس النواب. لكنّ للكلام عن دور مجلس النواب هدفاً آخر هو تعديل قانون النّقد والتّسليف، فهل سيعلن عن صيغة التّعديل المطلوب أم أن الأمر مجرّد إجازة عامّة بالاقتراض من دون أي قيود؟ 


كيف تقترض الحكومة من مصرف لبنان؟

من صفات المصرف المركزي الأساسية أنه مصرف القطاع العام، الذي تودع فيه أموال هذا القطاع ويدفع المبالغ التي يأمر بصرفها ويحوّل الأموال التي يطلبها، إلا أنه مقيّد بسقف قيمة موجودات هذا القطاع لديه.
وقد وضع قانون النّقد والتّسليف قاعدة عامة مفادها أنه، من حيث المبدأ، لا يمنح المصرف المركزي قروضاً للقطاع العام باستثناء حالات محددة (المادة 90). إلا أن لذلك أيضاً قيوداً لا يجوز تجاوزها، إذ أجاز القانون للمصرف المركزي أن يمنح الخزينة، بطلب من وزير المالية، تسهيلات صندوق لا يمكن أن تتعدى قيمتها عشرة في المئة من متوسط واردات موازنة الدولة العادية في السنوات الثلاث الأخيرة المقطوعة حساباتها، ولا يمكن أن تتجاوز مدة هذه التسهيلات الأربعة أشهر (المادة 88). إلا أن حسابات الحكومة غير مقطوعة عن السنوات الثلاث الماضية لعدم صدور قطع حساب للموازنات السابقة.
ورغم أن القانون أعطى الحكومة إجازة دائمة تخوّلها اللجوء إلى هذا الاستلاف، كلما تبيّن لوزارة المالية وللمصرف المركزي أن موجودات الخزينة الجاهزة لدى هذا المصرف غير كافية لمواجهة التزامات الدولة الفورية. إلا أن هناك شرطاً آخر هو أن هذه الإجازة لا يمكن استعمالها أكثر من مرة واحدة خلال اثني عشر شهراً (المادة 89).

ما هو الإجراء القانوني في ظروف استثنائية الخطورة؟

إذا ما ارتأت الحكومة الاستقراض من المصرف المركزي، في ظروف استثنائية الخطورة أو في حالات الضرورة القصوى، تحيط حاكم المصرف علماً بذلك. 
ووفقاً للمادة 91 من القانون، يدرس المصرف مع الحكومة إمكانية استبدال مساعدته بوسائل أخرى، كإصدار قرض داخلي أو عقد قرض خارجي أو إجراء توفيرات في بعض بنود النفقات الأخرى أو إيجاد موارد ضرائب جديدة. وفقط في الحالة التي يثبت فيها أنه لا يوجد أي حل آخر، وإذا ما أصرّت الحكومة مع ذلك، على طلبها، يمكن للمصرف المركزي أن يمنح القرض المطلوب. 
حينئذ يقترح المصرف على الحكومة، إن لزم الامر، التدابير التي من شأنها الحد مما قد يكون لقرضه من عواقب اقتصادية سيئة وخاصة الحد من تأثيره، في الوضع الذي أعطي فيه، على قوة النقد الشرائية الداخلية والخارجية. 

كيف يحدد معدل فائدة القرض وما مدته؟

تنتج القروض الممنوحة للقطاع العام، بموجب المادة 93 من القانون، فوائد لمصلحة المصرف يحدد معدل الفائدة بالنسبة إلى أوضاع السوق. حيث لا يمكن أن يكون معدل الفائدة على تسهيلات الصندوق المشار إليها أعلاه في المادة 88، أقل من معدل الحسم المعمول به لدى المصرف مخفضاً واحداً. ولا يمكن أن يقلّ معدل الفائدة على القروض المعقودة مع الحكومة عن معدل الحسم المعمول به لدى المصرف مضافاً إليه واحد. ولا يمكن أن تمنح القروض المشار إليها لمدة أطول من عشر سنوات.
ما الشروط المذكورة في عقد الاستقراض؟
نصّ القانون بموجب المادتين 95 و96، على أن يجري تحديد معدل الفائدة ومدة القرض وشروطه الأخرى في عقد يوقّع بين المصرف والمستقرض. ويحال العقد على مجلس النواب مع كامل ملف دراسات وتقارير الإدارة والمصرف. كما يمكن للمصرف المركزي أن يفرض، في تحقيق القروض، إصدار المستقرض وتسليمه المصرف سندات مالية قابلة التداول وممكن بيعها من الجمهور.

هل القرض الأخير في 27 شباط 2023 قانوني؟

سبق أن قرر مجلس الوزراء في جلسته بتاريخ 27 شباط 2023، الموافقة على عقد استقراض بقيمة 50 مليون دولار من مصرف لبنان، لزوم دفع مستحقات القروض المتوجبة للهيئات والمؤسسات والمنظمات الدولية، وعلى تفويض وزير المالية التوقيع على العقد.
وقد حُدّدت الفائدة السنوية بمعدل 4% عن جميع المبالغ المسحوبة من القرض وغير المسدّدة، وتسري الفائدة لكل مبلغ اعتباراً من تاريخ سحبه. والتزمت الحكومة بموجب المادة الخامسة من عقد القرض بردّ قيمة القرض والفوائد من إيرادات المقترض بالعملات الأجنبية في حسابات مصرف لبنان في الخارج، ومن أي دفعات قد تتلقاها الحكومة من الجهات المانحة أو من خلال شراء العملات الأجنبية من الجمهور وفقاً للمادة 75 من قانون النقد والتسليف. ويُحتسب القسط بشكل سنوي وعلى ثلاث سنوات كحد أقصى، وفي هذا الخصوص يتعهّد المقترض بأن يتم الإيفاء بمعزل عن مسؤولياته المتعلقة بقرار التوقف عن الدفع أو متوجبات الدفع المتعلقة باتفاقيات القروض السابقة أو المقبلة أو بأي عملية إعادة تقييم لمتوجبات الحكومة ضمن خطة التعافي.
إذا كان هذا الاقتراض قد تم بصورة قانونية فما الفارق، وإن كان لا يجوز الاقتراض إلا بتعديل قانوني فكيف تمّت الموافقة عليه سابقاً؟ 

صادق علوية

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




لنعمل مجتمعين لحماية الأحداث

تدهشنا يوميًا الأخبار التي تُظهر تورّط أقرب المقرّبين، من حاضنين وحاضنات ومقدّمي رعاية وغيرهم من ضعفاء النفوس، في كلّ أشكال العنف ضد الأطفال. فخلال الأيام العشرين المنصرمة، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العديد من القضايا التي طاولت الأحداث، وشملت جرائم اغتصاب وتحرّش واتجار وزجّ في أعمال منافية للحشمة ودعارة وتعنيف جسدي ومعنوي وتخلِّ عن أطفال رضّع وحوادث أخرى لا يستوعبها المنطق. 
وبما أن مصلحة الأحداث تقع فوق كل الاعتبارات، فإن «الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان» يشدد على ضرورة وضع خطة وطنية متكاملة لحماية الأطفال ورعايتهم، نستعرض في ما يلي أبرز الاقتراحات العملية


يعمل الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان يوميًا كالجهة المولجة (بموجب القانون اللبناني 422/2002) بمتابعة الأعمال المنوطة به لحماية الأحداث، فيشكّل «خط تماس» اجتماعياً مسانداً للطفل ومولجاً من وزارة العدل بمتابعة الملفات ومواكبة القاصرين والقاصرات من كلّ الجنسيات على الأراضي اللبنانية كافة. إذ ترده الإخبارات من الوزارات المعنية بحماية الطفولة كوزارات الصحة والشؤون الاجتماعية والتربية والعدل والداخلية، إضافة إلى الجمعيات الأهلية المتعاقدة مع الوزارات وتلك التي تعمل بموجب «علم وخبر» من وزارة الداخلية أو عبر منصات التواصل الاجتماعي وغيرها، عبر الخط الساخن التابع للاتحاد في المحافظات كافة.

يعدّ الاتحاد أن ما تم تداوله أخيرًا من حوادث عنف ضد الأطفال لا يشكّل سوى جزء ضئيل من القضايا والحوادث التي يواجهها يوميًا، وعلى مدار السنة. فالمندوبون الاجتماعيون ينشطون بشكل لا يلاحظه المجتمع، من دون كلل أو ملل أو تراخٍ، وهم جنود مجهولون يساندون ويرافقون ويؤازرون ويعدّون التقارير الداعمة لمصلحة القاصرين. كما أنهم عرضة للتهديد، أحيانًا، من ذوي القاصرين المنكوبين، ويواجهون اتهامات بالرشوة وتغيير الوقائع. وفي هذا السياق، يهمّ الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان أن يؤكد أن هدفه الأسمى هو الحفاظ على مصلحة القاصر الفضلى أولًا وأخيرًا.
وبالعودة إلى الأحداث التي تم تناقلها أخيرًا، وأظهرت تزايد وتيرة العنف ضد الأطفال، فإن الاتحاد يؤكد أن هذه الظاهرة ليست محصورة بهذه الفترة، بل تعود إلى بداية 2023. فقد رصدت إحصائيات الاتحاد الموثقة بالمحاضر العدلية التي نظّمت بحضور مندوبي الاتحاد أمام الضابطة العدلية في الأشهر الستة الأولى من عام 2023، 939 قاصرًا على الأراضي اللبنانية بين معنّف ومخالف للقانون. وبلغ عدد المعنّفين داخل منازلهم 227 قاصرًا، وعدد القاصرين المعرّضين للتحرّش أو الاغتصاب 117. ورغم أن هذه الأرقام تعود إلى فترة اعتكاف القضاة، إلا أنها تظهر وتيرة العنف الممارس على القاصرين والقاصرات.

ونظرًا إلى كون قضية الأحداث تتعلق بالانتظام العام، ولكون مسؤولية الأحداث تقع على عاتق كل مسؤول في الدولة اللبنانية، فإن الاتحاد لحماية الأحداث يقترح إنشاء هيئة وطنية متحدة ذات صلاحيات ممتازة لمتابعة قضايا الأحداث، تكون مهامها، على سبيل المثال لا الحصر، الآتي:

1. التشبيك والإشراف على مختلف الدوائر والأقسام الإدارية التي تعنى بالأحداث في الوزارات (العدل والتربية والشؤون والصحة) مع الأخذ في الاعتبار ضرورة إنشاء وحدة للأحداث في وزارة الداخلية.
2. إعطاء رقم وطني لكل قاصر على الأراضي اللبنانية منذ الولادة أو منذ دخوله الأراضي اللبنانية.
3. العمل على متابعة تعديل قوانين العقوبات لكل من يعتدي أو كل من يسيب الطفل.
4. تعميم ثقافة حماية الطفل عبر وضع سياسة حماية وطنية شاملة لكل عامل مع الطفل في كل المجالات والأماكن، بما يشمل المدارس، والحضانات، والمؤسسات الرعائية، والمخيمات الصيفية، والمستشفيات، والمستوصفات، والبلديات بحيث يكون هناك مجتمع صديق للطفل.
5. وضع معايير تقييمية دوريًا للعاملين مع الأطفال.
6. وضع خط ساخن متخصص لاستقبال البلاغات والإخبارات وتحويلها للمسار المختص.
7. مراقبة عمل الجمعيات التي تتابع وتستقبل القاصرين مهما كانت جهة تمويلها أو ترخيصها عبر معايير ومؤشرات وتقارير علمية موضوعية تضع مصلحة القاصرين فوق أي اعتبار.
8. متابعة ومراقبة برامج تأهيل الأحداث وإصلاحهم وتأديبهم وتعليمهم وإعادة دمجهم في المجتمع.
9. متابعة وضع القاصر المعرّض للأخطار النفسية.

فلنعمل مجتمعين لحماية الأحداث

أميرة سكّر

* رئيسة الاتحاد لحماية الأحداث في لبنان




التحرش والاعتداء الجنسي: تكتّم مؤذٍ

«أوعك تخبري بيّك شو عمل جِدّك معك، والله بيروح بيقوصو»، تستذكر منال، الزوجة والأم، جملة والدتها هذه قبل خمسة وعشرين عاماً عندما أخبرتها أن جدّها يتحرّش بها. إذ تعدّ وصمة العار الاجتماعية المحيطة بجرائم الاستغلال الجنسي للأطفال من أهم الأسباب التي يستغلها الجاني للإفلات من العقاب، خاصة في جرائم «زنا المحارم» عندما يتم التستّر على الجناة من قبل أفراد الأسرة نفسها. نعرض في ما يلي «سفاح القربى» من منظور العلم الجنائي ومن زاوية نفسية واجتماعية وسبل المعالجة الهادئة والعلمية للوقاية ولإعادة تأهيل الجناة ومنع تكرار الجرائم في المستقبل


كانت منال تبلغ من العمر ستّ سنوات عندما بدأ يتحرش بها جدها لجهة والدتها، لم تكن تدرك معنى وسبب تصرفاته «المقززة» تلك، لكنها كانت تشعر بالخوف والحيرة والارتباك. وحين لجأت إلى والدتها للمساعدة، وعدتها بأن تحلّ الموضوع لكن شرط عدم إخبار أي أحد بما حصل وإلا «بدّك بيّك يتختِخ بالحبس لمّا يقتل جدّك؟».

كنا قد تناولنا في مقالة سابقة البروتوكول العلمي للفحص الجنائي الشامل والدقيق في هذا النوع من القضايا، لبناء مقاضاة فعّالة في المحكمة، وألقينا الضوء على بعض المؤشرات السلوكية والنفسية لدى الأطفال التي قد تدل على تعرضهم للعنف الجنسي (راجع «القوس»، 26 شباط 2022، انتبهوا من «عمّو»). لأن الخوف من الشعور بالمسؤولية عن الإساءة أو من التحدث علانية بسبب الإحراج والفضيحة يمكن أن يؤدي إلى تضرر الضحية جسدياً ونفسياً بطريقة مباشرة.

لرفع الصوت

ضجّت أخيراً وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بخبر وفاة الطفلة لين طالب، جراء نزيف حاد ناتج عن اغتصاب متكرر. فيما ادّعت النيابة العامة الاستئنافية في الشمال على جدّ الضحية من جهة الأم للاشتباه به بالاغتصاب وعلى والدتها بتهمة التستّر على الجريمة. في المقابل، وبعد أيام قليلة على وفاة الطفلة لين، حاولت عائلة أخرى في عكار التستّر عن جريمة اغتصاب طفلها تجنّباً للعار، إلا أن الوضع الصحي والنفسي المتدهور للطفل اضطرهم إلى الكشف عن الجريمة.
إلى جانب ذلك، ازداد التداول بقضايا التحرش التي تطاول أطفالاً وقاصرين في لبنان وأصبح أمراً شبه يومي، فيما تصدر بيانات رسمية عن الجهات المعنية بتوقيف متحرشين. إذ أوقفت قوى الأمن الداخلي متحرش بطفلة تبلغ من العمر ثمانية أعوام بتاريخ 2/5/2023، وتداولت وسائل إعلامية خبر توقيف متحرش بعدد من الأطفال بالقرب من مدينة صور، بتاريخ 12/6/2023. كما أوقفت شعبة الخدمة والمعلومات التابعة لأمن الدولة أحد الأشخاص بتهمة التحرش ومحاولة اغتصاب فتاة تبلغ من العمر ثلاثة عشر سنة بتاريخ 26/7/2023. وكانت آخر تلك البينات بتاريخ 31/7/2023 حيث أوقفت الشعبة نفسها رجلاً يستدرج أطفالاً إلى منزله عبر تقديم مغريات مالية للتحرش بهم ومحاولة اغتصابهم.

في أي زمان ومكان

يساهم الوضع القائم في لبنان اليوم، من تفلّت وانعدام للرقابة وضعف الإشراف الأسري وتصدّع البنية التربوية في ظل انهيار مستمر للقيم والمبادئ الأخلاقية، في ازدياد جرائم التحرش والاغتصاب. يقول أستاذ علم النفس الاجتماعي في الجامعة اللبنانية محمد شحيمي لـ«القوس»، مشيراً إلى أن هذه الحوادث يشهدها المجتمع اللبناني حتى من قبل أزمة 2019 وبدء الانهيار المالي والأزمة الاقتصادية التي أثقلت هموم السكان. وهذا ما أكدته أستاذة العلوم النفسية الاجتماعية في الجامعة اللبنانية أديبة حمدان، قائلةً إن العنف الجسدي والمعنوي جراء الاغتصاب والتحرش يزداد نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي هيّأت بيئة حاضنة للجريمة وساهمت بالإفلات من العقاب، ما شجع الأفراد على ارتكاب المزيد من الجرائم. إلا أن هذه الحوادث ليست بجديدة وليست محصورة بالأزمة التي يشهدها البلد. فمع الانفتاح التكنولوجي، بدأت تلك الحوادث والجرائم تظهر إلى العلن حيث يتم تداولها بشكل واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي والوسائل الإعلامية.

وتضيف حمدان إن المؤسسات الاجتماعية والتربوية والإنسانية تفترض دائماً أن تلك الجرائم بعيدة كل البعد عن وقوعها، علماً أن هذا النوع من الجرائم يمكن أن يحدث في أي نوع من المؤسسات وحتى ضمن العائلة الواحدة وبأي بقعة جغرافية خارج المدن أو داخلها. وبحسب شحيمي، لا يوجد علاقة بين حالات الاغتصاب والتحرش والموقع الجغرافي لمكان حدوثها (المدينة أو القرية)، إنما يعود ذلك إلى الظروف وطريقة ونمط العيش. إذ يمكن ملاحظة خروج حالات الاغتصاب والتحرش إلى العلن في المدينة أكثر من القرية.

يطان أخرس

الخوف من الفضيحة ومن نظرة المجتمع السلبية ربما ساعد على إفلات المعتدين والمجرمين من العقاب. كرفض أهالي إحدى القرى اللبنانية تسليم أحد أبنائهم الذي تحرّش بأشخاص عدة، خوفاً من وصمة العار ومن الفضيحة التي ستطاول قريتهم. وفي هذا الإطار، يعدّ شحيمي إخفاء جرائم الاغتصاب والتحرش والتستّر عنها أمراً «طبيعياً» داخل مجتمعاتنا تجنباً «للفضيحة». وذلك بالطبع ليس الحل بالنسبة إلى شحيمي، الذي يضيف: «غالباً ما يعمد الضحايا وذووهم إلى إخفاء تعرضهم لجريمة الاغتصاب أو التحرش خشية الفضيحة الاجتماعية وانهيار مركزهم الاجتماعي، إلا أن هذا التستّر من شأنه أن يشجع الجاني على ارتكاب المزيد من الجرائم».

وفي السياق نفسه، تشدد حمدان على الأهمية القصوى للتبليغ عن هذه الجرائم لمنع الإفلات من العقاب وللحد من انتشار هذا النوع من الجرائم، فالضحية (أو ذويها) التي تتستّر على تعرضها لمثل هذه الأفعال عن وعي أو غير وعي والرضوخ لأمر الواقع خوفاً من «الجرصة» يشجع المعتدي على التمادي في أفعاله. مضيفة أنه من المفترض أن تدرَّس «ثقافة التحدث عن الجرائم» داخل المنازل والمدارس والجامعات لكسر الصمت، الأمر الذي يعزز التعامل بشكل صحي مع الضحية وذويها وحتى مع الجاني نفسه.

لإفشاء السر

زنا المحارم (الاغتصاب والتحرش بين أفراد العائلة الواحدة) هو من أسوأ أنواع جرائم الاغتصاب والتحرش، ويعدّ خرقاً للمعايير الدينية والقيم الاجتماعية والفطرية، يوضح شحيمي، مضيفاً أنه غالباً ما يُشخّص المغتصب أو المتحرش بمرض «الشبق الجنسي» الذي يتمثل باضطرابات هرمونية جنسية واضطرابات عقلية. فلا يعود بمقدار الجاني التمييز بين أمه وجدته وزوجته وحفيدته وابنته وأخته. وذلك يستعدي، وفق شحيمي، الحجر الفوري لحماية الضحية كما يتوجب معالجة الجاني ضمن مصحات عقلية ونفسية للوقاية من جرائم أخرى قد تطاول ضحايا إضافيين. يستذكر شحيمي، في هذا السياق، حادثة في إحدى المدارس الثانوية، حيث عاين رجلاً سبعينياً كان يعمل حارساً لمدخل الثانوية، حيث أقدم على اغتصاب فتيات عدة. تم تشخيص الحارس باضطرابات جنسية وخلل هرموني وحُكم عليه بالسجن. وهنا، يشير أستاذ علم النفس الاجتماعي إلى أن السجن وحده ليس الحل، بل من المفترض تقديم علاج نفسي واحترازي. فزجّ المحكوم عليه داخل سجن لتنفيذ عقوبته من دون إعادة تأهيله وتأمين المعالجة النفسية اللازمة لا يعالج الأزمة، فقد يعود، بعد خروجه من السجن عند انقضاء فترة محكوميته، لتكرار الجريمة ذاتها.

وفي هذا الصدد، يشدد شحيمي على ضرورة إجراء اختبارات نفسية لكل من يتقدم إلى وظيفة، التي تعدّ أساسية للتأكد من خلو الشخص من العيوب النفسية والعقلية «لسلامته وسلامة الجميع». وتؤكد أستاذة العلوم النفسية الاجتماعية على أن الأشخاص الذين يقدمون على الاغتصاب والتحرش بأولادهم وأحفادهم وأخواتهم هم في غالبية الأحوال مرضى «حالات نفسية غير سوية»، تتطلب متابعة خاصة للكشف عن النشأة النفسية والاجتماعية للمعتدي، ومعالجته قبل أي شيء. «فالكثير من الأشخاص المعتدين يمارسون حياتهم غير مدركين أنهم بحاجة إلى علاج».

تعزيز الرقابة الأسرية

يقول شحيمي إن الأفلام الإباحية وسهولة الوصول إليها خصوصاً عند الأطفال والمراهقين قد تساعد في انتشار حوادث الاغتصاب والتحرش، كون ما ينظرون إليه هو شيء طبيعي ومنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعلى الشبكة العنكبوتية. فيؤدي ذلك إلى رغبتهم في ممارسة العلاقات الجسدية بالقوة، مع أطفال أقرباء لهم. وتضيف حمدان إن الأفلام الإباحية تغذّي النفوس الضعيفة وأصحاب الحالات النفسية غير السوية الصعبة، ما يفسّر إقدامهم في المستقبل على التحرش والاغتصاب كرد فعل وسلوك عدائي تجاه الحلقة الأضعف من أولاد ونساء غير القادرين على الدفاع عن أنفسهم.

مشيرةً إلى عوامل أخرى تساهم في ارتكاب فعل الاغتصاب والتحرش وتكراره، ومنها، عامل التنشئة الاجتماعية والبيئة غير السوية خصوصاً داخل المنزل التي تؤدي إلى تكوين مفهوم خاطئ للعلاقات الجنسية لدى الطفل. وتدعي حمدان إلى ضرورة وجود ثقافة توعية (كمادة تدرّس داخل المدارس) عن العلاقات الجنسية السليمة بهدف خلق مفهوم سليم عند الأطفال والمراهقين خاصة في ظل الفراغ المعرفي لديهم حول تلك العلاقة أو لتصحيح المفاهيم المغلوطة التي اكتسبوها. لا سيّما أن معظم الأهالي «يستصعبون» التحدث عن هذه المواضيع التي تعدّ حساسة بالنسبة لهم، كونهم ينتمون إلى مجتمع لديه خصوصياته وتقاليده. نتيجة ذلك، «يلجأ الطفل إلى تنمية معرفته الجنسية من هنا وهناك، ويقع في الفخ. فالانحراف يمكن أن يكون نتيجة صدمة أو تربية غير سليمة».

حمدان«لتحصين الفرد منذ صغره وتوعيته حول الاغتصاب والتحرش»

• توعية طفلك والتركيز على فكرة أن «جسدك ملكك، لا تسمح لأحد أن يلمسه».

• التحدث بوضوح عن الأماكن الخاصة في الجسد، للتمييز بين مختلف اللمسات التي يتعرض لها الطفل.

• يفترض وجود برامج وأنشطة وتوجيهات داخل المدارس وليس فقط في المنازل.

• التوعية مطلوبة من وسائل الإعلام أيضاً، فالجمعيات وحدها لا تكفي.

جدوى العقوبة

العقوبة ضرورية وأساسية لحماية المجتمع، إلا أن مفهوم العقوبات لا يهدف فقط إلى الردع وحماية المجتمع بل لإعادة تأهيل الجاني بشكل أساسي. ويفترض أن يكون للعقوبة أثر مهم للحد من تكرار الجريمة، وتصحيح السلوك الجنائي وإعادة انخراط الجاني بشكل فعّال في المجتمع بعد خروجه من السجن. من دون النجاح في تحقيق هذا الهدف لا يعود للعقوبة معنى. وبالتالي، تتطلب الحماية الفعّالة للمجتمع إعادة تأهيل المحكوم عليهم، ومن ضمنهم المقدمين على جرائم الاغتصاب والتحرش الذين يستوجبون مساعدات نفسية محددة واختبارات نفسية دورية مع فصلهم عن باقي السجناء داخل القاووش.

بيئة «حاضنة»

إن المشردين والأطفال في الشوارع هم أكثر عرضة للتحرش والاغتصاب والدخول ضمن دوامة بيئة جنائية لا تنتهي، وفقاً لشحيمي. إذ يمكن أن تنعكس سلباً عليهم ويرتكبون الاعتداء الجنسي أو ينخرطون في تجارة المخدرات وممارسة الدعارة. وتؤكد حمدان أن الأولاد المشردين، بعيداً عن المدرسة والعائلة، هم أكثر عرضة للتحرش لكنهم ليسوا الوحيدين. «حتى حين ترسل الأم مثلاً ابنتها أو ابنها إلى ا

جنان الخطيب – أحمد مدلج

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




إستقراض أم وضع يد… ومصادرة ما تبقّى من أموال المودعين؟

اكد الدكتور وسيم منصوري في المؤتمر الصحافي الذي عقده بمناسبة تسلمه مهام حاكم مصرف لبنان لحين تعيين حاكم اصيل بأنه لن يتمّ صرف اي تمويل للحكومة على الإطلاق خارج قناعاته وبدون الإطار القانوني.لكنه استدرك لاحقاً وقال انه سيتسامح هو وزملاؤه بتسليف الدولة جرياً على النهج السابق، لفترة انتقالية قصيرة واخيرة وبموجب قانون يصدر عن المجلس النيابي ومن ضمن اقرار الاخير رزمة القوانين الاصلاحية المطلوبة وهي: قانون الكابيتال كونترول، قانون اعادة هيكلة المصارف، قانون اعادة التوازن المالي اضافة الى قانوني الموازنة لعامي 2023 و 2024 اللذين يجب اصدارهما ضمن المهلة الدستورية.

شروط منصوري

واشترط ان يخصص القانون الذي سيجيز الاقتراض من مصرف لبنان لتمويل احتياجات ملحة مثل دفع رواتب القطاع العام لتنشيط الادارة وزيادة انتاجيتها وتأمين الدواء. وان يكون لوقت محدد وان يكون استرداده وفق آليات فعلية وواضحة وليس وفق كلام إنشائي أو نظري، وأن تكون الحكومة الجهة الصالحة لتحديد حجم الأموال التي ستقترضها، اي أن مصرف لبنان لن يملي على الحكومة حاجتها.

واقترح ان يكون الصرف خلال الفترة الانتقالية القصيرة بتعاون قانوني متكامل بين البرلمان والحكومة والمصرف المركزي يكفل اعادة الاموال، مشدداً على عدم جواز المسّ بالتوظيفات الإلزاميّة بالعملات الاجنبية لدى مصرف لبنان تحت أيّ مسمى أو ذريعة وهي البقيّة القليلة الباقية من أموال المودعين، وعلى ان الحلّ الحقيقي يكمن في إصلاح المالية العامة، فالمسألة ليست نقديّة والحلّ ليس في البنك المركزي إنّما في السياسة المالية للحكومة.

أمام النواب

وكان الدكتور منصوري قد صرح امام لجنة الادارة والعدل باسمه وزملائه عن نواياهم بوقف الإنفاق من التوظيفات الالزامية، إلا إذا قرّرت الحكومة ومجلس النواب عكس ذلك، أي إلا إذا صدر قانون يتيح الانفاق. وذكر أن حجم التوظيفات كان يبلغ 20 مليار دولار عند استلامهم مواقعهم الوظيفية في نيابة الحاكم، وبعد إنفاق ثلاثة مليارات دولار سجّلوا اعتراضهم على هذه السياسة التي كانت تستنزف الدولارات التي يملكها مصرف لبنان. واوضح سبب الاستنزاف بأن المجلس المركزي هو هيئة تقريرية غير تنفيذية، وأن الحاكم سلامة دأب على تنفيذ سياسات تعارض توصيات المجلس وتوجهاته.

مسودة الحكومة

بعد ساعات من المؤتمر الصحافي تم تداول مسودة مشروع قانون ذكر انها من اعداد الامانة العامة لمجلس الوزراء تضمنت، عملاً بالاتفاق الذي تم التوصل اليه بين نواب الحالكم ورئيس الحكومة، الاجازة للحكومة اللبنانية الاقتراض بالعملات الاجنبية من مصرف لبنان ومن التوظيفات الالزامية لديه تحديداً مبلغاً ترك مقداره ومدته للنقاش، على ان تكون هناك امكانية لتجديده لمرة واحدة وان تتم اعادة المبلغ المقترض خلال مدة 18 شهراً (بدون تحديد تاريخ بداية السداد ) من مداخيل الدولة او من نتيجة تدخلات مصرف لبنان في السوق بائعاً ومشترياً العملات الاحنبية (من دون ايضاح لكيفية فك الارتباط مع مقتضيات المادة 115 نقد وتسليف). ويمكن لمصرف لبنان تعليق القرض او ايقافه في حال تبين عدم الالتزام باقرار القوانين الاصلاحية (دون توضيح ما اذا تعلق الامر بالمضمون الاصلاحي للقوانين ام فقط بالتواريخ المحددة لاقرارها).

إعتراض الشامي

مشروع القانون انتقده نائب رئيس الحكومة سعادة الشامي وحجته ان اضافة مبلغ قيمته حوالى المليار دولار، وهو المبلغ الذي يتم التداول بانه سيكون قيمة القرض المطلوب لمدة 6 اشهر، على الدين العام هي زيادة كبيرة اذ تبلغ حوالى 6% من الناتج المحلي الاجمالي. وهناك شبه تأكيد انه لن تكون هناك امكانية لرد المبلغ من ايرادات الموازنة السنوية المقدرة بمليار وثمانماية مليون دولار. وفي حال تعذر الرد فسيكون الامر على حساب المودعين، علماً ان دعم الاجور في القطاع العام ليس من مهام السلطة النقدية، فكيف اذا كان هذا الدعم من اموال ليست لها؟

ميقاتي يتهرّب

الرئيس ميقاتي بعد توزيع مسوّدة مشروع القانون، عاد ورمي الكرة في مرمى مجلس النواب داعياً نواباً منه إلى المبادرة بتقديم اقتراح القانون الذي يجيز للحكومة الاقتراض من مصرف لبنان متنصلاً من الوعد الذي قطعه لنواب الحاكم بتسريع إعداد مشروع قانون خاص لتغطية التمويل من الاحتياطي الإلزامي. وفي إطار الضغط على النواب من أجل تشريع اقتراض الحكومة صرح أنه «مع نهاية هذا الشهر لا نستطيع تأمين الدواء ولا الرواتب بالعملة الأجنبية ولا نستطيع القيام بالعمل اللازم للاستقرار النقدي، وبالتالي هذا الأمر لا يهمّ الحكومة وحدها بل يعني مجلس النواب وجميع اللبنانيين، وعلى الجميع العمل كورشة واحدة لإنقاذ البلد. فالحكومة لا تستطيع أن تصدر قانوناً ولكن يمكن أن تطلب من المجلس النيابي السعي الجدي لقبول اقتراح قانون وإقراره في أسرع وقت ممكن».

وقد تذرع ميقاتي في انحرافته بالمادة الرابعة من مرسوم تنظيم أعمال مجلس الوزراء التي تنصّ على وجوب إرسال مشاريع القوانين والمراسيم التنظيمية قبل أسبوع على الأقل من مناقشتها في مجلس الوزراء وايضاً برأي بعض الوزراء بان حكومة تصريف الأعمال لا يحق لها تقديم مشاريع قوانين.

وكان الرئيس ميقاتي قد طلب راي «مجلس شورى الدولة» بموضوع اقتراض الحكومة من مصرف لبنان فاتي جواب الاخير سلبياً. لان شروط الاستقراض المنصوص عنها في المادة 91 من قانون النقد غير متوافرة والقانون يلزم مصرف لبنان بضرورة استعمال كل الوسائل القانونية المتاحة لتأمين المال للدولة عبر وسائل مختلفة غير الاقتراض منه بحيث يكون الملجأ الأخير الذي لا يُقرض الدولة إلا عند فقدان الأمل نهائياً بإمكانية وجود مصدر آخر للتمويل أو بإمكانية الاستغناء عن القرض عن طريق خفض النفقات العامة أو إيجاد موارد ذاتية جديدة للدولة.

ليس ملزماً

لكن، حتى لو توافرت كلّ هذه الشروط، فمصرف لبنان ليس ملزماً بإقراض الدولة بل إنه مستقلّ تماماً في قراره لأن المادة 91 تذكر حرفياً «يُمكن» للمصرف المركزي أن يمنح القرض وليس «عليه» أن يمنح القرض. وفقط في حالة «الظروف الإستثنائية الخطورة او الضرورة القصوى» على ان لا تزيد مدّة القرض عن عشر سنوات. ويجب ان يكون هناك عقد توقّعه الحكومة والمصرف، يُحال مع مستنداته وتقاريره إلى مجلس النواب كي يُصدّقه عملاً بالدستور الذي حظّر في المادة 88 أن تُرتّب الحكومة على نفسها أي التزام إلا بقانون. الى ذلك أجاز المشرّع اللبناني للبنك المركزي شراء وبيع وحسم أدوات الدين الحكوميّة ضمن عمليّات السوق المفتوحة، وبهدف التأثير على السيولة وليس بقصد إقراض الدولة بالسوق الاولية. كما اجاز له منح تسهيلات صندوق للخزينة لتسديد التزامات جارية لا لتمويل نفقات ثابتة أو مشاريع لا تتعدى قيمتها 10% من متوسط واردات الخزينة في السنوات الثلاث الماضية المقطوعة حساباتها ولمدة لا تتجاوز الاربعة اشهر، ولا يمكن استعمال التسهيلات المذكورة الا مرة واحدة في السنة.

رد أوساط بري

رمي ميقاتي كرة استقراض الحكومة من مصرف لبنان في مرمى مجلس النواب فاحرج الرئيس بري الذي اصر على أن الحكومة هي من يجب أن تؤمّن الحماية القانونية لنواب الحاكم. وقال ان المجلس النيابي لا يتخلى عن دوره لكنه لا يأخذ دور سواه ولا يمانع في إقرار الإقتراض من مصرف لبنان عندما يصل الى المجلس مشروع قانون بذلك، عندئذٍ يقر باقتراح قانون. بيد أن ذلك يوجب إحالة المشروع من الحكومة أولا. ولفت بري الى أن مجلس النواب لا يملك أن يقدم تعهدات نيابة عن الحكومة باعادة ما تقترضه هي من مصرف لبنان لأنها هي المقترض، وهي من يفترض أن تقدّم تعهداً والتزاماً له برد ما ستنفقه. ووصف موقف الحكومة بأنه «أول علامة سلبية» في تعاطيها مع نائب حاكم مصرف لبنان في اليوم الأول لبدء عمله.

عراقيل أمام التصويت

اياً كانت صيغة مشروع قانون الاجازة للحكومة بالاستقراض فان هناك اشكالات عملية بخصوص التصويت عليه. فهناك كتل ترفض التشريع في ظل الفراغ الرئاسي وستقاطع الجلسة، وهناك كتل تضع شروطاً لحضور جلسات المناقشة والتصويت، وهناك من يحاذر الموافقة على تغطية الإقتراض من الإحتياطي الالزامي إن من داخل الحكومة أو مجلس النواب حتى لا يتّهمه المودعون بأنه أخذ منهم ما تبقّى من ودائع مع عدم وجود ضمانات جدية من الحكومة لإعادتها، وشرّع التمديد لكل سياسات رياض سلامة السابقة. واكثر المحرجين سيكونون الذين لم ينفكوا عن رفع شعار «الودائع قدس الاقداس».

إدمون نعيم

التجاذب القانوني حول الاجازة للحكومة بالاقتراض من مصرف لبنان ليس جديداً. وقد تصاحب في بعض الاحيان في الماضي بتشنجات قوية من قبل الفريقين المعنيين. وابرز ما يمكن استعادته في هذا المضمار تصدي الحاكم الاسبق الدكتور ادمون نعيم لضغوطات قوية ومتنوعة وحتى جسدية من السلطة للحصول عل التمويل القسري من مصرف لبنان لعدد من احتياجاتها. وقد وصل الامر الى توصل الاخيرة الى حشد اغلبية نيابية تمكنت من استصدار قانون للاستقراض من مصرف لبنان بعدة مليارات من الليرات اللبنانية. وقد اعلن الامر بزهو وزير المالية آنذاك جوزيف الهاشم للصحافيين من على درج قصر منصور حيث عقدت الجلسة النيابية التي اقرت القانون المذكور. امر اغاظ الحاكم نعيم، فسطر فوراً بياناً ارسله الى الوكالة الوطنية للانباء ليتم تداوله مساء ساعة الذروة بالتزامن مع خبر القانون الذي تمت الموافقة عليه، اوضح فيه ان مصرف لبنان شخص من اشخاص القانون العام يتمتع بالشخصية القانونية المستقلة حسب المادة 13 من قانون انشائه ولا يجوز لاي كان مطالبته بما لا يتوافق مع النصوص والاحكام التي ترعى عمله. وشدد على ان اقراض مصرف لبنان لا تراعى فيه فقط الاحكام القانونية ذات الصلة التي ترعى التمويل بل ايضا امور اخرى تتعلق بالسياسة النقدية اي تأثير السيولة التي سيتم ضخها في السوق نتيجة التمويل المطلوب. وقد شرح لاحقاً في عدد مقابلات صحافية ان الامر ينسحب ولذات السبب على التمويل المطلوب من مصرف لبنان في موضوع تقسيط ديون التجار وغيره.

المحرك الأساسي للنقاش

المحرك الاساسي للنقاش على الاخص من جهة نواب الحاكم واضح واومى اليه الدكتور منصوري في مؤتمره الصحافي، وهو تأمين غطاء قانوني لهم للانفاق من التوظيفات الالزامية بالعملات المتبقية لدى مصرف لبنان وهي اموال تخص المودعين بالنهاية. وذلك دفعا لاي انتقاد او هجوم قد يتعرضون لهما كاللذين تعرض لهما الحاكم السابق سلامه لتبديده الجزء الاكبر من هذه الاموال، لا بل ايضا تحوطاً من اي ملاحقة قانونية شخصية قد تثار في حال الاستمرار في الانفاق من التوظيفات الالزامية على اساس «الانحراف الخطير عن مقتضيات الحيطة والدقة في الاداء «، وهو المعيار الذي وضعته محكمة العدل الاوروبية في قرارها الصادر بتاريخ 13 ايلول 2022 بقضية المصرف المركزي السلوفيني Banka Slovenje لتحديد المسؤولية القانونية للقيمين على امور المصرف المركزي عن سوء ادارتهم.

القواعد العامة

جدير بالذكر ان القواعد العامة التي ترعى اقراض المصارف المركزية لحكوماتها تقضي بان يتم الامر بالعملة الوطنية وفي حال الحاجة الى العملة الاجنبية تعود الاخيرة الى المصرف المركزي لتأمين شراء الاخيرة من الاسواق. اما المطلوب في لبنان فهو مختلف حسب ما يظهر من السطر الاول للمادة الاولى من مشروع قانون الاستقراض المعد من قبل امانة سر مجلس الوزراء. اذ ذكر صراحة ان الاجازة للحكومة بالاقتراض هي بالعملات الاجنبية من مصرف لبنان وبالتحديد من التوظيفات الالزامية لديه بحيث يبدو الامر اقرب الى عملية مصادرة او استملاك لهذه التوظيفات لا عملية استقراض.

لماذا الإحتياطيات؟

ايضا يتبين من الرجوع الى المؤلفات القانونية الصادرة في موضوع الاحتياطيات الالزامية واهمها كتاب La politique des réserves obligatoires لصاحبه Remi Jecquier ان غايات عدة ومتنوعة تم توخيها منذ البداية من تكوين هذه الاحتياطيات: اداة ضمان للمودعين ( USA، المانيا، السويد)، عدم جواز الاستثمار من الاحتياطي الالزامي كلياً او جزئياً ولو في سندات خزينة (هولندا)، عدم جواز ادراج الاحتياطي الالزامي ضمن نسب السيولة المفروضة على المصرف التجاري (USA) وعدم تماهي الاحتياطي الالزامي المطلوب من المصارف تكوينه لدى المصرف المركزي والاحتياطيات النقدية réserves monétaires للمصرف المركزي (هولندا)… و الانسجام بين السيولة المصرفية وحجم التسليف الذي تستطيع المصارف ان تضعه تحت تصرف الإقتصاد، وبين مهمة مصرف لبنان العامة والتي هي المحافظة على سلامة النقد واوضاع النظام المصرفي والاستقرار الاقتصادي (لبنان – المادة 76 نقد وتسليف)

ومن التدقيق باستعمالات الاحتياطيات التي تكونت في مصرف لبنان الزامياً او بتوظيفات حرة بتحوير للقانون وسنداً للبند (و) من الفقرة(د) من المادة 76 من قانون النقد والتسليف يتبين تنوعها في تأمين ثبات القطع وتلبية احتياجات الدولة، وهذا ما قاد الى الكارثة التي نحن فيها.

ويأتي مشروع القانون المطروح بالاستقراض من الاحتياطي الالزامي بالسياق ذاته لكن بغطاء قانوني يشرعن ظاهرياً الاستعمال. فاموال الاحتياطي الالزامي تكونت تحت عنوان المادة 76 نقد وتسليف ولاهداف حددها هذا العنوان كما سبق الذكر، وهو لا يتضمن لا من قريب او بعيد تمويل احتياجات الدولة انّى صفة اتخذت اعتيادية او ملحة.

ومشروع القانون اذا اقر سيكون من قبيل التحريف الذي ترتكبه السلطة التشريعية تماماً كما فعلت السلطة النقدية، اي مصرف لبنان، وسيكون بالتأكيد عرضة للابطال من قبيل المجلس الدستوري عند الطعن به امامه.

الخلاصة 

يذكر الاقتصادي الشهير Milton Friedman ان لا وجود بالنهاية لاستقلالية حقيقية لاي مصرف مركزي. فهذا الاخير سيتراجع حتما بالنهاية لصالح السلطات المالية الجاهدة لتجميع الاموال التي تحتاجها وكيف الحال اذا كانت هذه الاموال لاحتياجات ملحة.

Je doute beaucoup que les Etats Unis ou n’importe quel pays aient jamais fait fonctionner une banque centrale indépendante.au plein sens du terme. Dès qu’un conflit sérieux apparaissait qui opposait les intérêts des autorités budgétaires désireuses de collecter des fonds et ceux des autorités monétaires attachées à maintenir la convertibilité en espèces. C’est presque toujours la banque centrale qui a cédé le pas et non l’inverse. Il apparait donc que mêmes les banques centrales jugées tout à fait indépendantes ont été étroitement subordonnées au pouvoir exécutif.

هذا القول يصدق لظروف استثنائية ضاغطة وموقتة لكن لا يصلح ابداً لكل الاوقات لتغطية عجوزات الموازنة كما حصل في لبنان طوال ولاية الحاكم السابق سلامة. والا من الافضل عندها اغلاق ابواب المصرف المركزي وتحويل نشاطه الى دائرة الاصدار لدى وزارة المالية كما يقول الاقتصادي Maurice Allais.

ان ساعة اعلان الحقيقة ومجابهتها قد حلت. والبداية بمصارحة واضحة لكافة المسؤولين السياسيين ومسؤولي الامر الواقع بواقع التشابك الذي اقامته السياسات السابقة بين المالية العامة والنقد والمصارف، وعدم جواز لا بل عدم الامكانية والقدرة بالاستمرار بها. وبان تأمين التمويل للاحتياجات الملحة المحكى عنها مسألة تخص وزارة المالية لا مصرف لبنان ولا ودائع الناس المتراكمة لديه عبر التوظيفات الالزامية. كذلك مشاريع القوانين المحكى عنها على انها اصلاحية ليست بالحقيقة كذلك كلها، فهي في حيز واضح ترمي الى تمويه الارتكابات والاعفاء من المسؤوليات لا بل شرعنة الارباح الخيالية التي تحققت خلال الازمة وقبلها.

وبداية الحل الصحيح تكون بالعكس بتحديد الانحرافات والارتكابات والمسؤوليات وانزال العقاب بكل المرتكبين كما حصل في ايسلندا، حيث تمت التعقبات والمصادرات حتى في الملاذات الضريبية. فكان ذلك المدخل السليم لاستعادة صفة دولة القانون، ومن خلال ذلك ثقة الاسواق المالية بشكل اصولي كما ذكر رئيسها Grimsson في دافوس. ونجم عن الامر ان حققت ايسلندا بعد ثماني سنوات من ازمتها اعلى واسرع نمو في العالم في الناتج المحلي الاجمالي بلغ 7.2% مقابل نمو سلبي في لبنان قدره البنك الدولي بنسبة – 5.4% لعام 2022 مع توقع من قبل الدكتور Garbis Iradian كبير اقتصاديي مؤسسة التمويل الدولية ان ترتفع نسبة الانكماش الى- 7% في عام 2023.

توفيق شمبور

أستاذ محاضر في قوانين النقد والمصارف المركزية 

المصدر: الملحق الاقتصادي بصحيفة نداء الوطن




منصوري: لن يسقط قراري إلّا بإقالة أو رصاصة!

مع تلويح الرئيس نجيب ميقاتي قبل أيام بإمكان تَعذّر دفع الرواتب وتأمين الادوية في نهاية آب ضمن حرب نفسية على ما يبدو، ورفض الرئيس نبيه بري تلقّف كرة الغطاء القانوني التي سددها رئيس الحكومة في اتجاه المجلس النيابي، وإصرار الحاكم الموقّت لمصرف لبنان وسيم منصوري على التوقف عن تمويل الدولة بلا مواكبة التشريع، يكون عَض الأصابع المتبادل قد وصل الى أقصاه في انتظار من سيصرخ اولاً، تمهيداً للنزول عن الشجرة المترنحة.

اذا كان هناك من يظن انّ منصوري هو الحلقة الاضعف في هذا التجاذب وانه لن يستطيع تحمّل تبعات الثبات حتى النهاية على موقفه الرافض تأمين نفقات الدولة الضرورية بالدولار من دون الحصول على التغطية القانونية، فإنّ العارفين يدعون الى عدم اختبار جديته في هذا الصدد لأنه عازم على تغيير «قواعد الاشتباك» النقدي والتأسيس لـ»توازن ردع» في مواجهة متطلبات الحكومة واتكالها المفرط على مصرف لبنان، مهما كانت التداعيات المحتملة في نهاية الشهر.

والمتواصلون مع منصوري يلمسون انه يحرص على النأي بنفسه عن الأخذ والرد بين الحكومة والمجلس في شأن تشريع اي اقتراض جديد من المصرف المركزي، وان ما يهمه هو اكل العنب لا قتل الناطور، بمعنى انه يريد انتراع تغطية قانونية لأي سنت يخرج من المصرف مع ضمانات بإعادته، بمعزلٍ عن دخان المناورات الجانبية، «إذ إنني لستُ سياسياً ولا أريد أن أدخل في البازار المفتوح».
ومن وجهة نظر منصوري، ليس هو الموجود في مأزق ومن يحتاج إلى مخرج، بل السلطة المستمرة في اعتماد النهج السابق والمدمّر الذي يستسهل الإنفاق من حساب الاحتياطي الالزامي، بدل التفتيش عن مصادر أخرى لتمويل احتياجاتها، فلمّا أتى مَن يرميها بدلو من الماء البارد، استفاقت على واقعٍ لم تألفه.
ووفق المحيطين بمنصوري في هذه الأيام، فإنّ الرجل يعتبر ان المسألة هي مسألة ارادة سياسية وانها اذا توافرت حقاً، يمكن في أسبوع واحد إنجاز سلة التشريع المتكاملة التي تتضمن التغطية القانونية لصرف مرحلي، مُرفقة بآلية لسداد الدين والأهم بالإصلاحات الضرورية والبديهية التي صارت معروفة ومشبعة نقاشاً، وبمقدور الكتل النيابية إقرارها عبر ورشة عمل تمتد لأيام من دون انقطاع، في حال صفت النيات خصوصا ان الهوامش أصبحت ضيقة، مشددا على أن تلك الإصلاحات هي جزء لا يتجزأ من عملية قوننة الإقتراض المفترض، وبالتالي ليس مقبولا الفصل بين الأمرين واتباع الانتقائية في التشريع الذي يجب أن يكون «package» واحدة.

ومنذ ان تسلّم منصوري الحاكمية قرر ان يحصر دور مصرف لبنان في وضع السياسة النقدية وإدارتها بعد الانفلاش الذي حصل في مرحلة رياض سلامة، حيث كان المصرف المركزي يتولى أيضاً رسم السياستين الاقتصادية والمالية في حين أن هذه المهمة هي من اختصاص مجلسي الوزراء والنواب وحدهما.
وانطلاقاً من مبدأ إعادة الاعتبار الى هذه القاعدة، يُبدي منصوري اقتناعا تاما بأن الحكومة يجب أن تؤدي واجباتها في هذا المجال وان تجد وسائل لتمويل متطلباتها عبر طرق أبواب داخلية عدة لا تزال مغلقة او موارَبة، وهو يشعر أن موقفه المتشدد سيُجبر الدولة عاجلاً ام آجلاً على مراجعة سلوكها و»حك» رأسها لزيادة مداخيلها وتأمين نفقاتها.
وينقل القريبون من منصوري عنه تأكيده أن خيار وقف تمويل احتياجات الدولة نهائي ولا رجعة عنه، مهما تصاعد الضغط عليه حتى آخر الشهر، «وإلّا فليُقيلوني او يطلقوا عليّ رصاصة… عندها فقط يتم التخلص مني ومن قراري القاطع الذي لا يقبل المساومة».
وتبعاً للقريبين، يبني منصوري سياسته النقدية على اساس ان أموال المودعين هي امانة وليست ملكاً له او لرئيس الحكومة، ولذلك لم يعد جائزاً الامعان في التفريط بها، ومن اراد ان يصرف منها تحت شعار الضرورة والاضطرار ينبغي أن يحصل على الغطاء القانوني الذي يضمن استرداد ما يُنفق خلال وقت قصير، «وإلّا فتّشوا عن غيري».

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




متضررو مخيم عين الحلوة لـ”العربي الجديد”: فقدنا كل ما نملك ولن يعوضنا أحد

الوضع في مخيم عين الحلوة محزن، فلا صوت يسمع تقريباً، ومئات المنازل خاوية، والعشرات أصابتها القذائف أو طلقات الرصاص، والكل يترقب إمكانية تجدد الاشتباكات، حتى إن الكلاب والقطط اختفت من الشوارع. استطعنا تصوير بعض المشاهد من بعد، عبر فتحات خلفتها الاشتباكات في الحوائط. من بينها مكان اغتيال اللواء أبو أشرف العرموشي ومرافقيه، في الموقف الذي يضم عشرات السيارات المحروقة.
ما زال شارع الصفصاف مغلقاً بالشوادر، ولم نستطع الدخول إليه، فالاستنفار المسلح هناك ما زال قائماً. توجهنا نحو الشارع التحتاني في المخيم. سرنا بحذر حسب ما طلب منا المرافق حتى لا يسمع صوتنا أو يكتشفنا أحد بينما نقوم بالتصوير، في الشارع التحتاني وجدنا عدداً من كبار السن يجلسون أمام دكاكينهم، وبعض المارة الذين يقصدون شارع بيع الخضار، رغم أن محاله كلها مقفلة، ولا توجد عربة واحدة للبيع، أو باعة ينادون على بضاعتهم كما في السابق.
توجهنا نحو حي حطين الذي دارت فيه أعنف المعارك، لنكتشف حجم الدمار الذي طاول بعض الأبنية والمحال، حتى لم تسلم خمم دجاج يربيها أحدهم ليعتاش منها. في حي حطين، أجرينا بعض المقابلات، لكن عند خروجنا، ومعنا المرافق أبو أحمد، ظهر أحد المقاتلين المسلحين، فأدركنا أن الوضع لا يزال خطيراً. طلب منا أبو أحمد ألا ننظر خلفنا، وأن نخرج من مكان عينه لنا. بعد تحركنا من المكان، قال لنا: “احترق بيتي بالكامل، ولم يعد عندي منزل أعيش فيه مع عائلتي، ولا أعلم من سيعوضني عن بيتي”.
وتقول السيدة إسلام يوسف، المقيمة في حي حطين: “عدت إلى بيتي بعد توقف الاشتباكات. أنا متزوجة، وعندي ثلاثة أولاد، وأعيش في بيت بالإيجار، وعندما بدأت الاشتباكات خرجت من بيتي نحو بيت جدي في المخيم، لكن عندما اشتدت الاشتباكات 
 بالقرب من سوق الخضار، خرجت من بيت جدي، وذهبنا إلى منطقة الفوار بالقرب من مستشفى الهمشري، عند أقارب لنا، وعندما توقف إطلاق النار عدت إلى بيتي الذي تضرر بعد أن طاوله القصف، لكني مضطرة إلى العودة من أجل أطفالي، وعندما خرجت لم آخذ معي شيئاً، لا حليب ولا حفاضات. القذائف والرصاص أصابا الحوائط والزجاج، لكنه بيتي، ولا أريد أن أثقل على أحد”.
ويوضح علي محمد شاهين، وهو صاحب محل حدادة إفرنجية في حي حطين: “لي شريك في المحل اسمه ناصر عليان، وكلانا نعتاش منه، ولا ننتمي لأي فصيل سياسي. أعيش مع زوجتي وأولادي، وعندما حصلت الأحداث هربنا من المخيم إلى بيت أختي، ومنزلها مكون من غرفة واحدة، وزوجها يعمل ناطور بناية، وعندما توقفت الاشتباكات عدت إلى المخيم، فوجدت محلي محروقاً، وتقدر خسارتي بنحو 5 آلاف دولار. ذهب تعب سنوات عمري، فهذا المحل افتتحته قبل ثماني سنوات، لكني اليوم خسرت كل شيء، ولا أعلم من سيعوض علينا خسارتنا”.

فقد بعض سكان مخيم عين الحلوة كل ممتلكاتهم (العربي الجديد)
فقد بعض سكان مخيم عين الحلوة كل ممتلكاتهم (العربي الجديد)

يتابع شاهين: “عدت إلى المخيم كي أحافظ على بيتي بعد أن خسرت محلي، وعائلتي عادت معي إلى البيت. نحن مضطرون إلى العودة لأنه ليس لدينا مكان نذهب إليه. عدنا في ظل عدم استقرار الأوضاع، ولا نعرف بعد ما الذي سيحصل، كما أن القيادة السياسية لم تعطِ ضمانات بالعودة لأي شخص، لكننا مع هذا قررنا أن نعود لأن هنا بيتنا”.
ويقول أحمد محمود، من حي حطين: “كنت وزوجتي وأولادي في البيت، وشعرت بأن شيئاً ما يحدث، فطلبت من زوجتي تحضير بعض الأغراض حتى نخرج من المخيم، وسيارتي كانت متوقفة أمام المنزل، وبينما نجهز أغراضنا بدأت الاشتباكات تشتد في أنحاء المخيم، فاضطررنا إلى الخروج سيراً على الأقدام من طريق (الحسبة) الذي يؤدي إلى منطقة درب السيم، ومنها إلى مدينة صيدا، وظلت السيارة أمام المنزل، وعندما عدنا وجدت السيارة متضررة، فقد أصابتها الرصاصات، كما تعرض بيتي لعدد من القذائف”.
يواصل محمود: “لسنا حزبيين، ولا نتبع أي فصيل، لكن منازلنا وأملاكنا تعرضت للدمار، حتى إن خزانات المياه لم تسلم من القصف. نحن بحاجة إلى عيش حياة آمنة، فنحن شعب يحق له الحياة، ولا نعرف متى سننتهي هذه المأساة التي نعيشها بسبب البندقية التي صارت مأجورة، ولم تعد موجهة نحو العدو الصهيوني، أو لتحرير فلسطين، بل صارت تتسبب في تدمير البيوت، وإنهاك الشعب المنهك بالأساس، والذي لا يستطيع غالبية أفراده أن يجدوا قوت يومهم. من المؤسف أن نصل إلى ما وصلنا إليه اليوم من معاناة ودمار. لا نستطيع إدخال حجر للبناء، ونطلب من الدولة اللبنانية السماح بدخول مواد البناء إلى المخيم حتى يستطيع الناس إعادة بناء ما تدمر، لأنه ليس من المنطق أن يتركوا هؤلاء الأشخاص الذين يدمرون، ثم يمنعون إعادة البناء”.

عشرات المنازل تضررت في مخيم عين الحلوة (العربي الجديد)
عشرات المنازل تضررت في مخيم عين الحلوة (العربي الجديد)

وحول التعويضات المحتملة، يؤكد: “لا أظن أن أحداً سوف يعوض على الناس الذين خسروا بيوتهم، لأنه بحسب زعمهم ليس لديهم مال للبناء، لكن المال متوفر دائماً لشراء الأسلحة، ولتدمير بيوت الناس. أعمل في ميكانيك الديزل، وأنا اليوم عاطل من العمل بسبب الأوضاع الأمنية، وعائلتي غادرت إلى بيت أحد أصدقائي في مدينة صيدا”.
ويقول محمد المقدح، من حي الطيرة: “لم نعد نشعر بالأمان، وصرنا إذا سمعنا صوت إغلاق باب نشعر كأنه قذيفة، وأنا أعمل في المنطقة وفي الخارج، وبسبب الاشتباكات انقطعت أرزاقنا، كما أنهم حرقوا منازلنا. إذا كان هناك خصمان، فما ذنب الأبرياء؟ ولماذا يخسرون أرزاقهم ومعيشتهم؟ أو يخرجون من بيوتهم؟ من حقنا أن نعيش بأمان، ومن حق أولادنا العيش بأمان. يجب على كل أهالي المخيم عدم مغادرته، وينبغي وقف إطلاق النار، لأن هذا الرصاص لا يصب في مصلحة القضية الفلسطينية. وجودنا مؤقت في لبنان، لكننا نريد أن نبقى صامدين في مخيمنا، وأن تكون كلمتنا حرة”.
بدوره، يقول أبو باسل شبايطة، من سكان حي حطين: “أمام مشهد الدمار، كلنا مدعوون للوقوف إلى جوار شعبنا، ومدعوون لحماية الناس، والتضامن معهم. كيف تكون حماية الشعب عبر الدمار والخراب؟ كل خلاف يجب أن يتم حله بالتفاهم، وليس بالسلاح، وكل شعبنا رافض لما يحصل. هل المسؤولون الذين يجلسون في بيوتهم قادرون على تعويض الناس الذين خسروا شقا عمرهم؟ في ظل هذا الوضع الاقتصادي الصعب، كيف سيعاود الناس إعادة بناء منازلهم ومحالهم؟ من أين سيعتاش الناس؟ ومن سيعوضهم؟ في جولات الاشتباكات الماضية التي حصلت في المخيم خلال سنوات ماضية، قدمت الوعود للناس بإعادة البناء، لكن تلك الوعود كانت وما زالت كاذبة”.
ويروي محمد صالح دحابري، المقيم في حي حطين: “تدمرت ثلاثة بيوت لي ولأولادي. كل بضع سنوات يقومون بالشيء ذاته، ويعملون على تهجير الناس بعد تدمير بيوتهم، ولا يعوضون حتى ثمن خزان الماء. هذه البناية فيها أربعة طوابق، أعيش فيها مع أولادي، وأولادي غادروا إلى بيروت عند ابنتي”.

يضيف: “في معارك سابقة، جرى تدمير بيوتي، وعندما أعدت البناء قمت بتقوية الأعمدة، لكن لا شيء ينفع مع قوة الأسلحة التي استخدمت أثناء المعارك. أمتلك محل ميكانيك منذ 40 سنة. راح المحل، وفيه راح كل ما أملك. حي حطين اسمه الشعبي حي الدحابري، وهذا المحل الذي احترق بأكمله لي، والمحال التي بقربي لجيراني وأخوتي. المنطقة تم تدميرها بالكامل. أعمل منذ 30 سنة على تجهيز هذا المحل، وعندي ستة أولاد جميعهم متزوجون ويعملون معي فيه، وجميعنا نعتاش منه. خسارتي تقارب مائة ألف دولار. تدمر المحل، وتدمرت معه ست عوائل كانت تعتاش منه، ومعظم مناطق المخيم شهدت دماراً كبيراً، والنساء والأطفال ينامون في الشوارع، وفي الجوامع. من قام بهذه الاشتباكات ليس عنده ذرة إنسانية، حتى خزانات المياه لم يرحموها، وكي أستطيع غسل وجهي، اضطررت إلى شراء زجاجة مياه صغيرة بـ 20 ألف ليرة لبنانية. إذا لم يعوضوا علينا خسارتنا فسنغلق الطريق بعد انتهاء الاشتباكات”.
بدوره، يقول أبو أحمد الدحابري: “عندي في المنطقة محل لبيع البلاستيك والحديد، كما كان عندي 100 دجاجة أعتاش من بيع بيضها، وأغلبها مات بعد سقوط قذيفة استهدفت الخم، وبقية الدجاجات تركتها تهرب، كما أن ابن أخي عنده عربة لبيع الخضروات، يعمل من الصبح حتى الظهر ليعتاش، وأيضاً احترقت عربته. خلفت الاشتباكات أضراراً كبيرة بأرزاق الناس”.

انتصار الدنان

المصدر: صحيفة العربي الجديد




الجيش يرصد تداعيات عين الحلوة: لا مخطّط مسبقاً

يرصد الجيش تداعيات أحداث عين الحلوة، بما هو أبعد من اليوميات العسكرية. وهو إذ لا يتوقف عند سيناريوهات ما قبل المعركة، ينتظر زيارة وفد من حركة فتح، ويتخوّف من تمدّد التفلّت الأمني وتجدّد ظاهرة التنظيمات الأصولية

يتعاطى الجيش بواقعية مع أحداث عين الحلوة. الخطورة في ما جرى تكمن في مستويات عدة، لا تنحصر بالوقائع الأمنية اليومية التي جرت، من اغتيالات متبادلة وقصف وتهجير وتدمير. والإطار السياسي – الأمني الأوسع، يتعلق بقراءة سياسية أمنية، لما قبل وما بعد أحداث عين الحلوة. علماً أن وفداً سياسياً رفيع المستوى من حركة فتح سيزور بيروت قريباً لمواكبة مرحلة ما بعد وقف النار وتثبيته والعمل على محاصرة تداعياته.

كان جلياً أنه لم يتم التعامل سياسياً مع انفجار الوضع الأمني بالاهتمام اللازم مع بدء الاشتباكات. القوى السياسية الرئيسية من الصف الأول، والمسؤولة مباشرة، تصرّفت وكأنّ الحدث الأمني محصور في حدود مخيم عين الحلوة والفصائل الفلسطينية، ولا انعكاس مباشراً له على مجمل الوضع الداخلي. وحكومة تصريف الأعمال تحرّكت لاحقاً، فيما أخذ الموضوع الأمني صداه على قاعدة المطالبين بلجم التدهور من جهة والراصدين لخلفية ما جرى وتداعياته، بما هو أبعد من الساحة اللبنانية ليطاول الضفة الغربية وغزة. ومع تصاعد حدة الاشتباكات وتوسّعها وحجم التهجير الذي رزحت تحته صيدا، انتقل التحرك إلى مستوى أكثر فاعلية.
رغم أن الجيش عمل منذ اللحظة الأولى على محاولة وقف الاشتباكات، إلا أن ثغرة أساسية تعيقه، فهو لا يتواصل إلا مع فتح، ولا صلة مع التنظيمات الأصولية التي عمل وسطاء على التواصل معها. في المقابل فإن ما يُتوقف عنده اليوم أمران، تثبيت وقف النار وعدم الانزلاق مجدداً إلى الاشتباكات، وتسليم «جميع» المطلوبين بالاغتيالات، ولا سيما لمعرفة خلفيات وحقيقة الدوافع التي أملت ما جرى. ومع ذلك، يُنتظر مجيء وفد فتح لوضع الأمور في نصابها ومعرفة حقائق المرحلة المقبلة.

فتحت اشتباكات عين الحلوة العيون على أن مشكلات المخيمات لا تزال قائمة وتحمل جذوراً خطرة في حال قرّر أي من الأطراف استخدامها. فالانشغال اللبناني بالنزوح السوري وبمخيمات النازحين، حجب لأشهر طويلة النظر عن قضايا المخيمات الفلسطينية الاجتماعية والسياسية والأمنية. وبالكاد كان الاهتمام بما يجري فيها من خلافات داخلية، وارتباطها في أحيان كثيرة بما يحصل من مواجهات في الضفة الغربية وغزة مع السلطة الفلسطينية وضدها. لكنّ حجم المشكلات الاجتماعية يضاف إليها تحوّل مناطق في المخيم إلى ملاذ آمن لهاربين من القانون، وتفاقم الخلافات داخل فتح التي أظهرت الأيام الأخيرة عدم تماسكها، وبينها وبين القوى الفلسطينية الأخرى، كلّ ذلك يجعل من أي ساحة عرضة للانفجار في أي لحظة.

لا يتصرف الجيش على أن الحدث الأمني مخطّط له مسبقاً، ولا يتعامل مع أي سيناريو متداول من هذا القبيل، ولا مع الاتهامات لأي فريق لبناني بالدخول على خط الاشتباكات. وزيارة مدير الاستخبارات الفلسطينية ماجد فرج للجيش التي قيل الكثير عنها في ما يتعلق بالتنسيق مع الجيش داخل المخيم، علماً أنه زار أجهزة أمنية ورسمية أخرى، بعد جولة له في المنطقة، كان محضّراً لها منذ أكثر من سنة. والجيش كان يعبّر دوماً عن قلقه من أحداث متتالية وقعت في المخيم مسجّلاً 260 حالة إطلاق نار منذ آب 2022، وحرص مراراً على مطالبة القوى الأمنية الفلسطينية بالتحرك لضبط الوضع وتوحيد قواها لمواجهة الأحداث المتفلّتة. انطلاقاً من ذلك، حملت زيارة المسؤول الفلسطيني، إضافة إلى معالجة مشكلات فلسطينية داخلية بين السفارة الفلسطينية ولجنة الحوار الفلسطيني اللبناني وخلافات داخل أجهزة فتحاوية، ترتيب وضع القوى الفلسطينية المشتركة. وتبعاً لذلك لا توضع زيارة فرج في خانة تحريك ساحة المخيم. ولو كان ذلك صحيحاً لكان فريق فتح أكثر استعداداً لوجيستياً للمواجهة، على عكس ما أظهرته الوقائع الميدانية من عدم قدرة على الحسم في الأيام الماضية .

كلّ ذلك لا يعني في المقابل أن أي توقيت للحدث لا يستدعي المتابعة، أو أن حجم ما حصل ونوعية المشاركين وانتماءاتهم، لا تتطلب حصر التداعيات مع البدء جدياً العمل لمواكبة ما سيجري من الآن وصاعداً. لذا يتم رصد دقيق لما جرى من جوانب مختلفة. فمهما كانت خلفية الذين اتهموا حركة فتح بإشعال نار المعركة، وربط مدير الاستخبارات باتجاهات إسرائيلية، فإن حصيلة المواجهة تفترض التنبه لها، إذ إنها أعادت إلى الواجهة الأمنية والعسكرية، الفصائل المتشدّدة والأصولية، ومعظم المشاركين في الاشتباكات من المطلوبين للجيش والعدالة. فما هي مصلحة أي فريق لبناني بتعويم التنظيمات الأصولية مع كل ما ارتكبته في لبنان، وليس الفصائل الفلسطينية المعارضة لفتح وذات الوجه السياسي، وإعادة شد العصب لدى شريحة لا يستهان بها من الشباب الفلسطيني والسوري الذي سبق أن لجأ إلى المخيم بعد حرب سوريا. وتنشيط العامل الأصولي بعد انحساره وفي مرحلة لبنانية حساسة، لا يبشر بالخير ويستدعي نظرة مختلفة من قوى سياسية معنية، كي لا تتكرر تجربة نهر البارد.

في موازاة ذلك، يبرز التخوف الأساسي، في تنشيط هذه الجبهات واستمرار المعارك، من احتمال تمدد ما يحصل إلى مخيمات أخرى، إذا ما استفاد أي طرف من التطورات لتعزيز وجوده في المخيمات الأخرى. وأي حدث مماثل في مخيم آخر، سيكون من الصعب على القوى الأمنية والجيش تحديداً مواجهته في ظل انفلاش التوتر على مساحات أخرى.
من الواضح أنه لا يتم التعامل مع عين الحلوة كحدث معزول عن مقاربة وضعية كل الأطراف المتورّطة فيه وأهدافها. والخشية ليس في تكرار الاشتباكات فحسب، بل في أمرين، التعامل مع الحدث الأمني موسمياً، بمعنى عدم معالجة جذوره وتركه يتفاقم، وتكاثر أدوات الصراعات الداخلية، بما يجعل من الصعب تجاوز تداعياتها ولا سيما أن الجيش مُقيّد إلى حد كبير في التعامل مع الوضع الأمني داخل المخيم. فهذا قرار سياسي كبير يتعدّى الإدارة العسكرية مهما كان حجم الصراع، ولا يبدو أن أحداً مستعدّ لأخذه لا حاضراً ولا مستقبلاً.

هيام القصيفي

المصدر: صحيفة الأخبار




ماذا فعل مدير المخابرات الفلسطينية في اليرزة؟

أعادت أحداث مخيم عين الحلوة تسليط الضوء على الواقع المعقّد لهذا المخيم الذي تتداخل فيه حسابات متضاربة، تبدأ من الزاروب الضيّق وتنتهي عند المحاور الإقليمية.

هكذا، فإنّ المساحة الصغيرة للمخيم تبدو مزدحمة بالأجندات المتفاوتة التي لا تجد متنفساً لها الاّ عبر فوهات البنادق، المتعدّدة المرجعيات.

وعلى الرغم من كل المحاولات الفلسطينية لتنظيم الفوضى في عين الحلوة وربط النزاعات المتنقلة بين أزقته، الاّ انّ مناعته بقيت ضعيفة وساحته متفلتة، ما حوّله مسرحاً لتصفية الحسابات وتبادل الرسائل.

ومن بين المفارقات المدوية في المخيم، انّ بعض المجموعات داخله تلجأ إلى شراء السلاح في أيام السلم من جهات فلسطينية معينة، ثم لا تلبث ان تستخدمه ضّد تلك الجهات نفسها عند اندلاع المواجهات!

وسط هذه التعقيدات المتشابكة، كيف يتصرّف الجيش وما هو هامش تحرّكه على وقع أزيز الرصاص ودوي القذائف؟

رسم الجيش حدود دوره على قاعدة معيارين: منع تمدّد التوتر إلى الجوار اللبناني، وحماية مواقعه المنتشرة على تخوم المخيم.

وفور اندلاع الجولة الأخيرة من العنف، بادر الجيش الى تعزيز تواجده العسكري على مداخل عين الحلوة للحؤول دون «تسرّب» أي عناصر او أسلحة من خارجه إلى داخله، وذلك بهدف تفادي تأجيج الوضع وتأمين مسارب آمنة للمدنيين الفارين من نيران الاشتباكات.

وعقب تعرّض أحد مواقعه لاستهداف مقصود أثناء الاشتباكات، حذّر من أنّه إذا تكرّر الأمر فسيردّ بقسوة على مصادر النيران، علماً انّ المؤسسة العسكرية لا تستبعد ان يكون الغرض من اي استفزاز تتعرّض له هو السعي الى استدراجها نحو الرمال المتحرّكة في المخيم.

تجدر الإشارة إلى انّ الجيش كان على تنسيق ميداني مع القيادات الفلسطينية، ومنها قائد الأمن الوطني الفلسطيني في عين الحلوة العميد الفتحاوي أبو أشرف العرموشي، قبل مقتله، لضبط الأمور في المخيم.

وأمن المخيمات الفلسطينية حضر في اللقاء الذي جمع قبل فترة قصيرة مدير المخابرات في الجيش العميد طوني قهوجي مع مدير المخابرات الفلسطينية اللواء ماجد فرج أثناء زيارته الأخيرة لبيروت.

وكان الرجلان قد التقيا خلال اجتماع لمديري المخابرات العربية عُقد في مصر منذ مدة، حيث أبدى فرج رغبة في زيارة لبنان، وهكذا حصل.

وخلافاً للسيناريوهات التي جرى التداول بها في شأن محتوى اللقاء الذي انعقد في اليرزة، يؤكّد العارفون انّ النقاش تركّز خلاله حصراً على ضرورة تعزيز التنسيق والتعاون بين الجانبين لضبط أمن المخيمات ومكافحة مظاهر التفلّت فيها والتصدّي للمخالفات على انواعها وتسليم المرتكبين والمطلوبين إلى السلطة اللبنانية وتعزيز القوة الأمنية المشتركة داخل مخيم عين الحلوة.

ويشير المطلعون الى انّ المداولات بين قهوجي وفرج لم تتجاوز هذا الإطار، جازمين بأنّه لم تُطرح في سياقه مسألة منع حركتي «حماس» و»الجهاد الاسلامي» من إيصال اي شكل من أشكال الدعم الى الداخل الفلسطيني المحتل، كما افترض البعض.

ويؤكّد المطلعون انّ الوحدة بين الفصائل في فلسطين المحتلة تؤثر ايجاباً على علاقاتها داخل المخيمات، وانّ كل ما أُثير حول نقل رسائل اسرائيلية الى لبنان لا يمتّ الى الواقع بصلة، لافتين الى انّ الجيش يهمّه فقط أن تبقى المخيمات تحت السيطرة والنظر لحماية الاستقرار اللبناني والأمن الفلسطيني على حدّ سواء.

كذلك، يوضح العارفون انّ قضية نزع السلاح من المخيمات غابت عن مداولات اجتماع قهوجي – فرج.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




وقف تمويل الدولة… لعبة عضّ أصابع خطيرة؟

دخل قرار وقف تمويل الدولة حيز التنفيذ منذ اليوم الاول لاستلام نواب الحاكم مهمّة الحاكمية، أي منذ الاول من آب. ويبدو انّ هذه الخطوة تشمل منصّة صيرفة، بدليل توقّف صدور البيانات اليومية عن مصرف لبنان التي تعلن فيها عن حجم حركة التبادل. عدا عن ذلك، نحن أمام استحقاقات مهمّة في الفترة المقبلة، إذ عدا عن الرواتب والاجور للقطاع العام والجيش والقوى الأمنية، هناك مستحقات الإنترنت ودعم أدوية الامراض المزمنة، وتحويل اموال الكهرباء من الليرة إلى دولار… مستحقات قدّرتها الدولة بـ 200 مليون دولار شهرياً.

يوحي حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري ونوابه، بأنّ فصلاً جديداً من التعاطي بين المركزي والدولة قد بدأ، ومنذ اليوم الاول لتسلّمهم المهام أوقفوا تمويل الدولة، بما يؤكّد على جدّيتهم في العمل وإقران الأقوال بالأفعال، وبما يعني انّ الطابة اليوم في ملعب الحكومة. وقد تردّد أمس عن تكليف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وزير المال يوسف خليل بإعداد مشروع قانون اقتراض من مصرف لبنان، على ان يتشاور وزير المال في الصيغة مع الحاكم بالإنابة وسيم منصوري ونواب الحاكم الآخرين.

هذا من حيث الشكل، لكن في المضمون أسئلة مشروعة تُطرح:
– من ناحية الحاكم ونوابه، لا يجوز ان يتركّز عملهم على طلب إعطائهم قانوناً للإقراض فقط، بمعنى آخر «احمونا قانونياً لنصرف الاموال»، ففي هذا استكمال لسياسة المركزي السابقة مع فارق التغطية القانونية.
– لا يجوز ان ينصبّ الاهتمام اليوم على قانونية الإقراض انما المطلوب ايضاً الضغط من اجل إقرار الخطوات الاصلاحية المنتظرة منذ أكثر من 3 سنوات مثل الكابيتال كونترول وغيرها.
في المقابل، ماذا تنوي ان تفعل الدولة؟ هل ستقف موقف المتفرّج مجدّداً واضعة هذه المرة موظف القطاع العام والجيش والقوى الأمنية في وجه مصرف لبنان مثلما فعلت في السابق مع بداية الأزمة عندما وضعت المودع في وجه المصارف؟ كذلك من الواضح انّ احداً لا يريد ان يتحمّل مسؤولية مدّ اليد على اموال المودعين، لذا نرى تقاذف كرة القوننة ايضاً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، رغم انّ الاجتهادات القانونية تؤكّد اصلاً انّه لا يجوز اصدار قانون يسمح بمد اليد على اموال المودعين.

في هذا السياق، يقول الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف سمير حمود لـ«الجمهورية»: «من الطبيعي ان يكون لنواب الحاكم مقاربة قد لا تتطابق كلياً مع مقاربة الحاكم السابق رياض سلامة». ورأى انّ «ما من خطأ في ما يقوله النواب وما يفعلونه، لكن السؤال الى اي مدى يمكن للنهج الذي سيُتّبع ان يسيّر أمور البلد في خضم الأزمة التي يمر فيها والوضع غير الطبيعي؟».

وتوقف حمود عند كلام منصوري الاخير الذي قال فيه «أدّين الدولة وفق قناعاتي»، أي وفقاً لقانون يُحال من الحكومة الى المجلس النيابي، بما يعطي حق الاقتراض للحكومة وليس حق الإقراض من مصرف لبنان، فهو لم يطلب من الحكومة والنواب اصدار قانون حتى يتمكن من الاقراض، لأنّ في ذلك موافقة على كل المبالغ التي تطلبها الدولة. ولو كان منصوري يريد فقط هذا القانون نكون امام مصيبة كبرى».

ورأى انّه بقول منصوري: «أدّينها من ضمن قناعاتي والقانون» فهو يقصد بمعنى آخر: أوجدوا قانوناً للاستدانة مع معرفته المسبقة انّ قانوناً بهذا الخصوص لن يبصر النور»، وبقوله «ضمن اقتناعاتي» كان يقصد ضمن مبادئ أساسية يضمن من خلالها استرجاع هذه الاموال، وكأنّه يذكّر الدولة بطريقة غير مباشرة «بمصير اموال حقوق السحب الخاصة بلبنان SDR؟ وبماذا فعلت تجاه تخلّفها عن الدفع (default)؟ « وتالياً وأمام هذين النموذجين، كيف سنضمن انّ الدولة ستعيد الاموال التي ستتدينها؟

سيناريوهان في المرحلة المقبلة
ورأى انّ نواب الحاكم اليوم «بين شقوفين» فمن جهة الدولة بحاجة الى دولار ولا يمكنها من دونه، لكن من جهة أخرى هذه الدولة التي تعاني عجزاً بموازنتها امامها خيار من اثنين، اما طبع الليرة وشراء الدولار من السوق لتأمينه، أما ان تتدين الدولار الموجود في المصرف المركزي، أي من اموال المودعين.
وعن التخوف من ارتفاع الدولار في السوق الموازي في حال رفض المركزي مدّ الدولة بالدولار التي ستضطر الى طباعة مزيد من الليرات لتغطية نفقاتها قال حمود: «نحن اليوم امام خيارين: إما صرف 4 مليارات دولار على مدى 4 سنوات ريثما تنتهي ولاية نواب الحاكم وولاية المجلس النيابي، فيبقى لدينا 4 مليارات دولار «ومن بعدي الطوفان» لمن يستلم السلطة بعدها، وفي هذه الحالة على السلطة ان تواجه الناس وتقول: لا نريد ان نستدين بالليرة اللبنانية لأننا نعاني عجزاً في الموازنة والاستدانة بالليرة ستؤدي الى ارتفاع الدولار الذي لا بدّ من ان يترافق مع ارتفاع الاجور وتكبير كتلة التضخم…
أما الخيار الثاني فيكمن في استعمال اموال المودعين بطريقة مغايرة، على امل ان يعود الاستقرار إلى البلد وتنتظم الحياة السياسية وتُعاد بعدها اموال الناس للناس». وقال: «لا يجب ان تكون هناك خشية من ارتفاع الدولار انما من استنزاف كل مقومات الحياة في الدولة، فادخارات المواطنين اليوم هي ادخارات الدولة ولا يمكن تبديدها حفاظاً على استمرارية الدولة وكينونتها».

وعن التركيز اليوم على الاقتراض بدل الضغط باتجاه إقرار الاصلاحات يقول حمود: «لا شك انّ الاصلاحات مطلوبة انما هي مسار طويل سيستغرق سنوات قبل ان تظهر مفاعيله، بينما موضوع الاقتراض من المركزي آني أكثر، فنحن امام مشكلة مستعجلة تكمن في تأمين رواتب القطاع العام، والّا فإنّ عدم تأمينها سيؤدي الى انفجار اجتماعي». وأشار حمود إلى انّ الجزء الأكبر من الاموال التي تطلبها الدولة اي الـ 200 مليون دولار سيباع للمصرف المركزي كي يتدخّل في السوق للحدّ من صعود الدولار في السوق الموازي».

ايفا أبي حيدر

المصدر: صحيفة الجمهورية