1

إسرائيل تكشف عن أرشيف “حرب أكتوبر” بعد 50 عاماً: تخبط وتبادل اتهامات

كشف الأرشيف الإسرائيلي، اليوم الخميس، عن آلاف الوثائق السرية والصور والمقاطع الصوتية التي تروي ما حدث في الحرب مع مصر وسورية في 6 أكتوبر/ تشرين الأول من عام 1973، التي باتت تُعرف باسم “حرب أكتوبر“.

وفي عام 1973، كانت إسرائيل تحتل شبه جزيرة سيناء في مصر، كما كانت لا تزال تحتل القطاع الأكبر من مرتفعات الجولان السورية منذ 1967، وتسمي القاهرة ودمشق هذه الحرب بـ”حرب أكتوبر”، بينما تطلق عليها تل أبيب “حرب يوم الغفران”.

وعلى موقعه الإلكتروني، قال الأرشيف الوطني الإسرائيلي: “لقد كانت أيام القتال ونتائجه صعبة إلى حد لا يطاق بالنسبة للدولة التي كانت قد احتفلت قبل بضعة أشهر فقط بيوم استقلالها الخامس والعشرين”. وأضاف: “في الذكرى الخمسين لحرب يوم الغفران، أصبح أرشيف الدولة متاحا للجميع. مجموعة كبيرة من المواد الأرشيفية، معظمها معروض للاطلاع عليه لأول مرة”.

وأوضح أنه نشر “آلاف الملفات المودعة في الأرشيف، والتي تحتوي على مئات الآلاف من الصفحات التي توثق لحظيا الأحداث في جميع المجالات: السياسية والعسكرية والدولية والعامة والمدنية”.

وهذه الوثائق تتضمن “محاضر مداولات الحكومة، المشاورات السياسية العسكرية (مجلس الوزراء الحربي)، مداولات لجان الكنيست (البرلمان)، مراسلات وزارة الخارجية، الوثائق العسكرية والسياسية والمدنية والشهادات والتقارير والمناقشات وتقييمات الوضع في ما يتعلق بسير الحرب والدفاع المدني وإعداد الجبهة الداخلية خلالها”، بالإضافة إلى صور فوتوغرافية وتسجيلات صوتية وأفلام، وفقاً للأرشيف الوطني.

وأفاد بأن هذه “المجموعة تتيح لمحة رائعة عن عملية صنع القرار، في ظل ظروف عدم اليقين لدى القادة، والقتال على الجبهات، والجبهة الداخلية الإسرائيلية، والاتصالات السياسية التي جرت في نهاية الحرب وانتهائها مع مصر وسورية بوساطة أميركية، والمسار الذي أدّى إلى ترتيبات فصل القوات مع مصر وسورية وانتهت في نهاية مايو/أيار 1974”.

وأظهرت الوثائق أن رئيسة الحكومة الإسرائيلية في حينه غولدا مائير تلقت معلومات قبل نحو أسبوع ونصف من الحرب حول وجود استعدادات مصرية سورية على الأرض، وأعقبت ذلك مشاورات أمنية واتصالات داخلية بين القادة السياسيين في إسرائيل.

وكشفت الوثائق أيضاً عن أن وزير الأمن الإسرائيلي في حينه موشيه ديان قدّم تقريراً في اليوم الثاني لبدء الحرب، أشار خلاله إلى أن “الوضع ليس جيداً” بالنسبة إلى إسرائيل، كما أوضح أن “هنالك مواقع محاصرة، وأن هناك العديد من الأسرى سيُقتلون، وسيسقط المزيد في الأسر، ولا نعرف ماذا سيكون مصير الأسرى”.

واعترف ديان، بحسب الوثائق، أنه لم يتمكن من توقع “قوة العدو كما يجب، ولا ثقله القتالي”، كما اعترف أنه “بالغ في تقدير قوة الجيش الإسرائيلي على الصمود”.

وسبق للأرشيف الإسرائيلي أن نشر في سنوات ماضية وثائق عن الحرب، ولكنه أوضح أن المجموعة الجديدة هي المتكاملة، وذكر أنه في تلك الحرب قُتل نحو 2656 جندياً إسرائيلياً، وجرى أسر المئات، وأُصيب أكثر من 7200 جندي ومدني.

صوت صافرة الإنذار قطع حديث مائير

وتروي الوثائق التي كُشف عنها أنه عند الساعة الثانية عشرة صباحاً من يوم 6 أكتوبر/ تشرين الأول، عقدت رئيسة الحكومة غولدا مائير جلسة للحكومة، أي قبل ساعات من بدء الحرب.

وخلال الجلسة، قال وزير الأمن موشيه ديان إنّ “هيئة الأركان كانت تريد منا أن نخوض حرباً استباقية، قبل أن يفتحوا هم النار”. وأضاف: “هيئة الأركان لم تضغط من أجل ذلك، وافترضت أننا لن نفعل ذلك، في حال لم يطلقوا هم النار. وطالما لم يفتحوا النار، فحتى لو رأينا أنهم يجهّزون لنا كل ذلك، فلن نكون أول من يبدأ الحرب”.

وبحسب الوثائق، طلب الوزراء من غولدا مائير إرجاء التصويت عدة ساعات بخصوص قرار بدء الحرب من عدمه. وفيما كانت مائير ترد على الوزراء قائلةً إنّه “لا يمكن تجنب اتخاذ قرار بهذا الشأن”، قطعت صافرة الإنذار كلامها، فتابعت حديثها مطالبةً بمعرفة الوضع، قائلةً إنها تريد معرفة إنَ “كانوا سيبدأون الحرب قبل الساعة 16:30″، وهو الوقت الذي طلب الوزراء إرجاء التصويت إليه.  

وخلال حديثها، دخل السكرتير العسكري الخاص بمائير غرفة الاجتماع قائلاً: “لقد بدأ الأمر بالفعل، فتح السوريون النار”، إلا أن الوثائق أظهرت أن مائير طلبت من الوزراء البقاء في القاعة.

وأظهرت تصريحات المسؤولين التي نقلتها الوثائق أنّ إسرائيل فوجئت ببدء الحرب، وأصدرت الحكومة تعليماتها لتجنيد قوات الاحتياط. وعُقدت الحكومة بعد يوم واحد من بدء الحرب جلسة أخرى عند الساعة 21:00 (بالتوقيت المحلي).

وخلال الجلسة، بدأت المناقشات الإسرائيلية حول حجم تلك المفاجأة، إذ انتقد بعض الوزراء الإسرائيليون ديان ومائير، قائلين إنّ “غياب المعلومات المبكّرة هو ما أدى إلى وقوع خسائر بشرية فادحة”، في حين ادّعى البعض أن “حقيقة تعرض إسرائيل للهجوم ستساعدها على تلقي المساعدة والحماية من الولايات المتحدة”.

وتساءل الوزير الإسرائيلي حينها موشيه كول عما إذا كان “التشكيل السوري الكبير الذي هاجمنا في الهضبة (الجولان) منذ مدة طويلة، أم أنه انتظم في الأسبوعين الأخيرين فقط؟”، مضيفاً: “إذا كان قد انتظم في الأسبوعين الماضيين، ألم نر ما يحدث هناك، أنهم ذاهبون إلى الحرب؟”.

ورداً على تلك الاتهامات، قال ديان إنّ “علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا. لم نتخذ قرار التجنيد بعد لحظة واحدة من توقعنا أنهم كانوا في طريقهم إلى الحرب بالفعل. لكن القول إننا تأخرنا في التجنيد، هذا غريب. لو كانت تقديرات مجلس الأمن القومي قبل ذلك بيومين، لكنّا سنقوم بالتجنيد حينها. لم نعتقد أنه ستكون هناك حرب”.

تحوّل في المعركة

وفي 10 أكتوبر/ تشرين الأول من العام ذاته، أقيمت جلسة أخرى للحكومة الإسرائيلية في تل أبيب، بعد أن كانت “إسرائيل قد حوّلت قواتها من الدفاع إلى الهجوم”.

وخلال الجلسة، استعرض قائد هيئة أركان الجيش الإسرائيلي دافيد أليعازر تطورات المعركة في هضبة  الجولان، قائلاً إنّه لا يستطيع أن يؤكد أنّ “الجيش السوري انهار، لا يزال في مواقعه ويواصل القتال. المدفعية تعمل. هنا وهناك توجد أماكن يقومون بتركها”، مضيفاً: “هذا أقرب إلى المغادرة منه إلى الهروب”.

وقالت رئيسة الحكومة حينها: “يسألني الناس لماذا كنت حزينة جداً على شاشة التلفاز (…) لم أتخلص من الكوابيس بعد”. وأضافت: “كان ينبغي أن يكون الأمر البسيط والأساسي في هضبة الجولان هو ألا نعود بأي حال من الأحوال إلى خط وقف إطلاق النار السابق، لأننا نعرف كيف كان سيكون الحال بالنسبة لبلداتنا (أي المستوطنات في الجولان) لو تعرضت للقصف”. وتابعت: “أنا لا آسف على أننا لم نوجّه الضربة الأولى كخطوة وقائية. وفي الوقت ذاته هذا الأمر يؤرقني من الداخل”.

الانتقال إلى الطرف الآخر من قناة السويس

وفي 14 أكتوبر/ تشرين الأول من ذات العام، أظهرت الوثائق أن جلسةً عُقدت في ديوان رئيسة الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب، لمناقشة طريقة الانتقال إلى الجانب الآخر من قناة السويس، بعد أن بدأت إسرائيل تعمل على “توجيه ضربات موجعة للجانب المصري”.

وقال ديان حينها: “اقترح على الحكومة الانتقال إلى الجانب الآخر من القناة، جميع الضباط (الإسرائيليون) هناك يُجمعون على هذا الرأي (…) وهم يقولون للحكومة إنهم إذا كانوا يعتقدون أن هذا هو ما يجب القيام به لكسب المعركة، فلا ينبغي لهم الشعور بأنهم مكبّلون”.

واقترح رئيس هيئة الأركان “اجتياز القناة كخطوة عملية”، قائلاً إنّ هذا بالنسبة له “لا يرتبط بأي جوانب أخرى”، مضيفاً: “هذه هي الخطوة العملية الوحيدة التي أرى أن لدينا فيها فرصة للوصول إلى معركة حاسمة”.

وقررت الحكومة الإسرائيلية بأغلبية 14 عضواً اجتياز قناة السويس، وفي 25 أكتوبر/ تشرين الأول، دخل وقف النار حيز التنفيذ، على الرغم من معارضة المستوى الأمني.

وفي محادثة أجرتها غولدا مائير مع وزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر، بعد أشهر قليلة من الحرب، قال الوزير الأميركي إنّ “المصريين نجحوا في تحويل الصراع إلى صراع عالمي”.

نايف زيداني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




اتفاق إسرائيلي على تطوير عدة شوارع في الضفة.. “طريق المليون مستوطن”

اتفقت وزيرة المواصلات في حكومة الاحتلال الإسرائيلي ميري ريغيف مع رئيس المجلس الإقليمي الاستيطاني شمال الضفة الغربية يوسي داغان، على تطوير شبكات طرق في الضفة وخاصة في شمالها، على أن يبدأ العمل بها في الصيف المقبل 2024، وذلك ضمن خطة زيادة عدد المستوطنين في الضفة.

وأفاد موقع “يديعوت أحرونوت”، اليوم الخميس، بأنّ “الهدف المعلن للمستوطنين اليوم هو تجاوز المليون مستوطن في الضفة الغربية، من أجل فرض أمر واقع، والقضاء على أي تسوية سياسية مستقبلية، تشمل إخلاء مستوطنات”.

وبحسب الموقع، فإنّ “جزءًا من الطريق لتحقيق ذلك، الاستثمار في الموارد والبنى التحتية من أجل تشجيع الناس (الإسرائيليين) على الانتقال للعيش في المستوطنات.. يريدون القيام بذلك، من خلال زيادة محاور الطرق والشوارع الموصلة إلى المستوطنات وبينها”.

ومن الأعمال المخطط لها توسيع شارع 505 الواصل بين مفترق مستوطنة أرئيل المقامة على أراضي قرى وبلدات سلفيت، وحتى مفترق مستوطنة تبوح (زعترة جنوب نابلس)، بتكلفة تصل إلى 500 مليون شيكل، إضافة إلى توسعة شارع 5 من مفترق مستوطنة تبوح حتى مفترق بتسلئيل وشارع الأغوار بتكلفة مليار ونصف المليار شيكل. (الدولار يساوي نحو 3.8 شيكل).

ويندرج توسيع الطريق رقم 5 ضمن سلسلة بناء طرق التفافية وواسعة، كجزء من نهج حكومة الاحتلال الإسرائيلي لتسريع الاستيطان، إذ افتتح في الآونة الأخيرة، طريق العروب الالتفافي في مستوطنة غوش عتصيون، فيما من المتوقع افتتاح طريق حوارة الالتفافي في نهاية ديسمبر/ كانون الأول المقبل، بالإضافة إلى طرق التفافية أخرى.

وأصدرت الوزيرة ريغيف، التي تجوّلت في شمال الضفة الغربية إلى جانب داغان، أمس الأربعاء، تعليماتها للفرق المهنية بمباشرة التخطيط المفصّل للشوارع، من أجل البدء بتطويرها.

من جانبه، قال رئيس المجلس الاستيطاني شمال الضفة، إنّ “الطريق إلى المليون (مستوطن) في الشومرون (شمال الضفة) تمر عبر البناء، والحفاظ على الأراضي، والأهم تطوير البنى التحتية للشوارع.. منذ سنوات، أعمل مع الوزيرة ريغيف من أجل التقدّم بهذه القضية الاستراتيجية من أجل توسيع شارع 5 حتى الأغوار”.

وكشف موقع “يديعوت أحرونوت”، في أغسطس/ آب المنصرم، أنّ المجلس الإقليمي الاستيطاني شمال الضفة قد وضع خطة لتعزيز الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، في المستوطنات الحالية ومستوطنات مستقبلية، تطمح إلى زيادة عدد المستوطنين إلى مليون مستوطن، بالإضافة إلى توفير مختلف المرافق لهم، على غرار إقامة مطار وسكة حديدية ومستشفى وغيرها من الخدمات.

ولفت الموقع إلى أنّ المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة يرون أنّ الحكومة الحالية تشكّل فرصة لن تتكرر بالنسبة لهم لتنفيذ مخططاتهم، وعليه ارتفع سقف طموحاتهم لتحقيق أكبر قدر منها.

ووفقاً الموقع، فإنّ أبرز ما تشمله الخطة هو توسيع عدد من المستوطنات إلى “مدن”، وإقامة مستوطنات جديدة، وكذا إقامة سكة حديد لقطار يربط المستوطنات بمناطق الشمال والوسط داخل الخط الأخضر، بالإضافة إلى توسيع الشوارع، وإقامة مركز طبي ومطار، وبناء مناطق صناعية، وغيرها من الخدمات.

ومن المستوطنات التي سيتم توسيعها بحسب المخطط هي مستوطنات إيتمار، وتسوفيم، وسالعيت، وأفني حيفتس. كما تشمل الخطة المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي يعمل المستوطنون على تطويرها، مثل مستوطنة حومش المخطط لها أن تضم 15 ألف مستوطن، والمستوطنات الأخرى التي تم إخلاؤها في إطار “خطة فك الارتباط” مثل كيديم وغانيم.

ومن بين المستوطنات التي ترمي الخطة لتحويلها إلى “مدينة” هي مستوطنة تعناخ في شمال الضفة الغربية، والتي يمكن أن تضم مستقبلاً نحو 30 ألف مستوطن.

وتقر الخطة كذلك بناء “مدينة شامير”، لتكون مستوطنة جديدة في جنوب غرب الضفة الغربية المحتلة، وسيكون احتياطي الأراضي فيها قادراً على استيعاب أكثر من 100 ألف مستوطن.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




ثلاثية الطرق والماء والكهرباء: كيف تؤسس “إسرائيل” البنية التحتية للمستوطنات؟

يتعامل الاحتلال الإسرائيلي مع الضفة الغربية التي لا تتجاوز مساحتها 5 آلاف و400 كيلومتر وكأنها ضمن حدود أراضي دولتها المصطنعة، دون أدنى اعتبار للحكومة الفلسطينية ومساعي الحكم الذاتي الفلسطيني على أراضي الضفة، بموجب اتفاقية أوسلو التي وقّعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع الاحتلال عام 1993، وحتى إن لم يعلن الاحتلال ضمّ الضفة الغربية والمستوطنات المقامة عليها إلى “إسرائيل”، فإنه ينفّذ كل مخططاته الاستيطانية براحة وكأن الضم قائم.

لعل مخططات “البنية التحتية” هي الترجمة الحقيقية للضمّ، أو بالأحرى هي الخطوات العملية التي تمهّد للضم، وتنتظر فقط القرار الرسمي المعلن لذلك، فمخططات الطرق والمواصلات والكهرباء والمياه الإسرائيلية في مستوطنات الضفة الغربية متصلة ببعضها على حساب الوحدة الجغرافية للضفة، وتأخذ فيها “إسرائيل” بعين الاعتبار أمن المستوطنين على حساب ما تبقّى من أراضي الضفة الغربية.

في هذا التقرير من ملف “وكلاء الاستيطان”، يبحث “نون بوست” في كيفية عمل وزارة المواصلات والأمان على الطرق وشركتَي الكهرباء والماء في تنفيذ مخططات الاستيطان في أراضي الضفة الغربية، من خلال مشاريع البنية التحتية للمستوطنات.

وزارة المواصلات والأمن على الطرق

يعمل الاحتلال على تقطيع الضفة الغربية بشوارع عرضية مرتبطة مباشرة بـ”إسرائيل”، كجزء من مخطط أُعلن عنه عام 1983، بموجب أمر عسكري إسرائيلي خاص بالطرق ويحمل الرقم 50، والذي يهدف إلى شقّ طرق طولية من شمال الضفة إلى جنوبها، ومن الغرب إلى الشرق، والوصول نهايةً إلى تفتيت الضفة الغربية وحشر التجمعات الفلسطينية وربط المستوطنات ببعضها.

ولضمان أمن المستوطنين، أنشأت “إسرائيل” منظومة شوارع بديلة مخصّصة للمستوطنين فقط، تسمّى “شوارع نسيج حياة”، شُقّت هي أيضًا في أراضٍ صودرت من الفلسطينيين، تشمل هذه المنظومة أنفاقًا وشوارع التفافية، تمنح مساحة يبلغ متوسط عرضها 150 مترًا على كل جانب من جانبَي هذه الطرق، يمنع فيها إقامة مبانٍ سكنية أو تمديد خطوط للمياه أو حفر قنوات أو مدّ أسلاك من أي نوع، إلا بموافقة لجنة التنظيم الهيكلي الأعلى المكونة من الموظفين الإسرائيليين فقط.

تكون مخططات البنية التحتية، لا سيما في شقها المتعلق بالطرق والمواصلات، موضع دراسة أمنية، إذ تشكّل هذه الطرق مكان تماسّ والتقاء يومي ما بين المستوطنين والفلسطينيين

تخصص وزارة المواصلات والأمان على الطرق لدى الاحتلال نحو 3.5 مليارات شيكل (نحو مليار دولار) لمشاريع البنية التحتية المخصّصة لتوسيع الشوارع والطرق الالتفافية بين مستوطنات الضفة الغربية، وإنشاء شبكة مواصلات عملاقة بالقدس والضفة الغربية المحتلتَين، في إطار خطط فرض السيادة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية المحتلة.

مؤخرًا، في ظل حكومة نتنياهو الجديدة، عرضت وزيرة المواصلات، ميري ريغيف، مشاريع جديدة لصالح أعمال البنية التحتية الشاملة لخدمة المستوطنات، أبرزها توسيع شارع 60 من مدخل بلدة حزما شمال شرقي القدس وحتى شمال الصفة الغربية، بحيث يتحول الشارع الذي يعتبَر الشريان الأساسي لربط المستوطنات في الضفة إلى شارع سريع، على أن يضم كل اتجاه 3 مسالك، واحد منها سيتم تخصيصه للمواصلات العامة، ويكون معدًّا بشكل أساسي لخدمة المستوطنين وحافلاتهم.

وتكون مخططات البنية التحتية، لا سيما في شقها المتعلق بالطرق والمواصلات، موضع دراسة أمنية، إذ تشكّل هذه الطرق مكان تماسّ والتقاء يومي ما بين المستوطنين والفلسطينيين، وعليه تدرس وزارة المواصلات الإسرائيلية الجوانب الأمنية من حيث مسار الشارع، التفافاته وانحناءاته، مواقع الجبال والوديان المحاذية لمساره، ومواقع القرى والمدن الفلسطينية القريبة تؤخذ بعين الاعتبار، لوضع بنية تحتية آمنة للمستوطنين.

شركة كهرباء الاحتلال

تمثل الكهرباء في المخططات الاستيطانية نقطة ارتكاز أساسية، تتجاوز المشاكل المتعقلة بقطع “إسرائيل” الكهرباء عن الأراضي الفلسطينية بحجّة الديون المترتبة على السلطة الفلسطينية التي تشتري الكهرباء من “إسرائيل”، لكن أيضًا في إقامة مشاريع لمحطات الكهرباء في الأراضي المحتلة، وتوسيع شبكة الضغط العالي فوق الأراضي الفلسطينية المصادرة لخدمة المستوطنين.

فمع بدء الحديث عن ضمّ الضفة الغربية والمستوطنات بعد عام 2020 بشكل كبير وصريح، كشفت صحيفة “يسرائيل هيوم” العبرية أن خطة وضعتها شركة كهرباء الاحتلال تهدف إلى إمداد الطاقة على المدى الطويل في مستوطنات الضفة المحتلة، وتدعيم المشروع الاستيطاني، حينها أعلن رئيس شركة الكهرباء الإسرائيلية، يفتاح رون تال، بوضوح أن الشركة تقوم بالاستعدادات لإمكانية القيام بضمّ مستوطنات الضفة الغربية، وأن الشركة تقوم على تطبيق خطة ستزيد بشكل كبير أعداد المستوطنين في الضفة الغربية.

وبينما رفضت سلطات الاحتلال عام 2021 ربط آلاف المنازل في القرى العربية في النقب المحتل بشبكة الكهرباء، بحجّة أنها غير مرخّصة، كوسيلة ضغط على أصحابها لإجبارهم على مغادرتها ومن ثم هدمها والاستيلاء على الأراضي المقامة عليها هذه المنازل لغرض إقامة مستوطنات جديدة عليها، أعلن الاحتلال عن مخطط لربط الوحدات السكنية التي أقيمت في المستوطنات وكذلك البؤر بشبكة الكهرباء الإسرائيلية.

وفي عام 2022، رصدت حكومة الاحتلال حوالي 29.5 مليون شيكل لتوصيل بؤر استيطانية عشوائية بالكهرباء والتخطيط لتدريبها، إلى جانب ذلك تطرح وزارة الطاقة في حكومة الاحتلال عن عطاءات لربط مستوطنات الضفة الغربية المحتلة بشبكة الغاز الطبيعي، كجزء من الإجراءات العملية لمخطط الضم.

شركة المياه الإسرائيلية

بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، سيطرت السلطات العسكرية الإسرائيلية على مصادر المياه كافة، والبنية التحتية الخاصة بالمياه في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فقد أصدرت السلطات الإسرائيلية الأمر العسكري رقم 158 الذي نصَّ على أنه “لا يُسمح للفلسطينيين إنشاء أية تمديدات مياه جديدة من دون الحصول أولًا على تصريح من الجيش الإسرائيلي”.

حتى اليوم، لا يستطيع الفلسطينيون، خاصة المناطق الريفية والمناطق المصنّفة “ج” وفق اتفاقية أوسلو، حفر آبار مياه جديدة، أو تمديد مضخّات مياه أو تعميق الآبار القائمة، بالإضافة إلى حرمانهم من إمكانية الوصول إلى نهر الأردن وينابيع المياه العذبة، كما يسيطر الاحتلال على عملية جمع مياه الأمطار في معظم أراضي الضفة الغربية.

يستخدم الاحتلال مصادر المياه والوصول إليها كأداة رئيسية للحركة الاستيطانية وانتشار البؤر الاستيطانية، وبحسب منظمة “بتسليم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، فإن المستوطنين يستخدمون 3 أضعاف كمية المياه التي يستخدمها الفلسطينيون في الضفة الغربية في اليوم الواحد.

بحسب منظمة العفو الدولية، يبلغ معدل استهلاك الفرد الفلسطيني للماء 73 لترًا يوميًّا، وهو أقل من معدل استهلاك الفرد الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، وهو 100 لتر يوميًّا، كما يصل معدل استهلاك الفرد من الماء بالنسبة إلى آلاف الفلسطينيين إلى 20 لترًا يوميًّا في العديد من المجتمعات الرعوية في الضفة الغربية، في المقابل يبلغ معدل استهلاك المستوطن قرابة 300 لتر يوميًّا.

تقوم مؤسسات الاحتلال الحكومية وغير الحكومية على تشبيك خطوطها والعمل معًا في تخطيط استيطاني، يجعل من الضم قائمًا دون انتظار إعلان رسمي أو تأييد دولي.

وفي تقرير لصحيفة “الغارديان”، فإن شركة “ميكروت” توفّر لمزارع المستوطنات في قرى الضفة الغربية المحتلة مياهًا للزراعة، بينما لا يملك الفلسطينيون في كثير من الأحيان ما يكفي من المياه للشرب، حيث يصبح من الصعب على المزارعين الفلسطينيين زراعة حتى محاصيلهم منخفضة الري مثل القمح والعدس والحمّص، كما أن تراجع الوصول إلى الأراضي والمياه بسبب التوسع الاستيطاني يعني مساهمة الزراعة في 2.6% فقط من إجمالي الناتج المحلي للأراضي الفلسطينية الآن.

في الوقت ذاته، يشير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” إلى أنه لا يُسمح لنحو 180 تجمعًا فلسطينيًّا في المناطق الريفية في الضفة الغربية المحتلة بالحصول على مياه الأنابيب، كما أن جيش الاحتلال يدمّر خزانات مياه الأمطار المملوكة للمجتمعات الفلسطينية.

وأحصت “أوتشا” هدم السلطات الإسرائيلية لحوالي 160 خزانًا فلسطينيًّا وشبكات الصرف الصحي والآبار في أنحاء الضفة الغربية والقدس الشرقية في عامَي 2021 و2022، فيما تسارعت معدلات الهدم، فخلال النصف الأول من عام 2023 هدمت السلطات نفس العدد تقريبًا من منشآت المياه الفلسطينية كما فعلت في العام الماضي.

تتكامل مخططات البنية التحتية من مواصلات ومياه وكهرباء مع العملية الاستيطانية في الضفة الغربية، وتقوم مؤسسات الاحتلال الحكومية وغير الحكومية على تشبيك خطوطها والعمل معًا في تخطيط استيطاني، يجعل من الضم قائمًا دون انتظار إعلان رسمي أو تأييد دولي.

نداء بسومي

المصدر: موقع نون بوست




مستوطنون يقتحمون الأقصى والاحتلال ينفذ اعتقالات في الضفة الغربية

اقتحم مستوطنون، اليوم الثلاثاء، باحات المسجد الأقصى المبارك بحماية قوات الاحتلال الإسرائيلي الخاصة وأدوا طقوساً وصلوات خاصة بهم، فيما نفذت قوات الاحتلال عمليات اعتقال في مناطق متفرقة من الضفة الغربية بما فيها القدس.

وأغلقت قوات الاحتلال منذ ساعات صباح اليوم، محيط المسجد الأقصى خاصة في منطقتي عقبة السرايا والخالدية وبالقرب من سوق القطانين في شارع الواد بالبلدة القديمة من القدس، وإعاقة حركة تنقل المواطنين هناك.

وعززت قوات الاحتلال تواجدها عند أبواب المسجد الأقصى وتحديداً عند بوابة الملك فيصل وحي باب حطة والذي شهد الليلة الماضية، محاولة شابة فلسطينية من منطقة جنين طعن أحد جنود الاحتلال قبل أن يتم اعتقالها والاعتداء عليها بالضرب بطريقة وحشية.

كما اقتحمت قوات كبيرة من جنود الاحتلال صباح اليوم، حي رأس خميس من أراضي مخيم شعفاط وسط القدس المحتلة.

وأفادت مصادر محلية لـ”العربي الجديد”، بأن تلك القوات داهمت العديد من المنازل واحتجزت أصحابها في غرف منعزلة بحجة البحث عن سلاح.

ووفق المصادر، فإن القوات المقتحمة ترافقها طواقم تفتيش من بلدية الاحتلال في القدس قامت بتصوير منازل ومنشآت قيد البناء في حي راس خميس تتاخم مستوطنة بسعات زئيف المقامة على أراضي القدس.

 يأتي ذلك في وقت أعلنت سلطات الاحتلال عن اعتقال 12 فتى وشابا من أبناء مخيم شعفاط، تتهمهم بتنفيذ العديد من عمليات إطلاق النار وإلقاء عبوات ناسفة باتجاه مستوطنة بسغات زئيف والحاجز العسكري المقام على مدخل المخيم.

وادعت سلطات الاحتلال أن حملتها التي نفذتها على مدى أسبوع أسفرت عن مصادرة كميات من الذخائر والبنادق.

من جانب آخر، اعتقلت قوات الاحتلال فجر اليوم، شابين من بلدة عناتا إلى الشرق من القدس المحتلة بعد مداهمة منزليهما وإجراء تفتيشات دقيقة تخللها إلحاق أضرار مادية بمحتوياتهما.

واعتقلت قوات الاحتلال طالبين في جامعة بيرزيت من مخيم الجلزون شمال رام الله وسط الضفة، ومن مدينة البيرة الملاصقة لمدينة رام الله، إضافة لثلاثة شبان من مخيم الأمعري جنوب رام الله والبيرة، فيما تزامن اقتحام رام الله اندلاع مواجهات بين الشبان وقوات الاحتلال.

كما اعتقلت قوات الاحتلال شابا من مدينة الخليل جنوب الضفة، بينما كانت قوة خاصة إسرائيلية “مستعربون”، اعتقلت أمس الاثنين، شابا من داخل مركبة في بلدة الخضر جنوب بيت لحم جنوب الضفة، كما اعتقلت شابين من بلدة يعبد جنوب غرب جنين شمال الضفة بعدما دهسهما جيب عسكري وتم الاستيلاء على دراجتهما النارية وسط اندلاع مواجهات بين الشبان وتلك القوات.

واعتدى مستوطنون، مساء أمس الاثنين، على فلسطيني في خربة الحلاوة بمسافر يطا جنوب الخليل، وسرقوا أدويته وحماره ومشترياته.

في سياق آخر، أخطرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، أمس الاثنين، بهدم منزل مكون من ثلاثة طوابق في جبل الرحمة وسط مدينة الخليل.

إلى ذلك، اندلعت مواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء أمس الاثنين، في قرية دير ابزيع غرب رام الله، دون وقوع إصابات.

محمود عبد ربه – محمود السعدي

المصدر: صحيفة العربي الجديد




إيلي كوهين في المنامة.. زيارة لترميم اتفاق أبراهام

وصل وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين، مساء الأحد 3 سبتمبر/أيلول الحاليّ، على رأس وفد يضم شخصيات سياسية واقتصادية إسرائيلية، إلى العاصمة البحرينية المنامة، في زيارة رسمية تستمر يومين، لبحث سبل دفع العلاقات بين الدولتين في إطار اتفاق أبراهام الموقع بين تل أبيب وبعض العواصم العربية منذ عام 2020، بحسب البيان الصادر عن الخارجية الإسرائيلية.

الزيارة هي الأولى سواء لمسؤول حكومي إسرائيلي رفيع المستوى إلى أي من الدول الموقعة على اتفاقيات التطبيع، أو لأي من مسؤولي تلك البلدان لتل أبيب، وذلك منذ إعادة حكومة بنيامين نتنياهو إلى السلطة مرة أخرى العام الماضي، الأمر الذي يضفي عليها أهمية استثنائية في سباق الزمن الإسرائيلي لتعميق حضورها الإقليمي، توظيفًا لخطوات التطبيع المتسارعة التي قطعتها مؤخرًا.

لم تكن تلك الزيارة مفاجئة، بل كان مقررًا لها الشهر الماضي، غير أن زيارة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، لباحة المسجد الأقصى، وردود الفعل الغاضبة إزائها، دفعت نحو تأجيل الزيارة حسبما ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، فيما جاءت الرواية الرسمية البحرينية بأن التأجيل كان بسبب وجود ملك البحرين خارج البلاد.

سياق مهم.. لماذا البحرين؟

اختيار البحرين كمحطة أولى لوزير الخارجية الإسرائيلي، أثار الكثير من التساؤلات بشأن تلك المحطة، ولا سيما مع مجيئها بعد نحو أسبوع تقريبًا على أزمة لقائه ونظيرته الليبية نجلاء المنقوش في إيطاليا، وهو اللقاء الذي أطاح بها من منصبها بعد ردود الفعل الغاضبة للشارع الليبي على هذا اللقاء الذي يتعارض مع التوجه الرسمي والمزاج الشعبي الليبي الرافض للتطبيع مع دولة الاحتلال.

تعد البحرين واحدة من بين الدول ذات التوجه الشعبي المعارض للتطبيع المجاني، ورغم الجهود السلطوية المبذولة والضغوط القمعية التي تمارسها المملكة لتمرير هذا المشروع، فإن هناك تصديًا شعبيًا واضحًا، وبحسب استطلاع للرأي أجراه معهد واشنطن مؤخرًا فإن الدعم الشعبي لاتفاقيات أبراهام التي وقعتها المنامة مع دولة الاحتلال في سبتمبر/أيلول 2020 تراجع من 45% في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2020 إلى 20% في مارس/آذار الماضي (أي بعد أقل من شهرين على إبرام الاتفاق).

تتفق مع هذا الطرح الباحثة والناشطة المجتمعية البحرينية منى عباس، التي ترى أن “إسرائيل” بزيارة وزير خارجيتها للبحرين تحديدًا تستهدف “تعزيز وجودها في بلد يمتلك قاعدة شعبية عريضة ترفض التطبيع”، مضيفة في تصريحات لها لـ”بي بي سي” أن القاعدة الشعبية الرافضة للتطبيع في البحرين “استطاعت أن تعبّر عن موقفها بوضوح في الشارع البحريني وفي مؤسسات المجتمع المدني، كما استطاعت أن توصّل صوتها في الداخل والخارج”.

من هنا جاءت تلك الخطوة التي تود من خلالها “إسرائيل” أن تقول للشارع العربي إن رد الفعل الشعبي إزاء لقاء كوهين – المنقوش لا يمكن التعويل عليه لبناء موقف عام يعبر عن المزاج العربي إزاء للتطبيع، وعليه تأتي تلك الزيارة المعلنة بشكل رسمي وتتمتع بكل طقوس الاستقبال والحفاوة الإعلامية الرسمية في بلد يمتلك تلك القاعدة الرافضة لاتفاق أبراهام، لتبرهن على الحضور الإسرائيلي الفعال في العمق العربي رغم المناوشات بين الحين والآخر.

في المقابل، قد يرى البعض أن تلك الزيارة تأتي في إطار التفاهمات التي تقوم بها دولة الاحتلال لتعميق العلاقات مع دول أبراهام خاصة بعد الفجوة الكبيرة التي وسعت الهوة بينها وتلك البلدان خلال الآونة الأخيرة بسبب الممارسات العنصرية من وزراء حكومة نتنياهو من اليمين المتطرف، التي وضعت الدول العربية المطبعة مع “إسرائيل” في حرج كبير أمام شعوبها.

ومن المقرر وفق ما ذكرت تقارير إعلامية أن تشهد الزيارة تدشينًا رسميًا لمبنى السفارة الإسرائيلية في العاصمة البحرينية المنامة، وزيارة كوهين لقاعدة الأسطول الخامس الأمريكي في المملكة، بجانب توقيع عدد من الاتفاقيات التجارية والاقتصادية بين البلدين، في مجالات الطاقة والبنية التحتية.

إصرار أمريكي

لم يكن التحرك على المسار البحريني هو التوجه الوحيد للدبلوماسية الإسرائيلية نحو تعزيز رقعة التطبيع في المنطقة، حيث تشهد الآونة الحاليّة تحركات عدة في أكثر من ساحة لتحقيق الهدف ذاته، في محاولة لترميم الشروخات التي أحدثتها الانتهاكات المستمرة لمسؤولي حكومة نتنياهو من اليمين المتطرف، وهي الممارسات التي زادت من السخط الشعبي إزاء خطوات التطبيع العربي من جانب، ودفعت بعض الحكومات والأنظمة العربية لإبطاء خطوات التقارب مع دولة الاحتلال من جانب آخر.

بحسب ما نقلته صحف عدة من بينها صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” العبرية وموقع “أكسيوس” الأمريكي عن عدد من المسؤولين الأمريكيين والفلسطينيين، فإن هناك تحركات دبلوماسية مكثفة من الجانب الإسرائيلي والأمريكي على حد سواء، لإبرام اتفاق تطبيع مع السعودية، فمن المقرر أن يسافر وفد من كبار المسؤوليين الأمريكيين إلى العاصمة الرياض الأسبوع المقبل للقاء عدد من مسؤولي المملكة.

تأتي تلك الزيارة المرتقبة التي يرأس خلالها الوفد الأمريكي مسؤول ملف الشرق الأوسط في البيت الأبيض، المحامي بريت ماكغورغ، الملقب بـ”القيصر”، ومساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، بعد نحو شهر تقريبًا من زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان للرياض لمناقشة الملف ذاته، التطبيع السعودي الإسرائيلي.

تتزامن جولة ماكغورغ مع زيارة أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ووزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، إلى العاصمة السعودية، لبحث المطالب التي تود السلطة الفلسطينية تنفيذها والمكاسب المتوقعة حال تم إبرام اتفاق التطبيع بين المملكة و”إسرائيل”، بحسب المصادر الخاصة التي نقل عنها الإعلام العبري والأمريكي.

أفادت تلك المصادر أن السعودية قد تبدي مرونة نسبية في ملف التطبيع إذا تضمن الاتفاق حلًا للصراع وللقضية الفلسطينية، كونها المعضلة الأبرز في هذا الملف، لافتة إلى أن هناك حزمة مقترحات من المتوقع أن يتم طرحها على طاولة النقاش بين المسؤوليين السعوديين والأمريكيين خلال الزيارة المرتقبة، منها “دعم الولايات المتحدة والاعتراف بالدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، وإعادة فتح قنصليتها في القدس، التي قدمت خدمات للفلسطينيين تاريخيًا، وإلغاء تشريع في الكونغرس يصف السلطة بأنها منظمة إرهابية، ونقل أراض من الضفة الغربية تحت سيطرة الاحتلال إلى السلطة، وهدم البؤر الاستيطانية غير القانونية في الضفة”.

هذا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أما ما تريده الرياض مقابل إبرام اتفاق تطبيع مع تل أبيب فيتمحور حول الحصول على برنامج نووي سلمي تدعمه أمريكا والقدرة على شراء أسلحة أكثر تطورًا بجانب تدشين معاهدة أمنية مع الغرب، أشبه بحلف شمال الأطلسي “الناتو”، تكون فيها واشنطن ملزمة قانونًا بالدفاع عن السعودية، إذا تعرضت الأخيرة للهجوم.

تحركات دبلوماسية مكثفة

تزامنًا مع ذلك وفي السياق ذاته يصل نهاية الأسبوع الحاليّ وفد رسمي مغربي برئاسة رئيس مجلس المستشارين المغربي (الغرفة الثانية بالبرلمان) النعم ميارة إلى العاصمة الإسرائيلية تل أبيب، بجانب الأردن وفلسطين، في زيارة قد تكون الأرفع لمسؤول مغربي لـ”إسرائيل” منذ تطبيع العلاقات بين تل أبيب والرباط ديسمبر/كانون الأول 2020، بعد توقفها عام 2000، وفق ما ذكرته الإذاعة الرسمية الإسرائيلية “كان”.

تكتسب تلك الزيارة أهمية بالغة وغير مسبوقة كما جاء على لسان رئيس الكنيست أمير أوحانا، كونها تأتي بعد عام تقريبًا من زيارة مماثلة قام بها المفتش العام السابق للقوات المسلحة المغربية بلخير الفاروق إلى “إسرائيل” سبتمبر/أيلول 2022، للمشاركة في مؤتمر عسكري دولي عن الابتكار في المجال العسكري، معتبرًا ذلك شهادة على العهد الجديد في العلاقات بين “إسرائيل” والمغرب، خاصة بعد الاعتراف الإسرائيلي بالصحراء الغربية تحت السيادة المغربية.

ثمة دوافع تجبر تل أبيب وحليفها الأمريكي على الهرولة لضم بلدان عربية جديدة في حظيرة التطبيع، على رأسها السعودية، لا سيما في ضوء المستجدات الإقليمية والدولية وحرب الاستقطابات العالمية التي تحاول واشنطن وعبر ذراعها الإسرائيلية تحقيق أقصى استفادة ممكنة من القوى الاقتصادية العربية وفي المقدمة منها البلدان النفطية، بجانب المكاسب السياسية واللوجستية الأخرى في مواجهة المعسكر الشرقي بقيادة الصين وروسيا.

كما أن الضربات التي تلقاها محور التطبيع خلال الآونة الأخيرة بسبب الانتهاكات المستمرة بحق الفلسطينيين، أبطأت من وتيرة الخطى بشأن التقارب بين “إسرائيل” وحلفائها الجدد، ما أقلق الكنيست ونظيره (النواب والشيوخ) في الولايات المتحدة، ودفعهما لتكثيف الجهود الدبلوماسية لترقيع ثوب التطبيع المهلهل ومحاولة ترميم كل الشروخات التي أصيب بها جدار التطبيع خلال عامي جس النبض الأخيرين.

من المتوقع أن تكثف تل أبيب حراكها الدبلوماسي بمساعدة الأمريكان لحث السعودية على التطبيع من جانب، وتعزيز العلاقات مع الدول الموقعة على اتفاق أبراهام من جانب آخر، مستعينة ببعض المغريات وشيء من المرونة – الوهمية – لإقناع تلك البلدان بأهمية هذه الخطوة ومكاسبها المحققة، وهو الأمر الذي كشفت التجارب والأيام زيفه وكذبه، لتقدم الدول العربية التطبيع لـ”إسرائيل” على طبق من ذهب وبالمجان، طاعنة القضية الفلسطينية بأكبر خنجر في ظهرها.

صابر طنطاوي

المصدر: موقع نون بوست




استهداف مخزون المخيمات الفلسطينية الثوري

اجتذبت المخيّمات الفلسطينية اهتمام الوسائل الإعلامية على مدار الشهرين المنصرمين، في مشهدين مختلفين جذريين بجميع تفاصيلهما الظاهرة، الأول مشهد اعتداء جيش الاحتلال الصهيوني على مخيّم جنين بداية الشهر المنصرم، والثاني مشهد الاقتتال داخل مخيّم عين الحلوة في الشهر الحالي. لكن وعلى الرغم من اختلاف المشهدين، إلّا أنّ هناك قواسم مشتركةٌ بينهما، فكلّا المشهدين يعبران عن استهداف المخيّمات من قبل أعداء المخيّم، أو بالأصح أعداء تحرير فلسطين وشعبها، فمخيّمات الفلسطينيين قاطبةً نابضةٌ بخزانٍ بشريٍ لا ينضب، مستعدٌ دائمًا لتقديم كلّ ما يملك في سبيل التحرر والتحرير الكامل، والعودة إلى أرض الوطن، فلسطين.

هذه ليست مجرد كلماتٍ خطابيةٍ عابرةٍ، بل هي تعبيرٌ حقيقي عن واقع المخيّمات الفلسطينية، وعن دورها النضالي منذ بداية النكبة المستمرّة منذ 1948، إذ رفدت مخيّمات دول الطوق حركة التحرر الوطنية بمئات الفدائيين منذ بداياتها في ستينات القرن المنصرم. كما قدّمت المخيّمات داخل فلسطين آلاف الفدائيين والمناضلين والشهداء على مدار سنوات الاحتلال الطويلة، خصوصًا في الانتفاضتين الأولى والثانية. لذلك تميز سكان المخيّمات الفلسطينية بالشجاعة والفدائية، وباتت المخيّمات رمزًا للصمود والتصدّي داخل الوطن وخارجه، ليس في المخيلة الفلسطينية فقط، بل في مخيلة شعوب المنطقة قاطبةً، وهو ما حوّل مخيّمات دول الطوق، ولا سيّما في سورية إلى حاضنةً سياسيةً للنشاط السياسي والنضالي الثوري؛ فلسطينيًا كان أم سوريًا، وهنا مكمن خطورتها، وسبب استهدافها المتكرر من قبل القوى والنظّم الرجعية والاستبدادية والنهبية.

إنّ ثورية المخيّمات وفدائية قاطنيها حوّلتها إلى أهدافٍ أمينةٍ وعسكريةٍ للاحتلال الصهيوني أولاً، ولأنظمة دول الطوق قاطبةً ثانيًا، لذا حاصرها النظام السوري مراتٍ عدةً، وقصفها بشتى أنواع القنابل والمتفجّرات، وزرع فيها تنظيماتٍ فلسطينيةً ظاهريًا وأمنيةً مضمونًا تدين بالولاء له وحده، أبرزها الجبهة الشعبية القيادة العامة، وفتح المنشقين. في حين حاصرت الدولة اللبنانية مخيّمات الفلسطينيين وطوقتها بقواتها الأمنية، كما فرضت تأشيرةً أمنيةً خاصّةً بدخول المخيّم من غير ساكنيه، وكأنها سجونٌ خطيرةٌ أو ربّما سريةٌ. أما الاحتلال الصهيوني فقد استهدف؛ وما زال، كلّ المخيّمات الفلسطينية؛ داخل فلسطين وخارجها، بأقوى القذائف، كما حاول حصارها مراتٍ عديدةٍ، وتكبدت قواته العسكرية والأمنية خسائر فداحةٍ ومتكررةٍ، نتيجة محاولاته المتكررة اقتحام المخيّمات، كما في مخيّم جنين الشهر الفائت، وكما تشهد مخيّمات غزّة وبلاطة وسواها من المخيّمات.

لذا لا يبدو ما حدث؛ وربّما ما زال، في مخيّم عين الحلوة مجرد صراعٍ على النفوذ والسيطرة، بقدر ما يمثل جزءًا من مخطط استهداف المخيّمات، وتقويض طاقتها الثورية والتحررية، بوسائل وأدواتٍ مختلفةً، إذ لم يكتفِ أعداء الحرية بتدمير المخيمات وحصارها، ولا بتفقير ساكنيها، ودفعهم قسرًا نحو الهجرة إلى دولٍ بعيدةٍ، بغرض تأمين أبسط حقوقهم الإنسانية، بل يحاولون بكلّ جهودهم تصفير طاقات المخيّمات الثورية، عبر حرفها عن بوصلتها الثورية أولاً، وتفريغ المنظّمات الفلسطينية من أساسها الثوري والتحرري ثانيًا، ومن خلال زرع بذورٍ فاسدةٍ متطرّفةً ومتخلفةٍ ثالثًا، تعمل على حرف الوعي التحرري الوطني والاجتماعي نحو مفهومٍ مشوهٍ يدعوا إلى مجابهة التطوّر والعلم والعدالة والمساواة، بل والحرية الوطنية والاجتماعية.

الواضح هنا؛ أنّ دخول هذه المجموعات المتطرّفة والرجعية إلى حارات المخيّم عملٌ ممنهجٌ ومدرسٌ، وهو ما يدل عليه إمكانياتها العسكرية والمالية وقدراتها على كسر حصار المخيّم والولوج إليه، فضلاً عن تدريب عناصرها وسواها من الأمور اللوجستية. وهو ما يخدم مصالح الاحتلال الصهيوني، عبر إغراق المخيمات بمشاكل عويصةٍ، وإشغالٍ ساكنيها بأزماتٍ يوميةٍ، من تأمين لقمة العيش، والبحث عن فرصة عملٍ أو دراسةٍ، وسواها من الأزمات المفتعلة بفعل سياسات النظم العنصرية والفاسدة والنهبية.

لذا يعتبر كاتب المقالة أنّ أحداث مخيم عين الحلوة وسواه من مخيمات الشتات مرتبطةٌ باعتداءات الاحتلال الصهيوني على كلّ المخيّمات، وتحديدًا على المخيّمات داخل فلسطين في الآونة الأخيرة، لأنّها جزءٌ من تقويض ثورية المخيّمات وإبعادها عن مشروعها الرئيسي، المتمثّل في تحرير فلسطين والعودة إليها وإلى مدنهم وقراهم وأراضيهم التي هجروا منها قسريًا، على يد الاحتلال وعصاباته الإجرامية.

حيان جابر

المصدر: صحيفة العربي الجديد




بين فتح السلطة وفتح المقاومة

يمكن القول إنّ حركة فتح هي الأكثر تعقيدًا على الساحة الفلسطينية، فقد جعلت اتّفاقية أوسلو قيادة الحركة، التي أطلقت حركة التحرر الفلسطيني بعد النكبة، حزب سلطةٍ، في ما احتفظ قسمٌ مهمٌ من الحركة، وخاصةً من الأجيال الجديدة، بنفَسِ الحركة المقاوِمة، وما زال منخرطًا عمليًا بالنضال المسلّح وغير المسلّح.

تتقاطع مسيرة حركة فتح كثيرًا مع حركاتٍ تحرريةٍ عديدةٍ، في تحوّلها من منظّمةٍ تحرريةٍ إلى سلطةٍ سلطويةٍ يشوبها، أو ينخرها الفساد، وحزب اتحاد زيمبابوي الوطني الأفريقي، بقيادة الرئيس الراحل روبرت موغابي، أكبر مثالٍ على ذلك، كما لم ينجُ الحزب الوطني في جنوب أفريقيا، الذي ناضل ضدّ نظام التمييز العنصري، من مآلٍ مماثلٍ. الفرق أنّ حركة فتح التي ناضلت للتحرر من الاحتلال الإسرائيلي، قد تبوأت السلطة تحت مظلة الاحتلال، ووفق شروط إسرائيل في اتّفاقيات أوسلو، وما تبعها من تفاهماتٍ، خصوصًا أنّ الأجهزة الأمنية قد بنيت وفقًا لهذه الشروط، كما ركز التمويل الغربي على قوات الأمن المختلفة، بالنسبة لأميركا والغرب عمومًا فإن شرط تنفيذ اتّفاقيات أوسلو، وقيام “كينونةٍ”؛ ولا أتحدث عن دولةٍ فلسطينيةٍ، كان وما زال تأمين “أمن إسرائيل”، أي منع المقاومة، وضمان عدم دخول السلطة في تحالفاتٍ دفاعيةٍ مع أيّ قوةٍ إقليميةٍ، تعتبرها إسرائيل تهديدًا لها.

الظروف المشوهة التي أحاطت ببناء السلطة، وتحوّل الحركة إلى رأس حكمٍ بدون سيادةٍ، أثرت على كوادر الحركة ومعنوياتهم؛ وفق مشاهدات الكاتبة الشخصية، فقد فهموا أنّ أوسلو ليست انتصارًا، ورأت منهم من ذرف الدمع عشية عودته إلى فلسطين، وفي الوقت نفسه، ومع مرور الوقت بدأ بعضهم ينظر إلى الدفاع عن أخطاء وخطايا السلطة كأنّه دفاعٌ عن تاريخ فتح، نتيجةً لارتباط مصدر رزقه بالسلطة، أو بحكم الانخراط بالفساد.

لكن استمرار الاحتلال وقسوته وبطشه، وخفوت الأمل بقيام دولةٍ فلسطينيةٍ، وتصاعد التناقض مع حركة الاستيطان وتمددها، أبقت على جذوة المقاومة، بل كانت تزداد اشتعالًا وتأثيرًا على كوادر حركة فتح، فقد كانت قياداتٌ فتحاويةٌ من أبرز رموز المقاومة “اللاعنفية” في التصدّي لجرافات الاحتلال، تحاول منع إسرائيل من مصادرة أراضي جبل أبي غنيم، في بيت لحم، ومن بناء مستوطنة (هارحوما) الكبيرة، وذلك بين 1995-1997، وشاركت حركة فتح في “هبّة النفق”، في القدس عام 1996، تلك المشاركات، وهبّاتٌ صغيرةٌ أخرى، رغم التنسيق الأمني الذي أثّر على حركة المقاومة الفلسطينية وشوّه المفاهيم، أبقت الحركة منخرطةً في المواجهة الرئيسية مع الاحتلال، نتيجةً لاستمرار الاحتلال نفسه.

في تلك الفترة (1996 و2002)، قابلت الكاتبة وناقشت أفرادًا من الأمن الفلسطيني، كان بعضهم مستسلمًا لما أقنع نفسه بأنّه ضرورةٌ لتحقيق الحلم الفلسطيني، إذا تطلب الأمر القبول بشروطٍ أمنيةٍ إسرائيليةٍ، لكن أغلب من تحدثت إليهم احتدّوا من أسئلتها، وأجابوها بغضبٍ، مؤكّدين أنهم لن يترددوا في مواجهة الجيش الإسرائيلي، وهذا ما حدث في الانتفاضة الثانية.

لكن يجب الاعتراف بأنّ قيادة “فتح” قد رسخت نفسها حزبًا حاكمًا، فكرًا وممارسةً، ما أضر بالحركة نفسها، وسمح بممارساتٍ سلطويةٍ لقياداتٍ فتحاويةٍ في السلطة وأجهزتها، ولا شكّ أنّ الرئيس الراحل/ الشهيد يتحمّل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، ما أحدث تباعدًا بين قياديي فتح من شاغلي المواقع في السلطة من جهةٍ، وكوادر الحركة والشعب الفلسطيني من جهةٍ أخرى. لكن دعم عرفات لانخراط فتح في الهبات الشعبية، إضافةً إلى دور الهيئة العليا للحركة وقادتها، مثل الأسير مروان البرغوثي، والراحل عثمان أبو غربية، ساهما في إبقاء فكرة المقاومة حيةً، وتنشئة جيلٍ يسعى إلى استمرارية فتح كحركةٍ مقاومةٍ، على الرغم من كلّ خطايا السلطة والقيادة.

وإذا كانت هذه العوامل تشرح إلى حدٍ بعيدٍ انخراط فتح، وحتّى أجهزة الأمن الفلسطينية، في الانتفاضة الثانية عام 2002، وبتوجيهٍ رسميٍ من عرفات، فإنّ التناقضات التي أنتجتها أوسلو، وسياسات القيادة بين فتح المقاومة وفتح السلطة، قد برزت في تحدّي بعض قياديي فتح، وأهمّهم محمود عباس، لدعم وتمويل عرفات للانتفاضة، وبخاصةً العمليات المسلّحة. توجيه عرفات إلى كوادر فتح بالانخراط بالمقاومة، بجميع أشكالها حقيقةٌ مثبتةٌ؛ فالأسير مروان البرغوثي يقضي حكمًا مؤبدًا في المعتقلات الإسرائيلية، لدوره؛ بطلبٍ من عرفات، في ما سمي “الانتفاضة الثانية”، إضافةً إلى أَسر مئاتٍ من أعضاء الحركة والأجهزة الأمنية، خلال سنوات الانتفاضة الثانية، لاشتباكهم مع جيش الاحتلال.

هناك استمرارٌ للانخراط في المقاومة، على الرغم من استياء الرئيس عباس، فوفقًا لتقدير محامي الأسرى، فإنّ نحو 60 إلى 65 بالمئة من الأسرى، البالغ عددهم 5000 أسيرٍ، هم من أعضاء فتح، وحسب نادي الأسير الفلسطيني فإن 350 من أصل 550 أسيرٍا من المحكومين بالمؤبد من فتح، والأهمّ أن عدد الأسرى من فتح ليسوا جميعا من زمن الانتفاضة الثانية، بل إن العديد من كوادر فتح، ومنهم مَن تواصلت معهم الكاتبة، كانوا يجدون أنفسهم في المعتقلات الصهيونية لمددٍ قصيرةٍ، منها 4 أشهر فقط، ويعودون إلى عملهم دون عقابٍ من القيادة، ما يدل على أنّ القيادة تعي تداعيات أيّ قرارٍ يعاقب على مقاومة الاحتلال.

تبدو قوة التيّار المقاوم داخل حركة فتح صاعدةً، على الرغم من إبعاد الرئيس عباس لمعارضيه، وبالذات مؤيدي تيّار الأسير مروان البرغوثي، وإهماله لحملات إطلاق سراح البرغوثي، بل ومحاولته تقويض نفوذه. فبروز المجموعات المقاومة، مثل “كتيبة جنين” و”عرين الأسود”، أعطى نفَسًا جديدًا للتيّار المتعارض مع سياسات عباس، خصوصًا “عرين الأسود”، التي تشكلت؛ في جزءٍ منها، من أوساط حركة فتح، كما انضم أعضاء الحركة إلى كتيبة جنين، وهم من قادتها، بالإضافة إلى المكوّن الأساسي، وهو الجهاد الإسلامي.

أتاح صعود هذه المجموعات للتيّار الفتحاوي المناوئ لسياسات عباس قيادة التحرك الشعبي والوطني، للضغط على قيادات فتح والفصائل، بما في ذلك حماس، لتوحيد جهودهم لمواجهة إسرائيل، حتّى أنّ أفراد فتح وقيادتها في مخيم “جنين” قد تحدوا قيادة فتح والسلطة، بعد المداهمة الأمنية، بل وأبلغوهم أنهم سيقفون مع المخيم في مجابهة السلطة إذا حاولت القضاء على كتيبة جنين، فساهمت بذلك كوادر فتح المنضمة إلى المجموعات المقاومة في منع حمام دمٍ فلسطينيٍ، رغم أن قيادة فتح بثت خطابًا تحريضيًا، لتعبئة الأمن ضدّ كلّ من يعارض القيادة، باعتبار ذلك خطرًا على الحركة.

التناقض بين شقي فتح؛ في الفكر والممارسة، مرشحٌ للتوسع، لكن التيّار القويّ حتّى الآن وضع حدًا لمحاولة تغول السلطة على حالة النهوض الفلسطيني، إضافةً إلى أن الرئاسة؛ على ضعفها ومهادنتها لأميركا، رفضت الآن تجريم الأسرى والشهداء، على الرغم من كلّ الضغوط الأميركية الساعية إلى وقف رواتب عائلات الأسرى والشهداء، فذلك موضوعٌ تفجيريٌ، ويحتوي على تجريمٍ لكلّ التاريخ الفلسطيني.

يحتاج الشعب الفلسطيني إلى قيادةٍ قويّةٍ وثوريةٍ، كما أنّ إرهاصات النهوض المقاوم، ومشاركة تيّار فتح المقاوم فيها، قد يُنتِج قيادةً بديلةً، تفرض نفسها بفعل الفعل المقاوم، لا يهم إذا كانت تجديدًا لفتح، أو بناءً لائتلاف حركة تحررٍ جديدةٍ. المهم الآن استمرار الفعل المقاوم، الذي وضع خطوطًا حمراء للقيادة المتنفذة، فلا الاحتلال ولا واشنطن معنيان بإنقاذ حركة فتح، بل هما معنيان بتفكيكها، وتمسُّك قيادة فتح بامتيازات السلطة لن يقويّها، إنّما يسرع تدميرها، والمستقبل للتيّارات المقاومة، سواء أدت إلى انبعاثٍ جديدٍ لفتح أو لحركةٍ جديدةٍ.

لميس أندوني

المصدر: صحيفة العربي الجديد




مواجهات الإريتريين في تل أبيب: الصراع السياسي في أسمرا ينتقل إلى إسرائيل

كشفت فشل بن غفير وعجز الشرطة وربما مؤامرة تتعلق بالاحتجاجات ضد الحكومة

من الصعب أن يتصور المرء سلسلة إخفاقات بهذا الحجم في غضون بضع ساعات، تقع فيها الحكومة الإسرائيلية بمختلف مركباتها، من رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إلى وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، وحتى قادة الشرطة والمخابرات. ولعل أفضل تلخيص لما يجرى جاء في السؤال الذي طرحه رئيس البلدية، رون خلدائي، وهو يضع يده على خده قائلاً: «هل نحن دولة حقاً؟».

هذه الإخفاقات تبدو صعبة التصديق أنها تحصل في دولة بقوة إسرائيل في القرن الحادي والعشرين.

وما حصل هو أن سفارة إريتريا في تل أبيب قررت إقامة مهرجان فني، كما تفعل في كل سنة بقية السفارات الإريترية في أنحاء العالم، تقريباً. هذا الاحتفال تقيمه حكومة إريتريا منذ سنة 1991، عندما تولت «الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا» الحكم، بعد الانفصال عن إثيوبيا؛ لا بل كانت الجبهة تقيمه منذ أن تحررت إثيوبيا كلها، بما فيها إريتريا، من الاستعمار الإيطالي في سبعينات القرن الماضي، وتعرض فيه فلكلور إريتريا، وتجمع فيه التبرعات للجبهة في كفاحها لأجل التحرر الوطني من حكم إثيوبيا. وعندما تحررت واصلت تنظيم الاحتفال بوصفها دولة عبر السفارات.

هذه المرة، قرر أعداء نظام إريتريا في إسرائيل تنظيم مظاهرة أمام مقر الاحتفال، وتقدموا بطلب تصريح رسمي من الشرطة. ومع أن طالبي التصريح كتبوا فيه أن عدد المشاركين المتوقع سيكون في حدود 4 آلاف شخص، قدرت الشرطة عدد المشاركين الفعلي بأنه لن يتعدى 300 شخص. والسبب في ذلك أن اللاجئين الإريتريين في إسرائيل الذين يقدر عددهم بنحو 18 ألفاً باتوا منتشرين في شتى أنحاء البلاد (بالإضافة إليهم هناك 3269 سودانياً و2098 أفريقياً)، ولم يعتادوا على إقامة مظاهرات رغم مضي 15 سنة على وجودهم في إسرائيل.

عصي وأعلام خلال اشتباكات عنيفة في تل أبيب بين طالبي لجوء من إريتريا (رويترز)

هذه التقديرات لم تجد من ينقضها، لا في الشرطة ولا في المخابرات ولا في قسم الشؤون الاجتماعية في بلدية تل أبيب- يافا. لذلك، تقرر تخصيص فرقة من 30 شرطياً لحراسة المقر ومراقبة المتظاهرين، فشرطة تل أبيب تستعد عادة للمظاهرات الضخمة التي تقام كل سبت منذ 35 أسبوعاً، وتكون أكبرها في تل أبيب؛ حيث يصل عدد المتظاهرين إلى 150– 300 ألف. لكن في صبيحة السبت المنصرم، وصل بلاغ إلى الشرطة يقول إن أعداء النظام من بين اللاجئين، يخططون للتبكير في مظاهرتهم، وإحراق المقر حتى يمنعوا الاحتفال بالقوة، ولذلك، تقرر رفد قوة الشرطة المذكورة بقوة من حرس الحدود قوامها 50 شخصاً. إلا أن هذه القوة لم تتمكن من الوصول إلى المكان في الموعد.

في هذه الأثناء، كان مؤيدو النظام من بين اللاجئين قد علموا بتنظيم المظاهرة المعادية والنية لإحراق المقر، فجهزوا أنفسهم جيداً، وحضروا يحملون الهراوات والسكاكين وسيارتين محملتين بالحجارة. وحالما وصلوا راحوا يعتدون على المتظاهرين ويحاولون طردهم بالقوة. وخلال ذلك، كان الطرفان، مؤيدو النظام وأعداؤه، يحطمون كل ما يجدونه في طريقهم، السيارات والحوانيت والبيوت، وغيرها.

https://cdn.jwplayer.com/players/kMyVmA2c-4ol8ws16.html

في الأثناء، بدا أن قوات الشرطة تتصرف مثل مجموعة من المكفوفين الذين يلعبون كرة القدم، فيضرب واحدهم الآخر، ولم يستطيعوا التفرقة ما بين المؤيدين والمعارضين، ولم يظهر عليهم أنهم يفهمون ما الذي يجري على أرض الواقع. وعندما فشلوا في تفريق المتظاهرين، وجدوا أن عدد الجرحى من أفراد الشرطة زاد على عدد الجرحى من المتظاهرين، فتلقوا أوامر باستخدام الرصاص المطاطي ثم الرصاص الحي. ولذلك بلغت الإصابات 170 شخصاً، بينهم 40 شرطياً، وأعلنت حالة طوارئ في مستشفيات تل أبيب والمنطقة، وتم تفعيل الطائرات المُسيَّرة وطائرة مروحية. وتم تبكير موعد وصول قوات الشرطة إلى مظاهرات تل أبيب المسائية، وكان عليها أن تصل النهار بالليل.

إخفاق استخباري

في تحقيقات أولية، يتضح أن أول الإخفاقات مربوط بالحكومة والقيادات السياسية. فكما هو معروف، مفتش الشرطة يعقوب شبتاي، كان قد أقال قائد شرطة تل أبيب، عامي إيشد؛ لأن العلاقات بينهما كانت متوترة منذ قدوم شبتاي إلى الشرطة (جاء من حرس الحدود، أي من خارج الشرطة).

رجل أمن إسرائيلي بجوار نافذة محطمة خلال اشتباكات عنيفة في تل أبيب بين طالبي لجوء من إريتريا (إ.ب.أ)

الوزير بن غفير ومعه رئيس الحكومة نتنياهو وغيرهما من الوزراء، أيدوا إقالة إيشد؛ لأنهم كانوا غاضبين عليه، ويتهمونه بالتعامل الناعم مع المتظاهرين ضد الحكومة. وكانوا يهاجمونه علناً لأنه لم يمنع المتظاهرين من إغلاق شارع إيلون في مظاهرات السبت الأسبوعية. وقد رد عليهم بأنه لا يريد أن يغرق الشوارع بدماء المتظاهرين، ولا يريد أن يمس بحق التظاهر الديمقراطي، ولا أن يملأ غرفة الطوارئ في المشافي بالجرحى. وقد اعتبروا موقفه «تعاطفاً صريحاً مع حملة الاحتجاج، وعداء سافراً للحكومة».

لكن المشكلة أنهم اختاروا مكان إيشد، اللواء بيرتس عمار، الذي جلبوه من حرس الحدود، وليست لديه معرفة مسبقة بجنوب تل أبيب ويافا؛ حيث يقيم عدد كبير من اللاجئين الأفريقيين. ونقلوا نائبه إلى لواء آخر، ولم يعينوا نائباً محله حتى الآن، رغم مضي شهر ونصف شهر على تسلمه المنصب. وهذا إخفاق يدل على أن عملية تغيير قيادة الشرطة في تل أبيب تتم بشكل متسرع ودون دراسة، وتترك عدة ثغرات.

وعندما وقعت الواقعة، وبدأت الاشتباكات في تل أبيب، واتضح كم هي الشرطة عاجزة ومرتبكة وضائعة، حضر المفتش العام للشرطة، وأزاح قائد لواء شرطة تل أبيب جانباً، وراح يقود العمليات بنفسه. وعملياً، بات يتحمل أيضاً المسؤولية عن الإخفاقات التالية التي تمثلت في إطلاق الرصاص على المتظاهرين والاشتباك غير المهني معهم، والذي تسبب في إصابة عدد كبير من رجال الشرطة، وعدم السيطرة على الموقف طيلة 5 ساعات، قاموا خلالها بنشر الرعب بين سكان تل أبيب وضيوفها، ودمروا كثيراً من الممتلكات (سيارات وحوانيت ومطاعم وبيوت).

وبالإضافة إلى ذلك، كان هناك الإخفاق الاستخباري؛ حيث لم يتوقع أحد قدوم هذا العدد من المتظاهرين، وتبين أن المخابرات الإسرائيلية لم تكن تعرف بوجود هذا العدد الكبير من مؤيدي النظام الإريتري في إسرائيل، ولا تعرف أنهم منظمون بهذه القوة، وقادرون على تنظيم اعتداء كهذا في قلب تل أبيب.

نظرية المؤامرة

اللافت، أن نظرية المؤامرة دخلت على الخط من الطرفين، الحكومة والمعارضة. ففي محيط نتنياهو وبن غفير سُمعت ادعاءات بأن هناك من تعمد في الشرطة والمخابرات، إخفاء المعلومات عن قدوم مؤيدي النظام لتنفيذ هذا الاعتداء، لكي تحدث فوضى تخرّب على الحكومة وتظهرها عاجزة.

وليثبتوا صحة شكوكهم، يشيرون إلى أن مظاهرات كهذه وقعت في الأيام الأخيرة في كل من السويد وألمانيا والولايات المتحدة وكندا، وخلالها تم الاعتداء على المهرجانات، وتدخلت الشرطة واعتقلت متظاهرين من الجانبين. ويفترض بالمخابرات الإسرائيلية والشرطة، أن تعرفا أن هذه المظاهرات يمكن أن تنتقل إلى تل أبيب.

صدامات في تل أبيب بين طالبي لجوء من إريتريا السبت (رويترز)

تتسق هذه الشكوك مع فكرة اتهام الحكومة الإسرائيلية لكل أجهزة الأمن الإسرائيلية، بأنها مؤيدة لمظاهرات الاحتجاج ضد خطة إصلاح القضاء، وأنها تستخدم قضية الإريتريين للمساس بالحكومة. كما يتهمون المحكمة العليا الإسرائيلية بالوقوف سداً أمام طرد الأفريقيين.

وأما في المعارضة، فيتهمون الحكومة باستغلال الإريتريين لأغراضها السياسية، فهي أولاً تريد أن تبعد أنظار الجمهور عن مظاهرات الاحتجاج الأسبوعية. وهي تريد ثانياً أن تتخلص من الإريتريين، فتركت لهم حرية الاشتباك والاقتتال حتى تطرد المشاغبين. فالحكومة بقيادة نتنياهو ترفض أي حلول تبقي لاجئين إريتريين في إسرائيل. وتوصلت الأمم المتحدة إلى عدة صياغات تضمن خروج نصف الإريتريين وكذلك اللاجئين من السودان إلى بلدان أخرى. لكن حكومة نتنياهو التي أيدت الاقتراح في البداية عادت وتراجعت، وتصر على طردهم إلى الخارج.

ومنذ بداية السنة الجارية، غادر إسرائيل 1910 لاجئين إريتريين، و116 لاجئاً سودانياً، و50 لاجئاً أفريقياً آخر، مقابل منح 3500 دولار لكل واحد منهم. وبعد هذه الأحداث تم الكشف عن مؤيدي النظام في إريتريا، وهؤلاء يمكن طردهم بسهولة حسب منظومة حقوق الإنسان.

نظير مجلي

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




مؤتمر “فلسطينيو الداخل” يرسم ملامح استراتيجية نضال ضد التمييز العنصري الإسرائيلي

نظَّمَ مركز الجزيرة للدراسات، بالتعاون مع قناة الجزيرة مباشر، مؤتمرًا بحثيًّا، عبر تقنية التواصل المرئي، بعنوان “فلسطينيو الداخل ومؤسسة الحكم الإسرائيلية”، خلال الفترة من 26-28 أغسطس/آب 2023، شارك فيه نخبة من الباحثين والسياسيين والأكاديميين، وأداره المذيعان، سالم المحروقي وروعة أوجيه.

سلَّط المؤتمر الضوء على أوضاع الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي، وبالأخص التحديات التي تواجههم والفرص المتاحة أمامهم، وفي هذا السياق استعرض المتحدثون العديد من التحديات والتي من أبرزها التمييز والعنصرية، وتصاعد قوة اليمين المتطرف وتمكنهم من مكامن الدولة الإسرائيلية، وافتقاد فلسطينيي الداخل الآليات التي تعزز عملهم الجماعي للحصول على كامل حقوقهم السياسية والمدنية، فضلًا عن المخاوف التي تنتابهم من الذوبان وتآكل الهوية.

كما ناقش المؤتمر الفرص المهيأة أمام فلسطينيي الداخل وكيفية تعظيم الاستفادة منها، والتي من أبرزها قوتهم الديمغرافية، وتكوينهم العلمي والمهني المميز، وزيادة الوعي الدولي بقضيتهم.

وخلص المتحدثون في المؤتمر إلى جملة من النقاط، أبرزها:

التمييز العنصري (الأبارتهايد)

يعاني فلسطينيو الداخل من العنصرية على مستوى الدولة والمجتمع رغم أنهم مواطنون إسرائيليون يحملون بطاقات الهوية الإسرائيلية، وتتجلى هذه العنصرية في تقليل الميزانيات المخصصة للمدن والبلدان ذات الأغلبية العربية، فلا توجد مستشفى ولا جامعة ولا محطة قطار في مدينة عربية، كما أن قرابة 150 ألف فلسطيني (إسرائيلي) يعيشون في قرى بصحراء النقب لا تتوافر فيها الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصرف صحي، فضلًا عن حرمان فلسطينيي الداخل من الترقي في الوظائف الحكومية العليا ذات الـتأثير في رسم السياسات واتخاذ القرارات، بالإضافة إلى العنف اللفظي والجسدي ضد الشخصيات البارزة، والمحاولات المستمرة، أمنيًّا وقانونيًّا، للتضييق على العمل السياسي للأحزاب العربية.

واقترح المتحدثون في المؤتمر عدة اقتراحات للتعامل مع هذا التمييز، من أهم هذه المقترحات الاتفاق على توصيف الحالة سابقة الذكر على أنها صادرة من “نظام فصل عنصري” يشبه نظام “الأبارتهايد” في جنوب إفريقيا إبان حكم البيض لهذا البلد، ومن ثمَّ فالصورة التي سوف يحصل عليها فلسطينيو الداخل أمام المجتمع الدولي هي صورة أقلية عرقية تحمل “اسميًّا” لقب “مواطنين” لكنها لا تتمتع بحقوق المواطنة وتطالب بالعدالة والمساواة.

وشدَّد المتحدثون في المؤتمر على ضرورة بلورة الخطاب السياسي والإعلامي والحقوقي لفلسطينيي الداخل على هذا الأساس، وتوحيد جهودهم لتفكيك منظومة الفصل العنصري الإسرائيلي (الأبارتهايد) كاملة وعدم اقتصار الدعوات على إنهاء الاحتلال فقط.

ملامح إستراتيجية تحرر وطني جديدة

قدَّم المتحدثون في المؤتمر رؤيتهم لكيفية التعامل مع التحديات التي تواجه فلسطينيي الداخل مما سبقت الإشارة إلى بعضها، وأكدوا على حاجة القضية الفلسطينية عمومًا لبناء إستراتيجية تحرر وطني، تقوم دعائمها الأساسية على فكرة “حل الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية” التي يتمتع فيها الفلسطينيون داخل الخط الأخضر والضفة الغربية وقطاع غزة، جنبًا إلى جنب مع اليهود، بحقوق المواطنة الكاملة دون تمييز أو إقصاء. وبرَّر أغلبية المشاركين في المؤتمر التوجه نحو فكرة حل الدولة الواحدة بـ”الاستحالة العملية لفكرة حل الدولتين” بعد أن قضى الاستيطان على الأراضي الفلسطينية فلم يتبق منها سوى 3.5% فقط من مساحة فلسطين التاريخية.

وأشار المتحدثون إلى صعوبة تحقيق فكرة حل الدولة الواحدة، خاصة في ظل تصاعد التوجه داخل إسرائيل نحو التطرف، لكنهم في المقابل أوضحوا أن كل حلم يبدو صعب المنال لكن بالعمل والمثابرة يمكن تغيير موازين القوى وإجبار إسرائيل على القبول بهذا الحل.

وفي سياق المساعي الرامية لبناء إستراتيجية تحرر وطني، ذكر المتحدثون أن المقاومة بكافة صورها وأشكالها، سواء السلمية منها أو المسلحة، والتي تتناسب وظروف كل تجمع فلسطيني سواء داخل الخط الأخضر أو الضفة وغزة أو في الشتات، ستبقى خيارًا للشعب الفلسطيني لتحقيق أهداف تلك الإستراتيجية.

كما أوصوا في هذا الصدد بتكثيف التواصل بين كل مكونات الشعب الفلسطيني سابقة الذكر، وضرورة الإسراع في إنشاء المؤسسات الفلسطينية المنتخبة للتحدث باسم الشعب الفلسطيني وللتعبير عن مطالبه كما يراها هو لا كما تمليها مصالح بعض القيادات والنخب.

وأوصى المتحدثون كذلك بأهمية العمل على تعزيز الهوية الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني داخل الخط الأخضر، رغم التحديات التي تواجههم في هذا الصدد، وبالأخص المتعلق منها بالمناهج التعليمية التي تُدَرَّسُ للطلاب العرب، والتي تقدم فقط السردية الإسرائيلية وتستعمل في هذا السياق المفردات والمصطلحات الإسرائيلية-الصهيونية، ولا تتم الإشارة إلى الرواية الفلسطينية وما حلَّ بهم وبأرضهم.

وأوصى المتحدثون أيضًا بتعزيز الحضور العربي في المجتمع الإسرائيلي عبر الانخراط في مؤسسات الدولة الإسرائيلية للاستفادة من هذا الحضور اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، ولاستقطاب الشرائح الإسرائيلية غير المتطرفة التي تؤمن بفكرة حل الدولة الواحدة القائمة على العدل والمساواة، وأكدوا أن ذلك سيكون في مصلحة الجميع؛ اليهود والعرب على السواء.

تعزيز آليات العمل الجماعي

نظر المتحدثون في المؤتمر إلى تعدد الأحزاب السياسية العربية التي تعمل وسط فلسطينيي الداخل على أنه عامل إيجابي يعكس التنوع والثراء، لكنهم شددوا على أهمية تعزيز آليات العمل الجماعي بين هذه المكونات وذلك بالاتفاق على قواسم مشتركة، وأدوات عمل موحدة يستطيعون من خلالها زيادة تأثيرهم في منظومة الحكم الإسرائيلية والحصول على مكاسب سياسية ومدنية أكبر. وفي هذا الصدد أعرب المتحدثون عن تفاؤلهم بمستقبلهم ومستقبل قضيتهم، وعزوا هذا التفاؤل إلى ما وصفوه ببداية تفكك المشروع الصهيوني على إثر تصاعد موجات التطرف الديني، وإلى عدم قدرة إسرائيل حاليًّا ومستقبلًا على التعامل مع المعادلة الديمغرافية التي تميل لصالح الفلسطينيين، وكذلك إلى عدم قدرة دولة الاحتلال الإسرائيلي على نزع صفة “الأبارتهيد” عن نفسها، ولا قدرتها على إمكانية إيقاف المقاومة والنضال الوطني الفلسطيني، وخلصوا إلى أن هذه العوامل إنما هي عناصر قوة وأمل وثقة في المستقبل.

يمكن مشاهدة جلسات المؤتمر الثلاث من خلال الروابط التالية:

الجلسة الأولى

الجلسة الثانية

الجلسة الثالثة

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




وسطية المجتمع الغزي واعتداله

لطالما انعكست الحالة والمزاج الإسلامي العامّ في المنطقة العربية؛ بتلويناتها وتوجهاتها، على قطاع غزّة، الذي احتضن منذ خضوعه للاحتلال الصهيوني؛ بعد عام 1967، حالاتٍ إسلاميةً متباينةً، فرديةً وجماعيةً، حركيةً كانت أو دعويةً، حيث توافرت البيئة الخصبة، والظروف المواتية، لبروز حركات التحرر الوطني، بكافّة انتماءاتها وسردياتها الفكرية، في ما كان صوت الحالة الإسلامية خافتًا، وحضورها المجتمعي والسياسي غائبًا، حتّى تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، وسيطرت حركة حماس على غزّة عام 2007، إذ تنتمي حماس فكريًا إلى التيّار الإسلامي الوسطي الإخواني، فلم يكن لجماعة التكفير والهجرة؛ بنسختها المصرية، أيّ تواجدٍ تنظيميٍ باستثناء أفراد منعزلين اجتماعيًا، سبق ذلك ظهور مجموعاتٍ عسكريةٍ عديدةٍ، نشطت ضدّ الاحتلال الصهيوني، في ثمانينيات القرن الماضي، تحت مسمياتٍ إسلاميةٍ جهاديةٍ.

لكن الحضور الفعلي للحركات الإسلامية المتطرّفة بصيغتها الجهادية السلفية، كان امتدادًا لصعود السلفية الجهادية بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتّحدة، وبروز النسخة الأكثر تطرفًا لتنظيم القاعدة في العراق، في سياق صعود الحالة الجهادية ضدّ الاحتلال الأميركي في أفغانستان والعراق، واندلاع صراعٍ طائفيٍ داخليٍ ببعده الاقليمي الإيراني، إذ وصل الحضور السلفي الجهادي في غزّة ذروته بين الأعوام 2008-2012، ثم تراجع تدريجيًا بعد عام 2014، لينحسر بعد ذلك، ويتحوّل إلى أفرادٍ متناثرين، لا يزالون على ولائهم للفكرة والتوجه، والقناعة بنهج السلفية الجهادية.

وبتعبيرٍ أكثر دقةً وموضوعيةً؛ لا يمكن الحديث عن تيّاراتٍ أو جماعاتٍ أو حركاتٍ أو منظّماتٍ سلفيةٍ جهاديةٍ في غزّة، فهي أقرب إلى مجموعاتٍ متناثرةٍ، تعاني سيولةً مزمنةً في أعداد المنتمين لها، وهي متعددة الولاءات، وأكثر ارتباطًا بقياداتٍ وأشخاصٍ محددين، انفرط عقد معظمها بعد غيابهم لسببٍ أو لآخر، كما افتقدت قياداتٍ كاريزميةً وازنةً شرعيةً وعلميةً ملهمةً، والمَعلم الأبرز هو أنّ ما يجمعهم أقلّ بكثيرٍ من ما يفرقهم. مثلت كلٌّ من جمعية دار الكتاب والسنة؛ السلفية الدعوية، ومجموعات لجان المقاومة الشعبية المسلّحة، التي لا تنتمي فكريًا لأيّ جماعةٍ إسلاميةٍ، وعددٌ من الشباب المنتمين لحركة حماس، من المعترضين على مشاركة الحركة في انتخابات عام 2006، الروافد الأساسية لهذه الجماعات، ومن أشهر المجموعات في تلك المرحلة، جيش الإسلام، وجماعة أنصار الله في محافظة رفح، بقيادة الراحل عبداللطيف موسى، وأنصار السنة، وجيش الأمة؛ أهل السنة والجماعة، ولواء التوحيد، ومجلس شورى المجاهدين في أكناف بيت المقدس، التي أعلنت عن نفسها عام 2012، تولى مسؤوليتها هشام السعيدني (أبو الوليد المقدسي)، لأشهرٍ عديدةٍ، حتّى قتل باستهدافه من قبل جيش الاحتلال، بالإضافة إلى مجموعاتٍ صغيرةٍ بمسمياتٍ مختلفةٍ، مثل مجموعات “جلجلت”، الاسم الأكثر شهرة، لدى المواطنين في غزّة لظاهرة السلفية الجهادية، في سنواتها المبكرة قبل عام 2006.

قطاع غزّة لم يكن بيئةً مواتيةً ومشجعةً لتطوّر الحالة السلفية الجهادية، فالمجتمع الغزّي بطبيعته مجتمعٌ محافظٌ نسبيًا، يميل إلى الوسطية والاعتدال

إجمالًا؛ لم يكن أداء هذه المجموعات والتشكيلات السلفية بحجم الضخ الإعلامي، والهالة الكبيرة داخليًا، وتعاطي العالم الخارجي معها؛ على الأقلّ من الناحية الإعلامية والبحثية المُبالغ فيها، أغلبها لم يكن الاحتلال الصهيوني هدفًا لها، بل كانت بوصلتها داخليةً لمحاربة “الاعداء القريبين وطواغيت العصر، الذين لا يحكمون بما أنزل الله”؛ وفقًا لها؛ كما أساءت في كثيرٍ من أعماله إلى القضية الفلسطينية، وشوهت الحالة الوطنية والنضالية للمقاومة في قطاع غزّة، ومن أبرز هذه العمليات اختطاف جيش الإسلام للصحفي في هيئة الإذاعة البريطانية (بي.بي.سي) آلان جونسون؛ في مارس/آذار 2007، واحتجازه لحوالي أربعة أشهر، قبل إطلاق صراحه بعد مفاوضاتٍ مضنيةٍ بوساطة حركة حماس، وكذلك خطف وقتل الناشط الايطالي فيكتور أريغوني، في إبريل/نيسان 2011، على يد مجموعةٍ سلفيةٍ، أطلقت على نفسها اسم “جماعة الصحابي محمد بن مسلمة”، وكذلك تفجّيرٌ انتحاريٌ على الحدود المصرية، في أغسطس/آب 2017، أسفر عن مقتل شرطيٍ، وتفجيران انتحاريان في أحياء مدينة غزّة الغربية، في أغسطس/آب 2019، أسفرا عن مقتل ثلاثةٍ من الشرطة الفلسطينية، بالإضافة إلى إطلاق صواريخ محلية الصنع باتجاه المستوطنات المحيطة بقطاع غزّة، وعملياتٍ أخرى على الحدود الشرقية للقطاع.

بخلاف مناطق أخرى في المنطقة العربية والإسلامية، التي وجد فيها التيّار السلفي الجهادي تربةً خصبةً لنشر أفكاره، وتطوير أداءه، والعمل لسنواتٍ طويلةٍ، فإن قطاع غزّة لم يكن بيئةً مواتيةً ومشجعةً لتطوّر الحالة السلفية الجهادية، فالمجتمع الغزّي بطبيعته مجتمعٌ محافظٌ نسبيًا، يميل إلى الوسطية والاعتدال، كما أنّ حركات المقاومة الفلسطينية ذات التوجهات الإسلامية، مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، مثلتا الإطار الذي ضم أغلبية الشباب من ذوي التوجهات الإسلامية، ومنهم الذين تأثروا بالأفكار المتطرّفة، في سياق مقاومة الاحتلال، وتوجيه طاقاتهم نحو الاستعداد الدائم للالتحام مع الجيش الصهيوني، والأهمّ من ذلك؛ المقاربات التي تبنتها السلطة الحاكمة في غزّة، والتي تراوحت بين الشدة القصوى والعصا الغليظة، وبين الحوار والاقناع والمحاججة الشرعية والاحتواء التنظيمي، ولعل المثال الأبرز للشدة القصوى؛ التصدّي المسلّح لإعلان زعيم جماعة أنصار الله عبد اللطيف موسى، في خطبة يوم الجمعة الموافق في 14 أغسطس/آب 2009، في مسجد ابن تيمية في مدينة رفح، الذي ينص على “قيام الإمارة الإسلامية في أكناف بيت المقدس”، وسط العشرات من أنصاره الذين كان بعضهم مسلّحًا، وطالب بقيام إمارةٍ إسلاميةٍ، وطالب الحكومة في غزّة “حكومة حركة حماس” بالخضوع لأحكام الشريعة الإسلامية، حينها اعتبرته السلطة الحاكمة في غزّة تمردًا مسلّحًا، وبادرت بعمليةٍ عسكريةٍ، أدت إلى مقتل زعيم الجماعة ونائبه، وحوالي 18 آخرين، أما المقاربة الأخرى فكانت ساحتها السجون، حيث تم احتواء أو تحييد العشرات فكريًا، من خلال النقاشات والحوارات الشرعية الهادئة.

حاليًا، لا يمكن نفي وجود حالاتٍ فرديةٍ متطرفةٍ، لا تزال على الفكر السلفي الجهادي، وربّما هناك خلايا نائمةٍ عدّةٍ، مبعثرةٍ من بقايا الجماعات السلفية، التي تفتت وغابت عن الساحة منذ سنواتٍ، إلّا أنها لا تمثل ظاهرةً بعينها، ولا يمكن اعتباراها حالات مقاومةٍ للاحتلال، وتبقى الحركات الإسلامية المسلّحة المقاومة للاحتلال متمثلةً بحركتي حماس والجهاد الإسلامي، ذات التوجه الإسلامي الوسطي، والجماعات الإسلامية ذات الصبغة الدعوية، والصوفية، والسلفية الدعوية هي الجدار الذي يحول دون تغلغل الفكر السلفي الجهادي، أو التكفيري، للفئة الشابة والفتية في المجتمع الغزّي.

حاتم يوسف

المصدر: صحيفة العربي الجديد