1

هل دخل حزب الله الحرب الكبرى؟

على خيط رفيع بين الردود المحدودة والمشاركة الشاملة، يسير حزب الله منذ طوفان الأقصى بعد عبور حماس من غزة. تزداد وتيرة التصعيد ويتمّ دفع الحدود إلى أبعد يومًا بعد يوم. يؤكد حزب الله عبر الدبلوماسيين والمواقف العلنية والسرية أنه جاهزٌ لأي سيناريو في أي معركة. وتكثر التحليلات حول ما هي حسابات حزب الله في التدخّل الواسع، وما هي أولوياته. وبرقاب مشدودة، يترصّد الجمهور الشاشات بانتظار إعلان موعد خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، ليقول لهم: أنظروا إليها تحترق”، وإعلان الحرب الكبرى. وفيما يرى البعض أن على حزب الله أن يستغلّ اللحظة التاريخية الاستراتيجية للتخلّص من إسرائيل، ينتظر آخرون انتهاء كلّ حلول الأرض قبل اتخاذ قرار الحرب حقنًا للدماء.

وتوقعًا لاحتمال انخراطٍ أكبر للحزب من شأنه تغيير المعادلات الحالية، ترسل الولايات المتحدة، قوة ضاربة لحاملات طائرات إلى شرق البحر الأبيض المتوسط ومساعدات أخرى فيما وصفه مسؤول دفاعي بأنه “إشارة رادعة لحزب الله“. فمن شأن هذا الاحتمال أن يضمن حربًا إقليمية من المؤكد أنها ستتسبب في خسائر فادحة، وتجذب جماعات أخرى سنية وشيعية من جميع أنحاء المنطقة.

وعلى الجبهة الشمالية، لم يكن الاعتراف بالقتلى الجنود معتادًا لدى الإسرائيليين. لكن رسائل إسرائيل لتحييد الحزب، تعمد إلى الاعتراف ضمنًا وعلنًا، أنهم غير معنيين بالتصعيد على هذه الجبهة، قتلنا لكم ثلاثة وقتلتم لنا مثلهم، فلنعد إلى قواعد الاشتباك مجدّدًا.

فلنتذكّر قواعد الاشتباك. 40 عامًا من المواجهة بين حزب الله والكيان المؤقت على جانبي الحدود، أدّى إلى تفاهم غير مكتوب قد تطوّر بين الجانبين، يحدد الإجراءات المسموح بها دون إثارة التصعيد. وأدى إلى فهم أفضل لنوايا بعضهما البعض. إنها لغة النار. فماذا تقول نيران إسرائيل؟ وماذا تردّ عليها نيران الحزب.

بحسب الوتيرة المتصاعدة، من المحتمل أن تكون إسرائيل قد شرعت في حملة شاملة في لبنان نظرًا لأنها هي من ابتدأت القتال. لكنها في الوقت نفسه، تبدي إجراءات ضبط النفس. ويُفترض أنّ ذلك بسبب رغبتها في التركيز على الحملة في قطاع غزة. لكن، لما ابتدأت الهجوم في الأساس؟

لدى العدوّ من النرجسية والغطرسة ما يجعله يعتقد أنّ بإمكانه أن يشرع في حملة ضدّ حزب الله، خاصة بعدما تحمّس بايدن للوهلة الأولى وأعطى حكومة نتنياهو الضوء الأخضر. لكن وصول بلينكن وزير الخارجية الأمريكي ووزير الدفاع لويد أوستن في هذه المدة القصيرة، لم يكن مجرّد تعبير عن التضامن. الآلاف من الجنود الإسرائيليين يتأهبون في غلاف غزة، لكن الاجتياح لم يحصل بعد. لم تحصل إسرائيل بعد على تفويض مطلق من الأمريكيين لترضي نرجسيتها. وعليه، ستحتاج إسرائيل إلى مرحلة متقدمة من ضبط النفس، حتى تتمكن من قيادة الجبهة الشمالية بدون أن ترى جنود حزب الله يتوغلون في الجليل.

في المقابل، كيف يستجيب حزب الله؟ توسيع رقعة الحدود في قواعد الاشتباك، تشي أن حزب الله يعمل باستراتيجية المشاغلة التي ستخفف بالطبع من زخم التحشيد العسكري للجبهة الجنوبية مع غزة، وتزداد الرقعة لدى تصعيد الاعتداء على غزّة، وهو الأمر الذي يستدعي أن يسأل الإسرائيلي نفسه، هل دخل حزب الله الحرب دون أن يعلن ذلك؟ إنها الحرب النفسية.

في كتب التاريخ، ولدى سرد أحداث الحرب العالمية الأولى والثانية، ومن باب المقارنة، يمكن ملاحظة أنّ سرد الأحداث يبدأ من أول طلقة، على أيه جبهة. وسواء تدحرجت كرة النار إلى الحرب الكبرى، أم تمكنت الأطر الدبلوماسية من خفض التصعيد وانهاء الصراع، فإنّ المحللين العسكريين سيدرسون للتاريخ، كيف انخرط حزب الله في طوفان الأقصى واستطاع تغيير المعادلات وتحقيق الردع.

زينب عقيل

المصدر: موقع الخنادق




طبيعة الدعم الأميركي لنجدة نتنياهو وحليفتهم اسرائيل

بعد الساعات الأولى من إعلان القائد محمد الضيف عن بدء عمليات طوفان الأقصى، طوفان فاق كل التوقعات، في حين كانت معظم المواقف العربية والإقليمية والدولية تتوقع أن الرد على انتهاكات الأقصى لن تتجاوز بعض الرشقات النارية على عسقلان وأسدود وبعض المستعمرات أو التجمعات والأحياء التي يحتلها الصهاينة، التي بدأت فيه منذ الرابع من تشرين الأول/ اكتوبر وحتى السادس منه، حفلة تدنيس جديدة على يد المحتفلين الصهاينة بعيد الغفران بشكل لم يعد محتملاً على المستويات القومية، والوطنية، والإسلامية، والإنسانية. وبدأت مع الاحتفالات اليهودية الشائنة مسيرات البصق على المسيحيين العرب في القدس، وليس على الأوروبيين أو الأميركيين، وبدأ الاعتداء على المصلّين من المسلمين ولم يوفر ذلك حتى النساء. ربما لم يتوقع أحد تدفق رجال المقاومة لبدء عملية الدفاع عن الأقصى من الأرض والماء والسماء، ولكن ما لم يتوقع أيضاً هو حجم الإرباك الذي أصاب الموقف الأميركي الرسمي.

قال الرئيس جو بايدن أنهم يقفون إلى جانب الصهاينة ودولة “إسرائيل” صديقتهم وحليفتهم الأولى في الشرق الأوسط، واتصل ببعض الملوك العرب، وحذر من أن تقوم أي دولة بإرسال القوات من أجل نصرة المقاومين. قالها وهو منفعل وغاضب ويرفع يده مهدداً أن أمريكا ستدخل الحرب في حال تدخل دول أخرى. فالإدارة الأميركية تخشى فعلياً تدخل محور المقاومة الحرب إلى جانب الفلسطينيين، وهي لا تستطيع حتى الساعة وضع الخطة المناسبة لمواجهته. وبالتحديد ما يخشاه الأميركيون، هو تدخل حزب الله في المعركة واجتياح الجليل من الشمال، وهذا ما يتحدث عنه الإعلام الأميركي منذ ثاني أيام الطوفان، وبشكل اضطرادي. وينسبون عملية طوفان الأقصى لقرار محض خارجي هدفه وقف عملية إتمام التطبيع ما بين السعودية والكيان العبري.

إذا كان توقيت الحرب من أجل وقف عملية التطبيع، فهذا لا يقلل من شأن الفللسطينيين، بل على العكس، هو يرفع من حظوظهم من أجل الدفع نحو معركة تحرير الإنسان والأقصى وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، على الأقل بموجب مبادرة الملك السعودي الراحل، عبد الله، وبموجب قرار اجتماع الجامعة العربية في بيروت في العام 2002. وإذا استطاع الفلسطينيون تحصيل هذه المكاسب من خلال الإنتصارات التي يحققونها حتى الساعة، فهذا يعني أن حرب تحرير الأرض والمقدسات والإنسان التي بدأتها المقاومة في حماس ستكون انتصاراً فلسطينياً خالصاً دون تدخل باقي محور المقاومة. ولكن أي تدخل يعنيه الأميركي، لأنه إذا كان التدخل المعنوي مقابل التدخل المعنوي، والتدخل بمساندة المقاومة مادياً ولوجستياً مقابل التدخل الأميركي المالي واللوجستي، فهذا لا يقلل من شأن المقاومة بشيء. وفي الحقيقة هذا ما تلتزم به الولايات المتحدة حتى الساعة.

إعلامياً وخطابياً يحاول الأميركيون دعم الصهاينة ويحاولون من خلال اللقاءات الإعلامية الربط ما بين توقيت حرب السادس من تشرين التحريرية 1973، وما بين بدء العمليات على جبهة غزة في السابع من تشرين الأول 2023. ويحاولون ربط العمليتين في الذكرى الخمسين لإنتصار تشرين 1973، فكلا العمليتين اختارتا يوم السبت من فرصة عيد الغفران، عيد يكون فيه اليهود ملتزمون بوقف أعمالهم اليومية والقتالية. وكلا الحربين جاءتا بغتة ليس على الصهاينة فقط، بل حتى للأميركيين الذين كانوا متيقنين من أن شيئاً لن يحدث. وفي كلا العمليتين كان جمع الإحتياط الصهيوني عملية شاقة، وكلا العمليتين التشرينيتين سبقتهما العديد من التدريبات والمناورات الكبرى. وكلاهما دلتا على حجم الثغرة الإستخبارتية المميتة لدى الصهاينة. ولذلك كان أول ما أعلنه الأميركيون وحتى الأوروبيون أنهم مستعدون لتقديم المساعدة الإستخباراتية بشكل مبدئي.

ضمن سياسة الدعم الأميركي، تم ارسال حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد آر فورد”، وصواريخ كروز وأربع مدمرات صواريخ إلى المنطقة ومقاتلات جوية أميركية وتبعتها حاملة الطائرة ايزنهاور. وهذا نوع من الدعم بالطائرات الأميركية تلقته “اسرائيل” في اليوم السادس لحرب تشرين التحريرية 1973 عبر جسر جوي من القاعدة الأميركية في ألمانيا. وهذا ما تستطيع أميركا تقديمه حتى الساعة، ولا يبدو أن هناك شيء آخر ستكون قادرة عليه، خاصة وأن اميركا اليوم مشغولة ومستنفرة لبدء أية حرب في بحر الصين الجنوبي، وليست بوارد دخول أي حرب في منطقة الشرق الأوسط.

بالتأكيد، لا يستطيع الأميركي بأي شكل من الأشكال ارسال جنوده للقتال البري إلى جانب الصهاينة، علاوة على أن سلاح الطيران سلاح مقيد ولا طائل منه في هذه المعركة، إلا للإستخدام في تدمير المناطق المدنية في غزة. اذ أنه عندما تكون المعركة ما بين أهل الأرض وما بين الغرباء على مساحة محدودة، فهذه الثغرة لا يستطيع الأميركي خرقها لا بالدبلوماسية ولا حتى بالمساندة العسكرية. ونحن نعلم أن الناتو مقيد ولن يستطيع الدخول إلا عبر الأراضي اللبنانية وبأمر أميركي، هذا إذا دخل حزب الله المعركة، ورأيناه وهو يدوس بآليته علمي اسرائيل والولايات المتحدة في الناقورة بحسب طلب الأهالي. والمعركة اليوم تجري في وقت يعاني فيه الكونغرس الأميركي من شلل تام بسبب غياب رأسه، وسبب التعطيل: الخلاف الداخلي ما بين الجمهوريين.

حتى الحديث الأميركي الرسمي عن ضرورة خفض التصعيد، استنكره النواب الجمهوريون في الكونغرس، وقال أحدهم على قناة الـ CNN: “لو هوجمت ميامي فهل سنتحدث عن خفض تصعيد، حتى ولو كان الكونغرس معطلاً ولم يعد قادراً على التحرك واتخاذ القرارات”. إذن هناك حالة من الإرباك في داخل إدارات السلطة الأميركية في كيفية التعاطي مع الحدث على الأرض حتى الساعة، وهناك اتهامات من دونالد ترامب لبايدن بأنه السبب في تقوية حماس على حساب “اسرائيل”. وعجز الساسة الأميركيون عن الحديث عن مقاومة وطنية فلسطينية شاملة، وحصر المعركة مع حماس يوضح مدى تصلب العقلية الأميركية وقصور الرؤية في تقدير مدى تطور التحالفات في المنطقة وتطور المقاومة في فلسطين، وهذا ما يمكن أن ندعوه بـ”الخرف الإستعماري”. خرف غير قادر على أن يقدر كيف تغيرت القوى والمساحات وبأي اتجاه عندما يتعلق الأمر بفلسطين معتقدين أن الإتفاقيات الإبراهيمية يمكنها تحقيق ما لم تحققه القوة الغربية الإستعمارية خلال 70 سنة من استعمار فلسطين.

ضمن التحرك الأميركي، بدأ طوني بلينكن، وزير الخارجية الأميركي، الإتصالات الهاتفية مع الدول العربية المطبعة، ومع المملكة السعودية مؤكداً على حق اسرائيل في الدفاع عن النفس، ولكن لم يخطر لبلينكن الحديث عن حق الفلسطينيين في الدفاع عن النفس، وهذا ما يتمحور حوله حالة الخرف الإستعماري الأميركي حتى الساعة وعدم القدرة على الخروج من عقلية الإستعمار الإستيطاني الذي أعطى الرجل الأبيض الحق في ممارسة القتل الجماعي لأمم وشعوب في أمريكا واستراليا والهند وأفريقيا وآسيا وفي منطقتنا العربية، وهم لا يريدون التعلم من تجربة الجزائر التي طردت المستعمر الإستيطاني الفرنسي بعد أكثر من مئة عام من احتلاله الاستيطاني.

في العام 1973، وخلال حرب تشرين التحريرية، كان هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي، ومن أجل وقف الحرب قام بزيارة مصر والتقى أنور السادات بهدف مفاوضة أحد طرفي القتال. جاء كسينجر يومها بعروض تحقيق السلام مقابل الأرض، فهل يستطيع بلينكن أن يقدم هذا النوع من العروض للفلسطينيين وأن يعد بعودة الأراضي الـتي احتلت في السادس من حزيران/يوليو 1967 أي بتحقيق مبدأ الأرض مقابل السلام؟ بلينكن الذي يزور إسرائيل بالطبع لن يقوم بلقاء السيد اسماعيل هنية، ولا يستطيع التفاوض مع رئيس السلطة محمود عباس، وهو لا يملك أساساً أية سلطة لوقف المقاومة في فلسطين. ما الذي يستطيع بلينكن أن يقدمه للفلسطينين اليوم، وقد أعطت الولايات المتحدة الكيان الصهيوني أقصى ما يطلبه؟ وحتى الدول العربية التي دخلت مصيدة التطبيع لم يعد لها تأثير في تجهيز وتمويل وعمل المقاومة الفلسطينية، بل بات هناك محور يمتد من طهران إلى دمشق وحتى بيروت وغزة هو من يدير هذه الأمور. في الحقيقة لا تستطيع الدبلوماسية الأميركية التعهد بأي تقديمات للشعب الفلسطيني، إضافة إلى أن أميركا عاجزة عن حمل أفكار يمكنها أن تجبر نتنياهو على التخلي عن مشروع توسيع بناء المستوطنات وبدء إخلاء القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وإعطاء الفلسطينيين الحق ببناء دولتهم المستقلة، هذا إذا ما قبل الفلسطينيون بذلك. مازالت المعركة في ايامها الأولى فلننتظر ونرى!

عبير بسام

المصدر: موقع الخنادق




سقف الخطاب الأميركي: عملية برية يعني خسائر غزو العراق لا انجازات 1976

“أيّ تحركٍ من جانب إسرائيل لاحتلال قطاع غزة مرة أخرى، سيشكّل خطأ فادحاً”. لا يعود هذا التصريح إلى أحد قادة المقاومة الفلسطينية، بل للرئيس الأميركي جو بايدن الذي كان حتى الأمس القريب يعبر عن “وقوفه إلى جانب الكيان في الدفاع عن نفسه بكل الخيارات المتاحة”. خفض الإدارة الأميركية لسقف الخطاب، يأتي في إطار إدراك واشنطن أن كيان الاحتلال بدأ يغرق في مستنقع التقدير الخاطئ الذي بات يكبّده أثماناً باهظة تبدأ بتورطه بأسوأ جريمة إنسانية ولا تنتهي باحتمالية توسع المواجهة حتى تشمل جبهات أخرى، وهو ما ينقل تاريخ المنطقة إلى نقطة مفصلية.

يواجه بايدن عدداً من التحديات بما يتعلق بهندسة موقفه حيال القرار الإسرائيلي باجتياح غزة برياً. كان التأييد الأولي المطلق الذي أبداه، لتعيد إسرائيل بناء صورة الردع، بمثابة “تقليد بروتوكولي” أميركي أمام أي حرب تتورط بها الأخيرة. لكن الأيام القليلة الماضية، مع عدم قدرة الكيان على تحقيق أي انجاز، واعتماده فقط على سلاح الجو وحصد أرواح أكثر من 2300 مدني، اضطرت الإدارة الأميركية إلى خفض سقف الخطاب، وذهبت نحو حماسة أكثر تواضعاً لتحقيق أهداف متواضعة أيضاً.

عدد من المحددات تحيط بالقرار الأميركي. ولا يزال يتعين على الإدارة تحديد شكل دعمها وكيفية تقديمه. اذ ان اتساع رقعة المواجهات الى جبهات أخرى، يعني انضمام القوات الأميركية إلى دائرة النار، ولو أن بايدن يحاول عدم الانجرار إلى مقدمة الصراع. ويقول الدبلوماسي الأميركي، ريتشارد هاس، أن “المشورة الجيدة وإن كانت قاسية هي ما يدين به الأصدقاء لبعضهم البعض…على واشنطن أن تنصح إسرائيل بعدم الدخول بريّاً إلى غزة”.

تأتي المصالح الأميركية في المنطقة، في مقدمة الاعتبارات التي تأخذها الإدارة، والتي يضعها الغزو الإسرائيلي للقطاع أولوية في بنك أهداف محور المقاومة. لن تتأخر الإدارة الأميركية كثيراً حتى تدرك أن تكاليف الاجتياح البري ستفوق فوائده بفارق شاسع. ويشير هاس في هذا الإطار إلى أن “البنية التحتية العسكرية لحركة حماس هي حكماً في المناطق المدنية نتيجة الاكتظاظ السكاني في القطاع. وعليه فإن محاولة تدميرها خلال هجوم واسع النطاق في بيئة حضرية مكتظة بالسكان، سيجعل من التكاليف باهظة جداً، وسيجعل من التأييد الفلسطيني لحماس أقوى. عدا أن إمكانية أسر جنود إضافيين”.

ثمة من يقول أن النظرة الأميركية لما ستخلفه العملية البرية في غزة، هو أقرب لما اقترفته واشنطن في غزوها لأفغانستان والعراق، مما حققته “إسرائيل” في عامي 1967 و 1973.

الواقع، أن التكاليف بدأ كلا الجانبين بدفعها منذ يوم 7 أكتوبر وبدء عملية “طوفان الأقصى”. في حين أن عامل الوقت لحسم أي من المعارك ليس بمصلحة الطرفين، بل هو تراكم لهذه التكاليف بما يفرض ثمناً أكبر مما وقع:

-الرأي العام العالمي بدأ بالاصطفاف أكثر إلى جانب الشعب الفلسطيني ومشروعية حقه بالدفاع عن نفسه على ضوء ما تعرض له من مجازر وجرائم حرب ترقى لمستوى الإبادة.

-احراج الأنظمة المطبعة وتلك التي تستعد لتوقيع صفقة التطبيع. ونذكر أن “المعضلة” التي كانت بين السعودية وكيان الاحتلال مع رغبة الأولى في تقديم بعض الفتات للفلسطينيين ثمناً لصورة المصافحة بين ولي العهد ورئيس الوزراء الإسرائيلي، لم تعد تكفي، خلافاً للرغبة الإسرائيلية التي ستكون أكثر تطرفاً في منح أي تسهيلات بعد النجاح التاريخي الذي حققته عملية “طوفان الأقصى”.

-خطر اندلاع حرب إقليمية كبرى تشعل المنطقة مجدداً بعد الجهود الأميركية في اخمادها طيلة السنوات الماضية عبر تخفيف حضورها العسكري افساحاً في المجال لأولويات أخرى كمواجهة روسيا والصين.

من الواضح، أن الخطاب الأميركي الذي كان أكثر حدة بانتقاده “الإصلاح القضائي” بوصفه “يقضي على الديموقراطية في إسرائيل”، أخذ منحى أكثر تساهلاً مع نية الكيان بالتورط في عملية برية في قطاع غزة، على الرغم من أن آخر ما تحتاج إليه واشنطن في الوقت الراهن هو اشعال المنطقة إلى جانب كونغرس مشتعل لم ينجح بانتخاب رئيسه بعد.

يكشف هذا التراجع في الخطاب عن حجم الإنجاز الذي حققته فصائل المقاومة الفلسطينية بالاستمرار بدك المستوطنات بالصواريخ على رغم الدمار الهائل. لكن، اقدام الكيان على عملية برية، سينقل الانتقادات الأميركية السرية إلى العلن، تماماً كأصوات المعارضين في الكونغرس والكنيست.

مريم السبلاني

المصدر: موقع الخنادق




ورقة قانونية: استخدام “الفسفور الابيض السام” جريمة إبادة جماعية

يخلو القانون الدولي من اتفاقية تحظر صراحة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض. إلّا أنّه مع ذلك هناك اتفاقيات معينة يمكن تطبيقها على هذا السلاح. ويتم ذلك من خلال تشابه الآثار التي يحدثها هذا السلاح مع تلك الخاصة بالأسلحة المحظورة بموجب الاتفاقيات الدولية. كما ويكون ذلك من خلال استعمال أسلوب الاستقراء واتباع القياس المنطقي. وبما أنّ سلاح الفوسفور الأبيض عبارة عن مادة كيميائية سامة، يسبّب عندما يلامسها الجلد حروقًا كثيفة ومؤلمة، وهو ما تستخدمه القوات الصهيونية المعادية يوميا في حربها على غزة منذ انطلاق العمليات العسكرية، فهو بذلك أقرب إلى الأسلحة الكيميائية والأسلحة الحارقة.  وقد حظر القانون الدولي استخدام الأسلحة الكيميائية من خلال اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية للعام 1993، كما حظر استخدام الأسلحة الحارقة من خلال البروتوكول الخاص بالأسلحة الحارقة الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980.

الفسفور الابيض السام: سلاح الابادة الجماعية

إنّ سلاح الفوسفور الأبيض هو عبارة عن سلاح سام يستخدمه العدو اليوم في غزة بهدف الابادة الجماعية للمدنيين، محدثا الكثير من الاثار التي تشير الى انتهاكات جسيمة لكل القوانين الدولية، ويعدّ سلاح حرب مدمرة يدخل في اطار الارتكابات المحظرو والتي تؤدي الى ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية.

 يعمل  هذا السلاح السام، عبر امتزاج الفوسفور الأبيض فيه مع الأوكسجين. والفوسفور الأبيض هو أحد الأشكال المتآصلة للعنصر الكيميائي الفوسفور. والفوسفور هو عنصر كيميائي في الجدول الدوري، رمزه الكيميائي P وعدده الذري 15 ويعتبر الفوسفور من العناصر الرئيسة في المواد الغذائية، يعمل على بناء العظام وتكوينها. وللفوسفور ثلاثة أشكال تآصيلية هي: الفوسفور الأبيض والفوسفور الأحمر والفوسفور الأسود. والفوسفور الأبيض هو عبارة عن مادة سامة وخطيرة له رائحة تشبه رائحة الثوم، ويكون لونه أبيض إذا كان بالشكل النقي، وذا لون أصفر إذا كان منتجًا مصنعًا بسبب امتزاجه مع المركبات الكيميائية، ولذلك فهو يسمّى بالفوسفور الأصفر، ويكون شديد الاشتعال يحترق بمجرد تعرضه للأوكسجين منتجًا نارًا أبيض كثيفًا.

عندما يتعرّض الفوسفور الأبيض للهواء، يتحوّل بسرعة كبيرة إلى خامس أكسيد الفوسفور، ويولد هذا التفاعل الكيميائي حرارة كبيرة مع دخان أبيض كثيف. وبسبب هذا الدخان واللهب المضيء، غالبًا ما تتذرّع الدول بأنّها تستعمل سلاح الفوسفور الأبيض في حروبها، بهدف إخفاء حركات الجنود أو للإضاءة أو كساتر دخاني. ولكن تستخدمه آلة القتل الصهيونية اليوم كآداة تطهير عرقي وابادة للشعب الفلسطيني منتهكة كل القوانين والمواثيق الدولية. 

آثار استخدام سلاح الفوسفور الأبيض على المدنيين

تتكشف كل يوم آثار الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها آلة الحرب الاسرائيلية كل يوم في غزة، ومن خلال استهدامها الفرط لسلاح الفسفور الابيض، تبرز درجة الحقد والرغبة في ابادة شعب باكمله. إنّ الفوسفور الأبيض  يدخل إلى جسم الإنسان إمّا من خلال جزيئات الفوسفور، أو عبر استنشاق الدخان الذي ينتج عند احتكاك الفوسفور بالهواء. فالفوسفور الأبيض عندما يتعرّض للهواء، يشتعل ويتأكسد بشكل سريع ويتحول إلى خامس أكسيد الفوسفور. ويولّد هذا التفاعل الكيميائي حرارة كبيرة على شكل لهب مضيء مع دخان أبيض كثيف. ويبقى الفوسفور الأبيض يشتعل ويحترق حتى درجة 1500 فهرنهايت (816 درجة مئوية) حيث لا يبقى منه أي شيء، أو حتى ينتهي ما حوله من الأوكسجين. يُعدّ سلاح الفوسفور الأبيض سلاحًا حارقًا وكيميائيًا، يسبّب عندما يلامس الجلد، أو لدى استنشاقه أو ابتلاعه، جروحاً خطيرة للأشخاص ويؤدي إلى الوفاة في معظم الاحيان اضافة الى التشوهات الجسدية. وقد خبر الشعب الفلسطيني في كل حروبه مع العدو هذا السلاح الخطير الذي كانت له تداعيات على الانسان والنبات والحيوان ايضا.

فعندما يلامس الفوسفور الأبيض الجلد، يؤدي إلى حروق كثيفة ومؤلمة، من الدرجتين الثانية والثالثة، وأحيانًا ما تصل الحروق إلى العظام. ويمكن للماء أن يوقف الحروق مؤقتًا، ولكن مخاطر إعادة اشتعال الفوسفور الأبيض كثيرة، لأن جسيمات الفوسفور الأبيض المتبقية، ستشتعل مجددًا عندما تتعرض للأوكسجين. ويمكن أن يعاني ضحايا الحروق التي يسبّبها الفوسفور الأبيض أضرارًا في الكلى والكبد والقلب. وهذا ما توصّل إليه التقرير الذي أصدرته “وزارة الصحة لدى العدو الإسرائيلي” في أثناء الحرب على غزة في العام 2009، إذ ورد فيه “إنّ الدراسات أظهرت أنّ الحروق التي تغطي نسبة قليلة من الجسد نحو 12 إلى 15 في المئة من الجسم في حيوانات التجارب، وأقل من 10 في المئة في البشر يمكن أن تكون قاتلة بسبب آثارها على الكبد والقلب والكليتين. وبالإضافة إلى وجود آثار أخرى منها النقص الحاد في الكالسيوم والتأخر في التئام الجروح والحروق. كما يختلف سلاح الفوسفور الأبيض عن غيره من الأسلحة بالدخان الأبيض الكثيف الذي ينتج عند اشتعاله في الهواء. هذا الدخان يتكوّن من جزيئات خامس أوكسيد الفوسفور الذي بدوره يتفاعل مع الرطوبة في الهواء أو الجسم ليكوّن حامض الفوسفوريك. أمّا الآثار التي يتركها حامض الفوسفوريك، فهي تتوقّف على مدّة التعرّض له، والمقدار الذي يدخل إلى الجسم.

يؤدي استنشاق الدخان الصادر عن الفوسفور الأبيض، أو التعرض المزمن للهواء الملوث بالفوسفور ، إلى السعال وظهور اصابات وتشوهات في عظام الفك، والتي تعرف بحالة Phassy Jaw ، ويترافق ذلك مع صعوبة في التئام الجروح وتكسّر في عظام الفك. وتنشأ أكياس صديدية (تحوي القيح) في تلك المنطقة بسبب تفاعل الفوسفور مع البكتيريا الموجودة في الفم، الأمر الذي قد ينتهي بالموت في بعض الحالات بسبب نفاذ الالتهاب إلى مجرى الدم، كما وقد يؤدي استنشاق الفوسفور الأبيض إلى تلف الأوعية الدموية في الفم، وأضرار خطيرة في الرئة والحنجرة، كما العيون التي ـتتأثر بهذه المادة بشكل مباشر.

أمّا ابتلاع الفوسفور الأبيض بشكل منتظم، فيؤدي إلى تدهّن الكبد مع علامات وعوارض فشل الكبد الحاد.

وفي ما يتعلّق بتأثير سلاح الفوسفور الأبيض على ظهور الأورام السرطانية والتشوّهات الخلقية والإصابة بالعقم، فقد قرّرت وكالة حماية البيئة الأميركية أن الفوسفور الأبيض غير قابل للتصنيف باعتباره عنصرًا يسبّب السرطان للكائنات البشرية. ولكن إذا تتبعنا الأبحاث والدراسات التي أجريت لهذا الغرض، بعد انتهاء الحروب التي شنّت على فلسطين والعراق، نرى أنّ جميعها أكّدت وجود علاقة بين استخدام سلاح الفوسفور الأبيض وظهور الأورام السرطانية والتشوهات الخلقية والعقم. 

آثار استخدام سلاح الفوسفور الأبيض على البيئة

لا تقتصر مخاطر سلاح الفوسفور الأبيض على الحرق والقتل اللذين يطالان ضحاياه، بل يمتد تأثيرها إلى البيئة المحيطة، فتسبب تلوث الماء والتربة بعد أن تكون قد لوّثت الهواء بالدخان الذي ينتج عن اشتعال الفوسفور الأبيض فور اتصاله بالهواء، وما ينتج عن ذلك من نوبات سعال شديدة بين الأفراد تكون مصحوبة بتهيج في الجلد والفم والحلق والعيون. يلوّث الفوسفور الأبيض البيئة عند تصنيعه، أو عند استخدامه لصنع المواد الكيميائية الأخرى، أو عندما يستخدم كسلاح عسكري، أو عند تسرّبه في أثناء التخزين والنقل. فعند تسرب الفوسفور الأبيض في الهواء، يتفاعل بسرعة مع الأوكسجين وينتج عن هذه العملية مواد كيميائية سامة. وتشير التقارير إلى أنّ بعض جزيئات الفوسفور الأبيض لا تتفاعل مع الأوكسجين، بل تصبح محاطة بغطاء يحول دون تفاعلها مع الهواء، ولفترة زمنية طويلة، فتستقر في المياه الجوفية أو الطبقات العميقة من التربة بضع سنوات. كما يُلحق الفوسفور الأبيض أضرارًا بالأشجار بفعل الحرارة العالية التي تتولّد عند تعرّض هذه المادة للهواء، ممّا يؤدي إلى إحراق الأشجار والغابات التي تعتبر أهم وسيلة لامتصاص ثاني أوكسيد الكربون وتخزينه، وانبعاث غازات أول وثاني أكسيد الكربون وغيرها من الغازات المسبّبة لظاهرة الاحتباس الحراري في الجو نتيجة الحرق. كما يؤدي استخدام سلاح الفوسفور الأبيض إلى تدمير النظام البيئي الطبيعي من حيوانات ونباتات، وتلويث المنتوجات الزراعية التي يتم فيما بعد تناولها عن طريق السلسلة الغذائية.

 الكيان الصهيوني ينتهك القانون الدولي باستخدام سلاح الفوسفور الأبيض

يُعد استخدام سلاح الفوسفور الأبيض محظوراً في القانون الدولي عبر طريقتين: الأولى إذا وجدت اتفاقية تحظر استخدامه صراحة، والثانية إذا كان الاستخدام ينتهك مبادئ الحرب وقوانينها وأعرافها، والتي تشمل جميع المعاهدات التي تحكم سير العمليات العسكرية والأسلحة وحماية ضحايا النزاعات المسلحة، بالإضافة إلى القواعد العرفية التي لها علاقة بهذه المواضيع. لكن لابد من التأكيد أنّ الكيان الصهيوني وآلته العسكرية لا يكترثان لهذه القواعد، وان استخدام سلاح الفسفور الابيض يعد قاعدة اساسية في العمليات العسكرية، نظرا لما يسببه من تداعيات سلبية ومؤثرة في البيئة المستهدفة ونقصد هنا بنك الاهداف المدنية الذي لا يتوانى الاحتلال في استهدافه بشكل مباشر.

 يخلو القانون الدولي من اتفاقية تحظر صراحة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض. إلّا أنّه مع ذلك هناك اتفاقيات معينة يمكن تطبيقها على هذا السلاح. ويتم ذلك من خلال تشابه الآثار التي يحدثها هذا السلاح مع تلك الخاصة بالأسلحة المحظورة بموجب الاتفاقيات الدولية. كما ويكون ذلك من خلال استعمال أسلوب الاستقراء واتباع القياس المنطقي. وبما أنّ سلاح الفوسفور الأبيض عبارة عن مادة كيميائية سامة، يسبّب عندما يلامسها الجلد حروقًا كثيفة ومؤلمة، فهو بذلك أقرب إلى الأسلحة الكيميائية والأسلحة الحارقة.  وقد حظر القانون الدولي استخدام الأسلحة الكيميائية من خلال إتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية للعام 1993، كما نظّم استخدام الأسلحة الحارقة من خلال البروتوكول الخاص بالأسلحة الحارقة الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980. 

سلاح الفوسفور الأبيض السام: سلاح كيمياوي

حظّرت المادة الأولى من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية استخدام السلاح الكيميائي تحت أي ظرف من الظروف، حتى لو استدعت الضرورة العسكرية ذلك. ولا يقتصر الحظر على استخدام السلاح، بل أيضًا على استحداثه وإنتاجه وتخزينه. عرّفت المادة (2 فقرة 1) من اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية السلاح الكيميائي بأنّه:

(أ) المواد الكيميائية السامة وسلائفها، باستثناء المواد المعدّة منها لأغراض غير محظورة بموجب هذه الاتفاقية ما دامت الأنواع والكميات متفقة مع هذه الأغراض.

(ب) الذخائر والنبائط المصممة خصيصًا لإحداث الوفاة أو غيرها من الأضرار عن طريق ما ينبعث نتيجة استخدام مثل هذه الذخائر والنبائط من الخواص السامة للمواد الكيميائية السامة المحددة في الفقرة الفرعية (أ).

(ج) أي معدات مصمّمة خصيصًا لاستعمال يتعلق مباشرة باستخدام مثل هذه الذخائر والنبائط المحددة في الفقرة الفرعية (ب).

وبناءً لهذا التعريف أدرجت الاتفاقية ثلاث جداول بالمواد الكيميائية السامة وسلائفها، ولكنها لم تشر إلى الفوسفور الأبيض كمادة كيميائية سامة، وعلى الرغم من أنّ الفوسفور الأبيض لا يتوافق والشروط التي يتطلبها البندان (ب) و(ج)، إلّا أنّه يعتبر سلاحًا كيميائيًا كون المادة الثانية من الاتفاقية نصّت صراحة على أن “يقصد بمصطلح الأسلحة الكيميائية ما يلي مجتمعًا أو منفردًا…”، ممّا يعني أنّه يكفي أن يلبّي السلاح أي ظرف من الظروف التي حددها التعريف، والفوسفور الأبيض يستوفي – كما ذكرنا – الشروط التي يتطلّبها البند (أ).

أعطت المادة (2 فقرة 2) من الاتفاقية تعريفًا للمادة الكيميائية السامة بنصّها” أي مادة كيميائية يمكن من خلال مفعولها الكيميائي في العمليات الحيوية أن تحدث وفاة أو عجزًا مؤقتًا أو أضرارًا دائمة للإنسان أو الحيوان…”. وبناءً لهذا التعريف، ليس  ضروريًا أن تكون درجة السمية للمادة الكيميائية قاتلة، بل يكفي أن تؤدي إلى العجز المؤقت. ولما كانت المادة الكيميائية السامة تسبّب العجز أو الوفاة فليس هناك من شك أنّ الفوسفور الأبيض، نظرًا لما يسبّبه من أضرار، يصنّف على أنّه مادة كيميائية سامة.

إنّ  طريقة استخدام الفسفور الابيض هي التي تحدد قانونيته. واقعيا يستخدم الكيان الصهيوني هذا السلاح  السام ، والذي يحمل مواد خطيرة تصل الى حد المواد الكيمياوية، بهدف القتل والتدمير والابادة الجماعية للمدنيين، الامر الذي يجعل منه سلاحا فتاكا وضارّا، ويجعل من هذا الفعل جريمة ابادة وجريمة ضد الانسانية وجريمة حرب ايضا، وفقا للنظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وهذا كاف ليجعل منه سلاحا محظورا ويستوجب المساءلة الجنائية لمستخدميه.

سلاح الفوسفور الأبيض السام: سلاح حارق

حظر البروتوكول الثالث الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980 استخدام الأسلحة الحارقة. وعرّف البروتوكول في مادّته الأولى السلاح الحارق بأنّه” أي سلاح أو أي ذخيرة، مصمّم أو مصمّمة في المقام الأول لإشعال النار في الأشياء، أو للتسبّب بحروق للأشخاص بفعل اللهب أو الحرارة أو مزيج من اللهب والحرارة المتولدين عن تفاعل كيميائي لمادة تطلق على الهدف”. وعليه، إذا كان الهدف الأساسي من استخدام سلاح الفوسفور الأبيض إحداث حروق للأشخاص وإشعال النار، فإنّه يعتبر سلاحًا حارقًا حسب التعريف الوارد في البروتوكول، أي مصمّم أساسًا بهدف التسبّب بحروق للمدنيين وإشعال النار بالأشياء . من المفترض بحسب البروتوكول الثالث  خاصة بالنسبة للقوات العسكرية (قانون الحرب) أن تلتزم باحترام مبادئ القانون الدولي العرفي كمبدأ التناسب، ومبدأ حظر الهجمات العشوائية، ومبدأ التسبّب بآلام مفرطة أو معاناة غير ضرورية، لكن ونحن نتحدث عن آلة القتل العسكرية الاسرائيلية، ندرك تماما انّ هذه الآلة لا تلتزم باي ضوابط ولا قوانين ولا اتفاقيات، وأنها تستخدم كل السلاح المحرم دوليا وفق استراتيجية الارض المحروقة بهدف القضاء على أكبر عدد ممكن من المدنيين في غزة.

لم يمنع بروتوكول الأسلحة الحارقة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض بشكل مطلق، إنّما حظر استخدامه في حالات أربعة هي:

أوّلًا: حظر جعل المدنيين والأعيان المدنية هدفًا للهجوم بالأسلحة الحارقة.

ثانيًا: حظر إطلاق الأسلحة الحارقة من الجو.

ثالثًا: حظر إطلاق الأسلحة الحارقة من الأرض ضدّ العسكريين المتواجدين في منطقة مكتظّة بالسكان، إلّا إذا كان الهدف العسكري واضح الانفصال عن تجمّع المدنيين، وأن تتّخذ الاحتياطات المستطاعة لحماية المدنيين بما يجعل الآثار الحارقة تقتصر على الهدف العسكري ويحول دون إحداث خسائر عرضية في أرواح المدنيين أو إصابات بينهم، أو أضرار بالأعيان المدنية، أو يقلّل في جميع الأحوال من هذه الخسائر.

رابعًا: حظر جعل الغابات والأنواع الأخرى من الغطاء النباتي هدفًا للأسلحة الحارقة، إلّا في حالة استعمال هذه العناصر الطبيعية لتغطية أو إخفاء أو تمويه مقاتلين أو أهداف عسكرية أخرى، أو كانت هي نفسها أهدافًا عسكرية.

بالرجوع الى وقائع ما يحصل في غزة، يستخدم الكيان الصهيوني هذا السلاح بدقة ويستهدف من خلاله المدنيين والاعيان المدنية بشكل مباشر، وهذا انتهاك جديد ينظم الى جملة الانتهاكات التي تقوم بها آلة الحرب العسكرية، في مخالفة واضحة لقواعد القانون الدولي، و البروتوكول الثالث الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980. 

الكيان الصهيوني ينتهك القواعد العرفية المتعلقة بحظر استخدام سلاح الفوسفور الأبيض

يضم القانون الدولي الإنساني جملة من القواعد  العرفية التي تحظر استخدام الأسلحة ومن بينها سلاح الفوسفور الأبيض، ولكن آلة الدمار العسكرية الصهيونية بتنتهكها بشكل مباشر على ارض غزة وضد شعبها. ومن هذه القواعد:

-انتهاك مبدأ حظر الأسلحة العشوائية الأثر

تُعرّف الأسلحة العشوائية الأثر بأنها الأسلحة التي لا يمكن توجيهها إلى هدف عسكري، أو التي لا يمكن حصر آثارها على النحو الذي يتطلبه القانون الدولي الإنساني[37]. فهذا الأخير، يحظّر استخدام الأسلحة العشوائية الأثر، كونها تصيب المقاتلين وغير المقاتلين على حد سواء، من دون تمييز فيما بينهم، وتصيب أيضًا الأعيان المدنية والأهداف العسكرية، ولا يمكن السيطرة على آثارها. وقد تجسّد هذا الحظر في المادة (48) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977 التي أوجبت على الأطراف المتعاقدة التمييز بين السكان المدنيين والمقاتلين وبين الأعيان المدنية والأهداف العسكرية ومن ثم توجه عملياتها ضد الأهداف العسكرية من دون غيرها، وذلك من أجل تأمين احترام السكان المدنيين والأعيان المدنية وحمايتهم. فهل يمكن تأمين “الاحترام” و”الحماية” في حال استخدام سلاح الفوسفور الأبيض؟ بالتأكيد لا، فعندما يتعرّض الفوسفور الأبيض إلى الهواء، تحدث سلسلة من التفاعلات الكيميائية، فيتفاعل الفوسفور بداية مع الأوكسجين بسرعة كبيرة، ويتحوّل إلى خامس أوكسيد الفوسفور ويولّد هذا التفاعل الكيميائي حرارة كبيرة، مسببًا الحرائق في المنطقة التي ألقي عليها سواء أكانت مناطق مدنية، أو معدات حربية، منتجًا نارًا ودخانًا أبيض كثيفًا،كما ويلحق أضرارًا بالمدنيين سواء عند استنشاقهم إيّاه أو عند ملامسته الجلد. وبالنظر إلى الخصائص الكيميائية السامة والخصائص الحارقة لهذا السلاح، فلا يمكن تأمين حماية المدنيين المشار إليها في المادة (48) من البروتوكول.

وإذا كان القانون الدولي الإنساني يهدف إلى حماية المدنيين في أثناء سير العمليات القتالية، فقد حظر هذا القانون الهجمات العشوائية التي من المتوقّع منها أن تلحق أضرارًا بالمدنيين والأعيان المدنية. وأعطت المادة (51 فقرة 4) من البروتوكول الإضافي الأوّل مفهومًا للهجمات العشوائية بقولها: تحظر الهجمات العشوائية، وتعتبر هجمات عشوائية: 

أ) تلك التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد.

ب) أو تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن أن توجّه إلى هدف عسكري محدد.

ج) أو تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن حصر آثارها على النحو الذي يتطلّبه هذا الحق “البروتوكول”، ومن ثم فإنّ من شأنها أن تصيب، في كل حالة كهذه، الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأعين المدنية دون تمييز. 

كما أوردت المادة (51 في الفقرة 5) من البروتوكول تعريفًا لنوعين من الهجمات. يعرّف البند الأوّل من الفقرة 5 النوع الأول من الهجمات العشوائية بأنّه “الهجوم قصفًا بالقنابل، أيًا كانت الطرق والوسائل،والذي يعالج عددًا من الأهداف العسكرية الواضحة التباعد والتميّز بعضها عن البعض الآخر، والواقعة في مدينة أو بلدة أو قرية أو منطقة أخرى تضم تمركزًا من المدنيين أو الأعيان المدنية، على أنّها هدف عسكري واحد”. أمّا النوع الثاني من الهجوم، فهو الذي من شأنه أن يحدث خسائر مفرطة بين السكان المدنيين، ويعرّفه البند (ب) من المادة (51 فقرة 5) على الشكل الآتي “الهجوم الذي يمكن أن يتوقّع منه أن يسبّب خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهم أو أضرارًا بالأعيان المدنية، أو أن يُحدث خلطًا من هذه الخسائر والأضرار، يُفرط في تجاوز ما ينتظر أن يسفر عن هذا الهجوم من ميزة عسكرية ملموسة ومباشرة”. فهل إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض يفضي إلى هجمات عشوائية؟

مبدئيا ما يقوم به الكيان الصهيوني أنه يضرب بدقة ولكن ايا بعشوائية لاصابة أكبر عدد ممكن من المدنيين بهدف التطهير العرقي والابادة وترهيب البقية لتهجيرهم قسرا من بيوتهم واراضيهم. فذخائر الفوسفور الأبيض ليست عشوائية بطبيعتها، فكل قذيفة فوسفور أبيض تنفجر جوًا تنشر 116 شظية فوسفور أبيض محترقة وتسقط على مساحة تمتد 250 مترًا من نقطة الانفجار. فضلًا عن أنّ الدخان الأبيض الكثيف، الذي يتكوّن نتيجة تفاعل الفوسفور الأبيض مع الأوكسجين، والذي يحتوي على خامس أكسيد الفوسفور، يؤثر في المدنيين والمقاتلين معًا. وإذا ما عدنا إلى المادة (51 فقرة 4) من البروتوكول الإضافي العام للعام 1977 ، نلحظ أنّ البند (ج) ينطبق بصفة أساسية على سلاح الفوسفور الأبيض، نظرًا إلى صعوبة حصر آثاره، وامتداده إلى مساحات واسعة، وبقائه فاعلًا مدّة طويلة من الزمن ملحقًا أضرارًا بالمدنيين والأعيان المدنية. وعليه، إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض لضرب أهداف عسكرية مشروعة لا يجعل منه سلاحًا مشروعًا، كونه يسبّب أضرارًا للمدنيين والأعيان المدنية تفوق الميزة العسكرية المرجوة من هذا الاستخدام. 

– انتهاك مبدأ الآلام المفرطة أو المعاناة غير الضرورية

حظّر القانون الدولي الإنساني في العديد من مواده، من استخدام الأسلحة التي تسبّب آلامًا لا مبرّر لها، ومنها المادة (35 فقرة 2) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977، التي حظرت استخدام الأسلحة والقذائف ووسائل القتال، التي من شأنها إحداث إصابات أو آلام لا مبرّر لها. والسؤال الذي يطرح هنا، هل يؤدي استخدام سلاح الفوسفور الأبيض إلى إحداث آلام لا مبرّر لها أو معاناة غير ضرورية؟ ولمّا كان سلاح الفوسفور الأبيض يتسبّب بإحداث حروق بالغة وشديدة تذيب الجلد وتلحق أضرارًا بالكلى والكبد، لذلك فهو يسبب آلامًا لا مبرّر لها. وإذا كان سلاح الفوسفور الأبيض يسبب آلامًا لا مبرّر لها، فهل تبرّر الضرورة العسكرية استخدامه؟

إنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض كضرورة عسكرية، يمثّل انتهاكًا للمبادئ التي تضمنها القانون الدولي الإنساني، ومنها إعلان سان بطرسبرغ للعام 1868 الذي نصّ على أنّ “ضرورات الحرب يجب أن تخضع لمتطلبات الإنسانية”. وينتهك كذلك المادة (22) من لائحة لاهاي للعام 1907 التي تقيّد حقّ المتحاربين في اختيار الأسلحة، والمادة (23) التي تحظر استخدام السم والأسلحة السامة، بالإضافة إلى المادة (35) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977 التي حظرت استخدام الأسلحة التي تعتبر عشوائية الأثر وتسبّب آلامًا لا مبرّر لها. ومن جهة أخرى، فإنّ استخدام سلاح الفوسفور الأبيض يؤدّي إلى إسقاط 116 شظية مغلّفة بالفوسفور، وتنتشر هذه الشظايا على مساحة بعيدة متجاوزة الأهداف العسكرية المشروعة، ويؤدّي الفوسفور إلى إصابات جسيمة ومميتة حين يلامس الجلد، أو لدى استنشاقه، أو ابتلاعه بسبب خصائصه الكيميائية السامة.  

– انتهاك مبدأ حظر استخدام السم أو الأسلحة السامة

حظّر القانون الدولي الإنساني استخدام السم، أو الأسلحة السامة، وذلك في المادة 23(أ) من لائحة لاهاي المتعلّقة بقوانين الحرب البرية وأعرافها للعام 1907. ثم جاء بروتوكول جنيف للعام 1925 ليعتبر الغازات السامة وكل ما شابهها من مواد سائلة أو معدّات في الحرب هو أمر محظور. فهل يُعد تعريف السم الوارد في بروتوكول جنيف للعام 1925 شاملًا سلاح الفوسفور الأبيض؟ يُعرف السم بأنّه مادّة تضرّ الصحة بمفعولها الذاتي، وذلك باتصالها بالجسم أو امتصاصه لها. وعرّف قاموس أكسفورد الإنجليزي السم بأنّه “أي مادة تهلك الحياة أو تضر بالصحة، إن دخلت إلى جسم حي أو امتصّها ذلك الجسم”.

وبالنسبة إلى سلاح الفوسفور الأبيض، فإنّ غاز خامس أكسيد الفوسفور الذي ينتج عن احتكاك هذا السلاح مع الأوكسجين هو سام، يحدث أضرارًا بالحنجرة والرئتين والقلب والعينين، وخللًا في الجهاز التنفسي وحروقًا خطيرة. كما أنّ تفاعل الفوسفور الأبيض مع القلويات، يفرز غاز الفوسفين السام الذي يسبّب تهيج القصبة الهوائية، آلام الصدر، الضيق التنفسي، الكحة، القيء، الإسهال، آلام العضلات، الصداع، الدوخة، فشل الرئة، فشل قلبي، فشل الكبد والكلى ثمّ الوفاة. أمّا التعرّض المستمر له في نسب منخفضة وقليلة، فيسبّب فقر الدم، التهاب القصبة الهوائية، مشاكل الجهاز الهضمي، ومشاكل في الرؤيا.

وبناءً لما تقدّم، يمكن القول بأنّ الغاز الذي يصدر عند استخدام سلاح الفوسفور الأبيض هو سام، وأنّ آلة الحرب الاسرائيلية تستخدم هذا السلاح بهدف القتل المتعمد للشعب الفلسطيني في عقاب جماعي لكل الفئات الضعيفة من أطفال ونساء وشيوخ غيرهم.

– انتهاك مبدأ تحريم الضرر البيئي

حظّر القانون الدولي الإنساني في المواد(35 فقرة 3) و(55) من البروتوكول الإضافي الأوّل للعام 1977، استخدام أساليب ووسائل القتال التي تلحق بالبيئة الطبيعية أضرارًا بالغة واسعة الانتشار وطويلة الأمد.

واستخدام سلاح الفوسفور الأبيض يسبّب تلوّثًا بالماء والتربة والهواء، فعند احتكاك الفوسفور الأبيض بالهواء، فإنّه يتفاعل بسرعة مع الأوكسجين وينتج مواد كيميائية سامة. وبفعل الحرارة العالية التي تتولّد عند تعرّضه للهواء، فإنّه يحرق الأشجار والغابات فتصبح الأراضي قاحلة، كما يؤدي استخدام الفوسفور الأبيض إلى تدمير النظام البيئي الطبيعي من حيوانات ونباتات.

الخلاصة:

المسؤولية الجنائية الدولية وتحميل الكيان الصهيونية مسؤولية استخدامه لسلاح محرم دوليا. وبالنظر الى أهداف العدو الصهيوني من استخدام الاسلحة المحرمة دوليا ومن ضمنها سلاح الفسفور الابيض السام من أجل ارتكاب جرائم (وفقا لنظام المحكمة الجنائية الدولية)  في إطار واسع النطاق ومنهجي موجه ضد شعب أعزل واعيان مدنية وبقصد وعلم بخطورة وآثار هذا السلاح السام والتي تتمثل في:

الإبادة الجماعية: (المادة 6) والتي تعني أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه, إهلاكاً كلياً أو جزئياً: (أ)قتل أفراد الجماعة. (ب)إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة.

جرائم ضد الانسانية وفق المادة 7(أ) القتل العمد، (ب) الابادة، و(ك)الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية.

جرائم الحرب وفق المادة 8 وفق خطة ممنهجة وارتكاب (أ)الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف المؤرخة 12 آب / أغسطس 1949 , أي أي فعل من الأفعال التالية ضد الأشخاص , أو الممتلكات الذين تحميهم أحكام اتفاقية جنيف ذات الصلة(1) القتل العمد. (3)تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة. (4)إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة. (ب‌) الانتهاكات الخطيرة الأخرى للقوانين والأعراف السارية على المنازعات الدولية المسلحة في النطاق الثابت للقانون الدولي , أي فعل من الأفعال التالية:

– تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية.

– تعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية , أي المواقع التي لا تشكل أهدافاً عسكرية.تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام عملاً بميثاق الأمم المتحدة ماداموا يستخدمون الحماية التي توفر للمدنيين أو للمواقع المدنية بموجب قانون المنازعات المسلحة.

-تعمد شن هجوم مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو إحداث ضرر واسع النطاق وطويل الأجل وشديد للبيئة الطبيعية يكون إفراطه واضحاً بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة الملموسة المباشرة.

-مهاجمة أو قصف المدن أو القرى أو المساكن أو المباني العزلاء التي لا تكون أهدافاً عسكرية بأية وسيلة كانت.

-تعمد توجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية أو التعليمية أو الفنية أو العلمية أو الخير ية , والآثار التاريخية , والمستشفيات وأماكن تجمع المرضى والجرحى شريطة ألا تكون أهدافاً عسكرية.

-إخضاع الأشخاص الموجودين تحت سلطة طرف معاد للتشويه البدني أو لأي نوع من التجارب الطبية أو العلمية التي لا تبررها المعالجة الطبية أو معالجة الأسنان أو المعالجة في المستشفي للشخص المعني والتي لاتجري لصالحه وتتسبب في وفاة ذلك الشخص أو أولئك الأشخاص أو في تعريض صحتهم لخطر شديد.

-استخدام السموم أو الأسلحة المسممة.

-استخدام الغازات الخانقة أو السامة أو غيرها من الغازات وجميع ما في حكمها من السوائل أو المواد أو الأجهزة.

-استخدام أسلحة أو قذائف أو مواد أو أساليب حربية تسبب بطبيعتها أضراراً زائدة أو آلاماً لا لزوم لها، أو تكون عشوائية بطبيعتها بالمخالفة للقانون الدولي للمنازعات المسلحة، بشرط أن تكون هذه الأسلحة والقذائف والمواد والأساليب الحربية موضع حظر شامل وأن تدرج في مرفق لهذا النظام الأساسي , عن طريق تعديل يتفق والأحكام ذات الصلة الواردة في المادتين 121 , 123.

-استغلال وجود شخص مدني أو أشخاص آخرين متمتعين بحماية لإضفاء الحصانة من العمليات العسكرية على نقاط أو مناطق أو وحدات عسكرية معينة.

-تعمد توجيه هجمات ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف طبقاً للقانون الدولي.

-تعمد تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك تعمد عرقلة الإمدادات الغوثية على النحو المنصوص عليه في اتفاقيات جنيف.

-تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيي ن لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية.

-تعمد توجيه هجمات ضد المباني والمواد والوحدات الطبية ووسائل النقل والأفراد من مستعملي الشعارات المميزة المبينة في اتفاقيات جنيف طبقاً للقانون الدولي.

إنّ اعتماد آلية قانونية واضحة لحظر استخدام سلاح الفوسفور الأبيض من الناحية القانونية، ليست معقّدة، فهناك امكانية للخروج من الجدل القانوني الدولي حول هذا الموضوع، وذلك بتعديل بروتوكول الأسلحة الحارقة للعام 1980، أو إضافة بروتوكول جديد على اتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980، يحظر استخدام سلاح الفوسفور الأبيض، وذلك استنادًا إلى المادة (8) من اتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980، التي أجازت لأي طرف أن يقترح تعديلات على هذه الاتفاقية، أو أي بروتوكول مرفق بها يكون ملزمًا به، كما سمحت باقتراح بروتوكولات إضافية تتّصل بأنواع أخرى من الأسلحة التقليدية التي لم تشملها البروتوكولات المرفقة. وفيما خصّ تعديل بروتوكول الأسلحة الحارقة، فيكون ذلك عبر تعديل تعريف الأسلحة الحارقة الوارد فيه، بحيث يعتمد على خصائص السلاح لا على الهدف من استخدامه. إلّا أنّ  الاهم في هذه المرحلة هو التمعن في كيفية استخدام هذا السلاح من قبل الكيان الصهيوني وآثاره المدمرة على الانسان والنبات والحيوان والتربة. إنه سلاح قتل فتاك وسام يستخدمه الكيان بقصد القتل والابادة. وعليه، تثبت هنا الجرائم المتعددة المذكورة  والمنصوص عليها في النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية.

المصادر

-اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية للعام 1993.

– البروتوكول الخاص بالأسلحة الحارقة الملحق باتفاقية الأسلحة التقليدية للعام 1980.

– النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية

المصدر: موقع الخنادق




التيه الإستراتيجي: إسرائيل بين السيء والأسوأ في غزة

نجحت المقاومة الفلسطينية في شن هجوم مباغت داخل الأراضي الإسرائيلية، حقق إنجازات غير مسبوقة في تاريخ الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، فضعضع أركان الإستراتيجية الإسرائيلية القائمة، وأدخلها في مرحلة التيه.


الهجوم الناجح وغير المسبوق الذي شنَّته حماس على إسرائيل، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ضعضع الركائز التي قامت عليها الإستراتيجية الإسرائيلية في التصدي لحماس منذ انسحاب إسرائيل من القطاع في 2005، وقد تكون هدمتها بالكامل. توصف هذه الإستراتيجية عادة بإستراتيجية “جز العشب”، أي جز قدرات المقاومة حتى تظل متواضعة، وتناظرها جملة قالها جنرال إسرائيلي، وهي: “دَقُّ عظام حماس لكن دون إدخالهم المستشفى”. وتعني هذه الإستراتيجية جعل حماس أضعف من أن تمثل تهديدًا حقيقيًّا لإسرائيل ولكنها تملك قوة كافية للسيطرة على القطاع حتى تديره وتتحكم في الجماعات المسلحة فيه، وتمنع قوع كارثة إنسانية، أو نشوء جماعات مسلحة تابعة للقاعدة أو تنظيم الدولة.

احتواء القطاع

ترتكز الإستراتيجية الإسرائيلية على مفهوم الاحتواء وإبقاء الصراع مع حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية في مستوى التوتر المنخفض. واعتمدت لتطبيق ذلك على عدة تدابير: الهجمات الدورية على المقاومة الفلسطينية في غزة لإنهاك قدراتها، ومنعها من مراكمة التسلح أو تطويره إلى حد لا تستطيع إسرائيل التصدي له، واغتيال قادة المقاومة، لإحداث خلخلة في بنيتها، وفرض حصار خانق على القطاع ببناء جدار، طوله 65 كم، من جهة الحدود الإسرائيلية، وتكفل السلطات المصرية ببناء جدار، طوله 14 كم، من جهة حدودها، والاعتماد على هذا الحصار لمنع دخول الأسلحة إلى القطاع، والإشراف الإسرائيلي المباشر على تدفق الأموال إلى قطاع غزة وتحديد جهات صرفها كي لا تمول تسلح فصائل المقاومة، وتشغيل فئات من سكان القطاع حتى تكون مصلحتهم في بقاء الوضع القائم، وتوفير موارد مالية لحماس قد تغريها بمنافع التعايش مع الحصار.

تعمل هذه الإستراتيجية على إبقاء الصراع مع حماس في مستوى التوتر المنخفض، فإسرائيل اعتادت على رشقات المقاومة الفلسطينية التي تحدث في كل مرة تهاجم فيها إسرائيل قطاع غزة لاستنزاف قدرات المقاومة، وتنتهي جولة القتال كل مرة بالعودة إلى الوضع القائم منذ 2005. وكانت إسرائيل تعتقد أن هذا الإستراتيجية ستجمد الوضع في غزة وتمنعه من الخروج عن السيطرة، وقد تعززت هذه العقيدة الإستراتيجية باعتماد إسرائيل على تقنية الذكاء الاصطناعي في تتبع التغييرات في قطاع غزة بمعالجة الصور التي تلتقطها الأقمار الصناعية كل بضعة دقائق لالتقاط الإشارات عن التحركات التي قد تشكِّل تهديدًا لإسرائيل، علمًا بأن قطاع غزة هو المنطقة الأكثر تصويرًا في العالم.

لم تجمِّد هذه الإستراتيجية الوضع في غزة والمقاومة، بل إنها جعلت المقاومة تبحث عن بدائل لفكِّ قيود الاحتواء الإسرائيلي، فاعتمدت على نفسها في تصنيع الصواريخ والطائرات الصغيرة المتفجرة، والمناطيد الطائرة، والدرونز. لم تحدث هذه التطويرات في لحظة واحدة بل أخذت سنوات، يمكن تتبع مستوياتها بالمقارنة بين مدى صواريخ حماس في السنوات الأولى التي لم يكن يتجاوز مداها 2 كم والصواريخ الحالية التي يصل مداها تل أبيب.

كذلك حمت المقاومة نفسها من الهجمات الإسرائيلية ومن التجسس الإسرائيلي ببناء شبكة أنفاق تحت الأرض، جعلت إسرائيل عاجزة عن استنزاف قدرات المقاومة، وتتبع تحركاتها، وحال هذا التكتيك دون إقدام إسرائيل على اجتياح بري لغزة لأن قواتها تفقد أفضليتها العملياتية، وطالما ظلت هذه الشبكة تحت الأرض مأوى للمقاومة فإن إستراتيجية الاحتواء الإسرائيلية ستكون فاقدة للصلاحية.

العمى الإستراتيجي

المفارقة أن إستراتيجية الاحتواء الإسرائيلية لم تخفق في وقف تحسن قدرات المقاومة فحسب، بل إنها أصابت إسرائيل بالعمى الإستراتيجي لأنها جعلت القيادة الإسرائيلية تعتقد أن إقدام حماس على اجتياح مناطق غلاف غزة أمر مستحيل لافتقادها القدرات اللازمة، وأن الوضع في غزة هادئ لأن الذكاء الاصطناعي لم يرسل تحذيرات عن تهديدات يكون قد استنبطها من البيانات الهائلة التي يعالجها عن القطاع، علاوة على أن سلوك حماس السائد يدل على أنها لم تخرق قواعد الاشتباك التي فرضتها إسرائيل خلال 18 سنة، كدليل موثوق على أن إستراتيجية الاحتواء وضعت حماس تحت السيطرة. لكن كما جرت العادة في تاريخ الإستراتيجية تقع المباغتة الإستراتيجية دائمًا من الاحتمال الذي يعد مستحيلًا. باغت هانيبال القرطاجي روما من جبال الألب التي كانت تحميها وتعد درعًا يستحيل اختراقه. كذلك حماس اخترقت حاجزين كانت إسرائيل تعتقد أن من المستحيل اختراقهما، وهما: الجدار العازل والحاجز النفسي الذي سعت إسرائيل بحروبها المتتالية على القطاع إلى ترسيخه في نفوس الفلسطينيين حتى يتفادوا مهاجمتها خشية من عقابها.

لذلك تواجه إسرائيل معضلة إستراتيجية لا تمتلك تصورًا أو عقيدة للتعامل معها، وهي كيف يمكن القضاء على المقاومة الفلسطينية في غزة دون اجتياح القطاع حتى لا تتكبد خسائر كبيرة في أرواح قواتها، ودون  السيطرة عليه حتى لا تتحمل إدارته والتكفل باحتياجاته وإبقاء قواتها هناك عرضة للاستنزاف، والتوصل إلى تشكيل قيادة شبيهة بالقيادة الفلسطينية بالضفة الغربية، تدير غزة وتنسق أمنيًّا مع إسرائيل لإجهاض كل مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، أو كما وصف محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، الوضع بأنه أرخص احتلال في التاريخ؛ لأن إسرائيل تنعم بمكاسبه وتتحمل السلطة الفلسطينية تكاليفه.

خيارات بين السيء والأسوأ

لا توجد أمام إسرائيل إلا خيارات سيئة لا تحقق هدفها الإستراتيجي في قطاع غزة، وهو جعلها ضفة غربية ثانية. ذلك أنها ستضطر إلى اجتياح قطاع غزة بريًّا للإطاحة بحماس، واستنزاف المقاومة، لكن بنية قطاع غزة السكانية، الأكثر كثافة سكانية لكل كيلومتر مربع في العالم، ستجعلها تفقد أفضليتها، لأنها لن تستطيع استعمال السلاح الجوي حتى لا تقصف قواتها الموجودة بالقطاع، ولا تستطيع استعمال الدبابات لأن شوارع غزة ضيقة، ثم إن الدبابات ستكون أسفل البنايات وعرضة للهجمات بالمتفجرات والعبوات الحارقة والمفخخات، ولا تستطيع إسرائيل استعمال المدفعية الثقيلة لأنها قد تقصف أيضًا قواتها، وسيضطر جنودها إلى القتال المباشر بالأسلحة الخفيفة، فيتعادلون مع مقاتلي المقاومة، لكن مع أفضلية للمقاومة التي  تقاتل في حاضنة شعبية مساندة، بينما يقاتل الجنود الإسرائيليون في بيئة معادية، علاوة على أن المقاومة قد تكون جهزت مسرح القتال سواء فوق الأرض بوضع كمائن وتفخيخ مسالك ومواقع، ومن تحت الأرض بتجهيز منافذ للأنفاق الأرضية تنقض منها قوات المقاومة على القوات الإسرائيلية للقضاء عليها أو سحبها إلى الأنفاق لتضاف إلى الأسرى الإسرائيليين. كما أن عامل الوقت لن يكون في صالح الاجتياح؛ لأن بقاء القوات الإسرائيلية الطويل يجعلها مكشوفة في باقي الجبهات، خاصة الجبهة الشمالية، وقد تستغل إيران ذلك لتقوية مواقعها في سوريا، فتدفع بكميات كبيرة من الأسلحة إلى حزب الله، لا تستطيع إسرائيل اعتراضها هذه المرة، حتى لا تتعرض لعقاب حلفاء إيران في الشمال.

مع افتراض أن إسرائيل ستنجح في اجتياح غزة، فلن تستطيع ضمان قيام سلطة مشابهة للسلطة الفلسطينية في الضفة؛ ذلك أن السلطة التي ستقيمها قوات الاحتلال، وهي غالبًا تابعة للسلطة الفلسطينية، ستكون مشروخة الشرعية، وفقدت مقومات وجودها في القطاع منذ هزيمة السلطة الفلسطينية في القطاع في 2007، ولن تكون قادرة على التصدي لبؤر المقاومة التي ستنتقل إلى مستوى العمل السري، وإستراتيجية الكرِّ والفرِّ.

يتضح أن الجانب العملياتي قد يكون من المتعذر نجاحه في تحقيق نتائج عسكرية تكتيكية حاسمة، وأن الجانب الإستراتيجي وهو إقامة نظام يحقق هدف إسرائيل بإنشاء وضع في غزة شبيه بوضع الضفة الغربية، قد يكون أيضًا متعذرًا، فتظل بذلك إسرائيل تواجه معضلة غزة. ومع أن الجانب التكتيكي مهم إلا أنه أقل أهمية من الجانب الإستراتيجي وهو الهدف النهائي من الحرب، وما دامت إسرائيل لم تراجعه ليتوافق مع قدراتها، فإنها ستتوالى إخفاقاتها الإستراتيجية حتى وإن حققت إنجازات تكتيكية.

الحواس تقية

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات




الإعلام الغربي وتسويق الدعاية الإسرائيلية لتجريم المقاومة الفلسطينية

يستمر الإعلام الغربي صامدًا في الدفاع عن السردية الإسرائيلية، التي تُجرِّم المقاومة الفلسطينية وتعتبر حركات المقاومة جوهر المشكلة وليس الاحتلال الإسرائيلي. ولا يرى هذا الإعلام ضرورة للالتزام بالقواعد والمعايير التحريرية، التي أصَّلها للممارسة الإعلامية المهنية منذ عقود طويلة، في التعامل مع القضية الفلسطينية، وهو ما يُحوِّل شبكاته الدولية إلى “جهاز أيديولوجي” لخدمة مراكز النفوذ المالي والسياسي الدولي. فكيف تتجسد مظاهر الأَدْلَجَة وأبعادها في تغطية الإعلام الغربي للحرب الإسرائيلية المستمرة على الشعب الفلسطيني وحصار قطاع غزة منذ العام 2007؟


أصبح انحياز وسائل الإعلام الغربية للسردية الإسرائيلية، التي تُظهِر الذات الإسرائيلية ضحية المقاومة الفلسطينية وأن المشكلة في حركات المقاومة وليس الاحتلال الإسرائيلي، مألوفًا للمتلقي، ولم يعد أمرًا مفاجئًا أو طارئًا/غريبًا. ففي كل مرة تتفجَّر فيها الأوضاع بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، في قطاع غزة والضفة الغربية، تتجرَّد تلك الوسائل بانتماءاتها المختلفة (يمينية وغير يمينية) من تقاليد وقواعد الممارسة الإعلامية المهنية، والمعايير التحريرية في تغطية الحروب والأزمات. وينغمر هذا الإعلام في الدعاية للخطاب الإسرائيلي وروايته للصراع، ويتماهى مع المنظور السياسي الإسرائيلي/الغربي وتَمثُّلاته لحركات المقاومة وحلِّ القضية الفلسطينية، منذ احتلال الأراضي الفلسطينية وحتى تاريخ المواجهة العسكرية التي تخوضها حركة حماس، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.  

لكن يبدو اليوم أن هذا الانحياز للدعاية الإسرائيلية، والتوحد في الرؤى والخطاب بين طرفي السردية الإسرائيلية والغربية، بلغ شأوًا بعيدًا يُحوِّل وسائل الإعلام الغربية إلى مؤسسات سياسية و”أجهزة أيديولوجية” -بحسب تعبير الفيلسوف الفرنسي لويس ألتوسير- لقوى النفوذ الدولي والمالي، وهو ما ينزع عنها ما تبقى من رداء المهنية. فلم تعد تُخفي انحيازها، بل تُجاهر بدعم السردية الإسرائيلية، وتقلب الحقائق وتُكرِّس نشاطها الإخباري للتعتيم عليها (حقائق الاحتلال، والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين…). إذن، كيف تتجسد المظاهر والأبعاد الأيديولوجية في سياق تغطية الإعلام الغربي للحرب الإسرائيلية المستمرة على الفلسطينيين، وحصار قطاع غزة منذ 2007؟

الهوس بتجريم حماس وإدانة المقاومة الفلسطينية    

أظهرت معظم وسائل الإعلام الغربية انشغالها البالغ بتجريم حركة المقاومة الفلسطينية (حماس) إثر الهجوم الواسع الذي شنَّته في عمق التجمع الاستيطاني “غلاف غزة”، الذي يضم عددًا من المدن والمستوطنات المتاخمة للخط الحدودي الفاصل بين القطاع وإسرائيل، وهي سبع مستوطنات، إلى جانب ثلاث ثكنات عسكرية. ففي المقابلات الإخبارية التي أجرتها بعض القنوات الدولية مع شخصيات ورموز فلسطينية كان السؤال الاستهلالي أو الرئيسي للضيف ينطلق من مغالطة “المصادرة على المطلوب” التي تجعل “النتيجة جزء القياس أو يلزم النتيجة من جزء القياس”، كما يقول العالم البلاغي عبد القاهر الجرجاني، أي أن يكون المطلوب وبعض مقدماته شيئًا واحدًا. وهذا ما يكشفه سؤال المذيع في قناة “سكاي نيوز” (Sky News) للسفير الفلسطيني في بريطانيا، حسام زملط: “قال لنا أليستر بانكول من المصادر الإسرائيلية: إن ما يقارب 600 إسرائيلي قتل في الهجمات، هل ستدين هجوم حماس؟”.

هنا، يُزوِّد المذيع ضيفه بعناصر الجواب ويُرشِده للمطلوب، بل “يضع على لسانه” المقدمة والنتيجة المطلوبة ليس فقط  لإدانة حركة حماس، بل لدفع الضيف إلى إدانة نفسه وحالة المقاومة الفلسطينية برمتها التي تستعيد حيويتها في كامل الأراضي المحتلة. ويتكرَّر هذا المنطق/المغالطة في أسئلة أخرى بقنوات مختلفة، مثل “بي بي سي نيوز” (BBC News): “هل تؤيد هجوم حماس الذي شنَّته صباح يوم السبت… هذا سؤال مهم؟”، وأيضًا في قناة “سي إن إن” (CNN) التي وجهت سؤالها إلى مصطفى البرغوثي، رئيس المبادرة الوطنية الفلسطينية، وقد عرَّفته بممثل السلطة الفلسطينية التي تسيطر على أجزاء من الضفة الغربية: “بعد كل ما قيل، ما رد فعلك على ما رأيته حتى الآن؟ … حماس تستهدف المدنيين الإسرائيليين والنساء والأطفال والجدات، أليس هذا إرهابًا كلاسيكيًّا؟”.

يؤكد هذا النوع من الأسئلة الموجهة الاتجاهَ السلبي في تغطية الشبكات الإخبارية الغربية لنشاط فصائل المقاومة، وتركيزها على مصادرة الآراء بهدف “تجريم” فعل المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، وإظهار حركة حماس وبقية الفصائل المسلحة في صورة “الحركات المتعدية” التي تستهدف السكان الإسرائيليين الآمنين في مستوطناتهم نساءً وأطفالًا وشيوخًا. وهنا، تبرز أيديولوجية الخطاب الإعلامي الغربي الذي يُنْشِئ تَمثُّلًا ومعنى خاصًّا بالاحتلال الإسرائيلي يجعله في وضعية أو حالة “الضحية” المُعْتَدَى عليها من قِبَل المقاومة الفلسطينية التي تُمارس أفعالًا عدائية وأعمالًا “إرهابية كلاسيكية”، في نظر هذا الإعلام. وتُنْشِئ هذه الأيديولوجيا أيضًا تقابلًا متناقضًا بين دولة الاحتلال/الضحية التي تَحْرِم الفلسطينيين من حقهم في إقامة دولتهم المستقلة، والمقاومة الفلسطينية/المعتدية التي تواجه هذا الاحتلال وسياساته التطهيرية و”جرائمه ضد الإنسانية” التي أدانتها منظمات حقوقية دولية، مثل “هيومن رايتس ووتش” الأميركية وغيرها. ولذلك يُجرِّد هذا التقابل فعلَ المقاومة الفلسطينية من أي مشروعية قانونية، بل يُجرِّم سلاحها، ولا يرى في عملها حقًّا مشروعًا يكفله القانون الدولي الإنساني الذي يحمي ضحايا الحرب والاحتلال.

تُمثِّل هذه السردية رجع الصدى للدعاية الإسرائيلية التي ظلت تُصنِّف حماس منذ نشأتها في العام 1987 “حركة إرهابية”، تستخدم العنف والقتل ضد المدنيين الإسرائيليين، واليوم “تحتجزهم رهائن”. لذلك لا تختلف حماس في المنظور الدعائي الإسرائيلي عن تنظيم “الدولة الإسلامية”، بل إن “حماس هي تنظيم الدولة الإسلامية، التي فرضت الحرب على إسرائيل واحتفلت بقتل النساء والأطفال والمسنين”. ويُدرك القائم بالدعاية الإسرائيلية تأثير هذا الوسم أو العلامة، التي يَدْمَغ بها حماس، في مزاج الرأي العام الدولي/الغربي، وإبراز الحركة بمظهر “التوحش” الذي يُجرِّدها من إنسانيتها وحقها في الحرية والمقاومة المشروعة للاحتلال. ويخلق ذلك صورة مرغوبة تستجيب لأهداف الحكومة الإسرائيلية في تعبئة المجتمع الدولي من أجل نَبْذ الحركة، وإدانة نهجها في المقاومة لفك الحصار عن قطاع غزة، والدفاع عن مقدسات الفلسطينيين، ومن ثم طرد الاحتلال. ولربما الأكثر من ذلك هو استخدام هذه العلامة (الإرهاب) في تبرير سياسة الحكومة الإسرائيلية وحربها الشاملة على قطاع غزة، وإنشاء تحالف دولي بقيادة إسرائيل ضد حركة حماس مثلما أُنْشِئ التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، في سبتمبر/أيلول 2014، والذي ضمَّ في عضويته 86 دولة تلتزم بإضعاف التنظيم وإلحاق الهزيمة به في نهاية المطاف.  

وفي سياق هذا المنظور الدعائي الذي يُبرِز “توحش” الحركة، تستخدم السردية الإسرائيلية حقلًا معجميًّا وأوصافًا ذات حمولة أيديولوجية لتبرير الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فتصف الذين لقوا حتفهم في هجوم حماس على المستوطنات والثكنات العسكرية بـ”القتلى الإسرائيليين” (بفعل فاعل)، بينما تصف الفلسطينيين الذين لقوا حتفهم تحت حمم القذائف والصواريخ الإسرائيلية بـ”الموتى الفلسطينيين” وكأنهم قضوا نحبهم في فراش الموت. ويتكرَّر هذا الاستخدام في بعض وسائل الإعلام الغربية التي تأسست قبل مئة عام، ولطالما اعتبرت نفسها خلال العقود الماضية مرجعًا مهنيًّا في صناعة الإعلام، غير أن هذه المهنية تتحطَّم على صخرة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني الذي يكشف تحوُّل هذه الوسائل في لحظة سياسية معينة إلى “أجهزة أيديولوجية” لرسم صورة مرغوبة وإنشاء معان مطلوبة.    

التحريض عبر استدعاء سياقات التاريخ

تقيم الدعاية الإسرائيلية تماثلًا بين هجوم حركة حماس على المستوطنات والثكنات العسكرية، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 (7/10)، وهجوم تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة، في 11 سبتمبر/أيلول 2001 (11/9)، الذي أحدث تحوُّلًا عميقًا في الولايات المتحدة وسياساتها الدولية، “وأغرقها في الحرب ضد الإرهاب التي لا تزال مستمرة حتى اليوم”. وهو الأثر العميق نفسه الذي ستعرفه إسرائيل في المرحلة المقبلة، “وسيفرض عليها -بحسب الدعاية الإسرائيلية- إصلاحًا شاملًا لعقيدتها العسكرية وتقويم قدراتها حتى تتمكن من التصدي للتهديدات التي تفرضها حماس والجماعات الإرهابية الأخرى”.

هذا الاستدعاء لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول نجده أيضًا في الصحافة الأميركية التي رأت أن “التوغل السافر لحركة حماس داخل الأراضي الإسرائيلية يشكِّل صدمة أكبر لإسرائيل مقارنة بهجمات 11 سبتمبر/أيلول”؛ حيث “ارتكبت المزيد من جرائم الحرب باختطاف المدنيين”. وتحاول هذه المقارنة بين الحدثين استصحاب السياقات التي دفعت إدارة الرئيس، جورج بوش الابن، في ذلك الوقت إلى تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة من أجل ما تُسمِّيه “الحرب على الإرهاب”، ومن ثم استحضار القوانين التي أقرتها الإدارة الأميركية، مثل “قانون الوطنية” الذي منح صلاحيات واسعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات الأميركية في مراقبة وتفتيش المشتبه فيهم، ورفع العوائق القانونية للتنصت على المحادثات الهاتفية… وشرَّع القانون أيضًا وضعية “المقاتل العدو” و”المقاتل غير الشرعي”.

إذن، تحاول الدعاية الإسرائيلية عبر الوكيل الإعلامي الغربي تسويق ما تعتبره “جرائم” حركة حماس ضد المدنيين وسط الرأي العام الدولي/الغربي، وإثارة حالة نفسية أو خلق مزاج سياسي شعبي في المجتمعات الغربية للتفاعل الإيجابي مع محتوى الدعاية الإسرائيلية التي تُشَيْطِن حماس، وتنزع عنها أي صفة تربطها بحركات التحرير الوطني التي واجهت الاستعمار والاحتلال عبر التاريخ بل تبدو “حركة عميلة” ذات أجندات خارجية تتلقى الدعم والتمويل والسلاح من دول إقليمية، وتربط هجومها على إسرائيل بالدعم الذي تلقته من إيران خلال السنوات الماضية. وهو ما يُشرعِن لأي سياسة مجنونة قد يُقدِم عليها الاحتلال الإسرائيلي ولو تطلب ذلك “حرق قطاع غزة” بأكمله بعد نزع الصفة الإنسانية عن ساكنته، وإظهاره بلا قيمة إنسانية.

ولذلك يُظهِر هذا الخطاب الدعائي من خلال استدعاء تاريخ الحدثين (7/10) و(9/11) أن “المشكلة أساسًا في حركة حماس التي تقوم بأعمال إرهابية وحشية ضد المدنيين الإسرائيليين” مثلما كانت “المشكلة في تنظيم القاعدة الذي شنَّ هجمات إرهابية وحشية ضد الولايات المتحدة”. ومن هذا المنطلق، يُنْشِئ الوكيل الإعلامي الغربي معاني جديدة للاحتلال، الذي يجب التسليم به قدرًا مكتوبًا والتطبيع معه استسلامًا؛ إذ إن المشكلة في الذات الفلسطينية المحتلة وليست في الذات الإسرائيلية/الاحتلال. لذلك تُرَوِّج بعض وسائل الإعلام لإمكانية القضاء على الحركة وإنهاء وجودها في قطاع غزة؛ حيث “تمكنت إسرائيل في مناسبات عدة في الماضي من قطع رؤوس الجماعات الإرهابية، لكن دون أن تنجح في القضاء عليها”. وهو ما تعلنه الدعاية الإسرائيلية عبر رموز الحكومة الإسرائيلية التي تسعى إلى محو حركة المقاومة الإسلامية حماس من خريطة القطاع.

خلاصة

يبدو واضحًا أن الإعلام الغربي كان مهووسًا ومنشغلًا بتجريم حركة حماس وإدانة المقاومة الفلسطينية بعد الهجوم الذي شنَّته على المستوطنات الإسرائيلية والثكنات العسكرية في غلاف غزة. وكان يستخدم إستراتيجيات مختلفة، لاسيما استدراج شخصيات ورموز العمل الوطني الفلسطيني لشجب فعل المقاومة (المصادرة على المطلوب)، وإدانة أنفسهم وجلد ذواتهم أمام الرأي العام الدولي/الغربي. كما استخدم هذا الإعلام حقلًا معجميًّا يُروِّج للسردية الإسرائيلية ويُبرِز الاحتلال بمظهر الضحية، بينما تبدو المقاومة الفلسطينية في هيئة الكيان “المتوحش” من خلال ربط أبعاد صورتها النفسية والفكرية والسلوكية بتنظيم “الدولة الإسلامية”، وهو ما يخلق معاني جديدة في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني الذي يجعل المشكلة أساسًا في الذات الفلسطينية التي تقاوم هذا الاحتلال بما يضمن حقها في إنشاء دولتها المستقلة وكما يكفل لها ذلك القانون الدولي والشرائع الإنسانية. وفي المقابل، تعمل هذه السردية على التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي في المخيال السياسي للجمهور الغربي، باعتباره الواقع السياسي القدري للشعب الفلسطيني، ولا مجال لجلاء الاحتلال، الذي يجب التعايش معه.

هذه الإستراتيجيات في التسويق السياسي للدعاية الإسرائيلية تجعل الإعلام الغربي جهازًا أيديولوجيًّا تُسخِّره مراكز النفوذ السياسي والمالي الدولي، والمؤسسات الإعلامية الدولية، في خدمة المصالح والمشروع الإسرائيلي بالمنطقة العربية. ولعل ما يشير إلى هذا المعطى/الحقيقة هو أن هذا الإعلام الأيديولوجي نفسه يعتبر دفاع الأوكرانيين عن أنفسهم مقاومة لإنهاء ما يُسمِّيه “الاحتلال الروسي” وإجلائه عن أراضيهم، بينما يُجرِّم ذات الإعلام المقاومة الفلسطينية ولا يراها حقًّا بشرعة القوانين الدولية بل “توحشًا” ضد الاحتلال الإسرائيلي/الضحية! ويُصنِّف بعض أعمالها ضمن “جرائم الحرب”، ويُندِّد بدفاع الفلسطينيين عن أنفسهم ضد التطهير العرقي والفصل العنصري، وذلك لشرعنة التوحش الإسرائيلي وسياساته ضد الفلسطينيين.

محمد الراجي – باحث بمركز الجزيرة

المصدر: موقع مركز الجزيرة للدراسات




الحرب والصحافة الغربية: السياق مقدس إلا عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين

قبل سنوات، قمتُ بإجراء فحص على ما يقرب من عامين من تغطية صحيفتي نيويورك تايمز وشيكاغو تريبيون لعمليات القتل والوفيات الإسرائيلية والفلسطينية.

وما وجدته لم يكن مفاجئًا لأي شخص مطلع على الأدبيات الأكاديمية، والتي تظهر تماثلًا ملحوظًا.

لقد غطت الصحف الوفيات الإسرائيلية بشكل متكرر وبصورة أكثر وضوحًا من الوفيات الفلسطينية، على الرغم من وجود وفيات فلسطينية أكبر بكثير خلال فترة الدراسة التي دامت عامين تقريبًا.

وكانت الصحف أيضًا أكثر ميلًا إلى مصادر إسرائيليين، وذلك بغض النظر عما إذا كانت التقارير عن مقتل فلسطينيين أو إسرائيليين أو كل من الفلسطينيين والإسرائيليين في يوم محدد.

والأهم من ذلك، أنه كان من المرجح جدًا أن تقدم كلتا الصحيفتين مبررًا واضحًا للعنف الإسرائيلي، وتضع العنف الفلسطيني في إطار الإرهاب، وتتجاهل السياق الاجتماعي والسياسي الأكبر الذي يحرك الصراع.

ويبدو أن التقارير الصحفية عن الضحايا المرتبطين باندلاع أعمال العنف الأخيرة، والتي بدأت بهجوم مفاجئ شنته حماس على إسرائيل في 7 تشرين الأول/أكتوبر، تتبع نفس السيناريو.

فلا تزال الأحداث تتكشف، وسوف تمر أسابيع، وربما أشهر، قبل أن يتمكن الباحثون من فحص التقارير الإخبارية الغربية بشكل تجريبي ومنهجي.

وتشير الأدلة المتناقلة – استناداً إلى التحليلات الأولية للمقالات المسترجعة في قواعد بيانات الأرشيف – إلى أنه لم يتغير إلا القليل منذ أن أجريت دراستي على صحيفتي التايمز وتريبيون.

السياق بالغ الأهمية

إن المنظمات الإخبارية الغربية الرئيسية – بما في ذلك نيويورك تايمز، سي إن إن، الغارديان، بي بي سي، يو إس ايه توداي، وغيرها الكثير – تتبنى وجهات النظر الإسرائيلية بامتياز؛ وتسلط الضوء على الضحايا والإنسانية الإسرائيلية على حساب الضحايا والإنسانية الفلسطينية؛ وتتجاهل الأصوات والمظالم الفلسطينية؛ وتتعامى عن السياق الأوسع للصراع.

ولعل الأمر الأكثر وضوحًا هو أن في تلك التقارير صورت العنف الإسرائيلي باعتباره عملًا انتقاميًا من أعمال الحرب، وكل العنف الفلسطيني، بما في ذلك العنف الموجه ضد الجيش الإسرائيلي، باعتباره إرهابًا.

وقد قارنت عدة تقارير إخبارية هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر بهجمات 11 أيلول/سبتمبر عام 2001 التي شنها تنظيم القاعدة على نيويورك وواشنطن، مع استخدام العديد من المنافذ الإعلامية وصف “11 سبتمبر الإسرائيلي” في عناوين الأخبار.
إن الآثار المترتبة على هذا النوع من التأطير واضحة: إسرائيل في حالة حرب، وعنفها انتقامي ومشروع، والعنف الفلسطيني همجي ولا معنى له.

إن تجنب السياق أمر بالغ الأهمية بشكل خاص، فالشخص الذي يتابع الأخبار الغربية السائدة حصريًا، قد يميل إلى استنتاج أن الفلسطينيين ميالون للعنف، وأنهم يستيقظون من نومهم ويقررون القتل.

وقد قمتُ، مثل العديد من معلمي الصحافة والإعلام، في كثير من الأحيان بتعليم الطلاب، العرب والأمريكيين، أهمية السياق في كتابة أي قصة إخبارية وخاصة القصص التي تتضمن تواريخ وأحداث متعددة الطبقات.

لقد أوضحت أنه بدون السياق، يمكن فقدان المعنى الحيوي للأمر.

المسؤولية الاجتماعية الصحفية

ومن المثير للاهتمام، أنني اعتمدت بشكل شبه حصري في تقديم الدروس حول السياق على كتيبات الصحافة الغربية وكتاباتها العلمية، وفي الواقع، يُعزى الفضل للتقاليد الإخبارية الغربية في إدخال فكرة المسؤولية الاجتماعية الصحفية، والتي تؤكد على الضرورة المطلقة للسياق من أجل الفهم.

ونظرًا لمركزيته في التقليد الصحفي الغربي، فمن الغريب أن يتم تجاهل السياق بالكامل تقريبًا في التغطية الغربية السائدة للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وهي نقطة تم التأكيد عليها مرارًا وتكرارًا على مدى عقود من قبل علماء الإعلام؛ حيث قالت ماردا دونسكي من جامعة نورث وسترن ذات مرة إن الافتقار إلى السياق في التغطية الأمريكية للصراع يمثل نوعًا من “التحيز الضمني في اللاوعي”.

لقد تجاهلت التقارير الصحفية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر الخلفية والسياق الحيويين للقضية مرة أخرى.

بداية، نادرًا ما أشارت التقارير الغربية الرئيسية إلى احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، مع عدم ورود أي ذكر تقريبا لحقيقة مفادها أن الاحتلال غير قانوني بموجب القانون الدولي.

وفي إحدى قواعد البيانات، التي تضم عدة مئات من التقارير الإخبارية الغربية الرئيسية المنشورة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، لم يتم ذكر الاحتلال إلا بشكل ضئيل، وقد حددت ثلاث إشارات فقط إلى عدم شرعيته.

كما أن التغطية الغربية تجنبت إلى حد كبير الوحشية اليومية التي يفرضها الاحتلال على حياة الفلسطينيين ومجتمعاتهم، فضلًا عن الحقائق المروعة المرتبطة بالحياة في غزة؛ حيث يخضع القطاع لحصار غير قانوني منذ عام 2006، ولا يستطيع سكانه الوصول إلى مياه الشرب النظيفة تقريبًا، وقد وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوقية أخرى مرارًا وتكرارًا بأنه أكبر “سجن في الهواء الطلق” في العالم.

وتجاهلت التقارير الإخبارية الغربية الأخيرة المعاملة اللاإنسانية للأسرى الفلسطينيين، بما في ذلك أكثر من 1000 فلسطيني محتجزين دون تهمة في الاعتقال الإداري.

ووصفت منظمة “بتسيلم”، وهي منظمة إسرائيلية رائدة في مجال حقوق الإنسان، معاملة المعتقلين الفلسطينيين بأنها “تعذيب”، مشيرة إلى أن معاملتهم “قاسية وغير إنسانية ومهينة” وتعد “انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي”.

البراعة في إضفاء شرعية على الهجمات

حتى السياق الأساسي على مدار الأشهر القليلة الماضية تم تجاهله إلى حد كبير من قبل معظم التقارير الغربية حول الأحداث الجارية، على الرغم من ارتباطه المباشر باندلاع أعمال العنف مؤخرًا.

وقد تكرر هذا التجاهل في وسائل الإعلام الغربية، سواء للاقتحامات الأخيرة للمسجد الأقصى المبارك من قبل المستوطنين الإسرائيليين؛ أو للجريمة الأخيرة المتمثلة في قيام إسرائيليين بالبصق على المصلين المسيحيين الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة؛ ولجرائم الحرب المحتملة في الضفة الغربية؛ وللتوسع الاستيطاني الإسرائيلي غير القانوني على الأراضي الفلسطينية؛ ولبرنامج إسرائيل المستمر للهدم غير القانوني لمنازل الفلسطينيين؛ ولموجة الهجمات الإرهابية التي يشنها المستوطنون الإسرائيليون على القرى الفلسطينية؛ ولمحو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لفلسطين من خريطة الشرق الأوسط الجديدة التي عُرضت الشهر الماضي في الأمم المتحدة.

إن قيام إسرائيل بتنفيذ تطهير العرقي وفصل عنصري ضد الفلسطينيين ليس حتى أمرًا مثيرًا للجدل، وقد قامت منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش وبتسيلم بتوثيق الأدلة على ذلك، كما فعل العديد من الباحثين والمحللين.

ومع ذلك، تجنبت التغطية الإخبارية الغربية السائدة عمومًا هذه المصطلحات الأساسية.

والأمر الأكبر من كل ذلك هو أن الإنسانية الفلسطينية قد تم التقليل من أهميتها من قبل وسائل الإعلام الغربية الرئيسية.

وعلى الرغم من أن وسائل الإعلام الرئيسية قد أنتجت تقارير عن القصف الإسرائيلي والإصابات الفلسطينية التي تسبب فيها، إلا أن هذه القصص تميل إلى التقليل من خطورة الهجمات من خلال إضفاء الشرعية عليها بمهارة عن طريق الاعتماد الكبير على مصادر إسرائيلية والتأطير الشامل لـ “الإرهاب الفلسطيني”.

على سبيل المثال، استخدم تقرير صدر في  10تشرين الأول/أكتوبر في صحيفة “يو إس ايه توداي” عنوانًا رئيسيًا – “القصف الإسرائيلي يقتل المئات” – والذي سلط الضوء على الخسائر في الأرواح الفلسطينية.

لكن المصدر الأول المذكور في التقرير هو جيش الدفاع الإسرائيلي، المذكور في الجملة الثانية من التقرير.

وسلطت المعلومات التي قدمها جيش الدفاع الإسرائيلي الضوء على حقيقة أن “مسلحي حماس اخترقوا حاجزًا وقاموا بغزو أدى إلى مقتل أو اختطاف أكثر من 1000 إسرائيلي”.

ويأتي أول ذكر للضحايا الفلسطينيين في الجملة الرابعة من التقرير، ومصدره ضابط إسرائيلي برتبة مقدم، والذي قال “إنه تم العثور على جثث 1500 مسلح [فلسطيني] حول جنوب إسرائيل”.

وبشكل عام، اعتمد التقرير على أربعة مصادر إسرائيلية مقارنة بمصدرين فلسطينيين فقط.

تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم

وأيضًا، وحسب التقارير السابقة المرتبطة بموجات العنف السابقة في الصراع، تم التركيز بشكل أكبر بكثير على الحداد والحزن والخوف الإسرائيلي مقارنة بالفلسطينيين، وعندما ينقشع الغبار عن التحليلات التجريبية، فليس هناك شك تقريبًا في أنه سيكون هناك عدد أكبر من هذه الصور للإسرائيليين مقارنة بالفلسطينيين، وهذا على الرغم من ارتفاع عدد القتلى الفلسطينيين حتمًا.

ويقدم حساب “سي إن إن” على إنستغرام، والذي يتابعه ما يقرب من 20 مليون شخص، مثالًا مفيدًا.

وبين 7 و10 تشرين الأول/أكتوبر، نشر حساب”إنستغرام” التابع لشبكة “سي إن إن” ما مجموعه 23 منشورًا حول إسرائيل وفلسطين، جميعها تقريبًا كانت تتمحور حول إسرائيل وتسلط الضوء إما على الدفاع الإسرائيلي عن النفس، أو الخسائر الإسرائيلية، أو العنف الفلسطيني، كما توضح العناوين الرئيسية المصغرة.

وتضمنت النصوص الإرشادية المصغرة للعناوين الرئيسية ما يلي: “مشهد مروع في بلدة في إسرائيل”؛ “مسلحو حماس يلقون قنبلة يدوية على ملجأ”؛ “مراسل يحتمي في مطار إسرائيلي”؛ “يبدو أن الفيديو يظهر امرأة إسرائيلية محتجزة كرهينة”؛ “أم إسرائيلية ابنها مفقود ترسل رسالة إلى حماس”؛ “مسلحون في غزة يهاجمون مهرجانًا موسيقيًا ويأخذون رهائن”؛ “التجربة المروعة لرواد المهرجان أثناء الهروب من الهجوم”؛ “بلينكن: الولايات المتحدة تتحقق من التقارير عن قتلى ومفقودين أمريكيين في إسرائيل”؛ “رجل يقول إن الفيديو يظهر أن حماس تأخذ عائلته”؛ “صاروخ استقر في سقف مبنى سكني إسرائيلي”؛ و”كيف تعمل القبة الحديدية الإسرائيلية”؛ “نتنياهو يقول إن الانتقام في غزة هو مجرد البداية”؛ “القبة الحديدية تعترض هجومًا صاروخيًّا”؛ “عائلات الأمريكيين المفقودين تتبادل آخر الاتصالات”؛ “أصول حركة حماس وارتباطها بإيران”؛ و”كلاريسا وارد من سي إن إن تحتمي من الصواريخ القريبة”.

فيما تناولت ثلاثة فقط من منشورات شبكة سي إن إن على إنستغرام البالغ عددها 23 منشورًا العنف الذي ترتكبه إسرائيل في غزة: “أبراج غزة تنهار بعد انفجار”؛ “انفجارات جديدة في سماء غزة”؛ و”الغارة الجوية الإسرائيلية تضرب مخيم اللاجئين في غزة”.

شبكة سي إن إن ليست وحدها في تقديم هذا النوع من التفاوت غير المتوازن؛ حيث تتابع نصوص إخبارية متطابقة تقريبًا على شبكات التلفزيون الغربية الرئيسية والصحف وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأماكن أخرى في العالم الغربي.

وفي أفضل السيناريوهات التي تقدمها التقارير الغربية، يُعرض على مستهلكي الأخبار نوع من التوازن المضلل؛ حيث يتم إعطاؤهم اقتراحات واضحة بأن العنف في إسرائيل وفلسطين هو في الأساس عنف متبادل.

ومع ذلك، إذا كان السياق يخبرنا بأي شيء، فإنه يخبرنا إنه لا يوجد شيء متبادل في هذا الصراع.

هناك احتلال ومحتل، هناك دولة فصل عنصري من جهة، وشعب بلا دولة من جهة أخرى، هناك مطهِّر عرقي وشعب يتم تطهيره عرقيًّا، هناك معتد واضح وضحية واضحة.

ونأمل أن تتمكن الصحافة الغربية السائدة يومًا ما من فهم الأمر بشكل صحيح، لأن الإنسانية الفلسطينية تعتمد على ذلك.

المصدر: ميدل إيست آي




الحرب على غزة: لا يمكن للعالم أن يقف مكتوف الأيدي ويشاهد هذه المذبحة

أثناء كتابة هذه السطور، أبلغت إسرائيل الأمم المتحدة أن أكثر من مليون شخص في شمال قطاع غزة، بما في ذلك سكان مدينة غزة، يجب عليهم إخلاء منازلهم. لا يوجد مكان يذهبون إليه في غزة، لا لـ 10.000 شخص، ولا لـ 100.000، وبالتأكيد ليس لمليون شخص.

إن إجلاء مليون إنسان خلال 24 ساعة أمر مستحيل وغير قانوني وغير إنساني وغير عملي.

بمعنى آخر، تهدد إسرائيل بارتكاب جريمة حرب لم نشهد مثلها منذ نكبة عام 1948.

من المحتمل جدًا أن يكون هذا كله كلامًا وتهديدات؛ وقد لا تغزو إسرائيل غزة في نهاية المطاف، وقد لا يتم إجلاء مليون شخص. وعلى أية حال، فإن ما يقرب من نصف مليون شخص أصبحوا بلا مأوى حديثًا في أعقاب القصف غير المسبوق لأحياء غزة من قبل القوات الجوية الإسرائيلية.

هذه أيام مظلمة؛ أيام قاتمة بالنسبة للإسرائيليين، الذين استيقظوا يوم السبت الماضي على واقع قلب رأساً على عقب تصورهم الذي اعتنقوه لسنوات حول عالمهم؛ حيث اعتقد الإسرائيليون أن جيشهم كان كلي القدرة، والأقوى في العالم؛ أن ضخ 3.5 مليارات شيكل (مليار دولار) في الجدار المحيط بغزة سيكون كافيًا لضمان أمن سكان جنوب إسرائيل.

لقد اعتقدوا أن لديهم نظام الاستخبارات الأكثر تطورًا في العالم؛ نظام يعرف ويسمع ويرى كل شيء. إن إسرائيل مجهزة بتكنولوجيا خارقة تبيعها لنصف العالم، كما أنها تتباهى بموارد بشرية نخبوية، مثل وحدة الجيش الشهيرة 8200، وهم مولودون كعباقرة ومن الواضح أنهم لا يستطيعون أن يفاجئوا أحدًا.

واقع مختلف

ثم تم اختراق السياج المحيط بغزة بواسطة جرار قديم، وانهار المفهوم برمته، وتبين أن المخابرات الإسرائيلية لم تكن تعلم شيئًا عن عملية ضخمة تم التخطيط لها منذ أكثر من عام؛ وقد وصل الجيش متأخرًا جدًّا إلى مواقع توغلات حماس.

فإسرائيل ليست بهذه القوة أو القدرة المطلقة على كل حال، وقوتها العسكرية ليست كافية لضمان أمن سكانها. وما يظل موضع شك كبير هو ما إذا كانت إسرائيل سوف تتعلم الدرس الأكثر أهمية من هذا: وهو أن الدولة لا تستطيع أن تستمر إلى الأبد في العيش بالسيف فقط، وتعتمد فقط على قوتها العسكرية.

في يوم السبت الماضي؛ استيقظت إسرائيل على واقع مختلف، واقع لا بد وأن يقضي أخيرًا على غطرستها وتقاعسها

ويقوم نصف الجيش الإسرائيلي حاليًا بحراسة المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة وجميع أنشطتهم المتقلبة. بمناسبة عيد العرش؛ تم نقل عدة كتائب من حدود غزة إلى حوارة، بالقرب من نابلس، لحماية مهرجان الانتقام الذي بدأه عضو متطرف في البرلمان الإسرائيلي.

لقد أصبح جميع سكان غزة ضحايا محتملين للعنف الذي لم يعرفوه من قبل، حتى هم، على الرغم من أنهم يعرفون الكثير عن الرعب والمعاناة،

فقد كانت الصور الإعلامية للمصلين اليهود وهم يجلسون على طريق في وسط بلدة فلسطينية، ويتمايلون من جانب إلى آخر مثل الكثير من سعف النخيل، من بين أكثر الصور بشاعة في الآونة الأخيرة. وسرعان ما مهدت هذه البشاعة الطريق لكارثة: فبسبب هذا الاستفزاز الإجرامي الصارخ من جانب المستوطنين، لم يكن لدى سكان جنوب إسرائيل من يحميهم عندما غزت قوات حماس.

في يوم السبت الماضي؛ استيقظت إسرائيل على واقع مختلف، واقع لا بد وأن يقضي أخيرًا على غطرستها وتقاعسها. وينبغي لهذا أن يثبت، مرة واحدة وإلى الأبد، استحالة التهرب من أي عواقب قد تترتب على الاستمرار في سجن أكثر من مليوني إنسان إلى أجل غير مسمى في قفص عملاق، فضلًا عن ثلاثة ملايين آخرين يعيشون إلى أجل غير مسمى تحت وطأة الطغيان العسكري.

بعد كل شيء؛ كان هناك ثمن يجب دفعه. يوم السبت الماضي؛ استيقظت إسرائيل على رعب تلو رعب.

لقد صدمت إسرائيل وسعت إلى الانتقام، وقد تحققت هذه الرغبة الآن، وفي الوقت الذي أكتب فيه هذا المقال، أصبح جميع سكان غزة ضحايا محتملين للعنف الذي لم يعرفوه من قبل، حتى هم، على الرغم من معرفتهم بالرعب والمعاناة.

صدمة النكبة

لن يعيش الآلاف وربما عشرات الآلاف من الفلسطينيين في غزة لعدة أيام أخرى، سيتم تدمير منازلهم وحياتهم وعالمهم بالكامل.

من المؤكد أن أولئك الذين يضطرون إلى الإخلاء سيتذكرون كيف أُجبر آباؤهم وأجدادهم على إخلاء مئات القرى في وطنهم في عام 1948، ولم يتمكنوا من العودة أبدًا، وسوف تستيقظ الآن صدمة النكبة من جديد بكل قوتها في غزة.

ويتعين على إسرائيل ألا تسيء تفسير التعاطف والتضامن الذي يبديه لها قسم كبير من العالم الخارجي حاليًا.

إن المجتمع الدولي لن يسمح لإسرائيل بالانفلات في غزة على حساب مليوني إنسان عاجز ليس لديهم مكان يهربون إليه، ولا مكان يختبئون فيه، ولا وسيلة لإنقاذ أطفالهم.

وفي مرحلة ما، لا بد من وقف هذه الفظائع، وهذه المرحلة قريبة جدًّا.

ليس لديهم مستشفيات لرعاية مرضاهم؛ ولا يوجد مكان لرعاية أرواحهم المحطمة، وحقيقة أن حماس لم تلتزم بكل ذلك لا يعفي إسرائيل من مسؤوليتها.

ويقع جزء كبير من المسؤولية الآن على عاتق المجتمع الدولي، فلا ينبغي للزيارات التي يقوم بها كبار المسؤولين الأميركيين والأوروبيين، والخطاب المتعاطف المدوي الذي ألقاه الرئيس الأميركي جو بايدن، أن يضللنا.

ويجب أن يكون واضحًا أنه على الرغم من التعاطف الإنساني الودي والمفهوم الذي تم الإعراب عنه، فإن رد فعل إسرائيل لا يمكن أن يكون بلا قيود.

وبينما كنت أكتب هذه السطور؛ اتصل بي أحد سكان رفح في جنوب قطاع غزة، وطلب إرسال مقال إلى صحيفة هآرتس، الصحيفة التي أكتب فيها، وقال: “لا أعرف إذا كنت سأظل على قيد الحياة في غضون ساعات قليلة”، مضيفًا: “في الوقت الحالي، لا أحد في غزة يعرف ما إذا كان سيكون على قيد الحياة بعد ساعة أخرى – ولكن يرجى نشر المقال حتى لو قُتلت”.

وفي مرحلة ما، لا بد من وقف هذه الفظائع، وهذه المرحلة قريبة جدًّا.

جدعون ليفي

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: موقع نون بوست




كيف لعبت حماس بعقل القيادات الإسرائيلية أثناء تخطيطها لـ”طوفان الأقصى”؟

لم تأتِ معركة طوفان الأقصى، في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بمحض تدريبات وخطط عسكرية وُضعت في الدقائق الأخيرة استجابةً لطارئ ما، بل تكشف المشاهد الأولى للمعركة ومقاومو القسام في مستوطنات غلاف غزة ومواقعها العسكرية، أن إعدادًا وترتيبًا طويلَين بذلتهما كتائب الشهيد عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، لتدفع بالمواقع العسكرية إلى الانهيار في ساعات قليلة.

معركة “طوفان الأقصى” دخلتها كتائب القسام وهي حريصة على إخفاء النوايا، بتدريب مكثف لعناصرها، ووضع خطط دقيقة لاستدعاء 3 آلاف مقاتل للمعركة، و1500 لعمليات الدعم والإسناد، ودمّرت خلالها 15 نقطة عسكرية، وهاجمت 10 نقاط تدخّل عسكري إضافية خلال الهجوم على مراكزها، من خلال 1200 مقاوم أخرجوا فرقة غزة في جيش الاحتلال عن الخدمة.

خطط وتدريبات وضعتها المقاومة الفلسطينية على امتداد أكثر من عامَين، وهي تمارس حيلًا استخباراتية أمام الاحتلال وأجهزة استخباراته، وهو ما عبّر عنه الناطق العسكري باسم القسام أبو عبيدة، بأن “القسام مارست على الاحتلال خداعًا استراتيجيًّا بدأ منذ أوائل عام 2022″، حاولت فيها أن تقنعه أن الحركة بشقّها السياسي بدأت تنغمس في دورها كسلطة سياسية في غزة، وتريد أن تكتفي بسيطرتها على قطاع غزة، مقابل تسهيلات مادية واقتصادية تخفف عن القطاع أزماته.

في هذا التقرير، نحاول في “نون بوست” أن نتتبّع أبرز الخطوات التي اتخذتها حماس منذ حرب مايو/ أيار 2021، آخر المواجهات العسكرية التي خاضتها الحركة في السنتَين الماضيتَين، وكيف مهّدت الطريق لتباغت بهجوم مفاجئ وسط ارتياح الاحتلال لجهته الجنوبية، بل حتى كيف شغلته في جبهات أخرى واكتسبت وقتًا.

امتداد لمعركة “سيف القدس”

يقول أبو عبيدة، في خطاب متلفز يوم الخميس 12 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، إن “معركة طوفان الأقصى بدأت من حيث انتهت معركة “سيف القدس” عام 2021″، وبالتتبع لحركات وتصريحات المقاومة منذ ذاك التاريخ وحتى ساعة الصفر في “طوفان الأقصى”، تجد جذور الطوفان بدأت من حيث استلّت المقاومة سيفها لأجل القدس.

في مايو/ أيار 2021، خاضت كتائب الشهيد عز الدين القسام معركتها ضد الاحتلال الإسرائيلي ومحاولته تهجير الشيخ جراح في القدس، والاعتداء على المقدسيين في البلدة القديمة وباب العامود، وكانت المقاومة الفلسطينية في غزة هي من أطلقت رشقاتها الأولى على الأراضي المحتلة، بعد تهديد أطلقه القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف، يحذر فيه المستوطنين من عدم إخلاء المسجد الأقصى.

خلال معركة “سيف القدس”، كشفت القسام عن تطور في صناعتها العسكرية وخططها الاستراتيجية، ومنها كشفها لصاروخ “عياش 250” الذي أدخلته الخدمة في المعركة، وقصفت فيه مطار الرامون على بُعد 220 كيلومترًا عن القطاع، حينها وعد أبو عبيدة الفلسطينيين أن لدى القسام “المزيد وفي جعبتها الكثير ممّا يسرّكم ويرفع رؤوسكم ويجعلكم تفخرون أمام العالم بمقاومتكم”.

بعد أن وضعت معركة “سيف القدس” أوزارها قبل عامين ونصف، وحتى ذكرى انطلاقة حركة حماس في ديسمبر/ كانون الأول 2022، والقيادات السياسية والعسكرية لحركة حماس تردد أن المعركة القادمة هي من ستختار توقيتها، وأنها ستفاجئ العدو من حيث لا يعلم، ولربما يشير مهرجان انطلاقة حماس في 14 ديسمبر/ كانون الأول 2022، الذي حمل عنوان “آتون بطوفان هادر“، إلى عمق امتداد التخطيط لدى الحركة لإطلاق معركتها.

الخداع الإستراتيجي: عدم المشاركة المباشرة لمواجهة تصعيد الاحتلال على غزة

منذ عام 2021 وحتى يوم السبت أول أيام الطوفان، حدث عدد من نقاط المواجهة مع الاحتلال عسكريًّا بعضها وقع في الفعل ضد قطاع غزة، ووجّه الاحتلال عدوانه عليها، وأخرى تمثلت بحركات استفزازية للاحتلال في الأقصى والتغول في الضفة، دفعت الناس والفلسطينيين للتساؤل عن غياب كتائب القسام عن المشهد بعد أن كان هي من تقود مقاومتها.

أما عن المواجهات العسكرية، فخاضت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، في أغسطس/ آب 2022 معركة “وحدة الساحات”، بعد اعتقال الاحتلال للقيادي البارز في الحركة بسام السعدي، كما خاضت سرايا القدس معركة “ثأر الأحرار” في مايو/ أيار 2023، وكان الاحتلال هو صاحب الغارة الأولى باغتياله عددًا من قيادات الجهاد في قطاع غزة، منهم مسؤول ملف الضفة الشهيد طارق عز الدين.

كلا المواجهتَين العسكريتَين كان قطاع غزة ميدانهما الرئيسي، ونفّذ غارات على القطاع واستشهد نساء وأطفال، ولم يصدر عن كتائب القسام أي تدخل عسكري مباشر، ولم تأتِ إلى واجهة الأحداث كي لا توسع المعركة مع الاحتلال، لا سيما مع علم الاحتلال عن فارق الإمكانات العسكرية بين القسام وسرايا القدس، وإن اعترفت الأخيرة أن القسام كانت تمدها وعاونتها في غرفة العمليات المشتركة دون ظهور رسمي.

أما عن استفزازات الاحتلال، فمسيرة الأعلام التي ينظمها المستوطنون كل عام ويدنسون فيها المسجد الأقصى، والتي كانت الشرارة الكبرى في معركة “سيف القدس”؛ تكررت 3 مرات، عام 2021 و2022 و2023، رغم توعُّد القسام أنها لن تتكرر، كما أن الاحتلال زاد من اقتحامه، وسجّلت السنتان الأخيرتان تصاعدًا غير مسبوق في الاقتحامات للمسجد الأقصى وفي العملية الاستيطانية، إلى جانب ذلك ارتكب الاحتلال مجازر في الضفة الغربية واجتاح مخيم جنين، ولم يكن للقسام أن يتصدر المشهد ويتدخل.

وهو ما يقول عنه أبو عبيدة: “إن القسام مارست خداعًا استراتيجيًّا استخباراتيًّا، ومررت للاحتلال تجاوزاته خلال الفترة الماضية”، حتى ظنَّ الاحتلال واطمأنَّ لجبهته الجنوبية، في حين كانت كتائب القسام تستعد لمعركتها في لحظة الصفر.

إشعال الأوضاع في الضفة

رغم تجنّب حركة حماس التصعيد المباشر مع الاحتلال، والسماح بتمرير تجاوزات للاحتلال في القدس والضفة المحتلة، إلا أن الحركة لم تلتزم الصمت بشكل كامل، بل عملت على تفعيل جبهة الوسط للاحتلال الإسرائيلي، وهي الضفة المحتلة، وقد لوحظ نشاط لعناصر في الحركة منذ بداية عام 2023 بشكل غير مسبوق، حتى أن الكتائب تشكّلت باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام.

ولم يكن منفذو العمليات الفردية من حركة حماس يمارسون عملياتهم بشكل منفرد عن قيادتهم في غزة، بل على العكس، كانت كتائب القسام في قطاع غزة هي من تتبنّى العمليات والأفراد الذين أوقعوا قتلى في صفوف الاحتلال، مثل عملية مهند شحادة وخالد صباح وعبد الفتاح خروشه وأحمد غيظان، والتي جاءت عملياتهم ردًّا على اقتحامات أو اعتداءات أو مجازر نفذها الاحتلال في الضفة المحتلة والقدس.

ومنح نقل المواجهة إلى الضفة الغربية في العامَين الماضيَين القسام والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة هامشًا من الوقت، للإعداد والتحضير لمعركتهما الكبرى المنطلقة من القطاع، والتي جاءت باكورتها في عملية “طوفان الأقصى”.

التنسيق مع دول الإقليم

شهد العامان الأخيران، بعد معركة “سيف القدس”، تحركًا إقليميًّا لحركة حماس مع الدول العربية والإسلامية، اجتمعت فيه مع قيادات من لبنان وسوريا وإيران بشكل معلن، إضافة إلى اجتماعات غير معلنة.

منحت هذه الاجتماعات، وفق ما كشفت في وقت لاحق غرفة عمليات مشتركة تجمع بين قطاع غزة ودول الإقليم في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهو ما عبّر عنه القائد العام للقسام محمد الضيف، حين قال: “فلتتوحّد كل الرايات ولتلتئم كل الجبهات ولتُفتح كل الساحات لهدف واحد وغاية كبيرة نبيلة مقدسة، وهي تحرير فلسطين”.

كانت تهدف حماس في اجتماعها إلى التنسيق لتعمل من أراضي الدول الإقليمية بشكل أساسي، خصوصًا تلك التي تشكّل طوقًا حول الأراضي المحتلة في جبهتها الشمالية، سوريا ولبنان، اعتقادًا وتخطيطًا أن فتح جبهات متعددة في القتال مع الاحتلال سيرهقه ويربكه، وسيخفّف الضغط عن توجيه ثقل ضرباته إلى قطاع غزة وحدها.

مسيرات الحدود قبل شهر من الطوفان

الخدعة الأخيرة التي مارستها القسام كانت قبيل الحرب، بمسيرات أطلقتها غزة قرب السياج الحدودي شرق القطاع المحاصر، مشابهة إلى حد كبير بمسيرات العودة عام 2018، وأطلقتها نصرة لقضايا وطنية من بينها المسجد الأقصى والأسرى، وللمطالبة بكسر الحصار الإسرائيلي عن القطاع.

لم تكن الخدعة في انطلاق المسيرات، بل كانت الخدعة في طريقة إنهائها، حيث أنهتها مجموعة “الشباب الثائر” التي تدعمها حركة حماس، بعد تعهُّدات قدمها الاحتلال الإسرائيلي للوسطاء بفكّ الحصار عن غزة ووقف إجراءاته القمعية، وجاء في نص بيان “الشباب الثائر”: “تعهّد الوسطاء بأن هناك إجراءات للتخفيف عن شعبنا في قطاع غزة، وأننا على أهبّة الاستعداد والجهوزية للعودة للحراك الشعبي الثائر في حال لم يلتزم الاحتلال بتعهداته للوسطاء”.

وجاء هذا الإعلان عقب سماح سلطات الاحتلال لمواطني قطاع غزة الحاصلين على تصاريح للعمل داخل الخط الأخضر والضفة الغربية، بالمرور عبر معبر بيت حانون، بعد إغلاقه منذ 17 سبتمبر/ أيلول الماضي بدعوى “تقييم الأوضاع في القطاع”.

أوهمت حماس “إسرائيل” أن هذا ما تريده من تصعيدها، أن تفكَّ الحصار عن قطاع غزة، ووقف تصعيدها مرتبط بهذا الشرط، وعلى ذلك ركنت “إسرائيل”، في حين يشير مراقبون إلى أن حماس استفادت من المظاهرات في تعزيز خطتها لطوفان الأقصى بالبيانات اللازمة عن نقاط الضعف وثغرات الحدود.

قد تكون عوامل أخرى دخلت في خطط حماس، منها تنفيذها مناورات شبيهة لما ستفعله في “طوفان الأقصى”، لكنها استطاعت أن تبقي خطتها سرًّا بعيدًا عن أي تسريب، واستغلت الأعياد اليهودية وفترة إجازات الاحتلال، والأزمة في التعديلات القضائية، وعزوف عدد كبير من الجيش عن التدريب والخدمة، إضافة إلى ورودها تقارير مؤكدة نية الاحتلال تنفيذ ضربته لغزة بعد انتهاء أعياده، فقررت ساعة الصفر، وطافت بمظليها وجنودها وضفادعها البشرية على مستوطنات غلاف غزة.

نداء بسومي

المصدر: موقع نون بوست




المقاومة في غزة جهزّت نفسها للغزو البري

يعتمد العدو الصهيوني في بداية كل معاركه مع المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة على الطيران الحربي بقصف المناطق المستهدفة بإلقاء آلاف الأطنان من المتفجرات بواسطة طائراته مستغلا تفوقه الجوي لعدم وجود قدرات عسكرية لدى المقاومة الفلسطينية قادرة على ردعه، ملوحا بالاجتياح البري محركا دباباته وآلياته العسكرية باتجاه الجنوب، لكن سرعان ما تتلاشى هذه التجربة ليتضح بأنها مجرد فقاعة إعلامية، محاولا من خلالها بث الرعب لدى المواطنين معتقدا بأنه سيشكل ورقة ضغط على المقاومة الفلسطينية.

تختلف نتائج المعركة باستخدام السلاح الجوي عن الاجتياح البري؛ حيث أن الأول يستطيع من خلاله تحقيق بعضاً من الأهداف المعلنة في بداية المعركة؛ لكن لا يؤدي للحسم، لتنتهي المعركة إما ايقافها من جانب واحد؛ أو من خلال مفاوضات مُرضية لطرفي المعركة، على العكس من الاجتياح البري الذي يستطيع أن ينهي المعركة اما بحسم الانتصار أو العودة بهزيمة والتي تكون فاتورتها عالية جدا.

صدق العدو الصهيوني في تهديده بالاجتياح البري في اليوم الثاني من بدء معركة العصف المأكول ال 7 من يوليو 2014، لكنه تكبد خسائر كبيرة من ضمنها أسر الجنديين شاؤول أرون شرق غزة في كمين لكتائب القسام، و أدى لمقتل 14 جندي،  وهدار غولدن شرق رفح، وانسحب الجيش الصهيوني في ال 5 من أغسطس من الغزو البري بينما استمر في القصف الجوي؛ معلنا فشل الغزو البري، ومع بداية عملية طوفان الأقصى عاد الجيش الصهيوني للتلويح بذلك، معلنا فشل سياسته السابقة في مسار المعارك التي خاضها ضد قطاع غزة، حيث أنه وبعد كل معركة تتطور قدرات المقاومة لتفاجئ الجيش الصهيوني بالمعركة التي تليها بقدرات ووسائل جديدة متطورة عن المعركة التي تسبقها، وبحسب مسار العملية الحالية من استخدام سياسة الإبادة الجماعية والأرض المحروقة ضد المدنيين في مناطق وسط قطاع غزة فسيدو بأن الاحتلال ينوي حقيقة بالاجتياح البري واعتقادي هذا مبني على التالي:

أولا: أن كتائب القسام والمقاومة الفلسطينية وجهت ضربة قوية للجيش الصهيوني في غلاف غزة لم يتلقاها منذ بداية تأسيس الدولة وستتناقلها الأجيال؛ على صعيد المباغتة والتكتيك وعدد القتلى والأسرى وسط الجنود والمستوطنين، وهو غير قادر على استيعاب ذلك.

ثانيا: إن ما كان يجعل العدو يتردد في هذا الخيار في المعارك السابقة هو التكلفة العالية على صعيد الخسائر البشرية لجنوده أو الخسائر التي ستتكبدها معداته وآلياته، وأعتقد أن هذا الخيار قد كُسر منذ بداية المعركة وأصبح خارج الحسابات، لان ما كان يخشاه قد وقع؛ وتم تدمير فيلق الجنوب ليصبح خارج الخدمة.

ثالثا: لا يستطيع اليمين المتطرف تحمل نتائج خسائر هذا الخيار لوحده، وبعد تشكيل حكومة الطوارئ باتت الدولة بجميع مكوناتها تتحمل النتائج.

رابعا: وجود بلينكن وزير الخارجية الأمريكي وجولته على بعض الدول العربية؛ ووصول وزير الدفاع الاميركي الى تل أبيب؛ والدعم العسكري المفتوح؛ وتحريك الاسطول الأمريكي في المتوسط باتجاه الكيان؛ ووصول أول طائرة أمريكية محملة بالسلاح للكيان يهيئ الأجواء للعدو بالاجتياح البري.

خامساً: استخدام سياسة الأرض المحروقة او الحزام الناري في الأماكن السكنية المدنية في قصف الأبراج؛ وقتل المدنيين والتعمد بإيقاع أكبر عدد ممكن من الشهداء، وتهجير السكان من المناطق الحدودية ليسهل الاجتياح على جيشه البري حسب مخططاته.

لكن ما لا يريد ان يفهمه العدو أن كتائب القسام والمقاومة الفلسطينية ومنذ انسحاب جيش الاحتلال من قطاع غزة أغسطس 2005 وحتى يومنا هذا تتجهز لمثل هذه المعارك، وقد بنت معظم قدراتها وتكتيكاتها لمثل هذه المواجهة، لذلك من مكاسب المقاومة التي ستجنيها:

اولا: المقاومة تريد حالة الاشتباك هذه لتتمكن من تصحيح المعادلة، وقد حصلت المواجهة المباشرة في اكثر من مناسبة وكان آخرها طوفان الأقصى وقد ربحت بها جميعا.

ثانيا: تعتبر تكلفة الاجتياح البري بالنسبة للمقاومة أقل من تكلفة القصف الجوي؛ من حيث طبيعة الوسائل القتالية المستخدمة وعلى صعيد الخسائر البشرية بين المقاومين مقارنة بخسائر جيش العدو، حيث انها طورت من وسائلها القتالية بشكل ملحوظ.

ثالثا: استطاعت كتائب القسام والمقاومة من بناء شبكة أنفاق داخلية حتى الآن معطلة، وسيتم تفعيلها في حالة التوغل البري.

رابعا: ستستطيع المقاومة من الاستفادة من حالة الغليان والانتقام وسط المدنيين التي ولدها جيش الاحتلال من خلال اتباعه لأسلوب القتل والتشريد لأهل القطاع.، وستكون وسائل الانتقام متاحة لجميع المواطنين.

خامسا: ستحتاج هذه العملية لعدد كبير من الجنود والفيالق مما سيخفف الضغط على المقاومة في الضفة وفي محاور أخرى، وسيدفعها لتكثيف العمليات وسط دولة الاحتلال مما يولد حالة من الارتباك في الاحتلال، وهذا ما تسعى له حركة حماس حيث ان المعركة هي معركة الأقصى وساحات اخرى وليس غزة فقط. 

سادسا: هذا الاجتياح سيؤثر على الاقتصاد داخل كيان الاحتلال نظرا للتعبئة العامة الموجودة والتي قد تستمر لعدة اسابيع لو تم استخدام الاجتياح البري، وهذا سيرهق الكيان المؤقت بجميع مفاصله.

فادي رمضان

المصدر: موقع الخنادق