1

بين بوش وبايدن: هكذا يتم التأطير الإعلامي لتبرير الحرب

الواقع أنه لا يوجد بالتأكيد إجماعٌ حول كيفية تفسير الأحداث حول العالم، والحق أنه ليس ثمة إعلام موضوعي ومحايد. حتى أننا قد وصلنا إلى مرحلة من السيرورة الإعلامية، أخرجت الحقيقة من المسار الإعلامي. فمن يملك التكنولوجيا يملك الرواية والسردية، التي ستقود الجماهير العالمية كالدمى المتحركة، وسيظنّ الجمهور أنّ التغطيات التي يشاهدها محايدة، لأنها تقارير من الخبراء، ولكنها في الحقيقة هي عبارة عن تأطير إعلامي أيديولوجي للأحداث، مع كلّ التحيّز الذي يلزم منطقيًا للتبرير العاطفي، خاصة أن الفقرات الإخبارية ترتبط في الغالب بإحساس الأمان، أو التهديد الذي يمكن إثارته بكل سهولة.

لدى إعلانه “الحرب على الإرهاب”، حسم بوش الابن الموقف الدولي من الحرب على العراق عندما قال: “إما أن تكونوا معنا وإما علينا”. وعليه، كان على الأطراف الدولية أن تختار، إما أن تكون مع محور الخير أو أن تكون مع محور الشرّ. لقد كان هذا التأطير الأول والذي قام به الرئيس الأميركي لدعم التضليل الإعلامي والتلاعب بالحقائق، من خلال جعل العالم يصطف بين محورين يمسّان مباشرة بجوهر الحياة الإنسانية. وكان على المجتمع الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، أن يختار الخير، ويدعم الحرب على الشرّ. كما أن تأطير هذه الحرب بهاتين القيمتين، يدين مسألة عدم الانحياز إلى أحد الطرفين كموقف، فتصبح الجهود السياسية والدبلوماسية غير مقبولة ضمنًا، وبالتالي يحصل بوش على الدعم “الكوني” لحربه المزعومة على الإرهاب.

يمارس بايدن اليوم نفس اللعبة، ويدعو جميع الدول إلى “إدانة “الفظائع الوحشية” التي ترتكبها حماس بشكل لا لبس فيه، والتي تشبه الفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش منذ سنوات عديدة”. يصرّح بلينكن وزير خارجيته أنّ “الشر الحقيقي الذي رأيناه يلحق بإسرائيل خلال الأيام القليلة الماضية يجعلنا نقف مع إسرائيل”. ويؤكد مرارًا وتكرارًا أن “الأعمال “الإرهابية” التي تقوم بها حماس ليس لها مبرر ولا شرعية ويجب إدانتها عالميًا”. لويد أوستن، وزير الدفاع الأمريكي، يقول “هذا ليس وقت الحياد”. غالانت وزير دفاع الاحتلال يصرّح أنه يحارب “وحوشًا بشرية”. نتنياهو يفتتح خطاباته بالحديث عن أصدقائه الذين قتل أبناؤهم خلال الطوفان. ولا ينقصه إلا أن يبكي أمام الشاشات. وسائل الإعلام الغربية الجماهيرية تعمل على تأطير عبور حماس خارج غزة، على أنه اعتداء حصل ابتداءً، بريطانيا منعت رفع العلم الفلسطيني، ونادرًا كي تسمع خبيرًا يتحدّث عن أصل القضية: وهي أن هؤلاء هم أصحاب الأرض. حتى إن جامعة هارفرد أصدرت تقييمًا علميًا للوضع القائم، قالت فيه بما معناه أن التخلّص من الصداع يحتاج إلى معالجة أصل المشكلة، وليس التعامل مع عوارضها، والمشكلة هي أن إسرائيل كيان استيطاني إحتلالي، تحاول إبادة شعب عصيّ عن الإبادة. وبالطبع سيحتاج المرء أن يبحث كثيرًا حتى يحصل على هذا النوع من الآراء، بسبب التأطير الإعلامي الممنهج، وسيتم اتهامه طبعًا بالتهمة الشهيرة، وتلك العبارة المحرمة، والتي استطاعت أن تصبح مرتبطة شرطيًا ببث الرعب بمجرد ذكرها: وهيي معاداة السامية، إنها حرب نفسية على شعوبهم قبل أن تكون على شعوبنا بطبيعة الحال.

“التأطير الإعلامي” هو من أكثر نظريات التأثير الإعلامي رواجًا، لما له من القدرة على بناء وتشكيل اتجاهات الرأي العام إزاء القضايا والموضوعات، كما أن التأطير، يقدّم تفسيرًا عمليًا ومنتظمًا لكيفية حدوث التأثيرات المعرفية والوجدانية لوسائل الإعلام على الجمهور، بمختلف فئاته وخصائصه الديموغرافية. ويمكن تعريف التأطير على أنه تحديد جوانب معينة من الواقع والقضايا وجعلها أكثر بروزًا في التغطية الإعلامية، فيتبناها الجمهور.

واليوم يعمد الإعلام المعادي بما فيه الإسرائيلي والأمريكي والغربي بشكل عام، وخاصة المنصات الأساسية، وما يسمى بالإعلام الوافد، إلى التركيز على التفوق العسكري والتكنولوجي. من خلال إرسال حاملات الطائرات والتعزيزات العسكرية، والتركيز عليها. ومن خلال استعراض القوة لخرافة “الجيش الذي لا يقهر”. ويتم التركيز في المرئي والمسموع على تحليلات تؤكد بشكل قاطع، بأن حزب الله، ليس معنيًا بالدخول في المعركة، وإذا لفتتك العناوين التي تظنّ أنك ستقرأ داخلها ما يمكن أن يُنصف التخطيط الاستراتيجي لكتائب القسام، فإنك ستدخل إلى مضمون يركز على نتائج التخطيط بما يتناسب مع التأطير الإعلامي المطلوب، وليس مع أصل الإنجاز، ويتم تأطير العملية العسكرية بالتركيز على القتلى الإسرائيليين وقصصهم العاطفية، وتأطير إنجاز الصواريخ التي لا تزال تُطلق من غزة، على الرغم من الإطباق عليها جوًا، واعتماد استراتيجية الأرض المحروقة من خلال القصف، ويتم تأطيرها باستهداف الأطفال والنساء المستوطنين. في المقابل، تختفي صور الأطفال الغزاويين والنساء، وكل الدمار وأخبار الحصار، وحتى مناشدات المنظمات الدولية (وإن كانت خجولة) من داخل غزة.

 وهكذا يكون لوسائل الإعلام مهمات أربع في هذه الحرب: تأطير الحرب لإقناع الرأي المحلي بضرورة دخولها من قبل إدارة أمريكية غارقة في الوحل الأوكراني أمام شعبها، والثاني تعبئة الرأي العام الدولي وحشده لخوض حرب من المتوقع أن تتدحرج إلى حالة اصطفاف عالمي كما حصل في أوكرانيا، والثالثة هي الحرب النفسية على حزب الله ومحور المقاومة كي لا يتدخل في الحرب، أما الرابعة فهي شيطنة حماس باعتبارها هي المعتدية وليس الاحتلال، ونزع الصفة الإنسانية عنها باعتبار أن من يُقتل هو فقط الشعب اليهودي وبذلك يصبح لديهم الحجة أمام الرأي العام العالمي لإلغاء كل قواعد الحرب.

زينب عقيل

المصدر: موقع الخنادق




فورين أفيرز: اجتياح غزة يهدد مصالح واشنطن

في بيئة سياسية محمومة، أيدت واشنطن الخطط العسكرية الإسرائيلية إثر عبور حماس من غزة بشكل كامل، ولا سيما الامتناع عن الحث على ضبط النفس. وبحسب فورين أفيرز، فقد كانت أعلى الأصوات في الولايات المتحدة هي تلك التي تحث على اتخاذ تدابير متطرفة ضد حماس. وفي بعض الحالات، دعا المعلقون إلى القيام بعمل عسكري ضد إيران بسبب رعايتها المزعومة لعملية حماس.
الواقع أنه مهما كانت الإدارات الأمريكية مأزومة مع أكثر الحكومات تطرفًا في الكيان المؤقت، إلا أن ديدن الرؤساء الأميركيين الدعم المطلق للكيان المؤقت، انطلاقَا من ترومان الذي كان واضحًا أنه سيدعم تأسيس الكيان على الرغم من معارضة بريطانيا وكل مستشاريه له، لأسباب انتخابية.
في هذا المقال في مجلة فورين أفيرز يرى الكاتب أنه بدلًا من ذلك على الولايات المتحدة أن تنقذ إسرائيل من نفسها. ذلك أن  الغزو الوشيك لغزة سيكون كارثة إنسانية وأخلاقية واستراتيجية. فهو لن يضر بشدة بأمن إسرائيل على المدى الطويل ويلحق بالفلسطينيين تكاليف بشرية لا يمكن فهمها فحسب، بل سيهدد أيضا المصالح الأمريكية الأساسية في الشرق الأوسط وأوكرانيا وفي منافسة واشنطن مع الصين على نظام المحيطين الهندي والهادئ.
ويرى الكاتب أنه الآن بعد أن أظهرت تعاطفها مع إسرائيل، يجب على واشنطن أن تركز على مطالبة حليفتها بالامتثال الكامل لقوانين الحرب، وأن تصر على أن تجد إسرائيل سبلا لمنع القتال مع حماس من أن يؤدي إلى تهجير وقتل جماعي للمدنيين الفلسطينيين الأبرياء”.
وفيما يلي ترجمة الخنادق للمقال:
في الصباح الباكر من يوم 13 أكتوبر/تشرين الأول، أصدر الجيش الإسرائيلي تحذيرا إلى 1.2 مليون فلسطيني في شمال غزة: يجب عليهم الإخلاء في غضون 24 ساعة، قبل غزو بري محتمل. مثل هذا الهجوم الإسرائيلي سيكون له هدف معلن يتمثل في إنهاء حماس كمنظمة ردا على هجومها المفاجئ الصادم في 7 أكتوبر على جنوب إسرائيل، حيث ذبحت أكثر من 1 مواطن إسرائيلي واحتجزت أكثر من مائة رهينة.
لقد بدت الحملة البرية الإسرائيلية حتمية منذ اللحظة التي اخترقت فيها حماس المحيط الأمني المحيط بقطاع غزة. وأيدت واشنطن الخطط الإسرائيلية بشكل كامل، ولا سيما الامتناع عن الحث على ضبط النفس. في بيئة سياسية محمومة، كانت أعلى الأصوات في الولايات المتحدة هي تلك التي تحث على اتخاذ تدابير متطرفة ضد حماس. وفي بعض الحالات، دعا المعلقون إلى القيام بعمل عسكري ضد إيران بسبب رعايتها المزعومة لعملية حماس.
لكن هذا هو بالضبط الوقت الذي يجب أن تكون فيه واشنطن أكثر هدوءا وأن تنقذ إسرائيل من نفسها. إن الغزو الوشيك لغزة سيكون كارثة إنسانية وأخلاقية واستراتيجية. فهو لن يضر بشدة بأمن إسرائيل على المدى الطويل ويلحق بالفلسطينيين تكاليف بشرية لا يمكن فهمها فحسب، بل سيهدد أيضا المصالح الأمريكية الأساسية في الشرق الأوسط وأوكرانيا وفي منافسة واشنطن مع الصين على نظام المحيطين الهندي والهادئ. وحدها إدارة بايدن – التي توجه النفوذ الفريد للولايات المتحدة والدعم الوثيق الواضح من البيت الأبيض لأمن إسرائيل – يمكنها الآن منع إسرائيل من ارتكاب خطأ كارثي. والآن بعد أن أظهرت تعاطفها مع إسرائيل، يجب على واشنطن أن تركز على مطالبة حليفها بالامتثال الكامل لقوانين الحرب. ويجب أن تصر على أن تجد إسرائيل سبلا لنقل المعركة إلى حماس لا تنطوي على قتل جماعي وتشريد المدنيين الفلسطينيين الأبرياء.

حالة غير مستقرة
لقد قلب هجوم حماس مجموعة الافتراضات التي حددت الوضع الراهن بين إسرائيل وغزة منذ ما يقرب من عقدين من الزمن. في عام 2005، انسحبت إسرائيل من جانب واحد من قطاع غزة، لكنها لم تنه احتلالها الفعلي. واحتفظت بالسيطرة الكاملة على حدود غزة ومجالها الجوي، واستمرت في ممارسة رقابة مشددة (بالتعاون الوثيق مع مصر) من خارج المحيط الأمني على حركة سكان غزة وبضائعها والكهرباء وأموالها. وتولت حماس السلطة في عام 2006 بعد فوزها في الانتخابات التشريعية وعززت قبضتها في عام 2007 بعد فشل جهود دعمتها الولايات المتحدة لاستبدال الحركة بالسلطة الفلسطينية.
منذ عام 2007، حافظت إسرائيل وحماس على ترتيب غير مستقر. تواصل إسرائيل حصارا خانقا على غزة، مما يقيد بشدة اقتصاد القطاع ويفرض تكاليف بشرية كبيرة، بينما تمكن حماس أيضا من خلال تحويل جميع الأنشطة الاقتصادية إلى الأنفاق والأسواق السوداء التي تسيطر عليها. خلال اندلاع الصراع العرضي – في 2008 و 2014 ومرة أخرى في عام 2021 – قصفت إسرائيل على نطاق واسع المراكز الحضرية المكتظة بالسكان في غزة، ودمرت البنية التحتية وقتلت آلاف المدنيين بينما أضعفت قدرات حماس العسكرية وحددت الثمن الذي يجب دفعه مقابل الاستفزازات. كل هذا لم يفعل شيئا يذكر لتخفيف قبضة حماس على السلطة.
 لقد اعتقدوا أن حماس قد تعلمت دروس المغامرات السابقة من خلال الردود العسكرية الإسرائيلية غير المتناسبة على نطاق واسع، وأن حماس راضية الآن عن الحفاظ على حكمها في غزة حتى لو كان ذلك يعني السيطرة على استفزازات الفصائل المسلحة الأصغر، مثل الجهاد الإسلامي الفلسطيني. الصعوبات التي واجهها جيش الدفاع الإسرائيلي في هجوم بري قصير في عام 2014 خففت من طموحاته في محاولة المزيد. ورفض المسؤولون الإسرائيليون الشكاوى الدائمة بشأن الآثار الإنسانية للحصار. وبدلا من ذلك، كانت البلاد راضية عن إبقاء غزة في مؤخرة الموقد مع تسريع تحركاتها الاستفزازية المتزايدة لتوسيع مستوطناتها وسيطرتها على الضفة الغربية.
لقد أصبح القادة الإسرائيليون يعتقدون أن الوضع الراهن يمكن أن يستمر إلى أجل غير مسمى.
كان لدى حماس أفكار أخرى. وعلى الرغم من أن العديد من المحللين قد عزوا استراتيجيتها المتغيرة إلى النفوذ الإيراني، إلا أن حماس كان لديها أسبابها الخاصة لتغيير سلوكها ومهاجمة إسرائيل. انتهت مناورة عام 2018 لتحدي الحصار من خلال التعبئة الجماهيرية اللاعنفية – المعروفة شعبيا باسم “مسيرة العودة الكبرى” – بسفك دماء هائل عندما فتح الجنود الإسرائيليون النار على المتظاهرين. في عام 2021، على النقيض من ذلك، اعتقد قادة حماس أنهم حققوا مكاسب سياسية كبيرة مع الجمهور الفلسطيني الأوسع من خلال إطلاق الصواريخ على إسرائيل خلال اشتباكات عنيفة في القدس بسبب مصادرة إسرائيل لمنازل الفلسطينيين، واستفزازات القادة الإسرائيليين في المجمع الأقصى: أحد أقدس المواقع الإسلامية، والذي يريد بعض المتطرفين الإسرائيليين هدمه لبناء معبد يهودي.
وفي الآونة الأخيرة، أدى التصعيد المطرد للاستيلاء الإسرائيلي على الأراضي وهجمات المستوطنين المدعومة من الجيش على الفلسطينيين في الضفة الغربية إلى خلق جمهور غاضب ومعبأ، بدا أن الولايات المتحدة – والسلطة الفلسطينية المدعومة من إسرائيل – غير قادرة وغير راغبة في معالجتها. وربما بدت التحركات الأمريكية العلنية للغاية للتوسط في اتفاق تطبيع إسرائيلي سعودي وكأنها فرصة مغلقة أمام «حماس» للتصرف بشكل حاسم، قبل أن تنقلب الظروف الإقليمية ضدها بلا هوادة. وربما دفعت الانتفاضة الإسرائيلية ضد الإصلاحات القضائية التي أجراها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حماس إلى توقع خصم منقسم ومشتت.
ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى حفزت إيران توقيت أو طبيعة الهجوم المفاجئ. ومن المؤكد أن إيران زادت من دعمها ل «حماس» في السنوات الأخيرة وسعت إلى تنسيق الأنشطة عبر “محور المقاومة” للميليشيات الشيعية وغيرها من الجهات الفاعلة المعارضة للنظام الإقليمي المدعوم من الولايات المتحدة وإسرائيل. ولكن سيكون من الخطأ الفادح تجاهل السياق السياسي المحلي الأوسع الذي تحركت فيه «حماس».
نقطة التحول
ردت إسرائيل في البداية على هجوم حماس بحملة قصف أكثر كثافة من المعتاد، إلى جانب حصار أكثر كثافة، حيث قطعت الغذاء والماء والطاقة. حشدت إسرائيل احتياطياتها العسكرية، وجلبت حوالي 300 ألف جندي إلى الحدود وتستعد لحملة برية وشيكة. ودعت إسرائيل المدنيين في غزة إلى مغادرة الشمال في غضون 000 ساعة. هذا مطلب مستحيل. ليس لدى سكان غزة مكان يذهبون إليه. الطرق السريعة مدمرة، والبنية التحتية تحت الأنقاض، ولم يتبق سوى القليل من الكهرباء أو الطاقة، والمستشفيات ومرافق الإغاثة القليلة كلها في المنطقة الشمالية المستهدفة. وحتى لو أراد سكان غزة مغادرة القطاع، فقد تعرض معبر رفح إلى مصر للقصف – ولم يظهر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سوى القليل من الدلائل على تقديم ملجأ ودي.
سكان غزة يدركون هذه الحقائق. إنهم لا يرون الدعوة إلى الإخلاء كبادرة إنسانية. وهم يعتقدون أن نية إسرائيل هي تنفيذ “كارثة” أخرى: التهجير القسري للفلسطينيين من إسرائيل خلال حرب عام 1948. إنهم لا يعتقدون – ولا ينبغي لهم أن يعتقدوا – أنه سيسمح لهم بالعودة إلى غزة بعد القتال. هذا هو السبب في أن دفع إدارة بايدن لإنشاء ممر إنساني للسماح للمدنيين في غزة بالفرار من القتال فكرة سيئة بشكل فريد. وبقدر ما يحقق الممر الإنساني أي شيء، فإنه سيكون تسريع إخلاء سكان غزة وخلق موجة جديدة من اللاجئين الدائمين. ومن الواضح أيضا أن ذلك سيقدم للمتطرفين اليمينيين في حكومة نتنياهو خارطة طريق واضحة لفعل الشيء نفسه في القدس والضفة الغربية.
يأتي هذا الرد الإسرائيلي على هجوم حماس من الغضب العام وقد أثار حتى الآن استحسانا سياسيا من القادة في الداخل وحول العالم. ولكن هناك القليل من الأدلة على أن أيا من هؤلاء السياسيين قد فكر بجدية في الآثار المحتملة للحرب في غزة أو في الضفة الغربية أو في المنطقة الأوسع. كما لا توجد أي علامة على صراع جدي مع نهاية اللعبة في غزة بمجرد بدء القتال. وعلى أقل تقدير آخر، هناك أي علامة على التفكير في الآثار الأخلاقية والقانونية المترتبة على العقاب الجماعي للمدنيين في غزة والدمار الإنساني الحتمي القادم.
إن غزو غزة نفسه سيكون مصحوبا بعدم اليقين. ويكاد يكون من المؤكد أن «حماس» توقعت مثل هذا الرد الإسرائيلي، وهي مستعدة جيدا لمحاربة تمرد حضري طويل الأمد ضد القوات الإسرائيلية المتقدمة. ومن المرجح أنها تأمل في إلحاق خسائر كبيرة بالجيش الذي لم يشارك في مثل هذا القتال منذ سنوات عديدة. (تقتصر التجارب العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على عمليات أحادية الجانب إلى حد كبير، مثل الهجوم الذي وقع في تموز/يوليو على مخيم جنين للاجئين في الضفة الغربية). وقد أشارت حماس بالفعل إلى خطط مروعة لاستخدام رهائنها كرادع ضد الأعمال الإسرائيلية. يمكن لإسرائيل أن تحقق نصرا سريعا، ولكن يبدو أنه من غير المحتمل. إن التحركات التي قد تسرع حملة البلاد، مثل قصف المدن وإخلاء الشمال من سكانها، ستأتي بتكاليف كبيرة على السمعة. وكلما طال أمد الحرب، كلما تعرض العالم للقصف بصور القتلى والجرحى من الإسرائيليين والفلسطينيين، وكلما زادت الفرص المتاحة لأحداث مدمرة غير متوقعة.
ليس لدى سكان غزة مكان يذهبون إليه.
وحتى لو نجحت إسرائيل في الإطاحة بحماس، فإنها ستواجه التحدي المتمثل في حكم الأراضي التي تخلت عنها في عام 2005 ثم حوصرت وقصفت بلا رحمة في السنوات الفاصلة. لن يرحب شباب غزة بالجيش الإسرائيلي كمحررين. لن يكون هناك زهور وحلوى معروضة. أفضل سيناريو لإسرائيل هو مكافحة التمرد لفترات طويلة في بيئة معادية بشكل فريد حيث لديها تاريخ من الفشل وحيث لم يتبق للناس ما يخسرونه.
وفي أسوأ السيناريوهات، لن يبقى الصراع محصورا في غزة. ولسوء الحظ، من المحتمل حدوث مثل هذا التوسع. إن الغزو المطول لغزة سيولد ضغوطا هائلة في الضفة الغربية، والتي لن يكون لدى السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس قدرة تذكر – أو ربما نية – على احتوائها. وخلال العام الماضي، أدى التعدي الإسرائيلي المستمر على أراضي الضفة الغربية، والاستفزازات العنيفة التي يقوم بها المستوطنون، إلى غليان غضب الفلسطينيين وإحباطهم. يمكن لغزو غزة أن يدفع فلسطينيي الضفة الغربية إلى حافة الهاوية.
على الرغم من الغضب الإسرائيلي الساحق من نتنياهو بسبب الفشل الاستراتيجي غير المسبوق تقريبا لحكومته، ساعد زعيم المعارضة بيني غانتس في حل المشاكل السياسية الرئيسية لنتنياهو دون أي تكلفة واضحة من خلال الانضمام إلى حكومة حرب الوحدة الوطنية دون إزالة المتطرفين اليمينيين إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش. هذا القرار مهم لأنه يشير إلى أن الاستفزازات في الضفة الغربية والقدس، التي قادها بن غفير وسموتريش في العام الماضي، ستستمر فقط في هذه البيئة غير المستقرة. في الواقع، يمكن أن تتسارع، حيث تسعى الحركة الاستيطانية إلى الاستفادة من هذه اللحظة لمحاولة ضم بعض أو كل الضفة الغربية وتهجير سكانها الفلسطينيين. لا شيء يمكن أن يكون أكثر خطورة.
إن الصراع الخطير في الضفة الغربية – سواء في شكل انتفاضة جديدة أو استيلاء المستوطنين الإسرائيليين على الأراضي – إلى جانب الدمار الذي لحق بغزة، سيكون له تداعيات هائلة. ومن شأن ذلك أن يكشف الحقيقة القاتمة لواقع الدولة الواحدة في إسرائيل إلى درجة لا يستطيع فيها حتى آخر المتعصبين إنكار ذلك. يمكن أن يؤدي الصراع إلى نزوح قسري فلسطيني آخر، أو موجة جديدة من اللاجئين الذين يتم إلقاؤهم في الأردن ولبنان المثقلين بالأعباء بشكل خطير أو الذين تحتويهم مصر قسرا في جيوب في شبه جزيرة سيناء.
ما وراء الشاحب
القادة العرب واقعيون بطبيعتهم، منشغلون ببقائهم ومصالحهم الوطنية الخاصة. لا أحد يتوقع منهم أن يضحوا من أجل فلسطين، وهو افتراض دفع السياسة الأمريكية والإسرائيلية في عهد كل من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب والرئيس الأمريكي جو بايدن. ولكن هناك حدود لقدرتهم على الوقوف في وجه الجماهير التي يتم حشدها بشراسة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بفلسطين. قد تقوم المملكة العربية السعودية بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، هذا الهوس الغريب لإدارة بايدن، عندما تكون هناك تكاليف سياسية قليلة للقيام بذلك. ومن غير المرجح أن تفعل ذلك عندما يتعرض الجمهور العربي للقصف بصور مروعة من فلسطين.
في السنوات الماضية، سمح القادة العرب بشكل روتيني بالاحتجاجات المناهضة لإسرائيل كوسيلة للتنفيس عن الزخم، وتحويل الغضب الشعبي نحو عدو خارجي لتجنب انتقاد سجلاتهم الكئيبة. ومن المرجح أن يفعلوا ذلك مرة أخرى، مما يدفع المتشائمين إلى التلويح بالمسيرات الجماهيرية ومقالات الرأي الغاضبة. لكن الانتفاضات العربية في عام 2011 أثبتت بشكل قاطع مدى سهولة وسرعة تصاعد الاحتجاجات من شيء محلي واحتوائه إلى موجة إقليمية قادرة على الإطاحة بالأنظمة الاستبدادية التي حكمت لفترة طويلة. لن يحتاج أي زعيم عربي إلى تذكيره بأن السماح للمواطنين بالنزول إلى الشوارع بأعداد هائلة يهدد سلطتهم. لن يرغبوا في أن ينظر إليهم على أنهم يقفون إلى جانب إسرائيل.
إن ترددهم، في هذا المناخ، في التقرب من إسرائيل ليس مجرد مسألة بقاء النظام. تسعى الأنظمة العربية إلى تحقيق مصالحها عبر مجالات متعددة، إقليميا وعالميا، وكذلك في الداخل. يمكن للقادة الطموحين الذين يسعون إلى توسيع نفوذهم وادعاء قيادة العالم العربي قراءة الرياح السائدة. لقد كشفت السنوات القليلة الماضية بالفعل عن مدى استعداد القوى الإقليمية مثل المملكة العربية السعودية وتركيا لتحدي الولايات المتحدة بشأن قضاياها الأكثر أهمية: التحوط من غزو روسيا لأوكرانيا، والحفاظ على أسعار النفط مرتفعة، وبناء علاقات أقوى مع الصين. وتشير هذه القرارات إلى أنه لا ينبغي على واشنطن أن تأخذ ولاءاتهم المستمرة كأمر مسلم به، خاصة إذا كان ينظر إلى المسؤولين الأمريكيين على أنهم يدعمون بشكل لا لبس فيه الأعمال الإسرائيلية المتطرفة في فلسطين.
منذ الغزو الأمريكي للعراق لم يكن هناك مثل هذا الوضوح حول الفشل الذريع القادم.
إن التباعد العربي بعيد كل البعد عن التحول الإقليمي الوحيد الذي تخاطر به الولايات المتحدة إذا استمرت في هذا المسار. وهو أبعد ما يكون عن الأكثر إثارة للخوف: يمكن أيضا أن ينجر حزب الله بسهولة إلى الحرب. وحتى الآن، قامت المنظمة بمعايرة ردها بعناية لتجنب الاستفزاز. لكن غزو غزة قد يكون خطا أحمر من شأنه أن يجبر حزب الله على التحرك. ومن شبه المؤكد أن التصعيد في الضفة الغربية والقدس سيكون كذلك. وقد سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى ردع «حزب الله» عن الدخول في القتال، لكن مثل هذه التهديدات لن تذهب بعيدا إلا إذا استمر الجيش الإسرائيلي في التصعيد. وإذا دخل حزب الله المعركة بترسانته الهائلة من الصواريخ، فستواجه إسرائيل أول حرب على جبهتين منذ نصف قرن. مثل هذا الوضع سيكون سيئا ليس فقط لإسرائيل. وليس من الواضح ما إذا كان لبنان، الذي انهار بالفعل بسبب انفجار المرفأ العام الماضي والانهيار الاقتصادي، يمكن أن ينجو من حملة قصف انتقامية إسرائيلية أخرى.
يبدو أن بعض السياسيين والنقاد الأمريكيين والإسرائيليين يرحبون بحرب أوسع. وعلى وجه الخصوص، كانوا يدعون إلى شن هجوم على إيران. وعلى الرغم من أن معظم أولئك الذين يدعون إلى قصف إيران قد اتخذوا هذا الموقف لسنوات، إلا أن المزاعم عن دور إيراني في هجوم حماس يمكن أن توسع تحالف أولئك الذين يرغبون في بدء صراع مع طهران.
لكن توسيع الحرب لتشمل إيران سيشكل مخاطر هائلة، ليس فقط في شكل انتقام إيراني ضد إسرائيل، ولكن أيضا في الهجمات ضد شحن النفط في الخليج والتصعيد المحتمل عبر العراق واليمن والجبهات الأخرى التي يسيطر عليها حلفاء إيران. وقد أدى الاعتراف بهذه المخاطر حتى الآن إلى تقييد حتى أكثر صقور إيران حماسا، كما هو الحال عندما اختار ترامب عدم الانتقام من الهجوم على مصافي بقيق السعودية في عام 2019. وحتى اليوم، يشير التدفق المستمر للتسريبات من المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين الذين يقللون من دور إيران إلى وجود مصلحة في تجنب التصعيد. ولكن على الرغم من تلك الجهود، فإن ديناميات الحرب التي طال أمدها لا يمكن التنبؤ بها على الإطلاق. نادرا ما كان العالم أقرب إلى الكارثة.
الجرائم هي الجرائم
أولئك الذين يحثون إسرائيل على غزو غزة بأهداف متطرفة يدفعون حليفهم إلى كارثة استراتيجية وسياسية. إن التكاليف المحتملة مرتفعة بشكل غير عادي، سواء تم حسابها في الوفيات الإسرائيلية والفلسطينية، أو احتمال حدوث مستنقع طويل الأمد، أو التهجير الجماعي للفلسطينيين. كما أن خطر انتشار الصراع كبير بشكل مثير للقلق، لا سيما في الضفة الغربية ولبنان، ولكنه قد يكون أوسع بكثير. والمكاسب المحتملة – بخلاف تلبية مطالب الانتقام – منخفضة بشكل ملحوظ. منذ الغزو الأمريكي للعراق لم يكن هناك مثل هذا الوضوح المسبق حول الفشل الذريع القادم.
كما أن القضايا الأخلاقية لم تكن بهذا القدر من الوضوح. ليس هناك شك في أن حماس ارتكبت جرائم حرب خطيرة في هجماتها الوحشية على المواطنين الإسرائيليين، ويجب محاسبتها. ولكن ليس هناك شك أيضا في أن العقاب الجماعي لغزة، من خلال الحصار والقصف والتشريد القسري لسكانها، يمثل جرائم حرب خطيرة. وهنا أيضا، ينبغي أن تكون هناك مساءلة، أو الأفضل من ذلك، احترام القانون الدولي.
وعلى الرغم من أن هذه القواعد قد لا تزعج القادة الإسرائيليين، إلا أنها تشكل تحديا استراتيجيا كبيرا للولايات المتحدة من حيث أولوياتها العليا الأخرى. من الصعب التوفيق بين تعزيز الولايات المتحدة للمعايير الدولية وقوانين الحرب دفاعا عن أوكرانيا من الغزو الروسي الوحشي وتجاهلها المتعجرف لنفس المعايير في غزة. ستلاحظ دول وشعوب الجنوب العالمي بعيدا عن الشرق الأوسط.
لقد أوضحت إدارة بايدن أنها تدعم إسرائيل في ردها على هجوم حماس. ولكن الآن هو الوقت المناسب لها لاستخدام قوة تلك العلاقة لمنع إسرائيل من خلق كارثة ملحوظة. إن نهج واشنطن الحالي يشجع إسرائيل على شن حرب خاطئة للغاية، واعدة بالحماية من عواقبها من خلال ردع الآخرين عن دخول المعركة وعرقلة أي جهود لفرض المساءلة من خلال القانون الدولي. لكن الولايات المتحدة تفعل ذلك على حساب مكانتها العالمية ومصالحها الإقليمية الخاصة. إذا اتخذ الغزو الإسرائيلي لغزة مساره الأكثر احتمالا، بكل مذابحه وتصعيده، فإن إدارة بايدن ستندم على خياراتها.

المصدر: مجلة فورين أفيرز الأميركية

ترجمة: موقع الخنادق




ما هي الدروس من حرب المدن.. وحروب إسرائيل على غزة؟

إنه أحد أكثر سيناريوهات القتال تعقيدًا. لسنوات، آمن المسؤولون الإسرائيليون أنّ الغزو البري الكامل لغزة هو مسألة مكلفة إلى حد خطير، كما أنه ليس مضمونًا أن الغزو سيتمكن من تفكيك حماس. نفس التحديات التي منعت الكيان المؤقت من غزو غزة لم تختفِ. بل إن المقاومة في غزة ازدادت تطورًا على مستوى القدرات واللوجستيات بالتوازي. وعلى الرغم من ذلك، يتوعّد نتنياهو “بسحق وتدمير حماس” من خلال الغزو.  

غزة المكتظة بالسكان تزيد من صعوبة المهمة. خاصة أنّ المزاج العام للغزاويين هو احتضان المقاومة. وبالتالي سيتمكن المقاومون من الاختباء في الأزقة والمباني، وسيكون من الصعب تمييزهم. ولذلك، فإن الخطة الاسرائيلية هي تهجير السكان إلى الجنوب،  لم يتمكن العدو من تحقيقه حتى الآن. حتى إنّ العديد من المحللين مثل الصحفي الشهير والذي يعتبر رجل صاحب تأثير توماس فريدمان، يعتبرون أنّ حماس تتعمّد جرّ إسرائيل إلى الغزو. 

يقول فريدمان: “ما يريده أسوأ أعداء إسرائيل – حماس وإيران – هو أن تغزو إسرائيل غزة وتتورط في تجاوز استراتيجي هناك من شأنه أن يجعل تشابك أمريكا في الفلوجة يبدو وكأنه حفلة عيد ميلاد للأطفال. نحن نتحدث عن قتال من منزل إلى منزل من شأنه أن يقوض أي تعاطف اكتسبته إسرائيل على المسرح العالمي، ويصرف انتباه العالم عن النظام القاتل في طهران ويجبر إسرائيل على توسيع قواتها لاحتلال غزة والضفة الغربية بشكل دائم”. 

هذا النوع من المعارك يطلق عليه حرب المدن. وإذا كان القتال في المدينة يدور بين جيش نظامي وبين ما يسمونه ميلشيا،غالبًا ما تحسم هذه المعارك لصالح الميليشيات. وبحسب التجارب التاريخية القريبة في الزمان والمكان، في عام 2004 تمكّن المسلحون العراقيون من الحفاظ على سيطرتهم على الفلوجة في المواجهة مع الجيشين الأمريكي والبريطاني. يقول المحللون إنه من المحتمل أن تستخدم حماس نهجًا مماثلًا في غزة، وسوف يختبؤون في المنازل، ومن المرجح أن يرتدوا ملابس مدنية. ومما يبدو، فإن قوات الاحتلال تعمل على سياسة الأرض المحروقة، وعلى إخلاء المنطقة من المدنيين، من خلال إنذارات الخروج ومخطط التهجير. إلا أنّ تجربة أخرى تاريخية أيضًا وهي قريبة جدًا ولا تزال ماثلة، في عام 2006،عندما أُسقِط الجيش الإسرائيلي في يده في معركة سميت بمجزرة الميركافا. حيث أسقط مقاتلو حزب الله رمز الجيش الإسرائيلي وهي دبابة الميركافا بطرازها المتطور من الجيل الرابع. حينها، كانت حكومة العدو قد أقحمت نحو 130 ألف جندي إسرائيلي في أكبر عملية إنزال عسكري بهدف “الوصول إلى الليطاني”، وتحقيق إنجاز عسكري على الأرض، واعلن جيش الاحتلال أن خمسين مروحية نقلت مئات الجنود إلى جنوب لبنان في أكبر عملية منذ حرب العام 1973، والأضخم في تارخ الكيان المؤقت. كانت الأرض هناك فهلًا محروقة، ولم يكن ثمة مدينيين. 

تحت عنوان “دروس من حروب إسرائيل على غزة”، نشرمركز راند مادة تحليلية للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة منذ عام 2009 إلى عام 2014. قالت فيه، إن إسرائيل ظلّت مصدرًا للتعلم غير المباشر للجيش الأمريكي لمدة عقود، وخلُصت في الدروس الاستراتيجية، إلى أنّ القتال يتوقف على نسبة إدراك النجاح، وأن قراءة المشهد في الشرق الأوسط صعبة، خاصة أنّ إسرائيل فشلت في الاستيعاب الجيد، لفكرة كيف ستدفع المعاناة الاقتصادية والضغط السياسي الداخلي  حماس إلى التصرف. درس آخر، أنّ إسرائيل عديمة الخبرة في “القتال القانوني”. وعلى الرغم من ذلك تدعم الولايات المتحدة قرارات الحرب الإسرائيلية بشكل مستمر. 

أما عن الدروس التقنية والتكتيكية والعملياتية، يقول التقرير إن دقة القوة النارية لها حدود، والدرس الأول يتناول دقة القوة النارية خاصة في منطقة مدنية مأهولة بكثافة، حيث لم تفلح القوة الجوية وحدها في تحقيق النتائج التي يحتاج إليها جيش الاحتلال مثلًا أثناء عملية “الجرف الصامد”. فعلى الرغم من القصف المكثف، خلال الأسبوع الأول، لم تحقق إسرائيل هدفها الاستراتيجي الذي كان “ردع حماس”. وثمة درس آحر، نصح أن حرب الأنفاق تحتاج إلى التطوير المتواصل، في تقنية الكشف عن الأنفاق والقتال داخلها وتدميرها. وأوصى التقرير أخيرًا بـ “فهم العدو”، أي المقاومة الفلسطينية، وهو الأمر الذي لا تزال العنجهية والغطرسة الإسرائيلية تخطئ في تقديره حتى الآن، وكان سببًا رئيسًا في فشلها الاستخباري في التنبؤ أو الإنذار المبكر لطوفان الأقصى. 

زينب عقيل

المصدر: موقع الخناق




أوبزيرفر: غزة “لعبة كرة” بين العمال والمحافظين البريطانيين.. تجاهل للأبرياء ومنع لتأييد الفلسطينيين

نشرت صحيفة “أوبزيرفر” تقريراً أعدّه المحرر السياسي توبي هيلم، قال فيه إن رئيس الوزراء البريطاني قدّمَ لإسرائيل “دعماً غير مشروط لمواجهة الشر”، ولكنه لم يتحدث عن المحنة الفلسطينية. وفي نفس الوقت، دعا زعيم المعارضة كير ستارمر لنفس الأمر، ولكنه دعا جميع الأطراف للتصرف بناء على القانون الدولي.

 وقال سوناك، في دعمه غير المشروط  لإسرائيل، بأنه “ليس اليوم، ولكن غداً، وبشكل دائم”، وذلك في بيان مطول أصدره بعد أسبوع من هجوم “حماس”، الذي قتل فيه 1.300 جندي ومدني وأخذ 150 أسير حرب.

وجاءت تعليقات رئيس الوزراء، التي لم تأت على ذكر الأبرياء الفلسطينيين العالقين الآن في غزة، أو الدعوة لإجلاء آمن لهم، في ظل التوتر الحاصل بشأن رد بريطانيا على القصف الانتقامي الإسرائيلي، وأمرها لأكثر من مليون فلسطيني بمغادرة بيوتهم من أجل سلامتهم.

ويرى رموز في حزب العمال أن المحافظين يحاولون، وعن قصد، تصوير حزب العمال بأنه أقلّ تعاطفاً مع إسرائيل، وأن الداعمين لفلسطين من اليسار هم متعاطفون مع “حماس” ومعادون للسامية، لتعاطفهم مع الفلسطينيين.

وقال مسؤول عماليّ بارز: “بالتأكيد يحاولون لعب السياسة معنا”، مقترحاً أن حزب المحافظين يحاول إثارة الانقسام من جديد داخل الحزب بشأن دعم إسرائيل والقضايا المتعلقة بمعاداة السامية.

 وفي بيان من 300 كلمة أخبر سوناك الإسرائيليين واليهود في بريطانيا بأن حكومته تقدم لهم الدعم غير المحدود وغير المشروط لمواجهة “الشر”، وأنها ستبذل كل طاقتها لمعالجة زيادة حالات معاداة السامية، منذ الأسبوع الماضي.  وقال سوناك: “أعرف أن الأيام والأسابيع المقبلة ستكون صعبة. ولشعب إسرائيل أقول: بريطانيا معكم، وما حدث كان عملاً شريراً، ولإسرائيل الحق في الدفاع عن نفسها.  وسنعمل كل شيء لدعم إسرائيل من أجل إعادة الأمن الذي تستحقه”. و”أقول للمجتمع اليهودي في بريطانيا، أعرف أنكم تتألمون وتترنّحون تحت وطأة هذه الأعمال الحقيرة. وفي لحظة كهذه، وعندما يتعرض اليهود لهجوم في وطنهم، يشعر اليهود في كل مكان بأنهم أقل أمناً. ولاحظنا تصرفات استفزازية ومعاداة للسامية مثيرة للخجل في الإنترنت وفي الشوارع ومحاولات لإثارة التوتر. لا، ليس في هذا البلد، ليس في بريطانيا، وليس في بلدنا، وليس في هذا القرن، وسنبذل قصارى جهدنا لحماية المجتمع اليهودي في بلدنا. ولو وقف أي شيء في طريقنا لتوفير الأمن للمجتمع اليهودي فسنتجاوزه”.

ويتناقض موقف سوناك الذي تجنب أي إشارة للفلسطينيين في غزة، حيث قتلت النساء والأطفال وهم يفرّون، مع تصريحات وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكين، الذي، وإن أكد على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، دعا لحماية المدنيين في غزة وإسرائيل، حيث أمر الجيش الإسرائيلي نصف سكان القطاع للجلاء تحضيراً لعملية برية. وزار بلينكن السعودية، والتقى مع نظيره السعودي، ضمن جولة على دول المنطقة، وفي محاولة دبلوماسية مكثفة لمنع توسع النزاع في غزة إلى كل المنطقة، ووسط تزايد في الأزمة الإنسانية. وأكد الطرفان على أهمية تقليل المعاناة الإنسانية في ظل تحضير القوات الإسرائيلية لهجوم بري.

وأصدر ستارمر بياناً مشابهاً، بعد مرور أسبوع على هجوم “حماس”: “في الأيام التي أعقبت سماعنا القصص المريعة عن القتل وتقطيع أطراف الرجال والنساء والأطفال، إلى جانب أخذ الرهائن”،  فـ “لإسرائيل الحق، وبالتأكيد واجب الدفاع عن نفسها وإنقاذ الرهائن”. وفي السياق، دعا ستارمر الأطراف للتصرف بناء على القانون الدولي، بما في ذلك السماح بالمساعدات الإنسانية، الماء والطعام والكهرباء والدواء لغزة والتأكد من ممرات إنسانية للهاربين من العنف. وخلق النزاع في الشرق الأوسط معضلة لستارمر الذي كان حريصاً على مواجهة اتهامات معاداة السامية في حزبه، بعد توليه القيادة في عام 2019 من جيرمي كوربن، وحاول أن يعبّر عن دعم قوي لإسرائيل، لكنه أغضب البعض في داخل حزبه.

وفي مقابلة مع قناة “أل بي سي” ظهر بمظهر الداعم لقرار إسرائيل منع الماء والكهرباء عن المدنيين الفلسطينيين، مع أنه شدد على أهمية عمل هذا بناء على القانون الدولي.

وأصدر سبعة أعضاء مسلمين في المجلس المحلي في مدينة ليستر بياناً طالبوا فيه ستارمر سحب تصريحاته والاعتذار عنها، وإلا “فإنه سيتسبّب بخيبة أمل لا يمكن تجاوزها من حزب العمال بين المجتمع المسلم في ليستر وبقية البلاد”.

وحصلت “أوبزيرفر” على وثيقة وزعت بين القيادة العليا في الحزب تدعو قادة المجالس البارزين والمسؤولين بعدم المشاركة في التظاهرات المؤيدة لفلسطين التي عقدت نهاية الأسبوع. وجاء في البيان: “ستعقد عدة تظاهرات واحتجاجات، نهاية الأسبوع، ويجب على قادة المجالس والجماعات عدم  المشاركة في هذه المناسبات وتحت أي ظرف”.

 وأرسل الأمين العام للحزب نفس الرسالة إلى المسؤولين في المناطق الانتخابية.

 وكشف النزاع عن الخلافات داخل حزب المحافظين، وقالت أليشيا كيرنز، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في حزب المحافظين، إن إسرائيل عليها “واجب أخلاقي” للتأكد من حصول المدنيين الفلسطينيين على الماء والكهرباء والعلاج الطبي. إلا أن وزيرة الداخلية سويلا بريفرمان اقترحت أن رفع العلم الفلسطيني قد يكون جريمة، وقالت “ليس الرموز المؤيدة بوضوح لحماس، والهتافات التي تثير القلق، ولكنني أحث الشرطة على النظر في هتافات “من النهر إلى البحر، فلسطين حرة”.. يجب النظر إليها كتعبير عن العنف والرغبة بمحو إسرائيل من العالم، وإن كانت في سياق المادة خمسة من قانون النظام العام قد ترقى إلى مفاقمة العنصرية”.

المصدر: صحيفة أوبزيرفر البريطانية




الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان يشدد على وقوفه مع إسرائيل ويقول إنها ستفعل بغزة ما فعله حافظ الأسد بحماة 

برر المعلق في صحيفة “نيويورك تايمز” توماس فريدمان، جنون إسرائيل في غزة، بأنه جزء من الجنون الحالي في المنطقة.

وقال إن الجنون الإسرائيلي جاء لأن حماس لكمت إسرائيل في الوجه وقلعت عينها وأهانتها. ولهذا تعتقد إسرائيل أن الطريقة لإعادة ميزان الردع، هي من خلال تفوقها في الجنون على حماس.

وجاء في مقاله، أن الحربين الأخيرتين لإسرائيل جاءتا نتاجا للاعبين دعمتهما إيران، حرب 2006 ضد حزب الله في لبنان، والحرب الحالية مع حماس، وكلاهما حدثتا بعدما “انسحبت إسرائيل من أراضيهما” على حد زعمه. وبدأ التنظيمان المعركة من خلال هجمات على الحدود، حيث قتل حزب الله ثلاثة جنود في 2006 وأسر اثنين، فيما قتلت حماس 1300 إسرائيلي وأسرت 150 آخرين، بحسب ادعاء فريدمان.

ويقول إن التشابه ليس صدفة، لأن القصد من الهجومين كان تحدي الموجة العربية للاعتراف بوجود إسرائيل في المنطقة.

وقال إن نتيجة الهجمات على حدود هادئة نسبيا هي دفع إسرائيل لحافة الجنون. وردت إسرائيل على حزب الله بالقول: “تعتقد أنك تستطيع فعل أمور مجنونة مثل اختطاف الناس واعتباره خلافا حدوديا، ربما كنا نشبه دولة غربية، لكن الدولة اليهودية الحديثة نجت لأنها كانت “فيلاً في الغابة”. وفق قوله.

وبهذه الطريقة، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت الحرب، “وعندما يحين التحرك، فنحن مستعدون لتبني القواعد المحلية، ويجب ألا يكون لديك أي وهم، ولا أحد يستطيع أن يتصرف بجنون أكثر منا في هذه المنطقة”.

ولهذا دكّت الطائرات الإسرائيلية وبدون رحمة، بيوت ومكاتب حزب الله في الضاحية الجنوبية لبيروت، والجسور المؤدية لمطار بيروت على مدى 34 يوما، ودفعت قيادة حزب الله والمدنيون الثمن شخصيا.

وكان رد إسرائيل شرسا، حيث قال الأمين العام لحزب الله في مقابلة شهيرة في 27 آب/ أغسطس 2006: “لم نكن نتخيل ولو 1% أن يؤدي القبض على الجنديين الإسرائيليين إلى حرب بهذا الحجم. ولو سألتني في 11 تموز/ يوليو، أن العملية ستؤدي إلى أمور كهذه وإن كنت سأفعلها،  فسأقول: قطعا لا”.

ويقول فريدمان إن الحدود اللبنانية لا تزال هادئة منذ 2006 وبضحايا قليلة على الجانبين، صحيح أن صورة إسرائيل تضررت عالميا بسبب قصف بيروت، لكنها لم تُعزل دوليا ولا عربيا، سواء على المدى الطويل أو القصير كما كان يأمل حزب الله.

وربما نسيت حماس الدرس هذا عندما قررت تخريب الوضع الراهن بهجومها الشامل الأسبوع الماضي، على الرغم من أن إسرائيل والحركة طوّرتا نوعا من التعايش حول غزة والذي سمح بحركة العمال من القطاع نحو إسرائيل، ووصول المال القطري، وسُمح بالتبادل التجاري بين غزة وإسرائيل.

ويعلق فريدمان أن قرار حماس بالهجوم، جاء بسبب اقتحام وزير الأمن المتطرف إيتمار بن غفير الأقصى بشكل متكرر، ولأنه يريد جعل حياة الأسرى الفلسطينيين قاسية.

وهذه وإن كانت استفزازية، إلا أنها ليست مبررا لوضع كل الأوراق على الطاولة وخسارتها، وفق قول الكاتب.

وكعادة فريدمان، يرى أن السبب الرئيسي لهجوم حماس، وهو ما لا تريد الاعتراف به، هو قبول إسرائيل بالمنطقة، والحديث عن قرب التطبيع مع السعودية، وشعور إيران، حليفة حماس، بأنها صارت في الزاوية، والفلسطينيون باتوا خارج اللعبة.

ولهذا قررت حماس القيام بعمل جنوني على حد تعبير فريدمان. مضيفا أن إسرائيل ستقوم بتطبيق “قواعد حماة”، وهو مصطلح يزعم أنه نحته قبل سنين لوصف الإستراتيجية التي استخدمها حافظ الأسد، عندما حاول الإخوان المسلمون الإطاحة بنظامه. فقد دكّ الأسد أحياء الإخوان في مدينة حماة، ولم يسمح لأحد بالخروج، ثم جلب الجرافات لتسويتها بالتراب وجعلها مثل مواقف السيارات وقتل أكثر من 20 ألف شخصا من شعبه في العملية.

ويقول الكاتب إنه مشى فوق أنقاض حماة بعد أسابيع، وأخبره زعيم عربي كيف هزّ الأسد كتفيه عندما سُئل عن القتلى، قائلا باختصار: “ناس  بتعيش وناس بتموت”.

ويرى الكاتب أن ما يجري هو جنون متصاعد بين إسرائيل وحماس، ولكنه أصبح خطيرا مع مرور كل عام بنفس الطريقة التي تكبر فيها الأسلحة وتصبح أرخص وأكثر فتكا.

ولم ينس فريدمان تذكير قارئه بولائه لإسرائيل، قائلا: “مثل بايدن، فأنا مئة بالمئة مع إسرائيل وضد حماس، لأن إسرائيل حليفة وتشترك مع أمريكا بالكثير من القيم، أما حماس وإيران فتعارضان مواقف أمريكا، وهذا أمر واضح بالنسبة لي”.

لكن ما يجعل هذه الحرب مختلفة عن حروب إسرائيل السابقة، هي السياسة الداخلية الإسرائيلية، وهنا تحدث عن حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة وخطرها على الديمقراطية، فقد اختطف نتنياهو الديمقراطية بشكل واضح للعيان. وأدت محاولاته للسيطرة على القضاء وتهميش المحكمة العليا، لصدع في المجتمع الإسرائيلي، وكاد أن يودي بإسرائيل نحو الهاوية، وهي عوامل جرّأت على ما يبدو حزب الله وحماس وإيران.

وفي نهاية مقاله، يقول فريدمان إن إسرائيل تعرضت لضربة قاصمة، وأُجبرت على حرب مستحيلة أخلاقيا لكي تثبت أنها أكثر جنونا من حماس، وكي تردع حزب الله وإيران. ويعّبر عن قلقه من خطة الحرب الإسرائيلية، لكنه يتساءل: “لكن ما العمل؟”.

المصدر: صحيفة نيويورك تايمز




كندا: مظاهرات تجوب شوارع المدن الرئيسية رغم الحظر الحكومي الصارم المؤيد لإسرائيل

تصاعدت المظاهرات وحملات المناصرة للقضية الفلسطينية في العديد من المدن بكندا، مع اندلاع الأحداث الأخيرة في مدينة غزة، رغم الحظر الحكومي الصارم لكل ما له علاقة بدعم القضية الفلسطينية أو الاستنكار للاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين.

وشهدت العديد من المدن الرئيسية في كندا، وفي مقدمتها العاصمة أوتاوا، مظاهرات حاشدة، نضمها كنديون من أبناء الجالية الفلسطينية ولقيت تفاعلا وحضورا كبيرا من أبناء الجاليات العربية والإسلامية، وتعاطفا متفاوتا من أبناء الجاليات الأخرى، الذين ينظرون إلى القضية الفلسطينية قضية تحرّر عادلة وفقا للقانون الدولي ومواثيق حقوق الإنسان. وحظيت أحداث غزة بتفاعل كبير وزخم واسع من الاهتمام غير المسبوق، من قبل الشارع الكندي على مختلف مستوياته، رغم التحذيرات الحكومية المشددة بعدم قانونية المظاهرات أو المنشورات المؤيدة للقضية الفلسطينية، على اعتبار أن المناصرة لأحداث غزّة سيعني بطبيعة الحال تأييدا لحركة المقاومة الفلسطينية «حماس» المصنفة في كندا في قائمة المنظمات الإرهابية، بالإضافة إلى أن الخطابات المؤيدة للفلسطينيين سيصنف ضمن خطاب الكراهية والتحريض على العنف ضد أبناء الجالية اليهودية في كندا.
وتعاملت كندا مع أحداث غزّة الراهنة وكأنها قضية محلية كندية، لكثرة ما تناولتها في وسائل الإعلام الحكومية والمعارضة والخاصة، والتغطيات المطوّلة التي حضيت بها، بحكم التواجد الكبير لأبناء الجاليتين اليهودية والفلسطينية في كندا، وضرورة الحيلولة دون وقوع أي حوادث أو أعمال عنف جراء تداعيات الأحداث في غزة الفلسطينية.
وعلى الرغم من محاولة الحكومة الكندية إظهار المساواة في تعاملها مع حقوق مواطنينها من أصول فلسطينية أسوة بنظرائهم من المواطنين الكنديين اليهود، والذين تأثروا جميعا من الأحداث الراهنة في غزة، إلا أن الخطاب السياسي الحكومي والمعارض بدا واضحا غير منصف وغير عادل في الأحداث الراهنة، حيث انحاز بشكل واضح ومعلن مع إسرائيل والذي اعتبرها تجابه أعمالا إرهابية، وغض الطرف عن القصف الإسرائيلي الشامل والمدمّر للأعيان المدنية والقتل المقصود للمدنيين الفلسطينيين.

حملات العداوة المنظمة

وأعلن رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو والعديد من قادة حزبه الليبرالي وكذا قادة الأحزاب المعارضة تأييدهم الصريح للقصف الإسرائيلي على غزة، بشكل يخالف حتى المعايير الدبلوماسية للوقوف على الحياد في أي صراع بين أطراف خارجية، ما بالك بين أطراف لها امتدادات وحضور فاعل في في النسيج الاجتماعي الكندي.
وقال ترودو في عدة خطابات وتغريدات له في حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي «تدين كندا بشكل لا لبس فيه هجوم حماس ضد إسرائيل ـ ونحن نقف متحدين مع الشعب الإسرائيلي». وأوضح أن «هذه كانت هي الرسالة التي شاركتها مع الجالية اليهودية في أوتاوا ومع الجميع في تجمع التضامن مع إسرائيل بالأمس».
وفي معارضته الشديدة للمظاهرات المؤيدة للفلسطينيين بكندا، قال ترودو «إن تمجيد العنف أمر غير مقبول على الإطلاق في كندا ـ من قبل أي مجموعة أو في أي موقف. إنني أدين بشدة المظاهرات التي جرت، والتي تجري، في جميع أنحاء البلاد دعما لهجمات حماس على إسرائيل، فلنقف متحدين ضد الأعمال الإرهابية».
وأضاف «لقد جمعت الوزراء والمسؤولين معًا في اجتماع لمجموعة الاستجابة للحوادث، ولقد ناقشنا الهجمات الإرهابية التي تشنها حماس ضد إسرائيل، واهتمامنا بحياة المدنيين، والتزامنا بتنسيق الجهود مع الشركاء العالميين».
ولأول مرة تتوافق مواقف زعيم المعارضة الكندية بيير بوالييفر مع موقف رئيس الوزراء، حيث قال بوالييفر حيال أحداث غزة «لا يوجد مكان لتمجيد الإرهاب في كندا أو في أي مكان آخر. إن قتل حماس واغتصابها للمدنيين الإسرائيليين الأبرياء أمر حقير. ويدين حزب المحافظون مظاهر الكراهية ومبررات القسوة التي أعقبت الهجمات الإرهابية ضد إسرائيل».
وأصيب الوسط السياسي الكندي منذ بدء أحداث غزة الراهنة بحالة من الهوس وحملات العداوة المنظمة ضد كل ما هو فلسطيني وعربي وإسلامي، لدرجة أن ارتداء الحطّة أو الكوفية الفلسطينية في أي مكان عام يمكن أن يكون سببا في الاعتداء على مرتديها، لاظهار التأييد أو المناصرة لإسرائيل.
وأصدرت العديد من الجهات الحكومية وبالذات المدارس العامة توجيهات أو توصيات بعدم ارتداء الشعارات أو الرموز الدالة على هوية صاحبها العرقية أو الدينية حتى لا يتعرض للأذى من قبل أطراف أخرى معارضين له في الاتجاه، المتأثرة بحمّى الأحداث في غزة.
وفي خطوة غير مسبوقة، أقدمت شركة الطيران الكندية الوطنية «إير كندا» بفصل الكابتن طيار الكندي من أصول فلسطينية مصطفى عزو لارتدائه الحطّة «الكوفية» الفلسطينية ومشاركته في مظاهرة مؤيدة للفلسطينيين الأسبوع الماضي في أوتاوا ونشر صوره في وسائل التواصل الاجتماعي.
وقالت «إير كندا» في تغريدات لها «نحن على علم بالمشاركات غير المقبولة التي قام بها طيار في شركة طيران كندا. نحن نأخذ هذا الأمر على محمل الجد، وقد تم فصله من الخدمة يوم الاثنين 9 تشرين الأول/أكتوبر. ونحن ندين بشدة العنف بجميع أشكاله». وأضافت «يمكننا أن نؤكد أن الطيار المعني لم يعد يعمل لدى شركة طيران كندا، بعد العملية التي بدأت يوم الاثنين».
الإعلام يفقد مهنيته

وفي ظل هذا التوجه السياسي العام فقد الإعلام الكندي الحكومي والأهلي مهنيته بالانحياز التام للجانب الإسرائيلي على حساب حقوق الضحايا المدنيين من الفلسطينيين الذين سقطوا أمام عدسات الكاميرات وعلى مرأى ومسمع من إعلام العالم، والذين قد يتجاوز عددهم مقدار ما سقط من الإسرائيليين، الذين يعتقد أن أغلبهم عسكريين وقضوا في مواقع عسكرية.
ورغم الضغوط الحكومية إلا أن موقف أجهزة الشرطة الكندية كان موضوعيا إلى حد ما، حيث أعلنت أنها رفعت جاهزيتها القصوى لحماية كافة المنشآت الدينية والعرقية في المناطق التي تتواجد فيها جاليات إسرائيلية وفلسطينية ومسلمة لحمايتها من أي اعتداء محتمل، ودعت كافة الأطراف إلى الإبلاغ عن أي تهديدات أو خطاب كراهية قد يمسها بأذى، وأنها تتعامل مع كافة الكنديين بعين المساواة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية أو العرقية.
وقالت مصلحة الشرطة في أوتاوا في بيان لها «ما زلنا نرى تجمعات سلمية للسكان وسنكون هناك لحماية الأفراد وحقوقهم». موضحة أنه لا يوجد أي تسامح مع حوادث أو جرائم الكراهية في أوتاوا. مشيرة إلى أن المجتمع الكندي مجتمع متنوع ومن المهم في مثل هذه الأوقات معرفة أن الشرطة هي لدعم سلامة الجميع.
من جانبه أعرب المجلس الإسلامي الكندي، وهو مجلس فاعل مكون من نخبة من المحامين والنشطاء الكنديين، في بيان له عن أسفه عن تلقيه العديد من البلاغات التي توصف ضمن خطاب الكراهية أو التحريض على العنف ضد كنديين من أصول فلسطينية أو من خلفيات إسلامية، وطالب الحكومة بشدة بالوقوف على الحياد في مثل هذه المواقف التي قد تهدد السلم الاجتماعي.

المصدر: وكالات




اللاجئون الفلسطينيون في لبنان يتابعون تطورات الأحداث في قطاع غزة بمزيج من الأمل والألم

عمت مشاعر الفخر والأمل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بعد عملية «طوفان الأقصى» في غلاف قطاع غزة، كما أثارت جرائم الاحتلال وعمليات القصف، مشاعر الغضب والاستنكار في صفوفهم على امتداد الأراضي اللبنانية.
ودعت حركة «حماس» الأحزاب والقوى السياسية والنقابية والشبابية اللبنانية والفصائل الفلسطينية للمشاركة في الوقفات التضامنية ومسيرات الوفاء لفلسطين.
وتعبيرا عن المشاعر الفلسطينية واللبنانية الداعمة لقطاع غزة، لبى اللاجئون الفلسطينيون والمواطنون اللبنانيون نداء حركة «حماس» بالنفير العام، وخرجت المسيرات والوقفات التضامنية في المدن والمناطق اللبنانية والمخيمات والتجمعات الفلسطينية دعما للمقاومة الفلسطينية واستنكارا للمجازر التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة.
وشهدت مخيمات وتجمعات الرشيدية وبرج الشمالي وعين الحلوة وصبرا وشاتيلا ونهر البارد والبداوي والجليل في لبنان، حراكا شعبيا واسعا تضامنا مع قطاع غزة، حيث انطلقت المسيرات الشعبية الحاشدة ونظمت الاعتصامات والوقفات التضامنية، تعبيرا صارخا لمشاعر العزة بالعملية، واستنكارا للمجازر وحرب الإبادة التي تنفذها إسرائيل في قطاع غزة.
لا يُخفي اللاجئون الفلسطينيون فرحتهم واعتزازهم الشديديْن بعملية «طوفان الأقصى» المستمرّة منذ أيّام بلا توقف مع غياب هدنة عسكرية تُوفّر الراحة للفلسطينيين الذين أنهكتهم غارات الاحتلال المتتالية التي لم ترحم برجاً أو مبنى سكنيا في قطاع غزّة المحاصر. وفي وقت يُشدّد فيه الجيش الإسرائيلي ضرباته على القطاع الذي طُوّق بحزام من نار.

مسيرات غضب على العدوان الصهيوني

تعليقا على تطورات الأحداث في قطاع غزة أشار «المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن» إلى أن «مع دخول حرب طوفان الأقصى يومها السابع، ستخرج الملايين من أبناء الأمّة وأحرار العالم في مسيرات غضب على العدوان الوحشي الصهيوني ودعماً للصمود الأسطوري للمقاومة في غزّة وعموم فلسطين، ليعلنوا غضبهم على العدو الصهيوني وكل دول العدوان المشاركة فيه والمتواطئة والصامتة وليعلنوا اعتزازهم بأبطال كتائب عز الدين القسام وكل فصائل المقاومة في فلسطين، وليؤكّدوا أن الدعم الحقيقي لأهلنا في غزّة وعموم فلسطين، إنما يكون بتوفير الدعم العسكري والمادي والإنساني لأبطال المقاومة وضحايا العدوان دون تأخير، لا سيّما في المجال الصحي والغذائي والمائي والكهربائي، الضغط على الحكومات العربية المطبّعة مع العدو، قديماً وحديثاً، لإسقاط اتفاقيات العار والسعي لجمع كلمة الأمّة ضد العدو الصهيوني وداعميه، المقاطعة الكاملة لدول العدوان وفي مقدمتها الإدارة الأمريكية والامتناع عن التعامل مع كل الشركات ذات الصلة بالعدو الإسرائيلي، وتحريك كل الجهات القانونية الرسمية وغير الرسمية لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة وكل من يدعمهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إنشاء فوري لصندوق عربي وإسلامي ودولي، شعبي ورسمي، لإعمار غزّة وإيواء السكان الذين هدم العدوان منازلهم ومعابدهم وجامعاتهم ومستشفياتهم وأبراجهم وتشكيل جبهة عالمية من كل القوى المناهضة للإمبريالية والصهيونية والعنصرية والفاشية على امتداد العالم وإطلاق حملة عالمية لنزع الشرعية الدولية عن الكيان الصهيوني».
وختم مؤكدا أن «شرفاء أمّتنا وأحرار العالم من كل تياراتهم وأحزابهم ونقاباتهم وتنظيماتهم مدعوون لتحويل النفير العام إلى منطلق لحراك مندّد بالعدوان ومنتصر لأهلنا ومقاومتنا في غزّة وعموم فلسطين وأكناف فلسطين، وليقول لأهلنا في غزّة وعموم فلسطين لستم وحدكم».
من جهته، أكد الكاتب الفلسطيني محمود ناصر لـ«القدس العربي» أن عملية «طوفان الأقصى» بعثت الأمل من جديد في نفوس اللاجئين الفلسطينيين من أن هناك أملا بعودتهم إلى وطنهم، وأن هناك قدرة لدى الشعب الفلسطيني على القتال والاقتحام وتحرير الأرض.
وتساءل ناصر، إذا كانت حفنة من الرجال الأبطال تمكنت من اقتحام أكبر المستوطنات العسكرية الإسرائيلية في غلاف غزة، ونشرت الرعب في نفوس المستوطنين ومن بينهم ضباط وجنود الاحتلال ودفعتهم للفرار، فكيف لو فتحت الحدود أمام المقاتلين والشعوب لمواجهة الاحتلال؟
واعتبر الكاتب الفلسطيني أن تصاعد القصف الوحشي الإسرائيلي الذي يستهدف قطاع غزة، جريمة ضد الإنسانية «يجب أن يحاسب عليها القانون الدولي» لافتا إلى ان إعلان نتنياهو الحرب على غزة إنما هي حرب إبادة ضد شعب تعرض للقتل والحصار والتجويع والتدمير طوال عقود من الزمن.
وقال أيمن شناعة المسؤول السياسي لحركة «حماس» وعضو دائرة العمل الوطني، أن عملية (طوفان الأقصى) بإنجازاتها الاستراتيجية وبطولاتها ونتائجها السياسية والعسكرية التي زلزلت الاحتلال، ستنقل الفلسطينيين إلى مرحلة متقدمة نحو التحرير الشامل وزوال الاحتلال، وأكد أن العملية ألحقت خسائر عميقة بالكيان تؤشر إلى اقتراب نهايته.
وشدد شناعة على الالتفاف الشعبي والوطني الفلسطيني حول عملية طوفان الأقصى، واعتبر ان هذا التأييد هو دليل على وحدة الشعب الفلسطيني وتبنيه خيار المقاومة وحق العودة.
واستنكر شناعة التصريحات الأمريكية الداعمة للاحتلال، وحذر من محاولات الاحتلال اجتياح قطاع غزة، مشددا على قدرة المقاومة على هزيمة العدو.
كما دان مجلس نقابة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع، في بيان «المجازر التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة والتي طالت كل القاطنين فيه والتي سالت على أثرها دماء وحياة الكثير من المدنيين، لا سيما الأطفال والنساء والشيوخ. وقد أصابت هذه الاعتداءات بشكل مباشر الجهاز الإعلامي، ففقد عدد كبير منهم حياتهم في انتهاك صارخ للقوانين والأعراف المتفق عليها، وهذا يعكس حرص الاحتلال وسعيه الدؤوب لطمس حقيقة ما تقترفه آلته العسكرية من جرائم حرب يندى لها الجبين».
وإذ أكد المجلس شجبه وإدانته «لما يقترفه العدو الصهيوني من جرائم ومجازر بحق المدنيين في غزة» أعلن تضامنه «الكامل معها ومع سائر أبناء الشعب الفلسطيني» مشددا على «حقه الكامل في استعادة حريته وأرضه المسلوبة عنوة وتشكيل دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف».
ويقول أحد المسؤولين الفلسطينيين في مخيّم البداوي شمال لبنان: «نعجز عن تحمّل الاعتداء السافر الذي يرتكبه العدو بحقّ الأهالي في قطاع غزة، لذلك حاول بعض شبان مخيّم عين الحلوة الوصول إلى الحدود، الا أن الجيش منعهم، فهذه المسألة لا تُعدّ سهلة وبسيطة أبداً، لكن ندرك تماماً أنّ الحدود في حال فتحت، سنتوجّه جميعنا وفي مقدّمنا الفصائل الفلسطينية مباشرة إلى تلك البقعة لإعلان تأييدنا لبلادنا وقضيتها المحقّة».
وإذْ يلفت المسؤول إلى أنّ الدعوات إلى التظاهر لنصرة الشعب الفلسطيني تتمّ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يُشدّد على أنّ هذه الخطوة تحتاج إلى شروط عدّة أبرزها يرتبط بأهمّية «التنسيق مع حزب الله الذي يقوم بدوره بالتنسيق مع الجيش اللبناني كي يسمح للشباب بالوصول، وهذا ما أعاق وصول الشبان المنتفضين إلى الحدود، فإذا لم يتمّ الاتفاق والتنسيق على عدد الشبان وتأمين ضمانات لهم ثمّ الموافقة، لن يحصل هذا الأمر، بغضّ النّظر عن إمكان التوجّه والوصول بسيّارة مثلاً تحمل عدداً محدوداً لا يفي بالغرض، لكن حتّى هذه اللحظة لا موافقة على هذه الخطوة التي نستعدّ لها بكلّ طاقتنا».
إلى ذلك، يعتبر المدير العام للهيئة 302 للدّفاع عن حقوق اللاجئين علي هويدي، أنّ «التوجه إلى الحدود والاعتصام ووقفات التضامن قرب الخط الأزرق، بات حلم كلّ فلسطينيّ في لبنان ليشعر بانتمائه إلى هذا الحدث وليُسهم أيضاً في استهداف الكيان الصهيوني بعد 75 عاماً على اللجوء بحيث آن الأوان للوصول إلى حقّه في العودة إلى بلاده، ولهذا السبب يُمكن القول، إنّ الدعوة إلى فتح الحدود أو إلى التظاهر والتجمهر جنوباً محقّة ومشروعة للاجئين الفلسطينيين الذين يُعانون الأمرين مع حرمانهم من حقوقهم الإنسانية، الاقتصادية، الاجتماعية والصحية وغيرها من الحقوق، وبالتالي إنّ طلب العودة يُعدّ أساسياً في هذا المجال، كما نؤكّد أنّه مطلب سياسي أكثر من كونه إنسانيّ.
وتعيش المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان حالاً من الغليان نظراً مع التطوّرات السريعة الذي تشهده بلادهم، وترتفع مشاعر القهر أمام جرائم الاحتلال في قطاع غزة، وتترجم على الأرض في وقفات ومظاهرات ومسيرات حاشدة، وهي الحال مع كل عدوان يتعرض له الفلسطينيون في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تُنكأ جروح النكبة من جديد لأجيال من اللاجئين الفلسطينيين قد يكون جل ما تأمل به هو مقاسمة التضحية والمشاركة في المواجهة ضد الاحتلال.

عبد معروف

المصدر: صحيفة القدس العربي




غزة: كم من طرف ينتظر دخولها بيت الطاعة؟

ما زلنا نذكر أمنية مجرم الحرب إسحاق رابين الذي كان يحلم بأن يصحو صباح يوم ويجد غزة قد غرقت في البحر. ذهب رابين مقتولا ودفن حلمه معه وبقيت غزة شامخة صامدة. وعندما تيقن مجرم الحرب الأكثر وحشية، أرييل شارون، أنه غير قادر على الانتصار على غزة، قرر الهروب منها وطلب من جنرالاته أن يمنعوا إطلاق المقذوفات من غزة إلى مستوطنات الغلاف، فعادوا إليه بتقرير يؤكد أن ذلك مستحيل فأصيب بجلطة قوية لم يفق منها إلى أن نقل إلى القبر. وحاولت كوندليزا رايس أن تستعين ببعض العناصر المرتبطة بمنظومة الأمن الإسرائيلي بسحق قوات المقاومة فخاب ظنها وهرب المكلفون بإثارة الفوضى ثم السيطرة على عناصر المقاومة، وعادوا إلى أحضان حلفاء الكيان في الخليج.
ثم قام الكيان نفسه بعد ذلك بسبع حروب. غيوم الصيف عام 2006 بعد خطف الجندي شاليط. وعملية الرصاص المصبوب 2008/2009 وعملية عامود السحاب عام 2012 وعملية الجرف الصامد التي استمرت 50 يوما عام 2014 وهي أطول الحروب العربية الإسرائيلية، ثم جاءت مواجهات مسيرات السياج 2018 و 2019 ثم عملية «حارس الأسوار في أيار/مايو 2021 ثم هذه المنازلة. في كل تلك العمليات عادت إسرائيل خائبة مكسورة الجناح والكرامة. وقد استنجدت بهيلاري كلينتون عام 2012 عندما كانت الظروف في مصر مواتية شعبيا حيث تدفق المئات إلى غزة لنصرتها فعلا لا قولا فقط. قصفت وقتلت آلاف الأطفال والنساء والشيوخ، ودمرت البنى التحتية والمدارس والمباني ثم خرجت دون ثمن بعد أن تهشم أنفها ومرغت كرامتها في التراب، إن كان لديها شيء اسمه كرامة، وبقيت غزة صامدة تضمد جراحها وتمسح الغبار عن جبينها وتعود لترتيب أمورها وتستعد لمنازلة جديدة لأنها لا تملك خيارات أخرى.
هذه المنازلة تختلف نوعا وكما وأبعادا ونتائج عن سوابقها. لقد اختارت المقاومة في عملية «طوفان الأقصى» الزمان والمكان وباغتت العدو بعد أن اخترقت الجدار العازل وشوشت على وسائل الاتصالات واقتحمت المعسكرات وأخذت الأسرى وواجهت وصمدت وسطرت ملحمة بطولية أذهلت العالم كله. كسرت غرور الوحش الذي ألف أن يلغ في الدم الفلسطيني دون أن يحسب أي حساب.

اسم مخادع

جاء رد الفعل الأهوج من المؤسسة الصهيونية في عملية السيوف الحديدية التي تطلقها الآن لرد الاعتبار للمؤسسة المهانة. إنه اسم مخادع فلا يوجد في العملية لا سيوف ولا حديد، فقد أطاحت عملية «طوفان الأقصى» بسيوفهم وحديدهم وكرامتهم واستعداداتهم وضبطوا على حقيقتهم: كيان هش لا يصمد أمام عزيمة المقاتل الفلسطيني الذي يدافع عن أرضه وتاريخه وحضارته ومقدساته وشعبه بينما هم يحتمون بمنظومة القبة الحديدية ومقلاع داود والبارجات الأمريكية والدعم الأوروبي، ولو تركوا وحدهم أسبوعا لهرعوا كل إلى موئله الأصلي الذي هاجر منه هو أو والده إلى فلسطين. يلجأون إلى صب الحمم من أعلى للتدمير والقتل والترهيب. يقطعون الماء والغذاء والدواء ولو استطاعوا لمنعوا الهواء أيضا لأن غزة أذاقتهم طعم الهزيمة، مرة وراء مرة.

المراهنات الخاسرة

كثيرون ينتظرون نتائج هذه المنازلة، وطابور المنتظرين لاجتثاث المقاومة طويل. ولا يغرنك بعض البيانات التي تتباكى على المدنيين وتطالب بخفض التصعيد والممرات الآمنة. وعلى ضوء هذه المعركة سيتقرر الكثير من النتائج. فإذا صمدت المقاومة وخرجت من هذه المنازلة واقفة، ستغير معادلات كثيرة في الشرق الأوسط وستحتل القضية الفلسطينية موقعها الحقيقي والصحيح كقضية شعب هجر من أرضه عنوة وعلى استعداد أن يضحي بالغالي والرخيص لاستعادة حقه. وإذا تمكن الكيان المدعوم بترسانة القتل غير المحدودة القادمة من الولايات المتحدة والدول الغربية من كسر ظهر المقاومة، وهو ما لا نتوقعه، سيصبح الشرق الأوسط بكامله تحت أمر الصهيوني وسيكون صف المطبعين طويلا.
فمن هم هؤلاء الذين يترقبون انكسار المقاومة بفارغ الصبر؟
أول المترقبين هم الأوسلويون الذين احتضنوا برنامج المفاوضات إلى ما لا نهاية. فلا حققوا شيئا بالمفاوضات ولا بقوا مع رغبات شعبهم في الصمود والمقاومة والنضال. بل حولوا الأجهزة الأمنية إلى سلاسل للدفاع عن العدو وليس عن شعبهم إلى أن أصبحت هذه الفئة فاقدة للشرعية وتعيش عبر أنابيب الدعم من الخارج التي تصب في شرايينها هواء وغذاء ودما. والطرف الثاني هو الذي أطبق الحصار على غزة من معبر رفح وجرف القرى من الجهة المصرية وأغلق الأنفاق وصب خندقا عميقا من الأسمنت المسلح والمياه العادمة على طول الحدود مع غزة، لا يريد أن يرى مقاومة قوية تسجل الانتصارات كي لا تضيع هذه الورقة المهمة من يده والتي يستخدمها في علاقاته الأمريكية الإسرائيلية. ومواقفه في حرب 2014 كانت أكثر من واضحة خلال 50 يوما من المواجهات،
أضف إلى القائمة الدول المطبعة جميعا والتي تريد أن ترى رأس المقاومة مجندلا في رمال غزة كي لا تشعر بالإحراج من هذه المواجهات الشجاعة التي تعريهم أكثر وأكثر. فعندما طبعوا مع الكيان في احتفالات مشينة تغطوا بالقضية الفلسطينية وادعوا أنهم سيستخدمون علاقاتهم مع الكيان من أجل وقف الاستيطان والدفع باتجاه تحقيق الشعب الفلسطيني لحقوقه وإقامة دولته. العكس تماما هو الذي حدث. الكيان فسر هذا التطبيع، محقا، بأنه تخلٍ من هذه الدول عن القضية الفلسطينية، فاستغل التطبيع لبسط سيطرته الكاملة على أرض فلسطين والتحلل تماما من أي التزامات والمضي قدما نحو التصفية الكاملة للقضية الفلسطينية. ومن لديه شك فليتذكر الخريطة التي رفعها نتنياهو في خطابه يوم 22 أيلول/سبتمبر الماضي من على منبر الأمم المتحدة يدعي أن هذه خريطة إسرائيل عام 1948. هل كان يمكن أن يقول هذا لولا التطبيع، ما سلف منه وما هو آت. هل يستطيع أحد أن ينكر أن منسوب العنف والأنشطة الاستيطانية واقتحامات الأقصى وإطلاق أيادي المستوطنين تضاعف عدة مرات بعد اتفاقيات إبراهيم المشؤومة؟ لقد أدارت هذه الدول ظهرها لفلسطين ولا يخدعنك البيانات المملة حول التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني. فبيان الإمارات حول عملية «طوفان الأقصى» كأنه كتب بيد نتنياهو. هذه الدول المطبعة ستتحرر أكثر، على الأقل خجلا من شعوبها المتعاطفة تماما مع فلسطين إلا من بعض الذباب.
والجهة الرابعة التي تتمنى عثرة المقاومة هي الدول التي على وشك التطبيع، فقد جاءت المنازلة الكبرى في غلاف غزة وما تبعها من حرب إبادة على غزة لتعكر سير المفاوضات التي تغنى بها نتنياهو من على منبر الجمعية العامة. هذه المنازلة، وخاصة بعد انتهاء غبار المعركة وخروج المقاومة سالمة، ستغير المعادلة كثيرا ولا أحد يستطيع أن يتجاوز الشعب الفلسطيني أو ينظر إليه نظرة دونية. إن مشروع الخط التجاري الذي يربط الهند بإسرائيل مرورا بالإمارات والسعودية والأردن وصولا إلى حيفا لن يرى النور. فالكيان الذي لم يحم نفسه من ألف مقاتل هل سيحمي هذا المشروع؟ وهل سيثق به أحد؟
لا حاجة أن أذكر أن الولايات المتحدة والدول الأوروبية، على استعداد أن تدخل المعركة لإنقاذ الكيان الذي أنشأوه واستثمروا في تطويره وتسليحه وعدوانيته الكثير لو تعرض للخطر. لقد أثبتت عملية «طوفان الأقصى» للولايات المتحدة وحلفائها أن هزيمة هذا الكيان وتفكيكه ممكنة. وهو ما يبين أسباب هذا الهلع وهذا الاصطفاف غير المسبوق بالعدة والعتاد.

عبد الحميد صيام

المصدر: صحيفة القدس العربي




هل تستطيع إسرائيل اجتياح غزة برياً؟ وكم ستصمد لو دخلت القطاع؟

تتباين التوقعات بشأن حجم ومستوى الرد الإسرائيلي على عملية «طوفان الأقصى» التي فاجأت الاحتلال فجر يوم السبت السابع من تشرين الأول/أكتوبر الحالي، فيما تصاعد الحديث منذ اليوم الأول للعملية حول نية الحكومة الإسرائيلية اتخاذ قرار بتنفيذ اجتياح بري شامل لقطاع غزة، إلا أن ما حدث على الأرض هو أن القوات الإسرائيلية لم تتوغل ولو لمتر واحد داخل أراضي القطاع واكتفت بتكثيف الغارات الجوية على المواقع المدنية.

وحتى مساء الجمعة، أي حتى نهاية اليوم السابع من عملية «طوفان الأقصى» ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلي سلسلة من المجازر الدموية بحق المدنيين، وذلك بواسطة القصف الجوي العشوائي العنيف الذي لا يبدو أنه يقصد أهدافاً محددة ولا يستهدف مواقع عسكرية لحركة حماس، وإنما بنايات مدنية يسكنها النساء والأطفال. وكانت حصيلة المجازر الإسرائيلية في الأيام السبعة الأولى للعدوان 1951 شهيداً وأكثر من 6500 جريحاً، حسب إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية، فيما أظهرت البيانات أن من بين الشهداء 641 طفلاً، و370 امرأة، وهو ما يعني أن أكثر من نصف الشهداء تقريباً من النساء والأطفال.
وبعد مرور أسبوع على بدء العدوان الإسرائيلي تراجع الحديث عن اجتياح بري شامل لقطاع غزة، وذلك على الرغم من أن المصادر الإسرائيلية قالت إن تل أبيب أبلغت الولايات المتحدة ومصر وعددا من الدول الكبرى ودولا أخرى في المنطقة بأنها عازمة على تنفيذ عملية برية في القطاع ستستمر لعدة شهور، وأن عليهم أن يستعدوا لذلك.
وتصاعد الجدل داخل إسرائيل وخارجها حول ما إذا كانت تل أبيب قادرة على القيام بمثل هذه العملية أم لا، وخاصة في حال اندلاع انتفاضة شاملة في الضفة الغربية، واندلاع حرب في الشمال مع حزب الله اللبناني، ما يعني أن الجيش الإسرائيلي قد يجد نفسه فجأة أمام ثلاث جبهات مشتعلة بحاجة لآلاف الجنود من المشاة والقوات البرية.
وأصدرت القوات الإسرائيلية بياناً دعت فيه سكان القطاع إلى النزوح جنوباً، وهو ما رفضه السكان ورفضته حركة حماس، إلا أن الكثير من المراقبين اعتبروا بأنه استعداد لاجتياح القطاع برياً، أو على الأقل تنفيذ عملية برية في شمال القطاع، وفي هذه الحالة فإن القصف العنيف الذي يتعرض له القطاع منذ أيام ليس سوى تمهيد لهذا الدخول البري.
ويشكك الكاتب الإسرائيلي المعروف شلومي إلدار في قدرة جيش الاحتلال على إعادة احتلال غزة واجتياح القطاع برياً، حيث قال في مقال نشرته جريدة «هآرتس» العبرية: «من المؤلم أن نعترف بأننا كبرنا ونحن نتشرب أسطورة الجيش الإسرائيلي، وبأنه الجيش الأقوى من بين جيوش العالم أو على الأقل من بين جيوش الشرق الأوسط، لكن هذا الجيش الإسرائيلي تبين في أكتوبر 2023 أنه جيش ضعيف».
وتساءل إلدار: «هل الجيش الإسرائيلي اليوم قادر على احتلال غزة؟ وهل وحداته، التي تحولت إلى مجرد شرطة لحماية المستوطنين في الضفة الغربية منذ سنين حصلت على التدريب الكافي بحيث باتت مؤهلة لاقتحام غزة والدخول إلى أزقة: جباليا، والشاطئ، وخانيونس والشجاعية؟».
وأضاف إلدار الذي عمل لسنوات مراسلاً صحافياً في غزة: «هل إسرائيل النازفة والتي يعصف بها الألم جاهزة لتكبد المزيد من مئات القتلى أو أكثر؟ وما الثمن الذين سندفعه مقابل إعادة احتلال غزة؟ وما الذي سنحصل عليه في المقابل؟».
وتابع: «حماس تحوز على آلاف الجنود الذين يمتازون بدافعية أيديولوجية دينية ووطنية، التوق إلى الشهادة يضطرب في صدورهم. حماس ليست مجرد قيادة عسكرية وسياسية، بل أيضاً أيديولوجية وجوهر، ودين وعقيدة، فضلا عن مئات الآلاف من المؤيدين المستعدين للموت دفاعا عن غزة وفي سبيل الله» على حد تعبيره.
مواجهات في الضفة الغربية

من جهته يقول الجنرال ديفيد عبري، الذي سبق له أن شغل منصبي نائب رئيس أركان الجيش وقائد سلاح الطيران الإسرائيلي، إن شن عملية برية في قطاع غزة سيكون «فخاً استراتيجياً» لإسرائيل، محذراً من أن «إسرائيل ستفاجأ بعد اقتحام غزة بريا بانفجار مواجهات في الضفة الغربية ومع حزب الله».
ونقلت «هآرتس» عن عبري قوله إن قرار إسرائيل شن عملية برية يعني أنها تعمل «وفق الخطة الإيرانية» لافتا إلى أنه على الرغم من الخسائر التي تكبدتها إسرائيل في «طوفان الأقصى» فإن غزة «لا تمثل تهديدا وجوديا ويمكن معالجة التهديد الذي تمثله عبر الغارات الجوية ومن خلال ضغوط اقتصادية، لكن في حال اقتحمنا غزة فإننا سنقع في المصيدة وهذا سيفضي إلى تهديد وجودي».
وأضاف عبري: «تنفيذ عملية برية في غزة سيكون قراراً صائباً فقط في حال قررت إسرائيل البقاء في غزة، لكن لأن إسرائيل لا تنوي البقاء هناك فإن تأثير هذه العملية لن يتجاوز العقاب فقط وهو ما يمكن أن تحققه إسرائيل عبر الغارات الجوية». وأشار عبري إلى أن جيش الاحتلال سيتكبد خسائر فادحة خلال تنفيذ العملية البرية، فضلا عن أنه سيكون من الصعب على القيادة الإسرائيلية تحديد موعد إنهاء العملية والانسحاب.
يشار إلى أن التقارير الغربية تقول إن الجيش الإسرائيلي يتألف من 173 ألف جندي في الخدمة الفعلية حالياً، ونحو 465 ألف جندي احتياط، ويبلغ تعداد المؤهلين للخدمة العسكرية نحو 1.7 مليون شخص.
وحشدت إسرائيل جيشها ومن بينه ثمانية آلاف من قوات الكوماندوز الخاصة، وقطع المدفعية وقاذفات الصواريخ إلى جانب 300 دبابة في مستوطنة سديروت القريبة من قطاع غزة والتي سيطر عليها مقاتلون من حركة حماس صباح السبت الماضي لعدة ساعات.
ويبلغ تعداد القوات البرية الإسرائيلية 140 ألف جندي، وتمتلك هذه القوات 1650 دبابة، بينها 500 من فئة «الميركافا» التي توصف بأنها من ضمن الدبابات الأكثر تحصينا في العالم، وهي الدبابة التي تمكن مقاتلو كتائب عز الدين القسام من تدميرها في عملية «طوفان الأقصى» حيث تمكنوا من تدمير عدة دبابات وأسروا أو قتلوا من كانوا بداخلها من الجنود.

بلال السيد

المصدر: صحيفة القدس العربي




«حزب الله» يفتح جبهة الجنوب اللبناني لمنع سحق «حماس» تدمير غزة «ثمن مستوعَب» بعد اهتزاز شِباك التطبيع الجديد

حتى الساعة، لا تزال قواعد الاشتباك بين إسرائيل و«حزب الله» على ثباتها رغم مرور ثمانية أيام على عملية «طوفان الأقصى» صباح 7 تشرين الأول/اكتوبر التي شنتها كتائب القسام – الجناح العسكري لحركة «حماس» على غلاف غزة وما أحدثته من إعلان حكومة تل أبيب حالة الحرب.
يخرج «حزب الله» ليُعلن على لسان قياداته الموقف الذي يرى وجوب إعلانه دون زيادة أو نقصان. قال رئيس مجلسه التنفيذي هاشم صفي الدين: «إننا في هذه المعركة لسنا على الحياد». وأضاف نائب الأمين العام لـ»حزب الله» نعيم قاسم في «يوم النفير»: «نحن كحزب الله نساهم في المواجهة ضمن خطتنا ورؤيتنا ونتابع تحركات العدو ومتى يحين وقت أي عمل سنقوم به». وأردف: «إنَّ الحزب يعرف واجباته تماماً، ونحن حاضرون بجهوزية كاملة ونتابع لحظةً بلحظة، ولن تؤثر الاتصالات التي تجري خلف الكواليس من أطراف دولية لضمان عدم تدخلنا في المعركة».
اقترن الموقف السياسي لـ»حزب الله» بعمليات محدودة ومدروسة و«مدوزنة» على جبهة الجنوب اللبناني، لا تُشكِّل انخراطاً عملياً لـ»الحزب» في الحرب وفق مفهوم «وحدة الساحات». هكذا إعلان سيتطلّب بلاغاً جليّا منه سيأتي على الأرجح على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله لضرورات تهيئة بيئته الحاضنة أولاً، ورسالة للاعبين الإقليميين لا لبس فيها لقرار انخراط «محور الممانعة» في الحرب ثانياً، بوصفه «الناطق الرسمي» باسم هذا المحور الذي تقوده إيران ويشمل ساحات العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن.
عقب انتهاء حرب تموز 2006 التي استمرت 33 يوماً في أعقاب عملية خطف جنديين إسرائيليين من داخل الحدود الشمالية لإسرائيل، قال نصر الله جملته الشهيرة: «لو كنت أعلم أنَّ عملية الأَسر ستقود إلى هذه النتيجة لما قمنا بها قطعاً». واعتبر أنَّ قيادة «حزب الله» لم تتوقع ولو واحد في المئة أنَّ عملية الأَسر ستؤدي إلى حرب بهذه السعة وبهذا الحجم، لأنه وبتاريخ الحروب هذا لم يحصل.
ما يَسُـرُّ به اليوم لصيقون بـ«محور إيران» يُشبه إلى حد كبير «جملة» نصر الله. يسأل هؤلاء: مَن كان ليتصوَّر أن «عملية طوفان الأقصى» التي كان هدفها الأول «فرقة غزة» في «الغلاف» يمكن أن تحقق كل هذا النجاح وتُنزل بالجيش الإسرائيلي هذه الهزيمة الاستخباراتية والعسكرية والأمنية وتُوقع هذا العدد من القتلى في يوم واحد، الذي فاق عدد ما خسرته إسرائيل في أي حرب خاضتها؟ هذا السؤال بذاته يحمل في طياته اقتناعاً بأن الحسابات بُنيت على أن تُحقق «طوفان الأقصى» اختراقاً يهزُّ كيان العدو ويكشف اهتراء منظومته الاستخباراتية ودفاعات جداره ذات التقنية العالية، إنما من دون أن تجرَّ حكومة بنيامين نتنياهو إلى إعلان حالة الحرب للمرة الأولى منذ حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973.

تمدُّد الجبهات

ما شهدته غزة من مواجهات حربية كان يندرج تحت مسمى «العملية العسكرية»، وحتى اجتياح بيروت عام 1982 والحروب مع لبنان لم تصل إلى حد إعلان «حالة حرب» الأمر الذي يدفع «المحور» إلى تقييم التطورات التي يشهدها الميدان في ضوء الأهداف التي أعلنتها إسرائيل.
بالنسبة لإيران وتالياً لـ»حزب الله» – الذي يُشكِّل «الدرَّة « بين أذرعها العسكرية – فإن تقويض حكم حماس في غزة وانكساره الكليّ وتصفيتها يُشكِّل خطاً أحمر، لأن ذلك سيؤول إلى خسارة البندقية الفلسطينية المنضوية في «المحور» بوصفها جزءاً من الأجندة الإيرانية، ما يعني فقدان ورقة إستراتيجية في الصراع الدائر في المنطقة. وبالتالي، فإن تمدُّد الجبهات مرتبط بالحسابات الكبرى لـ»المحور» التي تحددها إيران وفق مشروعها التوسعيّ العقائديّ وطموحاتها الإمبراطورية. ما يهمُّ «حزب الله» هو أن لا يكون هناك قرار أمريكي-إسرائيلي بسحق «حماس» وإخراجها من المعادلة. ذلك أن تدمير غزة يمكن أن يكون «ثمناً مستوعَباً» إذا بقيت «حماس» التي ستكون قادرة – بعد حين – على أن تنهض من بين الرماد.
في القراءة التقييمية لـ»المحور» أن الإدارة الأمريكية بزعامة الحزب الديمقراطي لا ترغب في اتساع الحرب في المنطقة. يرى لصيقون بـ«المحور» أن الحشود والأساطيل الأمريكية التي تحرَّكت هي خطوة في إطار سياسة اللجم أكثر مما هي استعدادات لقرار «الحرب الإقليمية» على أقله في الوقت الراهن. وليس أدلّ على ذلك من التصريحات الأمريكية بأن لا دليل لها على تورّط إيران في «عملية الأقصى» في وقت تعلم واشنطن علم اليقين أن الإعداد والتخطيط والتحضير اللوجستي والدعم التقني والتكنولوجي والعسكري هو من فعل «الحرس الثوري الإيراني» و«حزب الله» وأنَّ لبنان هو مقر غرفة العمليات المشتركة للميليشيات الإيرانية، وأن الساحة اللبنانية أضحت مرتعاً لحركتَي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في مشهد مريع لانهيار الدولة اللبنانية على المستوى السياسي والعسكري والأمني. ولا يمكن اعتبار أي تحرُّك للمنظومة السياسية والعسكرية اللبنانية إلا من قبيل ضرورات الحفاظ على هيكل دولة غير قائمة.

الضغط والتهديد

ما يدور من كلام لدى «المحور» هو أنه إذا حصل اجتياح بريّ لغزة، فإن جبهات أخرى ستُفتح، يبقى في خانة الضغط والتهديد. الرهان عملياً على صمود الفصائل المسلحة في غزة، وتأمين الأرضية لتوسيع الجبهات الأخرى داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية والقدس وأراضي 48، وإبقاء جبهة الجنوب «جبهة إشغال» إنما تحت سقف مضبوط بما لا يُطيح بقواعد الاشتباك. هذا لا يعني أن قدراً من الاطمئنان يسود الشارع اللبناني الخائف مِنْ أنْ تُورِّط إيران لبنان بحرب جديدة مدمّرة بفعل هيمنتها، من خلال «حزب الله» على قرار السلم والحرب، في وقت لا مقومات داخلية على تحمُّل تبعات هكذا حرب مع الانهيار المالي والاقتصادي والانقسام السياسي الشعبي الحاصل في البلاد.
وتنطلق مخاوف تدحرج الاحتكاكات العسكرية على جانبَي الحدود إلى حرب واسعة النطاق من التوقعات بأن هذه الحرب – إن وقعت – ستفوق حرب 2006 في حجمها وقدراتها على أقله من جانب «حزب الله» وسط اعتبار مقرَّبين منه أن حضور «الحزب» سيكون قالباً للتوازنات، إذ إن ميزان المعركة سيتحوَّل خلال 48 ساعة وليس في غضون أيام طويلة أو أسابيع أو أشهر، انطلاقاً من أن نموذج الحرب المقبلة سيكون مختلفاً، بغض النظر عما يمكن أن يحمله هذا الكلام من مبالغات أو تمنيات، فإن مما لا شك فيه أنَّ توسُّع الحرب ليشمل جبهة لبنان سيكون كارثياً في نتائجه التدميرية ولا سيما أنَّ الحرب لن تقتصر عندها على إسرائيل و«حزب الله» بل ستضطر الأمريكيين إلى المشاركة المباشرة بحسب التحذيرات التي يطلقونها.
تُدرك إيران، ومن خلفها «حزب الله» أنَّ أمريكا تستخدم سياسة العصا والجزرة. هذا يقود إلى تنشيط القنوات الخلفيّة بين واشنطن وطهران، وسيفتح كوَّة، لكن هذه الكوَّة ليست على مسار حل القضية الفلسطينية، على أقله في المدى المنظور، إذ إن لملمة الجراح العميقة التي أفضت إليها عملية «طوفان الأقصى» على الجانب الإسرائيلي خلقت حواجز كبرى وأسَّست لامتداد الصراع لسنوات طويلة، ما يعني أن الثمن الذي يمكن أن تجنيه إيران يرتبط بحساباتها الكبرى بعدما نجحت في استخدام ورقة «حماس» وتجييرها لمصلحة مشروعها الإستراتيجي، وفي إصابة مشروع التطبيع السعودي – الإسرائيلي بندوب كبيرة، وهو المشروع الذي كانت تعوِّل إدارة بايدن على إنجازه في زمن قريب واستثماره في الانتخابات الرئاسية 2024 معطوفاً على «الممر الاقتصادي الجديد» بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا الذي أُعلن في «قمة العشرين» في سياق تطويق التمدُّد الصيني.
جاء وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان إلى الساحات التي تُمسك بها طهران في رد على زيارة نظيره الأمريكي لحلفاء واشنطن في المنطقة. أراد «المحور» أن يُظهر أن المواجهة تقوم بين لاعبَين هما أمريكا وإيران، وكل منهما قادر على تحريك أحجار الشطرنج التي لا بدَّ من أن يكون هناك رابح وخاسر فيها!.

رلى موفق

المصدر: صحيفة القدس العربي