1

معنّفو الأطفال: ماذا بعد القرار الظني؟

شكلت قضية حضانة Garderêve وقضية مقتل الطفلة لين صدمة للمجتمع اللبناني، نتيجة العنف الوحشي تجاه أطفال لم يرتكبوا أيّ ذنب سوى أنهم وُجدوا في المكان الخطأ مع أشباه بشر، وأنهم لا قدرة لهم ولا قوة للدفاع عن أنفسهم بمواجهة أشخاص من المفترض أنهم مصدر للأمان والرعاية.  من يطّلع على تفاصيل القرارَين الظنيَّين الصادرين في القضيتين يدرك مدى البشاعة التي وصل إليها المجتمع، ولا سيّما في قضية الطفلة لين، من دون التقليل من خطورة الجريمة المرتكبة بحق أطفال الحضانة. فالإمعان في ارتكاب الجريمة وإخفائها ومحاولة طمس الحقائق واشتراك الأمّ والجدّة والجدّ بالتستّر على المجرم، وصولاً إلى وفاة الطفلة بسبب الامتناع عن إسعافها أمر لا يتصوّره عقل ولا منطق

أصدرت قاضية التحقيق في جبل لبنان رانيا يحفوفي قرارها الظني بملف حادثة حضانة Garderêve في وقت يعدّ قياسياً في ظل العطلة القضائية وما يعانيه السلك القضائي من تأخر في الإجراءات بشكل عام. 
وورد في الفقرة الحكمية الآتي:
«نحن قاضي التحقيق في جبل لبنان، نقرر وفقاً لمطالعة النيابة العامة وخلافاً لها:
1- اعتبار فعل المدعى عليها دجيني بشارة الخوري من قبيل الجناية المنصوص عليها في المادة 201/547 من قانون العقوبات والظنّ بها بمقتضى الجنحة المنصوص عليها في المادة 257/559/554 من قانون العقوبات.
• الظنّ بالمدّعى عليه طوني طوني مهنا بمقتضى الجنحة المنصوص عليها في المادة المشار إليها أعلاه من قانون العقوبات.
• الظنّ بالمدّعى عليها جومانا بو سعيد بمقتضى الجنحة المنصوص عليها في المادة 567/ عقوبات ومنع المحاكمة عنها ببقية الجرائم المسندة إليها لعدم تحقّق عناصر بحقها، واتباع الجنحتين بالجناية للتلازم.
2ـ تخلية سبيل المدّعى عليها جومانا بو سعيد بالنظر إلى ماهية الجرم ومدة التوقيف، وردّ طلب تخلية سبيل المدعى عليه طوني مهنا، كما ردّ طلب تعيين طبيب شرعي للمدّعى عليها دجيني الخوري.
3- إيجاب محاكمتهن أمام محكمة الجنايات في جبل لبنان، وتدريكهن الرسوم والنفقات».

رغم اعتراض أهالي الأطفال وامتعاضهم من الفقرة الحكمية الثانية التي قضت بإخلاء سبيل المدّعى عليها جومانا بو سعيد لأنهم يعدّون التقاطها للمقاطع وسكوتها لأكثر من ستة أشهر عن جريمة تُرتكب بحق أطفالهم مشاركة بالجرم وليس مجرد تستّر، إلا أنه لا يمكن إنكار أن هذا القرار جاء في موقعه إن كان لناحية السرعة في إصداره أو لناحية المواد التي ظن بها في حق المدّعى عليهن، ولا سيّما قرار رد طلب تعيين طبيب شرعي للمدّعى عليها دجيني الخوري، الذي قطع الطريق أمام محاولة استفادة الأخيرة من عذر تخفيفي بعد الإيحاء بأنها تعاني مشاكل نفسية.
تداولت وسائل إعلامية أخيراً خبر صدور قرارين عن الهيئة الاتهامية في جبل لبنان برئاسة القاضي كمال نصّار، في ما يتعلق بقضية الحضانة، قضى الأوّل بفسخ قرار قاضية التحقيق في جبل لبنان رانيا يحفوفي السالف الذكر لجهة إخلاء سبيل جومانا بو سعيد، وبالتالي إبقائها موقوفة. وقضى الثاني بتصديق قرار عدم إخلاء سبيل صاحبة الحضانة وإبقائها موقوفة أيضاً.

تشكل هذه القرارات، من حيث مضمونها والمدة التي صدرت فيها، بارقة أمل في ظل التأخر في الإجراءات في ملفات أخرى. ويعوّل أن يستمر العمل على هذا المنحى أثناء السير في المحاكمة، وصولاً إلى إصدار حكم مبرم يكون رادعاً لكل من تسوّل له نفسه من العاملين في هذه القطاعات الحساسة ارتكاب أي جرم مماثل أو حتى ارتكاب أي مخالفة مهما صغر حجمها. كما يكون محفّزاً لأصحاب هذه المراكز والقيّمين عليها للتقيّد بالإجراءات القانونية المفروضة عليهم والتدقيق في مراقبة العاملين لديهم واختيارهم وفق معايير تناسب الفئات المستهدفة. كذلك يشكل صافرة إنذار في وجه المسؤولين والمؤسسات الحكومية المرتبطة بشكل مباشر كوزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الصحة وغيرها لضرورة التنسيق وتشديد الإجراءات الرقابية على هذه المؤسسات للتأكد من توفر الشروط اللوجستية والبشرية والصحية عند التأسيس وخلال فترة العمل من خلال الرقابة الدورية المفاجئة بشكل مستمر.
كما نأمل أن يُعتمد هذا النهج في جميع الملفات المطروحة على القضاء وألّا تكون الإجراءات الحاسمة والسريعة محصورة بالملفات التي يسلّط الضوء عليها إعلامياً.

«يُعاقب بالإعدام»

شكّل القرار الظنّي الذي أصدرته قاضية التحقيق الأولى في الشمال سمرندا نصّار في قضية وفاة الطفلة لين طالب صدمة لناحية تفاصيل الجريمة التي ارتكبت بحق الطفلة من أقرب أقربائها وتركها تموت دون إنقاذها والتستّر من قبل الأم التي لم تحاول حتى إسعاف ابنتها، رغم تأكيد الأطباء أن التدخل الطبي السريع كان من الممكن أن ينقذ حياتها.
وبناءً على التحقيقات والدلائل، أصدرت القاضية نصّار قرارها بالظن بخال الطفلة بالمواد 503 و504 و549 من قانون العقوبات، والجد والجدة والوالدة بالمادة 549. 

المواد القانونية

تنصّ المادّة 503 من قانون العقوبات على أنّ «من أكره غير زوجه بالعنف والتهديد على الجماع، عوقِبَ بالأشغال الشاقة خمس سنوات على الأقل، ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا كان المعتدى عليه لم يتمّ الخامسة عشرة من عمره».
فيما تنصّ المادّة 504 على أن «يُعاقب بالأشغال الشاقّة لمدّة خمس سنوات على الأقل من جامع شخصاً غير زوجه لا يستطيع المقاومة بسبب نقص جسدي أو نفسي أو بسبب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع، ولا تنقص العقوبة عن سبع سنوات إذا كان المعتدى عليه لم يتمّ الخامسة عشرة من عمره».
أما المادّة 549 فتنصّ على أنّ «يُعاقب بالإعدام على القتل قصداً إذا ارتكب: عمداً، تمهيداً لجناية أو تسهيلاً أو تنفيذاً لها أو تسهيلاً لفرار المحرّضين على تلك الجناية أو فاعليها أو المتدخّلين فيها أو للحيلولة بينهم وبين العقاب، على أحد أصول المجرم أو فروعه».

ما يلي القرار الظني؟

يباشر قاضي التحقيق إجراءاته وتحقيقاته ليصل بها إلى قرار ظني ليجري الظن بالمدّعى عليه حول ماهية الجرم المرتكب. وإذا عدّ قاضي التحقيق في قراره أن الفعل المدّعى به من نوع الجناية، يحيل الملف إلى النيابة العامة لتودعه الهيئة الاتهامية. 
تضع الهيئة الاتهامية يدها بصورة موضوعية على الملف، إذا رأت أن الدعوى مكتملة التحقيق ولا جدوى من التوسّع فيه، تصدر قرارها الاتهامي إما بمنع محاكمة المدّعى عليه وإطلاق سراحه إذا تبيّن أن الأدلة غير كافية لاتهامه بالجناية، أو باعتبار الفعل جنحة أو مخالفة فتحيل الملف إلى القاضي المنفرد الجزائي أو تتخذ قراراً باتهام المدعى عليه إذا تبيّن لها أن الوقائع والأدلة كافية لاتهامه وتحيله إلى محكمة الجنايات. 
وللهيئة الاتهامية، بصرف النظر عما انتهى إليه قرار قاضي التحقيق المحال إليها، أن تجري أي عمل تحقيقي إضافي تلقائياً أو بناءً على طلب النائب العام أو المدّعى عليه أو المدّعي الشخصي.
في المرحلة الأخيرة، يحال الملف إلى محكمة الجنايات حيث تجري المحاكمة من خلال جلسات علنية يستجوب فيها المتهمين مجدداً، بالإضافة إلى الشهود ليصدر الحكم إما بالبراءة أو بالإدانة.
إن التعامل مع هذا الملف بدءاً من النيابة العامة الاستئنافية، مروراً بتعاطي جميع الأجهزة الأمنية والقضائية، وصولاً إلى القرار الظني الصادر عن قاضي التحقيق يدلّ على حرفية عالية وتحمّل للمسؤولية كوننا في عطلة قضائية، والجسم القضائي ككل يعاني مشكلات وتكدّساً في الملفات.
لكن الأسئلة تطرح نفسها: ماذا بعد القرار الظني؟ هل سيستمر سير المحاكمات على الوتيرة نفسها؟ هل سيصدر الحكم النهائي بسرعة وينال المتّهمون عقوبتهم القصوى؟ وفي حال صدور حكم الإعدام، هل سينفّذ؟ علماً أن آخر حكم إعدام نُفّذ في لبنان كان عام 2004.
في الواقع، من المهم تدخل القضاء بسرعة قصوى وبحسم، ولا سيّما في الجرائم المشابهة لجريمة أطفال الحضانة ومقتل الطفلة جراء الاغتصاب، إلا أن الأهم هو التدخل الاجتماعي والأخلاقي الوقائي للحدّ من ارتكاب مثل تلك الجرائم من خلال تنمية مفهوم القيم التي ترعى الحياة الاجتماعية والعلاقات الإنسانية، والتدخل التربوي الصحيح من قبل الأُسرة والمدرسة لإنتاج فرد إيجابي. فالحدّ من الجريمة مسؤولية كل أفراد المجتمع، كلٌّ وفق موقعه ووظيفته والرسالة التي يقدّمها.

نائلة نحلة

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




فبركات «خبير الإرهاب»

كانت كل الاتصالات التي يجريها اللبناني محمد يوسف حمود علنية، ولم يخفِ شيئاً عن المحققين أو عن محيطه أثناء وجوده في الولايات المتحدة الأميركية. وقد تعاون مع المحققين وقال بصراحة عام 2000 إنه يؤيّد «حزب الله» الذي يقاوم الاحتلال الإسرائيلي لبلده. يبدو أن ذلك كان كافياً لإقناع هيئة المحلفين بإدانته، لكن أضيف إلى «اعترافه» هذا، إفادات شهود زور كانوا قد عقدوا صفقات مع الادّعاء العام (راجع الحلقة الثانية، «اتفاق مسبق مع شاهد الادّعاء الرئيسي»)، وإفادة «الشاهد الخبير» ماثيو ليفيت الذي ادّعى عام 2002 أن حمود «قائد خلية حزب الله في أميركا» وقدّم «معلومات» تدل إلى ذلك قبل أن يعود ويفضح كذبه بنفسه في كتاب أصدره عام 2013 

شهد «الشاهد الخبير» لدى مكتب الادّعاء، ماثيو ليفيت، زوراً بشأن اللبناني محمد حمود، وحرّض المحلفين في المحكمة على إدانته واعتباره «قائد خلية» تابعة لـ«حزب الله» في الولايات المتحدة الأميركية. ففي جوّ مأساة 11 أيلول 2001، ولتصوير حمود على أنه متعصّب واللعب على عاطفة هيئة المحلفين، اختلق ليفيت معلومات عن علاقة تنظيمية تربط حمود بقيادة «حزب الله» من دون تقديم أي دليل يثبت ذلك أمام المحكمة التي سمحت بتمرير شهادته الكاذبة هذه دون التأكد من صحتها.

حجبت الحكومة معلومات ذات صلة ومواد متعلقة بانحياز ليفيت وخبرته الناقصة بشأن «الإرهاب». فقد قيّدت المحكمة استجواب الدفاع لـ«الشاهد الخبير» بهدف منع انكشاف افتقاره إلى الخبرة وعدم وجود قرائن يمكن الاستناد إليها للأخذ بادعاءاته عن حمود.  فقد شهد ليفيت بشكل مضلل مدّعيًا أن:
• «نوع التعليم الذي تلقوه هناك (في مدرسة النور في برج البراجنة) كان تعليمًا خاصًا بحزب الله، تعليمًا دينيًا للغاية ولكن ليس فقط تعليمًا دينيًا بل دينيًا من نوع معيّن، مناهض للغرب بشدة ومناهض لأميركا بشدة ومؤيّد لإيران بشدة».
علماً أن مدرسة النور ليست تابعة لحزب الله لكن يبدو أن ليفيت كان يسعى إلى التأثير على هيئة المحلفين من خلال التشديد على «مناهضة أميركا» ليدّعي أن حمود هو خرّيج مدرسة «تحرّض على قتل الأميركيين».
وكان ليفيت يدّعي أنه يستند في أقواله إلى إفادات الشاهد سعيد حرب (راجع الحلقة الأولى، «تلاعب أميركي بالعدالة ومزاعم كاذبة»). ومع ذلك، عندما سأل المدّعي العام حرب عمّا إذا كان يعرف أيّ شيء عن المدرسة التي ذهب إليها حمود، أجاب بالنفي. 
• قال ليفيت: «المسجد في برج البراجنة، أعتقد أنه يسمّى مسجد الحسن بن علي، بناه الشيخ فضل الله، والحقيقة أن الشيخ فضل الله معروف بالوعظ هناك بانتظام. في الواقع، أعتقد أنه قد تكون هناك أوقات مهمة معيّنة، عندما يكون هو وحده القادر على الوعظ هناك». 
نعرض في الآتي ما جرى خلال استجواب المدّعي العام لحرب أمام المحكمة:
حرب: «نعم. هو المسجد الذي كان يرتاده (حمود) في حيِّنا…».
المدّعي العام: «لمن يتبع هذا المسجد؟».
حرب: «في البداية كانت (حركة) أمل، كما تعلم. كان لديهم شيخ هناك يلقي الخطب طوال الوقت…».
حرب: «ربما يكون الشيخ من (حركة) أمل، لكن جميع الأعضاء كانوا إلى حد كبير من حزب الله».
المدّعي العام: «أين يقع مسجد فضل الله في لبنان؟»
حرب: «إنه في حارة حريك، في منطقة تسمى حارة حريك».
المدّعي العام: «وقبل ذلك، أين كان المسجد؟».
حرب: «في بير العبد».
المدّعي العام: «أليس مسجد الحسن بن علي؟».
حرب: «لا».
ربما علم المدّعي العام، أو كان عليه أن يعلم، أن محضر مقابلة حرب أظهر أنه لم يذكر أي شيء في ما يتعلق بمدرسة حمود والمسجد، كما أشار ليفيت.

• أما بشأن علاقة محمد حمود المزعومة بـ«حزب الله» فقد استندت المحكمة إلى ادّعاء ليفيت الكاذب بأن العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله كان مسؤولًا رفيعًا في الحزب وقد تسلّم من حمود أموالًا أرسلها من الولايات المتحدة لدعم «حزب الله». كما ادّعى ليفيت أن سهولة اتصال حمود بفضل الله تثبت أنه يشغل مركزًا مهمًا في الحزب. إذ أفاد ليفيت أمام المحكمة: «لا أعتقد أنه سيكون من السهل الوصول إليه (إلى السيد فضل الله) فهو مثل أي قائد كبير آخر أو شخصية مهمة. ولديه حاشية كبيرة من الحراس الشخصيين. أنا لا أستطيع أن أتصل بمسؤول أميركي كبير. لا أعتقد أنه يمكنك فقط رفع الهاتف والاتصال بأحد كبار مسؤولي حزب الله أيضاً، فحزب الله لديه أيضاً زعيم روحي كبير وهو الشيخ فضل الله».

لا شك أن الشهادة بأن فضل الله كان مسؤولًا كبيرًا في «حزب الله» كاذبة وغير مدعومة بأي دليل. إذ قال العميل في وكالة المخابرات المركزية روبرت باير الذي استدعي كشاهد: «لا يمكنك الاتصال بمسؤولين كبار في حزب الله عبر الهاتف. وجرى التواصل مع فضل الله عبر الهاتف، ولم يكن من كبار قادة حزب الله». كما أكّد خبراء آخرين من ذوي المصداقية أمام المحكمة، الذين سافروا إلى لبنان ويتحدثون العربية، والذين يبدو أنهم أكثر معرفة بحزب الله من ليفيت، أن فضل الله لم يكن مسؤولًا في «حزب الله».
لم تحقق المحاكمة في ملف سعيد حرب بشكل شامل، وبالتالي لم تلاحظ افتراءات ليفيت. وبناء على ذلك، صدّقت هيئة المحلفين هذه الادّعاءات واستنتجت أن حمود كان بالفعل أحد قادة «حزب الله»، الذي تبرع له بالمال. وهكذا، رغم ضعف مصداقية حرب، قبلت هيئة المحلفين ادّعاءاته وأدانت حمود.
شهد ليفيت أمام المحكمة قائلاً: «كان الأشخاص الذين هم أعضاء في خلية شارلوت يشترون الأسلحة لأحد كبار ضبّاط المشتريات في حزب الله. ومن الواضح أنهم كانوا يرسلون الأموال إلى الأشخاص المتورطين في العمليات الإرهابية». وادّعى أن هذه المعلومات مبنية على شهادة حرب ولكن بعد المراجعة تبيّن أن شهادة حرب لا تتضمّن مثل هذه الادّعاءات.
كما شهد ليفيت زوراً بأنه اطّلع على رسائل تلقّاها حمود من شخص يدعى أبو آدم، شكره فيها على جمع الأموال. لكن ذلك يتعارض بشكل مباشر مع البيان الذي قدّمه ليفيت لاحقًا بأن الرسالة تنصّ، بعد الترجمة، على أنها تلتمس الأموال، ولا تشكر حمود على تبرعه.
أضاف ليفيت في شهادته أمام المحكمة أن «من بين الأشياء التي ضُبطت إيصالات من مكتب فضل الله نفسه لأموال جرى التبرع بها من الخلية، بما في ذلك إيصال واحد على الأقل أذكره بالتحديد، من محمد حمود… من محمد حمود إلى حزب الله ثم إيصال من مكتب فضل الله إلى محمد حمود». وكان هذا افتراءً واضحًا. والحقيقة هي أن حمود لم يتلقَ سوى إيصال من السيد فضل الله ولا علاقة لـ«حزب الله» بهذا الأمر.
وشهد ليفيت قائلاً: «إن السبب وراء احتلال إسرائيل للبنان باستثناء حزب الله هو وجود منظمة فلسطينية كبيرة».
وهذا كذب واضح لأن إسرائيل غزت لبنان عام 1982، قبل تأسيس «حزب الله». وكان الغزو يهدف إلى طرد فصائل المقاومة الفلسطينية من لبنان، وليس «حزب الله».

ليفيت يفضح نفسه بنفسه

لعل أفضل وأدق مصدر يمكن الاستناد إليه لكشف افتراءات «الشاهد الخبير» ماثيو ليفيت بحق محمد حمود هو كتاب وضعه ليفيت نفسه عام 2013 بعنوان «حزب الله البصمة العالمية لحزب الله في لبنان» Hezbollah: The Global Footprint of Lebanon’s Party of God. اعترف ليفيت في الكتاب بأنه لم يدرس «حزب الله» بجدية إلا بعد محاكمة حمود. وكتب: «لقد جعلتني التجربة مقتنعاً بضرورة إجراء دراسة جادة تركّز على أنشطة حزب الله السرّية في جميع أنحاء العالم». وهذا إقرار واضح بأنه ليس «خبيراً» كما ادّعى أمام المحكمة الفيدرالية الأميركية. 
وفي ما يتعلق بالتسلسل الهرمي للقيادة الداخلية للفرع العسكري لـ«حزب الله»، اعترف ليفيت بسرّيته العالية: «لا يُعرف سوى القليل عن التسلسل الهرمي للقيادة الداخلية للجناح العسكري لحزب الله بسبب طبيعته السرّية للغاية واستخدامه لإجراءات وقائية متطورة».

وكتب أيضًا: «نظرًا للطبيعة السرّية للجناح الإرهابي لـحزب الله، فمن الصعب جمع معلومات عن دوره وأنشطته… يبذل حزب الله جهودًا كبيرة لإخفاء أنشطته السرّية وغير المشروعة، ما يعقّد بشدة احتمال إجراء عمليات مفتوحة المصدر». بحث حول الموضوع، وتابع أن «عناصر حزب الله يستخدمون جوازات سفر وجنسيات أجنبية، ويستخدمون أسماء مسيحية».

وهنا، يقرّ ليفيت أيضاً بأن ادّعاءاته أمام المحكمة عن معرفته بشأن هيكلية القيادة في «حزب الله» وأسلوب عمله كانت تجافي الحقيقة.
لا شك أن الملاحظات التي ذكرها ليفيت في كتابه تتعارض تمامًا مع الأدلة المتعلقة بسلوك «خلية شارلوت حزب الله» المزعومة. وتبيّن تلك الملاحظات أن هذه المجموعة من الأشخاص لم تكن بأي حال من الأحوال «خلية إرهابية».
أما بشأن السيد الراحل محمد حسين فضل الله فورد في كتاب ليفيت: «ظل حمود أيضًا على اتصال بمحمد حسين فضل الله. وبحلول ذلك الوقت، لم يعد فضل الله تابعًا رسميًا لحزب الله، وبحسب بعض الروايات، لم يعد المستشار الروحي للجماعة أيضًا». هذه التصريحات تتناقض مع شهادته حول النقاط الجوهرية التي ذكرها في المحاكمة، والتي كررها المدّعي العام بلا تردد ومن دون أن يتأكد من مصداقيتها: «فضل الله هو حزب الله؛ وارتباط حمود بفضل الله يثبت أنه حزب الله. والمال لفضل الله هو مال لحزب الله».
كما كتب ليفيت: «حزب الله يعتمد بشكل شبه حصري على السخاء الإيراني، الذي تراوح بين 100 إلى 200 مليون دولار سنوياً أو أكثر».

وهكذا اعترف بأن «حزب الله» لا يعتمد على تبرعات المواطنين في الخارج. وبالتالي كان ليفيت يعلم أن لا وجود لـ«خلية حزب الله في كارولاينا الشمالية تعمل على تمويل حزب الله من الولايات المتحدة الأميركية»، وأن محمد حمود هو شاب لبناني، مؤيّد لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي لبلده ويرسل بعض الأموال لوالدته بين الحين والآخر وقد ظُلم من خلال الحكم عليه وبقائه 23 سنة في السجون الأميركية. 

لكن المشكلة تتعلق بالمحكمة الأميركية التي لم تكلف نفسها التدقيق في مصداقية «الشاهد الخبير». فالمحكمة لم تكن تعلم أن ليفيت لم يزر لبنان ولا يتّقن اللغة العربية مثلاً. ولم يعلم ليفيت أن جمعية المبرات الخيرية الإسلامية، وهي جمعية أسسها السيد فضل الله، كان لديها فروع داخل الولايات المتحدة الأميركية وكان لديها مكتب في مدينة ديترويت مثلاً.
ولم يذكر في معرض تقديم ماثيو ليفيت أمام المحكمة على أنه «الشاهد الخبير» الرئيسي أنه عمل لصالح الحكومة الإسرائيلية. 
أخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن القانون الأميركي يفرض إعادة المحاكمة عندما يتبيّن أن المحكمة استندت إلى شهادة زور أو إذا كان لشهادة الزور تأثير معقول على حكم هيئة المحلفين. لكن ذلك لم يحصل. بل ما حصل هو العكس تماماً حيث بات ماثيو ليفيت الشاهد «الخبير» المعتمد دولياً في المحاكم والمحافل والجامعات الغربية والمؤتمرات ووسائل الإعلام لاختلاق المزاعم عن «حزب الله».

من هو ماثيو ليفيت؟

باحث في معهد واشنطن ومدير برنامج «مكافحة الإرهاب». شغل منصب نائب مساعد وزير الاستخبارات والتحليل في وزارة الخزانة الأميركية بين عامَي 2005  و2007. عُيّن ليفيت بعد ذلك مستشاراً في وزارة الخارجية لمكافحة «الإرهاب» ومساعداً للمبعوث الخاص للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط الجنرال جيمس جونز.

وكما استندت لمحكمة الفيدرالية الأميركية إلى مزاعمه لإصدار حكم الإدانة الظالم بحق محمد حمود عام 2003، واستندت المحكمة الخاصة بلبنان كذلك عام 2020 إلى مزاعمه لتصدر حكمها الظالم بحق سليم عياش وحسن مرعي وأسد صبرا وحسين عنيسي باغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005. 
ماثيو ليفيت، هو يهودي أميركي تلقّى تعليمه الثانوي في مدرسة يهودية أرثوذكسية بولاية ماساتشوستس، ثم انتقل إلى جامعة «يشيفا» اليهودية في مدينة نيويورك، حيث حصل منها على شهادة بكالوريوس في العلوم السياسية، ثم حصل على الماجستير والدكتوراه من كلية «فليتشر} للقانون والدبلوماسية في جامعة «تافتس». 
دُعِي للشهادة أمام لجان الكونغرس الأميركي نحو تسع مرات بين عامَي 2005 و2018 حيث شارك في جلسات الاستماع التي عُقِدَت للتحريض على «حزب الله».
ليفيت، معروف بادّعاءاته الكاذبة حول دور «حزب الله» في تجارة المخدرات انطلاقاً من أميركا اللاتينية، واستخدام الحزب العنف في الداخل والخارج، وانتشاره العالمي، وتصنيفه «منظمة إرهابية» بكل وحداته لتضييق نشاطه.
أسّس ليفيت عام 2007 برنامج «الاستخبارات ومكافحة الإرهاب» الذي يُعدّ من أهم البرامج البحثيّة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الّذي أسسته أيباك (AIPAC) عام 1985. وتندرج من ضمن نشاط هذا البرنامج جهود التحريض على حركات المقاومة ومصادر تمويلها ولا سيّما «حزب الله». وفق بيانات خدمة الإيرادات الداخلية الأميركية، بلغ حجم تمويل البرنامج 858 ألف دولار سنوياً، وقد بلغ الذروة عام 2016 ليصل إلى 1,392,000 دولار. ويتكتّم معهد واشنطن على مصادر تمويله.

23 سنة من الظلم

– 20 تموز 2000: صدرت بلاغات جنائية ضد ستة عشر متهماً بالضلوع في تجارة ممنوعة وتهريب البضائع والتهرب الضريبي. كان محمد حمود من بينهم. اتُّهم حمود في البداية بالتآمر لنقل وبيع وتوزيع سجائر محظورة. وبالتهرّب من قوانين الهجرة.
– 21 تموز 2000: اعتقلت السلطات الأميركية محمد حمود.
– 28 تشرين الثاني 2000: عُين المحامي ريتشارد فولز للدفاع عن حمود. كان فولز قد تخرّج من كلية الحقوق قبل ثلاثة سنوات فقط (1997) وكانت هذه القضية هي أول قضية يرافع فيها أمام المحكمة الفيدرالية.
– 28 آذار 2001: قدم المدّعي العام لائحة اتّهام بديلة تزعم أن حمود وشخص يدعى سعيد حرب وآخرين يشكلون مشروعاً إجرامياً أطلق عليه الادّعاء اسم «خلية شارلوت حزب الله». زعم الادّعاء أن أعضاء «الخلية» توّرطوا في عمليات احتيال تتعلق بالهجرة، والاحتيال على بطاقات الائتمان، وتهريب السجائر، وغسل الأموال من أجل تهريب الأموال. وذلك بهدف:
(1)  إثراء أنفسهم وشركائهم.
(2)  تقديم بعض العائدات غير القانونية إلى «حزب الله» المصنف «منظمة إرهابية» أجنبية في الولايات المتحدة.
(3)  تعزيز أنشطة أعضاء الخلية المزعومة.

– 23 أيار 2002: بداية جلسات محاكمة محمد حمود وشقيقه شوقي. وكان محمد حمود يحاكم على أساس أنه «زعيم خلية شارلوت التابعة لحزب الله»، وأنه كان قد استخدم «منصبه القيادي» لدعم وجمع «آلاف غير معروفة» من الدولارات التي أُرسلت إلى عناصر حزب الله في لبنان من أجل «نشاط حزب الله العنيف في جنوب لبنان». كما ورد في لائحة الاتّهام أن حمود أرسل 3500 دولار أميركي إلى «حزب الله».
– 4 حزيران 2002: نهاية جلسات المحاكمة بعد مرور أقل من ثمانية أسابيع. وصدور حكم الإدانة عن هيئة المحلفين. استبدل المحامي ستانلي كوهين، بعد انتهاء جلسات المحاكمة، بالمحامي ريتشارد فولز. وقد مثل كوهين في جلسة النطق بالحكم. 
– 28 شباط 2003: حكمت المحكمة على حمود بالسجن لمدة 155 عاماً.
– 2 آب 2004: أيّدت محكمة الاستئناف الحكم من جميع النواحي.
– 26 كانون الثاني 2011: أعيد النظر بمدة العقوبة وعُدّلت من 155 سنة إلى 30 سنة.
– 13 حزيران 2023: أطلقت السلطات الأميركية سراح محمد حمود بعد قضائه 23 سنة ظلماً في السجون الأميركية. 

عمر نشابة

المصدر: ملحق القوس بصحيفة الأخبار




التطورات الاقليمية بدأت تطيح برهانات البعض الخارجية

دخل لبنان مرحلة انتخاب رئيس الجمهورية من باب مبادرة الرئيس بري، واذا نظرنا في التفاصيل السياسية في لبنان نجد انّ الجرأة في طرح المبادرة أتت من حيث لا يجرؤ الآخرون لتستقر في نهاية المطاف رئيسًا منتخباً تحت سقف المجلس النيابي.

اجواء الحوار الايجابية التي خيّمت على عظة البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي فرضت نفسها على الساحة المسيحية والدولية، فكان لقاء السفير السعودي مع البطريرك الراعي مطلع الاسبوع مؤشرًا ايجابيًا تجاه عين التينة.

على مستوى الحوارات الثنائية يسير حوار التيار الوطني مع الحزب في الاتجاه السليم بحيث ستبدأ لجنة العمل المشتركة لقاءاتها بحيث تشير مصادر سياسية الى أنَّ جميع الحوارات اليوم ستبحث في مبادرة الرئيس بري الى جانب القضايا الاساسية التي طرحتها الورقة التي قدّمها رئيس التيار جبران باسيل والتي باتت تُدرس في العمق.
هذه الحوارات الثنائية لم تعد تُختصر بحوار التيار والحزب بل يدور في الافق لقاءات ثنائية ستحصل مطلع الاسبوع المقبل تعزز التحضيرات المتسارعة للحوار المرتقب.

مضمون الحوار المرتقب بين الرئاسة والسلة الكاملة
أسبوع الحوار المرتقب باتت تتبلور خطوطه العريضة التي من المتوقع ان تتركز على السلة الكاملة للمرحلة المقبلة مع اهمية التركيز على موضوع الرئاسة التي تشكل المنطلق لباقي الملفات على الشكل التالي:
-1 تكليف رئيس الحكومة.
-2 تشكيل حكومة خلال مدة لا تتجاوز الشهرين.
-3 تحديد اقتراحات قوانين اساسية رئيسية سيُعمل عليها مباشرة بعد انتخاب رئيس الجمهورية كموضوع اللامركزية والصندوق السيادي.
هذه العناوين الاساسية وغيرها في موضوع السلة المتكاملة من البديهي ان تُدرس على طاولة الحوار الى جانب مواصفات رئيس الجمهورية التي يمكن ان تصب في مصلحة اي مرشح يتم التوافق حول اسمه، مع العلم بأنَّه ليس مستبعدًا الذهاب الى جلسات مفتوحة بدون التوافق على اسم مسبق بل على سلة اسماء على طاولة الحوار يتم الذهاب بها الى البرلمان.

الكتل غير المؤيدة ستستجيب للمبادرة الرئاسية
التفاعل الايجابي الداخلي والخارجي الذي تحمله مبادرة الرئيس بري بالتزامن مع تطور حركة الحوارات الثنائية يشير الى أنَّ الموجة المعارضة للمبادرة لن تستمر الى ابعد من ايام معدودة، خاصة أنَّ التطورات الاقليمية بدأت تطيح برهانات البعض الخارجية. انطلاقًا منه تشير مصادر سياسية واسعة الاطلاع الى أنَّ الدول الخمسة متحمسة للمبادرة، وان البعض في الداخل ممن يرفضون اليوم سيذهبون غدًا الى طاولة الحوار بعد حركة اتصالات بدأت تنشط في عواصم القرار التي تطيح ببعض التصريحات غير المسؤولة في الداخل اللبناني، فيما قد تبقى كتلة او كتلتين ليست ذات ثقل شعبي خارج المعادلة.
انطلاقًا من الذكرى الـ ٤٥ لاختفاء الامام موسى الصدر وصولًا الى عواصم القرار الدولية، تسير الكتل النيابية تباعًا نحو الحوار لتنتخب بعدها رئيسًا للبلاد يلاقي نتائج منصة الغاز التي تعمل في البلوك التاسع لاخراج البلد من أزمته.

الدكتور زكريا حمودان

المصدر: صحيفة الجمهورية




بالتفاصيل… هذا ما يجري على الحدود مع سوريا

مع تدفّق سيل إضافي من النازحين السوريين الى لبنان لاعتبارات اقتصادية، تفاقم الخطر الوجودي الذي بات يهدد البلد جرّاء أزمة النزوح المتمادية والممتدة منذ عام 2011، بينما تجد الاجهزة نفسها في مواجهة واقع صعب على الحدود في انتظار قرار سياسي يستعيد المبادرة ويؤسس لمعالجة حقيقية.

كان الرئيس نجيب ميقاتي واضحاً في التحذير خلال جلسة مجلس الوزراء من ان النزوح غير المبرر يهدد استقلاليتنا الكيانية ويفرض خللا حادا يضرب تركيبة الواقع اللبناني.

ولكن المفارقة انّ مستوى التصدي الرسمي لهذا التحدي لا يرقى حتى الآن الى حجم التهديد المعترف به رسميا، بينما تستوجب المعالجة او ربما المواجهة، تحركا سياسيا على أعلى المستويات بالدرجة الأولى.

بناء عليه، فإنّ رمي كل العبء الثقيل على الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية فقط هو اختزال للحل والأزمة، لا يحقق الغرض المفترض، بل يكتفي بمعالجة بعض العوارض من دون مقاربة جوهر المشكلة. وبالتالي، فإن الاستمرار في الاعتماد على القوى العسكرية والأمنية حصرا، انما يعني انها ستظل «تلهث» خلف النازحين المتسللين عبر المعابر غير الشرعية بأعداد كبيرة، او أولئك المخالفين الموجودين في الداخل، وهذه عملية كر وفر مُنهكة وتتطلب أعلى جهوزية لوجستية، في حين ان الاجهزة على اختلافها باتت تحسب حساباً حتى للمحروقات التي تستخدمها في مهماتها الميدانية.

وهناك من يعتبر انّ حتى ايفاد بعض الوزراء المعنيين بالملف الى دمشق لم يعد كافيا، وان المطلوب ان يمتلك ميقاتي شجاعة زيارتها شخصيا للقاء المسؤولين السوريين على أرفع المستويات والبحث معهم في الآليات الممكنة والفعّالة لوقف تدفق النازحين من جهة ولاعادة أولئك المتواجدين في لبنان من جهة أخرى ضمن قواعد ما يعرف بالعودة الآمنة.

ويلفت أصحاب هذا الرأي الى انه ما دام ميقاتي نفسه يعتبر ان النزوح السوري بات يشكل تهديدا للكيان وتركيبته، فإنّ مقتضيات المصلحة العليا والامن القومي باتت تستحق منه زيارة سوريا، حتى لو انطوَت على نوع من المجازفة السياسية، ربطا بموقف الغرب وخصوصا الولايات المتحدة التي تتشدد في تطبيق قانون قيصر وترفض اي انفتاح على دمشق.

وما لم تتطور المعالجة في الاتجاه السياسي الاوسع، سيبقى ملف النازحين عَصياً على الضبط وستظل الحدود الشمالية الشرقية التي يبلغ طولها نحو 357 كلم قابلة للخرق مهما فعل الجيش.
وتوضح مصادر امنية ان أربعة أفواج من الجيش تنتشر على طول الحدود الشمالية الشرقية وهي تحاول بكل طاقتها منع تسلل النازحين عبر الفجوات الجغرافية الكثيرة، من خلال تسيير الدوريات وإقامة الحواجز ونصب الكمائن وتفعيل المراقبة.

ولكن المصادر تلفت الى عدم جواز تحميل المؤسسة العسكرية وباقي الاجهزة ما يفوق طاقتها وقدرتها، لانه من الصعب جدا بالعديد الحالي ضبط كل الممرات الحدودية المتشعبة وسط التعقيدات الجغرافية على الأرض، فيما هناك حاجة الى نحو 40 الف عسكري للامساك بالحدود، لا يتوافر منهم حالياً سوى 8 آلاف تقريباً.

وتلفت المصادر من باب شرح طبيعة الأرض الى انه لا يمكن على سبيل المثال إقفال مجرى نهر او تأمين التغطية الكاملة لسهول واسعة جدا واراض متداخلة مع سوريا، والمفارقة انه عندما يلجأ الجيش احيانا الى رفع سواتر ترابية لاقفال بعض المنافذ بغية توزيع عناصره على اماكن أخرى بحاجة اليهم اكثر، كان يُفاجأ لاحقاً بأن جرافات تزيل تلك السواتر.

والى جانب العوامل الطبيعية غير المساعِدة، توجد على ضفتي الحدود شبكات منظمة تسهّل تهريب النازحين ونقلهم، وحين ينجح الجيش في توقيف عدد من هؤلاء ويعيدهم الى بلادهم، يبادر المهربون مجدداً الى تلقفهم وإرجاعهم نحو لبنان، انما بنصف السعر هذه المرة، كنوع من التحفيز والتعويض!
والأسوأ من ذلك أن جانباً من القضاء يلجأ الى الإفراج عن بعض المهربين الذين يوقفهم الجيش، وذلك بعد وقت قصير من إلقاء القبض عليهم.

أمام هذه الوقائع، صار محسوما انه يجب اتخاذ قرار سياسي كبير بمواجهة تداعيات ملف النازحين، على كل الصعد، وإلا فإن الآتي أعظم.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




ماذا لو يملك 10 بالمئة من النازحين المعارضين أسلحة؟

لا يزال ملف النزوح السوري يرخي بثقله على الداخل اللبناني، من دون أن تنفع حتى الآن كل محاولات معالجته، وسط تخبّط داخلي و«خبث» خارجي. ليس هذا فقط، بل هو يستمر في التضخّم والانتفاخ مع تدفق المزيد من السوريين، بدل أن ينخفض منسوب الموجودين هنا.

بينما كان لبنان يئن من الوجع تحت وطأة استضافة نحو مليوني نازح سوري على أرضه، ويحاول بكل الوسائل الممكنة إعادتهم الى بلادهم، إذا به يُفاجأ بموجة جديدة من النزوح تجتاحه، وهذه المرّة لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، مع تفاقم تداعيات الأزمة المعيشية في سوريا نتيجة الحصار الذي فُرض عليها بموجب «قانون قيصر».

وقد أتى هذا التدفق لآلاف النازحين الجدد خلال فترة قصيرة لا تتجاوز الشهر، ليوجّه ضربة موجعة إلى المساعي المبذولة من أجل تحقيق العودة الآمنة، فارضاً وقائع صادمة على اللبنانيين الذين بوغتوا بالزحف الكبير، فيما كانوا ينتظرون تخفيف الأعباء الثقيلة التي يرزحون تحتها منذ سنوات جراء استضافة السوريين.

والمفارقة انّ دخول طوابير النازحين عبر مختلف المعابر يتمّ «على عينك يا تاجر» وفي وضح النهار، علماً انّ الجيش أوقف عدداً منهم، بينما تمكّن الجزء الأكبر من التغلغل في الداخل اللبناني بحثاً عن فرص عمل، في بلد يواجه بطالة مستفحلة دفعت الكثير من أبنائه إلى الهجرة!

وعلى وقع التهديد المتفاقم للأمن القومي اللبناني، عُلم انّ مسؤولي ملف النازحين في «حزب الله» نوار الساحلي، وفي «التيار الوطني الحر» نقولا شدراوي، سلّما المدير العام للأمن العام بالإنابة اللواء الياس البيسري خطة لاحتواء خطر النزوح، تقضي بإشراك البلديات في المعالجة من خلال إجراءات محدّدة، مثل إحصاء عدد النازحين ضمن نطاق كل بلدية والتدقيق في اوضاعهم القانونية والطلب من العائلات النازحة المغادرة، على أن يبقى العمال إذا كانت هناك حاجة إليهم لسدّ الاحتياجات في بعض المهن.

واقترح ممثلا الحزب والتيار ان يحصل تعاون وتنسيق بين البلديات والامن العام على مستوى التنفيذ، فيما أبلغهما البيسري بأنّه سيدرس الخطة ليُبنى على الشيء مقتضاه.

وتعتبر مصادر مطلعة ومواكِبة لهذا الملف، انّ المطلوب إزاء التفلّت الحاصل تشدداً أكبر في مراقبة المعابر وضبطها، خصوصاً غير الشرعية منها، لافتة إلى وجوب سدّ الفجوات البرية التي يتسرّب عبرها النازحون.

وتؤكّد المصادر انّ الدافع الاقتصادي هو المحرّض الأساسي على النزوح المتجدّد، كاشفة انّ اغلب المتسرّبين خلال الأيام الاخيرة هم من الشباب الذين ضاقت بهم السبل في سوريا، فقرّروا المجيء إلى لبنان للعمل.

وتحذّر المصادر من انّ الواقع الداخلي لا يتحّمل العبء الإضافي من النازحين، خصوصاً انّ الهواء يكاد يضيق على المواطنين اللبنانيين وسط مزاحمة النازحين السوريين لهم على كل شيء وحتى على الأوكسيجين.

وتعتبر المصادر انّ هناك نوعاً من غضّ الطرف الغربي عمّا يجري حالياً، ظناً من البعض في الخارج انّ زيادة أعداد النازحين سيعزز أوراقه وسيُفاقم الضغط على «حزب الله».

وتضيف المصادر: «اذا افترضنا انّه يوجد من بين نحو مليوني نازح 400 الف معارض لـ»حزب الله»، وضمن هؤلاء يوجد 10 بالمئة فقط يملكون أسلحة، أي 40 الف شخص، وهذا هو الحدّ الأدنى المرجح، فإنّه يمكن عندها تقدير حجم الخطر الذي يمثله هؤلاء وطبيعة الاستثمار الغربي لهم في حساباته ومشاريعه».

وتشدّد المصادر على ضرورة أن تتوقف مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمات غير الحكومية عن تمويل النازحين، لتحفيزهم على العودة، ولكن صار واضحاً أن لا قرار سياسياً في هذا الإطار بغية الاستمرار في استغلالهم لمآرب سياسية.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية




البوانتاج الأولي للحوار… بري يفاجئ مُعطّلي الرئاسة

ما زال الوسط السياسي في لبنان يتفاعل مع مبادرة رئيس مجلس النواب نبيه بري التي فاجأت الجميع، فقد كان أقصى ما يمكن ان يصل له أهل السياسة في لبنان، مبادرة تحرّك الملف الرئاسي. لكن حقيقة الامر، انّ أرنب الساحر الوطني هذه المرة كان من الطراز الرفيع، بحيث بتنا على سكة انتخاب رئيس للجمهورية، قبل نتيجة منصّة التنقيب التي تشير التقديرات انّها ستكون واعدة.

بالأرقام وكما يظهر في جدولي البوانتاج الاول والثاني، فإنَّ الجزء الاكبر من الكتل النيابية أبدت حماستها للحوار، فسارعت إلى التفاعل بشكل ايجابي مع دعوة الرئيس بري، الامر الذي يشير بأننا نسير تدريجيًا تجاه طاولة حوار تحت قبّة البرلمان.

وكما يُظهر الجدول الثاني، يوجد فقط 21 % من النواب يرفضون الحوار، مما يشير بشكل آخر الى تمسّكهم بمشروع تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية إذا لم يكن الانتخاب يتناسب مع حركة التجيِّش الشعبية التي يعيشون عليها كل يوم، من خلال المواقف التي يطلقونها والتي تتخطّى موضوع انتخاب رئيس للجمهورية.

وكذلك بحسب الجدول الثاني، يوجد 71 % من النواب يؤيّدون الحوار بشكل كامل، ولكن يُضاف اليهم 8 % ينتظرون ان يتبلور المشهد التقني الذي سيسير به رئيس مجلس النواب، سواء على مستوى جدول الاعمال او جلسات الانتخاب التي ستليه بحسب المبادرة التي اطلقها رئيس المجلس.

سياسيًا تشير مصادر سياسية انّها مرتاحة للأجواء الايجابية التي تسود هذه الايام بعد طرح مبادرة الرئيس بري، وتؤكّد المصادر التي تداولنا معها الأرقام التي وصلنا اليها، بأنَّ الحوار لن يتوقف طالما الاغلبية المطلقة مؤيّدة له، وانّ القوى التي ترفض الحوار يمكنها ان تأتي إلى البرلمان لتشارك في جلسات انتخاب الرئيس، بالرغم من انّ حضورها من عدمه لن يعطّل انتخاب الرئيس، طالما انّه توجد اغلبية مطلقة من الكتل النيابية مؤيّدة للطرح وتريد ان نخرج من الفراغ القاتل وان ننتخب رئيساً صناعة لبنانية.

الدكتور زكريا حمودان

المصدر: صحيفة الجمهورية




الهدف الخفي وراء منصة “بلومبيرغ” في لبنان.. تعويم الليرة؟

حذرت مصادر رفيعة في تصريحات لـ”العربي الجديد” من أن الهدف غير المعلن للإقرار المرتقب غداً الخميس، لمنصة “بلومبيرغ” في مجلس الوزراء اللبناني، إنما يكمن في التعويم المطلق لسعر صرف الليرة المتداولة حالياً بسعر يناهز 89 ألفاً مقابل الدولار في السوق الموازية.

وفي حين أن الهدف الظاهر من الخطوة هو توحيد سعر الصرف، تسأل المصادر الراصدة لغموض في الآليات المقترحة غير الواضحة، عن الأسباب التي تدفع إلى الاعتقاد بقدرة أي سلطة لبنانية مالية أو نقدية أو سياسية على ضبط السوق الموازية، مع أن هذه السوق استقر فيها سعر الصرف قبل نحو شهر تقريباً من انتهاء ولاية حاكم “مصرف لبنان” المركزي السابق رياض سلامة في 31 يوليو/ تموز المنصرم، ليتسلم زمام الأمور في رأس السلطة النقدية نائبه الأول وسيم منصوري.

هذا ويدرس مجلس الوزراء الخميس، اقتراحاً كان قدّمه منصوري إلى وزير المالية يوسف الخليل، يقضي باعتماد منصّة إلكترونية عالمية موثوقة بالتعاون مع شبكة “بلومبيرغ” الأميركية، ووقف استخدام منصّة “صيرفة” المفتقرة لمبادئ الشفافية والحوكمة، فيما تسأل المصادر المصرفية عن ضمانة شفافية العمليات المنفذة عبر الشبكة الجديدة بما أن الفريق نفسه في مصرف لبنان الذي أدار “صيرفة” هو من سيشرف على المهمة الجديدة. وتقول: “ما الذي سيتغير فعلاً؟ لا شيء واضح حتى الساعة”.

ويسود اعتقاد في أوساط المقرّبين من منصوري بأن المنصة الجديدة ستؤمّن العرض والطلب على الدولار في السوق بوضوح من دون أي عمليات جانبية كما كان يحصل أيام الحاكم السابق.

وبحسب كتاب حاكم “المركزي” بالإنابة (منصوري)، فإن هذا التعديل اعتُمد بالاستناد إلى دراسة أعدّها فريق عمل صندوق النقد الدولي في مايو/أيار 2023 وبناءً على توصياته بالتوقف عن استخدام “صيرفة”.

وكان المجلس المركزي في “مصرف لبنان” ناقش هذا الأمر، وطلب من الحاكم السابق (سلامة) في يونيو/حزيران الماضي، توجيه كتب إلى كلّ من “بلومبيرغ” و”رويترز” لتقديم عروض، وعُقدت لهذه الغاية اجتماعات بين ممثلي الشركتين والمعنيين في “المركزي” مصرف لبنان، ثم رسا الخيار على الأولى.

وترى المصادر المصرفية أن في الطلب الذي قدمه منصوري من الحكومة اللبنانية على خطوته محاولة واضحة لتحميل الجميع المسؤولية عن القرارات الجديدة، بخلاف أسلوب الحاكم السابق سلامة الذي كان قد اعتمد “صيرفة” مكتفياً بإصدار تعميم بهذا الخصوص من دون الرجوع إلى السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء.

وبحسب كتاب منصوري الموجّه إلى وزير المالية، فإن اعتماد المنصّة الجديدة يتطلب إطلاق ورشة تدريب للقطاع المصرفي والمؤسسات المالية المعنية لتسهيل الانتقال إليها.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




تحوّلات بيروت.. من مدينة الطباعة إلى الكتب المستعملة

منذ أواخر العام 2019، بالتزامن مع بدء انهيار العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي، تناقصت القدرة الشرائية للمواطنين اللبنانيين والمقيمين في لبنان، الأمر الذي جعل هؤلاء يهتمّون بتأمين حاجات الحياة الأساسية فقط؛ ما أدّى إلى تراجع الإقبال على ما اصطُلح على تسميته بـ”الكماليات”، التي تشمل في بلاد الأزمات كلَّ ما لا يُبقي على قيد الحياة بالمعنى الحرفيّ الضيّق، ومن أبرز هذه الأشياء الكتاب، الذي اشتُهرت بيروت على مدى عقود بأنّها مدينة صناعته، كما عُرفت بفضل ذلك بلقب “مطبعة العرب”.

ولأنَّ الحلول لا بُدَّ أن توجد حتّى في الأزمات، بل إنّ للأزمات حلولها الخاصّة المتولّدة من ظروفها، ازدادت في السنوات الثلاث الأخيرة مكتبات الكُتب المستعملة بشكلٍ ملحوظ. أصحابها من صغار التُجّار، والقرّاء كذلك، الذين استفادوا من الفضاء الإلكتروني لتسويق بضاعتهم مهما كانت قليلة، والبعض منهم عزّز مكتبته الخاصة بمكتبات بيتيّة لأشخاص رحلوا فباع ذووهم كتبهم، أو اضطرّوا لبيعها تحت ضغط الغلاء، وتأخّر الرواتب لفترة طويلة. 

مخزون عُمر كامل

بهذه الطريقة بدأ محمد فرحات تجارته، التي تتّخذ من وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للوصول إلى الناس، ويتمّ إيصال ما يشترونه من العناوين المعروضة في الصور عبر شركة توصيل يتعاقد معها، أينما كانوا داخل لبنان. 

لكنّ الاحتكاك المباشر الأول لمحمد مع القرّاء حصل في “معرض بيروت للكتاب” العام الماضي، وتحديداً في الدورة التي أقيمت في شهر آذار/ مارس، حيث كان يبيع الكتاب الواحد شبه الجديد بدولار واحد فقط، ما عرّف به قراءً جدداً. يقول محمد لـ “العربي الجديد” عن بداياته وعن مشاركته هذه: “اشتريتُ مكتبة خاصّة بسعر مقبول، وكان لديَّ كمية كبيرة أردتُ بيعها. يميلُ القارئ إلى الحصول على كتاب جيد بسعر مقبول”، لكنّه يشير إلى أنّ تلك الفترة “كانت حالة خاصّة من الصعب أن تتكرّر”.

"مكتبة كتابي" ببيروت (العربي الجديد)
“مكتبة كتابي” ببيروت (العربي الجديد)

تأثير الأزمات يبدو واضحاً أكثر ما يكون في حالة إياد خبّازه، الذي يصحّ في حالته الحديث عن تأثير الكارثة. فالرجل الناجي من انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب / أغسطس 2020، خسر معرضه في منطقة مار مخايل التي يفصلها عن المرفأ الطريق السريع فقط، بكامل معروضاته من الأنتيكات وثريّات الكريستال ومجموعات المفروشات القديمة، ليُضطرّ بعد ذلك إلى “البدء ببيع كتب مكتبتي الشخصية، التي كان عددها يناهز 1700 كتاب، للحصول على مالٍ للعيش اليومي”، يقول لـ”العربي الجديد”.

يسرد إياد الجالس وحيداً في مكتبته الجديدة في شارع أنطون الجميّل، المتفرّع من شارع الحمرا الرئيسي، تأثير الأزمات السياسية في لبنان على أعماله، وتنقّلاته الكثيرة بسببها؛ من التفجير الذي أدّى إلى اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري في العام 2005، إلى الاعتصامات في وسط بيروت المطالبة باستقالة الحكومة، وصولاً إلى الحراك الشعبي في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، إلى أن قرّر قبل عامين استئجار محل يعرض فيه الكتب التي بدأ يشتريها كما يقول لـ “العربي الجديد”: “ممّن أجبروا على الانتقال من بيوتهم ذات الإيجارات القديمة والزهيدة بسبب ترميمها بعد الانفجار، واستصعبوا نقل مكتباتهم الضخمة معهم، ومن الذين قرّروا الهجرة من غير رجعة، وكذلك من المكتبات الموجودة خارج بيروت والتي أقفلت بسبب قلّة الإقبال عليها”، فبدأت مكتبة “كتابي 2021” – التي سبقَ افتتاحها عدد من المشاركات في معارض محلية – تعرض في عطل نهايات الأسبوع داخل بيروت وفي ضواحيها، اشترى خلالها إياد من الكتب أكثر ممّا باع، موسِّعاً بذلك مخزونه.

حركة طلابيّة وسياحية

قبل نحو عام، انتقل إياد أمتاراً قليلة إلى محلّ أوسع من سابقه، ذي سقيفة يمكن الجلوس فيها للدراسة وشُرب شيء ساخن بين المحاضرات الجامعية، فالمنطقة تضمّ عدداً من الجامعات، يُشكّل طلابها وأساتذتها الشريحة الأبرز من مرتادي المكتبة، التي تضمّ مراجع وكتباً باللغات العربية والإنكليزية والفرنسية، يتمّ الحصول على بعضها عند الحاجة إليها عبر طلبها من تركيا؛ وهي عبارة عن نسخ مصوّرة وليست أصلية، فما يهمّ الطالب الجامعي المحتوى والمعلومات قبل أي شيء آخر، بالإضافة إلى عدد كبير من الروايات والإصدارات الدورية القديمة ودواوين الشعر، التي تشكّل الجزء الأكبر من محتويات المكتبة.

القُرب من الجامعات ومن حركة طلّابها هو ما دفع مالك مكتبة “Book bazar” إلى إغلاق فرعه في شارع ألفرد نوبل، الذي يعلو الشارع الذي فيه سلسلة مطاعم “بربر” الشهيرة، وأخذ محل ملاصق للفرع الأول في شارع الصيداني الذي يعلو شارع بلس في رأس بيروت، حيث يوجد المبنى التاريخي للجامعة الأميركية.

تزدحم في هذه المكتبة كتبٌ متنوعة بلغات عدّة، يغلب على موضوعاتها الجانبان السياسي والتاريخي. إلى جانب طلاب الجامعات، هناك بعض السيّاح العرب الذين ما تزال تجذبهم مركزية بيروت الثقافية، التي تبدو مكتبات الكتب العتيقة مكاناً ملائماً لوجودهم، نظراً إلى عتقها هي الأخرى. أغلب هؤلاء السياح عراقيون، بالإضافة إلى بعض السوريين والمصريين، وبعض العراقيين تحديداً من التجار، الذين يقصدون مكتبات الكتب المستعملة لشراء ما يشحنونه لعرضه في مكتباتهم. 

بشكل عام، تتفاوت أسعار الكتب المستعملة تفاوتاً كبيراً، بحسب عوامل عدة، منها العلاقة التي تكون قد انبنت بين الشاري والبائع، والسياسة التي يتّبعها البائع في عمله وعلاقة ذلك بكمية مخزونه… فيمكن لسعر الكتاب المستعمل أن يتراوح بين سعر النسخة الجديدة منه، نزولاً إلى 20% أو 30% من سعر النسخة الجديدة. أما بالنسبة إلى الكتب النادرة ذات الطبعات الأولى، قليلة التواجد أصلاً، فيمكن أن يُطلَب فيها أضعاف ذلك.

رحلة محفوفة بالمفاجآت!

تحرص مكتبة “Book bazar” على المشاركة في “معرض بيروت للكتاب”، ويكون الإقبال عليها ملحوظاً نظراً إلى ما تَعِدُ به أكوام الكتب المتراكمة من كنوز مخبّأة في باطنها، يمكن أن تكون نسخاً لم تعد متوفّرة في دور النشر التي أصدرتها، أو أن بعض هذه الدور لم يعد لها وجود أساساً. ينسحب أمر الإحساس بالمغامرة واستنفار حسّ الاكتشاف على زيارة أي مكتبة للكتب المستعملة، حيث يتجدّد المعروض باستمرار، على عكس الحال مع مكتبات الكتب الجديدة، التي تحوّلت مع غلاء الدولار إلى نوعٍ من مكتبات الأونلاين، لا تجد فيها إصداراً جديداً ما لم توصِ عليه أولاً ليجلبوه من دار النشر، التي توقّفت عن توزيع كتبها “بالأمانة” على المكتبات، حيث تشترط أن يتمّ دفع ثمن كل ما يخرج من مستودعاتها.

بعد مشاركتها في عدد من المعارض الصغيرة في قرى جبل لبنان، وعلى امتداد الساحل، وكذلك داخل مدينة بيروت، والتي “اقتصرت فوائدها على التسويق لاسم المكتبة والتعرّف إلى أناس جدد، بدون أرباح مادية، وغالباً بخسارة خاصة إذا كانت فترة المعرض طويلة”، تستعدّ مكتبة “كتابي 2021” للمشاركة في “معرض بيروت” للمرة الأولى. يبدو إياد خبّازه، كما يوضّح لـ “العربي الجديد” متحمّساً لهذه المشاركة، ويعد بأسعار تتراوح بين دولار ودولارين للكتاب الواحد.

قُبيل إقفال هذه المكتبة لأبوابها عند السابعة مساءً، يدخل شاعر لبناني ليسأل عن مرجع لمقالة يكتبها، ستُشكّل جزءاً من كتاب فيما بعد. يمرّ ممثل سوري من أمام الواجهة ويكتشف وجود المكتبة متأخراً، إذ سبق أن ملأ كيساً من مكتبة مجاورة لزوم الحفر في الشخصية الجديدة التي سيؤدّيها. يحفظ موقع المكان ويَعِدُ بالعودة مرة أخرى.

ساري موسى

المصدر: صحيفة العربي الجديد




بين الإنماء والواقعية السياسية… كيف يقرأ “الحزب” و”التيار” اللامركزية؟

ينتظر لبنان بداية عهد رئاسي جديد، وإذا كان مصطلح العهد يجسّد مشروع رئاسة الجمهورية فإنَّ واقع لبنان المعاصر بعد «اتفاق الطائف» وضع السلطة في الإطار التكاملي بين الرئاسات الثلاث ووزارة المال، بالتالي، انّ كل عنوان فضفاض لا ينفع إذا لم يتوافق مع الواقعية السياسية المفروضة في «اتفاق الطائف» والعرف الدستوري، خصوصاً انّ لبنان بلد قائم على التوازنات.

اللامركزية الموسّعة بين الإدارية والمالية

قد يكون مفاجئاً ما يسمعه البعض، لكن بحسب التعريف العلمي وانطلاقًا من واقع لبنان الحالي، فإنَّ اللامركزية الادارية والمالية في لبنان مُطبّقة لكن معطوبة بفعل بعض الثغرات، بالتالي إذا اراد أحد الحديث عن لامركزية في لبنان، فإنَّ الانطلاق من التعديلات الدستورية لبعض المواد الفاعلة من أدوات اللامركزية قد تكون الطريق الأنسب نحو تحقيق ما هو مطلوب، خدمةً للمواطن.

اللامركزية الإدارية وأزمة بعض المتطفلين على المُصطلح

لا بُدَّ وقبل الغوص في اللامركزية الادارية ان نتوقف عند بعض المسؤولين ممن يتداولون مُصطلح الحاجة الى تطبيق «اللامركزية الادارية»، لإقناعهم بأنّه لا يجب ان يطالبوا باللامركزية الادارية لانّها مُطبّقة من خلال «اللاحصرية» وضمن المرسوم الاشتراعي الرقم 116 – التنظيم الاداري 12/06/1959، والذي ينظّم وجود محافظات وأقضية ادارية، وينظّم عمل هذه الإدارات العامة ومهمّاتها، والتي تتضمن ايضاً دوائر خاصة لغالبية الوزارات.

هذه المنظومة الادارية المتكاملة والمهمّة في حال كانت تُستغل ايجابياً، تمثّل عمل اللامركزية الادارية بنحو واضح وصريح. واذا ما اردنا ان نتحدث عن بُعد انمائي واسع لهذه المنظومات الادارية، نكون قد دخلنا في خطأ كبير، لأنّ المصطلح العلمي يحصر عملها في الشق الإداري الذي يجب ان نتحدث عن اهمية تطويره على الشكل الآتي:

1- وضع تعريف لمهمّات كل دائرة ادارية لكل وزارة في المحافظات، وتعزيز عملها وكادرها العملي، لتحويله من المحاصصة السياسية الى الكفاية العلمية واحترام القانون.

2- إدخال الحوكمة الالكترونية على معاملات المواطنين في كل دائرة ممثلة للوزارات في المحافظات.

3- تفعيل سلطة وزارة الداخلية الرقابية على عمل المحافظين، والتي عليها ان تلعب دوراً حقيقياً في حال كانت هناك جدّية لدى وزير الداخلية، للقيام بإنجازات لا يمكن التذرّع بأنّ الواقع الحالي لا يسمح القيام بها.

4- محاسبة المحافظين سواء على المستوى المالي او الاداري. فالفساد المستشري في عمل المحافظات تحت ادارة غالبية المحافظين، لا يمكن أحد ان يقول إنّه لا علم له، لأنَّ عملية تشكيل لجنة بسيطة يمكنها ان تكشف كثيراً من الاسرار المفضوحة للمحافظين وفسادهم المتنوع.

انطلاقًا مما تقدم، فإنَّ الحديث عن تطبيق لامركزية ادارية هو لزوم ما لا يلزم، طالما انّ قانون اللامركزية الإدارية موجود لكنه غير مطبّق ابداً، بل هو أداة لفساد المحافظين وزبائنيتهم في المحافظات.

اللامركزية المالية ودورها في تحقيق الإنماء المحلي

عندما نتحدث عن لامركزية مالية نتساءل قبل كل شيء عن حقيقة بُعد لبنان عن تطبيق اللامركزية المالية، لنجد ضالتنا في المرسوم الرقم 1917 تاريخ 06/04/1979، والذي يحدّد آلية توزيع اموال الصندوق البلدي المستقل، والذي يجسّد لامركزية مالية تتوزع على اتحادات البلديات والبلديات التي تمثل الادارات المحلية في لبنان، وهي تتميز بأنّها إدارات محلية منتخبة على أساس مدني، ولكن يعيبها انّها منتخبة على أساس اكثري، وليس نسبياً، الامر الذي قد يكون من الضروري النظر فيه الى جانب بعض التحسينات الاساسية التي سنطرح بعضها في هذه الفقرة.

يُعتبر الصندوق البلدي المستقل ركيزة أساسية في عمل البلديات، خصوصاً أنّه يتضمن عائدات مالية تأتي من رسوم تجنيها الدولة من مختلف المناطق لتصبّ فيه وتتوزع نسبياً على المناطق، كما يُظهر الجدول الرقم 1 المأخوذ من كتاب «اللامركزية الطريق الى الإنماء والاستقرار/مؤلفه الدكتور زكريا حمودان».

وقوفًا عند بعض الهواجس المطروحة في الساحة اللبنانية، يمكننا القول إنَّ بعض التعديلات الشافية لهذه الهواجس يمكنها ان تأتي لنا بلامركزية مالية تصبّ في سبيل تحقيق الإنماء اللامركزي، وأهم هذه التعديلات:

1- تحديد حجم الدوائر التي ستشكّل الإدارات المحلية اللامركزية. وهنا يمكننا الحديث عن أقضية وتليها البلديات، فيكون لدينا مستوى لامركزي اول عبارة عن الأقضية، ومستوى لامركزي ثانٍ عبارة عن البلديات.

2- اعتماد قانون انتخابات للإدارات المحلية نسبي وخارج القيد الطائفي، مما يسهّل تثبيت فكرة تشكيل لوائح مغلقة، ويعزز دور الأحزاب غير الطائفية من جهة، بالإضافة الى تعزيز الرقابة المباشرة داخل المجالس المحلية من جهة اخرى.

3- تحديد مهمّات الإدارات المحلية لتكون انمائية بحتة، وعدم السماح بأي ثغرة تشريعية تتيح إعطاء خصوصية طائفية ذات بعد تقسيمي لأي ادارة محلية، مما يساهم في الحفاظ على صورة لبنان الموحّدة على المستوى الوطني.

4- تحديد نوع الموارد المباشرة للإدارات المحلية التي تحلّ مشكلة الجباية التي ينادي بها البعض، واعتماد موارد غير مباشرة مبنية على أسس علمية تعتمد مؤشرات جغرافية وسكانية عادلة.

انّ اللامركزية المالية الموجودة اليوم من خلال عمل البلديات هي منطلق أساسي لطروحات تطويرية لما هو موجود، لكن لا يمكننا ان نتوجّه نحو الغاء كُلي لجزء مهمّ بين ايدينا والتوجّه نحو طروحات فضفاضة تكون في الظاهر إنمائية وفي الباطن تتضمن البعد التقسيمي.

سياسياً كيف يرى «حزب الله» و«التيار الوطني الحر» طرح اللامركزية؟

بحسب مصدر رسمي في «التيار الوطني»، انّ اللامركزية التي يطرحها هي لامركزية متكاملة تتضمن لامركزية ادارية ومالية، وانّ ما تمّ طرحه في «اتفاق الطائف» غير كافٍ، ويجب ان يتكامل بلامركزية مالية. ويتابع المصدر «أنّ اللامركزية الادارية المطبّقة اليوم من خلال البلديات التي لديها سلطة مالية للتصرّف بالأموال ضمن الإطار البلدي الخاص بها، لكن طرح التيار اليوم هو عبارة عن طرح مجالس أقضية على مستوى الأقضية الحالية او بعض التعديلات على الأقضية، بحيث يجب ان تكون هناك جباية خاصة لكل دائرة بحسب حجمها، وهذه الجباية التي تقوم بها الدائرة تصرفها على مناطقها فقط من اجل تحقيق الإنماء». ويضيف المصدر، انّ «ما يحصل اليوم هو انّ البعض يعتبر انّه يدفع رسوماً وضرائب من دون ان يستفيد مما يدفعه. على سبيل المثال، انّ المواطن الذي يقطن في المتن يدفع ضرائبه في المتن حيث الجباية مرتفعة، ولكن يستفيد منها مواطن آخر في طرابلس او عكار او الضاحية، وذلك بواسطة الخدمات التي تقّدمها الدولة عبر اموال تحصل عليها الدولة من منطقة المتن».

ويشير المصدر الى انّ الهدف هو تحقيق جباية عادلة، وانّ مضمون الطرح لا يرتبط ابداً بأي بُعد سياسي. ويؤكّد انّ حظوظ نجاح تطبيق اللامركزية التي يطرحها التيار كبيرة جدًا في ظل وجود رأي عام مؤيّد لها، بالاضافة الى قبول عدد كبير من الاحزاب لهذا الطرح. لكنه في الوقت نفسه يشدّد على انّ البعض يتحدث عن الفيدرالية، وانّ «التيار الوطني الحر» لا يتحدث ابداً بهذا الطرح اليوم، على الرغم من أنّه ليس بالأمر المحظور. ويشدّد المصدر على انّ الواقع الحالي هو واقع غير سليم، والحل البديل منه ليس الفيدرالية بل اللامركزية التي بات طرحها جدّياً اليوم وحظوظه كبيرة، مع التأكيد انّه يجب التوافق مع بقية القوى على تطبيقها، على الرغم من وجود قوى رافضة لها انطلاقًا من حسابات خاصة وضيّقة جدًا.

اما «حزب الله» الذي يعتبر انّ ما يحصل بينه وبين «التيار الوطني الحر» بالايجابي، فتؤكّد اوساطه انّه يدرس ما طرحه التيار ضمن الورقة التي تتضمن اقتراحات عدة من ضمنها اللامركزية، ومن المؤكّد أنّه يجب ان تحصل لقاءات عدة قريبة للبحث في مختلف النقاط المطروحة.

وتشير اوساط الحزب، الى أنَّ ما تمّ طرحه لا يمكن حصره بالحوار بين الحزب و»التيار»، لأنّ الامر يحتاج الى توسيع مروحة المشاورات مع بقية الافرقاء، خصوصا أنَّ ما يتمّ طرحه يجب ان يُقرّ في البرلمان بالتفاهم مع قوى سياسية اخرى، وانّ مدخل تطبيق هذه النقاط وغيرها ينطلق من انتخاب رئيس للجمهورية.

الدكتور زكريا حمودان

مدير المؤسسة الوطنية للدراسات والإحصاء

المصدر: صحيفة الجمهورية




«الجمهورية» تنشر الرواية الكاملة للمعركة الديبلوماسية من بيروت إلى نيويورك

انقسمت الآراء الداخلية حول تقويم قرار التجديد لقوات «اليونيفيل» الصادر قبل أيام عن مجلس الأمن الدولي، عقب مخاض ديبلوماسي عسير… فما هي قصة ولادة هذا القرار؟

اختلفت المواقف من قرار التجديد تبعاً لزاوية الرؤية، البعض اعتبره مخيّباً للآمال وهزيمة للدولة وديبلوماسيتها، كونه كرّس حرّية الحركة للقوات الدولية بصورة مستقلّة من دون أخذ إذن مسبق، وأعطاها حق تنفيذ دوريات غير معلنة، بينما وجد فيه البعض الآخر إنجازاً، في اعتباره حقّق مكسباً للبنان عبر إضافة عبارة «التنسيق مع الحكومة اللبنانية»، التي كانت قد شُطبت من صيغة العام الماضي، وبالتالي يشدّد أصحاب هذا الرأي على انّ المطلوب النظر إلى الجانب المليء من الكوب والالتفات إلى انّ القرار الاخير هو أفضل بالمقارنة مع ذاك الذي صدر عام 2022 تحديداً.

ولعلّ ما ينبغي تثبيته في هذا المجال، هو انّ قرار العام الماضي يرقى الى مستوى «الجريمة والخطيئة»، وفق مصادر واسعة الاطلاع، لأنّه خرج عن إطار الفصل السادس وأصبح تحت سقف الفصل السابع المقنّع، بعدما أسقط مبدأ التنسيق مع الحكومة اللبنانية وأطلق يد «اليونيفيل» من غير ضوابط، وإن تكن حكمة قيادتها قد غلّبت الواقعية على جنوح المتحمسين في نيويورك، فاستمرت في تنسيق تحرّكاتها على الأرض مع الجيش وبقيت الصلاحيات المتفلتة حبراً على ورق.

بهذا المعنى، فإنّ الفريق المفاوض اللبناني و«حزب الله» ارتكزا في المعركة الديبلوماسية التي خيضت أخيراً من بيروت إلى نيويورك على قاعدة التخفيف من الأضرار التي نتجت من قرار العام 2022، والدفع نحو إعادته الى حظيرة الفصل السادس، مع المعرفة المسبقة بأنّه يستحيل ان يحصل لبنان على كل ما يريده، اي العودة كلياً إلى ما قبل 2022، في ظلّ التركيبة الحالية لمجلس الأمن. ولكن حتى ضمن هذه الحدود، لم تكن المهمّة سهلة في النظر إلى توازنات مجلس الأمن من جهة، وإلى التمايزات داخل الفريق المفاوض نفسه.

في هذه الأثناء، كان الخط الساخن مفتوحاً طوال الوقت بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والمعاون السياسي للأمين العام لـ«حزب الله» الحاج حسين الخليل، فيما تولّى مسؤول العلاقات الدولية في الحزب عمار الموسوي وفريق عمله، التواصل مع عدد من سفراء الدول المؤثرة في مجلس الأمن والمعتمدين في بيروت، ومن بينهم سفراء روسيا والصين وفرنسا والبرازيل واليابان وآخرون، لتسويق التعديلات اللبنانية على المسودة الفرنسية، وأهمها إضافة جملة «التنسيق مع الحكومة اللبنانية» استناداً الى اتفاقية «وضع القوات» المعروفة باتفاقية المقر (صوفا) التي وُلدت عام 1995 وأقرّها مجلس النواب عام 1996، وهي تنظّم بالتفصيل العلاقة بين «اليونيفيل» والدولة اللبنانية.

وكان الطرح الأول الذي عُرض على لبنان يقضي باعتماد معادلة «التنسيق عند الاقتضاء»، الاّ انّها رُفضت، فجرى تعديلها لتصبح كالآتي: «نقدّر إيجابياً التنسيق مع الحكومة»، لكن هذه التوليفة لم تمرّ أيضاً.

وفيما بعث ميقاتي رسالتين إلى الامين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريتش والرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون شارحاً الموقف الرسمي اللبناني وملاحظاته، عُلم انّ حسين خليل كان مواكباً للمفاوضات بكل تفاصيلها ومراحلها.

وقد تواصل الحزب أيضاً مع وزير الخارجية عبدالله بوحبيب، الذي تنفي اوساطه ان يكون قد تعرّض لضغط او تهديد من جانب السفيرة الأميركية دوروثي شيا في شأن مستقبله الشخصي، انطلاقاً من انّه يحمل الجنسية الأميركية.

وتعتبر اوساط بوحبيب، انّ ما تحقق في نيويورك هو أفضل الممكن قياساً الى الظروف المحيطة، «إذ لا وجود لرئيس جمهورية ولا لحكومة أصيلة، والولايات المتحدة هي صاحبة النفوذ الأقوى في مجلس الأمن وممثل المجموعة العربية داخل المجلس لم يكن إلى جانب الطرح اللبناني».

وفيما يرى المعترضون انّه كان يُفترض بوزير الخارجية التشدّد اكثر في موقفه، وامتلاك شجاعة أكبر في مقارعة الاميركيين وحلفائهم داخل المنظمة الدولية، تؤكّد اوساطه اقتناعه بأنّه أدّى واجبه ودوره كاملاً، وأنّ القرار حفظ ماء وجه جميع الأطراف، «وهذا في حدّ ذاته يشّكل انجازاً بالمقارنة مع اختلال موازين القوى الديبلوماسية في أروقة مجلس الأمن لمصلحة واشنطن واصدقائها».

وخلال الأخذ والردّ في المفاوضات الصعبة، هدّد بوحبيب بسحب طلب التجديد لقوات «اليونيفيل»، فيما نُصح أيضاً باستخدام سلاح آخر يتمثل في التلميح الى إمكان دعوة روسيا إلى استخدام حق النقض «الفيتو» لإسقاط اي قرار لا يراعي المصالح اللبنانية، وهو امر لم يستسغه كثيراً بوحبيب ربطاً بفرضية انّ موسكو ستطلب حينها من بيروت ان تسحب هي رسالة التجديد بدل ان تحضّ روسيا على استخدام «الفيتو» وتحمّل مسؤولية فرط قوات «اليونيفيل».

اما فرنسا فقد تولّت بصفتها «حاملة القلم» في مجلس الأمن محاولة تدوير الزوايا، وسعت الى تضمين المسودة ما يرضي جميع الجهات في آن واحد، الأمر الذي يفسّر اشتمال الصيغة النهائية على تناقضات واضحة ومتعمّدة، إذ حافظت على النص الذي يعطي «اليونيفيل» حرّية الحركة من دون إذن مسبق، ويمنحها حق تنفيذ مهمّاتها بصورة مستقلة، ولكنها ضمّت اليه في الوقت نفسه المطلب اللبناني المتصل بالتنسيق مع الحكومة.

هذه الخلطة المركّبة سمحت لكل طرف بأن يفسّر القرار كما يحلو له، وأن يأخذ منه ما يعجبه. وبالنسبة الى لبنان تحديداً، فإنّ مبدأ التنسيق بات مرجعية القرار المعدل وناظم إيقاعه، على الورق كما على الأرض.

ويبدو انّ الموقف الفرنسي المتفهم نسبياً، استند الى حسابات براغماتية تلحظ موازين القوى بين «حزب الله» والكيان الاسرائيلي، ووجود جنود فرنسيين في الجنوب ضمن «اليونيفيل» الى جانب المصالح الاقتصادية لباريس، وكلها عوامل تحفّز فرنسا على تأمين الاستقرار في لبنان، خصوصاً في الجنوب. تحت هذا السقف أدارت باريس المساومات في كواليس مجلس الأمن، وخطّت بـ«الحبر الأزرق» القرار المركّب، في انتظار جولة جديدة من المبارزة الديبلوماسية في السنة المقبلة.

عماد مرمل

المصدر: صحيفة الجمهورية