1

مسؤول أمني إسرائيلي: “حماس” مارست “الخداع المثالي” قبل 7 أكتوبر

كشف مسؤول أمني إسرائيلي النقاب، الجمعة، إن حركة “حماس” مارست “الخداع المثالي” ضد إسرائيل قبل هجوم 7 أكتوبر/تشرين أول الماضي.
وقالت صحيفة “جورزاليم بوست” الإسرائيلية، الجمعة: “تقدر مصادر أمنية إسرائيلية أن قادة حماس محمد ضيف (قائد كتائب القسام) ويحيى السنوار (رئيس حماس في غزة) كانا على علم بالمراقبة الوثيقة من قبل مجتمع المخابرات الإسرائيلي واستخدما أساليب سرية لتوصيل الرسائل”.
ونقلت عن مسؤولي أمني إسرائيلي، لم تسمه: “لم يفهم أحد ذلك، لا شعبة الاستخبارات بالجيش (أمان ولا جهاز الأمن العام (الشين بيت، ولا جهاز المخابرات (الموساد)، وإلا لما تركوا الحدود دون حراسة وبدون أي رد أساسي من الأرض أو الجو”.
وقالت الصحيفة: “تعتقد مصادر أمنية أن الضيف والسنوار، عملا على نقل الرسائل سرا تحت مراقبة المخابرات الإسرائيلية”.
وأضافت: “وفقا للتقييمات، أجرت حماس استعدادات دقيقة للتوغل في 7 أكتوبر الماضي، والذي وصفه مسؤول كبير في الأجهزة الأمنية بأنه “تمرين خداع مثالي”.
وكشف مسؤول أمني إسرائيلي، وفق الصحيفة، “عن التكتيكات التي يستخدمها قادة حماس العسكريون لنقل الرسائل” (لم يوضحها).
وأردف: “إذا ما نظرنا إلى الماضي، فإن مجتمع الاستخبارات لم يستوعب ذلك. لا جهاز المخابرات، ولا الشاباك، ولا الموساد. لم يأخذه أحد في الاعتبار، وإلا لكان قد تم إعداد نظام بديل تحسبا لتصعيد مفاجئ مع قطاع غزة، وإلا لما تركوا الحدود دون حراسة في المرحلة الأخيرة من العطلة، دون أي رد أساسي من الأرض أو الجو”.
وقالت الصحيفة: “في عملية (الفاكهة الاستوائية) عام 2018، قامت فرق الجيش الإسرائيلي بتركيب أجهزة تنصت في معاقل حماس التي ما لبثت أن كشفتها”.
وقالت إن “حماس كشفت القوة الإسرائيلية في خان يونس (جنوب قطاع غزة)، وبقيت بعض البنى التحتية في المنطقة وتم قصفها، لكن بعضها الآخر نجت وسقطت في أيدي حماس، ومن المرجح أنها تمكنت بمساعدة إيرانية من فك رموز أساليب الجيش الإسرائيلي”.
ونقلت عن المسؤول الأمني الإسرائيلي قوله: “إن فشل العملية أعمى الجيش الإسرائيلي في كثير من النواحي، لقد أعادنا ذلك إلى الوراء فيما يتعلق بالمبادرة وفهم الصورة الأكبر”.
وأضاف: “وبعد فوات الأوان، يبدو أن الفشل كان استراتيجيا، وفي حين اعتقد الجيش الإسرائيلي أن لديه صورة واضحة، إلا أنه لم يرَ شيئًا تقريبًا سوى إشارات ضعيفة ووجد صعوبة في توصيلها”.
وسبق أن اعترفت تل أبيب أن هجوم 7 أكتوبر على عشرات البلدات والقواعد العسكرية الإسرائيلية في غلاف قطاع غزة كان مفاجئا لها ومثل فشلا عسكريا واستخباريا.

المصدر: صحيفة جيروزاليم بوست الاسرائيلية




واشنطن بوست: مكالمة مشحونة بين البابا والرئيس الإسرائيلي

ذكرت صحيفة “واشنطن بوست” أن البابا فرنسيس تحدث هاتفيا مع الرئيس الإسرائيلي أواخر أكتوبر عن غزة، في اتصال لم يتم الكشف عنه، وقالت إن الحديث كان مشحونا.

وبحسب الصحيفة: “أجرى الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ مكالمة هاتفية مشحونة بالتوتر مع البابا فرنسيس. حيث كان الرئيس الإسرائيلي يصف الرعب الذي أصاب بلاده من هجوم حماس في 7 أكتوبر إلا أن البابا فرنسيس رد ردا صريحا”.

وتتابع الصحيفة، وبحسب مسؤول إسرائيلي كبير مطلع على المكالمة، والتي لم يتم الإبلاغ عنها من قبل، رد البابا خلال المكالمة على هرتسوغ بأنه “ممنوع الرد على الإرهاب بالإرهاب”، بحسب موقع أر تي.

واحتج هرتسوغ، مكررا على الموقف القائل بأن الحكومة الإسرائيلية تفعل ما هو مطلوب في غزة للدفاع عن شعبها. في حين تابع البابا قائلا إنه ينبغي بالفعل محاسبة المسؤولين عن ذلك، ولكن ليس المدنيين.

ورفض الفاتيكان توضيح ما إذا كان البابا يصف العمليات الإسرائيلية في غزة علنا أو سرا بأنها إرهاب. لكن في بيان لصحيفة واشنطن بوست، أقرت بمكالمة هاتفية بين البابا وهيرتسوغ. وجاء في البيان أن “المكالمة الهاتفية، مثل غيرها في نفس الأيام، تجري في سياق جهود الأب الأقدس الرامية إلى احتواء خطورة ونطاق وضع الصراع في الأراضي المقدسة”.

وقال متحدث باسم الفاتيكان للصحافيين إن البابا، على حد علمه، لم يقل كلمة “إبادة جماعية”، لكنه لم يستبعد ذلك بشكل قاطع. وقد حذر البابا بانتظام من المعاناة.

كما رفض متحدث باسم مكتب الرئيس الإسرائيلي التعليق قائلا: “لا نميل إلى الإشارة إلى محادثات خاصة”.

ولفتت الصحيفة إلى أن تصريحات البابا أثارت استنكارا من الجماعات المؤيدة لإسرائيل، مثل اللجنة اليهودية الأمريكية، وأشعلت من جديد التوترات التاريخية بين بعض الزعماء اليهود والفاتيكان، فضلا عن بروز مخاوف بين بعض المنظمات المؤيدة لإسرائيل من أن فرانسيس لديه إمكانات أكبر من معظم القادة السياسيين للتأثير على المشاعر العالمية.

المصدر: صحيفة واشنطن بوست




«مشروع أميركي» لتهجير الفلسطينيين يُفاقم قلقاً مصرياً

يتضمن محاولات جديدة لـ«إغراء» دول عربية بشأن استضافة لاجئي غزة

عززت معلومات قيل إنها لمشروع قُدم إلى مسؤولين بارزين في الكونغرس الأميركي بشأن تهجير سكان غزة إلى دول الجوار، مخاوف مصر من استمرار إسرائيل في مساعيها الرامية إلى تهجير سكان القطاع الفلسطيني، ودفعهم بوسائل شتى نحو الأراضي المصرية. ولا تزال مصر ترى أن سياسة «التهجير القسري» والنقل الجماعي لسكان غزة الفلسطينيين «هدف إسرائيلي» على الرغم من رفضها من دول العالم.

وكشفت صحيفة «يسرائيل هيوم» الإسرائيلية أن خطة إسرائيلية عُرضت على مسؤولين كبار من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين، و«نالت مباركتهم»، وفق الصحيفة، سيُرَوَّج لها مباشرة عقب الموافقة عليها.

وتشمل الخطة 4 مبادرات اقتصادية لـ 4 دول في المنطقة، هي مصر والعراق واليمن وتركيا، بحيث تقبل «هجرة طوعية وليس بالإكراه» للفلسطينيين إلى أراضيها.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مِراراً رفض بلاده «التهجير القسري» لسكان غزة، مشدداً على أن مصر «لم ولن تسمح بتصفية القضية على حساب دول الجوار».

وفي استعراض عسكري لإحدى فرق الجيش المصري في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حذر السيسي من خطورة المساس بالأمن القومي المصري، مؤكداً أنه «لا تهاون في حماية الأمن القومي لمصر»، وأضاف في مناسبة أخرى أن «مصر دولة قوية ولا تُمس».

وفي جلسة مجلس الأمن الدولي حول الوضع في الشرق الأوسط، الأربعاء، أكد وزير الخارجية المصري سامح شكري أن «سياسة التهجير القسري والنقل الجماعي التي رفضها العالم ويعدها انتهاكاً للقانون الدولي، ما زالت هدفاً لإسرائيل، ليس فقط من خلال التصريحات والدعوات التي صدرت عن مسؤولين إسرائيليين، وإنما من خلال خلق واقع مرير على الأرض يستهدف طرد سكان غزة الفلسطينيين من أرضهم، وتصفية قضيتهم من خلال عزل الشعب عن أرضه والاستحواذ عليها».

وقال إن المجتمع الدولي لم ينهض للحيلولة دون تلك الممارسات، كما «تقاعس من قبل عن مواجهة الضم والهدم والاستيطان والقتل خارج القانون، فتم تكريس تلك الممارسات غير الشرعية، وتمادت، وأمعنت فيها دولة الاحتلال».

وأعلنت الإدارة الأميركية في المراحل الأولى من الحرب أنها ستعارض التهجير القسري لسكان غزة من القطاع، لكن التصريحات الرسمية لم تشر إلى موقفها بشأن ما وصفه المقترح الإسرائيلي بـ«المغادرة الطوعية».

معبر رفح بين مصر وقطاع غزة يوم الخميس (رويترز)

تهجير لـ 4 دول

وأوضحت «يسرائيل هيوم» أن المبادرة يرعاها علناً عضو مجلس النواب الأميركي جوي ويلسون، وتقضي بأن الولايات المتحدة ستشترط استمرار مساعداتها الاقتصادية لمصر وتركيا واليمن بشرط خروج السكان من غزة من أجل الاستقرار في أراضي تلك الدول. ووصف ويلسون المقترح بأنه «الحل الأخلاقي الوحيد لضمان أن تفتح مصر حدودها، وتسمح للاجئين بالهروب من سيطرة إسرائيل و(حماس)».

وتقدم الحكومة الأميركية لمصر ما يقرب من 1.3 مليار دولار من المساعدات الخارجية سنوياً.

وأضاف ويلسون في تصريحات واكبت دعمه للمشروع أنه «لا ينبغي أن تكون مصر الدولة الوحيدة التي تستقبل اللاجئين، فالعراق واليمن يتلقيان نحو مليار دولار من المساعدات الخارجية الأميركية، وتتلقى تركيا أكثر من 150 مليون دولار، وتتلقى كل دولة من هذه الدول ما يكفي من المساعدات الخارجية، ولديها عدد كبير من السكان بما يكفي لتكون قادرة على امتصاص اللاجئين الذين يشكلون ما لا يقل عن واحد في المائة من سكانها».

«هلوسة سياسية»

ويصف وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي، المشروع المقترح بأنه «هلوسة سياسية»، مشيراً إلى أن المساعي الإسرائيلية لتخفيف الكثافة السكانية الفلسطينية في غزة والضفة الغربية تمثل «توجهاً استراتيجياً لدولة الاحتلال منذ سنوات طويلة»، لكنه أضاف أن ذلك «لا يُلزم مصر في شيء».

وأضاف فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن تقديم المقترح الإسرائيلي للكونغرس أو حتى مناقشته داخل أروقة المؤسسة التشريعية الأميركية «لا يجعله ذا جدوى»، لافتاً إلى أن الإدارة الأميركية لا تتبنى مثل هذه الأفكار، بل أعلنت علناً رفضها فكرة التهجير، وحتى لو تبنته فإن ذلك «لا يغير من الموقف المصري الحاسم رسمياً وشعبياً» برفض أي إجراءات من شأنها تصفية القضية الفلسطينية، ومنها التهجير القسري لسكان غزة.

وشدد وزير الخارجية المصري السابق على أن مصر لا تؤسس مواقفها على تصريحات أو مشاريع من جهات أخرى، لكنها تتحرك وفق بوصلة مصالحها العليا وحماية أمنها القومي وثوابتها والتزاماتها الإقليمية والدولية، مجدداً وصف أي أفكار إسرائيلية بشأن التهجير بأنها «هلوسة»، ومنوهاً بأن إسرائيل لم تسمح يوماً بعودة لاجئ فلسطيني إلى أرضه منذ عام 1948، وأن ما تروجه من حجج بشأن حماية المدنيين مؤقتاً من تداعيات الحرب هي «خدعة لا تنطلي على أحد».

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية قرب رفح على الحدود بين مصر وقطاع غزة الجمعة (أ.ف.ب)

إلحاح إسرائيلي

كانت مصر قد انتقدت الشهر الماضي تصريحات لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتس، تعليقاً على مقال نشره عضو الكنيست رام بن باراك وداني دانون في صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، اقترحا فيه خطة هجرة طوعية للاجئي غزة، قائلاً: «هذا هو الحل الإنساني الصحيح لسكان غزة والمنطقة بأكملها بعد 75 عاماً من اللجوء والفقر والمخاطر».

وقال الوزير الإسرائيلي إن «قبول اللاجئين من قبل دول العالم بدعم ومساعدة مالية سخية من المجتمع الدولي، بما في ذلك دولة إسرائيل، هو الحل الوحيد الذي سيضع حداً لمعاناة وألم اليهود والعرب على حد سواء»، مشدداً على أن «إسرائيل لن تكون قادرة بعد الآن على تحمل وجود كيان مستقل في غزة، يقوم بطبيعته على كراهية إسرائيل والرغبة في تدميرها».

قضية أمن قومي

بدوره، وصف السفير رخا أحمد حسن، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، رداً على الخطة الجديدة التي أشارت إليها صحيفة «يسرائيل هيوم» بأنها «أفكار غير واقعية»، مشدداً على موقف مصر الرافض على مدى عقود فكرة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.

ورفض حسن في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» المقارنة بين تهجير الفلسطينيين وبين استيعاب مصر ودول أخرى للاجئين السوريين، مؤكداً أن الأزمة السورية مؤقتة وستنتهي يوماً ما، وسيعود النازحون إلى أراضيهم، بينما خروج الفلسطينيين يعنى تصفية القضية الفلسطينية إلى الأبد، وانتهاء فكرة إقامة دولة مستقلة.

وشدد مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق على أن مصر رفضت على مدى العقود الماضية أي أفكار لتهجير الفلسطينيين إلى أراضيها، رغم ما قدمته الولايات المتحدة وإسرائيل من أفكار تتضمن تبادلاً للأراضي أو مشروعات اقتصادية مغرية، مجدداً التأكيد على أن القضية ترتبط بالأمن القومي المصري، وهذه المسألة «ليست محل نقاش».

وكان الجيش الإسرائيلي قد أصدر منذ بداية عملياته العسكرية تحذيرات لسكان شمال قطاع غزة بضرورة إخلاء منازلهم فوراً والتوجه نحو الجنوب (باتجاه الحدود المصرية)، كما قطع خدمات المياه والكهرباء عن معظم مناطق القطاع لدفعهم إلى النزوح.

وتعددت مشروعات تهجير الفلسطينيين إلى دول الجوار، بصيغ وأفكار متباينة، جاء أولها في خمسينات القرن الماضي، بعد فرار 200 ألف لاجئ فلسطيني من فلسطين التاريخية إلى غزة بحلول مارس (آذار) 1949، عندما وُضع مخطط أمني بواجهة اقتصادية واجتماعية لتوطين عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مشاريع التنمية الزراعية الجديدة بسيناء، وخصصت الولايات المتحدة الجزء الأكبر من التمويل للمشروع، والذي قُدر بنحو 30 مليون دولار في عام 1955، ونوقشت الفكرة مع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، لكن انتفاضة الفلسطينيين في ما عُرف بـ«هبّة مارس» أجهضت المشروع قبل أن ترفضه مصر.

وخلال احتلال إسرائيل لسيناء (1967 – 1973) حاولت إسرائيل استغلال سيطرتها على الأرض، في تهجير آلاف الفلسطينيين إلى الأراضي المصرية المحتلة آنذاك، في ما عُرف بـ«مشروع العريش» عام 1970.

كما تكرر الطرح الإسرائيلي المدعوم أميركياً مرات عدة عقب توقيع اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل، إذ تراجعت إسرائيل عن مقترح لتبادل الأراضي بين مناطق في سيناء تخصص لسكان غزة مقابل حصول مصر على أراضٍ في صحراء النقب بعدما اشترط الرئيس المصري الراحل أنور السادات الحصول على المنطقة التي يقع بها ميناء إيلات، المنفذ الوحيد لإسرائيل على البحر الأحمر.

وتكرر طرح فكرة التهجير أكثر من مرة على الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، والذي رفضها جميعاً، سواء تلك التي اقترحتها دول وسيطة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا، أو جاء من إسرائيل مباشرة، مثل مشروع عام 2000، عندما قدم اللواء في الاحتياط الذي ترأس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي «غيورا أيلاند» مشروعاً أطلق عليه «البدائل الإقليمية لفكرة دولتين لشعبين»، ونشرت أوراقه في مركز بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجية.

ومع وصول تنظيم «الإخوان» إلى الحكم عام 2013، أشارت مجلة أميركية إلى أن الرئيس الأسبق محمد مرسي ناقش عرضاً أميركياً حمله وزير الخارجية آنذاك جون كيري، يقضي بموافقة كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وبعض دول الاتحاد الأوروبي على شطب الديون الخارجية لمصر مقابل توطين الفلسطينيين في سيناء.

أسامة السعيد

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




عدم التماثل في الحروب… غزّة نموذجاً جديداً

حرب المدن تخدم اللاعب من خارج إطار الدولة… لكن الجميع في مأزق

عدم التماثل (Asymmetry) واقع مرافق لحياة الإنسان منذ البدء. هو موجود وفاعل في كلّ علاقات البشر بين بعضهم بعضاً. يصف بعضهم عدم التماثل بأنه يعكس العلاقة بين القويّ والضعيف. هو علاقة نشأت بين داود من جهّة، وجوليات العملاق من جهّة أخرى، فقط لتبيّن أن للضعيف في بعض الأحيان فرصة الانتصار على القويّ. وفي الحدّ الأدنى منعه من حسم المعركة لصالحه. وعليه؛ لزم على الضعيف أن يؤمّن الإرادة السياسيّة، والاستراتيجيّة الصحيحة، وأيضاً وسائل التنفيذ الضروريّة.

يوجد عدم التماثل حتى بين القوى العظمى. ففي كلّ الجيوش التقليديّة، يتواجد عدم التماثل. بكلام آخر، كلّ الجيوش التقليديّة تقاتل تقليدياً، كما تقاتل بطريقة «عدم التماثل». وإلا فما معنى تواجد القوات الخاصة التي تقاتل خلف خطوط العدو في أيّ جيش عصريّ؟

التنظيمات من خارج إطار الدولة

الغارات الإسرائيلية حوّلت أجزاء من بيت لاهيا بشمال قطاع غزة إلى أنقاض (د.ب.أ)

يقول المفكّر الأميركيّ، ستيفن بيدل إن الجدل يدور الآن حول طريقتيّ قتال مختلفتين بين اللاعب من خارج إطار الدولة (NSA) من جهّة، وبين جيوش الدول من جهّة أخرى. فهناك طريقة القتال حسب أسلوب فابيان (Fabian)، وهو الإمبراطور الرومانيّ الذي قاتل هانيبعل في الحرب البونيّة الثانية. ترتكز هذه الطريقة على القتال الذي يهدف إلى استنزاف قدرات العدو على فترات طويلة، لكن دون التورّط بمعركة فاصلة وحاسمة.

كما أن هناك طريقة القتال حسب أسلوب نابليون بونابرت (أيضاً حسب المفكر ستيفن بيدل) الذي اقترح مهاجمة العدو عبر ضربات متتالية ومتسارعة، وبعدها الانتقال إلى مرحلة الحسم النهائيّة، وذلك عبر استعمال قوى الاحتياط. نجحت استراتيجيّة نابليون فقط لأنها اعتمدت على العدد، أي الجيش الكبير (La Levee en Masse).

في القرن الـ21 تظهّر لاعب جديد – قديم على الساحة العسكريّة والسياسيّة، ألا وهو اللاعب من خارج إطار الدولة (Non State Actor).

يقول المفكّرون الاستراتيجيّون إن من بين أسباب عودة اللاعب من خارج إطار الدولة إلى المسرح الحربيّ في القرن الـ21: انتشار وسهولة الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، والتي كانت حكراً على الدول فيما مضى. التحضّر السريع (Urbanization) للانتشار السكّاني والانتقال من الريف إلى المدن. وأخيراً وليس آخرا، خفض الدول لعدد جيوشها بشكل كبير؛ الأمر الذي دعا مَن هم خارج إطار الدولة إلى التحصّن داخل المُدن وخلقَ بالتالي وضع عدم تماثليّ أو أنشأ ما يُعرف بـ«دولة داخل الدولة».

جنود إسرائيليون خلال المعارك ضد “حماس” شمال غزة (أ.ف.ب)

الدولة واللاعب من خارج إطار الدولة

وهنا، يُطرح موضوع النمط الجديد للدولة في تعاملها مع اللاعب من خارج إطار الدولة.

في النمط المتكرّر يمكن رصد الآتي:

نجحت المُنظّمات من خارج إطار الدولة في خلق كيانات سياسيّة لها، وأهمها السيطرة على الأرض، وكذلك البنى التحتيّة لإدارة هذه الكيانات، سواء سُمّيت التنظيمات الإرهابيّة أو غير ذلك من التسميات. لكن عندما قرّرت الدولة استعادة الأرض والقضاء على هذه التنظيمات، فإنها كانت مُرغمة على القتال داخل المُدن. ولذلك؛ سعت الدولة وبالقوّة العسكريّة إلى حصر هذه التنظيمات في الأماكن السكنيّة، وبالتالي التعامل معها عسكريّاً.

وبذلك، تتظهّر نقاط القوة لدى الطرفين. في حصار المدن، تملك الدولة القدرات الناريّة، اللوجيستيّة، كما التفوّق العددي، والشرعيّة اللازمة للتعامل مع مشاكلها الداخليّة. في المقابل، يُعدّ القتال داخل المدن مُكلفاً للدولة، لكنه عامل قوّة للتنظيمات. إذ تعدّ التنظيمات أن الدروع البشريّة، كما الهندسة المُدنيّة، هما عامل قوّة لها. فهي تُضحّي بكلّ شيء من أجل الاستمرار. فهي تربح إذا لم تخسر. وبسبب هذه الأمور، يدفع البشر ثمن الاقتتال من مالهم وأرواحهم.

دمار جراء الغارات الإسرائيلية على خان يونس بجنوب قطاع غزة (رويترز)

إذاً يكون نمط التعامل بين الدولة والتنظيمات على الشكل التالي: إخراج التنظيمات من خارج المدينة، ودفعها إلى الداخل. الحصار الكلّي للمدينة. محاولة تدمير مراكز ثقل هذه التنظيمات، من بنى تحتيّة بشريّة وماديّة. ولأن هذه التنظيمات تقاتل بطريقة حرب العصابات، يكون التدمير كبيراً للمدينة. وفي حال انتصار الدولة، يدفع الكلّ الأثمان الباهظة، خاصة في صفوف المدنيّين. تكرّر هذا النمط في معركة نهر البارد في لبنان بين الجيش والتنظيمات الإرهابيّة التي تحصنت في هذا المخيم الفلسطيني شمال لبنان. كما تكرّر في كلّ مدينة حُرّرت من سيطرة تنظيم «داعش»، من الموصل في العراق إلى الرقة في سوريا، مروراً بالكثير من المدن الصغيرة التي كانت تحت حكم هذا التنظيم في أوجه نفوذه.

حرب غزّة اليوم

تتماثل حرب غزّة مع الحروب المُدنيّة الأخرى بالكثير من الأمور. فهي تحصل في أماكن سكنيّة. وبين لاعب من خارج إطار الدولة، وضد دولة تطوّق هذا اللاعب أو التنظيم. تملك الدولة أحدث جيوش العالم، وتستعمل أكبر قدر ممكن من القوة الناريّة؛ الأمر الذي يؤديّ إلى قتل المدنيين، وإلحاق تدمير شامل بالمدينة. هدف المتقاتلين هو التدمير الكامل والشامل للآخر. لا تستطيع «حماس» تدمير دولة إسرائيل. في المقابل، تدمير التنظيم لا يلغي القضيّة.

حالياً، الكلّ في مأزق، فماذا بعد الوقفة الإنسانيّة؟ هل ستعود الحرب؟ وإذا توقّفت، فماذا عن الأهداف الإسرائيليّة، وماذا عن الأهداف الأميركيّة أيضاً؟ وكيف تصف «حماس» نصرها؟ فهل هو فقط بالصمود والاستمرار؟ وكيف تترجم «حماس» ما فعلته إلى البُعد السياسيّ؟

في الختام، يقول علماء الاجتماع: إن المماطلة (Procrastination) صفة بشريّة، وهي تؤدّي إلى تعقيد تنفيذ الأمور الحياتيّة للفرد. فإذا كان عمل ما يتطلّب وقتاً وجهداً محدّدين، فمن المفروض عدم المماطلة؛ لأن الأمر قد يُدخل إلى معادلة الحلّ والتنفيذ تعقيدات لم تكن محسوبة أصلاً ليخرج الأمر عن السيطرة. ماطلت إسرائيل بعد المبادرة العربية في بيروت عام 2002 لحل القضيّة الفلسطينيّة. وها هي تدفع الأثمان الكبيرة بعد دخول عوامل كثيرة إقليميّة إلى معادلة الحلّ لتتعقّد أكثر. ولعل أهم هذه العوامل هو عامل اللاعبين من خارج إطار الدولة.

المصدر: صحيفة الشرق الأوسط




القسام من ساحة فلسطين: الأرض لي

في اليوم الـ 50 من معركة طوفان الأقصى، واليوم الثالث للهدنة من أجل تبادل الأسرى، فاجأت كتائب القسّام العدو قبل الصديق، من خلال اختيارها تسليم الدفعة الثالث من الأسرى لديها، في ساحة فلسطين وسط مدينة غزة (وليس في معبر رفح كما حصل سابقاً)، في مشهدية مرافقة أكّدت على أنها صاحبة اليد العليا والقرار ميدانياً، بعدما حاولت إسرائيل خلال كل الأيام السابقة الترويج للعكس، أمّا الرسالة الأهم فكانت بالاحتضان الكبير لشعب غزة لها، بالرغم مما تعرضوا له من عدوان أمريكي إسرائيلي غاشم (أحد أهداف العدوان الدائمة زرع الشقاق بين المقاومة والحاضنة الشعبية).

فبالأمس الأحد، انتشرت مقاطع فيديو تظهر حصول عملية تسليم القسّام للدفعة الثالثة من الأسرى، في ساحة مدينة غزة، في نفس الشارع الذي وصلت إليه الدبابات الإسرائيلية خلال الغزو قبل أن تنسحب (وصلت الدبابات الإسرائيلية 3 مرات الى هذه الساحة ودائماً ما كانت تعود وتنسحب منها الى جهة الغرب نحو شارع الجلاء بفعل عمليات المقاومة). وجرت عملية التسليم في ظل حضور شعبي حاشد، الذي رفع صوته بشعارات التأييد والنصرة للمقاومة، وقام باحتضان مقاومي القسام الذين ظهروا باللباس والعتاد العسكري الكاملين، والذين جاؤوا الى الساحة وغادروا منها، عبر آليات عسكرية رباعية الدفع، بما يعني أنه رغم الدمار الكبير والهائل الذي طال المدينة، لا زالت الكتائب في كامل جهوزيتها وقدراتها، ولا تزال تملك زمام القيادة والسيطرة وإيجاد الأساليب لإظهار ذلك، بما يفوق استيعاب وخيال قادة وجنود جيش الاحتلال المقهور.

تكشّف حقائق الجيش المقهور

ويوماً بعد يوم، تتكشف حقائق جديدة عن مدى تردّي وضع الجيش الإسرائيلي، بقادته وجنوده، في القتال الميداني والبري، وهو الذي كان يُوصف في سبعينيات القرن الماضي، بأنه الجيش الذي لا يُقهر. فبعد كارثة الـ 7 من أكتوبر، قد يعتقد البعض بأن عنصر المفاجأة والمباغتة أربك جنود وضباط جيش الاحتلال. وربما يظن البعض أن ما شهدناه خلال الأيام الماضية، من عمليات نوعية للمقاومة الفلسطينية من مسافات صفرية، هو أمر طبيعي بحكم طبيعة المعركة وتكتيكاتها (حرب مدن وحرب عصابات ثورية).

إلا أن ما جرى كشفه خلال الساعات الماضية، يؤكد بما لا يمكن الشك فيه، أن مقاومي القطاع من كافة الفصائل، سيحققون إنجازاً في العملية البرية قد يفوق الذي حصل خلال عملية طوفان الأقصى بأشواط، وذلك للأسباب التالية:

1)تزايد ورود أنباء الفرار من صفوف جيش الاحتلال: قبل أيام تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن فرار أكثر من 2000 عنصر احتياط من الخدمة. فيما كشفت صحيفة يديعوت أحرنوت مؤخراً عن إقالة قائد سرية إسرائيلية ونائبه، بعد فرار سريتهما أثناء القتال في قطاع غزة.

2)أكدت يديعوت أحرنوت أيضاً بأن الجيش الإسرائيلي لا يزال يواجه تحديات صعبة، فهناك مراكز قوة مهمة للقسّام داخل غزة لم يسيطر عليها بعد، مثل حي الشجاعية الذي اشتهر بالقتال العنيف خلال عملية “الجرف الصامد” عام 2014، أو مخيم جباليا أحد أهم معاقل الكتائب، وحي الدرج والذي يعتبر من المعاقل المهمة لحماس شرق مدينة غزة. وهذا ما دفعها الى تكذيب كبار المسؤولين الأمنيين في الكيان الذين ادعوا قبل الهدنة بأن حماس “فقدت السيطرة” في شمال قطاع غزة، فيما الواقع يقول بأنها لا تزال تتمتع بوجود عسكري في المنطقة.

3)تأكيد العديد من خبراء ومحللي الكيان العسكريين والسياسيين، بأن زمام المبادرة في ملف المفاوضات هو بيد قيادة حماس، وليس بيد مسؤولي الكيان.

4)رضوخ الكيان وقبول مسؤوليه السياسيين للهدنة، بسبب صفقة تبادل الأسرى التي عُرضت عليهم منذ الأيام الأولى للمعركة، والتي كانوا يرفضون الحديث حولها من أساسه.

5)مسارعة قادة الاحتلال الى القبول بخيار تمديد الهدنة، ورمي كرة تجديدها في ملعب المقاومة، لمعرفتهم بأنها هي صاحبة أوراق القوة في هذا الموضوع.

علي نور الدين

المصدر: موقع الخنادق




طلاب غزّة في مصر… بعد “طوفان الأقصى” عالقون بين ضيق هنا وحصار هناك

مع توقعات بامتداد أمد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة حتى وإن تم تمديد الهدنة المؤقتة السارية منذ الجمعة، 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، تتعاظم مخاوف أهل غزة المقيمين في مصر لأغراض التعليم والعلاج والذين انقطع التواصل بينهم وبين ذويهم في القطاع المحاصر وتوقف التعاملات المالية بين الأفراد في مصر وذويهم في القطاع، ما وضع كثيرين منهم في ضائقة مالية في مواجهة الاحتياجات الأساسية. 

خلال أيام العدوان ظهرت نداءات من الطلاب الجامعيين من أبناء قطاع غزة في الجامعات المصرية، موجهة لوزارة التعليم العالي لإعفائهم ولو مؤقتاً من الرسوم المطلوبة والمصروفات لانقطاع قدرة ذويهم على إرسال الأموال لهم من القطاع الواقع تحت القصف الإسرائيلي عقب عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. فيما بدأت مشكلاتهم تتفاقم مع عجزهم على الوفاء ببدل إيجارات المساكن التي يقطنونها للسبب نفسه، وهي المشكلة التي يشاركهم فيها المرضى وذووهم من قطاع غزة من الباقين في مصر لتلقي العلاج خاصة مع انهيار المنظومة الصحية في القطاع بفعل الاستهداف الإسرائيلي المستمر لمستشفيات غزة وباقي عناصر خدماتها الصحية والعلاجية، ومنع الوقود اللازم لتشغيل تلك المرافق.  

مع احتمالات تمديد أمد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، يتعقد موقف الطلاب من أبناء القطاع الدارسين في مصر مع انقطاع التواصل بينهم وبين ذويهم، وثقل كاهل الطلاب بالمصروفات والتكاليف المعيشية المطلوبة، فما الذي يفعله المصريون للتخفيف من هذا الوضع الحرج؟

حصار من نوع آخر 

محمد إسماعيل، والد شاب من قطاع غزة، جاء إلى مصر لإتمام إجراءات التحاق الابن بجامعة الزقازيق التي يفضلها أبناء القطاع الدارسين في مصر. يقول إسماعيل: “جئت إلى مصر يوم 26 سبتمبر/ أيلول الماضي، أي قبل الحرب بأيام قليلة، حتى أقوم بعمل الإجراءات اللازمة ليلتحق إبني بكلية الطب بجامعة الزقازيق، وبمجرد انتهائي من تقديم الأوراق نشبت الحرب في القطاع علقت هنا ولم أستطع التواصل مع أسرتي ليزودوني بالمال، ولم أتمكن من العودة لدعمهم في هذا الموقف، وقد عاد الإتصال لعدة دقائق علمت فيها أن ابنَي عمي قد استشهدا”. 

يحكي إسماعيل أن أمواله كانت موشكة على الانتهاء قبل بدء العدوان على القطاع “لكني لم أكن قلقاً لأن الأموال يفترض أن تصل بعد أيام، ولكن قامت الحرب ولم أستطع شراء الأغراض اللازمة لابني وبدأت أستعير النقود من جيراني في السكن واعداً إياهم بتسديدها عند العودة لبلدي، وقد حالت الحرب دون الوفاء بالوعد وتسديد الدين، وذهبت للسفارة الفلسطينية لمحاولة إيجاد حل لهذا المأزق لكن لم يجبني أحد”.

عندما تحدث إسماعيل إلى رصيف22 قبل أيام من بدء سريان الهدنة لم تكن الجمعيات الأهلية المصرية قد أعلنت بعد عن أية إجراءات لمساعدة أبناء غزة العالقين في مصر، والذين تمكن قليل منهم من العودة إلى القطاع خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهدنة بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة المعابر الفلسطينية.

وقتها ذكر لنا إسماعيل “إنه لا توجد أي مؤسسة أو جمعية أهلية تقدم يد العون أو الدعم لنا، غالبيتهم يتصلون بنا لجمع معلومات وبيانات فقط لكن لم تصلنا أي مساعدة منهم حتى وقتنا هذا. لكن المساعدات الحقيقية يقدمها لنا المصريون غير المنظمين في أية جمعيات أو مؤسسات واللجان الشعبية التي تقوم بتجميع الأموال لمساعدة أبناء غزة من الطلبة أو العالقين أو المصابين، وحصلت فعلاً على المساعدة من إحدى اللجان الشعبية التي يديرها أحد المشاهير المصريين والذي تكفل بتسديد ديني وقدم لي مساعدة مالية أيضاً”.

رئيس لجنة العلاقات العربية بحركة فتح : “أعداد الطلاب الفلسطينيين في مصر كثيرة، وهم الآن في حالة انقطاع مذرية ومنقطعين عن التواصل مع ذويهم، وهناك بعض الدول وعدت بتوزيع بعض المساعدات على الطلبة خاصة أن الوضع سوف يزداد صعوبة في الأشهر القادمة”

فاطمة حسنين طالبة في كلية الطب بجامعة القصر العيني من بنات قطاع غزة، أدى انقطاع الاتصالات عن القطاع إلى توقف التواصل بينها وبين أفراد أسرتها، ما يعني إلى جانب قلقها الدائم على أسرتها والذي يعيقها عن التحصيل فقد فقدت القدرة على الوفاء بالمصروفات والرسوم المطلوبة منها بحكم الدراسة وتكاليف المعيشة في القاهرة التي تعد واحدة من أغلى المحافظات المصرية وأعلاها في معدلات التضخم. 

تقول حسنين: “عقلي لا يتوقف عن التفكير في حالهم وما أصابهم ولا أستطيع التركيز والدراسة بشكل طبيعي. وبالكاد حصلت على مصروف شهر أكتوبر وقد مر يسيراً؛ أما مصاريف شهر نوفمبر فلم يحصل أي طالب فلسطيني على مصروفه من أهله مما جعلنا في مأزق، لكن المصريين جميعهم مهتمون بوضعنا وهناك بعض المصريين قاموا بتحويل أموال لنا، وأيضاً قامت الجالية الفلسطينية بمصر بمساعدة الشباب والعالقين هنا، لكن لم تقدم السفارة أو جامعة الدول العربية أي مساعدات مالية لنا”.

وأوضحت فاطمة أن الحملات الشعبية المصرية التي أطلقت “لمساعدة الغزّاويين” كثيرة لكن: “أغلبهم يساعدون بحق، لكن هناك قلة تتاجر وتتربح باسمنا؛ لذا أرجو من المتبرعين أن يكونوا واثقين من الجهات والأفراد الذين يجمعون الأموال بدعوى إغاثة الفلسطينيين العالقين في مصر، حتى لا يقعوا في عمليات النصب والإحتيال، أما السفارة الفلسطينية وجامعة الدول العربية فلم تصلنا منهم أي مساعدات مالية”. ويتفق معها بلال محمود طالب الطب في جامعة الزقازيق. 

انقطاع “مذري”

أما أيمن الرقب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس ورئيس لجنة العلاقات العربية بحركة فتح والمسؤول عن التواصل مع مصر سابقاً فيقول إن أعداد الطلاب الفلسطينيين في مصر كثيرة، مضيفاً في حديثه لرصيف22: “هم الآن في حالة انقطاع مذرية ومنقطعين عن التواصل مع ذويهم، وهناك بعض الدول وعدت بتوزيع بعض المساعدات على الطلبة خاصة أن الوضع سوف يزداد صعوبة في الأشهر القادمة”.

ويقوم البروفيسور أيمن الرقب بالتعاون مع سياسيين آخرين بإنشاء قاعدة بيانات لطلاب فلسطين في مصر لإتاحتها للمؤسسات الرسمية والأهلية الراغبة في دعم الطلاب الفلسطينيين الذين ينقطع التواصل بينهم وبين ذويهم الآن أو مستقبلاً. 

ويقول: “نخشى أن تطول هذه الأزمة لأن هذا سيزيد من الأعباء على كاهل الطلاب، والمشكلة الأكبر تكمن في من فقدوا ذويهم في الحرب وليس لهم مصدر للدخل، فكلما طالت الحرب كلما تفاقم حجم المعاناة”.

القاعدة التي يعمل الرقب وغيره من الأكاديميين لا تقتصر على طلاب قطاع غزة والضفة في مصر فقط، ولكن لجميع الدارسين الفلسطينيين في كل أنحاء العالم يقول: “نحن الآن نتواصل مع دول عربية، لكننا نتواصل أيضاً مع دول أجنبية وسف نعلن عن أسماء طلابنا ودراسينا في الخارج قريباً”. 

المستشار الثقافي بالسفارة الفلسطينية في القاهرة: عدد الطلبة الفلسطينيين داخل مصر يتخطى 13 ألفاً، وقد خاطبنا المسؤولين بمصر ليسمحوا بتقسيط المصاريف الجامعية كونها العائق الأكبر الذي يواجه الطلاب وذويهم في ظل الحصار الحالي على القطاع

وحول دور العمل العربي المشترك تحت لواء جامعة الدول العربية للتدخل لدى السلطات لتسهيل وضع هؤلاء الطلاب وغيرهم من العالقين من القطاع في دول العالم العربي وخاصة مصر في ظل العدوان الإسرائيلي الحالي والمتكرر، يقول الرقب: “جامعة الدول العربية لم تطرح ذلك الأمر على طاولة الحوار، ونحن كسياسيين ليس لدينا رغبة في التوجه لها (أي الجامعة). نحن نتوجه لمن يستطيع أن يقدم يد العون من بعض الدول والمؤسسات، وبالفعل توجد بعض المؤسسات الإجتماعية المصرية التي تسعى في هذا الأمر، ويوجد أيضاً بعض الجمعيات الأهلية التي تمكنت من الوصول لبعض الطلاب وعائلاتهم من العالقين ومدوا لهم يد العون، وهناك جهات سوف نعلن عنها قريباً سوف تساعد في حل تلك الأزمة المتعلقة بالعالقين والطلبة”

ناجي الناجي، المستشار الثقافي بالسفارة الفلسطينية في القاهرة، يقول لرصيف22 إن عدد الطلبة الفلسطينيين داخل مصر يتخطى 13 ألفاً “وقد خاطبنا المسؤولين بمصر ليسمحوا بتقسيط المصاريف الجامعية كونها العائق الأكبر الذي يواجه الطلاب وذويهم في ظل الحصار الحالي على القطاع، فأولياء الأمور لا يستطيعون في ظل تلك الحرب الشرسة للإبادة والتطهير العرقي أن يرسلوا الأموال لأبنائهم، وعدد المتضررين من الطلاب كبير للغاية وليس بالأمر الهين”.

ويضيف أن السفارة تلقت استجابة من السلطات المصرية بشأن ترحيل موعد سداد الأقساط للجامعات، وأن السفارة تعد الآن الأوراق اللازمة لتقنين ذلك القرار وطرحه للتنفيذ للسماح للطلاب من أبناء فلسطين وقطاع غزة بأداء امتحانات منتصف العام الموشكة على البدء في مصر. ويكمل: “هذا القرار تم تعميمه على الجامعات المصرية، ونحن ننتظر الإعلان الرسمي عن القرار من الجانب المصري حتى يكون هناك شئ من الارتياح”. واختتم الناجي حديثه: “الطلاب الذين فقدوا أسرهم في الحرب على القطاع تقوم السفارة بالتواصل معهم فهذا واجب وطني ومهني تجاههم، ونحن داخل السفارة نقوم بعمل كل الواجبات المطلوبة وهذا عبء كبير على السفارة وأحياناً يفوق قدراتها، والأسباب كثيرة ومعلومة للجميع. فالموارد قليلة وعدد الطلاب كبير، ورغم ذلك تحاول السفارة عمل كل ما في وسعها، فجميعنا نحاول رد قسط من الدين الذي في رقبتنا تجاه طلابنا الذين فارق أهلهم الحياة نصرة للشعب الفلسطيني أجمع”.

“أبواب الخير” مشرّعَة لفلسطين

الصحافي والناشط الأهلي هيثم التابعي مؤسس جمعية “أبواب الخير” ومديرها التنفيذي، يقول لرصيف22 إن المؤسسة أطلقت حملة لدعم طلاب غزة في مصر بعد اندلاع الحرب على القطاع، “نحن نقوم الآن بدعم 104 طالب من أبناء قطاع غزة و هدف الحملة هو دعم 250 طالباً، وكانت الخطة الأولى عند بدايتنا في منتصف أكتوبر هي الإستمرار حتى ديسمبر/ كانون الأول المقبل بتكلفة تصل مليوني جنيه مصري، لكن إذا أردنا دعم الطلاب مدة أطول من ذلك فنحن بحاجة الى حملة تبرعات قوية حتى نتمكن من المساعدة حتى إنتهاء الحرب على القطاع”. 

تواصل رصيف22 مع المتحدث الرسمي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر للتعرف على الإجراءات التي تعتزم الوزارة اتخاذها للتسهيل على طلاب غزة في مصر والذين يواجهون صعوبات في أداء المصروفات الجامعية المطلوبة والوفاء بإيجارات المساكن في ظل عدم سماح لوائح الجامعات باستضافتهم في المساكن الجامعية، إلا أننا لم نتلق رداً حتى لحظة إعداد التقرير للنشر. 

وصرح  الدكتور شريف رئيس قطاع شؤون الطلاب الوافدين في المجلس الأعلى للجامعات لموقع القاهرة 24، إنه قد صدر قرار في 14 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري من المجلس الأعلى للجامعات يسمح بتأجيل سداد أقساط الرسوم الجامعية للطلبة الفلسطينيين الدارسين من قطاع غزة الذين لم يستطيعوا سدادها حتى الآن، وأن القرار لم يحدد مدة التأجيل، وأنه من المتوقع أن تمتد طوال فترة الدراسة وفقاً للتوجيهات الصادرة لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي. ما قد يعني ضمناً تأجيل سداد الأقساط لحين انتهاء العدوان على القطاع.

حيدر قنديل

المصدر: موقع رصيف 22




أحمد الغندور.. قائد القسام في شمال غزة والمطارد رقم 3 شهيدًا

يعد القائد أحمد الغندور أرفع الأسماء التي أعلنت كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة “حماس”، اغتيالها من قبل الاحتلال الإسرائيلي خلال العدوان المستمر منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

ونعت القسّام الأحد، استشهاد 4 من قادتها خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، أبرزهم عضو المجلس العسكري وقائد لواء الشمال أحمد الغندور المعروف بـ”أبو أنس”.

وقالت في بيان: “تزف كتائب القسام ثلة من قادتها الأبطال، وهم القائد أحمد الغندور (أبو أنس)، عضو المجلس العسكري، وقائد لواء الشمال، والشهداء القادة: وائل رجب، ورأفت سلمان، وأيمن صيام”.

وأضافت أن “الشهداء ارتقوا في مواقع البطولة والشرف في معركة طوفان الأقصى”، دون تحديد تاريخ أو تفاصيل استشهادهم. وتابعت: “نعاهد الله أن نواصل طريقهم وأن تكون دمائهم نورًا للمجاهدين ونارًا على المحتلين”.

من هو؟

ولد الغندور (56 عامًا) وعاش في مدينة غزة، وكان ناشطًا في الجناح العسكري لحركة حماس خلال الانتفاضة الأولى عندما أسسه القائد الراحل  صلاح شحادة وكان يعرف وقتها باسم “المجاهدون الفلسطينيون”، قبل أن يحمل اسم “كتائب عز الدين القسام” مطلع التسعينيات.

اعتقلته سلطات الاحتلال بين عامي 1988-1994، ثم أكملت السلطة الفلسطينية هذه المهمة ضمن ما يعرف بسياسة الباب الدوار، لتعتقله الأخيرة عام 1995 وتفرج عنه في سنة 2000 مع اندلاع انتفاضة الأقصى.

وفي الانتفاضة الثانية، عمل أبو أنس مساعدًا للقائد عدنان الغول صانع أول قنبلة يدوية فلسطينية وأول مسؤول لدائرة التصنيع العسكري التابعة لـ “كتائب القسام”.

كان الغندور مسؤولًا عن حادث تدمير دبابة ميركافا/3 -رمز القوة العسكرية الإسرائيلية- في المنطقة والاشتباك مع جنود الاحتلال، في 15 فبراير/شباط 2003، في عملية قُتل فيها 4 جنود قرب مستوطنة دوغيت.

وبعد يومين دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي تساندها جرافات عسكرية خمسة منازل فلسطينية كان بينها منزل الغندور وجرفت أراضي زراعية واسعة بعد توغلها في بلدة بيت لاهيا القريبة من مستوطنة دوغيت شمال قطاع غزة.

قائد الشمال

وبعد استشهاد رفيقه عدنان الغول في أكتوبر/تشرين الأول 2004، وفي إطار التغييرات في قيادة حماس، جرى تعيين الغندور قائدًا للجناح العسكري في شمال قطاع غزة.

ويحظى الغندور – وهو اسم معروف لدى الغزيين – بشعبية واحترام كبيرين لديهم، فقد أشرف على صد اجتياح إسرائيلي لشمال غزة في أكتوبر/تشرين أول 2004، استمر ثلاثة أسابيع، واستشهد خلاله 130 فلسطينيًا.

مع الانتهاء من الانسحاب من المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة كجزء من خطة فك الارتباط عام 2005، كشفت حماس في وسائل الإعلام عن الشخصيات التي تدير تسلسلها القيادي.

وفي هذا الكشف جرت الإشارة إلى أحمد الغندور على أنه “قائد شمال قطاع غزة”، ومنذ ذلك الوقت، تصاعدت محاولات اغتياله.

في 23 سبتمبر/أيلول 2005، أثناء عرض عسكري لحماس كان الغندور مسؤولًا عنه في مخيم جباليا للاجئين في شمال قطاع غزة، ونجا وقتها من انفجار أدى إلى استشهاد 19 فلسطينيًا، وقالت الحركة إنه كان ناتجًا عن محاولة اغتيال إسرائيلية.

المطارد الثالث

كان الغندور من قيادة الصف الأول في الجناح العسكري والمطارد رقم 3 بعد قائد كتائب القسام محمد الضيف ونائبه مروان عيسى.

وتقول وسائل إعلام عبرية إن الغندور كان أحد المبادرين للسيطرة على قطاع غزة عام 2007 إثر رفض السلطة الفلسطينية تمكين حماس من الحكم بعد فوزها بالانتخابات التشريعية بنتيجة ساحقة.

كما ارتبط اسمه بعملية أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط والذي أفرج عنه لاحقا في صفقة وفاء الأحرار مقابل أكثر من ألف أسير فلسطيني.

https://twitter.com/Abbas_7adi/status/1728782796024398114?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1728782796024398114%7Ctwgr%5Efec0727c6ffb31e6f93eb6c80fdd5420140a55d3%7Ctwcon%5Es1_c10&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.noonpost.com%2F182929%2F

وفي 12 يوليو/تموز 2006، فشلت قوات الاحتلال في اغتياله عندما استهدفت الطائرات الحربية منزلًا وسط مدينة غزة قالت إنه كان يقيم فيه كبار أعضاء كتائب القسام ومن بينهم الغندور ومروان عيسى، لكنهما أصيبا بجروح طفيفة فقط.

وتقول وسائل إعلام عبرية إن الغندور كان مسؤولًا في 14 أبريل/نيسان 2006، عن إرسال خلية من جباليا في قطاع غزة عبر سيناء إلى “إسرائيل” ومن هناك إلى الضفة الغربية، لإقامة بنية تحتية عسكرية هناك.

كما كان قد نجا من محاولات اغتيال إسرائيلية أخرى في العدوان على منزله ومنازل كان يتحصن بها عامي 2012 و2014.

وفي العام 2014 استشهدت زوجته وابنته في قصف إسرائيلي استهدف منزلًا كانتا تتواجدان به. كما استشهد ابنه مهند، ابن الثانوية العامة، بعدما نجح في العبور مع 1000 من رفاقه في قوات النخبة القسامة في 7 أكتوبر.

وتقول مصادر محلية إن ابنا آخر له استشهد مع مهند في يوم العبور إلى مستوطنات غلاف غزة، دون أن يجري التأكد من هذه المعلومة.

“سلاحنا مقدس”

وصنفت الولايات المتحدة أحمد الغندور “إرهابيًا دوليًا” منذ عام 2017، بسبب ضلوعه في تنفيذ عدة عمليات عسكرية ضد “إسرائيل” منها إشرافه على عملية أسر الجندي جلعاد شاليط في منطقة كرم أبو سالم عام 2006.

وأشارت وزارة الخارجية الأمريكية في حينه إلى أنه كان عضوًا في مجلس شورى الحركة، وفرضت عليه عقوبات حول “ارتكابه أو خطر ارتكابه أعمال إرهاب تهدد أمن الرعايا الأميركيين والأمن القومي والسياسة الخارجية أو اقتصاد الولايات المتحدة”، وفق وصفها.

وكان الغندور نادر الظهور إعلاميًا، لكنه قال في مقابلة سابقة معه عام 2005: “استخدمت كتائب القسام كل ما استطاعت الحصول عليه من سلاح بداية من الحجر والملتوف والبنادق والرصاص والقنابل ثم منّ الله علينا بالمهندسين الذين وفقهم في صناعة المتفجرات”.

وأردف: “هذه المتفجرات وقود لكل المقاومين والمجاهدين وأصبحت سلاح رعب وردع للمحتلين فكانت العبوات بشتى أنواعها، وصواريخ القسام وتلك المضادة للدروع، وهي أسلحة جعلت المحتلين يفكرون ألف مرة في أي اجتياح بل أصبحوا يفكرون بالانسحاب”.

كما قال عقب الانسحاب الإسرائيلي في نفس العام إن “سلاحنا قضية مقدّسة غير قابلة للتفاوض، ومستحيل أن نتخلى عنه حتى لو قتلنا جميعًا”.

وقال عقب العدوان الإسرائيلي على غزة 2008-2009، في 14 فبراير/شباط إن كتائب القسام لم تفاجأ بحجم الحرب وأن “إسرائيل” تكبدت خسائر فادحة، رغم إمكانات حماس المتواضعة مقارنة بها.

خالد كريزم

المصدر: موقع نون بوست




كيف نسفت فيديوهات المقاومة من جديد مزاعم الاحتلال؟

طيلة الأسابيع الماضية، ظل الاحتلال الإسرائيلي وأبواقه يردد مزاعم تعرض الأسرى لدى المقاومة في غزة للتعذيب والاضطهاد النفسي والبدني، وأنفق ملايين الدولارات للترويج لهذه الفكرة بين قادة الدول والشعوب، حتى يبرر عدوانه الهمجي على القطاع.

ادعت حكومة الاحتلال أيضًا توغلها بريًا لمسافات كبيرة في عمق غزة، وسيطرتها على كل المفاصل والطرقات الحيوية في القطاع، وأنها أنهكت المقاومة وتكاد تقضي عليها، لمغازلة الرأي العام الداخلي الساخط عليها.

راهن الاحتلال على تفوقه الإعلامي للترويج لادعاءاته طيلة الفترة الماضية التي أعقبت عملية “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، كما فعل بحروب سابقة في فلسطين ولبنان، لكن معطيات عديدة تغيرت، فالمقاومة تطورت عسكريًا وإعلاميًا أيضًا.

من خلال فيديوهات قصيرة لا تتعدى مدة الواحد منها في الغالب الدقيقتين، نجحت المقاومة الفلسطينية في نسف ادعاءات الاحتلال الإسرائيلي فيما يخص معاملة المقاومة للأسرى، وكذلك سيطرة الاحتلال على الأرض، وهو ما سنستعرض تفاصيله في هذا التقرير.

قوة حماس

ادعى الاحتلال الإسرائيلي إنهاك المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حماس وجناحها العسكري كتائب القسام، إلا أن الواقع عكس ذلك، فالهدنة التي تم التوصل إليها تعد انتصارًا للمقاومة، ذلك أن الفلسطينيين أجبروا الاحتلال على الموافقة على شروطهم صاغرًا.

إتمام المقاومة لعمليات تسليم الأسرى الإسرائيليين والأجانب بطريقة احترافية، وفق المتفق عليه، زمانًا وتفاصيل لوجستية، دون أي خلل، يؤكد أن المقاومة ما زالت قوية والمتحكم في سير الأمور في قطاع غزة.

ادعى الإسرائيليون قرب القضاء على حماس، لكن كلامهم مجانب للحقيقة كالعادة

وفي الوقت الذي يروج فيه الاحتلال لتقدمه ميدانيًا ويصرف ملايين الدولارات لترويج هذه الأكاذيب، نشرت حماس فيديو قصيرًا يظهر عناصر من “كتائب عز الدين القسام” وسط مدينة غزة، في استعراض للقوة رافق تسليم الدفعة الثالثة من المحتجزين المفرج عنهم ضمن بنود اتفاق الهدنة السارية في غزة.

يبين هذا الفيديو تسليم القسام 13 محتجزًا إسرائيليًا و3 محتجزين تايلنديين وروسيًّا للجنة الدولية للصليب الأحمر في ميدان فلسطين وسط مدينة غزة، المعروف محليًا بـ”الساحة”، وسط حضور عشرات الفلسطينيين المدنيين وعناصر ملثمة من كتائب القسام.

وتعد المنطقة التي تم فيها تسليم المحتجزين منطقة قتال في شمال وادي غزة، وفقًا لبيانات سابقة للجيش الإسرائيلي، وسبق أن قال الجيش إنه توغل فيها، لكن هذا الفيديو يبين أن المقاومة تتحرك هناك بأريحية تامة وسط دعم جماهيري كبير.

راهن الجيش الإسرائيلي طيلة 50 يومًا مضت من القصف العشوائي لقطاع غزة، على إضعاف الحاضنة الشعبية للمقاومة، وحشرها في الزاوية، لكنه عجز عن ذلك، فحاضنة المقاومة اليوم أكبر وأشد قوة من أي وقت مضى.

عزز فيديو القسام الأخير وسط غزة خسارة الكيان الإسرائيلي للرأي العام، وأكد أن المقاومة تبسط قوتها ميدانيًا وأنها المتحكم على الأرض، عكس ادعاءات كيان الاحتلال، ما يجعل حكومة نتنياهو في ورطة أكبر.

نجحت المقاومة بهذه التقنيات البسيطة في نسف فكرة الجيش الذي لا يُقهر، فطيلة أيام العدوان، كان الإسرائيليون يرددون الأكاذيب ويزعمون التقدم على الأرض، لكن هذه الهدنة فضحت كذبهم وعرت فشلهم أمام الرأي العام العالمي.

ادعى الإسرائيليون قرب القضاء على حماس، لكن كلامهم مجانب للحقيقة كالعادة، فمحمد الضيف والسنوار ممسكان بزمام الأمور، يحركان الأوراق بالطريقة التي تناسبهما وتخدم القضية الفلسطينية العادلة بعيدًا عن البروباغندا الإسرائيلية.

يبدو أن السيطرة على غزة والقضاء على المقاومة وعلى رأسها “حماس” وجناحها العسكري كتائب القسام، لم تكن إلا أحلام يستحيل تحققها على أرض الواقع، فالمقاومة مؤمنة بقضيتها العادلة، عكس مرتزقة الاحتلال القادمين كل حدبٍ وصوْب.

أثبتت “حماس” بعد أكثر من شهر ونصف من القتال المتواصل أنها ما زالت قوية وتسيطر على قطاع غزة، على عكس الادعاءات الإسرائيلية، وأثبتت أن سياسة الأرض المحروقة التي يتبعها الاحتلال الصهيوني لم تزدها إلا قوة.

“باي مايا”

هزائم الاحتلال الإسرائيلي لم تتوقف هنا، فالدعاية التي روجها بخصوص الأسرى لدى المقاومة سقطت في الماء أيضًا، فطيلة أسابيع مضت كان الاحتلال يدّعي بمعية حلفائه تعرض الأسرى للاضطهاد والتنكيل على يد المقاومة، لكن الفيديوهات الأخيرة للقسام أثبتت عكس ذلك.

تم منع الأسرى المفرج عنهم من التصريح لأي وسيلة إعلامية حتى لا يتكرر ما حصل من قبل، لكن الصورة أبلغ من الوصف، إذ نشرت المقاومة صورًا وفيديوهات توثق عملية الإفراج عن الأسرى وتسليمهم للصليب الأحمر.

انتشرت هذه الصور والفيديوهات بسرعة في مواقع التواصل الاجتماعي وتم تناقلها بكثافة، ما مثل صدمة لحكومة نتنياهو، إذ وثقت هذه المشاهد المعاملة الحسنة من عناصر المقاومة للأسرى المحتجزين لديها، وتُظهر حالتهم الحسنة كأنهم لم يكونوا تحت القصف.

من الفيديوهات التي انتشرت بقوة، فيديو لأم وطفلتها وهما تودعان جنود المقاومة الفلسطينية بالابتسامات، فضلًا عن مقطع لشابة مصابة يودعها جندي المقاومة بقول: “باي مايا”، لترد عليه بنظرات حب “باي شكرًا”.

كما برز فيديو آخر لأحد عناصر المقاومة يحمل أسيرة كبيرة في السن، على ذراعيه ويضعها برفق في سيارة الإسعاف التابعة للصليب الأحمر، حتى لا يحمّلها عناء المشي على قدميها، ومشهد آخر لمقاوم يحمل طفلًا أيضًا.

أظهرت هذه المشاهد المتداولة أن عناصر المقاومة الفلسطينية كانوا أرحم بالأسرى الإسرائيليين والأجانب من الاحتلال الصهيوني نفسه، فهذا الاحتلال الذي يدّعي حمايتهم، وضعهم بعد الإفراج عنهم في أماكن منعزلة يصعب الوصول إليها، ومنع عنهم الحديث حتى لا يتم فضح أكاذيبه.

الاحتلال في موقف صعب

هذه المرة الأولى التي نرى فيها أسرى يعبرون عن ودّ آسريهم، وهو ما يحرج الكيان الإسرائيلي، الذي بنى حربه ضد غزة على شعارات تحرير الأسرى وإنهاء الاضطهاد الذي يتعرضون له على يد المقاومة الفلسطينية، وفق زعمهم.

طيلة سنوات مضت عمل الاحتلال الصهيوني على شيطنة المقاومة الفلسطينية وتشويهها، للحصول على الدعم الدولي وتبرير اعتداءاته الهمجية المتكررة ضد الفلسطينيين، لكن المقاومة أثبتت عبر فيديوهات قصيرة، علو كعبها وعدالة الإسلام ورحمة المسلمين.

سجلت المقاومة الفلسطينية مواقف كثيرة خلال عمليات تسليم الأسرى، وبعثت رسائل متعددة للإسرائيليين والمجتمع الدولي ككل، فهي عكس ما يروج له الاحتلال، لا تعتمد العنف ولا تتبناه إنما تدافع عن قضية عادلة.

وضع الأسرى الإسرائيليون الذين كانوا محتجزين في غزة من المقاومة الفلسطينية، حكومة الاحتلال الصهيوني في موقف لا تحسد عليه، إذ أثبتت المقاومة سيطرتها على ساحة المعركة وأكدت حسن تعاملها مع الأسرى، عكس ما تروج له آلة الدعاية الإسرائيلية.

عائد عميرة

المصدر: موقع نون بوست




سيناريوهات ما بعد الهدنة.. وفرضية التهجير الكامل في غزة تتراجع

شكّلت الهدنة المؤقتة التي جرى التوصُّل إليها بوساطة قطرية فرصة لالتقاط الأنفس في قطاع غزة، بعد نحو شهر ونصف من القتال المتواصل بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول.

وشكّلت هذه الهدنة المؤقتة فرصة أمام كافة الأطراف السياسية واللاعبة في الميدان، للوقوف أمام قراءة جديدة للمشهد في ضوء الفشل الإسرائيلي في حسم المشهد، وحالة الصمود الصلب للمقاومة والشعب الفلسطيني في قطاع غزة بطريقة أذهلت الاحتلال والعالم.

وتطرح الحالة القائمة سيناريوهات جديدة هي إما استمرار مزيد من الهدن الإنسانية، في مقابل إبرام مزيد من عمليات التبادل بين حركة حماس والاحتلال الإسرائيلي بوساطة الدوحة والقاهرة وواشنطن، وإما استئناف القتال لأيام وربما أسابيع طويلة في ظل مجلس الحرب الإسرائيلي الحالي.

وفي ظلّ استمرار الحديث عن إمكانية استمرار القتال من رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، حتى القضاء على حركة حماس، فإن هذا الأمر قد يحمل إمكانية كبيرة للعودة إلى القتال من جديد بعد انتهاء مرحلة الهدن الإنسانية، سواء تكررت أو توقفت خلال الفترة الحالية.

إلا أن اللافت هو وجود قراءة عربية ودولية بعدم إمكانية القضاء على حركة حماس خلال الحرب المتواصلة للشهر الثاني على التوالي، حيث تصاعدت المواقف المؤكدة على استحالة تحقيق هذا الأمر وعدم واقعيته، بما في ذلك مواقف مسؤولين في الاتحاد الأوروبي.

وإلى جانب هذا، إن الموقف العربي الرافض لسيناريو التهجير هو العامل الأبرز في أن استمرار الحرب الحالية لن يؤدي إلى أية نتائج، سوى المزيد من التدمير والقتل في غزة، خصوصًا الأردن ومصر ورفضهما لأي حديث عن التهجير لاعتبارات أمنية وسياسية خاصة بهما.

ويمكن أن تؤدي عمليات التبادل الدائرة بوساطات عربية وأمريكية خلال الفترة الحالية، إلى طرح سيناريو التوصل إلى اتفاق تهدئة شامل، يضمن إجراء عملية تبادل ووقف إطلاق نار طويل الأمد بعض الشيء، إلى جانب إجراء عملية إعادة إعمار لقطاع غزة بعد الدمار الذي حلَّ به.

ففي الوقت الذي يريد فيه نتنياهو ومجلس حربه استعادة أسراهما البالغ عددهم أكثر من 239 أسيرًا في غزة قبل عملية التبادل الأخيرة، تريد المقاومة الفلسطينية وحركة حماس إجراء صفقة تاريخية تؤدي إلى تبييض السجون من كافة الأسرى الفلسطينيين، البالغ عددهم أكثر من 6 آلاف.

أصل التهجير.. خطة إسرائيلية قديمة

يتعرض الفلسطينيون منذ 75 عامًا للتهجير القسري الذي يصنَّف أيضًا كجريمة ضد الإنسانية، وهو سياسة ممنهجة يمارسها ضدهم الاحتلال الإسرائيلي منذ نكبة عام 1948، حيث عرف التاريخ حالات أخرى للتهجير القسري، مثل تهجير تتار القرم في عهد الزعيم السوفيتي السابق جوزيف ستالين عام 1944.

وخلال الحرب الحالية، عمد الاحتلال إلى إبعاد الفلسطينيين عن أراضيهم ومنازلهم بالقوة العسكرية، من خلال الأحزمة النارية التي كان يستهدف بها الأحياء السكنية، لإخلائها من السكان وإرهاب الآخرين، إلى جانب الطلب الواضح في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول الماضي من قرابة 1.1 مليون نسمة النزوح تجاه الجنوب.

ووفقًا لتقديرات أممية ورسمية حكومية في غزة، فإن إجمالي أعداد النازحين في قطاع غزة كاملًا من شماله إلى جنوبه يبلغ 1.7 مليون نسمة، في الوقت الذي تجاوز فيه أعداد الشهداء قرابة 20 ألف شهيد، بما يشمل من هم تحت الأنقاض والذين لم يتم انتشالهم.

وعاد الحديث عن التهجير من خلال الخطة التي تسرّبت ملامحها لأول مرة عام 2000، ووضعها جنرال الاحتياط الإسرائيلي الشهير غيورا آيلاند، الذي شغل منصب رئيس قسم التخطيط في جيش الاحتلال الإسرائيلي ورئيس مجلس الأمن القومي، وكانت مبنية على انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة تحقّقَ فعلًا عام 2005.

ونصت الخطة على أن تنقل مصر إلى قطاع غزة مناطق من سيناء، مساحتها 720 كيلومترًا، وهذه الأراضي عبارة عن مستطيل ضلعه الأول يمتد على طول 24 كيلومترًا من شاطئ البحر المتوسط من رفح غربًا حتى العريش، وبعرض 20 كيلومترًا داخل سيناء، إضافة إلى شريط يقع غرب كرم أبو سالم جنوبًا، ويمتد على طول الحدود بين فلسطين المحتلة ومصر، وتؤدي هذه الزيادة إلى مضاعفة حجم قطاع غزة البالغ حاليًّا 365 كيلومترًا نحو 3 مرات.

وتوازي مساحة 720 كيلومترًا نحو 12% من أراضي الضفة الغربية، ومقابل هذه الزيادة على أراضي غزة يتنازل الفلسطينيون عن 12% من أراضي الضفة الغربية التي ستضمها “إسرائيل” إليها، شاملة الكتل الاستيطانية الكبرى، وغلاف مدينة القدس (وحاليًّا القدس نفسها حسب سياسة نتنياهو).

ومقابل الأراضي التي ستتنازل عنها مصر لتوسيع قطاع غزة، سيحصل الاحتلال على منطقة جنوب غربي النقب، توازي تقريبًا مساحة المنطقة التي ستتنازل عنها، وبعد ذلك تسمح “إسرائيل” لمصر بارتباط برّي بينها وبين الأردن، من خلال حفر قناة بينهما.

وستمرُّ القناة التي يبلغ طولها نحو 10 كيلومترات من الشرق إلى الغرب، على بُعد 5 كيلومترات من إيلات، وتكون خاضعة للسيادة المصرية، واقترح آيلاند أن تقترح أوروبا المشروع وتتبنّاه الولايات المتحدة ومصر والأردن، لكن الفلسطينيين رفضوه تمامًا.

سيناريوهات ما بعد الهدنة.. مزيد من الهدن أم عودة إلى القتال؟

عُدَّ التوصُّل إلى اتفاق الهدنة المؤقتة الأول بمثابة اختراق في جدار الكثافة النارية وحدّة القتال الذي استمر 48 يومًا، ونجاحًا بالنسبة إلى الوسطاء يمكن البناء عليه لاحقًا بطريقة تضمن إمكانية تجديد هذه الهدنة أيامًا أخرى، يبنى عليها للوصول إلى اتفاق مستقبلي.

إلا أنه ورغم هذا الأمر، فإن المشهد من الناحية الميدانية والواقعية يبدو منفتحًا على مزيد من القتال من الطرف الإسرائيلي، خصوصًا في ظل الاختلافات الإسرائيلية الداخلية، وتشبُّث نتنياهو من الناحية المنطقية في بقائه في منصبه أطول وقت ممكن.

ففي الوقت الراهن، يسعى نتنياهو إلى إطالة أمد المعركة للاستفادة من بقاء غريمه السابق وشريكه في مجلس الحرب بيني غانتس تحت جناحه، والذي باتت استطلاعات الرأي تمنحه إمكانية أن يكون رئيسًا للحكومة الإسرائيلية المقبلة في الانتخابات الجديدة، التي من المتوقع أن تتبع نهاية الحرب فيما لو سقطت حكومة نتنياهو.

ويطرح المشهد الحالي عدة سيناريوهات، أبرزها العودة الجزئية إلى الوضع قبل الحرب، لكن مع وجود حدود أكثر تأمينًا بين غزة والاحتلال، وتوسيع المناطق المحظورة داخل القطاع، واستمرار الحصار شبه الكامل الذي فرضه الاحتلال في 8 أكتوبر/ تشرين الأول، وهو سيناريو لا يبدو أن المقاومة قد تقبل به.

أما السيناريو الثاني فهو الإصرار على تهجير الفلسطينيين، من خلال استمرار الضغط على سكان القطاع، وضرب المزيد من الأهداف المدنية، وتدمير ما تبقى من بنية تحتية، وهو أمر مرفوض فلسطينيًّا وعربيًّا، ولا يحظى بغطاء دولي وأمريكي، وسيخلق حالة تصعيد أكبر في المنطقة.

السيناريو الثالث هو التوصُّل إلى صفقة شاملة تكون المقاومة والسلطة طرفًا فيها إلى جانب الوسطاء، يتم من خلالها إخراج حماس من السيطرة على غزة جزئيًّا، على أن تبقى لاعبًا في المشهد، وهو أمر قد يحظى بقبول الحركة والدول العربية في المرحلة الراهنة لوقف الحرب.

غير أن الثابت في المرحلة الحالية هو أن حجم الدعم الواسع للعدوان الإسرائيلي قد حُجّم، وباتت هناك تحركات دولية تهدف إلى إنهاء هذا العدوان ووقفه في ضوء الحركات الشعبية الداخلية والتظاهرات، والخشية من تداعياتها على المشهد الدولي والإقليمي مستقبلًا.

يوسف سامي

المصدر: موقع نون بوست




رغم الألم.. ما المكاسب التي حققتها “طوفان الأقصى” حتى اليوم؟

أكثر من 50 يومًا مضت منذ بداية حرب الإبادة الإسرائيلية ضد قطاع غزة، تلك الحرب المستعرة بدعم سياسي ولوجستي غربي غير مسبوق، ضد مقاومة محدودة الإمكانيات والقدرات، ومفروض عليها حصار جائر من الأعداء والأشقاء منذ سنوات عدة.

وبلغة الأرقام فإن المقارنة هنا غير متكافئة بالمرة، بين جيش نظامي مصنف ضمن أقوى جيوش العالم، وفصائل مسلحة تعتمد على ترسانة من الأسلحة المصنعة يدويًا، ومن هنا جاء البون الشاسع في خريطة أعداد الضحايا، قرابة ألفي قتيل في صفوف الاحتلال مقارنة بأكثر من 15 ألف شهيد فلسطيني، نحو 70% منهم أطفال ونساء.

وبهذا الخطاب الذي يردده المحتل ويجيد تكراره بعض العرب المنبطحين الجالسين في مقاعد المتفرجين في انتظار هزيمة المقاومة التي تغيظهم بشكل مؤلم، فإن دولة الاحتلال حققت انتصارًا عظيمًا، غير أن هذا الخطاب لم يجد صداه لدى الداخل الإسرائيلي الذي وصف ما حدث أولًا في 7 أكتوبر/تشرين الأول بأنه هزيمة مزلزلة لم يشهدها الكيان في تاريخه، وصولًا إلى اللحظة الحاليّة حيث صمود المقاومة على مدار 50 يومًا رغم القصف الوحشي البربري، وإجبارها لحكومة الحرب على الهدنة وتبادل الأسرى، وهي اللحظة التي وصفها الإعلام العبري بـ”الكارثة” و”الاستسلام” لإرادة حماس وبقية الفصائل.

وبعد 50 يومًا مضت على عملية الطوفان، يمكن قراءة المشهد بصورة أكثر وضوحًا، رغم أن القتال لا يزال دائرًا، والتقييم الآن سابق لأوانه، فإن الكثير من الخيوط التي زال الغموض عنها يمكنها أن تكشف النقاب عن بعض المكاسب التي حققتها العملية على الأرض بالفعل ورُفعت ألوية النصر عليها، بصرف النظر عن سيناريوهات ما هو قادم.

أولًا: الثمن فادح.. تناسبًا مع الغاية

– بداية وقبل استعراض ما تحقق ميدانيًا من مكاسب للطوفان على مختلف الأصعدة، تجدر الإشارة إلى ضرورة تفكيك طلاسم المشهد وفق الخطاب الانهزامي الانبطاحي الذي يتبناه البعض، عرب وعجم، وترديد السردية الجنرالية الإسرائيلية للخروج من المأزق بوهم يحفظ ماء الوجه الذي مرغته المقاومة في 7 أكتوبر/تشرين الأول.

– يستند هذا الخطاب كما أشير سالفًا إلى لغة الأرقام، مستعرضًا المقارنة بين خسائر الجانب الفلسطيني والجانب الإسرائيلي، وهي المقارنة التي تفتقد ابتداءً لفحواها ومضمونها، إذ إن المعركة هنا ليست بين جيوش نظامية، إنما بين جيش احتلال نظامي مدجج بأحدث الأسلحة والعتاد ومقاومة مسلحة، وعليه فإن سحب معايير التقييم العسكري على تلك المواجهة فاقد للدقة وللموضوعية، ولا يمكن الاستناد إليه في تقييم المشهد وقراءته بشكل موضوعي.

– ويمكن الوقوف على فقدان تلك المعادلة للدقة عبر استدعاء تجارب حركات التحرر على مر التاريخ، وعلى رأسها المقاومة الفيتنامية التي دفعت على مدار عقدين كاملين، لأجل طرد المستعمر الأمريكي، قرابة 882 ألف قتيل، بينهم 655 ألف رجل بالغ، و143 ألف امرأة بالغة، و84 ألف طفل، كذلك التجربة الليبية التي سقط خلال معركة تحريرها من قبضة الإيطاليين أكثر من ربع سكان مدينة برقة (60 ألف مواطن)، معقل المقاوم المجاهد عمر المختار.

– وهناك أيضًا حركة المقاومة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي، حيث ضحى الجزائريون خلال ثورة التحرير التي قادوها إبان الفترة من 1954-1962 بأكثر من ربع سكان البلاد، أي قرابة 1.5 مليون جزائري.

– في كل تلك التجارب كان البون شاسعًا بين المقاومة وجيوش الاستعمار النظامية، ولو وضعت المقاومة في اعتبارها هذا الفارق الكبير في الإمكانيات بينها وبين المستعمر، لما تحررت أرض على مر التاريخ، فالثمن يكون غاليًا حينما يكون الهدف والغاية نبيلًا، وليس هناك أنبل ولا أغلى من تحرير الأرض وحفظ العرض يُدفع لأجله الثمن.

كسر أسطورة التفوق

حققت عملية الطوفان العديد من المكاسب على المستوى العسكري أبرزها:

– هدم أسطورة الجيش الذي لا يقهر، والقضاء على وهم التفوق العسكري الإسرائيلي، حيث نجح العشرات من المسلحين في اختراق كل الأنظمة الدفاعية لجيش الاحتلال، وأسر الكثير من المستوطنين والمجندين معًا.

– إسقاط جهازي الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية، بداية من فشل التنبؤ بعملية الاقتحام وعرقلة حدوثها، وصولًا إلى عدم القدرة على التوصل لأماكن اختباء الأسرى والرهائن وشبكة الأنفاق الخاصة بحماس رغم مرور 50 يومًا من القتال، وبالتبعية افتضاح قدرات وإمكانيات أجهزة التجسس التي كانت تتفاخر بها تل أبيب وتصدرها للدول الديكتاتورية ومن بينها أنظمة عربية.

– الكشف عن تواضع الترسانة التسليحية الإسرائيلية ووهم تفوقها التكنولوجي، حيث سقطت الآليات المتطورة بسهولة في قبضة المقاومة، وتم تدميرها بشكل بدائي، بما يسقط الهالة الإعلامية التي روجت لها “إسرائيل” بشأن قدرات تلك الأسلحة الخارقة لتسويقها إقليميًا ودوليًا.

إحياء القضية وسقوط الأقنعة

أما على المستوى السياسي فأبرز ما تم إنجازه:

– إحياء القضية الفلسطينية مرة أخرى بعد سنوات من محاولة طمسها، حتى تحولت إلى الحدث الأبرز الآن على الساحة العالمية، متصدرة قوائم الاهتمام الدولي والإقليمي وباتت الحاضر الأبرز لدى منصات الإعلام الدولي.

– عرقلة ووقف قطار التطبيع بعدما تكشفت الأمور بشكل جدي، حيث كشفت دولة الاحتلال وحلفاؤها الغربيين عن وجههم العنصري الوحشي الحقيقي، بما يجعل من مواصلة سير هذا القطار أمرًا غاية في الصعوبة، على الأقل في الوقت الراهن، ويضع البلدان الراغبة في اللحاق به في مأزق كبير أمام شعوبها وشعوب المنطقة.

– تعزيز الزخم العالمي تجاه القضية ودعم المقاومة والتعاطف مع غزة، وهو ما تكشفه خريطة التظاهرات والفعاليات التي عمّت معظم دول العالم، بما فيها الدول الداعمة للكيان المحتل، ما يمثل ضغطًا كبيرًا على حكومات العالم بشأن توجهاتها ومواقفها السياسية تجاه القضية الفلسطينية برمتها، وهو ما يمكن قراءته من خلال مواقف بعض الدول كإسبانيا وبلجيكا وجنوب إفريقيا والبرازيل، بخلاف تراجع حدة الخطاب الغربي تجاه المقاومة لا سيما الأمريكي والبريطاني والفرنسي.

– التأكيد على قدرة المقاومة على إحداث الفارق، وأنها لاعب مهم في إدارة المشهد لا يمكن استبعاده مهما كانت المؤامرات والمخططات العربية والغربية.

– كشف النقاب عن ازدواجية الغرب وعنصريته في التعامل مع دولة الاحتلال والقضية الفلسطينية بعد سنوات من الخداع عبر الشعارات والمبادئ المزيفة، ما يمكن البناء عليه في رسم خريطة التوجهات والتحالفات مستقبلًا.

– إسقاط الأقنعة عن بعض الأنظمة العربية المتخاذلة، وكشف الغطاء العربي الوهمي بشكل فاضح، وإعادة ترتيب شكل المنطقة وفق معادلات وأبجديات جديدة.

– ترسيخ مفاهيم العدالة والسيادة والاستقلالية عند التعاطي مع فكرة حلحلة القضية الفلسطينية، حيث أعيد طرح فكرة حل الدولتين مرة أخرى، بعد مساعي حثيثة من الكيان لتغطيتها من خلال التغول الاستيطاني وفرض معادلة جديدة ميدانيًا.

– إرباك المشهد الداخلي الإسرائيلي من خلال إحداث حالة من الانقسام والتفتت بسبب إدارة المقاومة للمعركة بشكل جيد، وارتدادات ذلك على الشارع الإسرائيلي ونخبته العسكرية والسياسية.

نجاح ساحق في معركة الوعي

– قبل عملية الطوفان كانت القضية الفلسطينية تعاني من ميوعة وتسطيح كبير، خاصة لدى الأجيال الناشئة، التي ما عاصرت أحداثًا جسامًا تغير قواعدها الفكرية، فضلًا عن الغزو الثقافي التطبيعي الذي كان يمارس عليها من الصهيونية العالمية والعربية.

– يضاف هذا الخذلان إلى خذلان أقبح وأعظم، يتمثل في حالة الانبطاح التي كان عليها العجزة وكبار السن من الفلسطينيين، لا سيما في الضفة ورام الله وغيرها من المناطق الأخرى، حيث الرضوخ للاحتلال وتجنب الدخول في صدام ومواجهات معه، وهي النبتة السوداء التي زرعتها السلطة الفلسطينية وروتها بسياساتها الانبطاحية.

 وما إن جاء الطوفان حتى تغيرت المعادلة، فالتفاصيل القاسية التي عاشها سكان تلك المناطق تسببت في زرع مفاهيم ومعاني المقاومة والجهاد في أنفس الملايين من الشباب الصغار الذي لم يعايش حدثًا بهذا الحجم.

– وإن كان الاحتلال يتفاخر بالأرقام الكبيرة في أعداد الضحايا حاليًّا فإنه لا بد أن يستعد جيدًا لأجيال قادمة من صغار السن، نجح بعنصريته وانتهاكاته في إخراجها من براثن التدجين إلى آفاق الثورة والتحرر، وهو ما تكشفه المظاهرات التي عمت الضفة وغيرها رغم التضييق الأمني من السلطة الفلسطينية، كما قدمت الضفة أكثر من 200 شهيد منذ الحرب في تطور أيديولوجي سيكون له تأثيره الكبير على مسار المواجهات مستقبلًا.

إنجاز إعلامي جديد

– قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023  كان الاحتلال يتبنى سردية متطرفة لشيطنة المقاومة وفصائلها، ثم تعززت تلك السردية مع عملية الطوفان والمشاهد التي حرص الاحتلال على تصديرها للرأي العام الدولي، لإثبات أن حماس ورفقاءها فصائل إرهابية يجب استئصال شأفتها من فوق الأرض.

– وبلا شك أثرت تلك الصورة المشوهة على القضية الفلسطينية إقليميًا ودوليًا، لكن سرعان ما تداركت الحركة هذا المخطط ونجحت من خلال إدارتها للمشهد تباعًا على مدار الـ50 يومًا الماضية في تخفيف حدة هذه الصورة، وعلى العكس جمّلتها بشكل أحدث انقسامات حادة في الشارع الإسرائيلي، شعبيًا وإعلاميًا وسياسيًا.

– واستطاعت المقاومة عبر إستراتيجياتها العسكرية والسياسية والإعلامية، خاصة في بياناتها الدورية ذات المصداقية العالية، وتحويل الناطق باسمها “أبو عبيدة” إلى نجم شباك لدى العرب والإسرائيليين على حد سواء، بجانب إدارتها لملف الأسرى والرهائن باحترافية، سواء من حيث التعامل الجيد مع المحتجزين، أم إبداء الرغبة في حلحلة هذا الملف وإطلاق سراح الأطفال والنساء ومزدوجي الجنسية، وفق ما نقلت التقارير الإعلامية.

– كل ذلك ساهم في تخفيف الصورة المشوهة عن المقاومة، وبدأ الإعلام الإسرائيلي يتحدث بشكل علني وواضح عن المعاملة الجيدة للأسرى عن طريق عناصر القسام، وهي الصورة التي حاولت حكومة الكابينت منع تصديرها، من خلال التضييق على المفرج عنهم ومنعهم من التحدث لوسائل الإعلام، حتى لا تنفضح الرواية الإسرائيلية التي تشيطن حماس وتعزف على هذا الوتر لكسب الدعم الشعبوي في الداخل والخارج.

الغريب هنا أنه رغم تراجع خطاب الشيطنة للمقاومة في الإعلام العبري والغربي، فإن حدته لا تزال على ذات الدرجة لدى بعض المنتسبين للعرب، ممن يتبنون السردية الإسرائيلية منذ اليوم الأول للحرب، مشككين في كل الانتصارات التي حققتها المقاومة وشهد بها المحتل وأقرها إعلامه، ولا يمكن نكرانها إلا من مرضى نفسيين وجيوش مؤدلجة وكتائب إلكترونية ممنهجة يؤلمها أن تخرج من براثن الانبطاح والانهزامية.

هكذا، وبصرف النظر عن أي سيناريوهات قادمة بشأن مجريات الحرب الدائرة في غزة، فإن عملية “طوفان الأقصى” نجحت وباقتدار في تحريك المياه الراكدة في مسار القضية الفلسطينية المتجمد منذ سنوات، لتعيدها للأضواء مرة أخرى، مجهضة كل المؤامرات التي حيكت وتحاك لإنهائها عبر إستراتيجية الموت البطيء، وتعيد تشكيل معادلة التوازن والقوى وفق معطيات جديدة، بعيدًا عن الخذلان الذي كان سيد الموقف لعقود طويلة.

عماد عنان

المصدر: موقع نون بوست