1

مراسلو “هآرتس” في “الدولة البيبية”… من التفاخر إلى الخوف من الاعتقال

مع إقالة يوآف غالانت من وزارة الدفاع، لم يعد في محيط نتنياهو أي عنصر مستقل له وزن. الحريديم يخضعون للحاخامات، وعلاقتهم مع الحكومة في الأصل علاقة وظيفية. أعطهم ما يحتاجونه وافعل ما تريد في جهاز القضاء ووسائل الإعلام والجيش الإسرائيلي وغزة ومع المخطوفين. لبن غفير والمستوطنين قوة سياسية، لكنهم شركاء في الطريق حتى منذ أيام أوسلو السعيدة.
إسرائيل كاتس فزاعة، لكن من النوع المتعثر الذي حتى الطيور تسخر منه عندما تشاهده. تعيينه يدل على أنه الحرب الحقيقية بالنسبة لنتنياهو قد انتهت. أي أن التهديدات الكبيرة أزيلت. والآن بعد أن أنقذه الجيش الإسرائيلي، الذي ما زال يحتفظ بشيء ما من إسرائيل التي كانت ذات يوم، من الفشل الذريع المشترك بينهما في 7 أكتوبر، يمكن البدء في قطع الرؤوس فيه. نعم، تفكيك الجيش وجهاز الأمن بالطريقة التي أعطيت فيها الأجهزة الأخرى في الدولة لوكلاء التفكيك (جهاز القضاء لياريف لفين، والشرطة لبن غفير، والإعلام لشلومو كرعي).

مثلما في أي انقلاب، فبعد تدمير العالم القديم سيأتي ما وعد به رئيس طاقم نتنياهو السابق والمقرب منه نتان ايشل: بعد انتهاء الحرب، سنجري احتفال استبدال النخب. في “القوميين”، أبلغت عيريت لينور، التي تفسر أقوال الوزير دافيد امسالم الذي يقود جهود إقالة المستشارة القانونية للحكومة، بأنه لا تكفي إقالتها، إذ ماذا سيحدث مع نائبها غيل ليمون، وأمثالها في جهاز المستشار القانوني؟

للمفارقة، يبدو أن امسالم غارق في أيديولوجيا بيبية أقل من لينور. فهو ما زال يؤمن بأن هذا الأمر يتعلق ببهراف ميارا وروح القائد. وهو لا يدرك أن المنظرين للانقلاب البيبي، الذين تجدر الإشارة إلى أن محتلي الصدارة وبينهم أشخاص كانوا في اليسار مثل غادي تاوب، يخططون لتغيير طبقي على طول وعرض كل الأجهزة، بما يتناسب مع العرض الهزلي التاريخي لديكتاتورية البروليتاريا. إذاً ما العمل؟ امسالم مجرد بروليتاري هبط بالمظلة وأصبح وزيراً، وهو ليس عبقرياً أشكنازياً مثل لينور وتاوب، اللذين صاغا البيان البيبي للبروليتاريا الشرقية.

الغضب البروليتاري – الطائفي المبرر لا يستخدم كوقود لتحريك تعديل مناسب وحيوي، بل يخدم برنامجاً انقلابياً يوجد في مركزه تفكيك قواعد الأجهزة. وهذا بالضبط ما سيحدث عندما سيتم استكمال عملية التغيير: لن تكون هناك أجهزة تعمل وتكون مفتوحة أمام الجميع، التي يترأسها أشخاص من خلفيات مختلفة، بل هياكل وجبهات أجهزة لا يمكنها العمل؛ لأنها تحولت إلى أجهزة تخدم الانقلاب وليس الدولة. هل تريدون النظر إلى كيف تبدو الدولة بدون شرطة؟ هاكم نبأ من الأمس: الشرطة قلصت إنفاذ القانون، وهناك المزيد من الإسرائيليين يقتلون في حوادث الطرق. دولة بدون وزارة تعليم؟ انظروا كيف هي إنجازات الطلاب في إسرائيل في مادة الرياضيات والعلوم، تتحطم.

في هذا الأسبوع، أعطيت بريدي الإلكتروني لموظف في أحد البنوك. وقال لي بجدية: “من حسن حظك أن بريدك الإلكتروني وصل إلى، البريد الإلكتروني لصحيفة “هآرتس”، لأن أصدقائي كانوا سينظرون إليك وكأنك تعملين في منظمة معادية”. أحد زملائي في الصحيفة أعترف لي بأنه كان يتفاخر ذات يوم بعمله في “هآرتس”، في حين بات يتردد الآن قبل أن يقدم نفسه كأحد العاملين في الصحيفة. في الحقيقة، أوضح امسالم في المقابلة بأنه يجب البدء في اعتقال مراسلي “هآرتس”.

المثال الواقعي الذي قدمته هذا الأسبوع يظهر أن الميدان أصبح ناضجاً. المحاكمة الصورية لمعارضي النظام حول نشاطات الاحتجاج الغبية، بدأت. بعد ذلك، ستجلس القيادة التي كانت في 7 أكتوبر في قفص الاتهام – المستشارة القانونية للحكومة، ومراسلو اليسار، و”عوفداه”، و”أرض رائعة”، وقنوات الذعر والقضاة. كل من كان ذات يوم في النخبة، يحتاج إلى إعادة تثقيف إلى أن يتعلم كيفية التساوق مع قيم الثورة البيبية.

كارولينا ليندسمان

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




اسم مروان البرغوثي سيشغل الشرق الأوسط لزمن طويل

“المعلومات الإعلامية عن إمكانية تحرير مروان البرغوثي في صفقة مستقبلية ونفيه إلى تركيا ليست معروفة لنا”، يوضح قسام، ابنه، في حديث أول أمس من رام الله حيث يسكن. بعد أسبوع من عودته من قطر، هناك، كما علم، بحث أبناء العائلة مع كبار مسؤولي حماس في إدراج أبيه في الصفقة، يقول في الحديث: “نحن أكثر تفاؤلاً مقارنة بالماضي، وواضح أن الصفقة وحدها ستؤدي إلى تحرره من السجن. كعائلة، لا يهمنا إلى أين يتحرر، حتى ولو إلى كوالا لمبور، ولا حتى تهمنا المعاني السياسية للخطوة”.

 كان رد الفعل من جانب “مسؤول إسرائيلي كبير” على التقارير الإعلامية سريعاً وقاطعاً: لا يوجد أي بحث في تحرير البرغوثي. مسألة تحرير البرغوثي بحثت لأكثر من عقدين في إسرائيل وتأكدت منذ 7 أكتوبر والانشغال بصفقة يتحرر فيها سجناء أمنيون. سمعت في الساحة السياسية والإعلامية لسنين أصوات ادعت بأن البرغوثي زعيم ذو تأثير جماهيري واسع. وعلى الرغم أنه كان مشاركاً في الانتفاضة الثانية في عمليات قتل فيها خمسة أشخاص حكم عليهم بخمسة مؤبدات و40 سنة، بقي مخلصاً للمفاوضات السياسية.

 قائمة الداعين إلى تحريره منذ اعتقاله في 2002 ضمت ضمن آخرين بنيامين بن اليعيزر، وجدعون عيزرا، وأفرايم سنيه، وانضم إليهم مؤخراً عامي أيالون. بالمقابل، يعارض كثيرون تحريره، بمن فيهم من يدعون بأن الحديث يدور عن “عرفات صغير” أو عن “سنوار 2” – المتمسك برؤيا كفاحية، ومع تحريره سيواصل الكفاح العنيف.

 البرغوثي رمز وطني ولغز. الزعيم ابن الـ 65 الذي ولد في قرية كوبر المجاورة لرام الله، يمثل جيلاً نما في المناطق في السبعينيات والثمانينيات، يتماثل مع الانتفاضة الأولى، ويقف كبديل متحدٍ لجيل المؤسسين بقيادة عرفات الذي جاء من تونس وسيطر على قيادة السلطة، في ظل دحر الشبان.

 مر البرغوثي بعدة محطات ثبتت مكانته كزعيم، بينها المشاركة في تأسيس الشبيبة، منظمة الشباب والطلاب من حركة فتح؛ وإبعاده إلى الأردن في 1987، ونشاطه إلى جانب قيادة فتح التاريخية، مثل أبو جهاد وأبو إياد؛ والعودة إلى المناطق عقب اتفاق أوسلو وإقامة جسم قيادة فتح في الضفة الذي تحدى عرفات؛ وبالطبع العودة إلى الكفاح المسلح في العام 2000، حين منح المساعدة والتوجيه لكتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح. مثل الكثيرين من أبناء الجيل الضائع إياه، البرغوثي يعرف إسرائيل جيداً، يتحدث العبرية، وعقد عدداً لا يحصى من اللقاءات مع إسرائيليين قبل الانتفاضة الثانية.

قبل مشعل بكثير

 أما اللغز فهو على الرغم من غياب البرغوثي عن الميدان لأكثر من عقدين (نحو ثلث حياته) لا يزال هو المرشح الأكثر شعبية لقيادة الساحة الفلسطينية. لأكثر من عقد، تظهر استطلاعات الرأي العام في “المناطق” أنه يهزم كل منافس في أي سيناريو انتخابات، بما في ذلك ممثلو حماس. هكذا تبين من استطلاع نشره هذا الأسبوع معهد “أوراد” الذي يعمل في رام الله، بأن 54 في المئة من الفلسطينيين سيؤيدون البرغوثي في الانتخابات للرئاسة مقابل 10 في المئة فقط يؤيدون خالد مشعل (التأييد لإسماعيل هنية ويحيى السنوار اللذين صفيا كان أعلى بكثير، لكنهما لم يتفوقا على البرغوثي في الاستطلاعات).

 حسب فلسطينيين كثيرين، يعجب الناس بالبرغوثي الرمز رغم أنهم لا يعرفون مروان الإنسان. عموم الجمهور، وبخاصة الشبان الذين ولدوا بعد سجنه، يرون فيه تجسيداً للمثل الوطنية، وعلى رأسها المقاومة والصمود والتضحية.

 “القائد مروان هو الزعيم الوحيد الذي يمكنه إعادة تشكيل الساحة الفلسطينية المنقسمة، ويرمم “فتح” من الدرك الذي هي فيه، والتي منذ إقامة السلطة اندمجت مع الحكم، وفقدت هويتها الخاصة وتعفنت. البرغوثي قادر على التحكم بالقيادات الميدانية التي نما منها، لكنه بالتوازي يدير أيضاً استراتيجية سياسية مركبة. كونه من الوسط القروي، يفهم لغة الشعب واحتياجاته. وحتى من السجن يهتم بمشاكل الفلسطينيين البسطاء وليس فقط بالمسائل الكبرى”، هكذا يشرح أحمد غنيم (أبو ضمير)، من قادة معسكر المؤيدين للبرغوثي ومن سكان شرقي القدس.

 “إسرائيل هي الأخرى تفهم تأثيره الواسع وتحاول اغتياله من خلال إساءة ظروف اعتقاله منذ 7 أكتوبر، من خلال العزل الطويل وممارسة العنف”، يشرح قدورة فارس، رئيس نادي الأسير الفلسطيني، الذي يعتبر هو أيضاً من الموالين للبرغوثي. أما مصلحة السجون فنفت الادعاءات نفياً باتاً.

 زوجة البرغوثي، فدوى، بذلت جهداً خاصاً من تحويله من رمز وطني إلى أيقونة عالمية، في ظل موازاته بنلسون مانديلا. في العقد الأخير، تخوض حملة لممارسة ضغط دولي على إسرائيل لتحريره، أدت إلى تسمية شارع على اسمه في المدينة الفرنسية فالتون، ومنحه لقب مواطن شرف في 15 مدينة أوروبية أخرى، ورفع ترشيحه لجائزة نوبل للسلام، الخطوة التي لأجلها جند الحاصل على الجائزة الأرجنتيني ادلفو برس اسكيفان. “نجحنا في تثبيت مكانة البرغوثي كأيقونة تمثل الكفاح من أجل الحرية”، أعلنت فدوى في خطاب ألقته في أيار في الجامعة الأمريكية في القاهرة.

سيحقق مصالحة داخلية

 تدرك حماس الإمكانية الكامنة في البرغوثي، ولم يأت صدفة إصرارها على تحريره. في نظرها، الأمر كفيل بأن يحقق بضعة إنجازات: تثبيت صورة الحرب التي بادرت إليها المنظمة كخطوة وطنية حققت مكسباً لكل الفلسطينيين: عودة زعيم محبوب إلى الميدان قريب من حماس في آرائه، بخلاف معظم زعماء السلطة، يمكنه أن يحقق مصالحة في المستقبل تتيح دخول المنظمة للحكم في الضفة؛ وخلق نوع من “الحساب” الذي بسببه سيشعر أنه مدين للمنظمة بتحرره.

 في شباط من هذا العام، أعلن أسامة حمدان، من قادة حماس في الخارج، أن المنظمة ستطالب بتحرير زعماء فلسطينيين ليسوا من صفوف حماس، وعلى رأسهم البرغوثي، وأحمد سعادات الأمين العام للجبهة الشعبية.

 البرغوثي نفسه يشهد على العلاقات القريبة مع حماس. ومنذ 2002 حاول الدفع قدماً بالمصالحة بين فتح وحماس، كانت ذروة ذلك في وثيقة السجناء التي صيغت بغموض عمداً، ونشرت في 2006. أساس كل تسوية مستقبلية مع إسرائيل هو مصالحة فلسطينية داخلية، ولهذا وضعنا الوثيقة التي بلورت لأول مرة إجماعاً مع حماس على خطة سياسية، وفي أساسها الموافقة على إقامة دولة في حدود 1967، تشكل اعترافاً بالأمر الواقع بإسرائيل (كل هذا دون التزام من حماس بالاعتراف بها أو الإعلان عن نهاية المواجهة معها).

 “طوال سنين، طرأ تشويش في الفجوات التي بين فتح وحماس، وإن كانت لا تزال هناك فوارق في عدد من المسائل الجوهرية، وعلى رأسها الموقف من إسرائيل”، قال البرغوثي في لقاء أجريته معه في السجن قبل نحو عقد، وأوضح فيه أيضاً بأن في نيته التنافس في المستقبل على رئاسة الساحة الفلسطينية.

 القسام، الذي تشارك مع أبيه غرفة في السجن الإسرائيلي في عامي 2006 – 2007 ويحمل اسم عز الدين القسام، يضيف: “أبي غير معني بمصالحة شكلية، الجهد الذي يجري العمل عليه منذ 20 سنة ولا يؤدي إلى أي تغيير. هو يقصد وحدة سياسية واسعة حول توافق من عموم الفصائل وبخاصة حماس؛ للانخراط في م.ت.ف كالقيادة الوطنية. عرضه حلاً للجرح المؤلم في المجتمع الفلسطيني (الانقسام الوطني) يسهم كثيراً في العطف الجماهيري عليه. وثمة نقطة استحقاق أخرى جناها في أثناء السنين عندما وقف على رأس الكفاح ضد الفساد في السلطة”. 

دحلان يؤيده

 السلطة من جهتها، تبدي نهجاً ملتبساً تجاه تحرير البرغوثي. علناً، يعرض مسؤولوها تأييده له وللكفاح من أجل تحريره من السجن. لكن من الجهة الأخرى، هناك غير قليلين في رام الله يقلقهم وجود منافس سائد في السباق على خلافة أبو مازن، خصوصاً أنه سيمضي نحو المصالحة مع حماس، التي يتحفظ كثير من كبار رجالات السلطة منها.

 “تحرير البرغوثي سيكون أنباء سيئة لإسرائيل، لكن أيضاً إزاء كثيرين يستفيدون من وجودها”، هكذا يلمح حسام خضر، كبير “فتح” في مخيم اللاجئين بلاطة في نابلس، المعروف بانتقاده للقيادة في رام الله.

 وصاغت فدوى البرغوثي في زيارتها قبل نحو نصف سنة إلى مصر، حديثها بحذر إذ قالت: “السلطة نفسها معنية بتحرير البرغوثي، لكن فيها جهات غير معنية بمثل هذه الخطوة، وهم بذلك يشهدون على أنهم ليسوا وطنيين فلسطينيين”.

 سامر سنجلاوي، من قادة معسكر دحلان ومن سكان شرقي القدس، أقل دبلوماسية بكثير: كبار رجالات السلطة يرون في البرغوثي تهديداً؛ فهو يتمتع بشعبية تبرز صورتهم المتردية، وبعض منهم يفضلون بقاءه في السجن”.

 محمد دحلان نفسه، يرى في البرغوثي حليفاً طبيعياً لمعسكر كبار مسؤولي فتح الذين دحرهم أبو مازن إلى الهوامش واعتبرهم تهديداً. في السنوات الأخيرة، توثق الحلف بينهما، ووجد تعبيره في تعاون سياسي قبيل الانتخابات التي كان يفترض أن تجرى في 2021، حين أقام الرجلان قوائم لفتح منفصلة عن القائمة الرسمية برئاسة أبو مازن وأدارا بينهما علاقة وثيقة.

 هذا الانقسام، كما من المعقول الافتراض، كان سيؤدي إلى هزيمة فتح، مثلما حصل في انتخابات 2006 لو لم يلغِ أبو مازن الحدث في اللحظة الأخيرة، حين أدرك أن الفشل مضمون.

 يشرح سنجلاوي فيقول: “مجموعات كثيرة في فتح تنتظر تحرير البرغوثي وترى فيه الزعيم الوحيد الذي قد يجمع شتات الحركة، وبخاصة أولئك الذين أبعدوا من صفوفها، وعلى رأسهم رجال دحلان، وتحقيق إصلاح ديمقراطي داخلي وترميم الصورة الجماهيرية لفتح”.

رغم النفي

 تخوف إسرائيلي من تحرير البرغوثي ينبع من تقديرها بأنه سيستغل الحرية للدفع بالعنف قدماً. ويستند القلق إلى تصريحاته من سنواته في السجن، والتي برأي الكثيرين تجسد بأنه تطرف في مواقفه؛ مثلاً كتب في رسالة نشرها في الذكرى السنوية العاشرة لوفاة عرفات في 2014: “المواجهة المسلحة تجسد طريق عرفات والمبادئ التي مات آلاف السجناء على أساسها. على السلطة وقف التنسيق الأمني مع إسرائيل فوراً، لأنه لا يخدم إلا الاحتلال”.

 القسام من جهته، يدعي هذا الأسبوع: هذه تخويفات عبثية. أبي هو الشريك المثالي لإسرائيل، والذي يتمسك برؤيا الدولتين، ويحظى بعطف جماهيري واسع، ويمكنه أن يشكل عنواناً مستقراً، موحداً ومتفقاً عليه في الجانب الفلسطيني.

 رغم النفي في إسرائيل حول تحريره، يوجد احتمال ان نرى البرغوثي يعود لينخرط في الساحة الفلسطينية، قريبا. ويمكن للأمر أن يكون لإبعاده إلى الخارج أو عودته إلى الضفة وباحتمال أقل إلى قطاع غزة، الفكرة التي طرحها هو أيضا حسب التقارير في وسائل الإعلام في إطار مباحثات الصفقة.

 وعلى حد قول مسؤول كبير في “فتح” مطلع على الاتصالات بين عائلته ومحاميه وبين قيادة حماس: “معقول الافتراض أن تحريره لن يتحقق في الدفعة الأولى من الصفقة، بل في مراحل لاحقة. حماس لا تصر على عودة البرغوثي إلى الضفة، وشرحت لعائلته بأن عليها أن تفكر بفكرة إبعاده إلى الخارج”.

 في السيناريو السيئ الذي تخشاه إسرائيل، مع تحرره، سيشجع البرغوثي العنف ضد إسرائيل، وبالتوازي سيعمل على المصالحة مع حماس. مثل هذا السيناريو سيستدعي من إسرائيل العمل، وبخاصة إذا ما عمل البرغوثي في الضفة.

 مع ذلك، هناك سيناريو أكثر تعقيداً، تنشأ فيه “معضلة الجولاني 2″، أي السير في طريق زعيم الثوار في سوريا: محاولة بث صورة معتدلة، بما في ذلك إجراء اتصالات مباشرة مع جهات غربية وإسرائيلية، فيما تحوم مسألة أن هذا استعراض تسويقي، في الوقت الذي يواصل فيه البرغوثي في داخله وقف بذرة العنف التي ستتفجر مثلما حصل في الانتفاضة الثانية.

 حتى لو لم يندرج البرغوثي في الصفقة، فمن المتوقع أن يؤثر على الصورة المستقبلية للساحة الفلسطينية، ومنها على الوضع الاستراتيجي لإسرائيل أيضاً. يبدو أنه مصمم على التنافس على قيادة السلطة في انتخابات مستقبلية سواء من داخل السجن أم من المنفى. وإذا ما فاز فيها – كما يتبين من الاستطلاعات – ستتعزز صورة “مانديلا” وينشأ على إسرائيل ضغط خارجي، وبالتوازي سيثور اضطراب داخل السلطة التي ستجد نفسها تحت قيادة رئيس سجن في دولة تقيم معها تنسيقاً مدنياً وأمنياً، رئيس يتمسك بالكفاح ضد تلك الدولة، ولا تكون معه علاقة جارية. سواء من داخل السجن أم من ميادين رام الله، يبدو ان اسم مروان البرغوثي سيشغل إسرائيل والفلسطينيين والشرق الأوسط لزمن طويل آخر.

ميخائيل ميلشتاين

صحيفة يديعوت احرونون العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




«سلاح أبيض» و«أحزمة ناسفة»… تكتيكات جديدة لـ«القسام» في غزة

أثار إعلان «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، في بيانات لها خلال الأيام الأخيرة، تنفيذ عناصرها في مخيم جباليا، شمال قطاع غزة، عمليات بأساليب تكتيكية جديدة ضد القوات الإسرائيلية، الكثير من التساؤلات في أوساط الفلسطينيين والمراقبين حول أسباب لجوئها لذلك.

وأعلنت «القسام» في التاسع عشر من الشهر الحالي، أن أحد عناصرها تمكن من طعن ضابط إسرائيلي و3 جنود من نقطة الصفر والإجهاز عليهم واغتنام أسلحتهم الشخصية في مخيم جباليا، فيما تمكن آخر في اليوم التالي من الإجهاز على قناص إسرائيلي ومساعده من مسافة صفر، وبعد ساعة من الحدث، تنكر بلباس جنود الاحتلال، واستطاع الوصول لقوة مكونة من 6 جنود وتفجير نفسه فيهم بحزام ناسف وإيقاعهم بين قتيل وجريح.

ووفق مراقبين ومتابعين، فإنه للمرة الأولى تعلن «كتائب القسام» منذ بداية الحرب الحالية عن عمليات بهذا التكتيك، كما أنها العملية التفجيرية الثانية باستخدام حزام ناسف التي تقع منذ سنوات طويلة، بعد أن كانت تبنت برفقة «سرايا القدس» الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي» عملية تفجير فلسطيني من نابلس، نفسه في تل أبيب بالتزامن مع الحرب على غزة، ما أدى لإصابة إسرائيلي بجروح، وذلك بتاريخ الثامن عشر من أغسطس (آب) الماضي.

ظروف ميدانية

تقول مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن هاتين العمليتين نفذتا وفق ظروف ميدانية في ظل الهجمة المسعورة الكبيرة التي تنفذها القوات الإسرائيلية في مناطق شمال قطاع غزة، وتحديداً مخيم جباليا، وبلدة بيت لاهيا.

وحسب المصادر ذاتها، فإن الواقع الميداني أجبر عناصر «القسام» على العمل بتكتيكات وأساليب مختلفة، خصوصاً وأن الجيش الإسرائيلي نجح في تحييد الكثير من مقدرات المقاومين، لكنه في الوقت نفسه تلقى ضربات مؤلمة لم يكن يتوقعها منذ بداية العملية.

وقالت المصادر: «المقاومون في الميدان هم من يقررون مصيرهم بأنفسهم وبدون تعليمات قيادية عليا، لكنهم يضعون من هم أعلى منهم رتبة أو رفاقهم بمخططاتهم ويتحركون وفق ذلك، وبناءً على هذا التدرج يتم الإبلاغ بتلك العمليات، وبعضها أحياناً تكون مرت عليه ساعات، وفي بعض العمليات كان يتم الإعلان بعد يوم أو يومين، وفق إتاحة الظروف الميدانية لذلك».

ولعل هذا يفسر ما كان يردده «أبو عبيدة»، الناطق باسم «كتائب القسام»، في خطاباته الأخيرة قبل أشهر قليلة، حين أكد استعدادهم لحرب استنزاف طويلة، بالإشارة منه إلى استخدام تكتيكات «حرب العصابات» التي لا تخفي «حماس» أنها تعتمد عليها في العديد من الهجمات.

ولوحظ أن إسرائيل لم تعلق على بيانات «حماس» أو تعلن خسائرها.

تراجع قوتها

وحسب مصادر ميدانية بغزة، فإن اللجوء لمثل هذا التكتيك بالعادة يشير إلى أن المسلحين لا يملكون أدوات أخرى، ومع مرور أكثر من 70 يوماً على عملية جباليا، فإن هذا يعد طبيعياً، ومجرد بقائهم في تلك المنطقة يحمل في طياته رسالة تحدٍ للإسرائيليين.

وأكدت المصادر أن فصائل المقاومة باتت تفقد قوتها وقدراتها، وتتراجع مع مرور الأيام بفعل الضغط العسكري الإسرائيلي الذي يمارس في العديد من المناطق، مشيرةً إلى أن حجم وعدد العمليات يتراجعان من يوم إلى آخر، خصوصاً في ظل استمرار الاغتيالات لقيادات ونشطاء الفصائل من جانب، واستمرار القوات الاحتلالية باستخدام أساليب وتكتيكات تعتمد بشكل أساسي على سياسة الأرض المحروقة بتدمير كل شيء لكشف أماكن وجود المسلحين والعمل على القضاء عليهم.

وبينت المصادر أن القوات الإسرائيلية منذ بداية هذه الحرب تعمدت استهداف مخازن الأسلحة والصواريخ وغيرها لتحييد أكبر قدر منها، لكن بعض الأسلحة كانت تصنع مع بدايات الحرب ما أبقى أكبر عدد منها متوفراً لدى المسلحين، لكن مع مرور أكثر من 15 شهراً على هذه الحرب، بدأت تفقد الأجنحة المسلحة للفصائل الفلسطينية الكثير من قدراتها.

ولفتت إلى أن ذلك جاء إلى جانب الاستهدافات المركزة من قبل القوات الإسرائيلية ضد الكادر البشري، خصوصاً من العاملين في مجال التصنيع والهندسة والذين عملوا مؤخراً على تصنيع عبوات فراغية وبعض الأحزمة الناسفة وقذائف الهاون، إلى جانب تفخيخ المنازل التي استخدمت بكثرة ضد قوات الاحتلال في جباليا.

رسائل للإسرائيليين

وتقول المصادر من «حماس» إن العمليتين الأخيرتين ستكونان بداية سلسلة عمليات مماثلة ستنفذ وفق ما تتاح الفرصة في الميدان للمقاتلين.

وبينت أن العمليتين تحملان رسائل واضحة للاحتلال الإسرائيلي بأنه في حال نفدت الذخيرة ولم يعد لدى المقاومين أي أنواع أسلحة مؤثرة، فإنهم لن يتوانوا في اللجوء لاستخدام «السلاح الأبيض»، وتنفيذ عمليات طعن على غرار ما يجري بالضفة الغربية، كما أنهم لن يتوانوا في استخدام الأحزمة الناسفة، وكذلك إلقاء القنابل اليدوية عن قرب تجاه تلك القوات.

وقالت المصادر: «المقاومون في الميدان قرروا، ألا يعدموا الوسيلة، وأن يواصلوا مقاومتهم بكل الوسائل».

وأضافت: «المقاومة ستستمر بكل الوسائل والطرق، وهذا يحمل رسالة واضحة أن بقاء القوات الإسرائيلية في غزة سيكون له ثمن ولن يكون سهلاً كما تتوقع إسرائيل».

ويقول المحلل العسكري العقيد المتقاعد من غزة، منير حمد، إنه منذ بداية الحرب البرية، استخدمت «حماس» الكثير من التكتيكات العسكرية المختلفة، التي فاجأت في بعضها القوات الإسرائيلية، بما في ذلك تكثيف استخدامها لقاذف «الياسين 105» الذي أثبت في العديد من العمليات قدرته على تكبيد القوات الإسرائيلية خسائر بشرية ومادية.

وعدَّ أن العمليتين الجديدتين بمثابة تكتيك جديد قد تلجأ «حماس» لاستخدامه كثيراً، مشيراً إلى أن العمليات التفجيرية التي ينفذها مسلحون يحملون أحزمة ناسفة، ستكون له تبعات إيجابية تعود على المقاومين من حيث تكبيد الإسرائيليين خسائر، ومن جهة سيكون سلبياً في تأثيره على السكان الفلسطينيين الذين قد ترتكب القوات الإسرائيلية بحقهم عمليات إعدام ميداني بحجة الاشتباه بهم، وهذا الأمر أيضاً سيكون في حال تكررت عمليات الطعن، وكل ذلك سيكون مكلفاً كما جرى قبل عدة سنوات بالضفة عندما كان يقتل أطفال ونساء وشبان بدم بارد على الحواجز بسبب حركة مشتبه بهم، كانت في كل مرة إسرائيل تدعي أنهم كانوا يحاولون تنفيذ عمليات طعن.

صحيفة الشرق الاوسط




لازاريني: حرب إسرائيل الوقحة على الأونروا لن تنهي مسألة اللاجئين وعلى العالم التحلي بالشجاعة لمنع توقفها

تساءل مفوض وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، أونروا، فيليب لازاريني عن موقف العالم من الهجوم الإسرائيلي على الوكالة.

وفي مقال نشره بصحيفة “الغارديان”، بعنوان “أونروا قد تجبر على التوقف عن إنقاذ الأرواح في غزة، فهل سيسمح العالم بحدوث هذا؟”، أضاف أن الوكالة التي يديرها والتي كلفت بحماية وتقديم الخدمات للاجئين الفلسطينيين على مدى ثلاثة أرباع القرن و”التي أتولى قيادتها، كانت دائما مؤقتة. وكتبت نهايتها منذ ولادتها. والخيار أمامنا اليوم هو ما إذا كان علينا التخلص من استثمار استمر على عقود من الزمان في التنمية البشرية وحقوق الإنسان وتفكيك الوكالة بشكل فوضوي بين عشية وضحاها، أو متابعة عملية سياسية منظمة تواصل فيها الأونروا توفير التعليم والرعاية الصحية لملايين اللاجئين الفلسطينيين إلى أن تتولى المؤسسات الفلسطينية المتمكنة هذه الخدمات. وقد تضطر الوكالة إلى وقف عملها في الأراضي الفلسطينية المحتلة الشهر المقبل إذا تم تنفيذ التشريع الذي أقره البرلمان الإسرائيلي”.

المفوض العام: قد تضطر الأونروا إلى وقف عملها في الأراضي الفلسطينية المحتلة الشهر المقبل إذا تم تنفيذ التشريع الذي أقره البرلمان الإسرائيلي

 وقال إن هذه القوانين من شأنها أن تعيق الرد الإنساني في غزة وتحرم الملايين من اللاجئين الفلسطينيين من الخدمات الأساسية في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية. والأهم من هذا فأي تحرك كهذا من شأنه أن “يقضي على شاهد علني على الأهوال والظلم الذي لا يعد ولا يحصى الذي عانى منه الفلسطينيون لعقود من الزمان”.

وأضاف لازاريني أن الجهود الإسرائيلية الوقحة لإحباط إرادة المجتمع الدولي والتي عبرت عنها قرارات الأمم المتحدة المتعددة، قد تؤدي إلى تفكيك وكالة تابعة للأمم المتحدة بمفردها بإدانة عامة وغضب تلاشى إلى حد كبير وأصبح جمودا سياسيا. وقال إن الافتقار إلى الشجاعة السياسية والقيادة المبدئية عندما يكون الأمر ملحا لا يبشر بالخير لنظامنا المتعدد الأطراف.

ولكن ماذا عن المحك؟

يجيب لازاريني أنه بالنسبة للاجئين الفلسطينيين، فإن الأمر يتعلق بحياتهم ومستقبلهم. وسوف يكون تأثير منع الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية الأخرى مدمرا وممتدا إلى أجيال عديدة. فـ “التواطؤ في هذا المسعى لا يؤدي إلى تآكل إنسانيتنا فحسب، بل وإلى تآكل شرعية نظامنا المتعدد الأطراف أيضا. إن الغياب شبه الكامل للعقوبات السياسية أو الاقتصادية أو القانونية عن الانتهاكات الصارخة لاتفاقيات جنيف، والتجاهل التام لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة، والتحدي العلني لأحكام محكمة العدل الدولية، يجعل النظام الدولي القائم على القواعد موضع سخرية”.

وأضاف أن الحرب على غزة ترافق معها هجوم على من يتحدثون دفاعا عن حقوق الإنسان والقانون الدولي وضحايا الحرب البربرية، و”فجأة يتم تصنيف العاملين في المجال الإنساني الذين خدموا لعقود من الزمن السكان المتضررين من الحرب على أنهم إرهابيون أو متعاطفون مع الإرهابيين. ويتم ترهيب ومضايقة منتقدي سياسات الحكومة الإسرائيلية وأفعالها. والآن يتم نشر الدعاية التحريضية التي ترعاها وزارة الخارجية الإسرائيلية على لوحات إعلانية في مواقع رئيسية في الولايات المتحدة وأوروبا، وتكملها إعلانات غوغل التي تروج لمواقع الويب المليئة بالمعلومات المضللة. وهذه جهود ممولة جيدا لصرف الانتباه عن وحشية الاحتلال غير القانوني والجرائم الدولية التي تُرتكب بإفلات تام من العقاب تحت أبصارنا”.

يتم نشر الدعاية التحريضية التي ترعاها وزارة الخارجية الإسرائيلية على لوحات إعلانية في مواقع رئيسية في الولايات المتحدة وأوروبا، وتكملها إعلانات غوغل التي تروج لمواقع الويب المليئة بالمعلومات المضللة

ويقول لازاريني إن الحكومة الإسرائيلية والمتواطئين معها يبررون الهجوم ضد أونروا بزعم أن حماس اخترقت الوكالة، على الرغم من أن جميع الادعاءات التي قدمت مع أدلة تم التحقيق فيها بدقة. وفي الوقت نفسه، تتهم حماس قيادة الأونروا بالتواطؤ مع الاحتلال الإسرائيلي وتعارض جهود الوكالة لتعزيز حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين. وبعيدا عن كونها طرفا في الصراع، فإن الأونروا ضحية لهذه الحرب.

وأضاف لازاريني أن الهدف من الجهود الرامية إلى تشويه سمعة الأونروا وتفكيكها في نهاية المطاف بسيط: القضاء على وضع اللاجئين الفلسطينيين وتحويل المعايير الراسخة منذ فترة طويلة لحل سياسي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني من طرف واحد. ويعلق أن السعي الأعمى لتحقيق هذا الهدف يتجاهل حقيقة مفادها أن وضع اللاجئين الفلسطينيين ليس مرتبطا بالأونروا، وهو مكرس في قرار للجمعية العامة سبق إنشاء الوكالة.

ويقول لازاريني: “اليوم، يقف المجتمع الدولي على مفترق طرق، وفي اتجاه واحد هناك عالم تخلى عن التزاماته لتوفير رد سياسي على المسألة الفلسطينية. إنه عالم بائس، حيث تتحمل إسرائيل، باعتبارها القوة المحتلة، المسؤولية الوحيدة عن السكان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وربما تتعاقد مع جهات خاصة لا تخضع بدرجة كبيرة لمساءلة أمام المجتمع الدولي”.

 أما في الاتجاه الثاني، فهناك عالم لا يزال فيه نظام ثابت يقوم على القوانين والقواعد ويتم عبرها حل القضية الفلسطينية بالوسائل السياسية.

و”هذا هو المسار الذي يسير عليه حاليا التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، بقيادة السعودية والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية. ويهدف هذا الجهد، الذي يحيي مبادرة السلام العربية، إلى إرساء مسار لا رجعة فيه نحو حل الدولتين، وبناء قدرات الإدارة الفلسطينية التي ستحكم دولة فلسطين المستقبلية، بما فيها غزة”.

 ويرى لازاريني أن هذا هو الطريق الذي أنشئت أونروا لدعمه، و”في انتظار إقامة الدولة الفلسطينية، ستكون الوكالة حاسمة في ضمان عدم الحكم على الأطفال في غزة بالعيش بين الأنقاض وبدون تعليم وبدون أمل. ولا يمكن لأي كيان آخر، باستثناء الدولة العاملة أن يوفر التعليم لمئات الآلاف من الفتيات والفتيان، والرعاية الصحية الأولية لملايين الفلسطينيين. وفي إطار الحل السياسي، تستطيع أونروا أن تنهي ولايتها تدريجيا، حيث يصبح معلموها وأطباؤها وممرضاتها قوة عاملة في المؤسسات الفلسطينية الراسخة”.

وختم لازاريني مقاله بالقول: “لا يزال أمامنا فرصة سانحة لتجنب مستقبل كارثي حيث تعمل القوة الضاربة والدعاية على بناء النظام العالمي، وتحديد متى وأين تنطبق حقوق الإنسان وسيادة القانون، إن كان ذلك ممكنا على الإطلاق. فالأدوات والمؤسسات اللازمة للدفاع عن نظامنا المتعدد الأطراف والنظام القائم على القواعد موجودة وكافية، وما علينا سوى العثور على الشجاعة السياسية لاستخدامها”.

صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




لبيد إزاء التطبيع مع السعودية: لن نحصل على “الكأس المقدسة” إلا بـ “حكومة وسط”

الصفقة السعودية هي اللعبة الأكثر أهمية والوحيدة في الملعب السياسي. تحالف إقليمي بإدارة أمريكية – سعودية – إسرائيلية يمكنه أن يقترح حكماً بديلاً في غزة، وبناء جبهة أمام إيران ومشروعها النووي، واشتراط إعمار لبنان وسوريا بترتيبات أمنية ثابتة ووضع أفق للقضية الفلسطينية، الذي سيوقف انهيار مكانتنا الدولية.

“اتفاق التطبيع” حالة نادرة، فيها فكرة منظمة واحدة تحل عدة مشاكل أمنية استراتيجية. في الوقت نفسه، تخلق أفقاً سياسياً وفرصاً اقتصادية مثيرة في منطقة كاملة. هذه الصفقة هي المرساة الرئيسية للبرنامج السياسي الذي طرحته مؤخراً، وهو أحد الأمور القليلة التي تتفق عليها كل من إدارة بايدن وإدارة ترامب. باستثناء المتطرفين الذين سيطروا على الحكومة، فإن الجميع يعرفون أن هذه الصفقة حيوية لأمن إسرائيل واقتصادها.

هذه الصفقة لن تحققها إلا حكومة وسط في إسرائيل، لسببين: حلف دفاع بين أمريكا والسعودية، لكنه يحتاج إلى أغلبية الثلثين في مجلس الشيوخ. أي أن إدارة أمريكا تحتاج إلى صوت 15 سيناتوراً في الحزب الديمقراطي (إذا لم يعارض الانفصاليون في الحزب الجمهوري)، إضافة إلى أصوات السيناتورات في الحزب الجمهوري.

المشكلة أن الديمقراطيين في مزاج سيئ تجاه حكومة اليمين المطلقة. القيادة الديمقراطية تكره نتنياهو، ولا مصلحة لها في مساعدة حكومته والتعرض للإدانة بسبب ذلك في قاعدتها. أما حكومة وسط في إسرائيل فقد تعمل إلى جانب إدارة ترامب، الذي معه لنا الآن علاقات جيدة ودافئة، ويمكن جلب أصوات الديمقراطيين المطلوبة لتمرير الصفقة في مجلسي الشيوخ والنواب.

السبب الثاني هو العامل الفلسطيني. الحكومة الحالية غير قادرة على إعطاء السعودية حتى القليل مما تطلبه في المسألة الفلسطينية، من تعاون رمزي للسلطة في إدارة قطاع غزة، والإعلان بأن إسرائيل ستوقف كل الهذيانات الخطيرة حول “ضم المناطق” [ضم الضفة الغربية]، رغم أنها تخلت عن إمكانية الانفصال عن الفلسطينيين على أساس حل الدولتين في المستقبل.

يمكن تقييد هذا القليل بشروط غير بسيطة يجب على الفلسطينيين تحقيقها. ولكن لا يوجد في الحكومة الحالية من يمكن التحدث معه. بن غفير وسموتريتش والفرع المزدهر لحزب “قوة يهودية”، الذي نما في الليكود، سيستمرون في قول “لا” لأي اقتراح. وسيواصل الحريديم التساوق مع شارعهم.

أما حكومة وسط في إسرائيل في المقابل، فربما تطرح عدة شروط صعبة وواقعية من أجل التقدم أمام الأمريكيين والسعوديين. ستتأكد من أنه لن يكون للسلطة الفلسطينية أي صلة بالشؤون الأمنية في غزة، وأن أي تقدم سياسي سيكون مشروطاً بإصلاح شامل في مناهج التعليم الفلسطينية وفي مكافحة الإرهاب.

هذه عملية تستغرق سنوات، سيكون فيها على السلطة الفلسطينية أن تثبت ذلك، وهذا عبء كبير. في هذه السنين، يمكن العمل مع شركاء إقليميين أقوياء لإسقاط النظام في إيران والقضاء على مشروعها النووي والتأكد من تشكيل قيادة بديلة لحماس في غزة، وترسيخ الحدود في سوريا ولبنان، والبدء في بناء اتفاقات سياسية ثابتة معهما.

اتفاق التطبيع مع السعودية هو “الكأس المقدسة” للسياسة الإسرائيلية. والطريقة الوحيدة للتوصل إليه هي حكومة وسط.

يائير لابيد – رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




معاريف: إسرائيل فشلت في التصدي للحوثيين

قالت صحيفة “معاريف” العبرية، السبت، إن إسرائيل فشلت منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، في التصدي لتهديدات الحوثيين الذي أطلقوا على أراضيها أكثر من 200 صاروخ باليستي و170 مسيّرة.

جاء ذلك في تقرير للصحيفة عقب إصابة 20 إسرائيليا جراء سقوط صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون على تل أبيب وسط إسرائيل.

وصباح السبت، نقلت القناة (12) الإسرائيلية الخاصة عن مستشفى وولفسون في مدينة حولون قولها: “وصل إلى المستشفى الليلة (مساء الجمعة) 20 مصابا بجروح طفيفة، بينهم أطفال، إثر إطلاق صاروخ من اليمن”.

وقالت “معاريف”: “يجب أن ننظر إلى الواقع ونعترف بصوت عال أن إسرائيل فشلت في مواجهة تحدي الحوثيين من اليمن، واستيقظت متأخرة جداً في مواجهة التهديد القادم من الشرق”.

وأضافت: “الجيش الإسرائيلي يواجه صعوبة في مواجهة التهديد من اليمن، في الدفاع والهجوم. ومنذ أكثر من عام، ألحق الحوثيون أضرارًا جسيمة بالاقتصاد الإقليمي بشكل عام، وبالاقتصاد الإسرائيلي بشكل خاص”.

أطلق الحوثيون 201 صاروخ وأكثر من 170 طائرة مسيرة متفجرة على إسرائيل منذ بداية الحرب

وتابعت: “أطلق الحوثيون 201 صاروخ وأكثر من 170 طائرة مسيرة متفجرة على إسرائيل منذ بداية الحرب، وتم اعتراض معظم الصواريخ والطائرات المسيرة من قبل الأمريكيين والقوات الجوية والبحرية الإسرائيلية”.

وحسب الصحيفة، “لم تكن إسرائيل مستعدة استخباراتيا وسياسيا لمواجهة تهديد الحوثيين من اليمن. ولم تشكل تحالفا إقليميا لمواجهة التهديد الذي يضر اقتصاديا بمصر والأردن وأوروبا”.

وقالت الصحيفة: “استيقظ الجيش الإسرائيلي والاستخبارات بعد فوات الأوان في مواجهة التهديد ويحاولون الآن فقط في الموساد والاستخبارات العسكرية (أمان) البحث عن مصادر هنا وهناك لتكوين صورة استخباراتية عن الحوثيين”.

وأوضحت “معاريف” أن “هجمات القوات الجوية الإسرائيلية الثلاث على الحوثيين كانت مجرد جولات من العلاقات العامة والقليل من النيران، وأقل بكثير من نشاط حقيقي يسبب أضرارًا عسكرية فعلية تخلق توازن الرعب أو نوعًا من الردع في مواجهة الحوثيين”.

وأشارت إلى أن “الإيرانيين استثمروا أكثر في الحوثيين في الأسابيع الأخيرة بعد انهيار المحور الشيعي، وجعلوا الحركة زعيمة المحور”.

واعتبرت الصحيفة أن الصواريخ والطائرات المسيرة التي يتم إطلاقها من اليمن من “صنع إيران التي تقوم بتحسين مسارات طيران المسيرات، ما يجعل من الصعب على القوات الجوية الإسرائيلية رصدها”.

هجمات القوات الجوية الإسرائيلية الثلاث على الحوثيين كانت مجرد جولات من العلاقات العامة والقليل من النيران،

وقالت إن التحسينات في الصواريخ الباليستية أيضا تمكنت من التغلب على صواريخ “السهم” التي تنتجها شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية.

وأقرت الصحيفة بأن “المشروع الرئيسي للدفاع الجوي (منظومة “حيتس”/السهم)، فشل لأربع مرات متتالية في محاولته اعتراض الصواريخ الباليستية؛ ثلاثة من اليمن وواحد من لبنان”.

وقالت: “المحزن في الأمر برمته أن إسرائيل لا تبلور خطة حقيقية ضد التهديد القادم من الشرق”.

وأشارت إلى أنه “مع كل صاروخ يتم إطلاقه من اليمن تجاه منطقة تل أبيب الكبرى، يهرب مليونا مواطن، إلى الملاجئ والمناطق المحمية”.

وانتقدت الصحيفة ضعف الرد العسكري الإسرائيلي على الحوثيين، وقالت: “تمتلك إسرائيل أسطولا من سفن الصواريخ والغواصات التي لا تُستخدم فعليا لسبب ما ضد الحوثيين في اليمن”.

وأضافت: “لدى إسرائيل قيادة “الدائرة الثالثة” داخل الجيش الإسرائيلي، والتي كان من المفترض أن تنسق مع الاستخبارات في المنطقة الشرقية وقدرات الهجوم. وفوق كل شيء، تمتلك إسرائيل سلاح الجو”.

وقيادة “الدائرة الثالثة” هي شعبة تابعة لقيادة الأركان العامة الإسرائيلية، تأسست عام 2020، بهدف تركيز أنشطة الجيش الإسرائيلي ضد دول ليست مجاورة لإسرائيل.

واعتبرت الصحيفة أن “قصف خزان وقود أو بعض زوارق القطْر القديمة في ميناء صغير في اليمن يشبه تماماً قصف الكثبان الرملية في غزة، أو موقع من الورق المقوى لحماس أمام (مستوطنة) ناحال عوز (بغلاف غزة)”.

وقالت إنه “يتعين على إسرائيل أن تتخذ قرارا حقيقيا للتصرف بشكل حاسم ليس فقط في اليمن، بل أيضاً ضد القائمين على أنشطة الحوثيين والمبادرين إليها، والذين على حد علم المخابرات الإسرائيلية، لا يتمركزون في صنعاء بل في طهران”.

وقال الجيش الإسرائيلي، مساء الجمعة، في بيان نشره بحسابه على منصة “إكس”: “عقب صفارات الإنذارات التي تم تفعيلها منذ قليل وسط البلاد، تم رصد إطلاق صاروخ واحد من اليمن، ولم تنجح محاولات اعتراضه، ورصد سقوطه في المنطقة”.

وصباح السبت، أعلن الإسعاف الإسرائيلي إصابة 16 شخصا بجروح طفيفة جراء شظايا الزجاج الناجمة عن سقوط صاروخ أُطلق من اليمن في تل أبيب، قبل الإعلان عن ارتفاع حصيلة المصابين إلى 20.

من جانبها، أعلنت جماعة الحوثي اليمنية، السبت، أنها قصفت هدفا عسكريا إسرائيليا في مدينة يافا المحتلة (وسط) بصاروخ باليستي فرط صوتي “فلسطين 2”.

وفي بيان متلفز، قال المتحدث العسكري لقوات الجماعة يحيى سريع: “الصاروخ الفرط صوتي على يافا أصاب هدفه بدقة، ومنظومات العدو الاعتراضية فشلت في التصدي له”.

وصباح الخميس، شنت إسرائيل سلسلة غارات على العاصمة اليمنية صنعاء ومحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر غربي البلاد، الواقعتين تحت سيطرة الحوثيين.

ووقتها، أفادت وسائل إعلام تابعة لجماعة الحوثي اليمنية بأن إسرائيل شنت سلسلة غارات استهدفت موانئ وبنى تحتية للطاقة في العاصمة صنعاء، ومحافظة الحُديدة على ساحل البحر الأحمر (غرب)، وتسببت باستشهاد 9 مواطنين وإصابة 3.

ويعد هذا ثالث هجوم تشنه إسرائيل على اليمن منذ بداية الإبادة بغزة في أكتوبر 2023، حيث كان الأول في يوليو/ تموز والثاني في سبتمبر/ أيلول 2024، عبر استهداف ميناء الحديدة ومنشآت الوقود في محطة توليد الكهرباء بالمدينة.

ونقلا عن أخبار قناة “المسيرة” التابعة للحوثيين، تعرضت صنعاء لـ 6 غارات، فيما استُهدفت الحديدة بـ 10 غارات إسرائيلية خلال الأيام القليلة الماضية.

صحيفة معاريف العبرية

ترجمة وكالة الاناضول




إسرائيل للسعودية: التطبيع مقابل “مسار ضبابي”.. و”صفقة” على مرحلتين 

توصلت إسرائيل والسعودية مؤخراً إلى اختراق بخصوص الاتصالات للتطبيع، الذي قد يسمح أيضاً بالتوصل إلى صفقة لإطلاق سراح المخطوفين وإنهاء الحرب في قطاع غزة، هذا ما علمت به “هآرتس”. مصادر مطلعة على الاتصالات قالت بأنه بدلاً من اعتراف إسرائيل بالدولة الفلسطينية بشكل صريح، كما تطلب السعودية حتى الآن، وافق الطرفان على منح إسرائيل للمملكة تعهداً ضبابياً بـ “مسار باتجاه دولة فلسطينية”. هذا الأمر سيسمح للسعودية بالوفاء بتعهدها عدم التخلي عن الفلسطينيين وتركهم لمصيرهم.

 في الفترة الأخيرة، أجرت إسرائيل والسعودية اتصالات للتطبيع بينهما وإنهاء الحرب في القطاع، وهو ما تم تسريعه بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان. رئيس الحكومة، نتنياهو، يجري المفاوضات بواسطة وزير الشؤون الاستراتيجية رون ديرمر، في حين تم إقصاء الحكومة والكابنيت السياسي الأمني عما يحدث. الولايات المتحدة تعمل كوسيطة وضامنة لهذه الاتصالات، في حين تقوم إسرائيل بتنسيق ذلك مع إدارة بايدن ومع الرئيس المنتخب ترامب، الذي قد تعطي إدارته الطرفين المقابل على شكل حلف دفاع بين الولايات المتحدة والسعودية وبيع منظومات سلاح أمريكية للدولتين وما شابه.

 خلال سنين، كررت السعودية طلبها أن تعترف إسرائيل بالدولة الفلسطينية. وفي أيلول، أعلن وزير الخارجية، فيصل بن فرحان، عن إقامة تحالف للدول العربية ومنظمات دولية التي سوقت هذا الاعتراف الدولي. 

تطبيع العلاقات قد يسمح بالمضي بصفقة لإطلاق سراح المخطوفين المحتجزين لدى حماس، لأن السعودية معنية بالتوصل إلى إنهاء الحرب، وتريد المشاركة في إعادة إعمار غزة. تشعر السعودية أنها ملزمة بمساعدة الفلسطينيين في القطاع، الذي تدمر بالكامل. في حين توجد لإسرائيل مصلحة في التوصل إلى تعاون الدول العربية المعتدلة في إعادة إعمار القطاع، وتدفق الأموال السعودية إليه بعد انتهاء الحرب.

 حسب المنشورات، ستكون الصفقة المخطط لها على مرحلتين: الأولى ستشمل إطلاق سراح المجندات والنساء والمرضى والمسنين فوق سن 50 سنة، وفي المقابل تطلق إسرائيل سراح مئات السجناء الفلسطينيين، من بينهم قتلة مدانين. وسيتوقف القتال في القطاع لفترة غير معروفة، وستنسحب منه إسرائيل على مراحل، غير معروفة طبيعتها وموعدها. في هذه الفترة، سيتم استكمال المرحلة الثانية للصفقة، التي ستشمل التوقيع على اتفاق لتطبيع العلاقات مع السعودية، في حين أن السعودية، إلى جانب تحالف الدول الذي سيشمل السلطة الفلسطينية، هي التي ستقود إعادة إعمار القطاع وستضمن أمن إسرائيل على الحدود الجنوبية.

 في الائتلاف الحكومي الآن معارضة للخطة المقترحة لصفقة تحرير المخطوفين وتدخل السلطة الفلسطينية في إعادة إعمار القطاع، بحيث لا يمكن معرفة هل ستتم المصادقة على الاتفاق في الحكومة. أول أمس، أعلنت قائمة “قوة يهودية” أنه “بسبب إجراء المفاوضات لعقد صفقة غير مسؤولة”، إلى جانب رفض طرح مشروع قرار لإقالة المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهراف ميارا، للتصويت عليه، فإنها لا تعتبر نفسها ملزمة بموقف الائتلاف، وتنوي التصويت في الكنيست بما تراه مناسباً. أما قائمة “الصهيونية الدينية” فتعارض صفقة إعادة المخطوفين التي ستشمل إطلاق سراح مخربين.

 مكتب رئيس الحكومة رد على ذلك، وقال إن “التقرير عن التزام إسرائيل بالتمكين من “مسار نحو الدولة الفلسطينية” هو كذب مطلق. وقال المكتب بأن “رئيس الحكومة نتنياهو عمل ويعمل ضد إقامة الدولة الفلسطينية التي ستعرض أمن إسرائيل للخطر”.

حاييم لفنسون

صحيفة هآرتس العبرية

ترجمة صحيفة القدس العربي




«هيومن رايتس ووتش»: إسرائيل ترتكب الإبادة الجماعية وأفعالها في غزة

اتهمت منظمة “هيومن رايتس ووتش” الحقوقية العالمية إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة وأفعال الإبادة الجماعية في غزة، من خلال الحرمان من المياه على نطاق واسع يهدّد الحياة.
وقالت «في تقرير أصدرته أمس إن السلطات الإسرائيلية تتعمّد حرمان المدنيين الفلسطينيين في غزة من المياه الكافية منذ تشرين الأول /أكتوبر 2023، ما أدى على الأرجح إلى وفاة الآلاف و»بالتالي ارتكبت الجريمة ضد الإنسانية المتمثّلة في الإبادة، كما ارتكبت أفعال الإبادة الجماعية».
وفي التقرير الصادر في 184 صفحة، «الإبادة وأفعال الإبادة الجماعية: تعمُّد إسرائيل حرمان الفلسطينيين في غزة من المياه»، وجدت «هيومن رايتس ووتش» أن السلطات الإسرائيلية حرمت الفلسطينيين في غزة عمداً من المياه الآمنة للشرب والصرف الصحي اللازمة للحد الأدنى من بقاء الإنسان على قيد الحياة.
وذكرت أن السلطات والقوات الإسرائيلية «أوقفت ضخّ المياه إلى غزة ثم قيّدت ذلك لاحقاً؛ وعطّلت معظم البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة بقطع الكهرباء وتقييد الوقود؛ وتعمّدت تدمير البنية التحتية للمياه، والصرف الصحي، ومواد معالجة المياه وإصابتها بأضرار؛ ومنعت دخول إمدادات المياه الأساسية».
وقالت تيرانا حسن، المديرة التنفيذية لـ «هيومن رايتس ووتش: «المياه أساسية للحياة الإنسانية، ومع ذلك، تتعمّد الحكومة الإسرائيلية منذ أكثر من عام حرمان الفلسطينيين في غزة من الحدّ الأدنى الذي يحتاجون إليه للبقاء على قيد الحياة. هذا ليس مجرد إهمال؛ إنها سياسة حرمان مدروسة أدت إلى وفاة الآلاف جراء الجفاف والمرض، وهو ما لا يقل عن الجريمة ضد الإنسانية المتمثّلة في الإبادة وأحد أفعال الإبادة الجماعية».
وأجرت «هيومن رايتس ووتش» مقابلات مع 66 فلسطينياً من قطاع غزة، و4 موظفين في «مصلحة مياه بلديات الساحل «في القطاع، و31 موظفاً طبياً، و15 شخصاً يعملون مع وكالات «الأمم المتحدة» ومنظمات الإغاثة الدولية في غزة.
كما حلّلت صوراً من الأقمار الصناعية وصوراً فوتوغرافية وفيديوهات مُلتقطة بين بداية الأعمال العدائية في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وسبتمبر/أيلول 2024، وبيانات جمعها أطباء، وعلماء أوبئة، ومنظمات إغاثية، وخبراء في المياه والصرف الصحي.
وخلُصت «هيومن رايتس ووتش» إلى أن «السلطات الإسرائيلية خلقت عمداً ظروفاً معيشية مُصمّمة لإلحاق التدمير المادي بالفلسطينيين في غزة كلياً أو جزئياً».
وقالت في بيان «هذه السياسة، التي فُرضت كجزء من القتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين في غزة، تعني أن السلطات الإسرائيلية ارتكبت الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبادة، والتي ما تزال مستمرة. كما ترقى هذه السياسة إلى أحد «أفعال الإبادة الجماعية» الخمسة بموجب «اتفاقية الإبادة الجماعية» لعام 1948. ومن الممكن أيضاً استنتاج وجود قَصد للإبادة الجماعية من هذه السياسة، إلى جانب التصريحات التي تشير إلى أن بعض المسؤولين الإسرائيليين رغبوا في تدمير الفلسطينيين في غزة، وبالتالي فإن هذه السياسة قد ترقى إلى مستوى جريمة الإبادة الجماعية».
وأشارت إلى أنه «مباشرة بعد الهجمات التي شنتها الفصائل المسلحة الفلسطينية بقيادة «حماس» في جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر /تشرين الأول 2023، والتي وجدت «هيومن رايتس ووتش» أنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، قطعت السلطات الإسرائيلية كل الكهرباء والوقود عن قطاع غزة»، وفي 9 أكتوبر /تشرين الأول، أعلن وزير الدفاع آنذاك يوآف غالانت «حصاراً كاملاً» لغزة، قائلاً: «لن تكون هناك كهرباء، ولا طعام، ولا مياه، ولا وقود، كل شيء مغلق».
وتابعت «في اليوم نفسه، ولعدة أسابيع بعد ذلك، قطعت السلطات الإسرائيلية كل المياه ومنعت دخول الوقود، والغذاء، والمساعدات الإنسانية إلى القطاع. تواصل السلطات الإسرائيلية تقييد دخول المياه والوقود والغذاء والمساعدات إلى غزة، وقطع الكهرباء عن غزة، وهي ضرورية لتشغيل البنية التحتية اللازمة لاستمرار الحياة. استمر ذلك حتى بعد أن أقرّت «محكمة العدل الدولية» تدابير مؤقتة في يناير/كانون الثاني ومارس/آذار ومايو/أيار 2024 تأمر فيها السلطات الإسرائيلية بحماية الفلسطينيين من الإبادة الجماعية وتوفير المساعدات الإنسانية ضمن هذه الحماية، وحدّدت في مارس/آذار أن ذلك يشمل المياه، والغذاء، والكهرباء، والوقود».
كما منعت السلطات الإسرائيلية أيضاً دخول جميع المساعدات المتعلقة بالمياه تقريباً إلى غزة، بما فيها أنظمة تنقية المياه، وخزانات المياه، والمواد اللازمة لإصلاح البنية التحتية للمياه.
و»بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأغسطس/آب 2024، أفادت مصلحة مياه بلديات الساحل في غزة، والأمم المتحدة، ومصادر أخرى أن الناس في القطاع لم يتمكنوا من الحصول على الحد الأدنى من المياه اللازمة للبقاء على قيد الحياة في حالات الطوارئ الطويلة الأمد. في شمال غزة، أفادت الأمم المتحدة أن الناس لم يتمكنوا من الحصول على مياه الشرب لأكثر من خمسة أشهر، بين نوفمبر/تشرين الثاني 2023 وأبريل/نيسان 2024. في حين أظهرت دراسة في أغسطس/آب حول توفر المياه، أن وصول الناس إلى المياه ازداد، إلا أن معظم الناس ما زالوا لا يحصلون على المياه الكافية اللازمة للشرب والطهي».
ووجدت «هيومن رايتس ووتش» أن «القوات الإسرائيلية تعمّدت مهاجمة العديد من المرافق الرئيسية للمياه، والصرف الصحي، والنظافة الصحية وإلحاق الضرر بها أو تدميرها «.
و»في حالات عدة، وجدت «هيومن رايتس ووتش» أدلّة على أن القوات البرية الإسرائيلية كانت تسيطر على المناطق في ذلك الوقت، ما يُشير إلى أن التدمير كان متعمداً.»
ورأت أن «تدمير نظام الرعاية الصحية في غزة، بما فيه تتبُّع الرعاية الصحية، يعني أن الحالات المؤكدة للأمراض، والعلل، والوفيات التي يُحتمل ارتباطها بالأمراض المنقولة بالمياه، والجفاف، والجوع لا يتم تَتبّعها أو الإبلاغ عنها منهجياً.»
وأضافت «مع ذلك، بناءً على مقابلات مع مختصين بالرعاية الصحية وعلماء الأوبئة، فمن المرجح أن يكون آلاف الناس قد توفوا نتيجة أفعال السلطات الإسرائيلية. تضاف هذه الوفيات إلى أكثر من 44 ألف شخص قتلوا مباشرة في الأعمال العدائية، كما سجلت وزارة الصحة في غزة».
كما أصيب مئات الآلاف بأمراض وحالات صحية من المرجح أن يكون الحرمان من المياه الآمنة والكافية تسبب أو ساهم فيها، منها الإسهال، والتهاب الكبد الوبائي، والأمراض الجلدية، والتهابات الجهاز التنفسي العلوي».
وقالت إن «الحرمان من المياه ضارٌ بشكل خاص بالرضَّع، والنساء الحوامل والمرضعات، والأشخاص ذوي الإعاقة».
وتابعت «جريمة الإبادة الجماعية تتطلب ارتكاب أفعال الإبادة الجماعية بقصد الإبادة الجماعية. وقالت محكمة العدل الدولية إنه لاستنتاج هذا القصد في نمط سلوك الدولة، يجب أن يكون هذا القصد «الاستنتاج المعقول الوحيد الذي يمكن استخلاصه» من الأفعال المعنية».
وأكدت هيومن رايتس ووتش أن النتائج التي خلُصت إليها، و»التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين التي تُشير إلى أنهم كانوا يرغبون في تدمير الفلسطينيين في غزة، قد تُشير إلى مثل هذا القصد».
كما «وجدت هيومن رايتس ووتش أن بعض التصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الإسرائيليين الذين دعوا إلى قطع المياه والوقود والمساعدات، بالتزامن مع أفعالهم، ترقى إلى تحريض مباشرٍ وعلني على الإبادة الجماعية».
واعتبرت أن «الحصار المستمر الذي تفرضه الحكومة الإسرائيلية على غزة، كما الإغلاق الذي تفرضه منذ أكثر من 17 عاماً، يرقى أيضاً إلى عقاب جماعي للسكان المدنيين، وهو جريمة حرب. يشكل الإغلاق أيضاً جزءاً من الجريمتين المستمرتين ضد الإنسانية المتمثلتين في الفصل العنصري والاضطهاد، اللتين ترتكبهما السلطات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين».
وقالت «قوّضت العديد من الحكومات جهود المساءلة واستمرت بتزويد الحكومة الإسرائيلية بالأسلحة رغم الخطر الواضح المتمثل في التواطؤ في انتهاكات خطيرة للقانون الإنـــساني الدولي».
وقالت تيرانا حسن: «ينبغي للحكومات ألا تساهم في الجرائم الخطيرة التي يرتكبها المسؤولون الإسرائيليون في غزة، ومنها الجرائم ضد الإنسانية وأفعال الإبادة الجماعية، وأن تتخذ كل الخطوات الممكنة لمنع المزيد من الأذى. على الحكومات التي تسلّح إسرائيل أن تضع حداً لخطر التواطؤ في الجرائم الفظيعة في غزة، وتتّخذ إجراءات فورية لحماية المدنيين بحظر الأسلحة، والعقوبات الموجهة، ودعم العدالة».




إنترسبت: لماذا يواصل الكونغرس حماية إسرائيل وإخفاء أرقام ضحايا حرب غزة؟

نشر موقع “ذي إنترسبت” تقريرا أعدته جيسيكا واشنطن قالت فيه إنه يوجد بند غير ملحوظ في مشروع قانون الدفاع السنوي يمنع البنتاغون من الاستشهاد بمعلومات واردة عن وزارة الصحة في غزة كمصدر موثوق.

ويمر مشروع قانون البنتاغون بقيمة 895 مليار دولار عبر الكونغرس ويحتوي على بند صغير يهدف لإخفاء حصيلة القتلى في غزة بشكل أكبر، وهو أحدث جهد من جانب صناع السياسات في الولايات المتحدة لإثارة الشك حول أرقام الضحايا التي أبلغ عنها مسؤولو الصحة الفلسطينيون.

وافق مجلس النواب على قانون تفويض الدفاع الوطني لهذا العام، يوم الأربعاء وأرسله إلى مجلس الشيوخ للتصويت عليه، على الرغم من اعتراضات الديمقراطيين على اقتراح الحزب الجمهوري بمنع الأطفال المتحولين جنسيا الموجودين على التأمين الصحي العسكري من تلقي الرعاية التي تؤكد الجنس.

لقد حظي البند المتعلق بعدد القتلى في مشروع القانون الذي يجب تمريره، والذي تم تمريره بأغلبية 281 صوتا مقابل 140 صوتا مع 81 صوتا ديمقراطيا، باهتمام أقل بكثير. من شأنه أن يمنع البنتاغون من الاستشهاد علنا ببيانات الضحايا “الموثوقة” من وزارة الصحة في غزة، مما يخفي فعليا المدى الكامل لعدد القتلى في غزة في الاتصالات العامة للجيش.

وكانت البيانات من السلطات الفلسطينية هي الإحصاء الوحيد المتسق والموثوق لعدد القتلى من غزة على مدى الأشهر الأربعة عشر الماضية، حيث حرمت إسرائيل باستمرار العاملين في مجال حقوق الإنسان من الوصول إلى القطاع ومنعت الصحافيين الأجانب من الدخول.

البيانات من السلطات الفلسطينية هي الإحصاء الوحيد المتسق والموثوق لعدد القتلى من غزة على مدى الأشهر الأربعة عشر الماضية

وقالت النائبة إلهان عمر، ديمقراطية من ولاية مينيسوتا، في بيان لموقع إنترسبت: “هذا محو مثير للقلق لمعاناة الشعب الفلسطيني، وتجاهل الخسائر البشرية للعنف المستمر”.

لا يشير البند صراحة إلى وزارة الصحة في غزة، ولكن بدلا من ذلك، ينص على أن البنتاغون لا يمكنه “الاستشهاد في الاتصالات العامة بأرقام الوفيات التي تستمدها المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها إرهابية، أو الكيانات الحكومية التي تسيطر عليها المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها إرهابية، أو أي مصادر تعتمد على الأرقام التي تقدمها المنظمات التي صنفتها الولايات المتحدة على أنها إرهابية”.

ومع ذلك، فإن الهدف واضح. فقد ألقى الساسة في الولايات المتحدة مرارا وتكرارا بظلال من الشك على الأرقام التي قدمتها وزارة الصحة في غزة لأنها تقع تحت سلطة حماس، وهي منظمة مصنفة إرهابية في الولايات المتحدة. وفي وقت سابق من هذا العام، أقر مجلس النواب تشريعا يحظر صراحة على وزارة الخارجية الاستشهاد ببيانات من وزارة الصحة في غزة. وقال الرئيس جو بايدن للصحافيين في وقت سابق إنه “لا يثق في الرقم الذي يستخدمه الفلسطينيون”، على الرغم من أن وزارة خارجيته تستخدم هذه الأرقام بشكل موثوق لسنوات.

لقد اعتمدت هيئات حقوق الإنسان الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة، لفترة طويلة على البيانات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة واعتبرتها موثوقة ومتماشية مع نتائجها الخاصة.

وقال رئيس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، فيليب لازاريني، للصحافيين في مؤتمر العام الماضي: “في الماضي، خلال الدورات الخمس أو الست من الصراع في قطاع غزة، كانت هذه الأرقام تعتبر ذات مصداقية، ولم يشكك أحد في هذه الأرقام حقا”.

ويمتد الحظر إلى أي مصادر تعتمد على بيانات وزارة الصحة، والتي تشمل معظم منظمات حقوق الإنسان الرائدة والأمم المتحدة.

يأتي التشريع بعد وقت قصير من إعلان منظمة العفو الدولية أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، مشيرة إلى عامل في قرارها وهو عدد القتلى الهائل في القطاع المحاصر. في العام الأول من الهجوم الإسرائيلي المستمر على غزة، قتل الجيش 44,835 شخصا في غزة، وفقا لوزارة الصحة.

الآن، سينتقل التشريع إلى مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، ومن المرجح أن يتم التصويت عليه الأسبوع المقبل. لقد أعلن السيناتور المستقل عن ولاية فيرمونت، بيرني ساندرز، معارضته لهذا القرار، حيث زعم أنه في الوقت الذي يكافح فيه الأمريكيون للحصول على رواتبهم، لا ينبغي للكونغرس أن يمنح 900 مليار دولار للمجمع الصناعي العسكري.

وقال ساندرز في مجلس الشيوخ يوم الأربعاء: “نحن لسنا بحاجة إلى نظام دفاعي مصمم لتحقيق أرباح ضخمة لعدد قليل من شركات الدفاع العملاقة في حين يوفر أقل مما تحتاجه البلاد. لسنا بحاجة إلى إنفاق ما يقرب من تريليون دولار على الجيش، بينما نصف مليون أمريكي بلا مأوى، والأطفال يعانون من الجوع، وكبار السن غير قادرين على تحمل تكاليف تدفئة منازلهم في الشتاء”.

موقع انترسبت الاميركي




غزة تحرق الكتب للخبز والدفء

مؤلفات قيّمة وشهادات تقدير وكراريس مدرسية

لم يتخيل الكاتب الغزي محمود عساف، للحظة واحدة، أن يخسر مكتبته الثرية بآلاف الكتب العلمية والدينية وغيرها من محتويات قيمة، ولم يتخيل في أسوأ كوابيسه أن مكتبته «العزيزة» على قلبه ستتحول إلى وقود للنار التي يبحث عنها كل الغزيين في ظل افتقارهم لوسائل التدفئة المعروفة.

شعر عساف، الذي نزح مضطراً من مدينة غزة إلى دير البلح بفعل الحرب الإسرائيلية، بغصة في قلبه، بعد أن عرض عليه صاحب أحد الأفران شراء ما تبقى من مكتبته، لاستخدام الكتب في إشعال النار في فرنه القديم، بغرض إعداد الخبز للسكان.

لم يوافق فوراً لكنه لاحقاً اضطر لبيع كتبه تحت ضغط الوضع المعقد.

وقال عساف الذي يملك في مكتبته الكبيرة نحو 30 ألف عنوان بينها كتب ألَّفها بنفسه: «منذ تلك اللحظة كأني أُقيم كل المآتم في قلبي، لكن ما اضطرني إلى القبول هو ضيق الحال الذي وصلنا إليه في غزة، وأنا أنظر إلى أطفالي وأطفال بلادي وهم يتمنون لقمة العيش أو ارتداء حذاء في أقدامهم يساعدهم على السير في الرمال بين الخيام التي تحتوينا منذ عام».

كتب عساف عبر صفحته في «فيسبوك» التي يتابعها الآلاف: «ليتني مِتُّ قبل هذا»، خصوصاً أن مكتبته يعود عمرها إلى 35 عاماً مضت، وكان من حين إلى آخر يُثريها بالكتب القيمة التي قرأها جميعها بتمعّن، وكانت بمثابة مرجع علمي لكثيرين من الطلبة الجامعيين وحتى لأصدقائه من الكتاب والأكاديميين وغيرهم.

وعساف ليس الوحيد الذي اضطر إلى استخدام الكتب للحصول على نار، ومع تضاعف أزمة عدم توفر الحطب في القطاع، اضطر الكثيرون إلى استخدام كتبهم بغضّ النظر عن نوعها، حتى المدرسية، لإشعال النار من أجل تجهيز الطعام لعوائلهم، أو الحصول على تدفئة، حتى إن بعض المواطنين اضطروا إلى دخول مكتبات عامة وخاصة واستولوا على ما بها من كتب لاستخدامها في إيقاد النيران.

وقال عماد محيسن، وهو موظف في القطاع الخاص ويمتلك مكتبة خاصة به، إن أبناءه حين قُصف منزلهم أخرجوا المئات من الكتب من تحت ركام المنزل، واحتفظ بها في خيمة مجاورة لخيمته التي نزح إليها في دير البلح وسط القطاع، لكنه فوجئ بأن جيرانه أحرقوها كلها لإشعال أفران الطينة من دون علمه واستئذانه.

لم يعاتبهم محيسن، كما قال لـ«الشرق الأوسط»، حتى حين رآهم أيضاً يحرقون شهادات التقدير التي حصل عليه، لأنه يشعر بأن الحرب أخذت منه كل شيء ولم يتبقَّ لأي شيء قيمة تُذكَر؛ «ماذا تنفع الشهادات مع انعدام الحياة؟».

الصديق وقت الضيق!

ووجد محيسن نفسه مضطراً إلى استخدام ما تبقى لديه لإشعال الوقود لزوجته من أجل إعداد الطعام، أو حتى لتدفئة المياه للاغتسال، وأحياناً من أجل التدفئة. ولم يُخفِ محيسن حسرته الكبيرة على فقدانه مكتبته التي كانت بمثابة الصديق وقت الضيق، يلجأ إليها كلما شعر بأنه بحاجة إلى تغيير مزاجه اليومي، قائلاً: «قراءة الكتب والاستفادة منها، هي أفضل ما يمكن أن يعينك على مواجهة مشكلات الحياة».

ويعاني سكان قطاع غزة، خصوصاً في شماله، من انعدام تام لغاز الطهي، الذي يُسمح لكميات محدودة منه فقط بدخول مناطق جنوب القطاع، ويوزع عبر جهات حكومية ضمن معايير محددة وبكميات بسيطة جداً لا تكاد تكفي لأسبوع واحد لعائلة مكونة من 6 أفراد على سبيل المثال. كما أنه منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، فقد سكان قطاع غزة كل مصادر الكهرباء المتوفرة من خطوط إسرائيلية ومن محطة الكهرباء الوحيدة، الأمر الذي أسهم في مضاعفة الأزمات بالنسبة لهم، مع اعتمادهم على ما تبقى من طاقة شمسية لدى بعض المقتدرين التي تقتصر فقط على شحن البطاريات والهواتف النقالة.

طلب مرتفع

ومنذ بداية الحرب، يستخدم سمير الحوراني من سكان منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، الأخشاب والحطب بشكل أساسي لإيقاد النار لعائلته لإعداد الطعام والخبز، ومنذ فترة لجأ إلى الكتب والأوراق والدفاتر، التي تساعده على ايقاد النيران وتخفف من كميات الخشب الشحيحة. وقال: «الكتب تساعد على إيقاد النيران، وتخفف من استخدام الخشب».

ومع حاجة الناس إلى الكتب، تحولت إلى مادة للبيع. واستغل محمد المدهون، من سكان حي الشيخ رضوان، شمال مدينة غزة، الأوضاع الحالية، وأخرج من منزله الذي لم يتعرض لأي قصف أو ضرر، كل ما فيه من كتب ودفاتر وأوراق، وعرضها للبيع، في خيمة نصبها إلى جوار المنزل، وكان يقدم فيها مشروبات ساخنة، مقابل أجر مادي بسيط لا يتعدى 5 شواقل (دولار ونصف تقريباً). وقال المدهون: «جمعت كل ما لديَّ: كتب قراءة وكتب مدارس ودفاتر وأوراق كرتون… كل شيء، وعرضته للبيع». وأضاف: «فوجئت بالطلب المرتفع. البعض اشتراها من أجل المساعدة في إشعال النار، والبعض اشترى كتاباً أو اثنين للقراءة». وتابع: «لم يكن مشهداً محبباً لي. لكنّ الناس يحتاجون إلى الكتب من أجل القراءة والنار. وأنا أحتاج إلى المال».

صحيفة الشرق الاوسط