1

تقرير فلسطيني: 40% من الضفة الغربية يخضع لسيطرة المستوطنات المباشرة 

قالت منظمة التحرير الفلسطينية اليوم السبت، إن نحو 40% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية تقع حاليا تحت السيطرة المباشرة للمستوطنات الإسرائيلية.

جاء ذلك في تقرير أصدره “المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان” التابع للمنظمة بمناسبة ذكرى مرور 30 عاما على توقيع اتفاق أوسلو للسلام المرحلي بين الفلسطينيين وإسرائيل.

وقدر التقرير بأن عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية وشرق القدس تجاوز 750000 ألف مستوطن، ما يشكل سبعة أضعاف العدد الذي كان عليه الحال في العام 1993 عند توقيع اتفاق أوسلو.

وبحسب التقرير فإن إسرائيل صعدت منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو من النشاطات الاستيطانية بما في ذلك فتح الشوارع الالتفافية وإصدار الأوامر العسكرية القاضية بوضع اليد على الأراضي الفلسطينية.

وقال التقرير إن نشاطات إسرائيل الاستيطانية تتم “خلافا لما تضمنته اتفاقية أوسلو التي نصت على أنه لا يجوز لأي من الطرفين البدء أو اتخاذ أي خطوة من شأنها تغيير الوضع في الضفة وقطاع غزة لحين انتظار نتائج مفاوضات الوضع النهائي”.

وأضاف أن إسرائيل “بدت في سباق مع الزمن لفرض المزيد من الحقائق الجديدة على الأرض واستخدمت حكوماتها المتعاقبة اتفاقية أوسلو غطاء سياسيا لنشاطاتها الاستيطانية”.

وبحسب التقرير بلغ عدد المستوطنات في الأراضي الفلسطينية مع نهاية العام الجاري 158 مستوطنة يسكنها نحو 700 إلى 750 ألف مستوطن، إلى جانب 15 إلى 20 ألف مستوطن يسكنون في أكثر من 200 بؤرة استيطانية.

وأشار التقرير إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تستهدف رفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية إلى نحو مليون مستوطن خلال العامين المقبلين.

ونبه إلى تجهيز إسرائيل “خطة استيطانية تنطوي على عشرات المشاريع الاستيطانية بين بناء جديد، بما في ذلك مدن استيطانية جديدة وإضفاء الشرعية على نحو 155 بؤرة استيطانية ومزرعة رعوية”.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




في ذكرى الاتفاقية: جنود أوسلو أصبحوا وكلاء التطبيع العربي

في عام 1979، طلب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات من النرويج أن تتوسط لتوفير قناة اتصال سرية مع الإسرائيليين، إلا أن “إسرائيل” لم تبدِ في ذلك الوقت اهتمامًا للتواصل المباشر مع عرفات أو مع المنظمة، حيث كان الاهتمام منصبًّا على جبهات أخرى.

بعد ذلك بعدة سنوات، استضافت العاصمة الإسبانية مدريد مؤتمرًا للسلام عُقد في الفترة من 30 أكتوبر/ تشرين الأول حتى 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1991 في مدريد، شاركت في رعايته الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وكان محاولة من جانب المجتمع الدولي لإحياء عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية من خلال المفاوضات، التي تشمل “إسرائيل” والفلسطينيين وكذلك البلدان العربية، بما فيها الأردن و‌لبنان و‌سوريا.

وفي 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، أعقب المؤتمر مفاوضات ثنائية بين “إسرائيل” والوفد الأردني الفلسطيني المشترك ولبنان وسوريا على التوالي، وعُقدت اجتماعات ثنائية لاحقة في واشنطن في 9 ديسمبر/ كانون الأول 1991، وفي 28 يناير/ كانون الثاني 1992، لينتهي كل ذلك في النهاية باتفاقية أوسلو التي وُقّعت بواشنطن في 13 سبتمبر/ أيلول 1993.

كل ذلك حوّل حملة السلاح في بيروت والأردن وفلسطين وتونس إلى جنود لاتفاقية سلام واهية، جعلتهم وكلاء أمنيين لحماية الاحتلال الإسرائيلي عبر بوابة التنسيق الأمني في الضفة الغربية المحتلة فقط، بل أصبحوا وكيلًا للاحتلال في المنطقة العربية للترويج للتطبيع.

وبعد هذه الاتفاقية، مرّت السلطة الفلسطينية بمراحل مواجهة شعبية وفصائلية، كان عنوانها الأبرز رفض التنسيق الأمني الذي التزمت به السلطة بموجب الاتفاقيات التي أُبرمت، سواء في أوسلو أو طابا أو غيرها من المعاهدات الأمنية التي التزمت بها المنظمة.

وجرّدت هذه المعاهدات السلطة من تاريخها الكفاحي والنضالي الذي شهدت عليه عواصم بيروت وتونس ومعركة الكرامة وغيرها من المناطق، لا سيما بعد تكرار حوادث القتل والاعتقال السياسي التي تتابعت منذ عام 1993 وحتى الآن، دون أن تتمكن من الخروج من هذا المأزق.

كانوا وكلاء أمنيين.. وما زالوا

نصت اتفاقية أوسلو على إقامة سلطة حكم ذاتي فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة لفترة انتقالية لا تتعدى الـ 5 سنوات، تنتهي بتسوية دائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين على مبدأ حل الدولتَين: دولة فلسطين على حدود عام 1967، أي الضفة الغربية وقطاع غزة.

غير أن ذلك لم يتحقق، إذ تنصّل الاحتلال من هذا الأمر، فأُلزمت السلطة باتفاق أوسلو واتفاق طابا عام 1995، اللذين نصّا بشكل واضح على محاربة ما يعرَف بالإرهاب، في إشارة إلى المقاومة الفلسطينية، وجعلها في مواجهة شعبية ورسمية مع الفصائل حينما يتطلب الأمر ذلك.

وبموجب اتفاقية أوسلو وما أعقبها من تغيير بند الكفاح المسلح ضد الاحتلال في رؤية منظمة التحرير، بدأت السلطة الفلسطينية بتنسيق عسكري مع الاحتلال، أعلنت عنه قيادات السلطة صراحة أكثر من مرة بأنها لن تسمح بقيام العمليات الفدائية في الضفة الغربية.

في عام 1979، طلب رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات من النرويج أن تتوسط لتوفير قناة اتصال سرية مع الإسرائيليين، إلا أن “إسرائيل” لم تبدِ في ذلك الوقت اهتمامًا للتواصل المباشر مع عرفات أو مع المنظمة، حيث كان الاهتمام منصبًّا على جبهات أخرى.

بعد ذلك بعدة سنوات، استضافت العاصمة الإسبانية مدريد مؤتمرًا للسلام عُقد في الفترة من 30 أكتوبر/ تشرين الأول حتى 1 نوفمبر/ تشرين الثاني 1991 في مدريد، شاركت في رعايته الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، وكان محاولة من جانب المجتمع الدولي لإحياء عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية من خلال المفاوضات، التي تشمل “إسرائيل” والفلسطينيين وكذلك البلدان العربية، بما فيها الأردن و‌لبنان و‌سوريا.

وفي 3 نوفمبر/ تشرين الثاني، أعقب المؤتمر مفاوضات ثنائية بين “إسرائيل” والوفد الأردني الفلسطيني المشترك ولبنان وسوريا على التوالي، وعُقدت اجتماعات ثنائية لاحقة في واشنطن في 9 ديسمبر/ كانون الأول 1991، وفي 28 يناير/ كانون الثاني 1992، لينتهي كل ذلك في النهاية باتفاقية أوسلو التي وُقّعت بواشنطن في 13 سبتمبر/ أيلول 1993.

كل ذلك حوّل حملة السلاح في بيروت والأردن وفلسطين وتونس إلى جنود لاتفاقية سلام واهية، جعلتهم وكلاء أمنيين لحماية الاحتلال الإسرائيلي عبر بوابة التنسيق الأمني في الضفة الغربية المحتلة فقط، بل أصبحوا وكيلًا للاحتلال في المنطقة العربية للترويج للتطبيع.

وبعد هذه الاتفاقية، مرّت السلطة الفلسطينية بمراحل مواجهة شعبية وفصائلية، كان عنوانها الأبرز رفض التنسيق الأمني الذي التزمت به السلطة بموجب الاتفاقيات التي أُبرمت، سواء في أوسلو أو طابا أو غيرها من المعاهدات الأمنية التي التزمت بها المنظمة.

وجرّدت هذه المعاهدات السلطة من تاريخها الكفاحي والنضالي الذي شهدت عليه عواصم بيروت وتونس ومعركة الكرامة وغيرها من المناطق، لا سيما بعد تكرار حوادث القتل والاعتقال السياسي التي تتابعت منذ عام 1993 وحتى الآن، دون أن تتمكن من الخروج من هذا المأزق.

كانوا وكلاء أمنيين.. وما زالوا

نصت اتفاقية أوسلو على إقامة سلطة حكم ذاتي فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة لفترة انتقالية لا تتعدى الـ 5 سنوات، تنتهي بتسوية دائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين على مبدأ حل الدولتَين: دولة فلسطين على حدود عام 1967، أي الضفة الغربية وقطاع غزة.

غير أن ذلك لم يتحقق، إذ تنصّل الاحتلال من هذا الأمر، فأُلزمت السلطة باتفاق أوسلو واتفاق طابا عام 1995، اللذين نصّا بشكل واضح على محاربة ما يعرَف بالإرهاب، في إشارة إلى المقاومة الفلسطينية، وجعلها في مواجهة شعبية ورسمية مع الفصائل حينما يتطلب الأمر ذلك.

وبموجب اتفاقية أوسلو وما أعقبها من تغيير بند الكفاح المسلح ضد الاحتلال في رؤية منظمة التحرير، بدأت السلطة الفلسطينية بتنسيق عسكري مع الاحتلال، أعلنت عنه قيادات السلطة صراحة أكثر من مرة بأنها لن تسمح بقيام العمليات الفدائية في الضفة الغربية.

وفي ظل تصاعد العمليات الفدائية ضد الاحتلال الإسرائيلي، بدأت منظمة التحرير الفلسطينية، وتعبيرًا عن حسن نيتها بالالتزام بنصوص اتفاق أوسلو، بتوظيف كامل مخابراتها وعملائها الميدانيين للإيقاع بالمقاومين الفلسطينيين، ورصد تحرُّكاتهم، وجمع المعلومات، وتقديمها على طبق من ذهب للمخابرات الإسرائيلية، حتى تحيك الأخيرة كمائنها لاعتقال أو اغتيال الفدائي الفلسطيني.

بعد وفاة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 2004، وتولي محمود عباس رئاسة السلطة الفلسطينية وقيادة حركة فتح، عاد استئناف الاتصالات بين السلطة والاحتلال، وأبرمت السلطة اتفاقًا عام 2005 بينها وبين إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش، وحكومة رئيس وزراء الاحتلال حينها أرئيل شارون، لتشكيل فريق التنسيق الأمني الأمريكي بقيادة الجنرال كيث دايتون، للعمل على تجهيز القوات الأمنية الفلسطينية والإشراف على التنسيق الأمني بين الطرفَين.

ولم يقتصر التنسيق الأمني على ما بعد وقوع العمليات الفدائية فحسب وملاحقة المقاومين، بل عملت السلطة منذ قدومها على إحباط أي عمل مقاوِم، وتتبُّع الشباب الفلسطيني ومراقبته، واعتقال كل من تستلهبه الروح الثورية لتلبية النضال ضد الاحتلال.

في الوقت ذاته، ورغم كل الجرائم الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، تشبّث الرئيس الحالي للسلطة، محمود عباس، بالاتفاقيات والمعاهدات، بل ذهب إلى أبعد من ذلك، حين وُصف التنسيق الأمني بـ”المقدس”، وأنه سيبقى كذلك رافضًا كل الاتهامات التي توجَّه إليه من الفصائل.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتدَّ لتشهد الفترة الحالية من عام 2021 حتى عام 2023 ارتفاعًا غير مسبوق في أعداد المعتقلين السياسيين، على خلفية المقاومة أو المعارضة السياسية للسلطة، حيث وُثقت مئات حالات الاعتقال السياسي، لعلّ من أبرزهم مصعب اشتية وجهاد ملايشة وغيرهما من المطاردين من قبل الاحتلال.

لكن المثير ما كشفته وسائل إعلام إسرائيلية مؤخرًا عن موافقة إسرائيلية وأمريكية وأردنية على نقل شحنة أسلحة إلى الأجهزة الأمنية الفلسطينية، شريطة أن يتم استخدامها فقط ضد مطاردين ومقاومين من حماس والجهاد وليس ضد المجرمين، في إطار التفاهمات التي شهدتها لقاءات العقبة وشرم الشيخ من العام الجاري.

ووفق إذاعة الجيش الإسرائيلي، فإن شحنة الأسلحة شملت 1500 قطعة بينها بنادق إم-16 موجّهة بالليزر، وصلت من الولايات المتحدة الأمريكية عبر الأردن بموافقة الاحتلال، إلى جانب معدّات تجسُّس تسلمتها السلطة لخدمة جهازَي الأمن الوقائي والمخابرات في مواجهة المقاومة بالضفة.

أضحوا وكلاء تطبيع

في عام 2020 رفضت السلطة الفلسطينية عبر رئيسها والتيار المحسوب عليه اتفاقيات أبراهام، ووصفتها باتفاقيات تطعن القضية الفلسطينية وتساهم في تطبيق صفقة القرن التي سعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تمريرها، إلا أن ذلك لم يتحقق بشكل علني.

ولم تعلق السلطة الفلسطينية رسميًّا على التطبيع المغربي الإسرائيلي نهاية عام 2022، وهو ما فُهم حينها من أن السلطة تريد أن تغير في استراتيجيتها، ولا تريد أن تكرر موقفها إزاء الإمارات، وتكرر الأمر لاحقًا مع عودة قوية للعلاقات الإسرائيلية التركية، حين صرح وزير الخارجية التركي أن السلطة لا تمانع تطبيع بلاده مع “إسرائيل”.

وفي عام 2021 شاركت مع “إسرائيل” في منظمة الغاز، والتي اُعتبرت فلسطينيًّا أن المشاركة لا تشرعن الاحتلال فقط، بل تقوض حقوق الفلسطينيين في مواردهم الطبيعية التي يقوم الاحتلال بنهبها ومنعهم من استغلالها، وتقدم هذه المشاركة، كما ترى حركة مقاطعة إسرائيل (BDS)، غطاء فلسطينيًّا لتعميق العلاقات التطبيعية الإسرائيلية مع أنظمة عربية، ولتأسيس تحالفات عسكرية تكون “إسرائيل” في محورها مع دول أوروبية ومع نظام الإمارات العربية المتحدة.

ومع صعود ملف التطبيع السعودي إلى الواجهة، شهد سبتمبر/ أيلول 2023 مشاركة السلطة الفلسطينية في لقاءات مع وفد أمريكي، لمناقشة خطة التطبيع السعودية مع الاحتلال الإسرائيلي، بحضور مساعدة وزير الخارجية الأمريكية باربرا ليف، وشخصيات فلسطينية من ضمنها وزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، وماجد فرج رئيس جهاز المخابرات العامة، ومجدي الخالدي مستشار الرئيس عباس.

وتتمحور هذه اللقاءات في موافقة السلطة على المشاركة بصفقة تضمن موافقتها وعدم معارضتها للتطبيع السعودي مع الاحتلال، مقابل أن تحصل على عدد من الأمور، من ضمنها فتح السفارة الأمريكية في القدس، وإعادة فتح مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وكذلك دعم السلطة ماليًّا وإخراجها من أزمتها الحالية.

أعقب ذلك توجُّه بريت ماكغورك، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي بايدن لشؤون الشرق الأوسط، إلى السعودية للقاء وفد فلسطيني يضمّ حسين الشيخ وماجد فرج ومجدي الخالدي، لمناقشة مشاركة فلسطين في الصفقة الضخمة المحتملة بين الولايات المتحدة والسعودية والاحتلال.

ويكتسب دور السلطة كممثل معترف به دوليًّا للشعب الفلسطيني أهمية خاصة الآن، حيث تعمل الولايات المتحدة على التوسط في اتفاق تطبيع بين “إسرائيل” والسعودية، وقد أعطى الرئيس محمود عباس للسعوديين قائمة التنازلات من “إسرائيل”، التي يريد أن تكون جزءًا من أي اتفاق دبلوماسي.

نداء بسومي

المصدر: موقع نون بوست




أوسلو: المراهقون الفلسطينيون الذين دُعوا لمشاهدة المصافحة التاريخية يشعرون بالخيانة

لقد حمل الهواء جوًّا من الفرح والنشوة، وتبادل اسحق رابين وياسر عرفات النكات والضحك.

وبينما كان يراقب من مقعده في الصف الأمامي في حديقة الورود بالبيت الأبيض، بدا لإياس الأشقر البالغ من العمر 14 سنة، وهو صبي فلسطيني من بلدة باقة الغربية، أنه يشهد ولادة شرق أوسط جديد.

لقد كان مكانًا، في ظل التفاؤل المزدهر في الأيام الأولى لرئاسة بيل كلينتون، حيث اعتقد الكثيرون أن جميع المشاكل يمكن أن تجد حلًّا لها.

وعندما انتهت الإجراءات الشكلية، نزل الموقعون على ما أصبح يعرف باتفاقات أوسلو من المنصة وبدأوا بالمصافحة أمام الحضور.

وكان الأشقر يحمل كتيبًا عن مسقط رأسه كان ينوي تسليمه لعرفات، فلقد اعتقد أنه مكان من المحتمل أن يكون غير مألوف للزعيم الأسطوري لمنظمة التحرير الفلسطينية، لأنه يقع داخل حدود إسرائيل سنة 1948.

لكن عندما أمسك بيد عرفات، طرأ على ذهن الأشقر سؤال ملح؛ حيث يتذكر الأشقر: “كيف كان هذا الرجل، الذي كان يرتدي الزي العسكري وقاد حروبًا عديدة، يمتلك مثل هذه النعومة في يديه؟”.

لم يكن هذا هو السؤال الوحيد الذي يدور في ذهن الأشقر، الذي وُلد سنة 1979 لعائلة أصلها من يافا قادتهم رحلة اللجوء إلى باقة الغربية داخل ما كان يُعرف آنذاك بإسرائيل.

وقد انفصلوا عن أجدادهم وأقاربهم المنتشرين في مخيمات اللاجئين في الأردن والضفة الغربية والكويت والسعودية.

ومع ذلك؛ كان هذا هو السؤال الأول والأكثر براءة في سلسلة من الأسئلة التي طرحها على نفسه على مدى العقود الثلاثة التالية.

وبمرور الوقت، سوف تتطور هذه الأسئلة، لتبلغ ذروتها في السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم: ما الذي تفعله السلطة الفلسطينية على وجه التحديد ببقايا الأرض التي تركتها إسرائيل لها في أعقاب اتفاقيات أوسلو؟

ويتبعه سؤال آخر: ماذا كان يفعل صبي في مثل عمره هناك في المقام الأول؟

بذور السلام

في صيف سنة 1993؛ أصدرت الحكومة الإسرائيلية توجيهًا إلى المسؤولين المحليين في بعض البلدات والمدن الفلسطينية في البلاد لتحديد الشباب المراهقين المتفوقين في التعليم والذين يجيدون اللغتين العبرية والإنجليزية.

وبعد شهرين من المقابلات وورش العمل في وزارة الخارجية في القدس، تم اختيار أربعة فتيان، من بينهم إياس الأشقر.

جرى ضم هؤلاء الشباب إلى وفد إسرائيلي إلى جانب 16 طالبًا من الجالية اليهودية من خلفيات مرموقة في الدوائر العسكرية والسياسية والاجتماعية في إسرائيل.

سيصبح هذا الوفد في نهاية المطاف جزءًا من النسخة الأولى من مبادرة “بذور السلام” التي تضم أيضًا مراهقين من الأراضي الفلسطينية المحتلة ومصر، والتي تم إطلاقها في صيف سنة 1993 بمخيم دولي في ولاية ماين الأمريكية المثالية.

وكانت المبادرة تهدف إلى تنشئة جيل جديد ينحدر من المناطق التي مزقتها الصراعات لاستكشاف سبل التعايش السلمي وحل النزاعات.

على الجانب الآخر، قامت منظمة التحرير الفلسطينية، التي كان مقرها آنذاك في تونس، بالتنسيق مع مسؤولين في رام الله لاختيار الوفد الفلسطيني.

وقد اختاروا 11 طالبًا، اثنان منهم جاءا من مدرسة “الأصدقاء” المرموقة في رام الله التي تديرها مؤسسة كويكر الأمريكية.

وكان من بينهم الطفل فراس هاشم العشاير، 13 سنة، والذي نشأ في عائلة منخرطة بعمق في المشهد السياسي والديني الفلسطيني.

وقبل خمسة أيام من الموعد المقرر للتوقيع على اتفاقيات أوسلو، التقت هيلاري كلينتون، السيدة الأمريكية الأولى، بوفد بذور السلام في زيارة تم الترتيب لها مسبقًا للبيت الأبيض ودعتهم لحضور الحفل.

ولقد كان من الصعب، وهم متمركزون في الصف الأمامي ويقفون أمام الكاميرات بقمصانهم المميزة ذات اللون الأخضر المخضر، تفويت رمزية الأجيال التي جسدوها.

فراس هاشم العشاير، البالغ من العمر 13 سنة آنذاك، يصافح بيل كلينتون، الرئيس الأمريكي  بعد توقيع اتفاقيات أوسلو سنة 1993.

بالنسبة للعالم المراقِب، لم يكن وجود الأطفال بمثابة الإشارة إلى نهاية فصل مشحون فحسب؛ بل إلى بداية مفعمة بالأمل لفصل آخر بدت فيه العداوات بين شعوبهم المتحاربة – في النهاية – غير مبررة.

وفي تعليقه على تفاعله الأول مع الوفد الإسرائيلي، قال العشاير لموقع “ميدل إيست آي”: “كان خيالنا كأطفال مستوحى فقط من البيئة التي نشأنا فيها – فلسطين التاريخية، الممتدة من النهر إلى البحر”.

وأضاف: “لقد ثبت أن الحوار كان عديم الجدوى؛ وأنكر كل طرف شرعية الطرف الآخر. ومع ذلك، فقد تشاركنا الخبز ولعبنا الألعاب سويًا، مما خلق مساحة للتعايش، وإن كان غريبًا إلى حد ما”.

وعن اللحظة المحورية في حفل التوقيع، قال: “أكيد كنا مجرد أطفال؛ ومع ذلك، حتى في ذلك العمر، أدركنا خطورة ما كان ينكشف أمامنا – على الرغم من أن واقعه كان سرياليًا جدًا بحيث لا يمكننا تصديق أنه حقيقي”.

تضحيات عميقة

خلال تلك الثواني المطولة عندما مد عرفات يده إلى رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي، تذكر العشاير أن ما يصفه الآن بأن “صورًا مركبة لتضحيات الفلسطينيين العميقة” قد ومضت في ذهنه.

وقال: “في تلك اللحظة، وجدت نفسي أتساءل – بقلق تقريبًا – عما إذا كان المشهد الذي يتكشف بأي حال من الأحوال يتناسب مع حجم ما تم تحمله”.

وبعد ذلك صافح العشاير كلينتون ورابين وعرفات، ويتذكر أنه كان يعتقد أن عرفات بدا متعبًا ومنهكًا؛ لكن العشاير لم يشعر إلا بالابتهاج لوجوده في حضور رجل تم اختياره في ذلك اليوم كممثل لشعبه.

وتابع العشاير: “كنا ننتمي إلى خلفية كانت مرفوضة إلى حد كبير حتى الآن، ونقف الآن في قلب البيت الأبيض، بمصادقة رئيس الولايات المتحدة نفسه”.

وأضاف: “كوفية عرفات، بالنسبة لي، ترمز إلى تحول جذري – وهو الاعتراف بالحقوق الفلسطينية التي تم إنكارها بشكل منهجي حتى تلك اللحظة الحاسمة”.

المسرح الدبلوماسي

كعضو فلسطيني في الوفد الإسرائيلي الرسمي الذي أُرسل إلى الولايات المتحدة، وجد إياس الأشقر نفسه خاضعًا لفترة إعداد مدتها شهرين.

خلال تلك الفترة، بُذلت جهود لإقناعه بانتمائه إلى إسرائيل، مع تسليط الضوء على جاذبية الديمقراطية الإسرائيلية والتأكيد على أهمية تمثيل المجتمع الفلسطيني المتبقي كأقلية داخل البلاد؛ حيث تركت هذه التجارب أشقر يتصارع مع مشاعر مزعجة من الانزعاج والعزلة.

في البداية، بذل جهدًا لتجنب المواجهات والنقاشات والحوارات السياسية التي تهدف المبادرة إلى إثارتها. ومع ذلك؛ فقد وصل في نهاية المطاف إلى ذهنه اكتشاف: أنه لم يكن سوى جزء صغير من مسرحية دبلوماسية أكبر.

لقد بدأ هذا المشهد تحت رعاية النرويج وبلغ ذروته بتأييد أميركي، وكان من المفترض أن يستمر لأربعة أشهر فقط، بدءًا بانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة وأريحا.

ومع اقتراب السنة الأولى من نهايتها؛ أصبح من الواضح بشكل متزايد للفلسطينيين من جميع مناحي الحياة أن الأحداث لم تكن أقل من انتصار دبلوماسي صارخ للإسرائيليين.

وكان هذا يتناقض بشكل صارخ مع النتيجة المرجوة بالنسبة للفلسطينيين، فقد بدا أن عرفات قد ألصق توقيعه على ما اعتبره كثيرون اتفاقًا باهتًا هدفه الوحيد هو تسهيل عودة منظمة التحرير الفلسطينية من المنفى في تونس، بغض النظر عن التكلفة.

وبدا أن الاتفاقات تخدم أيضًا سعي منظمة التحرير الفلسطينية إلى إعادة تأكيد سلطتها المتضائلة على الشعب الفلسطيني الذي تجاوز، في نظر الكثيرين، هياكل القيادة التقليدية من خلال تولي زمام مصيره خلال الانتفاضة الأولى.

وقال الأشقر: “لقد ظلت الإستراتيجية الإسرائيلية ثابتة منذ المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 وحتى إعلان استقلالها على الأرض الفلسطينية، مرورًا باتفاقيات أوسلو، وحتى اليوم”، مضيفًا: “وتتسم هذه الاستراتيجية بالحصار المستمر على غزة والبناء الاستيطاني المتواصل، الذي يتم تنفيذه في ظل تجاهل صارخ للمعاهدات والاتفاقات القائمة”.

وتابع قائلًا: “الهدف الشامل هو التوسع الإقليمي الأقصى. وقد زودت اتفاقيات أوسلو إسرائيل بمخططها الأكثر كفاءة واقتصادية لمثل هذا التوسع”.

بالنسبة للأشقر، من خلال إنشاء السلطة الفلسطينية، زرعت الاتفاقات أيضًا بذور الخلاف المستمر بين السياسيين الفلسطينيين، من خلال تحييد أولئك الذين قاوموا قيودهم ومكافأة أولئك الذين التزموا بها.

وقال: “يبدو الأمر كما لو أنهم وضعوا كعكة كبيرة أمامهم، ودعوهم إلى تقسيمها فيما بينهم”.

وفي الوقت نفسه، أعطت الاتفاقيات إسرائيل طريقًا للتراجع تدريجيًا عن الاتفاقيات الدولية الأخرى، مثل حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، على النحو الذي تكفله اتفاقيات جنيف.

ففي عام 1998؛ بعد خمس سنوات من الاحتفال الذي أقيم في واشنطن، دُعي العشاير وأعضاء آخرون في الوفد الفلسطيني للقاء عرفات مرة أخرى، وهذه المرة في رام الله.

وقال العشاير: “أُبْلِغْنَا أنه اختتم للتو اجتماعًا مع وفد يهودي أمريكي، يهدف ظاهريًّا إلى تخفيف التوترات بينه وبين [رئيس الوزراء الإسرائيلي] نتنياهو”.

“قال لنا عرفات: “إنهم يأتون لي بمجموعة من الأكاذيب ويطلبون مني أن أصبر!””.

ولكن، كما يقول العشاير، عندما قرأ التقارير الصحفية المفعمة بالحيوية في اليوم التالي عن اللقاء الودي بين عرفات والوفد الأمريكي، خطر بباله إدراك ما؛ حيث قال: “لقد فهمت أن الساسة الفلسطينيين، بما فيهم ذلك عرفات نفسه، يتبنون خطابًا مزدوجًا: خطاب لمخاطبة شعبهم وآخر مخصص للمسرح الدولي. وقد دفعني هذا إلى التشكيك في المشهد الجيوسياسي الذي يتكشف برمته”.

“جهود لا تتزعزع”

في أعقاب اتفاقيات أوسلو، عندما بلغ أعضاء الوفد الفلسطيني سن الرشد، كانت خيبة الأمل، ومثل كل فلسطيني، كان يحمل ثقل وطنه معه أينما ذهب؛ حيث سافر الأشقر إلى إيطاليا للدراسة، وحصل في النهاية على شهادة الطب. واستقر في بريشيا، المدينة الشمالية المتوئمة مع بيت لحم.

وعلى مدى 22 عامًا؛ ترك الأشقر بصمة فلسطينية لا تُمحى على الحياة السياسية والثقافية في بريشيا، وقد جرى الاعتراف بذلك من خلال انتخابه لعضوية المجلس البلدي.

إياس أشقر (يسار) يعيش الآن في إيطاليا، بينما يقيم فراس هاشم العشاير في الإمارات العربية المتحدة (مرفق).

فبعد وقت قصير من وصوله إلى بريشيا، ساعد في تأسيس جمعية الصداقة الإيطالية الفلسطينية التي بدورها أطلقت مهرجان فلسطين السنوي في المدينة. كما افتتح الأشقر أول مطعم فلسطيني في المدينة، الذي لا يقتصر تقديم “الدُّقَّة” على الطعام فحسب، بل أصبح مكانًا للأنشطة والفعاليات المجتمعية التي تعيد القضية الفلسطينية إلى الحياة.

وعندما ضرب وباء كوفيد 19 العالم؛ أسس الأشقر مبادرة “الغذاء للجميع” – بالإيطالية: Cibo per Tutti – وهي مبادرة خيرية قام بتمويلها في البداية من جيبه الخاص ثم توسعت لاحقًا بمساعدة الأصدقاء.

ومن خلال هذه المبادرات المدنية، يواصل الأشقر تعزيز دعم القضية الفلسطينية، والدعوة إلى مقاطعة إسرائيل وبناء الروابط بين جامعة بريشيا وجامعة القدس في أبو ديس.

وقال: “إن الدفاع عن فلسطين يتطلب جهودًا متسقة وثابتة على الأرض”.

وأعرب الأشقر عن أسفه لفشل السلطة الفلسطينية من خلال بعثاتها الدبلوماسية في دعم أنشطة الشتات الفلسطيني في أوروبا أو دعم حركات المقاطعة أو اتخاذ إجراءات قانونية ضد إسرائيل.

وقال: “لقد فشلت السلطة الفلسطينية منذ اتفاقيات أوسلو وما زالت تفعل ذلك حتى يومنا هذا”.

بالنسبة للعشاير، فإن تجربة برنامج بذور السلام ستوفر له أيضًا منصة لمغادرة وطنه؛ حيث ويعيش الآن في دولة الإمارات ويحمل درجة الماجستير في القانون الاقتصادي من جامعة غرب إنجلترا في بريستول.

آيلة للسقوط

وبعد مرور ثلاثة عقود، يعتقد العشاير أن الوعد بعيد المنال الذي قدمته اتفاقيات أوسلو -واحتمال حل الدولتين الذي رحبت به- قد تلاشى وأصبح عفا عليه الزمن.

وهو يعترف باستمرار المخاوف بشأن قيادة السلطة الفلسطينية والتزامها بقضية الشعب الذي تدعي السلطة باسمها أنها تحكم؛ حيث يقول: “أخشى أن أستيقظ ذات يوم على أنباء مفادها أن السلطة الفلسطينية قد اختارت الاكتفاء بـ 22 بالمائة فقط من فلسطين التاريخية للحكم الذاتي الذي تطمح إليه”.

لكنه قال إن العديد من أولئك الذين شهدوا تلك اللحظة في حديقة الورود، لا يزالون يعيشون كتجربة تكوينية عززت تصميمهم على مواصلة الكفاح من أجل وطنهم، وأضاف: “إن فلسطين باقية، مدعومة بجيل نشأ على الإيمان الراسخ بعدالة قضيته”.

“ومن بين هؤلاء الشباب، ظهر علماء قانون وسياسيون ومؤثرون إعلاميون، كل منهم يحلم بمنازل في إيلات وحيفا”.

المصدر: موقع ميدل إيست آي




30 عامًا على اتفاقية أوسلو.. الفلسطينيون بين مسارَي البندقية والمفاوضات

في 13 سبتمبر/ أيلول 1993 وقّع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، مدشّنًا بذلك مرحلة جديدة في عمر القضية الفلسطينية، خلافًا للمرحلة التي سبقتها والتي اعتمدت فيها المنظمة خيار السلاح.

ونصَّ الاتفاق في فحواه على أن “حكومة دولة “إسرائيل” وفريق منظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا للشعب الفلسطيني، يتفقان على أن الوقت قد حان لإنهاء عقود من المواجهة والنزاع، والاعتراف بحقوقهما المشروعة والسياسية المتبادلة والسعي للعيش في ظل تعايش سلمي وبكرامة وأمن متبادلَين، ولتحقيق تسوية سلمية عادلة ودائمة وشاملة ومصالحة تاريخية من خلال العملية السياسية المتفق عليها”.

وشمل إعلان المبادئ المبرم على 17 بندًا تمّت كتابتها من قبل جميع الأطراف قبل عملية التوقيع، حيث تحدث الاتفاق عن أن هدف المفاوضات “إقامة سلطة حكومة ذاتية انتقالية فلسطينية، المجلس المنتخب (المجلس) للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية لا تتجاوز الخمس سنوات، وتؤدي إلى تسوية دائمة تقوم على أساس قرارَي مجلس الأمن 242 و338”.

في المقابل، تعرض الاتفاق لعدة ضربات بعد توقيعه بفترات بسيطة، لعل أبرزها اغتيال إسحاق رابين، وهو الأمر الذي لم يدر في خلد من وقّعوا الاتفاق من الجانب الفلسطيني الذي رأوا فيه شخصية يمكن أن تتمّم تنفيذ الاتفاق، إلى جانب صعود شخصيات مثل نتنياهو وشارون إلى سدة الحكم.

وبمحاذاة ذلك، عزز الاحتلال الإسرائيلي من تغيير الوقائع على الأرض عبر الاستيطان وعزل وتقسيم الضفة الغربية والقدس المحتلتَين، فضلًا عن اندلاع شرارة انتفاضة الأقصى عام 2000 والتي انتهت عام 2005، وكان من أبرز نتائجها التحلل الإسرائيلي شبه الكامل من كل مخرجات أوسلو، واغتيال شخصيات قيادية فلسطينية وازنة، إلى جانب الانسحاب الأحادي الجانب من غزة.

أبرز بنود الاتفاقية.. على ماذا نصت أوسلو؟

قبل الولوج في نصوص اتفاقية أوسلو، لا بدَّ من الإشارة إلى أن بعض المراقبين السياسيين الفلسطينيين وحتى بعض قادة الفصائل، اعتبروا أن الاتفاق أسّس لمرحلة الانقسام الفلسطيني، وساهم في الحالة السياسية التي وصلت إليها القضية الفلسطينية في المرحلة الحالية.

إذ أدى (الاتفاق) إلى وجود تيارات سياسية متعددة تتبنّى أشكالًا متباينة للمواجهة والصراع، لا سيما فصائل المقاومة الفلسطينية المحسوبة على التيار الإسلامي كحركتَي حماس والجهاد الإسلامي، إلى جانب بعض القوى اليسارية المعارضة للاتفاق بمجمله.

في المقابل، سارت حركة فتح على قرار منظمة التحرير ورئيسها ياسر عرفات، ورأت في الاتفاق فرصة لإقامة حلم الدولة الفلسطينية، معتبرة أن الاتفاق قد يؤسّس لمرحلة جديدة في الحالة الفلسطينية، إلا أن بعض قيادات الحركة وكوادرها في مختلف الصفوف يرون أن الاحتلال تنصّل من كامل الاتفاق.

أما عن بنود الاتفاق، فشملت إجراء الانتخابات من أجل أن يتمكن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة من حكم نفسه وفقًا لمبادئ ديمقراطية، وستجرى انتخابات سياسية عامة ومباشرة وحرة للمجلس تحت إشراف متفق عليه ومراقبة دولية متفق عليها، بينما تقوم الشرطة الفلسطينية بتأمين النظام العام.

ووفق البنود، فقد تم الحديث عن الفترة الانتقالية ومفاوضات الوضع الدائم، حيث تبدأ فترة السنوات الخمس الانتقالية عند الانسحاب من قطاع غزة ومنطقة أريحا، على أن تبدأ مفاوضات الوضع الدائم بين حكومة “إسرائيل” وممثلي الشعب الفلسطيني في أقرب وقت ممكن، لكن بما لا يتعدى بداية السنة الثالثة من الفترة الانتقالية.

وتحدثت البنود عن أن هذه المفاوضات سوف تغطي القضايا المتبقية (ما عرف بقضايا الحل النهائي)، بما فيها القدس واللاجئون والمستوطنات والترتيبات الأمنية والحدود والعلاقات والتعاون مع جيران آخرين، ومسائل أخرى ذات الاهتمام المشترك، إلى جانب أن الاتفاقات التي تمَّ التوصل إليها للمرحلة الانتقالية لا تجحف أو تخلّ بمفاوضات الوضع الدائم.

وتضمّنت الاتفاقية التعاون الإسرائيلي-الفلسطيني في المجالات الاقتصادية، من خلال إنشاء لجنة تعاون اقتصادية إسرائيلية-فلسطينية، من أجل تطوير وتطبيق البرامج المحددة في البروتوكولات المرفقة، فضلًا عن الارتباط والتعاون مع الأردن ومصر من خلال قيام الطرفَين بدعوة حكومتَي الأردن ومصر، للمشاركة في إقامة المزيد من ترتيبات الارتباط والتعاون بين حكومة “إسرائيل” والممثلين الفلسطينيين من جهة، وحكومتَي الأردن ومصر من جهة أخرى، لتشجيع التعاون بينهما.

كيف فشلت الاتفاقيات؟ الانتفاضة والمواجهة من جديد

مع مضي 5 سنوات على اتفاق أوسلو، لم يلتزم الاحتلال بالتحول نحو مفاوضات الحل الدائم، واستمرت الأوضاع على حالها حتى عُقدت قمة كامب ديفيد عام 2000 بين الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات.

عُقدت القمة في الفترة من 11 إلى 25 يوليو/ تموز 2000، وكانت محاولة لإنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، إلا أن القمة انتهت من دون اتفاق، لتأتي بعدها انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر/ أيلول 2000 كتعبير عن وصول عملية السلام إلى طريق مسدود، بعد أن سعى اليمين الإسرائيلي لتعطيل عملية السلام ووقف اتفاق أوسلو.

بعد فشل القمة، سعى عرفات للضغط على الاحتلال الإسرائيلي بسلاح الانتفاضة من خلال غضّ الطرف عن العمليات، فضلًا عن إمداد كتائب شهداء الأقصى بالمال والسلاح، ومشاركة شريحة واسعة من الأجهزة الأمنية في القتال إلى جانب الأذرع العسكرية ضد الجنود الإسرائيليين.

ومع تعاظم الانتفاضة عمد الإسرائيليون إلى سلاح الاغتيالات والاعتقالات الواسعة في صفوف قيادات وزانة في الفصائل الفلسطينية، لعلّ من أبرزهم أحمد ياسين وأبو علي مصطفى وعبد العزيز الرنتيسي وياسر عرفات، إلى جانب قيادات ميدانية محسوبة على الأذرع العسكرية.

كل ذلك أسهم في جعل الحديث عن العملية السلمية مجرد “أحاديث” لا رصيد لها على أرض الواقع، كون اليمين الإسرائيلي كان الحاكم والمتنفّذ في المشهد الإسرائيلي بصورة كبيرة، فضلًا عن حالة التصاعد التي عاشتها الحالة الفلسطينية فيما يتعلق بالمقاومة والنقلات النوعية.

وعلى أرض الواقع لم يبقَ من الاتفاقيات المبرمة، سواء أوسلو أو قمة طابا أو حتى اتفاقية باريس الاقتصادية، إلا البنود المتعلقة بالمصالح الإسرائيلية، سواء الأمنية أو المالية، أما ما يخص الحقوق الفلسطينية فإن الإسرائيليين يرفضون حتى الآن إدخال أية تعديلات.

ومع صعود رئيس السلطة الحالي محمود عباس إلى السلطة عام 2005، لم يتم التوصل إلى أية اتفاقيات جديدة، رغم تمسك الرجل بخيار المواجهة السلمية الشعبية حدّ الإفراط كما يقول خصومه، فيما فشلت كل اللقاءات التي عُقدت سواء في شرم الشيخ أو أنابوليس في الوصول إلى نقاط التقاء جديدة.

أوسلو والانقسام.. بداية الفرقة بين الفصائل

أسّست الاتفاقية، التي توصف من الفصائل المعارضة لها بالكارثية، لمرحلة من الانقسام والنزاع الداخلي لعلّ من أبرزها ظاهرة المعتقلين السياسيين، وعمليات الإقامة الجبرية التي كانت تتم على القيادات في التيارات الإسلامية من حركتَي حماس والجهاد الإسلامي، وبوتيرة أقل الجبهة الشعبية.

وخلال الفترة التي تبعت الاتفاقية، برز التنسيق الأمني المشترك بين السلطة والاحتلال الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى ظواهر تم في كثير من الأحيان وقوع ضحايا بسببها، لعل من أبرزها حادثة مسجد فلسطين التي وقعت بعد قرابة شهرَين فقط من توقيع الاتفاقية، وأدت إلى مقتل 17 فلسطينيًّا وإصابة نحو 200 آخرين برصاص الأجهزة الأمنية.

تبعت هذه الحادثة حوادث متعلقة بفرض الإقامة الجبرية على مؤسس حركة حماس أحمد ياسين في 3 مناسبات، لعل أبرزها في عامَي 1998 و2001، بالإضافة إلى الاعتقالات التي طالت شخصيات وكوادر من حماس والجهاد الإسلامي خلال السنوات التي تبعت هذه الحادثة.

وكان من أبرز الحوادث التي ساهمت في حالة الاحتقان ضد أوسلو ومخرجاتها ملاحقة المقاومين واعتقالهم، كما حصل مع الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات ورفاقه، حين جرى اعتقاله من قبل المخابرات الفلسطينية عام 2003 بتهمة اغتيال وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي، قبل أن يقوم الاحتلال باعتقاله عام 2006 من داخل سجون الأجهزة الأمنية في أريحا.

وأمام هذه الحالات برز الخطاب السياسي الذي يصنَّف على أنه تحريضي بين الفصائل الفلسطينية، فمن وجهة نظر منظمة التحرير والفصائل المنضوية معها والمؤيدة للاتفاق، كانت عملية السلام بمثابة مرحلة يمكن البناء عليها، لكن الفصائل المعارضة لها رأت في الاتفاق “خيانة” لحقوق الشعب الفلسطيني.

وعزز ذلك من التصارع حتى وقع الانقسام الفلسطيني عام 2007، والذي كان من أبرز أسبابه الخلاف على البرنامج السياسي بين حركة حماس التي تتبنّى الخيار المسلح وحركة فتح التي تتبنّى خيار الحل السلمي الذي تم الوصول إليه من قبل منظمة التحرير عام 1993.

حتى إن لقاءات المصالحة التي عُقدت منذ عام 2008 وحتى الآن كان جميعها يتضمّن مطالب واضحة من رئيس السلطة عباس، بأن تلتزم حماس والفصائل المسلحة معها بالاعتراف بقرارات الشرعية الدولية، وتشكيل حكومات تلتزم بقرارات اللجنة الرباعية، وهو ما ترفضه هذه القوى.

اليوم، ومع الحديث عن مفاوضات للتطبيع بين السعودية والاحتلال الإسرائيلي بوساطة أمريكية، يتم الكشف عن لعب السلطة الفلسطينية دورًا في المفاوضات للاستفادة من بعض التسهيلات الاقتصادية والمالية، ولتخفيض الضغط الشعبي على الرياض حال تمّت عملية التطبيع.

وهو الأمر الذي كشف عنه رئيس جهاز الأمن القومي في الاحتلال تساحي هنغبي، من خلال محادثات تجري بين السلطة الفلسطينية والاحتلال في منتدى مشترك مع الأردن، وذلك للتباحث حول اتفاق التطبيع بين السعودية والاحتلال، إذ تعد المرة الأولى منذ 10 سنوات التي يتحدث بها مسؤولو دول ذلك المنتدى بشكل مفتوح حول ما يفكرون فيه.

ويعكس كل ما حصل على مدار 30 عامًا أن الفلسطينيين استنزفوا أنفسهم في الصراعات الداخلية، دون أن يكون هناك أفق حقيقي بالتحلل من بنود الاتفاق الذي لطالما أكّد ساسة الاحتلال أنه أصبح شيئًا من الماضي، وأنه لم يعد قائمًا منه إلا جسم السلطة.

يوسف سامي

المصدر: موقع نون بوست




“يوم تاريخي” للإسرائيليين.. و”مخاوف” من تأجيج نار الصراع الداخلي

تتجه الأنظار اليوم للمحكمة الإسرائيلية العليا التي تنظر في التماسات قدمتها 40 جمعية حقوقية من أجل إلغاء قانون سَنّه الكنيست قبل شهرين، ويعرف بـ “تعديل قانون أساس وإلغاء حجة المعقولية”، وهو يقضي بتقليص صلاحيات الجهاز القضائي، بما فيه المحكمة العليا، لصالح الحكومة، بدعوى أنها منتخبة من الشعب.

وتسود إسرائيل حالة ترقب وتوتر كبيرين، قبيل قيام المحكمة العليا باتخاذ “قرار تاريخي” من شأنه أن يصب الزيت على نار السجالات الداخلية في إسرائيل بين معسكرين متصارعين على ما هو أكبر وأعمق من مكانة الجهاز القضائي، بصرف النظر عمّا إذا كان الحكم لصالح هذا المعسكر أو ذاك. تسود حالة خوف لدى الإسرائيليين من “الثلاثاء الأسود”، من إمكانية انتصار أحد المعسكرين على الآخر، لأن ذلك سيعمّق حالة التشظي والانقسام العميق، ولذا تتجدد مساعي رئيس إسرائيل يتسحاق هرتسوغ، وجهات أخرى، من أجل إحراز تسوية تحول دون تفاقم الانقسام وتفكّك اللحمة الداخلية، الذي يعتبره، وبحق، مراقبون إسرائيليون أكثر خطراً من قنبلة إيران.

خلفية الصراع الداخلي

يشار إلى أن الصراع الإسرائيلي الداخلي قد تفجرَ بعد فوز أحزاب اليمين الصهيوني المتشدّد، في نوفمبر/تشرين 2022، وفي أعقاب أربع جولات انتخابية متتالية بدءاً من 2019 دون حسم. لكن بداية هذا الصراع كانت في الثالث من يناير/ كانون ثاني الماضي، عندما بادر وزير القضاء في حكومة الاحتلال ياريف لافين لإعلان خطته بـ “الإصلاحات القضائية”، واستعادة الصلاحيات الزائدة التي تستأثر بها المحكمة العليا مشدّداً على ضرورة منعها من إلغاء “قوانين أساس”، وإبطال قرارات حكومية، وهذا ما اعتبرته أوساط إسرائيلية معارضة بالأساس “انقلاباً على الدستور”.

 وقد بدأ الخلاف حول صلاحيات محكمة العدل العليا بين جهات إسرائيلية مختلفة قبل ثلاثة عقود، بعدما بادرَ رئيس المحكمة العليا الأسبق أهارون براك إلى إصدار أحكامه ليس فقط بناء على قوانين يشرّعها الكنيست، بل استناداً إلى توجهات نقدية له ترى بضرورة إلغاء قرارات الحكومة، أو قرارات وزراء فيها، خاصة المتعلقة بالتعيينات بحال كانت “غير معقولة”، ما يعني الاستناد إلى مسوغات غير واردة في نص القانون، مثل “حجة المعقولية”، أو “مدى التناسبية”. وفعلاً، قامت المحكمة الإسرائيلية العليا في الماضي بإلغاء عدد من القرارات الحكومية المتعلقة بتعيين موظفين كبار أو وقفهم عن العمل، ومن أخطرها إلغاء تعيين رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لرئيس حزب “شاس” آرييه درعي وزيراً للداخلية والصحة، في مطلع العام الجاري، لأنه تعيين “غير معقول”، لكون الوزير مداناً بتهم فساد وتغرير بالمحكمة وتضليلها. وفي أعقاب ذلك زادت وتصاعدت هجمات الوزراء، ومجمل معسكر اليمين الصهيوني المتشدّد على المحكمة العليا والطعن بها واتهامها بأنها تسرق صلاحيات “منتخبي الشعب”، وتمارس “استبداداً قضائياً سياسياً”، وكأنها هي الحكومة الفعلية. واتسع الخلاف وتعمق في صفوف الإسرائيليين، بعدما تبيّن أن الائتلاف الحاكم قد شرع في تطبيق “خطة إصلاحات” متكاملة تهدف لإجراء تغييرات عميقة من خلال عشرات مشاريع القوانين، أو تعديلات لقوانين الأساس، وقد نجح حتى الآن بتمرير بعضها، منها تعديل ما يعرف بـ  “قانون التعذّر”، الذي يحول عملياً دون إبعاد رئيس حكومة عن منصبه، إلا في حالة نادرة يكون فيها عاجزاً جسمانياً أو نفسياً، بعد مصادقة ثلثي أعضاء الحكومة والبرلمان على ذلك.

حسابات نتنياهو

على خلفية ذلك تُوجّه أوساطٌ إسرائيلية واسعة إصبع الاتهام لنتنياهو بأنه يقود هذا “الانقلاب على النظام”، بغية تقزيم جهاز القضاء والانتقام منه، بعدما تجرأ عليه وقدّم ضده، قبل أربع سنوات، لوائح اتهام خطيرة بالفساد. وهناك من يرى بخلط نتنياهو الحسابات، وخلط المصالح الشخصية بالمصالح العامة العليا، تعبيراً عن تغيّرات حقيقية وعميقة لدى القيادات الحالية في إسرائيل الموبوءة بالفساد، بعكس جيل سابق من القيادات السياسية.

وفشلت تباعاً مساعي التسوية برعاية رئيس إسرائيل وجهات أخرى، نتيجة عدة عوامل أكبر وأخطر من النقاش حول فصل السطات الثلاث ومكانة محكمة العدل العليا، فالصراع يدور في العمق بين أسباط إسرائيلية مختلفة عن بعضها جوهرياً حتى اليوم، رغم “بوتقة الصهر” المنتهجة منذ 1948. والحديث يدور عن صراعات مبطّنة وعلنية بين يهود شرقيين وغربيين مختلفين في نمط الحياة، بين علمانيين وبين متدينين حول ثنائية الدين والدولة، بين مستوطنين ومتشددين يرغبون بـحسم الصراع مع الشعب الفلسطيني بالقوة المفرطة وبين راغبين بتسويته، أو إدارته، وسبق أن قال رئيس إسرائيل السابق رؤوفين ريفلين عن هذه الصراعات، في “خطاب الأسباط” خلال مؤتمر هرتزليا للمناعة القومية، عام 2015، إنها أخطر على إسرائيل من قنبلة إيران، لأنها تفقدها أهم أسرار قوتها: اللحمة الداخلية. وتستمر هذه الصراعات وتتصاعد رغم التحذيرات من خطورتها، ورغم تبعاتها المحسوسة على الاقتصاد والأمن المتراجعين، وعلى صورة وهيبة وقوة ردع إسرائيل تجاه الخارج، علاوة على ارتفاع عدد المهاجرين، وإعلان مئات الأطباء عن رغبتهم بالهجرة، أو الشروع فيها، وإعلان آلاف الضباط والجنود عن وقفهم التطوع في الخدمة العسكرية في الاحتياط.

رياح السياسة بعكس سفن نتنياهو

نتنياهو، الذي يترأس في هذه المرحلة حكومته السادسة، هو سياسي مجرّب، ويدرك التبعات الخطيرة لاستمرار هذا النزيف على إسرائيل كدولة وحكومة وجماعة، وعليه شخصياً، خاصة أنه حسّاس لمسألة صورته في سجلات التاريخ، لكنه يؤثر البقاء في السلطة والنجاة من المحكمة على مصلحة عليا لإسرائيل والإسرائيليين. وفي المقابل هناك من يرى أنه يريد وقف النزيف نتيجة لإدراكه التبعات، وكي لا يكتب عنه أنه قاد الإسرائيليين إلى الهاوية، ولبدء تفكّك دولتهم وكينونتهم السياسية، بعد ثمانية عقود على تأسيسها. غير أنه عاجزٌ، و”أسير” بيد شركاء متطرفين داخل ائتلافه الحاكم. ويسوّغ هؤلاء تقديراتهم بأن نتنياهو منزعج من الاحتجاجات العالية شبه اليومية التي تلاحقه وزوجته إلى حيث ما ذهب في البلاد وخارج البلاد علاوة عن أنها تحرمه من استقباله في البيت الأبيض حتى الآن، بخلاف التقاليد التي سادت حتى الآن، فالإدارة الأمريكية تواظب على توجيه الانتقادات له ولحكومته وللانقلاب  الحاصل على النظام. بين هذا وذاك ترى المعارضة السياسية، برئاسة يائير لبيد، أن كل أحاديث وتصريحات ومبادرات نتنياهو حول “تسوية” للصراع الدائر مجرّد خدعة كي يتمكن من تلقي دعوة البيت الأبيض، خلال زيارته المرتقبة هذا الشهر للولايات المتحدة، التي سيعود منها لاحقاً ويدير ظهره مجدداً لفكرة التسوية وللمعارضين لـ “الإصلاحات القضائية”، كيف لا، وسجلّه مليء بالتناقضات والأكاذيب، وسبق أن قال عنه، قبل شهور، حليفه وزير المالية المستوطنن باتسلئيل سموتريتش “كاذب ابن كذاّب”.

ذروة جديدة

وتبلغ السجالات الإسرائيلية الداخلية ذروةً جديدة اليوم بانعقاد المحكمة العليا بـامل هيئتها، بشكل غير مسبوق (15 قاضياً)، للنظر في التماس جهات حقوقية وسياسية ضد مشروع قانون إلغاء “حجة المعقولية”. ويصل النقاش للمحكمة العليا على خلفية مظاهرات واحتجاجات متواصلة صاخبة في الشوارع داخل المدن، منذ مطلع العام، وبعد سجالات في الإعلام، وسط  محاولات وزراء ونواب لترهيب وتهديد قضاة المحكمة العليا وتلميحات وتصريحات نواب ووزراء بعدم احترام حكم المحكمة العليا.

يشار إلى أن فقدان دستور في الدولة اليهودية قد فتح الباب أمام هذه الصراعات التي ما كانت لتنفجر، خاصة بهذه القوة، لو توفّرَ دستورٌ يرسم الحدود بين السلطات الثلاث، ويكفل توازنها وتوزيع القوى بينها. وحتى الآن تهرّبت حكومات الاحتلال المتعاقبة، منذ حكومة بن غوريون الأولى، عام 1949، من وضع دستور، لعدة اعتبارات منها عدم الرغبة في ترسيم حدود الدولة، ومعارضة أحزاب المتدينين اعتبار الكنيست مصدراً للتشريع، وترى بأن التوراة هي المصدر، وهذا ما ترفضه أوساط علمانية تأخذ أعدادها في التقلّص، في ظل ازدياد عدد المؤيدين لدمج الدين بالدولة.

 الامتحان الصعب

المحكمة العليا التي بدأت، هذا الصباح، بالتداول في التماسات تطالب بإلغاء قانون إلغاء حجة المعقولية، من غير المتوقّع أن تصدر حكمها اليوم، وحوزتها مهلة أربعة شهور للكشف عن حكمها. في حال رفضت الالتماسات أو قبلتها سيتواصل الصراع بين المعسكرين، اللذين يبدوان كقطارين متسارعين نحو الارتطام، لأن غلبة أحدها على الآخر تعني استمرار الخلاف والنزيف وتعميقه. وفي حال قبلت المحكمة العليا الالتماسات من المتوقع أن تعلن مجموعة من النواب والوزراء رفضها له، مقابل قبول آخرين واحترامهم له، ولكن الامتحان الحقيقي سيكون في اليوم التالي، عندما يقدم التماس جديد للمحكمة العليا يطالب بإلغاء قرار حكومي معين بدعوى أنه “غير معقول”. في مثل هذه الحالة من الممكن أن تدخل إسرائيل في سيناريو حسّاس وخطير يعرف قضائياً بـ “الفراغ الدستوري”، ففيه يضطر رؤساء الجيش والموساد والشاباك وبقية الأذرع السلطوية الأمنية والمدنية أن يتخذوا قراراً حاسماً: هل ننصاع لقرار المحكمة العليا أم لقرارات الحكومة؟ هذه الحالة من شأنها أن تفاقم حالة الفوضى الداخلية واحتدام المأزق والصدام مع تبعات خطيرة متعددة الاتجاهات.

قبيل التداول في المحكمة العليا كررت المستشارة القضائية للحكومة تأكيدها “ضرورة شطب هذا القانون غير الدستوري”، فيما قال وزير القضاء في حكومة الاحتلال ياريف لافين، هذا الصباح، إن مجرد التداول يمس مساً خطيراً بالديموقراطية، وبمكانة الكنيست، وبالسيادة الشرعية، كونها غير مخولّة للبحث بالموضوع، بعدما قال الشعب كلمته الأخيرة في الانتخابات الحرّة. في المقابل قال لبيد، في تصريحات إعلامية، إن الهجمة التي يقودها لافين تؤكد رغبة الحكومة بالقضاء على الديموقراطية وبناء نظام طغيان واستبداد. يذكر أنه رغم تماثل المحكمة الإسرائيلية العليا مع قرارات حكومة الاحتلال في كثير من أحكامها إلا أن إضعافها، وفق خطة الائتلاف الحاكم، سيجد الفلسطينيون، على طرفي الخط الأخضر، أنفسهم عرضة للمزيد من الأضرار والاعتداءات.

حرب أو هزة أرضية

 ودعت صحيفة “هآرتس”، في افتتاحيتها اليوم، المحكمةَ العليا لتجاهل تهديدات الوزراء لها، والحكم بلا خوف، وبمهنية، واتخاذ قرار يرى بأن صلاحية الكنيست ليست غير محدودة، وأن الفوز في الانتخابات العامة ليس شيكاً مفتوحاً يتيح تغيير ملامح أساسية للنظام السائد منذ عقود.

يشار إلى أن رئيسة المحكمة العليا استير حيوت قاضية مجرّبة، وصاحبة نفوذ، وهي ستخرج بعد شهر للتقاعد، ولا بد مسكونة بهاجس الإرث الخاص من ورائها، ومن المرجح أن تدفع نحو قبول الالتماسات، بخلاف رغبة الحكومة. لكن، وبسبب حرصها المتوقع على عدم تعميق التشظي الكبير بين الإسرائيليين ستمتنع عن اتخاذ قرار حاسم، أو على الأقل التمهّل بالكشف عنه، ريثما تتجدد مساعي المصالحة بين المعسكرين المتصارعين، فهي أيضاً تدرك ولا بد تبعات قرار المحكمة العليا على سلامة مبنى المجتمع والدولة.

في المقابل، يرى مراقبون إسرائيليون أن حالة الانكسار ستتفاقم في كل الأحوال، إلا إذا نجحت جهات ثالثة بإحراز تسوية، أو حرب خارجية، أو هزة أرضية كالتي عصفت بالمغرب، ستوقف السجالات الداخلية، أو تؤجلها.

المصدر: صحيفة القدس العربي




ميدل إيست آي: مشروع قانون منع مقاطعة إسرائيل يدمر سمعة بريطانيا الدولية

تزداد التحذيرات في بريطانيا من تمرير مشروع قانون منع مقاطعة إسرائيل رغم استمرار انتهاكاتها بحق الفلسطينيين وتنكرها لحقوقه، وذهب مقال في موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إلى القول:” إن مشروع قانون مكافحة المقاطعة، يدمر سمعة المملكة المتحدة على الصعيد العالمي، ومع ذلك فإن حكومة سوناك المنهكة أخلاقيا، تدفع نحو المصادقة عليه دون تدقيق جدي لمخاطره “.

يشير كاتب المقال بيتر أوبورن إلى أن وزير الخارجية البريطاني جيمس كليفرلي سيحظى هذا الأسبوع “باستقبال الأبطال” في إسرائيل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مهمة لبناء روابط تجارية، فالحكومة البريطانية أعطت نتنياهو بالفعل كل ما يمكن أن يطلبه وأكثر ، من خلال  اتفاقية خريطة الطريق للعلاقات الثنائية بين المملكة المتحدة وإسرائيل حتى العام 2030 ، حيث  تجاهلت الخريطة الاحتلال وعرّفت إسرائيل بأنها ديمقراطية “مزدهرة”، وهي الاتفاقية التي  وقع عليها كليفرلي قبل زيارة نتنياهو إلى لندن في مارس/آذار الماضي.

ثم يتحدث الكاتب عن مشروع قانون منع مقاطعة إسرائيل اقتصاديا والذي تتم دراسته لجنة في مجلس العموم الأسبوع الماضي، فهو “مشروع يحقق هدفا مركزيا لسياسة نتنياهو الخارجية يتمثل في حماية إسرائيل من تهديد العزلة الدولية والتعرض للعقوبات والمقاطعة والحملات الداعية سحب الاستثمارات ضد إسرائيل”.

ويضيف “أن الأكثر غرابة هو أن مشروع القانون يخصص حماية خاصة لإسرائيل ولنشاطها في الضفة الغربية المحتلة ومرتفعات الجولان، ويجعلها بعيدة عن متناول حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات “.

وليس هذا فقط – يضيف الكاتب – إذ أنه “ومن خلال الخلط بين إسرائيل والأراضي التي احتلتها بالقوة العسكرية، فإن مشروع القانون يتناقض بشكل قاطع مع التزامات السياسة الخارجية البريطانية المعتمدة”.

التزامات بريطانيا في الأمم المتحدة

 وللإضاءة على تلك الالتزامات، يقول الكاتب “إن بريطانيا هي إحدى الدول الموقعة على قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2334. وهذا القرار، وهو التزام رسمي دخلت فيه الدول الأعضاء في مجلس الأمن ويدعو جميع الدول إلى التمييز، في تعاملاتها ذات الصلة، بين أراضي دولة إسرائيل والأراضي المحتلة منذ عام 1967”.

ويستخلص الكاتب من ذلك:”أن الحماية الممنوحة للمستوطنات الإسرائيلية في التشريع الجديد تجعل التزامات بريطانيا الرسمية أمام الأمم المتحدة مجرد هراء”.

ويوضح الكاتب:”أنه يتم العمل على تمرير مشروع القانون في مجلس العموم البريطاني بينما تعيش حكومة (رئيس الوزراء) ريشي سوناك المنكسرة أخلاقياً وسياسياً ، أشهرها الأخيرة في السلطة ، ومن المثير للدهشة أن سوناك مضى قدما رغم تحذيرات مسؤولي وزارة الخارجية من أن مشروع القانون لا يتناقض مع السياسة الخارجية البريطانية فحسب، بل يمثل في الواقع هدية دعائية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين”.

وعن ذلك ينقل الكاتب عن تقرير لهيئة الاذاعة البريطانية BBC، أن رسالة وزارة الخارجية إلى ريشي سوناك التي أرسلتها في مايو/ أيار  “تشير إلى أن موسكو ستستخدم ذلك لإظهار أن المملكة المتحدة لم تلتزم بالنظام القائم على الأسس الدولية، وبالتالي كانت منافقة في إدانتها للغزو الروسي لأوكرانيا وتعاملها مع  الاراضي  التي تم ضمها(من جانب روسيا) “.

بالإضافة إلى ذلك، ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية أن محامي وزارة الخارجية نصحوا بأن هناك بندا في مشروع القانون “من شأنه أن يزيد بشكل كبير من خطر انتهاك المملكة المتحدة لالتزاماتها بموجب قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2334”.

ويؤكد الكاتب على أنه “على الرغم من هذا التحذير القوي وغير المعتاد إلى حد كبير، فقد تجاهل سوناك هذه النصيحة ومضى قدما في مشروع القانون، حيث تستخدم حكومته وبكل سخرية، كل الحيل المتاحة لدفعه نحو المصادقة عليه في البرلمان”.

هدية سياسية لنتنياهو

ويرى الكاتب فيما تظهر “عدم رغبة الحكومة في إجراء تحليل جدي لمشروع القانون الذي يمثل هدية سياسية كبيرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي المحاصر ولبوتين، وهو يهدد بإلحاق مثل هذا الضرر الخطير والدائم بسمعة بريطانيا في التعامل العادل”.

ويقول “منذ أن عاد نتنياهو إلى الظهور كرئيس لوزراء إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول الماضي، اتخذت الأحداث داخل إسرائيل، وخاصة الضفة الغربية المحتلة، منعطفاً نحو الأسوأ وقام بتسريع ضم أراضي الضفة الغربية.

ويشدد “لقد تصاعد عنف المستوطنين بطريقة مرعبة، كما أن التوسع الهائل في بناء المستوطنات هو جزء من برنامج منهجي لجعل قيام الدولة الفلسطينية أمرا مستحيلا “.

ويختم الكاتب بالقول ” لقد شرع نتنياهو نفسه في تنفيذ برنامج للإصلاح القضائي يهدد بتفكيك الديمقراطية داخل إسرائيل نفسها..ومع ذلك، بينما تتجه إسرائيل في هذا الاتجاه المرعب، تعمل حكومة سوناك على الترويج لتشريع يبعث برسالة مفادها أن إسرائيل قادرة على مواصلة برنامجها الاستيطاني غير القانوني، مع كل ما يصاحبه من عنف المستوطنين المروع، مع الإفلات التام من العقاب”.

المصدر: موقع ميدل إيست آي البريطاني

ترجمة: صحيفة القدس العربي




وفد إسرائيلي في مؤتمر الدمام.. ماذا تنتظر السعودية لإعلان التطبيع؟

كشفت وسائل إعلام إسرائيلية عن استضافة المملكة العربية السعودية 12 رجل أعمال إسرائيلي للمشاركة في مؤتمر احتضنته مدينة الدمام عن الأمن السيبراني خلال يومي 6 و7 سبتمبر/أيلول الحاليّ، في سابقة هي الأولى من نوعها منذ الحديث عن تطبيع العلاقات بين الرياض وتل أبيب.

رغم تعتيم الإعلام السعودي عن تلك المشاركة الاستثنائية لوفد رجال الأعمال الإسرائيلي في هذا المؤتمر، فإن صحفًا إسرائيليةً أشارت إلى أن تلك المشاركة تعكس بشكل كبير حجم التقارب بين البلدين في المجال الاقتصادي الذي من الممكن أن يقود قاطرة التطبيع بشكل علني خلال المرحلة القادمة، وفق ما نقلت عن مسؤولين ومراقبين من البلدين.

تتزامن تلك الخطوة مع زخم دبلوماسي إسرائيلي وأمريكي لتوسيع دائرة التقارب العربي الإسرائيلي، في محاولة للحصول على المباركة السعودية بشكل علني بعد احتواء جيرانها، الإمارات والبحرين، في سبتمبر/أيلول 2020، ثم المغرب والسودان لاحقًا، فهل بات الإعلان عن انضمام الرياض إلى حظيرة أبراهام مسألة وقت؟

سياق مهم

لا يمكن قراءة تلك المشاركة بمعزل عن سياق أهم وأشمل يخيم على أجواء التقارب السعودي الإسرائيلي، إذ جاءت بعد 4 أيام من زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين، على رأس وفد يضم شخصيات سياسية واقتصادية إسرائيلية، إلى العاصمة البحرينية المنامة، مساء الأحد 3 سبتمبر/أيلول الحاليّ، في زيارة رسمية تستمر يومين، لبحث سبل دفع العلاقات بين الدولتين.

كما تتزامن معها زيارة مرتقبة من المقرر أن يقوم بها وفد أمريكي بقيادة مسؤول ملف الشرق الأوسط في البيت الأبيض، المحامي بريت ماكغورغ، ومساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، تلك الزيارة التي تأتي بعد نحو شهر تقريبًا من زيارة مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان للرياض لمناقشة ملف التطبيع السعودي الإسرائيلي.

وبالتوازي مع جولة ماكغورغ أجرى أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ووزير الشؤون المدنية حسين الشيخ، زيارة مماثلة إلى العاصمة السعودية، لبحث المطالب التي تود السلطة الفلسطينية تنفيذها والمكاسب المتوقعة حال تم إبرام اتفاق التطبيع بين المملكة و”إسرائيل”.

وفي الأسبوع ذاته زار وفد رسمي مغربي برئاسة رئيس مجلس المستشارين المغربي (الغرفة الثانية بالبرلمان) النعم ميارة العاصمة الإسرائيلية تل أبيب، في زيارة هي الأرفع لمسؤول مغربي لـ”إسرائيل” منذ تطبيع العلاقات بين تل أبيب والرباط ديسمبر/كانون الأول 2020، وذلك بعد توقفها عام 2000.

الأمن والاقتصاد.. سياق التفاهم الأبرز

يؤمن الجانب الإسرائيلي أن الأمن هو المدخل الأهم للدخول إلى مفاصل السعوديين، وأن اللعب على وتر تعزيز الدفاعات السعودية في مواجهة التهديدات التي تواجهها المملكة عبر أشرطة حدودها الممتدة جنوبًا وشرقًا هو اللحن الأكثر طربًا للقيادة السعودية التي تعرضت خلال السنوات الماضية للعديد من العمليات التي أثارت خوف وهلع الشارع السعودي.

من هنا يأتي حضور الوفد الإسرائيلي إلى قمة الدمام التي تعرضت لهجوم بصواريخ وطائرات مسيرة على بعد 1000 كيلومتر تقريبًا، أطلقها الحوثيون في اليمن عام 2019، الأمر الذي دفع الرياض للبحث عن كل السبل الممكنة لتعزيز قدراتها العسكرية للتصدي لمثل تلك الهجمات، وعليه جاء مؤتمر الدمام عن الأمن السيبراني ومشاركة الإسرائيليين الذين يمتلكون تكنولوجيا متطورة في هذا المجال.

يذكر أنه في مايو/أيار الماضي، كانت السلطات السعودية قد وجهت دعوة للباحثة الإسرائيلية المتخصصة في الأمن السيبراني، نيريت أوفير، لإلقاء محاضرة في مؤتمر “الأمن في الشرق الأوسط” الذي عقد في الرياض، وكانت تلك المرة الأولى التي تدعى فيها أكاديمية إسرائيلية لإلقاء محاضرة أمام جمع سعودي عربي، وبعد تلك الدعوة طلب مسؤولون سعوديون من الباحثة الإسرائيلية قيادة وفد اقتصادي أمني إسرائيلي، للمشاركة في مؤتمر الأمن السيبراني في الدمام.

يمثل التصدي للنفوذ الإيراني في المنطقة المعول الأبرز الذي يعول عليه الإسرائيليون لإقناع السعوديين بإبرام اتفاق تطبيع علني، فرغم التقارب المحتمل بين الرياض وطهران – المعرض لانتكاسة جديدة بسبب الخلاف بشأن بعض الملفات كحقل درة النفطي – فإن الخصومة الأيديولوجية التاريخية بين البلدين هي صاحبة الكلمة العليا في حسم العلاقات بينهما، وهو ما تحاول تل أبيب توظيفه لخدمة أجندتها التوسعية إقليميًا.

وعلى الجانب الموازي للأمن يأتي الاقتصاد الذي تحول في الآونة الأخيرة إلى الجسر الأكبر لتدشين مرحلة جديدة من العلاقات، بين الحلفاء والخصوم على حد سواء، وهو ما يمكن قراءته في المشهد المصري التركي من جانب، والتركي الخليجي من جانب آخر، والقطري المصري من جانب ثالث.

وعليه قد يكون الاقتصاد ساحة الالتقاء الكبرى بين الطموح السعودي نحو الريادة، وتعطش دولة الاحتلال لتعاظم دورها الشرق أوسطي، إيمانًا بأن الدولة القوية هي صاحبة الاقتصاد القوي، حتى لو كان ذلك على حساب المرتكزات القومية والوطنية بل والدينية، وهو ما توثقه الكثير من المؤشرات خلال السنوات الماضية.

إجراءات تمهيدية

في تعليقه على مشاركة الوفد الإسرائيلي العلنية في مؤتمر رسمي سعودي، وعلى مرأى ومسمع من الجميع، قال الرئيس التنفيذي لمجموعة i24NEWS (مجموعة إعلامية إسرائيلية) فرانك ملول: “هذه فرصة تاريخية لأنه هنا، في الدمام، تتكشف أمام أعيننا علاقة تومئ إلى شرق أوسط جديد”.

أضاف ملول أن العلاقات الدبلوماسية بين السعودية و”إسرائيل” لم تعد حلمًا بعيد المنال كما كانت في السابق، فتبادل الزيارات بين مسؤولين أمريكيين وسعوديين وإسرائيليين وحتى فلسطينيين بات أمرًا عاديًا، “ما أعطى مصداقية للاعتقاد بأن حقبة جديدة في الشرق الأوسط قد تكون على الأبواب” على حد قوله.

كما نقل الموقع الإسرائيلي عن الصحفي السعودي عبد العزيز الخميس (أحد داعمي التطبيع وزار إسرائيل 3 مرات) قوله: “يجب أن نأتي بالإسرائيليين والفلسطينيين إلى الرياض للحديث عن السلام”، وأضاف “كان توقيع اتفاقيات أبراهام حدثًا مهمًا، لكن يجب أن نتذكر أن المملكة العربية السعودية مختلفة، فهي أكبر دولة في المنطقة، وفي العالم الإسلامي، وفي العالم العربي. وبعبارة أخرى، ليست مجرد دولة أخرى تنتظر في الطابور لمصافحة الإسرائيليين”.

وتوضيحًا للخطوات المتسارعة بشأن التقارب السعودي الإسرائيلي قال ممثل إحدى الشركات الإسرائيلية المشاركة في المؤتمر: “المحادثات التي تطورت كانت رائعة وتجاوزت إلى حد كبير المواضيع المهنية”، مضيفًا “تحدثنا عن التغيير المتسارع الذي يمر به المجتمع السعودي في قضايا مثل وضع المرأة، وحتى الدوري السعودي الذي يطمح لأن يصبح من أفضل الدوريات في العالم”، وفق “i24NEWS”.

أما رجل الأعمال الإسرائيلي، ممثل شركة OOSTO الإسرائيلية في الخليج، أمبار دالفي، المقيم في دبي، فيقول: “في البلدان التي هي في الواقع أعداء لإسرائيل، تحظى تقنياتكم بتقدير كبير، ولا يخجلون من استخدامها”، فيما أضاف زميله نائب رئيس الشركة، فاديم ألوني: “تمتلك الشركات الإسرائيلية تقنيات مذهلة يحتاجها السوق السعودي، في عالمي الدفاع والأمن. شركة OOSTO متخصصة في منتجات التعرف على الوجه والسلوك، وتفخر بالمشاركة في هذا الوفد الرائد، الذي يمكن أن يعزز السلام الإقليمي والعلاقة الاقتصادية بين البلدين”.

تهرول تل أبيب وواشنطن لإبرام اتفاق تطبيع علني مع السعودية في أقرب وقت، في محاولة للاستفادة من الثقل الاقتصادي للمملكة في ظل المستجدات الإقليمية والدولية وفي ضوء حرب الاستقطابات العالمية المشتعلة بين المعسكرين الشرقي والغربي.

هذا بخلاف العمل على ترميم الطعنات التي تلقاها جدار التطبيع العربي الإسرائيلي خلال الآونة الأخيرة بسبب زيادة حدة الاحتقان الشعبي جراء الانتهاكات التي مارسها المتطرفون الإسرائيليون بحق الفلسطينيين، وأبطأت بشكل كبير من إتمام الصفقة السعودية الإسرائيلية تحديدًا.

وفق المؤشرات الأخيرة فإن التطبيع بين السعودية و”إسرائيل” تجاوز مرحلة الدراسة والتقييم إلى مرحلة الإعلان النهائي وانتظار الوقت المناسب لذلك، فكل المؤشرات تذهب في هذا الاتجاه، وتبقى ساعة التوقيع الرسمي محل الخلاف في ظل محاولات إخراج المشهد بشكل جيد وبما يضع في الاعتبار القضية الفلسطينية.

المصدر: موقع نون بوست




الموساد يكشف وثائق لتبرئة نفسه من إخفاقات حرب أكتوبر

من خلال نشر آلاف الوثائق الجديدة حول حرب أكتوبر، في الذكرى السنوية الخمسين لوقوعها، بادر جهاز المخابرات الخارجية في إسرائيل (الموساد)، إلى استئناف الحرب الداخلية مع شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش (أمان)، محاولاً تبرئة نفسه من الإخفاقات والقول إنه كان قد حذّر من قدوم الحرب عدة مرات، لكن الجيش استخف بتحذيراته.

وعلى نحو استثنائي، نشر الموساد كتاباً بعنوان «ذات يوم، حين يكون الحديث مسموحاً»، كتبه فريق من «الدائرة التاريخية»، ووقع بأول حرفين من اسم مسؤولة الفريق «ر.م». وقد أجمع المراقبون الإسرائيليون على أن الكتاب، الذي يعدّ أول إصدار باسم «الموساد»، لا يتناول الموضوع كدراسة علمية تاريخية تعتمد على مصادر سرية، بل هو مجرد «قصائد تكيل المديح للجهاز، وتضخم إنجازاته، وتبجل رئيس الموساد في حينه، تسفي زمير، وتخلو من أي نقد ذاتي. وتحتوي على تناقضات كثيرة. ويبدو أن الغرض الأساسي منه هو الدفاع عن النفس ودحض اتهامات الجيش الذي يقول إن الموساد لم يقدم أي معلومات جدية تغير توجه القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، في حينه، التي أقنعت نفسها بأن العرب لن يحاربوا إسرائيل».

ويورد الكتاب مجموعة من الوثائق التي تبين أن الموساد حصل على معلومات مهمة ودقيقة عن نية مصر وسوريا إعلان حرب على إسرائيل، كان بينها تحديد موعد الانطلاق لهذه الحرب، في 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973. ويرفض الموساد ادعاءات «أمان» في حينه بأن أشرف مروان، صهر الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر ومساعد الرئيس أنور السادات، كان عميلاً مزدوجاً ويرفض الادعاء المصري بأنه كان «بطلاً قومياً نجح في جلب أهم المعلومات عن العدو». وقال إن الموساد الإسرائيلي فحص هذه المعلومات وتوصل إلى اقتناع بأنه عمل في خدمة إسرائيل، إذ هو الذي حدد يوم 6 أكتوبر يوم انطلاق الحرب. وثبتت صحة معلوماته.

رئيس أركان الجيش ألعزار مع رئيس شعبة «أمان» إيلي زعيرا في الوسط (أرشيف إسرائيل)

ومن البروتوكولات التي ينشرها «الموساد»، يتضح أن مروان كان يعدّ الحرب أمراً خطيراً على مصر وإسرائيل وسوريا، وأن غباء القيادات يدفع نحوها، وأنه قدّم المعلومات إلى إسرائيل من جهة، واستغل نفوذه في مصر من جهة ثانية لكي يدفع القيادات في كل طرف لعمل شيء يوقف الحرب. وبحسب الموساد، فإن مروان لم يكن المصدر الاستخباري الوحيد، لكنه قدم معلومات كثيرة حول الجيشين المصري والسوري، لكن «لسوء الحظ، فإن هذه المعلومات الاستخبارية العالية الجودة لم تمنع المفاجأة الاستراتيجية للجيش الإسرائيلي، ودفع ثمن هذه الحرب باهظاً بالدماء».

وتضمنت المواد الأرشيفية التي كشف عنها الموساد، أن تشغيل أشرف مروان، الذي لقبه الموساد بـ«الملاك»، بدأ عام 1970. وبحسب الضابط، الذي كان مسؤولاً عن العلاقة به، ويدعى «دوبي»، فإنه «كان يتمتع بقدرة غير عادية على الوصول إلى رأس هرم القيادة المصرية، والبريد يمر عبر مكتب مروان قبل أن يصل إلى الرئيس (السادات)»، وكان مسؤولاً عن «نقل تعليمات رئيس الجمهورية إلى جميع الأجهزة الحكومية»، و«تقديم معلومات كافة الأجهزة الاستخبارية إلى رئيس الجمهورية. وكان حاضراً في جميع مؤتمرات رؤساء الدول العربية التي عقدت في القاهرة وفي جميع الاجتماعات التي يعقدها رئيس الوزراء المصري، وكان «يحتفظ بعلاقات شخصية في جميع قطاعات الجيش المصري».

مقطع من بروتوكولات الموساد (أرشيف الموساد)

ويكشف الموساد بروتوكولات كثيرة، من بينها ذلك الذي وثق للاجتماع الذي عقد في مساء 5 أكتوبر 1973، في لندن، وأصر فيه مروان على أن يتم اللقاء مع رئيس الموساد تسفي زمير، وليس مع ضابط أقل منه درجة. وجاء في الوثيقة، التي تضمنها البروتوكول: «اتصل (مروان) الليلة الساعة 9:30 مساءً هاتفياً… في المحادثة قال… سيصل غداً الجمعة، مساء 5 أكتوبر، لعقد لقاء، سيقدم خلاله معلومات… يقول إنها ذات أهمية كبيرة… وألمح إلى أن المعلومات التي جاء ليوصلها تخص… (هذا الجزء من الوثيقة لا يزال محظوراً) بحوزته. هذه القائمة كما هو معروف هي رمز للإنذار». وجاء في بروتوكول اللقاء في لندن أن مروان طلب أن يتحدث عن الحرب، وقال إن «هناك احتمالاً بنسبة 99 في المائة أن تبدأ الحرب غداً السبت». فسأله زمير: «لماذا غداً؟»، فأجاب مروان: «لأن هذا ما تقرر، وهو يصادف يوم عيد بالنسبة لكم». وأوضح مروان أن الحرب ستبدأ على الجبهتين السورية والمصرية في نفس الوقت. وأنه أكد في البداية أنها ستندلع «في المساء»، لكنه حدد لاحقاً الساعة 16:00 موعداً لاندلاع الحرب، وتبين لاحقاً أن هذا التوقيت كان أكثر دقة، حيث إن الحرب اندلعت حوالي الساعة الثانية بعد الظهر، لكن الموساد لم ينقل هذه المعلومات إلى الجيش الإسرائيلي، بل تمسك بمقولة مروان الأولى «قبيل المساء».

وفي التعقيب على منشورات الموساد، تساءل كثير من الخبراء العسكريين في الصحافة العبرية (الجمعة): «إذا كان رئيس الموساد قد سمع في لندن أن الحرب ستقع بعد ساعات، فلماذا لم يتصل من هناك ويخبر الجيش لكي يستعد لها؟ لماذا انتظر حتى عودته إلى تل أبيب… أليس هذا أيضاً إخفاقاً كبيراً؟».

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




موقع بريطاني: اتفاقية أوسلو ماتت.. وجيل جديد من المقاومة الفلسطينية يتشكل بسرعة

انطلاقا من قناعاته بأن اتفاقية أوسلو صارت ميتة، يقول ديفيد هيرست، رئيس تحرير موقع ميدل إيست آي البريطاني، “إنه من الواضح بشكل مؤلم أن احتمال إنشاء دولة فلسطينية إلى جانب دولة تعرف نفسها على أنها يهودية، هو صفر”.

ويشير هيرست إلى وجود 700 ألف مستوطن إسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ويرى أنه ليس هناك في الأفق السياسي الإسرائيلي أي استعداد لإزالتهم ، بل على العكس تماما، فإن عمليات الضم متسارعة سواء من جانب ما تؤيده مجموعة واسعة من النخبة السياسية الإسرائيلية من الوسط إلى اليمين، أو على النحو الذي يعتزم القيام به الحزب الديني الموجود حاليا في دفة القيادة.

هذا الواقع أدى، برأي الكاتب، إلى فقدان السلطة الفلسطينية شعبيتها ومعناها. ويضيف أن تحقيق حل الدولتين صار بعيد المنال رغم الدعوات الدولية المتكررة لذلك بما فيها مواقف الأمم المتحدة والولايات المتحدة والصين والهند، وروسيا وكل دولة أوروبية.

أما السبب برأيه فهو أن اتفاقية أوسلو تستخدم كآلية لدعم الدولة الواحدة (إسرائيل) التي تستمر في الوجود والتوسع، حيث تم ترسيخ سياسة دعم الحق الحصري في السيادة لشعب واحد فقط في هذا الصراع عبر إجراءات مثل الجدار العازل والطرق وحواجزها التي تقسم الضفة الغربية إلى عدد لا يحصى من السجون.

سلطة فلسطينية مشلولة

ويضيف هيرست أنه بالمقابل يتم الإبقاء على السلطة الفلسطينية المشلولة على قيد الحياة، من قبل إسرائيل التي ليس لديها نية لاستئناف المفاوضات. ولأنه من مصلحة الدولة اليهودية الآخذة في التوسع أن تكون السلطة الفلسطينية باقية في مكانها، فطالما السلطة موجودة، ستبقى الحدود الشرقية هادئة، حيث إسرائيل هناك هي الأكثر ضعفا… وليس من مصلحة إسرائيل أن تحل السلطة الفلسطينية لأن لها دورا رئيسيا في الحفاظ على أن يكون الاحتلال غير مؤلم للمحتل قدر الإمكان.

ويضيف ديفيد هيرست في مقالته قائلا: “كان اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل في عام 1993 بمثابة كارثة للقضية الوطنية الفلسطينية. ومع وجود أوسلو، لا يمكن أبداً أن تكون هناك حكومة وحدة وطنية تتألف من ممثلين عن كافة الفصائل الفلسطينية”.

لكن بالنسبة لإسرائيل فإن العكس هو الصحيح إلى حد ما. فقد ارتفع عدد الدول التي تعترف بإسرائيل من 110 دول عام 1993 إلى 166 دولة اليوم، ويمثل ذلك 88% من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة. وقد زاد عدد المستوطنين في الضفة الغربية أربعة أضعاف، من 115 ألفاً إلى 485 ألفاً، باستثناء القدس الشرقية … لقد اختفى حق العودة كمطلب”.

ويسأل الكاتب “هل كان من الممكن أن تؤدي أوسلو إلى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة؟” ثم يجيب “أشك في ذلك”.

جيل جديد من المقاومة يتشكل بسرعة

وبرأي الكاتب، أنشأت أوسلو نموذجا لجعل الاحتلال غير مؤلم قدر الإمكان للمحتل. السؤال هو كم من الوقت سيبقى الوضع كذلك، في حين أن النار تحت أقدام المحتل تستعر بقوة كما كانت دائما.

ويضيف أن “جيلا جديدا من المقاومة يتشكل بسرعة، وهو أيضاً رد فعل على اتفاقية أوسلو التي لم تعط أي دور للفلسطينيين الذين لم يغادروا عندما تم إعلان قيام إسرائيل كدولة. لقد أصبح فلسطينيو عام 1948 الآن جزءا لا يتجزأ من القضية الوطنية الفلسطينية، وكذلك سكان القدس أيضا. واعتبارا من عام 2021، أصبح الشعب الفلسطيني واحدا مرة أخرى.

ويوضح ديفيد هيرست رؤيته هذه بالقول “لقد تعلم الذين لم يكونوا قد ولدوا عام 1993 أن أوسلو لن تحررهم، وهم ينخرطون اليوم في مقاومة مباشرة وهم على علم تام بأنهم تعرضوا للخذلان من المجتمع الدولي والقيادة التي أخذتهم إلى أوسلو.

ثم يسجل الكاتب أنواعا أخرى من المقاومة عندما يقول “ولا تقل أهمية عن ذلك المقاومة السلبية التي أبداها المزارعون في تلال جنوب الخليل، أو شعفاط في القدس، أو في أي مكان يرفض فيه الفلسطينيون مغادرة أراضيهم تحت ضغط لا يطاق من المستوطنين والجيش (الإسرائيلي). ولا يهم عدد المستوطنات الموجودة إذا رفض الفلسطينيون المغادرة.

ويشير الكاتب، بالمقابل، إلى استعار الصراع الإسرائيلي الداخلي على السلطة. ويقول إنه “مع تعمق الاحتلال، تظهر انقسامات عميقة بين المحتلين، إذ إن أتباع إسحق رابين يفقدون السيطرة على المجتمع الإسرائيلي.

ثم يختم بالقول “إنه قبل أوسلو، كانت هناك روايتان: واحدة فلسطينية والأخرى إسرائيلية، ولكن الآن هناك ثلاث روايات على الأقل إذ هناك معركة مميتة تدور بين الصهيونية الليبرالية والحركة الدينية القومية وهذا صراع على السلطة من أجل السيطرة على إسرائيل.

المصدر: موقع ميديل إيست آي البريطاني

ترجمة: صحيفة القدس العربي




الأرشيف الإسرائيلي يكشف معلومات إضافية عن اللقاءات السرية بين الملك حسين وغولدا مئير

عشية الذكرى الخمسين لحرب 1973، رفع الأرشيف الإسرائيلي النقاب عن مئات المحاضر التاريخية الخاصة بتلك الحرب التي أصابت إسرائيل بصدمة كبيرة وجرح لم يبرأ بعد وما زال يشغلها بشكل واسع رغم مرور خمسة عقود. ومن ضمن هذه المستندات ما يتعلق بالعاهل الأردني الراحل الملك حسين، الذي وفقا لهذه المحاضر الأرشيفية وصل إلى تل أبيب والتقى بناء على طلبه رئيسة حكومة إسرائيل غولدا مئير داخل منشأة تابعة للموساد في 25 أيلول/ سبتمبر من العام 1973، وطلب اطلاعا على معلومات استخباراتية بحوزته حول نية سوريا مهاجمة إسرائيل بغية تحرير الجولان.

يشار إلى أن حقيقة الاجتماع الذي طالب به الملك حسين على عجل من أمره حسب المحاضر التاريخية قد كشف عنها في إسرائيل قبل عشرات السنوات مثلما كشف الكثير مما دار فيه. الآن وبعد 50 سنة على حرب رمضان المعروفة إسرائيليا بـ”حرب الغفران” تم الكشف عن معلومات إضافية تخللها الاجتماع المذكور وكيفية تعامل الطرف الإسرائيلي مع العاهل الأردني الراحل، خاصة إيلي مزراحي الموظف المسؤول الذي تولى تسجيل يوميات ديوان رئاسة الوزراء. ومن أجل إخفاء هوية الملك حسين والتستّر عليه في المحاضر الرسمية تمت تسميته في هذه اليوميات بـ”ليفت”. وقال في لقائه مع غولدا مئير إنه علم من مصدر حساس جدا أن هناك تدريبات واستعدادات سورية، وإن الوحدات القتالية موجودة داخل ثكناتها منذ يومين بما يشمل سلاح الجو والصواريخ استعدادا للهجوم. وحسب هذه المحاضر نُقل عن الملك حسين قوله إن “مصدره الحساس” أبلغه بأنه لا يعلم معنى هذه الاستعدادات لكنها حقيقة واقعة.

سؤال غولدا مئير

وحسب المحاضر التاريخية الإسرائيلية سألت غولدا مئير: هل من الممكن أن يهاجم السوريون دون تعاون كامل مع مصر؟ قال الملك حسين نقلا عن “المصدر الحسّاس”: “لا أعتقد ذلك. سيتعاون السوريون والمصريون”. وحسب المحاضر الأرشيفية هذه كان هذا الإنذار الأردني الثالث قبيل حرب 1973. ففي غضون ثلاثة شهور أرسل الجانب الأردني معلومات لإسرائيل حول الحرب المحتملة ثلاث مرات لكن هذه المعلومات لم تقنع الحكومة الإسرائيلية بأن الحرب ستندلع قريبا.

وهذا ما يؤكده البروفيسور الإسرائيلي أوري بار يوسيف في كتابه الجديد “انتعاش” حيث يشير إلى أن رئيس الاستخبارات العسكرية وقتها إيلي زعيرا واصل استخفافه بمعلومات الملك حسين وبمثل هذه الإنذارات وقال عن إفادة الملك إنها “قصيرة وغير مكتملة”. وحسب هذا الكتاب، فإن وحدة الدراسات داخل الاستخبارات العسكرية قالت للمسؤولين الإسرائيليين إن معلومات الملك حسين “خالية من أي جديد ومن غير الممكن اعتبارها إنذارا”. ويستكمل الأرشيف الإسرائيلي عملية الكشف عن كامل يوميات رئاسة الوزراء البالغة 3500 ملف تشمل مئات آلاف الصفحات بعدما كان قد كشف عن قسم منها في الماضي (في 2010 و2013).

توثيق الواقع قبل وخلال وبعد الحرب

وتوثق المحاضر الأرشيفية الأحداث قبل وخلال وبعد الحرب في الحلبة السياسية والعسكرية والدولية والجماهيرية والمدنية. وتشمل هذه الأرشيفات محاضر خاصة باجتماعات الحكومة والمشاورات السياسية والأمنية ومعها 750 تسجيلا صوتيا وأشرطة فيديو صورّت ووثقّت صحافيين وجنودا دونّوا الحرب بالصوت والحركة. وتكاد تخلو المحاضر الجديدة من كشوفات جديدة من شأنها تغيير صورة الواقع الخاصة بحرب 1973. لكن مئات آلاف الأوراق تشمل بعض المقاطع المعلوماتية الجديدة التي من شأنها تسليط الضوء على قضايا بحثية معينّة، لكن أهمية النشر تكمن بنشر كمية كبيرة من الأرشيفات دفعة واحدة تتيح التعّمق بدراسة تلك الحرب من زوايا نظر مختلفة.

برقية غولدا مئير لحسين

من جملة هذه تفاصيل اليوميات المذكورة، على سبيل المثال إرسال غولدا مئير برقية للملك حسين في 5 أكتوبر/ تشرين الأول من العام 1973، أي قبل يوم واحد من اندلاع الحرب.

المؤرخ بار يوسيف الخبير بتاريخ حرب 1973 يقول لصحيفة “هآرتس” في هذا المضمار إن بعض المعطيات هامة وتدلل على التنسيق بين إسرائيل والأردن. وترد المعلومة عن البرقية المذكورة الساعة العاشرة وخمس دقائق صباحا (6 أكتوبر 1973) – عدة ساعات قبل شن الحرب. وحسب المحاضر التاريخية فقد قام السكرتير العسكري لرئيسة الحكومة الإسرائيلية، الجنرال يسرائيل ليئور، بإطلاعها على وجود مصادقة من قبل “ليفت” (الملك حسين) على تلقيه برقية غولدا مئير في اليوم السابق دون إشارة لسؤال مئير في برقيته. وفي السابق كشف النقاب عن تبادل البرقيات بين الملك حسين وغولدا مئير لكن التسمية السرية “ليفت” قد حذفت فيما كشف عنها هذه المرة. ورغم عدم وجود إشارة لمضمون البرقية، من الممكن الترجيح بأن رسالة الملك حسين تتطرق لطلب مئير من العاهل الأردني الالتزام بعدم الانضمام للحرب في حال اندلعت فعلا.

الرقابة العسكرية

يشار إلى أن الكثير من الوثائق التاريخية كشف عنها، اليوم الخميس، هناك صفحات كثيرة تم حذف مضمونها أو أجزاء منها على يد الرقابة العسكرية الإسرائيلية لدواع أمنية تتعلق بأمن إسرائيل وعلاقاتها الخارجية والحفاظ على سمعة بعض الأشخاص. وستفتح هذه الملفات بالكامل بعد 40 سنة وفقا للنظام الإسرائيلي الخاص بالأرشيفات العسكرية أي بعد مرور 90 عاما على وقوع الأحداث ذات الصلة، إذ يمكن من قراءة بقية يوميات رئاسة الوزراء الإسرائيلية الفهم بأن إسرائيل على ما يبدو حولّت للملك حسين برقيات إضافية خلال حرب 1973 لكن محتوياتها ما زالت ممنوعة من النشر.

“يانوكا”

ويستدل من مستندات أرشيفية أخرى كشف عنها الأرشيف الإسرائيلي بمناسبة مرور 50 عاما على حرب 1973 أنه تم منح الملك حسين تسمية سرية أخرى: “يانوكا”، في إشارة إلى تتويجه ملكا قبل سن الرشد (وهو ابن 17 عاما). هكذا يرد اسم الملك حسين في برقية لمدير عام رئاسة الوزراء الإسرائيلية مردخاي غازيت للسفير الإسرائيلي في واشنطن سمحا دينتس في يونيو/ حزيران 1973 أي قبل شهور من شن حرب 1973.

ويقول غازيت إن الملك حسين كان يخشى دخول جيوش عربية غريبة لمملكته.

ويضاف هذا المستند لمستندات ومعلومات أخرى حولّها الملك حسين في لقاءات سابقة مع غولدا مئير توقف فيها عند ضغوط تمارس عليه من أجل الانضمام للحرب.

يذكر أن دفعة المحاضر التاريخية هذه تأتي بعد دفعات أرشيفية أخرى كشف عنها في الشبكة خلال الأسابيع الأخيرة: الدفعة الأولى كشف عنها أرشيف الجيش، والدفعة الثانية كشفت عنها جمعية “المركز حرب يوم الغفران”.

المصدر: صحيفة القدس العربي