1

“المشروب الشيطاني” و”نبيذ المسلمين” و”الشاذلية”… الاحتفال بالقهوة في يومها العالمي

لا يمل عشاق القهوة من التغزل بها كل صباح، والتوقف عند رائحتها، وشمّها قبل الرشفة الأولى، فهي التي تعلن بداية اليوم بشكل رسمي، وتحفز الحواس باتجاهها. وهي رفيقة العمل، وجلسات الأصدقاء، والأقرب إلى روائح الأمهات ومطابخهن، وهي التي فتحت المقاهي في كل العالم، وجمعت حولها السياسيين والأدباء والمعارضين. 

كثيرة هي القصص المرتبطة بالقهوة، في هذا التقرير يورد رصيف22 لكم أغربها.

قصة أول فنجان قهوة في العالم

النزاع حول أول حبة بن يدور بين اليمن وأثيوبيا، القصة الأثيوبية تقول إن راعياً اسمه “كالدي” أو “خالدي” لاحظ أن الماعز في قطيعه يتغير سلوكها كلما أكلت من هذه الحبّات البنية الخضراء، فقرّر تذوقها عملاً بقاعدة أن ما تأكله الحيوانات لا يضر البشر.

لاحظ الراعي أن طاقته ازدادت وتركيزه ارتفع، فأخذ بعض هذه الحبوب إلى أحد الأديرة القريبة حيث رفض الراهب تجربتها ورماها في الموقد، ففاحت رائحة القهوة المحمصة السحرية في العالم للمرة الأولى، ما جلب بقية الرهبان الذين أصروا على تذوقها، فأضافوا الماء للحبوب الساخنة ليبردوها، ومن هنا كان أول فنجان قهوة في العالم. 

القصة الأثيوبية تقول بأن راعياً لاحظ أن الماعز يتغير مزاجها كلما أكلت من هذه الحبوب، فأخذ بعضها إلى دير قريب حيث رماها الراهب في النار رفضاً لها، ففاحت رائحة القهوة المحمصة لأول مرة في العالم

أما القصة الثانية فتقول إن زارعها وصانعها الأول أبو الحسن الشاذلي صاحب أحد الطرق الصوفية من قرية موكا في اليمن، وأنه بعد أن نفي وداهمه الجوع، وجد حبات لنبات يشبه الكرز، فتذوقه فوجده مراً وقاسياً، فوضعه على النار ليقلل من قسوته وكان هذا أول فنجان قهوة عرفه العالم، وهي القصة التي تفسر تسميتها بالشاذلية في بعض مناطق اليمن والجزيرة العربية.

قصة الحبات السبع غير المحمصة

بغض النظر عمن اكتشفها، لكن زراعتها الأولى بدأت من اليمن، إلا أن زرّاعها احتفظوا بسر زراعتها سراً، ولم يكونوا يبيعوها إلا محمصة خوفاً من أن يقوم التجار ببيع بذورها وإعادة زراعتها.

كانت أول عملية تحميص وتحضير للقهوة في عام 1414 ميلادي، ومن اليمن وصلت إلى مكة، لكن تاجراً هندياً يقال إن اسمه “بابا بودان” كان يستورد هذه الحبوب من الجزيرة العربية تمكن من تهريب 7 حبات غير محمصة في موسم الحج، فأخذها إلى بلاده، وحاول زراعتها في الهند ونجح، ومن هناك انتشرت زراعة القهوة في كل العالم.  

كانت اليمن لقرون المركز الرئيسي لإنتاج وتصدير القهوة في العالم، ونتيجة انتشارها بين الصوفيين وسميت بنبيذ المسلمين بالإضافة إلى اسمها الأول الشاذلية، فاعتُبِرت مشروباً إسلامياً لأن الصوفيين كانوا يشربونها قبيل التعبد.

قصص تحريمها من رجال الدين والسياسيين

أول مقهى في العالم ظهر في مكة، وتم إصدار فتاوى من مختلف الشيوخ حينها انتقلت من مكة إلى أماكن مختلفة بتحريم القهوة، تحديداً في عام 1511 ميلادي، وذلك بسبب تأثيرها على الجسم ومقارنتها بالكحول، إلا أن فتاوى إباحتها غلبت في النهاية، وقد ساهم إقبال الصوفيين عليها ورفضهم لفتاوى تحريمها في هذا الأمر.  

أينما انتشر الإسلام انتشرت القهوة، ويمكن القول إن رائحتها الساحرة عُرفت في العالم مع بداية القرن الخامس عشر، فوصلت إلى مصر وبلاد الشام. أما في عهد العثمانيين فقد تم توثيق افتتاح أول مقهى واسمه “كيفا خان” في العام 1554 ميلادي بعد أن كان مشايخ السلطنة قد حرموها ، وتم افتتاحه على يد سوريين أحدهما من حلب والآخر من دمشق.

لكن لاحقاً وفي عهد مراد الرابع قام هذا السلطان بتحريم القهوة بعد أن وصلته أخبار تجمع معارضيه واالمتمردين على السلطنة فيها، فكان يقطع رأس من يشربها.

في أوروبا، وكما هي عادة المستشرقين، كتب هؤلاء عن عن مشروب غريب ذو لون أسود داكن مر الطعم يشربه الناس في الشرق، وظل هذا الغموض محيطاً بفنجان القهوة حتى حلول القرن السابع عشر، حيث دخلت إلى فينيسيا في عام 1615 ميلادي، ومن هناك انتشرت وأصبحت الموضة الجديدة في القارة العجوز.

وكما هي العادة، حاربها رجال الدين والكنيسة في البداية، مطلقين عليها اسم “الاختراع الشيطاني المر”، وقد أثارت جدلاً كبيراً إلى أن تدخل البابا كليمنت الثامن، الذي قرر أن يتذوق القهوة بنفسه قبل أن يتخذ القرار النهائي بخصوصها، وبعد أن شعر بالرضا عند شربه أول رشفه، منح المشروب موافقة بابوية.

أصبحت بيوت القهوة بسرعة مراكز الأنشطة الاجتماعية وأماكن التواصل في المدن الكبرى، في إنجلترا والنمسا وفرنسا وألمانيا، وارتبطت اجتماعات الثوار بالمقاهي قبيل الثورة الفرنسية إلى الحد الذي صارت فيه الشرطة تهاجم المقاهي وملأتها بالمخبرين.

قصة قهوة أمريكانو

بعد انتشار القهوة، وبعد أن أصبحت تحصيلاً حاصلاً وواقعاً لا مفر منه، لم تعد الحكومات تحارب المقاهي ولا المؤسسات الدينية تحرمها، وبالتالي انتشرت وصفة خاصة في كل بلد في العالم بهذا المشروب، فمن القهوة العربية، إلى التركية، إلى الفرنسية، إلى الاسبرسو، إلى الأمريكية فالأمريكانو. 

لكن بماذا تختلف الأولى عن الثانية؟

كان الجندي الأمريكي يطلب إضافة الماء الساخن إلى الاسبرسو لتخفيف حدتها، خلال الوجود الأمريكي هناك في نهاية الحرب العالمية الثانية، فأسماها الطليان أميريكانو للسخرية من الذائقة الناعمة 

في نهاية الحرب العالمية الثانية وأثناء تواجد بعض الجنود الأمريكيين في إيطاليا، وجدوا أن قهوة الاسبرسو ثقيلة جداً بالمقارنة بالقهوة الأمريكية المفلترة، فكانوا يطلبون من المقاهي فنجان اسبرسو بعد أن يطلبوا من النادل يضيف الماء الساخن.

الإيطاليون الذين وجدوا في الأمر إهانة لقهوتهم الشهيرة، وضعوا الماء الساخن فوق الاسبرسو، لكن ليس قبل أن يضيفوا أيضاً بعض السخرية، فأسموها “أمريكانو” أي الأمريكية لدفع تهمة إفساد مذاق الاسبرسو عن أنفسهم، واليوم إذا ذهبت إلى مقهى وطلبت أميريكانو فالوصفة هي “شوت اسبرسو + 2 شوت ماء ساخن”.

أصناف القهوة الأربعة في العالم

غالبية محصول القهوة في العالم يأتي مما يسمى “حزام البن” وهي الدول الموجودة على أو حول خط الاستواء بين مداري السرطان والجدي.

هناك أربعة أنواع مميزة من حبوب القهوة: الأرابيكا “أي العربية”، الروبوستا، الليبيريكا، والإكسيلسا. لكل منها نكهة وخصائص مختلفة تعتمد بالأساس على اختلاف المنطقة والتربة والمناخ وطرق المعالجة. فإن كنتم من عشاق القهوة، سيتيح لكم هذا الشرح التعرف إلى خصائص كل نوع، وربما سؤال النادل في المرة القادمة عن نوع قهوتكم. 

أول مقهى في العالم كان في مكة، وأول مقهى في السلطنة العثمانية تم افتتاحه من قبل سوريين اثنين، أحدهما من دمشق والثاني من حلب 

أرابيكا

تتميز حبوب أرابيكا بنكهة ألطف وأحلىمن باقي الأصناف، مع نكهات تشمل الفواكه والتوت والزهور، وأحياناً مع تداخل روائح مثل الشوكولاتة والمكسرات، وذلك حسب الصنف وظروف الزراعة الخاصة. تحتوي حبوب العربية عادة على نسبة أقل من الكافيين مقارنة بحبوب الروبوستا، مما يجعلها الخيار الأفضل لمن يرغبون بقهوة لطيفة، وهي تشكل 75٪ من محصول القهوة العالمي.

روبوستا

تتميز حبوب الروبوستا بنكهة أقوى مع من الأرابيكا مع مذاقات أرضية وخشبية أكثر مرارة وحموضة. وتحتوي هذه الحبوب عادة على نسبة أعلى من الكافيين مقارنة بحبوب الأرابيكا، مما يمنح عشاقها نكهة أكثر حدة،  تُستخدم الروبوستا في خلطات الاسبرسو والقهوة الفورية، لأنها تنتج رغوة أكثر سماكة، ولديها قابلية أفضل للذوبان، مما يجعلها مثالية للكابتشينو والمشروبات الأخرى التي تحتوي على اسبرسو.

تنمو حبوب الروبوستا في مناطق في إفريقيا وإندونيسيا، وبعض مناطق فيتنام.

ليبيريكا

تنتشر زراعتها في غرب أفريقيا وتحديداً في ليبيريا التي تنسب إليها، وهذا النوع أقل شيوعاً بكثير من حبوب الأربيكا والروبوستا، إذ تشكل بالكاد 2% من محصول القهوة العالمي، وتوصف بأنها تحتوي خليط نكهات فواكه وزهور وتوابل، ونظراً لأنها حادة المذاق وقوية، فقد لا تكون محببة لدى جميع عشاق القهوة.

حبوب الإكسيلسا لها نكهة حامضة وفاكهية، ويتم تشبيهها في بعض الأحيان بمزيج من الكرز الحامض، والتوت الداكن، والحمضيات الخفيفة. وتُستخدم في الخلطات لإضافة تعقيد إلى ملامح النكهة، لكنها عموماً تحتوي على محتوى أقل من الكافيين من حبوب الروبوستا والأرابيكا.

إكسيليا

البعض يصنفها بأنها نوع من أنواع الليبيركا وليست صنفاً قائماً بذاته، تُزرع هذه الحبوب في جنوب شرق آسيا، وتحديداً في فيتنام والفلبين. توصف بأنها مسببة للارتباك،  وشديدة الحموضة أكثر من المرورة. 

المصدر: موقع رصيف 22




لماذا تغيب قضايا البيئة عن خطبة الجمعة الأسبوعية؟

أسأل طفلي أسبوعياً عن موضوع خطبة الجمعة، فتارة يجيبني بأن خطيب الجامع تحدث عن الأمانة وعدم السرقة، ومرات أخرى يقول إنه تناول الطلاق وبر الوالدين والإيمان والرضا بالقضاء والقدر.

خطر على ذهني أن أسأله ذات مرة عن قضايا الوعي البيئي، فقلت له: “هل تحدثت خطبة الجمعة عن البيئة اليوم؟ بمعنى أنه يجب علينا المحافظة على البيئة وعدم تدميرها؟”، فكان الجواب أنه قلما يستمع إلى تلك الموضوعات المختصة بالوعي البيئي، أو ربما لم يستمع إليها يوماً في المسجد.

من هذا المنطلق يحكي معتز مختار وهو مخرج تلفزيوني لرصيف22: “تتعدد موضوعات وقضايا خطبة الجمعة ما بين فضل الاستغفار، وعقوبة تارك الصلاة، وكيفية الابتعاد عن ارتكاب المعاصي. لكنني ألاحظ ابتعادها كلياً عن القضايا البيئية، فهي غير مدرجة باستمرارية كبقية الموضوعات الأخرى”.

هل تحدثت خطبة الجمعة عن البيئة اليوم؟

جهل بأهمية القضايا البيئية

في إطار هذا السياق، توضح آمنة نصير، أستاذة الفلسفة والعقيدة في كلية الدراسات الإسلامية في جامعة الأزهر سابقاً لرصيف22: “من وجهة نظري، يعتبر عدم الاهتمام بقضية التغير المناخي حولنا وعدم إدراجها ضمن خطبة الجمعة الأسبوعية بتوازن واستمرارية، جهلاً بأهمية البيئة المحيطة بنا وقيمتها لحماية الإنسان، وقد تحدثت عن تلك القضية منذ عشر سنوات في كتاب بعنوان ‘الإسلام وحماية البيئة’، وأشرت إلى أن البيئة إذا أضر الإنسان بها وأخل بتوازنها، أضرّت به بدورها. ويضم الكتاب فصولاً عديدة، كتنظيم الإسلام لقوانين حماية البيئة وتوزيع ثرواتها”.

أما عن الزاوية الخاصة بضرورة إدراج قضية الوعي البيئي ضمن خطبة الجمعة الأسبوعية، توضح نصير: “لا بد أن تبذل وزارة الأوقاف جهوداً لتجديد الخطاب الديني، عن طريق تغيير الموضوعات التقليدية المعتادة، وإدراج الوعي البيئي وإعطائه أولوية بقدر تلك الموضوعات بل بقدر مضاعف، إضافة إلى تنبيه أئمة المساجد حول أهمية التحدث عن الشؤون البيئية بشكل مكثف وتفصيلي دون إيجاز أو تقليل من شأن القضية”.

وختمت حديثها قائلة: “إذا نبعت مفاهيم الحفاظ على البيئة ومواردها من دور العبادة التي يرتادها المصلون، فإن ذلك يساعد بشكل كبير على جعل مفهوم الاستدامة البيئية أسلوب حياة لهم”.

“الإيكوثيولوجيا” أو اللاهوت البيئي

يعرّف بأنه نوع من الدراسات التي تجمع بين العلوم البيئية ودراسة الكائنات الحية والبيئة الحيوية المحيطة بها، وبين الدين. ويبحث أصحاب هذا الفكر عن كيفية المحافظة على البيئة بأسرها، وكيف تلعب المعتقدات الدينية دوراً بارزاً في فهم الأشخاص والمجتمعات للبيئة وسلوكيات الأفراد تجاهها.

ولا تقتصر قضايا الإيكوثيولوجيا على استكشاف تلك العلاقة الوثيقة بين الدين والطبيعة، بل تمتد لتشمل إدارة النظام البيئي بشكل عام وطرح الحلول الممكنة، من أجل تحقيق مفهوم الاستدامة البيئية والحفاظ على كوكب الأرض.

وفي إطار هذا المفهوم، يشير بلال حجازي، المستشار الإعلامي لمفتي طرابلس والشمال في لبنان، إلى أن التركيز ضمن خطبة الجمعة على الوعي البيئي، سيكون داعماً للحفاظ على البيئة وتوازنها، وتغيير سلوكيات الأفراد الخاطئة التي تضر بالبيئة بشكل عام.

ويتابع: “إلى جانب ذلك، فإن خطبة الجمعة تعتبر فرصة عظيمة لنشر الوعي البيئي، فيمكن للخطباء التركيز على مجموعة متنوعة من القضايا البيئية أثناء الخطبة، مثل المحافظة على الموارد الطبيعية كالماء والهواء والتربة، وطرق الحد من الاستهلاك والنفايات الضارة، وإبراز أهمية وتبني مفهوم إعادة التدوير، وتشجيع أفراد المجتمع على الانخراط في أنشطة بيئية مثل التشجير، ودعم التبرع للجمعيات البيئية”.

وعن الأساليب التي يمكن لإدارة المساجد اتباعها للتوعية البيئية إضافة إلى خطبة الجمعة، يقول حجازي: “يمكن تثقيف المصلين حول البيئة عن طريق تنظيم ندوات وورش عمل من أجل التحدث عن ضرورة المحافظة على البيئة وتوازنها، وتوزيع الكتيبات الخاصة بذلك، وإبراز أنماط الوسائل التي يمكن من خلالها حماية البيئة”.

عدم إدراج قضايا البيئة ضمن خطبة الجمعة الأسبوعية بتوازن واستمرارية، يعتبر جهلاً بأهمية البيئة.

ويضيف: “من الممكن أيضاً أن نجعل التغيير ينبع من داخل المساجد، مثل تكريس مفهوم الاستدامة البيئية في أذهان المصلين، عن طريق استخدام الطاقة النظيفة المتجددة كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتوليد الكهرباء، وترشيد استخدام المياه داخل المساجد من خلال وضع ملصقات تشجع على عدم الإسراف في استعمال الماء. كل هذه الأساليب داعمة إضافة إلى خطبة الجمعة”.

الخطبة الخضراء

تشرح نهاد عواد، منسقة الحملات والتواصل العالمي ضمن التحالف البيئي “أمّة لأجل الأرض“، لرصيف22 حول مفهوم الخطبة الخضراء بالقول: “نسعى لأن نروج بين إدارات المساجد لمفهوم الخطبة الخضراء، بمعنى أن تتحدث الخطبة عن ضرورة المحافظة على البيئة، ومدى تأثير ذلك على الكائنات الحية والتنوع البيولوجي”.

وتتابع: “الخطاب الديني عبر الإمام هو واجب ديني، وخطبة الإمام هي أداة تواصل قوية، فإذا أعطى فتوى بسيطة كمثال ضمن الخطبة عن حرمة الأذى والضرر بالموارد الطبيعية، أو عن أهمية العمل الجاد على مواجهة التغير المناخي أو منع استخدام الوقود الأحفوري، سيكون ذلك داعماً نحو تغيير وتعديل السلوكيات البشرية الخاطئة تجاه البيئة. الإمام لديه القدرة على إلزام المصلين بذلك عن طريق الربط بين مسؤولياتهم تجاه الخالق والبيئة في آن واحد، وهو أمر بدوره يعمل على إعادة التوازن البيئي ويحافظ على التنوع البيولوجي”.

تضيف المتحدثة أن مؤسسة “أمة لأجل الأرض” أصدرت تقريراً عن أهمية جعل المساجد خضراء، بالتعاون مع مركز عصام فارس في الجامعة الأمريكية في بيروت، تناول عشر دراسات حالة لجوامع موزعة في مختلف أنحاء العالم، مثل جامع الاستقلال في جاكرتا، وجامع النظامية في جوهانسبورغ، والجامع الأموي في سوريا، وجامع الأزهر الشريف في القاهرة، وجامع غلاسكو المركزي، وذلك تزامناً مع مؤتمر المناخ كوب26.

وأبرز هذا التقرير أهمية جعل المساجد خضراء، سواء عن طريق الخطب الأسبوعية، أو استخدام الطاقة النظيفة للعمل على توفير الطاقة الكهربائية وخفض الانبعاثات الكربونية.

وتكمل: “أطلقنا كذلك نموذجاً للخطبة الخضراء في شهر رمضان للعام الفائت 2022، وتناولت هذه الخطبة آثار التغيرات المناخية على البيئة المحيطة بنا بوجه عام، من جفاف وندرة مياه الأمطار وتقلبات الطقس من ارتفاع وانخفاض درجات الحرارة بشكل غير مسبوق، وهي ظواهر تسببت بالكثير من الخسائر البيئية كالفيضانات وتلف المحاصيل الزراعية. وهدفنا لأن يكون محتوى الخطبة دافعاً للمصلين نحو ضرورة اتباع خطوات جذرية من أجل إنقاذ البيئة”.

خطبة الجمعة فرصة عظيمة لنشر الوعي البيئي، فيمكن للخطباء التركيز على مجموعة متنوعة من القضايا البيئية أثناء الخطبة، مثل المحافظة على الموارد الطبيعية كالماء والهواء والتربة، وطرق الحد من الاستهلاك والنفايات الضارة، وإبراز أهمية إعادة التدوير

كما أشارت الخطبة وفق المتحدثة إلى ضرورة منع الوقود الأحفوري، كخطوة جذرية من أجل الحد من آثار التغيرات المناخية، وتناولت كذلك ضرورة توعية المصلين بالحفاظ على البيئة المحيطة بهم وعدم استنزاف مواردها الطبيعية. وتضيف: “سنستمر بنشر هذه الخطبة خلال شهر رمضان في الأعوام المقبلة أيضاً”.

ومن الأمثلة عن الخطبة الخضراء، ما تحدث عنه فراس حسين بلوط، مدير قسم الشؤون البيئية في دار فتوى مدينة طرابلس اللبنانية في رمضان الفائت، إذ قال: “دورنا في التعامل مع البيئة دور تعبدي، ليس فقط جمالياً، والغذاء الروحي لا يكتمل إلا بالتفكر في خلق الله سبحانه وتعالى، والبيئة عندما تكون نظيفة، فهذا جزء من العقيدة يقربنا من الله، وشهر رمضان فسحة إيمانية ومعراج حقيقي لمزيد من الغذاء الروحي، وتالياً ينعكس ذلك على السلوك البيئي للإنسان بالمحافظة على البيئة وتوازنها، فهذا الشهر عندما نستثمره بطريقة صحيحة، سيكون قادراً على إنتاج جيل يُحسن التعامل مع الشجر والثمر والحجر والبشر أنفسهم، وبذلك نحافظ على البيئة بأسرها”.

وتختم عواد: “عندنا مثل لبناني يقول ‘إيد لوحدها ما بتزقف’، فيجب أن تكون هناك علاقة تكاملية بين المؤسسات الدينية والمدنية والبيئية، لتشجيع الأفراد والمجتمعات للمحافظة على البيئة، عن طريق عمل ورش تثقيفية داخل دور العبادة كالمساجد والكنائس، بتمويل من مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات البيئية. فإذا طبق هذا المفهوم بجدية وحزم داخل دور العبادة، سيكون ذلك أسلوب حياة خارج محيط المسجد أيضاً، وتالياً يمكن أن تستعيد البيئة توازنها بشكل طبيعي”.

أيار عبد الكريم أحمد

المصدر: موقع رصيف 22




مسجد الفسطاط في مصر شاهد عيان على تألق حضارة المسلمين

الفسطاط ذلك الاسم الذي ظل مجهولاً بالنسبة للكثيرين ممن تاقوا لزيارة مصر، تحول لنار على علم عقب نقل 22 مومياء ملكية في متحف الحضارة الجديد، فأصبحت أهم مقصد سياحي يقصده جموع من الزائرين، والباحثين عن أسرار الحضارات القديمة وفك شفرة حياة العصور الفرعونية. وعلى الراغبين في ان ينهلوا من معين سبل الحياة في تلك الأزمنة السحيقة، زيارة متحف الحضارة الباب الملكي.

يطل المتحف على بحيرة عين الصيرة من ناحية الشرق، ويحده من الغرب مجمع الأديان، وترنو ناحية الشمال من المتحف حديقة الفسطاط وسور مجرى العيون. يرى الكثيرون أن الفسطاط التي شيدها الصحابي الجليل عمرو بن العاص امتدت بركتها مروراً بالعديد من ولاة مصر حتى انتهت للرئيس الحالي للبلاد عبد الفتاح السيسي والذي شهدت البلاد في عهده أهم حدث متعلق بالقدماء المصريين وتحديداً نقل مومياوات ملكية للفراعنة الذين انتهى بهم الحال في واحد من أهم متاحف مصر وسط اهتمام عالمي منقطع النظير عبر موكب شمل نقل 18 مومياء ملكية لملوك من الأسرة الـ17 حتى الأسرة الـ20 بالإضافة إلى 4 مومياوات ملكية لملكات ساهمن في تاريخ الحضارة المصرية القديمة، عبر تعزيز مفهوم الحق والعدل. تم ترجمة الحدث الكبير إلى 14 لغة، بحضور200 مراسل للعديد من بلدان العالم في مشهد خطف ألباب المهتمين بالحضارات القديمة وفي القلب منها الحضارة الفرعونية. حصدت السلطة إشادات بالغة عبر الحدث الكبير الذي أسفر عن رواج واسع من خلال جذب أنظار الملايين حول العالم للحضارة المصرية القديمة والدور بالغ التأثير الذي تلعبه في التاريخ البشري. فبين يوم وليلة حظيت الفسطاط على شهرة كبيرة عقب ان استقرت المومياوات الملكية في المتحف القومي للحضارة المصرية -أو ما يعرف بمتحف الحضارة المصرية الجديد والذي شهده العالم أجمع، عبر احتفال مهيب مكن السلطة من ترسيخ نفوذها كحارسة للحضارة المصرية وان تواصل هجوم خصومها الذين باتوا يتأهبون لحالة من الحراك الوشيك تفرضه الانتخابات الرئاسية المرتقبة والتي يتوقع بعض المراقبين انها ستكون مختلفة وقد تحمل مفاجآت لا تسر السلطة ولا المتدثرين بلحافها.

عبقرية عمرو

يفخر المصريون خاصة خبراء الآثار والتاريخ منهم بأن على أرض النيل ولدت ثالث مدينة من حواضر الخلافة الإسلامية إلا وهي الفسطاط بعد كلّ من البصرة والكوفة، ويعود تأسيسها إلى عام 21هجرية، حيث أسسها الصحابي الجليل عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وتقع مدينة الفسطاط في الجزء الشماليّ الشرقيّ من ساحل النيل، وتمتاز المدينة بمناخ شبه صحراويّ، حار طيلة النهار، وبارد بحلول المساء.
ظلت الفسطاط عاصمة لمصر طوال عهد البطالمة والرومان، ووقع اختيار عمرو بن العاص على موقع خال من البناء والعمارة عدا الحصن الروماني، لتأسيس العاصمة الجديدة، وأطلق عليها اسم الفسطاط أي الخيمة، وبدأت عمارتها ببناء جامع عمرو بن العاص الذي أطلق عليه فيما بعد اسم الجامع العتيق. وقد ظلت الفسطاط عاصمة لمصر لمدة 113 عامًا، وتضم العديد من المواقع الآثرية منها: معبد بن عزرا اليهودي، وكنائس مصر القديمة، وجامع عمرو بن العاص، وحفائر أطلال مدينة الفسطاط، ومقياس النيل بجزيرة الروضة، وقصر المانسترلي، وقصر محمد علي بالمنيل. وضع عمرو بن العاص نصب عينيه عند إنشاء مدينة الفسطاط التي تميزت بامتدادها العمرانيّ ورواجها الاقتصاديّ؛ وتألقها العمراني إذ كثرث فيها الأزقة، والدروب على نحو يثير الدهشة، وحرص عمرو بن العاص على ان يبرز الهوية التي تتسق مع الخلافة الإسلامية بتخطيط المدينة وعمارتها، وبنى فيها مسجده الجامع، الذي دشن ليصبح مسجداً كبيراً متفرداً، كما بنى خليفة أمير المؤمنين داره الكبرى عند باب المسجد، حيث كانت هناك طريق تفصل بين المسجد وبيته، وبنى داراً أخرى مجاورةً لها، وبنى حمام الفار والذي تمّت تسميته بهذا الاسم نسبةً إلى صغر حجمه وذلك مقارنةً مع حمّامات الروم الضخمة، فضلاً عن بنائه دار السلسلة لبني سهم غرب المسجد، وغير ذلك.
يشير مصطلح الفسطاط لنوع من الأبنية، وهو أيضاً مكان اجتماع أهل الكورة حول مسجد جماعتهم، فالفسطاط لغوياً كل مدينة يجتمع فيها الناس، كما أنّ الفسطاط بيت عمرو بن العاص من الشعر أو الأدم، وأوضح المؤرخون أن ابن العاص بعد إتمامه فتح حصن نابليون ونجاحه في فتح الإسكندرية أراد الاستقرار فيها، غير ان الخليفة عمر بن الخطاب نصحه باختيار مكان يسهل الوصول إليه، فاختار عمرو المكان الملاصق لحصن بابليون؛ وذلك لكونه شديد المنعة وتمترسه يجعله يتميز بالغلبة ويتيح لقاطنيه الذود عنه، وقد سأل ابن العاص أصحابه أين تنزلون؟ فأشاروا عليه بأن يعودوا إلى موقع فسطاطه ليكونوا بالقرب من مصدر دائم للمياه.

فرسان الجامع

وضع أساس الجامع أربعة من الصحابة في طليعتهم أبو ذر الغفاري وأبو صبرة ومحمئة بن جزء الذبيدي، ونبيه أبن صواب الذي كان يضع الطوب اللبن بيده. ويذكر ابن ميسر في تاريخه (وهو أبن أخ المقوقس) وهو الذي كان يخطط معهم حيث طلب منهم أن يتخذوا الكنيسة العظمى ليحل مكانها الجامع لأنه اعتنق الدين الإسلامي الحنيف، وإن الذي أقام المحراب لهذا الجامع هو عبادة بن الصامت ورافع أبن مالك، ثم أمر عمرو بن العاص بإقامة القبلة، وهو كان الوالي على مصر يومئذ، فبنى هذا الجامع سنة 21 من الهجرة. يقع الجامع بالفسطاط بحي مصر القديمة، فبعد فتح الإسكندرية أرادها عمرو عاصمة لمصر فأمره عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن ينزل المسلمين منزلاً لا يحول بينه وبينهم نهر ولا بحر، فاختار مكان فسطاطه ونزل هناك فسميت البقعة باسم الفسطاط، وأتخذ دار قيسبة بن كلثوم التجيبي الذي جاء إلى مصر مع عمرو بن العاص لوضع أساس الجامع، فقد تنازل قيسبة عن داره لبناء الجامع الذي سمي بأسمه وكان يعرف كذلك بمسجد الفتح، والمسجد العتيق وتاج الجوامع، وكان في أول إنشائه مركزا للحكم ونواة للدعوة للدين الإسلامي بمصر. ثم بنيت حوله مدينة الفسطاط التي هي أول عواصم مصر الإسلامية، وأخذت الفسطاط تتمدد سريعاً بعد أن نزلت فيها القبائل العربية الإسلامية مثل (أسلم، بلى، معاذ، ليث، عنزة، هذيل، عدوان) وتحولت إلى مدينة ذات كثافة سكانية كبيرة وأصبحت حاضرة مصر. كانت مساحة الجامع عند إنشائه 50 ذراعاً في 30 ذراعاً بما يعادل (675 مترا) وظل كذلك حتى عام 53هـ / 672م حيث توالت التوسعات إلى ان وصلت مساحته بعد عمليات زخم العمران المتوالي نحو أربعة وعشرين ألف ذراع معماري، وهو الآن120 في 110أمتار (أي قرابة 13200 متر). المسجد في أول عهده كان له بابان يقابلان دار عمرو من الجهة الشرقية وبابان آخران في الناحية البحرية ومثلهما في الجهة الغربية. وكان الخارج من المسجد صوب زقاق القناديل يجد ركن المسجد الشرقي محاذيا لدار الصحابي الجليل الذي فتح مصر. وكان سقف المسجد منخفضاً ومكونا من الجريد والطين محمولاً على ساريات من جذوع نخل معمر، كما كانت الحوائط من الطوب اللبن غير المطلي ولم يكن به صحن، وكانت أرضه مفروشة بالحصباء، وبه بئر يعرف بالبستان اتخذه المصلون حينها للوضوء، وظل على حاله حتى عام53هـ ـ 672م حيث توالت التوسعات فزاد من مساحته مسلمة بن مخلد الأنصاري والي مصر الذي استخدمه معاوية بن أبي سفيان وأقام فيه أربع مآذن، وتوالت التوسعات بعد ذلك على يد من حكموا مصر حتى وصلت مساحته بعد عمليات التوسيع المستمرة نحو أربعة وعشرين ألف ذراع معماري. وكانت المسافة بين الجامع وبيت عمرو بن العاص 7 أذرع، ثم أخذ الجامع في الاتساع حسب احتياج أهله.

حريق لأجل العمران

يعتبر مسجد عمرو بن العاص أول «لبنة» إسلامية في العاصمة القاهرة والعاصمة السمراء جمعاء، ونظرا لدوره التاريخي وقيمته الأثرية الاستثنائية، ودوره الحضاري في مناحي الحياة بمصر وفي كافة المجالات أطلق عليه العديد من الأسماء والألقاب، منها الجامع العتيق وتاج الجوامع ومسجد الفتح ومسجد النصر وقطب سماء الجوامع وجامع مصر. كما يعد المسجد أول جامعة إسلامية قبل الأزهر والزيتونة والقيروان، حيث تلقى فيه طلاب العلم كافة علوم اللغة العربية وأركان الدين الحنيف، وهو الأثر الإسلامي الوحيد الباقي منذ الفتح الإسلامي لمصر، ومن أشهر علمائه الإمام الليث بن سعد، الإمام الشافعي، وابن حجر العسقلاني، وسلطان العلماء العز بن عبد السلام والسيدة نفيسة عليها السلام. حول تصميم المسجد المعماري، يوجد بالركن الشمالي الشرقي لرواق القبلة قبة يرجع تاريخها إلى عبد الله بن عمرو بن العاص، أما صحن الجامع فتتوسطه قبة مقامة على ثمانية أعمدة رخامية مستديرة الشكل، وكانت نوافذ الجامع القديمة مزخرفة بزخارف جصية ما زالت بقاياها موجودة بالجدار الجنوبي، ويتوج واجهات الجامع من الخارج من أعلى شرفات هرمية مسننة، كما أن للجامع مئذنة يرجع تاريخها إلى عصر مراد بك، وهي مئذنة بسيطة تتكون من دورة واحدة ذات قمة مخروطية.
عند انطلاق الحملة الصليبية على العالم الإسلامي عام 564 هـ انتابت المخاوف الوزير شاور من احتلال الصليبيين لمدينة الفسطاط فعمد إلى إشعال النيران فيها إذ كان عاجزا عن الدفاع عنها واحترقت الفسطاط وكان مما احترق وتخرب وتهدم جامع عمرو بن العاص. وعندما ضم صلاح الدين الأيوبي مصر إلى دولته، أمر بإعادة إعمار المسجد من جديد عام 568 هـ، فأعيد بناء صدر الجامع والمحراب الكبير الذي تم عمل طبقة من الرخام ونقش عليه نقوشا من بينها اسمه. لحقت بالجامع أضرار كبيرة نتيجة الحرائق التي اشتعلت فيه وأتت على المدينة بأكملها سنة 1168 بأوامر من الوزير شاور في عهد الخليفة العاضد، وكان شاور يريد أن يعيق دخول الصليبيين والأيوبيين واستيلائهم على المدينة، كما أن الزلزال الكبير الذي وقع في مصر عام 702 هـ ــ 1303 أضر بالعديد من مباني القاهرة ومن بينها جامع عمرو الذي تصدعت جدرانه وأعمدته، وفي عهد الناصر محمد بن قلاوون أسند للأمير سلار أمر إعادة تعمير الجامع، وفي سنة 1212 هـ ــ 1797 م أمر مراد بك، حاكم مصر من البكوات المماليك، بإصلاح المسجد وصلى فيه الجمعة الأخيرة من رمضان، واعتاد الولاة من بعده على صلاة الجمعة الأخيرة من رمضان في مسجد المسجد العتيق، جامع عمرو بن العاص.

محظوظ بولاته

من بين الولاة الذين كان لهم نصيب وافر في العناية بالمسجد مسلمة بن مخلد الأنصاري والي مصر، من قبل معاوية بن أبي سفيان، إذ زاد من مساحته وأقام فيه أربع مآذن، وعبد العزيز بن مروان هدم ما كان موجودا بالمبنى وأدخل فيه رحبة سنة79 هجرية. فيما قام عبد الله بن عبد الملك برفع سقف المسجد بينما قام قرة بن شريك العباسي بهدم الجامع كله بأمر الوليد بن عبد الملك، وأعاد البناء بعد توسعته وبلغت أبوابه 11 باباً سنة92 هجرية، فيما قام صالح بتوسعة الجامع مجدداً وأضاف أربعة أساطين سنة 133 هجرية كما أضاف موسى بن عيسى رحبة جديدة في العام175 هجرية. وكذلك قام عبد الله بن الطاهر بمزيد من التوسعة في مساحة الجامع وأدخلها في صحن الجامع سنة 212 هجرية وفي السياق ذاته قام الحارث ببناء رحبة جديدة لتسع المزيد من المصلين في سنة 237 هجرية، أما أحمد بن طولون فعزز من بنيان الجامع عبر وضع أعمدة قوية من الخشب وعليها جسر خشبي صلب وتم تركيب ستائر عليه لحماية المصلين من الحر وذلك سنة257 هجرية، بينما قام ابنه خمارويه عقب اندلاع حريق أسفر عن أنهيار جزء من الجامع بإعادة تشييده ليعود لما كان عليه سنة 275 هجرية، وقام أبو أيوب أحمد بأضافة رحبة ومحراب سنة 258 هجري أما أبي حفص العباسي فأضاف غرفة للآذان خاصة بالمؤذن في الفترة من 336 -333 هجرية.
وحرص أبي بكر محمد على إضافة رواق واحد له محراب سنة 357 هجرية. فيما قام أبي الفرج يعقوب بأمر من العزيز بالله بإضافة فوارة تحت قبة بيت المال وأضاف سقفاً سنة 378 هجرية. وفي عهد الحاكم بأمر الله تم طلاء المسجد ونقشت ألواح بماء الذهب ونصبت فوق الأبواب سنة378 هجرية. واهتم المستنصر بالله بعمل الحجر المقابل للمحراب وقام بتوسعة المقصورة وحسن من غرفة المؤذنين سنة 438 هجرية بينما أعاد السلطان صلاح الدين صدر الجامع والمحراب الكبير ونقش عليه اسمه سنة 568 هجرية وذلك عقب حريق الفسطاط الذي اندلع سنة 564 هجرية وأتى على الجامع، بينما أمر القاضي تاج الدين عبد الوهاب بعدما اكتشف خللا في البناء بإبطال الفوارة وانشغل السلطان بيبرس البندقدار بهدم بعض أجزاء من الجامع وأعيد البناء والأعمدة وجدد في الألواح المذهبة وكتب عليه اسم السلطان المنصور قلاوون. وقد اتخذت عادة الاحتفال الشعبي الكبير بآخر جمعة في رمضان من كل عام في هذا المسجد بصلاة الأمراء والملوك فيه منذ ذلك الحين.
وفي عهد العثمانيين قام الأمير مراد بك بترميمه، إثر سقوط إيوانه وميل أعمدته، وبنى في المسجد منارتين هما الباقيتان إلى الآن. وعقب إنجاز أعمال ترميم مراد بك لمسجد عمر بن العاص احتفل بافتتاحه، ودون تاريخ هذه العمارة في ألواح تاريخية فوق الأبواب الغربية وفوق المحرابين الكبير والصغير. أما في زمن الحملة الفرنسية على مصر والشام فأهمل أمر المسجد كلية.

عين الحياة

تعتبر مدينة الفسطاط الجديدة امتدادا لمنطقة الفسطاط -التي كانت عاصمة مصر عندما فتحها المسلمون حيث بدأت الحكومة العمل على تطويرها منذ عام 1992. وبعد أن كانت هذه المنطقة تتسم بالعشوائيات شملها التطوير بأبراج وعمارات سكنية.
تمتد المدينة على مساحة 800 فدان، وتم تخصيص 40 في المئة من هذه المساحة لتشمل مساحات خضراء وخدمات متنوعة. إلى جانب هذا، تتميز الأبراج والعمارات السكنية الموجودة بالمدينة بالتصاميم الراقية والمرافق المميزة. ويعتبر موقع مدينة الفسطاط الجديدة بمصر القديمة أحد أبرز أوجه تميزها، فهي تقع على بعد خمسة كيلومترات من وسط العاصمة، كما تبعد 20 دقيقة عن شارع صلاح سالم، و15 دقيقة عن الطريق الدائري، و25 دقيقة عن كورنيش النيل. وأصبحت منطقة الفسطاط الجديدة أحد أهم المقاصد السياحية بالقاهرة لوجود عدد من المعالم المميزة بها وفي مقدمتها المتحف القومي للحضارة المصرية الذي يعد أحد أهم متاحف الآثار على مستوى العالم، لكونه يضم أكثر من 50 ألف قطعة أثرية تروي قصة تطور الحضارة منذ فجر الفراعنة وحتى عصرنا الحالي. وتم تقسيم المتحف إلى معرض رئيسي دائم لعرض أهم معالم الحضارة المصرية، إلى جانب ستة معارض أخرى تتناول أقساما متنوعة مثل النيل، والكتابة، والمعتقدات، بالإضافة إلى معرض المومياوات.
وتعتبر بحيرة عين الحياة أحد أبرز المعالم في الفسطاط الجديدة، فقد تم تكرير بحيرة عين الصيرة إلى جانب تطوير المنطقة المحيطة بها لتشمل مطاعم، ومعالم ثقافية وسياحية شملت مسرحا مكشوفا، وعددا من النافورات فضلاً عن مشروع حديقة تلال الفسطاط التي تأتي ضمن المخطط العام لتطوير منطقة القاهرة القديمة، خاصةً بعد افتتاح متحف الحضارة وتطوير سور مجرى العيون. يُقام المشروع على مساحة خضراء هي الأكبر في الشرق الأوسط، وذلك من خلال مضاعفة مساحة حديقة الفسطاط القديمة البالغة 250 فداناً كما يضم مخطط الحديقة مختلف المعالم السياحية المصرية، وتحتوي الحديقة على منطقة تراثية ومخططا لإقامة منشآت فندقية كما تضم المدينة هضبة كبيرة تتيح لمن يعتليها رؤية الأهرامات وقلعة صلاح الدين. إضافة إلى مسار مشروع التلفريك الذي يربط بين حديقة تلال الفسطاط وحديقة الأزهر.

حسم عبد البصير

المصدر: صحيفة القدس العربي




العلويون العرب في تركيا: التاريخ والعادات والتبعية

يواجه العلويون العرب في تركيا مشكلةً في إقناع بعض أبناء الجيل الجديد بضرورة التمسك بأصولهم العربية والمحافظة على العادات والموروثات.

يخلط الكثير من الناس بين العلويين الذين ينحدرون من أصولٍ تركيّة ونظرائهم المنحدرين من أصولٍ عربية. ويجمع العلويون في تركيا مزيجاً من المعتقدات الشيعية والممارسات الدينية الصوفية.

ويعود تاريخ وجود العلويين الترك في تركيا إلى بدايات قدوم القبائل التركية إلى منطقة الأناضول. ويعرف هؤلاء بـ”علويي الأناضول”، وهم يتوزعون ما بين كردٍ وأتراك، وسط تضارب في العدد الحقيقي في نسبتهم. وبحسب بعض التقديرات، فإن هؤلاء يشكلون قرابة ربع سكان تركيا، وهو ما يجعلهم الأقلية الأكبر في البلاد.

أما العلويين العرب فيعيش معظمهم على ساحل المتوسط في ولايات هاتاي وأضنة ومرسين وصولاً إلى أنطاليا. ويتواجد بضعة آلاف من العلويين العرب في أنقرة وإسطنبول.

روابط تاريخية

كان العلويون العرب في الأصل تابعين لسوريا حتى عام 1939م، حيث اقتطع لواء الإسكندرون منها خلال حقبة الانتداب الفرنسي عليها وتم ضمه لتركيا بعد إجراء استفتاء. ويعرف حالياً لواء الإسكندرون في تركيا باسم محافظة هاتاي.

وإلى يومنا هذا، ما زال من الممكن اعتبار العلويين العرب الموجودين في تركيا امتداداً للعلويين الموجودين في سوريا. ويرتبط هؤلاء بصلات القربى مع أبناء الطائفة المقيمين في سوريا، وهم يتحدثون اللغة العربية إلى حد ما. كما أنهم يقومون بتعليمها لأولادهم. ويشكل العلويون العرب ما بين 5 إلى %7 من العلويين الأتراك، حيث يقدّر عددهم بنحو 250 ألفاً.

ويطلق الأتراك على سكان اللواء اسم “النصيريين” لتمييزهم عن علويي تركيا الآخرين، وفي إشارة إلى أنهم جزء من علويي سوريا. وتقع جبال النصيرية إلى الجنوب من محافظة هاتاي.

لواء الإسكندرون

كانت منطقة الإسكندرون، قبل ضمها لتركيا في عام 1939، تابعةً لولاية حلب، إبان الحكم العثماني لسوريا. وأصبحت هذه المنطقة تحت إدارة الانتداب الفرنسي، فيما يعرف بالمنطقة الزرقاء، التي تؤكد تعامل فرنسا وتركيا مع اللواء كأرض سورية في حينها.

ويقع لواء الإسكندرون في أقصى الزاوية الغربيّةِ الشماليّة من سوريا بحدودها السياسيّة قبل اقتطاعه من قبل الدولةِ التركيّة. ويحد اللواء من الغرب البحر الأبيض المتوسّط، والمتمثل بخليجي السويديّة والإسكندرون. وإلى الشرق والجنوب الشرقي تقع محافظتا إدلب وحلب، وإلى الجنوب مدينة اللاذقيّة.

وينقسم سكان محافظة هاتاي بين علويين وسنة إلى جانب عدد من الأتراك والشركس والأكراد مع أقلية من الأرمن.

الممارسات الدينية والطقوس

يدمج العلويون مذاهب مختلفة من الشيعة، إضافةً إلى معتقدات وممارسات من ثقافة السكان الأصليين في الأناضول، ما يخلق بنية فريدة تختلف عن الإسلام السني.

ويختلف علويو الأناضول عن العلويين العرب، رغم اتفاقهما على تقديس حضرة علي وآل البيت، وبعض الطقوس الأخرى. ويتشابهون إلى حد كبير مع العلويين في سوريا، ويؤمن العلويون بقدسية علي بن أبي طالب، ابن عم النبي محمد وصاحبه. كما يؤمنون بالتناسخ، ونقل موروثهم من خلال طقوس مخصصة حصرياً للرجال. وبحسب الطائفة العلوية، فإن المرأة ليس لها روح، ولا يمكن إعادة تجسدها. ويحتفل العلويون العرب بعيد الغدير الذي يعتبر من أهم الأعياد عندهم، ويعتقدون أنه اليوم صار الإمام علي فيه ولياً.

ولا يصوم العلويون الأتراك شهر رمضان. وفيما يتعلق بالحج، فإنّ أكثرهم يحج إلى قبر حجي بكتاش ولي، وهو متصوّف وفيلسوف وشاعر صوفي معروف عاش في الأناضول ما بين القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي. وتتميز العلوية الأناضولية عن العربية بطقوس الرقص الصوفي التي اكتسبتها من ارتباطها بالطريقة البكتاشية.

الاضطهاد العثماني

اتّهمت الدولة العثمانية العلويين بمساندة الصفويين في إيران في صراعهم معها. وأدى ذلك إلى ارتكاب حملات إبادة بحقهم، الأمر الذي أثر في تواريهم واعتزالهم في الجبال والانطواء على أنفسهم.

وظل الخلاف قائماً عبر التاريخ مع الأتراك عموماً، والسنّة بشكل خاص، إلى أن وافق السلطان عبد الحميد الثاني على حقيقة أنّ النصيريين مسلمون، وأدخلهم في الجيش العثماني، وذلك خلال الحرب العالمية الثانية.

ويتعرّض المواطنون العلويّون بين الحين والآخر أيضاً للتهديد داخل منازلهم، خصوصاً في مناطق اسطنبول وأنقرة. ويأتي التهديد على شكل رسومات وكتابات معادية وصلبان حمراء توضع على أبوابهم وجدرانهم. وعلى هذا الأساس، يضطر معظم العلويين إلى إخفاء هويتهم.

تهميش وتتريك

يواجه العلويون العرب في تركيا، كغيرهم من الأقليات العرقية والدينية، سياسات الدولة التي تسعى من خلالها لإلغاء هويتهم. ولكنهم، رغم ذلك، يسعون للمحافظة على خصوصيتهم، لا سيما في المناطق الواقعة جنوب غربي البلاد التي يتواجدون فيها بكثافة، كما هو الحال في منطقة هاتاي.

وعانى علويو تركيا العرب من ممارسة ضغوطٍ كبيرة بحقهم. ويشمل ذلك محاولة طمس الصبغة العربية عن محافظة هاتاي عبر تهجير أهالي الريف من المناطق التي ينحدرون منها. كما أن هناك محاولات متواصلة لقطع علاقة من بقي من العلويين العرب مع أقاربهم الموجودين في سوريا.

وتأتي عملية التتريك في منع تعلم اللغة العربية أولاً، وعدم تقليدهم مناصب كبرى أو مهمة في مؤسسات الدولة. يضاف إلى ذلك عدم الاعتراف بهم كطائفة مستقلة أو بالأضرحة ودور العبادة الخاصة بهم، وإدراجها تحت مسمى “مؤسسات ثقافية”.

وما تزال الهوية العربية موجودة في أنطاكيا وحيّة بشكل جيد في معظم المدن القريبة منها، لكنها تكاد تختفي في مدن أخرى يتواجد فيها العرب بكثافة مثل مرسين وأضنة.

العلاقة مع اللاجئين السوريين

على الرغم من السنين التي مرت والتطورات الكثيرة التي حدثت في العلاقات بين اللاجئين السوريين والعلويين العرب في تركيا، إلا أن الاندماج الاجتماعي في البداية ظل محدوداً جداً. ورغم الاختلاط بين الطرفين في العديد من الأمور، بقي أبناء الطائفة العلوية متحفظين إزاء مسألة إسكان السوريين في أحيائهم ومناطقهم، لفترة طويلة.

وكان العلويون في البداية متخوفين من نقل الأزمة السورية إلى بلادهم، ومن حدوث صدامات بسبب الاختلاف الطائفي والسياسي. ودفع هذا الأمر بالكثير من أبناء القرى العلوية إلى تسليح أنفسهم. ويميل معظم علويي تركيا من العرب إلى الوقوف في صف النظام الحاكم في سوريا. ويعتقدون أن الأزمة السورية مفتعلة، وغايتها التخريب، في حين يقف اللاجئون السوريون، وبأغلبيتهم، في الطرف الآخر.

لكن، مع الفترة الطويلة التي مضت والاندماج الذي حدث، والمحاولات الكثيرة التي بذلتها الدولة التركية لتجنب وقوع أية مشاكل، تراجعت مشاعر العداء والترقب والعمليات العنصرية من قبل المناطق العلوية، وزال الخوف تدريجياً.

صراع ما بين هويتين

يتمسك العرب الأتراك بشكل عام، لا سيّما العلويون منهم، بهويتهم العربية. ويتحدث هؤلاء بصورةٍ مستمرة باللغة العربية. كما أنهم يحاولون تعليم هذه اللغة لأولادهم. ومع ذلك، يواجه العلويون مشكلةً في إقناع بعض أبناء الجيل الجديد بضرورة التمسك بأصولهم العربية والمحافظة على العادات والموروثات. ويعود السبب في ذلك إلى ما تبذله الحكومة التركية من محاولات لطمس الهوية، وتأثر هذا الجيل أكثر بالأتراك والقومية التركية.

تقول س ك، 52 سنة، وتعيش في أنقرة، في حديث خاص لفنك: “عندما كنت صغيرة، كان معظم أفراد عائلتي يتحدثون العربية بشكل جيد. وكانت أحاديثهم لا تخلو من ذكر أسماء أقاربنا الذين يعيشون في سوريا، والحكايات التي تجمعهم بهم. أما اليوم، فالوضع قد اختلف. وصار التحدث بالعربية مقتصراً بيننا نحن الجدات والأجداد”. وتضيف: “هذا الأمر مزعج جداً ومخيف. وهذا ما سعت الدولة التركية إليه منذ سلبها اللواء”.

وتضيف: “في المقابل، لا بد لنا وأن نحاول الاندماج في المجتمع التركي بشكلٍ أكبر، سيّما وأنّ الاندماج سيضمن لأولادنا الوصول إلى ما يطمحون إليه. كما أنه سيجنّبهم مخاطر الوقوع في مشاكل مع الدولة التركية، أو مع غيرها من الجماعات المتطرفة الموجودة في المنطقة بشكل عام”.

علي العجيل

المصدر: موقع fanack.com




أبو جعفر الخازن.. عالم الفلك الذي سبق نيوتن بفكره

ربما لا يعلم البعض أن نظرية الجاذبية المنسوبة إلى العالم الإنجليزي إسحاق نيوتن (1643-1727)، والتي حقق من خلالها شهرته الفائقة، سبقه إليها عالم مسلم، كان له الفضل في إثبات أن الأشياء تتجه للأسفل عند السقوط، أو كما يُعرَف علميًّا بـ”الجاذبية”، ووضع لذلك قانونًا خاصًّا وفق معطيات تتعلق بحركة الأجسام، وهو العالم محمد بن الحسين الخراساني، المعروف بـ”أبو جعفر الخازن”.

ولد أبو جعفر في خراسان بفارس، وإن كان يعود بجذوره إلى مملكة سبأ، جنوب غرب شبه الجزيرة العربية، وقد اختلف المؤرخون في تاريخ ميلاده تحديدًا، لكن الأرجح من أقوال الثقات أنه ولد في القرن العاشر الميلادي، وبدقّة أكثر في عام 900، وعاش معظم سنوات حياته الممتدة إلى قرابة 6 عقود كاملة في خدمة العلم والعلماء.

له إسهامات عظيمة في علوم الفلك والنجوم، فهو صاحب عدة نظريات في شكل الكون وتركيبه، كما وضع تفسيرًا لحركات الكواكب في تقدُّمها وتباعُدها، وقدّم شرحًا لبعض آلات الرصد الفلكية أهمها آلة قياس ارتفاع الشمس، هذا بخلاف إنجازاته الهائلة في الرياضيات والحساب، وفي هذا التقرير من ملف “أعمدة منسية”، نلقي الضوء أكثر على هذا العالم الذي تناساه المؤرخون بينما خلّدته أعماله وإسهاماته.. فماذا نعرف عن الخازن الذي سبق نيوتن وآخرين؟

العالم الدبلوماسي

بعيدًا عن اختلافات المؤرخين حول مكان ولادته وتاريخها، إلا أن الراجح أنه ولد في عهد الدولة البويهية التي حكمت فارس والعراق بين عامَي 943 و1062، حيث كان على صلة وثيقة بالوزير الكاتب ابن العميد، وزير ركن الدولة، آنذاك، والذي أنزله منه منزلة عظيمة لما كان يتمتّع به من حضور وذكاء خارق.

وكان الوزير الركن من أبرز المؤمنين بالعلم والداعمين للعلماء، فكان حاضنتهم الأهم وسندهم الأقوى، وما كان هناك عالم إلا وقدّم له يد العون، إذ كان يحكم قبضته على مدن الري وأصفهان وهمذان في فارس، حتى بعد تمدُّد نفوذ الدولة إلى العراق أَولَى علماء بغداد أهمية ومكانة عظيمة.

ونظرًا إلى الجهود التي قدمها الخازن في مجال الفلك وحركات النجوم تحديدًا، عُيّن أمينًا للخزانة في عهد الأمير الساماني منصور بن نوح الأول (961-976)، ثم وزيرًا في نيسابور، وعزز من قربه من الوزير العميد الذي آمن به وبقدراته الهائلة، ليست العلمية وحدها بل الدبلوماسية كذلك، لما يتمتع به من فطنة وبلاغة وحضور قوي، فعيّنه مبعوثًا للبويهيين خلال مفاوضات السلام التي أقاموها مع السامانيين.

الأجواء المؤهّلة التي عاش فيها الخازن، والدعم الذي لاقاه من وزيره العميد، جعلاه يفضّل البقاء إلى جواره في مدينة الري (منطقة تاريخية جنوب شرق طهران) على الترحال والسفر كعهد معظم علماء ذلك الوقت، وفرّغ جهوده ووقته في البحث والتأليف، متخصّصًا في علوم الفلك والنجوم والرياضيات، ليبدع فيها أيما إبداع، حتى بات واحدًا من أقطابها العظام ممّن يُشار له بالبنان حتى اليوم.

مُكتشف الجاذبية ومبتكر الإسطرلاب

سبق الخازن علوم عصره في علم الفلك، فكانت له إسهامات عظيمة في هذا العلم، وربما يعود إليه الفضل في إثبات أن الأجسام تتجه نحو الأسفل عند سقوطها، وهي القاعدة التي ارتكز عليها إسحاق نيوتن في اكتشافه لقانون الجاذبية، ومن ثم يعتبره البعض أول مكتشف لهذا القانون قبل العالم الإنجليزي بقرابة 800 عام.

كما أنه استطاع أن يقدّم رؤية مغايرة تمامًا تفسّر حركة الكواكب في تقاربها وتباعدها، وذلك في كتابه “المدخل الكبير إلى علم النجوم”، والذي طوّر فيه نموذجًا لحركة الشمس مع دائرة الأرض كمركز لها، حيث تكون حركتها موحَّدة فيما يتعلق بنقطة لا تتطابق مع مركز الأرض، وهو الاكتشاف الذي يتقاطع مع قانون الجاذبية، والذي استند إليه أنصار اعتباره مكتشف القانون الأول.

كما يُنسب إليه الفضل في وضع طرق لتحديد بدايات الأشهر والسنة الهجرية عبر قراءاته المختلفة لحركات النجوم، هذا بجانب بعض المسائل الأخرى في علم التواريخ وتحديدها، كما قدّم تصورًا مختلفًا لشكل العالم والكرة الأرضية بصفة عامة، وهو التصور الذي يحظى بأهمية كبيرة للمهتمين بعلوم الفلك في العالم حتى اليوم.

وفي هذا المسار ذاته له أطروحة جغرافية مختلفة مرحليًّا عن المتعارَف عليه في ذلك الوقت، حيث رسم لـ 2402 منطقة حول العالم خطوط الطول والعرض لها، وتنوّعت بين مدن وجبال وبحار وأنهار وجزر، كما قدّم خرائط جغرافية عامة بشكل أدق عمّا قدمها العالم الإغريقي المعروف بطليموس.

وللخازن إسهامات جليلة في مجال آلات الرصد الفلكية، حيث وضع شروحات خاصة لها ولطبيعة عملها، ومن أهمها آلة قياس ارتفاع الشمس، وفي كتابه “الآلات العجيبة الرصدية” ابتكر حلقة محيطها 13 قدمًا و8 أذرع، وهي أصغر من الحلقة التي استخدمها السابقون عليه، وقد حقّق بواسطتها -بمساعدة بعض العلماء- انحراف دائرة البروج.

ويُرجع البعض ابتكار الإسطرلاب للخازن، وهو جهاز يستخدمه علماء الفلك والمنجّمون لتحديد مواقع القمر والنجوم والشمس والكواكب والتنبؤ بها، كما يُستخدَم في رسم خطوط الطول ودوائر العرض، ورغم فقدان هذا الابتكار إلا أن العديد من علماء الغرب والشرق أشاروا إليه في كتاباتهم، وهناك بعض المؤلفات التي تثبت ذلك في إحدى مكتبات الهند وفي متحف الفن الإسلامي في برلين.

المعادلات التكعيبية والمثلثات

وتتواصل إسهامات أبو جعفر من الفلك إلى الرياضيات، إذ تمكّن من حل المعادلات التكعيبية حلًّا هندسيًّا مبتكرًا بواسطة قطوع الخروط، كما درس مسائل التعدد في الحساب وألّف بها عدة كتب، كما كان له حضور قوي في حلحلة بعض المسائل الخاصة بحساب المتوازيات، ولذا يعتبره البعض قد سبق علماء الرياضيات التاريخيين، وعلى رأسهم بيكر وديكارت.

وكانت له إنجازات هامة في مشكلة القياس المتساوي، وأثبت حضوره القوي في بعض المسائل الحسابية الرياضية التي كانت محل جدال في ذلك الوقت، منها إثبات غير مباشر بالتناقض كأحد أبرز قضايا الإثبات الرياضي، هذا بخلاف ما قدّمه في مجال خصائص المثلثات القائمة الزاوية، وهو ما وثّقه حرفيًّا في كتابه “رسالة في المثلثات القائمة الزوايا”.

وأثرى الخازن المكتبة العالمية بأمّهات الكتب في الفلك والرياضيات، أبرزها “زيج الصفائح” المصنَّف كواحد من أبرز ما كُتبَ في الفلك وحركة النجوم في التاريخ، رغم التحفظات الذي أبداها عليه ابن عراق في رسالته “رسالة تصحيح زيج الصفائح” التي كتبها إلى أبي الريحان البيروني عام 430هـ، وكتاب “المسائل العددية”، “شرح كتاب إقليدس”، “شكل القطوع”، “الآلات العجيبة الرصدية”، “سر العالمين”، “المدخل الكبير إلى علم النجوم”، وكتاب “الأبعاد والأجرام”.

وبعد رحلة حافلة بالعطاء، عاش خلالها في كنف العلم والعلماء، وأسهم بما قدّمه عبر عدة سنوات في تحقيق طفرة كبيرة في علوم الفلك وحركة النجوم والكواكب وتحديد المواقيت والتواريخ واستطلاع السنين والأشهر، بجانب الإسهامات الرياضية العظيمة، توفي أبو جعفر الخازن نحو سنة 960، تاركًا خلفه إرثًا علميًّا عظيمًا كان حائط الصد أمام تجاهله التاريخي وتسطيح سيرته وغيابه عن منصات التناول الإعلامي والتاريخي.

رنده عطية – كاتبة وباحثة مصرية

المصدر: موقع نون بوست




السويد تعيد النظر في تصريح إقامة لاجئ عراقي أحرق نسخة من المصحف

ذكرت وسائل إعلام أن وكالة الهجرة السويدية تعيد فحص تصريح الإقامة الممنوح للاجئ عراقي كان وراء عدة حوادث لتدنيس المصحف في ستوكهولم في الأسابيع الأخيرة مما أثار غصب المسلمين في جميع أنحاء العالم.

وأفادت وكالة الأنباء السويدية (تي.تي)، بأن الرجل لديه تصريح بالإقامة المؤقتة في السويد من المقرر أن تنتهي صلاحيته في عام 2024 لكن الوكالة تعيد النظر في موضوعه الآن.

وفي رسالة بالبريد الإلكتروني إلى صحيفة “سفينسكا داغبلادت” السويدية، قالت وكالة الهجرة إن المعلومات الواردة من السلطات السويدية أتاحت مبررا لفحص ما إذا كان يجب إلغاء وضع الرجل في السويد.

وأحرق الرجل نسخة من المصحف في الشهر الماضي أمام المسجد الرئيسي في ستوكهولم، كما قام بمظاهرة أمام السفارة العراقية في ستوكهولم في يوليو قال إنه سيحرق فيها نسخة من المصحف، لكنه لم يفعل ذلك.

ووجدت السويد نفسها في بؤرة اهتمام دولي في الأسابيع الأخيرة بعد تدنيس وحرق نسخ من المصحف.

وبالإضافة إلى طلبات حرق المصحف، هناك أيضا العديد من طلبات حرق كتب دينية أخرى مثل العهد الجديد والعهد القديم، ما دفع الكثيرين إلى انتقاد السويد.

وقضت محاكم سويدية بأن الشرطة لا يمكنها منع حرق الكتب المقدسة، لكن حكومة رئيس الوزراء أولف كريسترسون قالت في وقت سابق من يوليو إنها ستدرس ما إذا كان هناك سبب لتغيير قانون النظام العام لتمكين الشرطة من منع حرق المصحف.

المصدر: موقع العين الإخبارية




متى يصبح استشهاد سيدنا الحسين مدخلًا إلى الوحدة الإسلامية؟

د.زكريا حمودان

تعود عاشوراء لتحمل معها مآسي الأمة التي نتعب كلما نراها تتبعثر هنا وهناك تحت مسميات عدة، جميعها بعيدة كل البُعد عن رسالة الدين الاسلامي الحقيقية. الاسلام لم يكن يومًا عنوانًا لتفرقة المسلمين، ولم يكن ساحة للشرذمة والصراعات، ولا حتى محطة للاحداث الجيوسياسية.

لقد استشهد سيدنا الحسين(ع) بأبشع طريقة ممكن ان تحصل في تاريخ البشرية، وهو الذي كلما قعد مسلمٌ للصلاة ذكره في صلاته قائلًا: اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد. فهل هكذا يكون التعاطي مع آل سيدنا محمد، أليس السيف الذليل ممرٌ للتفرقة هو وضاربه؟

نعيش في كل عام ذكرى استشهاد الحسين حفيد النبي الأكرم، سيد من سيدا أهل الجنة، ونقف نبكي الحسين والحسرة تدمي قلوبنا، لكن كذلك يجب ان نتوقف لبرهة عند عالمنا الاسلامي، لندعو لوحدته، لتكن رسالة الحسين(ع) فيما خص الدنيا هي شعارنا، ولنتوحد فالآخرة لن تزل والسلام.

المسلمون اليوم يعملون وكأن الدنيا باقية وهو الذي استشهد وكأن الدنيا لم تكن، لذلك يجب ان نتوقف عند ما نريد من هذه الدنيا لهذه الأمة، فالحسين(ع) استشهد لتبقى الأمة، وما ذكراه اليوم الا رسالة لنا، توحدوا على حب الحسين(ع) وعلى استشهاد الحسين(ع)، توحدوا على دين محمدٍ وآل محمد، توحدوا وكأن الآخرة لم تزل.

ماذا يحصل اذا توحدنا كمسلمين في تاريخ استشهاد الحسين(ع)؟

اذا عاد بنا التاريخ الى الوراء ووقفنا وقفة عاقلٍ متعقل لواقع الأمة الاسلامية لوجدنا انفسنا نبحث عن الوحدة الاسلامية دون ان ندري، وسنجدها دون ان ندري.

نتوقف هناك حيث استشهد الحسين(ع)، ونبدأ ببناء تاريخنا الاسلامي بعقلانية ودون تعصب، نتوقف عند مسيرة آل بيت رسول الله وصحبه الأبرار المنتجبين، ونأخذ ما اجتُمع حوله وما اختُلف فيه، نتحاور دون شروط مُسبقة ومع ثوابت واضحة ومرتكز رئيسي هو الاسلام ونبينا محمد وآل بيته، ولننطلق دون قيود او شروط او احكام، ولا نتشبث برأي ولا نعبث ببعضنا البعض تاركين لاعداء الاسلام جميع الامكانيات التي تسمح لهم بالاستفراد بنا وبتفاصيل ديننا الحنيف، فسروها كما يريدون واعطونا اياها لنرمي بعضنا البعض بها.

التفرقة التي حذرنا منها الرسول الاكرم

يُردد البعض عبارات مُهمة جدًا ولكن لا يُطبقون منها الا ما هو مناقض لها، يتسابقون هنا وهناك ليقولوا انه لا فرق بين عربي واعجمي الا بالتقوى، ثُمَ يتهجموا على كل من يختلفون معه سياسيًا، فيتهجم بعدها اتباعهم حتى على دين اخيهم المسلم ناسفين كل القيم التي اتت في فحوه رسالة الدين الاسلامي. وهذه المعضلة التي يعيشها المسلمون اليوم متواجدة لدى مختلف الجهات بشكلٍ متفاوت ولكنها حيثما وُجدت هي خطيرة.

في الحديث عن التفرقة لا بُدَّ وان نتوقف عند العمل الذي تقوم به الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا في تغذية التفرقة، فها هي منصات المشايخ وقنواتهم تنشط في بريطانيا، وها هو الاميركي لم ينهي فتنته الخبيثة في الشرق الاوسط وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ما نحتاجه اليوم فعلًا ان نقف جميعنا كل يوم لنبكي على انفسنا لان بعضنا لم يعي رسالة استشهاد الحسين(ع) حتى الآن، ولم يبرح ينتظر هذه الذكرى ليخرج الحقد على باقي المسلمين، فيأخذ صور لبعض المبالغين في حبهم للحسين(ع) ليُروج مواد تُفرق ولا تجمع، في المقابل تراه يُبالغ أكثر لو حصل مع مشغليه من اصحاب الفتن عارض صحي بسيط، فيندب ويلطم الى ما شاء الله، هكذا هم، وهكذا واقعنا الاسلامي وهكذا نرى استشهاد الحسين(ع)، مدخلًا الى الوحدة الاسلامية وممرًا طبيعيًا لكل المسلمين نحو تجديد بيعتهم لآل رسول الله صل الله عليه وسلم.

المصدر: موقع العهد




علماء مسلمون نُسبوا خطأً للأصل العربي

بعضهم تعلم العربية وبدأ في تأليف كتبه بها، والبعض الآخر أسس علم النحو في اللغة العربية بعدما برع فيها وأتقنها كأهلها، كان بعضهم أعجمي ولكن عربي في لغته، وانتُسب البعض الآخر للعرب وهو أعجمي في لغته ومرباه ونسبه، هؤلاء من أسسوا علوم الحضارة الإسلامية، نعم، ليس العرب من يعود لهم الفضل في كل العلوم.

يقول ابن خلدون: “من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجم، وليس في العرب حملة علم لا في العلوم الشرعية ولا في العلوم العقلية إلا في القليل النادر، وإن كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي”.

هذه المقولة لا تعني الحرب الثقافية على العرب ولا تزوير تاريخهم، بل إحقاقًا للحق وعدم نسبة هؤلاء العلماء زورًا للعرب وهم في الحقيقة ليسوا كذلك، بل كانوا مجموعة من بلاد فارس والروم وشمال إفريقيا من الأمازيغ، أضافوا علمًا، لا يزال مقروءًا حتى يومنا هذا،  إلى الحضارة الإسلامية آنذاك.

ابن سينا

يعد أشهر العلماء الذين اختلط نسبهم في التاريخ بين العرب والفرس، فكثير من العرب يعتبرونه عالمًا عربيًا، وهو منسوب للعرب خطأ، فهو فيلسوف وطبيب فارسي عاش بين 980 ميلاديًا و1037 ميلاديًا، ألّف 200 كتاب في مواضيع مختلفة، العديد منها يركّز على الفلسفة والطب، ويعد ابن سينا من أول من كتب عن الطب في العالم، وأشهر أعماله كتاب القانون في الطب الذي ظل لـ7 قرون متوالية المرجع الرئيسي في علم الطب.

أول من وصف أسباب اليرقان والتهاب السحايا وأعراض حصى المثانة وصفًا صحيحًا، كما لم يغفل أثر المعالجة النفسية في شفاء المريض، كما نجح ابن سينا في وضع أسس علم طبقات الأرض، مثل تكوين الحجارة والمعادن والجبال، إذ يرى أنها تكونت من طين لزج،  إضافة إلى أنه تحدث عن الزلازل وفسر أسباب حدوثها، ووضح كيفية تكون السحب، ووجد أن البخار أصل السحب والجليد والثلوج والبرد والصقيع وقوس قزح.

لا شك أن هناك حرب معلوماتية بشأن أصول العلماء بين العرب وإيران، إلا أن ابن سينا وإن كان أصله من أوزباكستان الحالية والتي اختلف المؤرخون في وصفها بأنها ضمن بلاد فارس أم لا، فإن والده فارسي الأصل من أفغانستان ومن هنا يرجع نسبه، كما دُفن ابن سينا في “همدان” الواقعة في إيران.

عباس بن فرناس

عالم أمازيغي ولد عام 810 ميلاديًا في رُندة بإسبانيا، اشتهر بصناعة الآلات الهندسية مثل المنقالة (آلة لحساب الزمن) (نموذج بالمسجد الكبير بمدينة طنجة) واشتهر بصناعة الآلات العلمية الدقيقة، واخترع آلة صنعها بنفسه لأول مرة تشبه الإسطرلاب في رصدها للشمس والقمر والنجوم والكواكب وأفلاكها ومداراتها ترصد حركاتها ومطالعها ومنازلها والتي عرفت بذات الحلق.

يعد ابن فرناس أول من اخترق الجو من البشر وأول من فكر في الطيران، واعتبره المنصفون أول رائد للفضاء وأول مخترع للطيران، حيث قام بتجارب كثيرة درس خلالها ثقل الأجسام ومقاومة الهواء لها، وتأثير ضغط الهواء فيها إذا ما حلقت في الفضاء.

إضافة إلى كونه شاعرًا وموسيقيًا وعالمًا في الرياضيات والفلك والكيمياء ومكتشفًا ومهندسًا مصممًا ومخترعًا، حيث إن خبرته في مجال الهندسة ساعدته في تصميم العديد من اختراعاته من بينها الطائرات الشراعية، وتطويره لطريقة رصد الأفلاك والأجرام السماوية.

توفي ابن فرناس بعد 12 عامًا من محاولة الطيران، ودُفن في قرطبة، الأندلس عام 887 ميلاديًا.

ابن بطوطة

أمير الرحالين المسلمين،  هو محمد بن عبد الله بن محمد اللواتي الطنجي ينتسب إلى قبيلة لواتة الأمازيغية ولد بطنجة في المغرب سنة 1304 ميلادي، وهو من أكثر الشخصيات التاريخية التي ارتبط اسمها بالترحال والسفر والمغامرات، عمل ابن بطوطة مؤرخًا وقاضيًا وفقيهًا.

نشأ ابن بطوطة في كنف أسرة فيها علماء بأمور القضاء الإسلامي، وعاصر الدولة المرينية، وهو ذو أصول أمازيغية، تتلمذ في مدرسة سنية ذات مذهب مالكي، حيث كان يسود في شمال إفريقيا النمط التعليمي السنّي المالكي في ذلك الوقت.

بدأ الرحالة رحلاته وهو في الـ21 من عمره، فتوّجه لأداء مناسك الحج برًا واستمرت رحلته لمدة سنة و4 أشهر، وتغرّب بعدها عن بلاده لمدة 24 عامًا، طاف فيها أنحاء إفريقيا، حيث زار بلاد المغرب العربي ومصر والسودان وبلاد الشام وأرض الحجاز وتهامة والعراق وبلاد فارس (إيران) واليمن والبحرين وتركستان وعمان وبلاد ما وراء النهر والهند وبلاد التتار وأواسط إفريقيا.

نظم ابن بطوطة العديد من القصائد الشعرية في مدح ملوك وأمراء الأمصار التي زارها، وكانت هباتهم مصدرًا يساعده على مواصلة رحلاته وأسفاره، وبعد مضي الفترة الطويلة عاد إلى مسقط رأسه، وجمع تفاصيل رحلته في كتابه “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار”، والتي قطع فيها 121 ألف كيلومتر.

توفي الرحالة في مسقط رأسه طنجة، بعد رحلة استمرت 27 عامًا جاب بها أنحاء العالم، وكان ذلك في سنة 1377 ميلاديًا عن عمر يُناهز 73 عامًا.

الفارابي

ولد أبو نصر محمد بن محمد بن أوزلغ بن طرخان الفارابي في عام 874 ميلاديًا، في مدينة فارب التابعة لإقليم تركستان، ينسبه الأتراك أنه تركي الأصل، يعتبر من أشهر المسلمين الفلاسفة الذين يتقنون العلوم الحكمية، بالإضافة إلى قوته وتمكنه في مجال صناعة الطب.

تنقل في العديد من البلدان أهمها بغداد، ومن ثم انتقل إلى سوريا وقام بالعديد من الجولات في هذه البلاد، وفي نهاية المطاف عاد إلى مدينة دمشق واستقر فيها فترة طويلة حتى مات ودُفن فيها، ومن هنا يعود الخلط كون أصله عربيًا.

درس الفارابي في موطنه الأصلي العديد من المواد، مثل العلوم والرياضيات والآداب والفلسفة واللغات، وخصوصًا اللغة التركية التي هي لغته الأصلية، بالإضافة إلى دراسته للغة العربية والفارسية واليونانية، وبعد ذلك رحل عن بلده في العام 310 هجريًا، وكان عمره في ذلك الوقت 50 عامًا، متوجهًا إلى الجمهورية العراقية.

عُرف عنه الزهد والتقشف طول حياته، فلم يتزوج ولم يكن لديه أموال تُذكر، حيث عاش حياته لتأليف الكتب، التي من بينها كتاب الجمع بين رأي الحكيمين وكتاب الزمان والمكان والخلاء.

ابن البيطار

هو عبد الله بن أحمد المالقي نسبة إلى مسقط رأسه مدينة مالقة في الأندلس، ولد فيها عام 1197ميلاديًا، هو إمام النباتيين والعشابين، أوحد زمانه وعلامة وقته في معرفة النبات وتحقيقه واختياره ومواضع زراعته، ونعت أسمائه على اختلافها وتنوعها، فصُنف من أشهر الصيادلة العرب.

تعلم الطب ودرس على يد أبي العباس النباتي الأندلسي، الذي كان يُعشّب (أي يجمع النباتات لدرسها وتصنيفها) في منطقة إشبيلية.

رحل ابن البيطار إلى بلاد الإغريق وأقصى بلاد الروم، كما اجتمع أيضًا في المغرب وغيره بكثير من الفضلاء في علم النبات، وعاين منابته باحثًا عن الأعشاب والعارفين بها، حتى كان الحجة في معرفة أنواع النبات وتحقيقه وصفاته وأسمائه وأماكنه.

توفي ابن البيطار في دمشق في الـ50 من عمره وهو يقوم بأبحاثه وتجاربه على النباتات، حيث تسرب إليه السم في أثناء اختباره لنبتة حاول صنع دواء منها.

أسماء العمر

المصدر: موقع نون بوست




القصة لم تنته… ماذا فعل الفرس بالحضارة الإسلامية؟

دخلت الجيوش العربية بقيادة الصحابي سعد بن أبي وقاص مدينة المدائن/طيسفون عاصمة الإمبراطورية الفارسية في شهر صفر من السنة السادسة عشرة من الهجرة، وبعدها بشهور قلائل قُتل يزدجِرد الثالث، آخر ملوك الساسانيين، ليُسدل الستار على الحكم الساساني الذي استمر قائماً لما يزيد عن الأربعمائة عام.

على النقيض من النظرة التقليدية الشائعة التي ترى في تلك الأحداث نهايةً للحضارة الفارسية القديمة، يمكن القول إن دخول العرب المسلمين إلى بلاد فارس قد أسهم في ضخ الدماء في الحضارة الفارسية, وإن دخول العرب المسلمين للهضبة الإيرانية قد تسبب في وقوع نوع من أنواع التفاعل الديناميكي الخصب بين الثقافتين العربية والفارسية. ظهرت سمات ذلك التفاعل في مختلف مناحي الحضارة الإسلامية، ويمكن رصد آثاره في ميادين السياسة، والعلوم الدينية، فضلاً عن الفنون والآداب.

السياسة والحكم

تمكن الفرس من فرض أنفسهم على معادلات السلطة في الحضارة الإسلامية بعد قرن واحد من دخول العرب الهضبةَ الإيرانية. في أوائل القرن الثاني الهجري شاركت العناصر الفارسية الخُراسانية -بقوة- في إنجاح الثورة العباسية الهاشمية ضد الدولة الأموية. أسقط الخراسانيون بزعامة الفارسي أبي مسلم الخراساني السلطةَ الأموية، ونصبوا العباسيين على كرسي الخلافة، وتمكنوا بعدها من الاستحواذ على أهم المناصب السياسية في الدولة.

يمكن القول إن العقل السياسي الإسلامي قد تأثر بشكل كبير بتلك الأحداث؛ تحول الخليفة المسلم من شكل شيخ القبيلة الذي مثله الخلفاء الأمويون في ما مضى إلى شكل كسرى شاهَنْشاه الذي لطالما جرى تقديسه في الثقافة الفارسية القديمة. وأعلن أبو جعفر المنصور عن ذلك التحول -بشكل مستتر- في خطبته الشهيرة التي قال فيها إن “السلطان هو ظل الله على الأرض”. ترسخ ذلك التحول في العقل الإسلامي شيئاً فشيئاً، وقد عبّر عنه المفكر المغربي محمد عابد الجابري في كتابه “العقل الأخلاقي العربي”، بقوله “كل شيء يدور حول كسرى، وكسرى حاضر في كل شيء، يزاحم حضوره في وجدان الفرس حضور الله”.

من هنا لم يكن من الغريب أن نجد أن السواد الأعظم من المؤلفات السياسية الإسلامية -والتي حملت اسم الأحكام السلطانية، والولايات الدينية، والسياسة الشرعية- قد استقت مادتها الرئيسة من التجارب الفارسية القديمة. في هذا السياق، احتفت تلك الكتب بمؤسس الدولة الساسانية أرْدِشير بن بابك بن ساسان، فنقلت عنه أقواله ومواعظه، وعدّتها من الحكمة الواجب اتباعها.

على سبيل المثال ذكرت التقاليد الفارسية أن أردشير وعظ ابنه قائلاً: “يا بني، إن الدين والملك أخوان، ولا غنى لواحد منهما عن صاحبه، فالدين أسّ المُلك، والملك حارسه، وما لم يكن له أسّ فمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع”، وهي الجملة التي سيتناقلها أعلام الفكر السياسي في الإسلام، جيلاً بعد جيل، وسنجدها قد دُوّنت في كتب السياسة والتاريخ والأحكام السلطانية، على يد كل من أبي الحسن الماوردي وأبي حامد الغزالي وتقي الدين بن تيمية وعبد الرحمن بن خلدون.

بالطريقة نفسها انتقلت مقولة كسرى أنوشِرْوان الشهيرة: “الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل، والعدل بإصلاح العمال، وإصلاح العمال باستقامة الوزراء، ورأس الكلّ تفقد المَلِك أمور نفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه” إلى الكتب الإسلامية، حيث أثبتها أبو بكر الطرطوشي في كتابه “سراج الملوك”، وصارت من أشهر المقولات التي تتردد أصداؤها بين جنبات القصور ودواوين الحكم الإسلامية في العصور الوسطى.

لم يقتصر حضور التأثيرات الفارسية على الفكر السياسي فحسب، بل امتدت تلك التأثيرات لتصل إلى رسوم الحكم وتقاليد السلطة. يوضح الأديب المصري عبد الوهاب عزام في كتابه “الصلات بين العرب والفرس وآدابهما في الجاهلية والإسلام” تلك النقطة إذ يقول: “ساس الفرس الدولة -يقصد الدولة العباسية- على قواعد الساسانيين وقلّد الخلفاء وغيرهم الفرسَ في ملابسهم ومساكنهم وطعامهم وشرابهم، أمر الخليفة المنصور أن تُلبس القلنسوة الفارسية، واتخذ هو ومن بعده الحلل المذهبة على الأساليب الفارسية، وقد أبقى الزمن من نقود الخليفة المتوكل ما يظهر هذا الخليفة في زيٍّ فارسي كامل. ومن الكلمات الجامعة في هذا ما قاله المتوكل حين أراد إصلاح السنة المالية وردّ النيروز إلى مكانه من العام فأحضر الموبذ -الرئيس الديني للزرادشتيين- ليستعين بهِ. قال الخليفة: ‘قد كثر الخوض في ذلك ولست أتعدى رسوم الفرس'”.

العلوم الدينية

تفوق الفرس تفوقاً كبيراً في ميادين العلوم الدينية الإسلامية، وقد تنبه ابن خلدون إلى تلك المسألة في مقدمته الشهيرة فوضع فصلاً بعنوان “في أن حمَلة العلم في الإسلام أكثرهم العجم”. وعمل بعدها على تفسير تلك الظاهرة فقال:  “إن حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللغة والمربى، وكان علماء أصول الفقه كلّهم عجماً كما يعرف، وكذا حملة علم الكلام، وكذا أكثر المفسّرين، ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم وظهر مصداق قوله صلى الله عليه وسلم لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس”.

من الممكن أن نتأكد من حقيقة ما ذكره ابن خلدون لو رجعنا لأسماء أكابر علماء الدين الذين ظهروا في القرون الأولى من الإسلام. على سبيل المثال نجد أن أغلبية علماء الحديث كانوا من العنصر الفارسي؛ من هؤلاء كلٌّ من مسلم بن الحجاج النيسابوري (المتوفى 261هـ) صاحب “صحيح مسلم”، وابن ماجة القزويني (المتوفى 273هـ) صاحب “سنن ابن ماجة”، فضلاً عن أحمد بن شعيب النسائي (المتوفى 303هـ) مؤلف كتاب “سنن النسائي”.

في مجال الفقه عُرف العديد من الفقهاء من ذوي الأصول الفارسية، ومنهم الليث بن سعد (المتوفى 175هـ) والذي اشتهر مذهبه في مصر في القرن الثاني الهجري، وداود بن علي بن خلف (المتوفى 270هـ) والمعروف باسم داود الأصبَهاني والذي بنى قواعد المذهب الظاهري، وأيضاً أبو محمد علي بن حزم (المتوفى 456هـ) والذي يعدّه الكثيرون أعظم الفقهاء المسلمين الذين ظهروا في الغرب الإسلامي على مرّ العصور.

كان التفوق الفارسي حاضراً أيضاً في ميدان علم الكلام وأصول الدين؛ اشتهر إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (المتوفى 478هـ) صاحب كتاب “غياث الأمم في التياث الظُلم”، وكذلك حجة الإسلام أبو حامد الغزالي (المتوفى 505هـ) صاحب الموسوعة الشهيرة “إحياء علوم الدين“، والتي بلغ من أهميتها أن الإمام النووي في القرن السابع الهجري قد قال فيها: “كاد الإحياء أن يكون قرآناً!”.

في السياق نفسه برزت العديد من الأسماء الفارسية على صعيد علم التاريخ وتفسير القرآن. يُعدّ ابن جرير الطبري (المتوفى 310هـ) أهمّ تلك الأسماء على الإطلاق بسبب تأليفه لتفسيره الشهير المسمى “جامع البيان عن تأويل آي القرآن“، ولتصنيفه لتاريخه العظيم المعروف باسم “تاريخ الرّسُل والملوك”.

من جهة أخرى، يُحسب للفرس أيضاً الدور العظيم الذي اضطلعوا به في بدايات الدولة السلجوقية في القرن الخامس الهجري؛ أسهم الوزير الفارسي نظام المُلك الطوسي حينذاك في تطوير العلوم الدينية بشكل كبير عندما افتتح العديد من المدارس العلمية في كلٍّ من نيسابور، وبغداد، وأصفهان، وغيرها من المدن.

اللغة والآداب والفنون

لم تكتف الثقافة الفارسية بالتأثير في ميادين السياسة والعلوم الدينية، بل نراها أيضاً تقتحم ساحات اللغة والآداب والفنون. يوضح المفكر المصري أحمد أمين في كتابه “ضحى الإسلام” كيفية وقوع ذلك فيقول: “إن العاداتِ الفارسية تغلغلت في الناس في ذلك العصر، وكان مظهرها واضحاً جليّاً، فالناس يتَّخذون يوم النَّيروز عيداً لهم كالفُرس قديماً، والقضاة وعظماء الدولة يلبسون القَلَنْسوة كالفُرس، ومجالس الغناء واللهو والشراب هي مجالس الفرس. والفضل بن سهل وزير المأمون (وهو فارسي) يحتال حتى يُقنع المأمون بتغيير السواد بالخضرة، ويكتب إلى جميع العمال أن يجعلوا أعلامهم وقلانسهم خضراً، والخضرة هي لباس كسرى والمجوس. ونظام الحرب وإدارة الدولة اتَّبعت في أغلب الأحيان نظام الفرس في حروبهم وإدارتهم، إلى كثير من أمثال ذلك”.

من جهة أخرى، لعل من الغريب أن نعرف أن علم النحو العربي مدين في تأسيسه وترسيمه لفارسي من ‌‌‌‌‌أهل شيراز وهو عمرو بن عثمان بن قنبر المشهور بسيبويه (المتوفى 180هـ). يستعرض الباحث سيد رضا نجفي الأثر المهم الذي خلفه سيبويه في ترسيم علوم اللغة العربية في دراسته “أثر سيبويه النحوي في نشأة علم البلاغة” فيقول: “إن النحو قبل سيبويه لم تكن له صورة العلم ذي الابواب والفصول والقواعد العامة، وإنما كان مسائل متفرقةً لا تجمعها قاعدة ولا يضمها باب جامع، بل كانت ممتزجة بغيرها من مسائل اللغة والأدب لتفسير القرآن وفهم أشعار العرب، فاستطاع كتاب سيبويه أن يجمع القواعد ويرتبها ويعقد أبواباً يجمع فيها أشقاءها من المسائل النحوية، فاعتُبر بذلك أول كتاب لتدوين النحو وصل إلينا بهذه الصورة الكاملة”.

من جهة أخرى، لعب الفرس دوراً محورياً في توسيع آفاق الحضارة الإسلامية وتخصيبها بعدما ترجموا الحكايات والقصص والآداب الفارسية والهندية إلى اللغة العربية. يُعزى الفضل الأكبر في هذا الإنجاز إلى المفكر الفارسي أبي محمد عبد الله بن المقفع (المتوفى 142هـ)، والذي ترجم كتب “كليلة ودمنة”، و”الأدب الصغير”، و”الأدب الكبير”.

يقول الباحث يسري عبد الغني عبد الله في دراسته “ابن المقفع وتجديد النثر العربي” معترفاً بفضل ابن المقفع في إثراء الحضارة الإسلامية: “إن أهمية ابن المقفع لا ترجع إلى أنه كان كاتباً من كتاب الدواوين الحكومية، وإنما ترجع إلى أنه كان مترجماً عن البهلوية الفارسية وغيرها، فنقل إلى اللغة العربية خير ما عرفته اللغة الفارسية، بالإضافة إلى آداب اللغات التي ذكرتها من قبل، مما كان له أثر كبير في الآداب العباسية، سواءً منه ما اتصل بالأخلاق، وما اتصل بتاريخ الساسانيين ومن سبقوهم من ملوك إيران، وكذلك ما اتصل بأنظمة ملكهم وحكمهم للرعية”.

في سياق أخر، يمكن القول إن فنََّي الموسيقى والألحان قد شهدا نقلة نوعية على يد الفرس. ويبرز اسم الموسيقي الفارسي الشهير إسحاق بن إبراهيم الموصلي الذي أشتهر في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد كشاهد على وقوع تلك النقلة، إذ “تفرّد بصناعة الغناء، وكان عالماً باللغة والموسيقى والتاريخ وعلوم الدين وعلم الكلام، راوياً للشعر حافظاً للأخبار، شاعراً، له تصانيف، من أفراد الدهر أدباً وظرفاً وعلماً”، وذلك بحسب ما ورد في “موسوعة الأعلام” لخير الدين الزّركلي. 

محمد يسري

المصدر: موقع رصيف 22




مزامير القرآن… كيف استفاد العظماء السبعة لدولة التلاوة من المقامات الصوتية والموسيقى؟

منذ بدايات القرن العشرين سطع نجم المدرسة المصرية لتلاوة القرآن الكريم، وكان لها الريادة والصدارة حتى وصول المد الخليجي إلى مصر في الثمانينيات والتسعينيات، والذي صاحبه غزو تسجيلات المقرئين الخليجيين، ولا سيما السعوديين، ذات الإيقاع السريع، والتي تتلى على مقام موسيقى واحد.

ونشأت مدرسة التلاوة المصرية على يد عدد من الآباء المؤسسين، أبرزهم: الشيخ أحمد ندا، وكان من أعمدة هذه المدرسة ونجومها: الشيخ محمد رفعت، الشيخ مصطفى إسماعيل، الشيخ عبدالباسط عبدالصمد، الشيخ محمد صديق المنشاوي، الشيخ محمود علي البنا، الشيخ محمود خليل الحصري، الشيخ محمد محمود الطبلاوي.

في كتاب “مزامير القرآن: العظماء السبعة لدولة التلاوة”، الصادر عن منشورات إبييدي للنشر، في يناير/ كانون الثاني 2022، يُقدم لنا الكاتب الصحفي أيمن الحكيم، عبر 208 صفحات من القطع المتوسط، تاريخ المدرسة المصرية للتلاوة في تجربة جديدة، ترتكز على علاقة هؤلاء القُرّاء بالموسيقى والغناء، وتأثيرهما على تلاوة القرآن، مستعيناً بمقابلات أجراها الكاتب وشهادات لبعض مشاهير الأدب والفن.

في مقدمة الكتاب يقول إن مصر عاصمة دولة التلاوة، وأن مدرسة القرآن المصرية كانت وما زالت الأولى والأهم والأكثر تأثيراً بكل ما تتفرد به من بصمة خاصة في فن الأداء، وما تتميز به بالحفظ التام ،والتمكن وحلاوة الصوت الذي يصل بالمعاني إلى شغاف القلوب.

حكايات مؤسس “دولة التلاوة”

يبدأ الكتاب بالحديث عن القارئ الشيخ أحمد ندا، موضحاً أنه المؤسس الحقيقي لـ”مدرسة تلاوة القرآن المصرية”، وهو بمثابة من كتب دستور “دولة التلاوة”، وقد امتاز بعذوبة الصوت وقوته، وبطريقته في قراءة القرآن، التي استحوذت على قلوب المستمعين، فذاعت شهرته حتى أصبح أغلى مقرئ في عصره بمصر.

قفز أجر ندا خلال سنوات معدودة من خمسة جنيهات إلى 100 جنيه في الليلة الواحدة، ويظل يجوب أقاليم مصر لتلاوة القرآن في قصور الباشوات والأعيان، ليصبح بعدها من أثرياء القوم، وينتقل من حارته في القاهرة إلى قصره الجديد الذي بات يجتمع فيه الشعراء والأدباء ورجال الحكم والسياسة.

وامتلك الشيخ عربة “حنطور” تجرها ستة خيول، تشبه تلك التي يركبها الخديوي عباس حلمي الثاني، والذي أصدر فرماناً بمنع الشيخ من التشبّه بموكبه، وإلزامه بأن يكتفي بعربة بحصانين فقط، لكن تلك الواقعة تسببت في زيادة شعبية ندا.

ولا يفوت المؤلف أن الشيخ أحمد ندا رفض أن يقوم بتسجيل القرآن الكريم بصوته على أسطوانات، بحجة أن الأسطوانة التي ستحمل صوته قارئاً للقرآن لا تليق بجلال كتاب الله، لاسيما أنها معرّضة للإلقاء في أماكن لا تتفق مع قدسية القرآن وجلاله، وبالتالي لم تصل أي تسجيلات لتلاوة الشيخ إلى الأجيال التالية.

ورغم اعتباره للشيخ ندا مؤسساً للمدرسة المصرية إلاّ أن الكتاب لا يغفل دور أسماء أخرى اشتهرت خلال القرن العشرين في عالم تلاوة القرآن، مثل: الشيخ يوسف المنيلاوي، الذي عاصر الشيخ ندا، والشيخ محمد القهاوي، المقرئ المفضل للزعيم الوطني سعد زغلول، والمثل الأعلى للشيخ محمد رفعت، والشيخ منصور الشامي الدمنهوري، والشيخ محمد عمران، والشيخ حمدي الزامل، والشيخ كامل يوسف البهتيمي، والشيخ راغب مصطفى غلوش، والشيخ طه الفشني، والشيخ محمد الفيومي، والشيخ عبدالفتاح الشعشاعي، والشيخ أبو العينين شعيشع، والشيخ عبدالعظيم زاهر، والشيخ أحمد الرزيقي.. إلخ.

شيوخ التلاوة وعشق الموسيقى

قد يبدو عنوان الكتاب يحمل شيئاً من التناقض، لأنه يجمع بين لفظي القرآن والمزامير، بينما ترتبط الأخيرة في الأذهان بسفر المزامير، أحد أسفار التناخ اليهودي والعهد القديم أو مزامير داود الملك، وربما ترمز أيضاً إلى المزامير كأداة موسيقية، وهي الفرضية التي يؤكدها مضمون الكتاب نفسه الذي ربط بين فن التلاوة وبين فن الموسيقى والغناء.

ويقدم الكتاب تحليلاً موسيقياً خاصاً بكل صوت لكل مقرئ من أعلام التلاوة السبعة، مخصصاً لكل منهم مساحته، مظهراً نقاط قوته والمقامات التي يتألق فيها، موضحاً مدى فرادة أسلوبه من خلال شهادات يستعرضها مؤلفه وينقلها على لسان موسيقيين محترفين؛ إذ قدم تحليل كل من المطرب الكبير محمد ثروت، والموسيقار هاني شنودة لصوت الشيخ محمد رفعت، بجانب تحليل الموسيقار منير الوسيمي لصوت الشيخ عبد الباسط عبدالصمد، مؤكداً أن الكثير من قرّاء القرآن الكريم في مصر درسوا المقامات الصوتية والغنائية.

ويفاجئ الحكيم قراء كتابه بكون الشيخ القارئ، محمد رفعت، كان “سمّيعاً” من طراز رفيع للسيمفونيات العالمية، وحرص على اقتناء أعمال عملاقي الموسيقى بيتهوفن وموتسارت، وأن الشيخ محمود علي البنا كان قد درس الموسيقى ومقاماتها، دراسة احترافية على يد الملحن الشيخ درويش الحريري، الذي كان أستاذ الموسيقار محمد عبدالوهاب، موضحاً كيف كان المطرب عبد الوهاب نفسه معجباً بالشيخ الطبلاوي، ويطلق عليه لقب صاحب النغمة المستحيلة.

أما الشيخ القارئمصطفى إسماعيل، فيكشف الكاتب عن علاقته الوطيدة بكوكب الشرق أم كلثوم، بحكم جيرتهما وأن المطربة الأشهر في عصرها، لطالما دعته لتناول الطعام في فيلتها بالإسكندرية لتسأله في نقلات المقامات التي أتقنها الشيخ، لافتاً إلى أن الشيخ عبد الباسط سبق أن حضر حفلاً موسيقياً لكوكب الشرق في مسرح الأزبكية، بالطبع كان ذلك قبل عقود من وصول المد الوهابي إلى مصر، والذي يقتضي تحريم الفن والغناء والموسيقى والمعازف.

الصوت الباكي

خصص مؤلف كتاب “مزامير القرآن.”، فصلاً كاملاً للحديث عن المقرئالشيخ محمد صديق المنشاوي، الملقب بالصوت الباكي، ومقرئ الجمهورية العربية المتحدة، والذي كان أحد أعلام تلاوة القرآن المجود على مستوى العالم العربي والإسلامي.

ويصف الكتاب المنشاوي بأنه “واحد من العلامات الكبرى في دولة القرآن المصرية، رغم أنه كان أقصرهم عمراً، إذ رحل قبل أن يكمل الخمسين، لكنه استطاع أن يكون صاحب مدرسة وطريقة، حاول كثيرون تقليدها، مشيراً إلى أن الفترة منذ منتصف الخمسينيات حتى منتصف الستينيات كانت هي ذروة تألق الشيخ المنشاوي، فذاع صيته في العالم الإسلامي، وقرأ في الحرمين المكي والمدني، وتعددت رحلاته إلي المسجد الأقصى وطاف العالم الإسلامي، وكان جمهوره يحتشدون لسماعه في مسجد الزمالك إذ يقرأ كل جمعة.

ويستشهد المؤلف برأي خبير الأصوات والمقامات والقراءات صفوت عكاشة، في صوت المنشاوي كقارئ للقرآن، والتي يوضح خلالها أن الشيخ ينتمي لمدرسة الأحكام المُحكمة في التجويد، ومخارج الحروف والقراءات المتواترة السبع أو العشر، مشيراً إلى أن صوت المنشاوي لم يكن بحاجة إلى وقت للتسخين قبل القراءة، فهو صوت سلس، ومرن، ونقي بالفطرة، في قراره دافئاً وحنوناً يذيب القلوب، وفي جوابه يحتفظ بكل الخشوع والروحانية.

كان المنشاوي يبدأ قراءته من مقام البياتي كباقي القراء، ثم ينتقل إلى أي مقام يتراءى له، حسب معنى الآية التي يقرأها، كما لم يكن يلتزم بترتيب المقامات كما يفعل باقي القراء، وكان أيضاً مميزاً في مقامات النهاوند، الراست والسيكا .

أول تسجيل إذاعي للقرآن

وأفرد الكاتب جزءاً كبيراً من كتابه “مزامير القرآن”، للحديث عن القارئ الشيخ محمد رفعت، صاحب أول تسجيل إذاعي للقرآن، الذي عُرف بــ”قيثارة السماء”، مشيراً إلى أن أغلب المهتمين بالموسيقى كانوا يكتبون عن صوته، ويعملون على فك طلاسم شفرة الموسيقى القرآنية، إذ كان الشيخ أحياناً يقلب العبارة على مختلف الوجوه النغمية، ليضع بذلك المعنى في مرآة نغمية جديدة كل مرة تكشف جانباً خفياً مستتراً من المعنى.

ويستشهد الكاتب برأي الروائي المصري الراحل خيري شلبي، الذي وصف صوت الشيخ بأنه سيمفونية القرآن، والتفسير الموسيقي له، وأنه تفسير عبقري فذ، يضيء المفردات بمجرد نطقها، ثم يعيد فيلمّ المفردات كلها في جملة نغمية، تتضمن جوهر المعنى الكلي للجملة القرآنية، ليتحول المعنى إلى نشيد وجداني يرفرف عليه علم السماء.

كما تناول الكتاب مقتطفات من سيرة الشيخ مصطفى إسماعيل، الذي أصبح أبرز نجوم دولة التلاوة لأكثر من ربع قرن، بسبب صوته المكتمل الجمال والقوة في جميع درجاته، وإحساسه العالي بكل ألفاظ القرآن ومفرداته، مشيراً إلى أن أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب كانا حريصين على الاستماع إلى تلاوته للقرآن.

ويتطرق الكتاب لسيرة الشيخ محمود خليل الحصري، الملقب بحارس القرآن ووزير دولة التلاوة، بسبب أداءه الفذ، وقراءته المتقنة، والتزامه الصارم بالأحكام، والذي اُعتبر صاحب مدرسة في التلاوة، هي الميزان الذي يحتكم إليه.

ويركز الكتاب على مسيرة الشيخ محمد محمود الطبلاوي، الذي اعتُبر آخر حبة في سبحة المقرئين العظام، بسبب صوته الذي يمتاز بالحلاوة والطلاوة، ما جعله أغلى مقرئ في مصر، وبلغت شهرته أن طلبه العاهل الأردني الملك حسين للتلاوة في عزاء والدته الملكة زين، وأحضره الرئيس السوري حافظ الأسد ليقرأ في عزاء ابنه باسل.

بجانب تناول الكتاب لجانب من سيرة الشيخ محمود علي البنا، أحد أعلام هذا المجال البارزين، الملقب بأمير قرآن الفجر، وملك القفلات، والذي درس علوم المقامات على يد الشيخ درويش الحريري.

رد اعتبار للمدرسة المصرية

صحيح أن هناك كتباً سبقت “مزامير القرآن” في تناول تاريخ مدرسة التلاوة المصرية، أبرزها: “ألحان السماء” للكاتب الراحل محمود السعدني، “عباقرة التلاوة في القرن العشرين” للصحفي شكري القاضي، “نجوم العصر الذهبي لدولة التلاوة” للكاتب نبيل حنفي، و”القرآن بصوت مصر” للمؤلف أبو طالب محمود، “سفراء القرآن الكريم” للإذاعي أحمد همام، إلاّ أن أيمن الحكيم قدّم زاوية تحليلية جديدة عن علاقة العظماء السبعة لدولة التلاوة بالموسيقي، وتحليل أصواتهم وفقاً للمقامات، من خلال متخصصين مع رصد مقتطفات تاريخية عن حياتهم.

وفي النهاية، يمكن اعتبار هذا الكتاب الممتع بمثابة رد اعتبار من الكاتب لمدرسة القرآن المصرية، التي تتعرض من سنين طويلة لحملات شرسة لصالح مدرسة القرآن الخليجية ونجومها.

آية ناصر

المصدر: موقع رصيف 22