1

في عالم غاب فيه العقل السياسي لم يبق للمتضامنين مع فلسطين سوى شعاراتهم وتراكماتها التاريخية

نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للمعلقة نسرين مالك قالت فيه إن الشاعر السوري نزار قباني الذي يعتبر أشهر شعراء العرب في العصر الحديث، كتب في عام 1988، ثلاثية “أطفال الحجارة”، وكانت القصيدة مهداة لأطفال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، الذين أصبحوا، برشقهم الجنود الإسرائيليين بالحجارة، رموزا للعصر.

واندلعت الانتفاضة عام 1987 بسبب الإحباط الناتج عن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وتميزت بالعصيان المدني والاحتجاج السلمي، والأهم من ذلك، أن رموزها كانوا هم هؤلاء الأطفال.

وكتب قباني: “يا تلاميذ غزة لا تبالوا بإذاعاتنا..”، معتبرا نفسه جزءا من جيل أكبر سنا فشلت محاولاته للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل في توفير الحرية للفلسطينيين. وقال: “ولا تسمعونا../ نحن أهل الحساب/ والجمع/ والطرح.. إن عصر العقل السياسي/ ولى من زمان/ فعلمونا الجنونا”.

أصبح من الواضح الآن أن مئات الآلاف من المتظاهرين الذين شاركوا في مسيرات من أجل غزة، من لندن إلى واشنطن، ليسوا من دعاة الكراهية

 وتعلق الكاتبة أن قباني كان جزءا من التقليد العربي للفن والأدب الذي عبر عن يأس الفلسطينيين، وكيف أن ملاذهم الوحيد هو “جنون” الأطفال الذين يرشقون قوة مسلحة بالحجارة. ولم يبق لهم سوى رفض قبول هزيمتهم والانحياز ضد الأقوياء – من دون حلفاء، وفي خطر كبير، ومن دون خطة.

وطالما حدث ذلك، فستظل فلسطين موجودة، مكانا يتم الحفاظ عليه حيا من خلال التأكيد على أن شعبه لا يزال هنا، وما زال يطالب بحقه في هويته، ولا يزال حرا ببساطة نتيجة لعدم التخلي أبدا عن هذا المطلب.

وقالت إن الانتفاضة الأولى التي تمت مراقبتها عن كثب في منطقة يحكمها مستبدون وعسكريون وملكيات مطلقة، رسخت رسالة عميقة في النفس العربية الشعبية وهي أنه “يمكن للسادة السياسيين السيطرة على كل شيء باستثناء حق الناس في رعاية رؤية لما يستحقونه”.

 وتعلق قائلة “بالنسبة لأبناء ذلك الجيل، وأنا واحدة منهم، كانت كلمة “الانتفاضة” تعني ذلك بالضبط: نفض التراكمات. بالنسبة لآذاننا، كان ذلك يعني المطالبة بالحقوق المدنية وليس العنف وإراقة الدماء. وكانت أيضا كلمة ليس لها هدف نهائي واضح، ولا غرض محددا سوى الرفض والمقاومة – دليل على التجذر”.

وتقول إن أغنية “أنا دمي فلسطيني” وهي احتجاجية شعبية صدرت عام 2015 وتم تشغيلها أثناء الاحتجاجات في الغرب، مبنية على هذا الموضوع. ومن الجدير بالذكر أيضا أن مغنيها الفلسطيني محمد عساف فاز بالجزء الثاني من برنامج (أراب أيدول) عام 2013 بعد مسابقة قدم فيها أغاني فلسطينية تراثية استحوذت على قلوب وعقول المشاهدين العرب.

وتقول إنه إلى جانب العديد من القصائد والأعمال الفنية والأعمال الأدبية ومقتطفات من الاقتباسات والشعارات، تشكل هذه الأمثلة تراثا كاملا للهوية الفلسطينية لم يتم صياغته في الجامعات الغربية أو في وسائل الإعلام الغربية، ولكن في مخيمات اللاجئين، على الجدران المتبقية من المنازل المهدمة، في السجون وفي مجموعات سكانية معزولة، بين أولئك الذين طردوا من منازلهم ويتوقون إلى حق العودة.

ومعا يخلقون مكانا نظريا، متحررا من الواقع البائس، يغذي العزاء والشجاعة والتواصل بين الأشخاص المشتتين والمقتلعين الذين يطمحون إلى شيء نعتبره أنا وأنت أمرا مفروغا منه: الدولة.

وترى أن انتقال هذه الثقافة إلى الخطاب السائد في اللغة الإنكليزية منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر أدى إلى تحويل الكلمات الموجودة فيها إلى معان حرفية، تم إسقاطها عليها من قبل مراقبين ليس لديهم سوى القليل من المعرفة بتاريخها وفروقها الدقيقة.

فقد تم التعامل مع مصطلح “الانتفاضة” على أنه ليس أقل من إعلان لا لبس فيه لـ “الحرب المقدسة”. وفسرت عبارة “من النهر إلى البحر، فلسطين حرة”، التي ليس أصلها عربيا ولكنها تعبر عن شوق الفلسطينيين إلى وطنهم التاريخي، تم تفسيرها بحيث لا تعني أي شيء مما تقوله. وقالت وزيرة الداخلية البريطانية السابقة، سويلا برافرمان، إن هذا “مفهوم على نطاق واسع على أنه مطلب لتدمير إسرائيل”.

وتساءلت الكاتبة: كيف ستكون فلسطين حرة على وجه التحديد، ولم يحصل الشعب الفلسطيني على فرصة تحديدها بشكل كامل؟

ففي أوسلو، لم يعرض عليهم حتى الخطوط العريضة لحدود ما يمكن أن يصبح كيانا فلسطينيا، ولا حق العودة إلى المنازل التي طردوا منها منذ عام 1948.

وفي عام 2020، لم تشمل خطة السلام التي وضعها دونالد ترامب حتى دولة كاملة.

وتقول إنه في ضوء أحداث 7 تشرين الأول/أكتوبر، من المفهوم بالنسبة للبعض أن التعبير عن الانتفاضة الفلسطينية والمطالبة بالأرض يأخذ طابعا خطيرا.

لكن قصة هذه المصطلحات والأناشيد أطول بكثير من تلك التي تم تكثيفها وإدانتها خلال الأشهر السبعة الماضية. إن التاريخ الفلسطيني من المقاومة، والذي يمتد لعقود من الطرد والمذابح والإذلال والعزل والمراقبة، لا تمثله حماس وحدها.

هناك أيضا شيء ما حول إسقاط النوايا الصارخة على التضامن مع الفلسطينيين والدعوات إلى تقرير المصير، والذي يسيء قراءة طبيعة الاحتجاج على أنها شيء يحتاج إلى قياس وعقلانية (بطرق لم يتم تحديدها تماما على الإطلاق) حتى تكون ذات مصداقية. لكن الاحتجاج أصبح ضروريا على وجه التحديد لأن السلطات لم تستجب. ويتم تعريفه من خلال عدم التماثل في السلطة والقدرة على الوصول إلى الأدوات السياسية. يتمتع السياسيون بسلطة تنفيذية، والمتظاهرون لديهم شيء واحد: أصواتهم.

وتعلق أن الحركات الاحتجاجية هي بطبيعتها أفعال معارضة، وغالبا ما تتمتع بهذه الخاصية المتسقة بشكل إعجازي – تتوسع بسرعة من المساحات السياسية إلى المساحات المجتمعية، وتتضمن الأغنية والرقص والشعر والأخوة الحميمية بين الغرباء.

ومن هنا فسحق هذه المساحات – والأسباب التي تمثلها – لا يتم من خلال القوة الغاشمة، ولكن من خلال تصوير المشاركين كأشرار. وعليه فهي تظهر صورة أشخاص مثل المدعومين من بوتين، أو المؤيدين لحماس، أو الذين يقودهم متسللون محترفون. وكلما أصبح من الصعب التشكيك في جدية وضرورة التضامن مع الفلسطينيين، أصبحت مثل هذه الادعاءات أكثر شذوذا.

لقد أصبح من الواضح الآن أن مئات الآلاف من المتظاهرين الذين شاركوا في مسيرات من أجل غزة، من لندن إلى واشنطن، ليسوا من دعاة الكراهية.

وأشارت إلى دراسة نشرت الأسبوع الماضي، حيث كشفت أن 97% من المظاهرات في الحرم الجامعي الأمريكي لأجل غزة كانت سلمية. ولكن ما يجعل الحرب الدعائية ضد التضامن مع الفلسطينيين أكثر إلحاحا هو حقيقة أن أعمال حماس الدموية في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لم تعد ذريعة ذات مصداقية لما تفعله إسرائيل. ويتم إحباط جهود التشهير باستمرار من خلال مشاهد الموت والمجاعة التي لا هوادة فيها في غزة، وفي الواقع الكلمات العدوانية للسلطات الإسرائيلية نفسها: ممثلو الدولة النووية القوية المدعومة من الولايات المتحدة والذين لا يخضعون لنفس القيود التي تخضع لها شعارات المتظاهرين التي تتلاشى في الهواء.

“في عالم كهذا، حيث يتم تدمير غزة، ما الذي يتبقى سوى الاستمرار في بناء هوية فلسطينية، بشكل أكثر حيوية وقوة من أي وقت مضى، يحددها حقها في الوجود بدلا من خطر المحو؟ فماذا بقي سوى الاستمرار في رفض هذا العصر الذي رحل فيه العقل السياسي منذ زمن طويل؟”.

المصدر: صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة: إبراهيم درويش




هل تتحول إسرائيل إلى ساحة صراع بين اليهود والوسط العربي؟

بعد مرور سبعة أشهر على هجوم حماس واندلاع الحرب في قطاع غزة واستمرار التوترات الأمنية على مختلف الساحات، يتواصل الهدوء في العلاقات بين اليهود والعرب في إسرائيل، بما في ذلك في المدن المعنية. وحتى الآن، لم تتحقق المخاوف التي أثارها الجهاز السياسي والأمني ​​من اندلاع صراعات واسعة بين اليهود والعرب على خلفية الحرب، خصوصاً في رمضان وعيد الفطر. ومن الناحية العملية، فإن أغلبية الجمهور العربي ترغب في مواصلة روتينها اليومي كأقلية متكاملة في إسرائيل، في حين تستمر في رفض حماس ومسارها. لكن في واقع حالة الطوارئ المستمرة، تظهر مخاطر قد تضر باستقرار العلاقات بين العرب واليهود، وتؤدي إلى تدهورها إلى حد الصدامات العنيفة. ومن العوامل التي قد تسبب ذلك: المشاعر الصعبة التي يثيرها حجم الضحايا، والدمار والكارثة الإنسانية في القطاع لدى المواطنين العرب في إسرائيل، والشعور المتزايد بالغربة بينهم تجاه الدولة والأغلبية اليهودية، والضرر الذي لحق بشعورهم بالأمن الشخصي نتيجة للجريمة، والوضع الاقتصادي، والقيود المفروضة على حرية التعبير. وتقع على عاتق سلطات الدولة مسؤولية تحييد العوامل التي تهدد استقرار العلاقات مع المجتمع العربي، والعمل على تعزيزها استشرافاً للمستقبل، سواء في السياق الداخلي أو في سياق تعزيز حل الصراع مع المجتمع العربي.

يركز هذا المقال على تحليل العوامل التي قد تقوض روتين العلاقات بين الأقلية العربية والأغلبية اليهودية في البلاد. وسنشير هنا إلى سبعة مكونات رئيسية:

1 –   الإشارة إلى الضحايا والدمار والكارثة الإنسانية في قطاع غزة

يتعرض الجمهور العربي الفلسطيني في إسرائيل لمشاهد الدمار والكارثة الإنسانية في قطاع غزة، ويتأثر بها بشكل كبير. وبينما تترسخ هذه الصور في وعيه، فإن ارتباطه بنضال الدولة من أجل تفكيك البنية التحتية للإرهاب الإسلامي في قطاع غزة قد يضعف. ورغم أن أغلبية الجمهور العربي لا تتعاطف مع حماس، فإن الكثيرين لا يبررون قوة الرد العسكري الإسرائيلي والأذى الذي لحق بالسكان المدنيين في قطاع غزة، ويعتبرون ذلك بمثابة صدى لـ “النكبة”. الخطاب السائد في الجمهور العربي هو أن دخول الجيش الإسرائيلي إلى رفح سيؤدي إلى تفاقم معاناة سكان غزة بشكل كبير. ومع استمرار المأساة الإنسانية في قطاع غزة، سيزداد الغضب في الجمهور العربي وستنشأ رغبة في الاحتجاج ضد الحرب. وبصرف النظر عن الإدانات القاسية التي سمعت من القادة والمنظمات العامة العربية لتوسيع المساعدات الإنسانية لغزة، فقد تكون هناك أيضاً تعبيرات احتجاج، مثل المظاهرات والإضرابات، التي قد تتحول إلى أعمال عنف. وقد ظهرت بوادر ذلك في المسيرات التي نظمت في بعض البلدات بمناسبة يوم الأرض (30 مارس/آذار)، احتجاجاً على الأوضاع في قطاع غزة ودعوات لوقف الحرب.

2 – شعور متزايد بالاغتراب تجاه الدولة والأغلبية اليهودية

إن إشارة وزراء الحكومة إلى أحداث نيسان/أبريل وأيار/مايو 2021 على أنها “انتفاضة داخلية”، وتأطير مكافحة العنف والجريمة في المجتمع العربي على أنها “حرب” ضد “عدو داخلي”، خلقت صورة متحيزة للواقع. ويتجلى هذا الموقف المتطرف أيضاً في مطالبة وزراء اليمين المتطرف بفرض قيود على صلاة العرب في شهر رمضان الأخير. إن مثل هذا السلوك يشوه صورة المجتمع العربي كعدو، ويعمق شعوراً بالغربة لدى المواطنين العرب، بما قد يعزز العناصر القومية والدينية المتطرفة في المجتمع العربي.

ما يقرب من نصف الجمهور العربي، 47 في المئة، يشعرون أن العلاقات بين اليهود والعرب تغيرت نحو الأسوأ منذ اندلاع الحرب.

3 – الإضرار بالشعور بالأمن الشخصي

وبعد الانخفاض الحاد في عدد جرائم القتل في المجتمع العربي خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحرب، عادت أبعاد الظاهرة إلى سابق عهدها. هذه هي القضية الأساسية التي تقلق المجتمع العربي، الشاهدة على الإهمال المستمر في التعامل مع الجريمة من قبل الشرطة والحكومة. وبالفعل، لم يتم حتى الآن اتخاذ أي خطوات حقيقية للحد من الجرائم الخطيرة، ما يخلق إحباطاً في المجتمع العربي وشعوراً عميقاً بأن الدولة لا تقف إلى جانبهم في هذا الأمر الحيوي. إن تعزيز الجريمة والعنف في المجتمع العربي، ووجود أسلحة كثيرة ومتنوعة، بما في ذلك أدوات الإيذاء الجماعي من قبل التنظيمات الإجرامية (بنادق آلية، طائرات بدون طيار تحمل عبوات ناسفة، قنابل يدوية، عبوات ناسفة، صواريخ، قاذفات قنابل يدوية)، يشكل تهديداً على الأمن القومي، خاصة عندما تكون وكالات إنفاذ القانون محدودة في قدرتها على مواجهة التحدي.

ويمكن التقدير أن الشعور بالأمن الشخصي قد تضرر أيضاً بسبب التخفيف الأخير في إجراءات ترخيص الأسلحة النارية، ما أدى إلى زيادة كبيرة في عدد الأشخاص الذين يحق لهم حيازة الأسلحة. وقد تزيد هذه الظاهرة من فرص ارتكاب الأخطاء والتعامل مع كل حادثة إطلاق نار على أنها عمل إرهابي، وبالتالي الإضرار بغير المتورطين.

أكثر من نصف الجمهور العربي، 56 في المئة، أي أكثر من ضعفي القطاع اليهودي، ذكروا أن إحساسهم بالأمن الشخصي هذه الأيام منخفض أو منخفض للغاية.

4 – تفاقم الوضع الاقتصادي

أضرت الحرب بالرفاهية الاقتصادية للعرب في إسرائيل. وتشير المعطيات إلى أن الضرر في الوسط العربي أكبر منه في أي قطاع آخر. وبحسب تقرير بنك إسرائيل، ارتفعت نسبة البطالة في هذا القطاع مع اندلاع الحرب، خاصة بين الرجال. وانخفضت نسبة توظيفهم خلال هذه الفترة بنسبة 27 في المئة مقارنة بـ 11 في المئة بين الرجال اليهود. وحتى في بداية عام 2024، عندما سُجل انتعاش في سوق العمل، سُجل انتعاش أبطأ بين الرجال العرب، حتى لو تمكن من الاقتراب من مستواه عشية الحرب. وارتفع معدل تشغيل الرجال العرب الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و64 عاماً في بداية العام إلى 75.7 في المائة، وهو قريب من المستوى المسجل عشية الحرب. ويؤدي التغيب عن العمل في الأعمار الصغيرة إلى تفاقم ظاهرة عدم النشاط لدى الشباب.

إن الحضور الكبير للرجال العرب في صناعة البناء والتشييد، والذي عانى من تباطؤ كبير في الأشهر الأولى من الحرب، أثر بشكل كبير على توظيف الرجال العرب. وفي الصناعات الأخرى، عانى التوظيف العربي من الاهتمامات المتبادلة للعمال اليهود والعرب. وبحسب الاستطلاعات التي أجريت، أعرب الطرفان عن قلقهما من أن تضر الاجتماعات في العمل، بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول، بسلامتهما الشخصية. وهذا له أيضاً تأثير سلبي على الشركات العربية غير المدرجة في بيانات البطالة. ويشكو هؤلاء من انخفاض كبير في الطلب من المجتمع اليهودي، في ظل الدعوات على شبكات التواصل الاجتماعي لمقاطعة الشركات العربية.

كما أن التخفيضات الأفقية في الوزارات الحكومية، التي أضرت بالخطة الخمسية للمجتمع العربي، ألحقت أضراراً تصل إلى 15 في المائة من الميزانيات المخصصة للقطاع، والتي كانت مخصصة لمعالجة سنوات من الإهمال. ستؤدي هذه التخفيضات على المدى القصير إلى الإضرار بالمجتمع العربي، وعلى المدى الطويل أيضاً إلى الإضرار بالدخل القومي واقتصاد إسرائيل.

5 – تفاقم القيود المفروضة على حرية التعبير وتزايد الشعور بالاضطهاد

في المجتمع العربي شعور بالاضطهاد من جانب الحكومة، بما في ذلك الآليات المنوطة بإنفاذ القانون. بالنسبة لها، تثبت البلاد كل يوم أنها ليست ديمقراطية، على الأقل ليس بالنسبة لها. يُنظر إلى المراقبة الدقيقة التي تقوم بها وكالات إنفاذ القانون على المنشورات على شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة الشخصيات المؤثرة، مثل البروفيسورة نادرة شلهوب كيفوركيان، على أنها تهدف إلى الحد من حرية التعبير والحرية الأكاديمية. هذا، بالإضافة إلى تقارير عن الإقصاء الدائم للطلبة العرب من مؤسسات التعليم العالي، وإنهاء عمل العرب في مختلف قطاعات التوظيف.

6 – الاستفزازات والمضايقات من قبل العناصر القومية المتطرفة – العرب واليهود

بشكل عام، المجتمع العربي لا يوافق على الأيديولوجيات المتطرفة ولا يدعم الأعمال الإرهابية التي قام بها عرب إسرائيليون مؤخرًا. ومع ذلك، هناك مجموعات متطرفة قريبة لها حضور بين الشباب وعلى شبكات التواصل الاجتماعي. وهناك مخاوف من أنه مع إطالة أمد الحرب، ستحدث أعمال احتجاجية واضطرابات، ما سيؤدي إلى صراعات بين العناصر المتطرفة والقومية والدينية، التي ستسعى لتعزيز أجندتها الأيديولوجية، وكذلك الشباب ذوي الخلفية الإجرامية، الذي سيسعى لاستغلال الوضع لأغراض إجرامية.

ومن بين اليمين اليهودي المتطرف، هناك عناصر ذات موقف معادٍ للعرب بشكل واضح، حيث ترى المواطنين العرب كجزء من “العدو” الفلسطيني، ويتم إضفاء الشرعية عليهم من قبل كبار المسؤولين. وقد يأخذ هؤلاء القانون بأيديهم ويواجهون الجماعات العربية بدعوى حماية اليهود. إن التسلح الواسع النطاق، منذ بداية الحرب، قد يؤدي إلى تأجيج أعمال عنف خطيرة بين اليهود والعرب. ويتمثل دور الشرطة ووكالات إنفاذ القانون في كبح الجماعات المتطرفة، بموجب القانون، ومنعها من الانجرار إلى أعمال شغب متبادلة.

45 في المئة من الجمهور العربي أكثر قلقاً بشأن التوترات الاجتماعية القومية داخل إسرائيل، وحوالي 28 في المئة أكثر قلقاً بشأن التهديدات الأمنية التي تواجه البلاد من الخارج.

 7- تأثير شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام العربية الأجنبية على الحالة المزاجية

القنوات التلفزيونية الإسرائيلية ليست المصدر الرئيسي للمعلومات الإخبارية للجمهور العربي. ويرتبط نحو نصفها بأطباق فضائية خاصة، وتستقبل الأخبار عبر وسائل الإعلام الأجنبية باللغة العربية، وفي مقدمتها قناة “الجزيرة” من قطر، وقناة “مساواة” التجارية من رام الله، والتي تستهدف السكان العرب في إسرائيل. وتعرض الجمهور العربي عبر هذه القنوات لمعلومات تفصيلية عن حجم الضحايا وحجم الدمار في القطاع، وهو ما لا تعرضه القنوات الإسرائيلية.

في شبكات التواصل الاجتماعي لدى المجتمع العربي، يبدو التركيز واضحًا على الألم والتعاطف تجاه سكان قطاع غزة. واتسم الخطاب بالغضب من الإجراء الإسرائيلي، وفهم مسار “المقاومة” كوسيلة للتحرر من الاحتلال. وعبر شبكات التواصل، يتم التضامن مع سكان قطاع غزة والدعوة للتفكير بهم خلال الصلوات بشكل عام، وفي شهر رمضان بشكل خاص.

ملخص وتوصيات

إن علاقة الدولة والأغلبية اليهودية بالمجتمع العربي تتعلق مباشرة بالأمن القومي. ويكمن الخطر الاستراتيجي الآن في التدهور إلى العنف المتبادل، الذي قد يحول البلاد إلى ساحة صراع بين اليهود والعرب. وتقع على عاتق سلطات الدولة مسؤولية تحييد العوامل التي تهدد استقرار العلاقات مع المجتمع العربي، والعمل على تعزيز العلاقات، استشرافاً للمستقبل، وذلك على أساس الاعتراف بأن هناك علاقات تقوم على ضبط النفس، من أجل تفعيل تسوية مستقبلية محتملة بين إسرائيل والفلسطينيين بعد الحرب.

لذلك، لا بد من القيام بخطوة لها تأثير نفسي للحفاظ على الاستقرار الداخلي. وسيكون لتوسيع المساعدات الاقتصادية للسلطات المحلية والشركات العربية والمحتاجين أثر إيجابي. هذا بالإضافة إلى تجنب الإفراط في فرض القيود على حرية التعبير، وزيادة مكافحة الجريمة والعنف، وكبح جماح العناصر المتطرفة على الجانبين، ومنع المضايقات والمواجهات المتبادلة التي من المحتمل أن تشتعل.

 أفرايم ليفي ومئير الرانوتومر بادلون

منشورات خاصة/ معهد بحوث الأمن القومي 13/5/2024

ترجمة: صحيفة القدس العربي




لوموند: الفشل العسكري الإسرائيلي هو نتيجة للإستراتيجية التي حولت غزة إلى سجن مفتوح 

قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية، في افتتاحية عددها الورقي لهذا الثلاثاء، إنه بعد مرور أكثر من سبعة أشهر على هجوم 7 أكتوبر، ما زالت الحرب مدوية في قطاع غزة، وتغذي تنصلاً دولياً وعالمياً، في ظل الخراب غير المسبوق، في حين أن الأهداف التي حددتها إسرائيل ما تزال بعيدة المنال.

وأوضحت “لوموند” أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان قد وعد بالقضاء على حركة حماس، والإفراج عن المحتجزين الذين يعتمد مصيرهم على مفاوضات لا نهاية لها، ولا يبدو أن أياً من المعسكرين يرغب في نجاحها، وهذا يثير مخاوف كبيرة.

فالقوات الإسرائيلية تهدد رفح، الأمر الذي من شأنه أن يضيف حتماً مذبحة جديدة إلى الكارثة. كما تجد هذه القوات نفسها مضطرة إلى ضرب شمال قطاع غزة مرة أخرى حيث عاد الجناح المسلح لحماس إلى الظهور بعد أشهر على الضربات والتوغلات البرية التي حوّلت تلك المنطقة إلى ساحة خراب على حساب مقتل آلاف الفلسطينيين.

واعتبرت “لوموند” أن هذا الفشل العسكري الإسرائيلي الحاصل، يقترن بمأزق سياسي يتحمل نتنياهو المسؤولية عنه بشكل كبير. فمن خلال الاحتفاظ بالسيطرة على قطاع غزة دون أدنى إشارة إلى الجهة المدنية، فهو في الواقع يخلق الظروف لعودة حماس التي يقول إنه يريد القضاء عليها. وهو بمعارضته لأدنى منظور يأخذ في الاعتبار الحقوق المشروعة للفلسطينيين، يخدم أيضاً تشدد حماس، على حد قول الصحيفة، مضيفة أنه سيكون على نتنياهو تقديم إجابات لأولئك الذين يدعي الدفاع عن قضيتهم.

وتابعت “لوموند” القول إن الفشل العسكري الإسرائيلي اليوم، وما خلّفه من خسائر بشرية مروعة، هو نتيجة للاستراتيجية التي حولت غزة إلى سجن ضخم في الهواء الطلق، وإلى مسرح لحروب متكررة دفعت بها الحرب الحالية إلى ذروتها، وسهّلتها سلبية دولية مُذْنِبة، سواء كان ذلك التسامح في مواجهة الحصار المفروض على غزة، أو الضعف فيما يتعلق بأخطاء الممثلين الرسميين للفلسطينيين، أو الجبن في مواجهة  احتلال الضفة الغربية من قبل إسرائيل.

ومضت “لوموند” قائلة إن الحليف الأكثر ثقة لإسرائيل، رئيس الولايات المتحدة، انتهى به الأمر متأخراً إلى تقييم هذا الطريق المسدود. فمن خلال اتخاذ قرار حرمان الجيش الإسرائيلي من بعض الأسلحة الهجومية حتى إشعار آخر إذا أصر على رغبته في مهاجمة رفح، ومن خلال الإعلان عن ذلك، أشار جو بايدن إلى أن الضغط ربما ينجح حيث تفشل الكلمات.

واعتبرت الصحيفة أنه يجب أن نذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن حالة الطوارئ تتطلب نقلة نوعية. فإلى جانب إسرائيل، فإن الاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما ترفض الولايات المتحدة القيام به، ولكن كما تتوسل الشخصيات الإسرائيلية وتستعد دول أوروبية جديدة لذلك، لا يمكن إلا أن يسهم في الحد من معاناة الفلسطينيين وحماية إسرائيل من نفسها.

المصدر: صحيفة لوموند الفرنسية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




غزاويون عاشوا النكبتين: الحرب على غزة أعنف دمويا من الـ 48

رغم تبدل السنين وطولها، لم يتغير الوضع كثيرا على سكان غزة، كغيرهم من الفلسطينيين، خاصة النازحين منهم، الذين اكتووا قبل 76 عاما بنيران النكبة، حين هُجّروا قسرا عن أراضيهم، بسبب المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية، والتي تحولت لاحقا إلى جيش عنيف، يعيد المشهد ذاته بأساليب قتل أبشع في القطاع الذي يتعرض لحرب مستمرة منذ سبعة أشهر.

بين «النكبة» والنزوح

فما كان متغيرا بعد هذه السنوات الطويلة من النكبة، من شكل المباني السكنية، والبنى التحتية وحتى المشافي والمؤسسات الخدماتية، سواء الرسمية أو الأممية، عاد إلى شكله الأول قبل 76، وفقا للخطة الإسرائيلية التي كشف عنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الأيام الأولى للحرب، حيث أعلن أن هدفه هو إعادة قطاع غزة لعشرات السنين إلى الوراء.
فلم تعد المنازل على حالها، بعد أن حولت الغارات الإسرائيلية غالبيتها إلى ركام وحطام، ولم تعد هناك طرق معبدة في أغلب مناطق غزة، ولا حتى مستشفيات أو مدارس، وبات السكان يواجهون مشقة كبيرة في التنقل، إما بسبب الطرق المليئة بالدمار والركام، أو أزمة الازدحام، وأصبح الغالبية منهم يقطنون في «مراكز إيواء» أو خيام، في مشهد كان حاضرا في النبكة الأولى.
وبسبب وقع الحرب المستمرة على غزة منذ أكثر من سبعة أشهر، والتي لم تعهد من قبل على صعيد عدد الضحايا أو الدمار، أطلق الكثير من السكان مصطلح النكبة 2 عليها، وهو أمر يعيه جيدا من الناحية العملية أولئك الرجال والنساء القلائل الطاعنون في السن، الذين عايشوا النكبتين.

قصص‭ ‬النزوح‭ ‬الحالية‭ ‬أكثر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬قصص‭ ‬النكبة‭ ‬الأولى

وبلغة الأرقام فإن أعمار من يتذكرون أحداث النكبة يفوق حاليا الـ 82 عاما، وهو عمر طفل كان في سن السادسة حين أجبر على النزوح، فيما أعمار من ولدوا في سنة النكبة التي وقعت في العام 1948، وصل إلى 76 عاما، ومن هؤلاء من فارق الحياة إما بسبب المرض، أو الغارات الإسرائيلية خلال الحرب المستمرة.
وبلغة الأرقام أيضا، فإن عدد نازحي الحرب الحالية، أكثر من عدد من أجبروا على الهجرة وترك أراضيهم في العام 48، وهو ما يشكل عبئا أكبر في غزة، فالمساحة المتوفرة لنازحي الحرب الحالية أصغر بكثير من المساحة الجغرافية التي أتيحت للمهجرين قسرا عند وقوع النكبة.
فقبل 76 عاما، أجبر الفلسطينيون على الهجرة إلى قطاع غزة والضفة الغربية والأردن وسوريا ولبنان، فيما باتوا حاليا محصورين في مساحة ضيقة في مناطق وسط وجنوب وادي غزة، تكاد لا تظهر على الخريطة.
وفي الوقت الذي كان فيه عدد من أجبروا على الهجرة من كافة مناطق فلسطين التي احتلتها العصابات الصهيونية في العام 48 يبلغ 750 ألف فلسطيني، يفوق عدد نازحي الحرب الحالية الذين إما دمرت منازلهم أو أجبروا على تركها بسبب العمليات البرية والقصف الجوي الـ 1.9 مليون فلسطيني.

تشابه الآلام

وأصبح بسبب الحرب المستمرة المشهد الحالي مشابها لما عايشه الأجداد قبل 67 عاما، أو حتى أكثر صعوبة. اللاجئون آنذاك فروا هربا من المجازر الدامية التي اقترفتها العصابات الصهيونية في دير ياسين والطنطورة وفي القدس وحيفا والكثير من المناطق الفلسطينية، بعدما دمرت بشكل كامل 531 قرية، واخضعت عشرات المدن والقرى لحكمها العسكري. ثم اضطروا للسكن في مخيمات اللجوء والعيش هناك في الخيام.
والآن في غزة، يعيش من بقي منهم على قيد الحياة الأحداث ذاتها، حيث الخيام بأشكال جديدة، قائمة إما على أنقاض المنازل التي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية، أو في مناطق عشوائية أصبحت معسكرات جديدة لإيواء النازحين.
من بين ما عايشوا النكبتين كانت الحاجة فاطمة رمضان أبو ركبة، وهي من مواليد العام 1940، وهذه السيدة العجوز التي اضطرت للنزوح مع أبنائها وأحفادها وأبناء أحفادها، من مكان سكنها شمال قطاع غزة، تقيم الآن في «مركز إيواء» للنازحين في مدينة رفح أقصى حدود قطاع غزة الجنوبية.
حتى انتقلت هذه السيدة العجوز من غرفة إقامتها في المركز، وهو عبارة عن مدرسة كانت سابقا مخصصة لتعليم الأطفال، احتاجت إلى من يسند ذراعها، وسارت ببطء شديد حتى جلست وبجوارها بعض الأحفاد.
في رحلة النزوح السابقة، كانت هذه السيدة بعمر أحفاد أبناء أولادها، كانت تستطيع الجري والفرار أسرع من الغارات، لكن عوامل الزمن جعلتها لا تستطيع المشي بمفردها. تستذكر هذه السيدة ما حل في الماضي، وتربطه بالواقع الحالي، وعن النكبة الأولى قالت «أول ما صاروا ييجوا (يصلوا) اليهود (العصابات الصهيونية) من طرف البلد (تقصد بلدتها الأصلية، إحدى القرى المدمرة)، يروح المقاومين يطخوا عليهم»، وكانت تتحدث عن تصدي الفلسطينيين للهجمات الأولى لتلك العصابات. وتضيف «بعدين صارت مذبحة في دير ياسين وهاجرنا».
وفي حديثها أكدت أن سبب ترك البلدات في ذلك الوقت كان عائدا لشدة المجازر الإسرائيلية التي اقترفت، وتشرح أكثر واقع العيش خلال فترة الهجرة الأولى «لما هاجرنا في الـ 48، رحلنا على الرمل (المناطق الساحلية المؤدية لغزة)، والطيارات صارت ترمي القنابل علينا»، وبعدين وصلنا غزة.
تحدثت بمرارة عن الجوع في ذلك الوقت والخيام التي آوَت اللاجئين وعن ظروف الحياة في الحر أحيانا وفي الشتاء، حين غمرت الأمطار خيام سكنهم.

الحرب أعنف

«القدس العربي» سألت السيدة عن الأوضاع الحالية في النكبة 2، إن كانت تشابه ذكريات الماضي، فأجابت مسرعة «مش زي هيك، شردنا بعد المذبحة، لكن الحرب هذه فيها فرق كبير فيها فرق كتير»، وأضافت بلغتها العامية «اليوم الحرب الي بنعيشها ما في زيها، زمان مكانش (لم يكن) القتل قد هلقيت (هذا الوقت) في هل حرب، الموت في هذه الحرب أكثر ما زمان، ما صار مثله قبل هيك».
وأشارت المسنة فاطمة إلى عمليات الإعدام الميداني والتي يقترفها جيش الاحتلال، وعمليات القتل بتدمير المنازل فوق رؤوس ساكنيها، «بدخلوا على البيت (الجيش الإسرائيلي) بيقتلوا كل الي فيه، وبهدموا البيت على صاحبة، كمان قتلوا الي في المستشفيات، هذا ما صار زيه».
وتابعت «الناس مرمية بالخيام (تصف وضع السكان الحالي المرير» وفي المدارس»، وأضافت «إسرائيل مش تاركه الناس بحالها بتقصفهم، هذول مجرمين (الجيش الإسرائيلي) ولا ردين على حد».

وفي وصف آخر لشكل الحرب الحالية، يقول المسن مصطفى نعيم ويبلغ من العمر (84 عاما)، إنه رغم قساوة ما عايشوه من أحداث دموية وتشريد وسرقة أراض من قبل العصابات الصهيونية في النكبة الأولى إلا أن أحداث القتل والتشريد لا تذكر لما يعيشه سكان غزة هذه الأيام.
وقال، وهو يتحدث عن النزوح الأول، إنه أقام وأسرته في خيام وضعت في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة، وعايشوا فيها الفقر والجوع، والسكن في أرض غير أرضه، ولم يكن وقتها في بداية الحرب يقدم أكل ولا ماء للنازحين.
لكنه أكد كغيره أن الوضع الحالي والنزوح الجديد والحرب أخطر من السابقة، وأضاف «استشهد أكثر من 35 ألف شخص. الموت كثير وبيوتنا راحت تهدمت».
ويشير إلى أن السلاح الذي كان بيد العصابات الصهيونية في فترة النكبة الأولى عام 48، والذي حصلت عليه من بريطانيا في ذلك الوقت، لم يكن بقوة السلاح الحالي الذي يقتل فيه الفلسطينيون. وما زال هذا الرجل يستذكر أول شهيد سقط بيد العصابات الصهيونية على حدود بلدته، لكنه قال إنه من كثرة الموت الحالي أصبح عدد الشهداء والضحايا أكثر بكثير.
ويقول إن قصص النزوح الحالية أكثر بكثير من قصص النكبة الأولى، ويضيف «هذه الحرب الي بنجا منها الله بيكون كتب إله حياة جديدة».
وليس بعيدا عن هذا المشهد القاتم الذي يعيشه جيل النكبة الأول، يقول المسن إبراهيم النواس في نهاية الثمانينيات، إن الفلسطينيين تركوا قراهم بعد كل هجوم للعصابات الصهيونية، وأن من بينهم من ذهب للضفة أو عمان وآخرين من أقاربه جاؤوا إلى غزة.
ويقول إنه يذكر مع بداية الوصول سكنوا قرب منطقة وادي غزة، ولم يكن، قبل الانتقال لمخيم النصيرات، هناك من يوزع على اللاجئين المؤونة والأكل. ويذكر أنه بعد فترة أصبح توزيع الأكل أسبوعيا، وبدأ الوضع وقتها يتحسن، لكنه حين طلبنا منه المقارنة بين الماضي والحاضر يبين: «هذه مش حرب هذه فناء وإبادة هذه موت بيدمروا الدار على السكان». ويقول إن الأيام الحالية صعبة جدا عليهم، وقد تحدث عن خوفه من ارتكاب جيش الاحتلال مجازر جديدة.
لكن هذ المسن وهو من بلدة «الجمامة» المهجّرة، يحلم رغم طول فترة الغياب وتقدمه في السن، العودة إلى بلدته، ويحلم أن يعود للعمل مزارعا يزرع ويقلع زرعه، وأضاف «هو في زي بلدي تزرع فيها محدش (لا أحد) يتدخل فيك».
ويشير هذا المسن الى أنه يحدث أبناؤه كثيرا عن بلدتهم الأصلية، وأنه ما في أجمل من هذه البلد.
وبجوار هذا المسن زوجته عطر الهندي التي تقترب من عمره، تقول إنها وقت النكبة الأولى كانت بعمر (12 عاما)، وتضيف «تهجرت (وصل) إلينا سكان بلدة عاقر يوم ثلاث، ويوم الثلاث الثاني هجموا على قرية بشيت، وبعدين إحنا في بلدة المغار قرروا الخروج بعد تفجير دبابة إسرائيلية، بعد مجزرة صابت في بشيت». ولا تزال تلك السيدة تستذكر النزوح من بلدتها عصرا، حين أجمع مخاتير البلدة على الخروج منها، بعد المجازر المجاورة، وسقوط عدد من سكان البلدة، وقد تحدثت عما أصاب أقارب لها من تلك الهجمات، كما لا تزال تتذكر كيف قام والدها بأخذ شوالي قمح من المنزل، وكيف حملها وفراش المنزل على ظهر الجمل.

قصف ما شفت زيه

وأضافت «قطنا الواد، وبعدين مشينا بين موارس القطن (مزارع القطن)، ومنها مشينا حتى آذان العشاء»، وتابعت حديثها عن ذلك اليوم، وكيف وصلوا قرية «جليا»، وهناك كان عدد كبير من النازحين من بلدات أخرى، وفي صباح اليوم الثاني جهز الناس الطعام، واستمر الحال لأسبوع، حتى تنقلوا إلى بلدة أخرى، ومنها تنقلوا أيضا بين بلدات أخرى حتى وصلوا إلى غزة.
ولا تزال الحاجة عطر تستذكر كيف كانت تجري لتلحق بركب العائلة في رحلة النزوح.
هذه العجوز قالت إنه جربت النزوح مرة ثانية في الحرب الحالية، حين أجبر سكان مخيم النصيرات وسط القطاع بأوامر من جيش الاحتلال على النزوح، وقد اضطرت مع عائلتها للذهاب إلى مدينة دير البلح.
وقالت «القصف الحالي ما شفت زيه، بيقصفوا الدار على إلي فيها، وبقتلوا كل إلي فيها»، وقد أشارت إلى أن الحرب الحالية أشد قسوة من «النكبة».
ولا تزال هذه السيدة كزوجها تحلم بالعودة إلى بلدتها «المغار»، إحدى القرى المدمرة وتقع في قضاء مدينة الرملة، وتقول «بحلم فيها ليل ونهار، وبذكر مارس الزرع (حقول) للعائلة»، وتشير إلى أن مشهد الأرض وعملها وهي صغيرة وعائلتها فيها لم يغادر تفكيرها رغم مرور كل هذه السنين.
وخلال «النكبة» التي وقعت في العام 48، استمرت عمليات النزوح من القرى والمدن الفلسطينية التي احتلتها تباعا العصابات الصهيونية عدة أشهر، كانت خلالها الطائرات الإسرائيلية تلاحق الفلسطينيين بالحمم النارية خلال تنقلهم من بلدة إلى بلدة، حتى وصلوا مناطق اللجوء الخمس. أما في هذا الوقت فلم يحتج أمر ترحيل السكان قسرا سوى ساعات، بفعل كثافة النيران الإسرائيلية، التي دمرت منازل كثيرة فوق رؤوس ساكنيها، وبثت حالة من الرعب والخوف في صفوف المواطنين، بعد أن وصلت إليهم صور للمجازر التي ارتكبت بحق من رفض النزوح، كما أن عمليات القصف لاحقت النازحين في مناطق سكنهم الجديد، فاستهدفتهم الطائرات الحربية في الخيام وفي مراكز الإيواء، التي طلب منهم جيش الاحتلال الذهاب إليها.

في‭ ‬النكبة‭ ‬الأولى‭ ‬لاحقت‭ ‬الطائرات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬بالحمم‭ ‬النارية‭ ‬خلال‭ ‬تنقلهم‭ ‬من‭ ‬بلدة‭ ‬إلى‭ ‬بلدة

وتقول الحاجة فاطمة الرزاينة (86 عاما)، من قرية برير، وهي نازحة من مخيم جباليا، وتقيم حاليا عند أحد الأقارب في مدينة رفح، وهي تروي مآسي الهجرة والنزوح «زمان هاجرت على رجلي (أرجلي)، وهذه المرة شردت على كرسي متحرك».
وتقول هذه السيدة إن أسرتها في العام 1948 اضطرت لترك قريتها المدمرة «برير» تحت القصف. لكنها تؤكد أن القصف هذه الأيام أقوى، وقد أشارت أيضا إلى وجود تشابه كثير في الأحداث بين ما حدث في النكبة الأولى والثانية، وقالت «هربنا للمجدل، وهناك قصفوا السوق وهذه الأيام عملوا نفس الشي (ذات الأمر) وقصفوا الأسواق»، وتابعت «قتلوا عائلات في برير واليوم بيقتلوا عائلات بس عدد العائلات أكبر».

الأوضاع الحالية أصعب

هذه السيدة التي استذكرت أيضا سنوات الهجرة الأولى وما يعيشه الفلسطينيون حاليا، قالت إنه في عام 48 كان الفلسطينيون خلال رحلة الهجرة يقطعون أرضا مزروعة، ويأكلون منها، وتضيف «اليوم فش أكل إلا شوية معلبات»، وقالت في مقارنتها للأحداث بين عامي 1984 و2024 «في المرتين تركت المنزل وما أخدت اشي معي».
وقد أكدت أيضا المسنة فاطمة الرزاينة، أن عدد المهاجرين والخيام التي كانت منصوبة عام 84، أقل بكثير من خيام النازحين في هذا الوقت.
وهذه المسنة اكتوت بنيران الفراق للأقارب، حيث قضى تسعة شهداء (أم وأطفالها الثمانية) من ذرية شقيقها، وكانوا جميعهم نازحين في مدينة دير البلح.
لكن رغم مرارة الحياة والخوف والموت الذي ينتشر في كل مكان إلا أن هذه السيدة تأمل في العودة إلى مخيم جباليا وكذلك إلى بلدتها الأصلية برير.
كانت فترة إجبار جيش الاحتلال سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، على النزوح القسري في شهر يناير/كانون الثاني الماضي، إلى مناطق جنوب القطاع، بعد أن بدأ هناك عملية عسكرية، وتحدثت «القدس العربي» مع المسن أبو محمود صلاح (محمد الهور)، وهو عم كاتب التقرير، ومن الرجال القلائل الذين عايشوا «النكبتين»، عن هذه المأساة الجديدة، ووقتها تحدث بكل حسرة عن الواقع القديم المرير، والجديد الأشد مرارة.
كان هذا الكهل الذي أجبرته عوامل الزمن على الاتكاء على عكازه، يجلس أمام خيمة نصبها أبناؤه وأحفاده في اليوم الأول لوصوله إلى منطقة كثبان رملية تقع غرب مدينة رفح جنوب القطاع، وكان في ذلك الوقت حاضر الذهن، ينظر عما حوله كثيرا، وينظر للنازحين الجدد الذين كانوا يتوافدون إلى منطقة سكنه، وقتها قال بحسرة إنه لا يزال يذكر مشاهد النزوح الأولى، التي صاحبها خوف شديد من المجازر التي نفذتها إسرائيل، لكنه قال إن هذه المرة «كان الخوف أكثر»، وتابع «زمان (فترة النكبة)، لما وصلنا غزة ما شعرنا بالخوف»، وأضاف هذا المسن الذي هاجرت أسرته من إحدى البلدات التابعة لمدينة الرملة «اليوم غير، نشرد من القصف بنلاقي قصف، والتدمير في كل مكان، إحنا انكتب علينا الشقا».
واستذكر في حديثه تلك الفترة التي عاشها طفلا فترة الرحيل الأول في العام 1948، والتي تشابه هذه الفترة التي يعيشها كهلا، وقال إن الظروف الحالية أشد صعوبة، وإن المنظر العام لم يتغير كثيرا، وقال «وقتها (النكبة) كان والدي وأعمامي ينصبون الخيام، واليوم ولادي وأبناؤهم بعملوا نفس الشيء»، لكن عندما قارن بين النكبتين قال إن ما شاهده من خيام للنازحين في طريق وصوله إلى رفح، كانت أكثر من تلك التي نصبت في العام 48. وأضاف في ذلك الوقت «المنظر إلي عشته زمان كله أمام عيني الآن»، وقد تحدث عن عودة النساء لتجهيز الطعام على مواقد النار والسكن بالخيمة والجوع والفقر، كما تحدث عن ظروف النزوح المتشابهة بعد مرور كل هذه السنوات، والتي لجأت فيها إسرائيل إلى استخدام «المجازر» لإجبار الفلسطينيين على الرحيل.
ولم تمهل الأحداث الصعبة هذا الكهل كثيرا، فسابقا تحمّل وزرها عندما كان طفلا في العاشرة من عمره، لكنه بعد أن تجاوز الـ 85، أصيب بعد أقل من أسبوع بجلطة دماغية، لم تمهله كثيرا حتى فارق الحياة، وهو يحمل هم النكبتين، ويرث أبناؤه وأحفاده من بعده الهموم والآلام ذاتها.

أشرف الهور

المصدر: صحيفة القدس العربي




العجز المالي الإسرائيلي يتسع: أرقام تتجاوز توقعات الحكومة

واصل العجز المالي الإسرائيلي اتساعه في شهر إبريل / نيسان ليصل إلى 7% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الأشهر الـ 12 الماضية، أو 132.2 مليار شيكل، بحسب ما أفاد المحاسب العام لوزارة المالية يالي روتنبرغ.

وبعد الأشهر الأربعة الأولى من العام، اتسع العجز بالفعل إلى ما يتجاوز هدف الحكومة لعام 2024 وهو 6.6%. ويوضح مكتب المحاسب العام لوزارة المالية، بحسب موقع “كالكاليست” الإسرائيلي أنه في شهر إبريل، تم تأجيل دفع ضرائب بقيمة 4.8 مليارات شيكل حتى شهر مايو / أيار بسبب عطلة عيد الفصح اليهودي. لكن حتى بعد أخذ هذا المبلغ في الاعتبار، كان العجز المالي سيصل إلى 6.7%.

وفي نيسان / إبريل نفسه، بلغ العجز المالي 11.7 مليار شيكل. وقال روتنبرغ: “سيستمر اتجاه النمو في العجز في الأشهر المقبلة على الرغم من أن الإيرادات أفضل من المتوقع.

ذروة العجز المالي الإسرائيلي

وتشير تقديرات وزارة المالية إلى أن العجز السنوي سيبلغ ذروته في سبتمبر / أيلول، ثم يبدأ بعد ذلك بالانخفاض إلى 6.6% بحلول نهاية العام، وهو الرقم الذي تمت الموافقة على ميزانية 2024 على أساسه.

في المقابل، يعتقد مكتب المحاسب العام أنه في ظل المعدل الحالي للإنفاق الحكومي، يمكن أن تكون الصورة أكثر تشاؤماً، ويمكن أن يصل العجز المالي في نهاية العام إلى 8%، مع سحب حكومي على المكشوف بقيمة 150 مليار شيكل.

ومنذ بداية عام 2024، بلغ العجز المالي 37.6 مليار شيكل، مقارنة بفائض في الميزانية قدره 17.5 مليار شيكل في الفترة المقابلة من عام 2023.

وبدأت وزارة المالية الإسرائيلية بإعداد موازنة العام 2025، ووجدت عجزًا قدره 30 مليار شيكل. وإذا لم يُعثَر على غطاء للعجز الذي سيأتي بصورة رئيسية من الزيادات الضريبية، فسيتعمق العجز في العام المقبل إلى حوالي 7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ضعف التوقعات التي قدمتها وزارة المالية إلى الكنيست في فبراير/ شباط الماضي، ونحو 30 في المائة أكثر من الحد الأقصى الذي تستعد له وزارة المالية.

وقد يكون عام 2025، وفق “غلوبس”، عاماً آخر ضائعاً اقتصادياً، مع عجز مرتفع كما هو الحال في عام 2024، وهو ما سيؤدي إلى المزيد من التدهور في نسبة الدَّين إلى الناتج، وربما أيضاً خفض التصنيف الائتماني.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




التصنيف الائتماني لإسرائيل عند درجة المخاطر.. وتوقعات “موديز” سلبية

تركت وكالة موديز التصنيف الائتماني لإسرائيل عند درجة A2، ما يجسد بشكل مناسب تعرض إسرائيل المرتفع للمخاطر الجيوسياسية، حيث أبقت الوكالة تصنيفات الحكومة الإسرائيلية للعملة الأجنبية والعملة المحلية والتوقعات السلبية من دون تغيير، مع نظرة مستقبلية سلبية.

وتقول وكالة موديز في أسباب توقعاتها السلبية في التصنيف الائتماني لإسرائيل، بحسب موقع “غلوبس” “إن خطر التصعيد إلى صراع عسكري صريح بين إسرائيل وإيران لا يزال قائمًا، الأمر الذي قد يؤدي إلى تكاليف بشرية واقتصادية مادية. كما أن صراع إسرائيل مع حماس في غزة مستمر. والنتيجة لا تزال غير مؤكدة إلى حد كبير”.

وتضيف الوكالة أن “عواقب الصراع في غزة على التصنيف الائتماني لإسرائيل سوف تتكشف على مدى فترة من الزمن، ومن المحتمل أن تتجاوز فترة القتال الفعلي. وقد يكون التأثير السلبي على مؤسسات البلاد والمالية العامة أكثر خطورة من توقعات موديز الحالية”.

ومع ذلك، أبقت وكالة موديز على التصنيف الائتماني لإسرائيل الحالي عند A2، قائلة إن “تأكيد التصنيف يعكس وجهة نظر موديز بأن التصنيف الحالي A2 يجسد بشكل مناسب تعرض إسرائيل المرتفع للمخاطر الجيوسياسية”.

تطورات التصنيف الائتماني لإسرائيل

وينطوي السيناريو الأساسي لوكالة موديز وفق “غلوبس” على “استمرار الصراع بين إسرائيل وحماس والأعمال العدائية بين إسرائيل وإيران”. في ظل هذه الافتراضات، فإن مقاييس الائتمان الرئيسية لإسرائيل، بما في ذلك الاقتصاد والمالية العامة، قد تتطور.

وتشير وكالة موديز إلى انتعاش قطاع التكنولوجيا في إسرائيل في الربع الأول من هذا العام. “لقد تعافى قطاع التكنولوجيا الفائقة بقوة في الربع الأول من عام 2024، إذ وصلت الاستثمارات إلى 1.74 مليار دولار، على غرار الربع الأول من عام 2023، ولا توجد مؤشرات على تراجع اهتمام المستثمرين الأجانب أو الخروج من إسرائيل”.

وتابعت: “في حين أن من المرجح أن يكون نمو الناتج المحلي الإجمالي ضعيفًا للغاية هذا العام”، وتتوقع المنظمة نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.6% فقط لعام 2024 كله، وبافتراض انتهاء الحرب في وقت ما هذا العام، فمن المرجح أن يتعافى في عام 2025.

وقبل ثلاثة أسابيع، خفضت وكالة ستاندرد آند بورز تصنيفها لإسرائيل من AA- إلى A+، مع نظرة مستقبلية سلبية.

وتصنيف وكالة موديز حاليًّا أقل بدرجة واحدة من تصنيف ستاندرد آند بورز. وخفضت وكالة التصنيف الدولية الثالثة، فيتش، في مراجعتها الأخيرة، توقعاتها، لكنها تركت تصنيفها الفعلي أعلى بدرجة واحدة من تصنيف موديز.

المصدر: صحيفة العربي الجديد




قبل موته “تحت التعذيب”: الطبيب الفلسطيني عدنان البرش ورحلة الإجرام الإسرائيلي

من بين الحالات التي اعتقل فيها فلسطينيون في قطاع غزة، الذين سُحبوا إلى المعتقلات وماتوا تحت الحراسة إسرائيلية، حالة الدكتور عدنان البرش، الذي يثير موته أسئلة كثيرة بشكل خاص. في البيان الذي نشرته هيئة الأسرى الفلسطينيين، قيل إن البرش، وهو متخصص في جراحة العظام، مات في 19 نيسان في سجن عوفر. ظروف موته غير معروفة، والسلطات الإسرائيلية لم تسلم أي بلاغ حول الموضوع لأبناء عائلته. الجهات المرتبطة بالتحقيق معه وباعتقاله في إسرائيل، الجيش الإسرائيلي وسلطة السجون، رفضت إعطاء الصحيفة أي تفاصيل حوله. الأشخاص الذين التقوا البرش أثناء الاعتقال، قالوا إن وضعه الصحي كان متدنياً، وأبناء عائلته على قناعة بأنه مات بسبب التعذيب. وحسب هيئة الأسرى، ما زال جثمانه لدى إسرائيل.

كان البرش مدير قسم جراحة العظام في مستشفى الشفاء في قطاع غزة، الذي كان فيه بداية الحرب. وعندما وصلت المعارك إلى هناك، انتقل البرش إلى المستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا. وعندما أصبح هذا المستشفى ساحة حرب، واصل الطريق إلى مستشفى العودة في مخيم جباليا.

زوجة البرش، ياسمين، قالت في محادثة مع مراسلين فلسطينيين إن زوجها لم يعد إلى بيته في جباليا منذ بداية الحرب، باستثناء أيام الهدنة التي تم فيها إطلاق سراح أسرى وسجناء، التي عاد إلى عمله في نهايتها. “لقد كان يتصل معي كلما أمكن، ويسأل عن أولادنا الستة”، قالت. “طلبت منه العودة، ولكنه صمم على البقاء مع المرضى”.

اعتقل البرش في كانون الأول 2023 في ظروف لم يتم توضيحها. وحسب الشهود الذين تحدثوا مع أبناء عائلته، فإنه عندما وصلت قوات الجيش الإسرائيلي إلى مستشفى العودة، طُلب منه النزول إلى ساحة المستشفى، ومنذ ذلك الحين لم يُشاهد في القطاع. قال الجيش للصحيفة بأنه تم اعتقاله بتهمة المشاركة في الأعمال الإرهابية.

حسب المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلي، تم احتجاز البرش في منشأة اعتقال للجيش الإسرائيلي في 19 كانون الأول، وفي اليوم التالي نقل إلى معتقل “كيشون” للمعتقلين الأمنيين، القريب من حيفا. “منذ ذلك الحين لم يعد تحت مسؤولية الجيش الإسرائيلي”، قيل. وحسب مصدر أمني تحدث مع “هآرتس”، فإنه بعد أن أخضعه “الشاباك” للتحقيق في المعتقل، تم نقله إلى سجن عوفر تحت مسؤولية مصلحة السجون. وأضاف المصدر نفسه، بأن البرش لم يمت أثناء التحقيق.

رفضت مصلحة السجون تأكيد أو نفي أي معلومة تتعلق بالبرش، وقالت إن “مصلحة السجون” لا تتطرق إلى ظروف موت المعتقلين أو السجناء الأمنيين الذين ليسوا من مواطني إسرائيل. ولم تُقدم أي إجابة على سؤال إذا كانت جثة الطبيب أرسلت للتشريح، كما هي العادة بعد موت معتقل في السجن الذي تديره “المصلحة”. في رد المصلحة الرسمي، جاء أنه “يجب التوجه إلى الجهة المسؤولة”.

ثمة شهادات حول وضع البرش في الاعتقال قدمها معتقلون فلسطينيون أطلقت إسرائيل سراحهم وعادوا إلى القطاع بعد التحقيق معهم، من بينهم أطباء تحدثوا مع أبناء عائلته ومع “هآرتس”. وحسب أقوالهم، فقد التقوا معه في منشأة الاعتقال في بئر السبع. “بصعوبة تعرفنا عليه”، قال أحد الأطباء. “كان من الواضح أنه مر بجهنم، تعذيب وإهانة وعدم نوم. لقد عانى من الألم ونقص شديد في التغذية. حاولنا التحدث معه وتهدئته، لكنه كان مصدوماً وظهر خائفاً ومتألماً. لم يكن الشخص الذي عرفناه، بل ظله”. نفس هذا الطبيب قال إنه قبل اعتقاله لم يكن البرش يعاني من مشكلات صحية، وحتى أنه حرص على ممارسة السباحة والحفاظ على لياقته. لذلك هو على قناعة بأنه مات نتيجة ظروف الاعتقال.

“كنا نعتبر الدكتور البرش رمزاً لنا، نموذجاً للتقليد ومصدر إلهام”، قال صديقه. “فجأة، رأينا شخصاً محطماً، بصعوبة يتحدث ويفهم ما الذي يحدث حوله. بعد ذلك، وصلنا بيان غامض بأنه توفي”. كان البرش قريب مدير عام وزارة الصحة في القطاع، الدكتور منير البرش، الذي أبلغ منظمة “أطباء من أجل حقوق الإنسان” بأنه حاول الحصول على معلومات حول مصيره بعد اعتقاله. والمعلومة الوحيدة التي تم الحصول عليها هي موت البرش عن طريق هيئة الأسرى الفلسطينيين، التي ارتكزت إلى معلومة مصدرها هيئة التنسيق والارتباط الفلسطينية التي تعمل بالتنسيق مع قسم منسق أعمال الحكومة في “المناطق” [الضفة الغربية].

كان البرش اختصاصياً في جراحة العظام، لا سيما علاج المرافق والكسور المعقدة. قال أصدقاؤه إنه منذ اندلاع الحرب، كرس كل وقته لمعالجة المصابين نتيجة إصابتهم بالانفجارات في القطاع، التي أوصلت جهاز الصحة إلى شفا الانهيار. هو نفسه أصيب إصابة طفيفة في هجوم على المستشفى الإندونيسي، وعاد إلى العمل بعد تلقي العلاج.

حسب وزارة الصحة في غزة ووزارة الصحة في رام الله، فإنه منذ اندلاع الحرب قتل 496 طبيباً وأعضاء من الطواقم الطبية والإسعاف الأولي وأصيب 1500 وتم اعتقال 309 أطباء. نشرت “هآرتس” أنه في فترة الحرب توفي حوالي 30 معتقلاً غزياً في منشآت الاعتقال في إسرائيل، 27 منهم ماتوا في المعتقلات العسكرية، مثل منشأة “سديه تيمان”، 6 منهم على الأقل تم إجراء تشريح لهم بعد وفاتهم؛ لفحص ظروف موتهم. اثنان آخران، أحدهما البرش، ماتا عندما كانا في مصلحة السجون. قالت هيئة شؤون الأسرى الفلسطينيين إنها توجهت إلى الأمم المتحدة والصليب الأحمر وطلبت منهم العمل فوراً ضد ما اعتبرته “سلوكاً إجرامياً” تمارسه السلطات الإسرائيلية بخصوص المعتقلين الفلسطينيين، ومن بينهم الأطباء.

جاكي خوري – بار بيلغ

المصدر: صحيفة هآرتس الإسرائيلية

ترجمة: صحيفة القدس العربي




صاندي تايمز: حماس لم تهزم بعد وهي ملتزمة بمواصلة الحرب التي اختارتها في 7 أكتوبر

قالت الباحثة بيفرلي ميلتون- إدواردز إن حماس بعيدة عن الهزيمة، رغم الضرر الذي أصابها وغياب التوازن مع القوات الإسرائيلية.

وفي مقال نشرته “صاندي تايمز” أشارت فيه ميلتون- إدواردز، المؤلفة المشاركة في كتاب عن حماس سيصدر قريبا والزميلة غير المقيمة في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية في الدوحة، إلى إعلان القوات الإسرائيلية يوم السبت عن حرف وحدات من قواتها لمواجهة مقاتلي حماس في شمال غزة، وقالت إنه آخر دليل على عدم هزيمة الحركة.

وقد أثبتت حماس بأنها عدو هائل منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر عندما اخترقت مجموعة صغيرة نسبيا ومدربة بشكل جيد الحدود الإسرائيلية المحصنة مع غزة. ومع أن أعداد القوات الإسرائيلية كانت أكبر ومتفوقة من ناحية التدريب، إلا أن حماس استطاعت السيطرة على محطات المراقبة والقواعد العسكرية وحتى المقرات الإقليمية.

وبعد سبعة أشهر من الحرب، فشلت إسرائيل في تدمير حماس، كقوة عسكرية وسياسية. ولم تقض إسرائيل على قادة الحركة الذين خططوا لهجمات 7 تشرين الثاني/ أكتوبر، وحتى لو فعلت فهناك العديد من الإشارات بأن جيلا جديدا من القيادات المتشددة ستحل محلها.

وتعلق الكاتبة أن الكثيرين شكوا في الأسابيع والأشهر الأولى للحرب بقدرة الجناح العسكري، كتائب عز الدين القسام، على النجاة أمام قوة إسرائيلية ضاربة، الأمر الذي تم إثباته في كثير من النواحي.

وأمام الهجوم الإسرائيلي، آلاف من المقاتلين الملتزمين في حماس ممن يعتقدون أن الموت في ساحة المعركة يضمن لهم أمجاد الشهادة، ومكانا في الجنة وتحررا من كونك شعبا محاصرا ومحتلا.

وفي كل يوم تبث قناة عز الدين القسام على منصة تلغرام فيضا من التقارير واللقطات تظهر معارك في الوقت الحي وكمائن وهجمات ضد القوات الإسرائيلية. وفي كل مرة تحقق فيها الحركة انتصارات صغيرة في ميدان غزة، فإن صداه يتردد ملايين وملايين المرات حول العالم في هاشتاغات حماس ونقرات المشاركة للفيديوهات المعدة بشكل جيد وتتنتجها كتائب القسام.

وتقول الكاتبة إن إسرائيل محقة في إدعاء أنها جزت جزءا من فروة رأس حماس في المعركة، وضربت عددا من القيادات التي خرجت بموجب تبادل في الماضي. ولم يكن هذا بدون ثمن باهظ وأضرار جانبيه، وكان المثال الأبرز هي الغارة الجوية في 31 تشرين الأول/أكتوبر 2023 على مخيم جباليا والتي قتل فيها إبراهيم البياري، أحد قادة حماس الكبار، ولكنها خلفت آلاف القتلى والجرحى حسب وزارة الصحة الفلسطينية. ورغم أن الوزارة تديرها حماس، إلا أن مصادر أمنية إسرائيلية أخبرت الكاتبة أن أرقام الوزارة عادة ما لا تعكس الرقم الحقيقي للضحايا والذي قد يكون أعلى.

وتعتقد الكاتبة أن سبب نجاة كتائب القسام نابعة من استراتيجية جر القوات الإسرائيلية إلى أرضها التي تعرف القتال عليها جيدا وتمتلك فيها تميزا، فمن الأزقة والمداخل المخفية وبين البساتين والتلال الرملية، استطاع مقاتلو القسام شن هجمات ناجحة ضد أهداف إسرائيلية. وحتى السلاح الإسرائيلي المتفوق مثل دبابة مارك أي في ميركافا أتلفها ودمرها مقاتلو القسام باستخدام صواريخ مضادة للدبابات “شواظ” و “الياسين 105”.

وتقول الكاتبة إن القتال من الداخل يشرف عليه أهم قيادات حماس. وبالتأكيد فإن إسرائيل أعلنت أن أهم هدف لها هو قتل زعيم حماس في غزة. وقال مسؤول عسكري إسرائيل “هو رجل ميت حي” و “هذا الهجوم الشنيع رتبه يحيى السنوار”. ودعا وزير الدفاع الإسرائيلي، يواف غالانت أهل غزة تسليم السنوار “سنغتاله [لكن] إن وصلتم إليه أولا فستقصرون هذه الحرب”. ويمثل السنوار جزءا من قيادة ثلاثية في غزة والتي تشمل زعيم كتائب القسام، محمد الضيف ومروان عيسى الذي زعمت إسرائيل أنها اغتالته.

وتقول الكاتبة إن السنوار (61 عاما) عدو هائل، و “في كل المناسبات التي قابلته فيها كان ذكيا وبعيون فولاذية طوال اللقاء”.

ولد ونشأ في خان يونس وأصبح مقربا من مؤسس الحركة، الشيخ أحمد ياسين. لقد شحذ السنوار أسنانه وتجربته كمنفذ لأوامر حماس. واعتقل عام 1988 بعد أقل من عام على الإنتفاضة الأولى وصدرت ضده أربعة أحكام بالمؤبد بتهم التخطيط لاختطاف وقتل جنديين إسرائيليين وقتل أربعة “عملاء” فلسطينيين.

واستغل فترة سجنه لتعلم اللغة العبرية ودراسة السياسة والمجتمع الإسرائيليين، وقال “يمكنك القول إنني خبير بتاريخ اليهود أكثر منهم”. وأفرج عن السنوار عام 2011 في صفقة تبادل الجندي الأسير جلعاد شاليط. وخرج بعد أن أفنى شبابه في السجن، حيث ترقى في سلك القيادة ليصبح زعيم حماس في غزة.

وكان مصمما للإنتقام من إسرائيل وحصارها 2.3 مليون فلسطيني في غزة وزيادة الإستيطان في الضفة الغربية وخرق الوضع القائم في المسجد الأقصى بالقدس.

وكانت هناك إشارات عن طموحات السنوار، حيث فحصت كتائب القسام قوتها في حرب 2012 و 2018 و 2021 وبداية 2023. وشاركت قوات القسام في مناورات عسكرية مشتركة مع بقية الفصائل حيث اشتملت على هجمات وهمية على الحدود وعمليات خاصة تحت سمع ونظر القوات الإسرائيلية.

وفي عام 2018، كتب السنوار رسالة باللغة العبرية إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عرض فيها هدنة دائمة مقابل فك الحصار عن غزة، ولم يكلف نتنياهو نفسه حتى بالنظر إليها. وتحدث السنوار في الأشهر التي سبقت هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر أن حركته تحضر لشيء كبير ضد العدو. وقال “سنأتي إليكم إن شاء الله بفيضان هادر” و “سنأتي إليكم بصواريخ لا نهاية لها، وسنأتي إليكم بفيضان لا حد له من الجنود”، وفعلوا.

وفي الأسبوع الماضي وسعت إسرائيل الحرب إلى رفح، رغم اعتراض إدارة بايدن ونقد دولي بشأن زيادة عدد القتلى المدنيين. وفي رفح التي وصفتها يونيسيف بـ “مدينة الأطفال” فقد عمال الإغاثة واللاجئين والسكان الأمل.

والمثير للدهشة، تقول الكاتبة، أن الدعم لحماس في غزة لم يتراجع نسبيا، وتعتقد غالبية الغزيين الذي تم استطلاعهم أن حماس ستنتصر في الحرب.

وهناك عدة عوامل لشرح هذا، أولا، يعرف الغزيون أن الدمار الذي حل بهم هو من عمل إسرائيل لا حماس. ثانيا، ومقارنة مع الشكاوى السابقة عن حماس، فقد كان مقاتلو الحركة ظاهرين وهم يدافعون عن غزة. وقوات القسام، وبعيدا عن مزاعم إسرائيل، ليست متربصة في الأنفاق وخائفة من القتال. وأخيرا، ففي كل مرة تستهدف فيها إسرائيل أفرادا من قيادات حماس، بمن فيهم الأطفال والأحفاد وتدمر بيوتهم، فإنها تزيد من حس التضامن والحزن العام. إلا أن نتنياهو تعهد، مع قطع الحلفاء الغربيين الدعم العسكري لإسرائيل، بمواصلة القتال، وهدفه هو “النصر الكامل” ضد حماس والقضاء على السنوار والقيادات البارزة في الحركة. إلا أن حركة حماس، أثبتت في الماضي على الولادة من جديد وتجنيد الجيل القادم من المقاتلين المستعدين لمواجهة إسرائيل. ومثلما أخبر الشيخ ياسين الكاتبة مرة “وراء كل شهيد ألف مستعدون للمعركة”.

وتقول الكاتبة إن صورة إسرائيل بأنها القوة التي لا تقهر تضررت بشكل كبير خلال الحرب. وسقط قادتها العسكريون والأمنيون “على سيوفهم” أي استقالوا. وبات مصير المسؤولين العسكريين والسياسيين الإسرائيليين معلقا في الريح وتلاحقهم اتهامات ارتكاب جرائم الحرب وبلاغات من المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، وسط نفاد صبر الإسرائيليين بالطريقة التي عالجوا فيها الحرب.

لن تستسلم حماس أو تذعن، وتزعم إسرائيل أنها قتلت نصف مقاتلي حماس، لكن كتائب القسام تثبت كل يوم أنها قادرة على مواصلة المقاومة الشرسة. وهناك خمس كتائب فاعلة تم تقسيمها إلى وحدات حرب عصابات متحركة ومسلحة بـ”أر بي جي” والمتفجرات والمسيرات وقادرة على المواجهة من أي مكان، فحماس ملتزمة بمواصلة الحرب التي اختارتها في 7 تشرين الأول/أكتوبر. ووسط الأنقاض والأنفاق العميقة في غزة، فنجاتها ضد كل الأضداد هو نصر في حد ذاته.

المصدر: صحيفة صانداي تايمز البريطانية

ترجمة: إبراهيم درويش




نيويورك تايمز: جدل حول سلطة السنوار في “حماس”.. رمز مهم ولاعب رئيسي في وقف الحرب

نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريراً شارك فيه باتريك كينغزلي وجوليان إي بارنز وآدم راسغون قالوا فيه إن زعيم “حماس” في غزة، يحيى السنوار، يعتبر مهندس هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وفي الوقت الذي يبحث فيه الوسطاء عن اتفاق وقف إطلاق النار، فإن أيّ اتفاق يعتمد عليه، مثلما يعتمد على عدوّته إسرائيل.

وقالت الصحيفة إن السنوار هو  في العرف الإسرائيلي “رجل ميت حي”، واغتياله يعتبر أهم  هدف للهجوم الإسرائيلي المدمر.

وبعد سبعة أشهر، يعتبر بقاء السنوار حيّاً رمزاً لفشل الحرب الإسرائيلية التي دمرت معظم غزة، وتركت قيادة “حماس” في مكانها، وفشلت في تحرير معظم الأسرى الذي أخذوا في هجوم أكتوبر.

الصحيفة: بعد سبعة أشهر، يعتبر بقاء السنوار حيّاً رمزاً لفشل الحرب الإسرائيلية التي دمرت معظم غزة، وتركت قيادة “حماس” في مكانها، وفشلت في تحرير الأسرى

ورغم محاولة المسؤولين الإسرائيليين اغتياله، إلا أنهم أجبروا على التفاوض معه، وإن بشكل غير مباشر. وظهر السنوار ليس كقيادي مصمم فقط، ولكن كمفاوض ذكي منع نصراً إسرائيلياً في ساحة المعركة، وتواصل مع الوفود الإسرائيلية على طاولة المفاوضات.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين في “حماس” وإسرائيل والولايات المتحدة قولهم إن المفاوضات التي توسطت فيها قطر ومصر، ظلت معلقة على موافقة السنوار، المختفي في مكان ما في غزة، والتي يجب أن يحصل عليها وفد “حماس” المفاوض.

ويؤكد المسؤولون في “حماس” أن السنوار ليست له الكلمة الأخيرة في قرارات الحركة، إلا أن الأصدقاء والأعداء يقولون إن قيادته في غزة تعطيه دوراً كبيراً في الطريقة التي تعمل فيها “حماس”. ويقول صلاح الدين العواودة، الذي صادق السنوار أثناء السجن، في الفترة ما بين 1990- 2000 : “لا قرار يتم اتخاذه بدون مشاورة مع السنوار”، و هو ليس “زعيماً عادياً، بل شخص قوي ومهندس للأحداث، وهو ليس ذلك المدير أو الرئيس، بل هو زعيم”، كما قال.

 ومنذ بداية الحرب، لم يسمع من السنوار كغيره من القيادات الأخرى، مثل إسماعيل هنية، المقيم في قطر، وأبرز زعيم للحركة.

ورغم كونه في مرتبة قيادية بعد هنية، إلا السنوار كان من أهم الشخصيات التي لعبت دوراً من خلف الأضواء في مفاوضات وقف إطلاق النار، حسبما يقول الأمريكيون والإسرائيليون.

 وكان انتظار رد السنوار سبباً في تأخير المفاوضات، حسب المحللين والمسؤولين. ونظراً للدمار الذي تسبّبت به إسرائيل على البنى التحتية للاتصالات، فقد كان المفاوضون ينتظرون أحياناً يوماً لإيصال رسالة للسنوار، ويوماً للحصول على جواب منه. ويقول المسؤولون الأمريكيون والإسرائيليون إن السنوار برز خلال المفاوضات، التي توقفت مرة أخرى في القاهرة، الأسبوع الماضي، ليس كعدو قاس، ولكن كفاعل سياسي ذكي قادر على تحليل المجتمع الإسرائيلي وتكييف سياساته بناء على ذلك.

وكان السنوار، الذي يعتبر مهندس هجوم أكتوبر، يعرف أنها ستؤدي إلى رد قاس من إسرائيل. وتزعم الصحيفة هنا أن  حسابات “حماس” بأن موت الكثير من المدنيين الذين ليس لديهم منفذ على أنفاق “حماس”، هو ثمن ضروري للأمر الواقع الذي فرضته إسرائيل بحصارها الطويل على غزة.

وتقول الصحيفة إن مؤسسات الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية قضت شهوراً وهي تقيم دوافع السنوار في هجوم أكتوبر، وترى أن الدافع الرئيسي هو الانتقام وإضعاف إسرائيل. ويقول المسؤولون إن حماية الفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية هي أمور ثانوية له.

وأشارت الصحيفة إلى حياة السنوار، المولود في عام 1962 لعائلة مهجرة أثناء النكبة، وانضمامه لحركة “حماس” في الثمانينات من القرن الماضي، وسجنه لعقدين في السجون الإسرائيلية، قبل خروجه عام 2011 في صفقة تبادل ألف سجين فلسطيني مقابل جندي إسرائيلي. وبعد ستة أعوام أصبح زعيماً لحركة “حماس” في غزة.

ويرى المسؤولون الإسرائيليون والأمريكيون أن السنوار، الذي درس اللغة العبرية، وطوّر فهماً للمجتمع والسياسة في إسرائيل، يحاول  استخدام معرفته لزرع الانقسام في المجتمع الإسرائيلي، وزيادة الضغط على بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي.

 ويعتقدون أن السنوار بث فيديو للأسرى الإسرائيليين لدى “حماس” من أجل زيادة الضغط على نتنياهو في مرحلة  مهمة من مفاوضات وقف إطلاق النار.

ويريد بعض الإسرائيليين الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، حتى لو عنى هذا الموافقة على مطالب “حماس” بهدنة دائمة تبقي “حماس” في السلطة. ولكن نتنياهو متردّد  في الموافقة لإرضاء اليمين المتطرف الذي هدّد أفراده بفك التحالف معه لو أنهى الحرب بدون تدمير “حماس”.

ولو اتهم نتنياهو بإطالة أمد الحرب لأهداف شخصية، فسيكون المستفيد هو عدوه اللدود السنوار. ويرى المسؤولون الأمنيون الإسرائيليون والأمريكيون أن هدف السنوار هو إطالة أمد الحرب من أجل تدمير سمعة إسرائيل دولياً والتسبّب بضرر بعلاقتها مع حليفتها الولايات المتحدة.

وفي الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تتعرض لضغوط دولية لعدم مهاجمة رفح، أطلقت “حماس” صواريخ ضد معبر  كرم أبو سالم وقتلت أربعة جنود. ولو كانت هذه هي مقامرة “حماس”، فقد أدت عمليتها إلى النتائج التي تريدها، حيث بدأت إسرائيل عملية عسكرية في جنوب رفح، وسط قرار من الرئيس جو بايدن بحجب شحنة أسلحة إلى إسرائيل.

الصحيفة: الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية قضت شهوراً وهي تقيم دوافع السنوار في هجوم أكتوبر، وترى أن الدافع الرئيسي هو الانتقام وإضعاف إسرائيل. وحماية الفلسطينيين ودولة فلسطينية هي أمور ثانوية

وترفض “حماس” وحلفاؤها أنها تحاول استخدام المعاناة الفلسطينية، ويقول أحمد يوسف، المسؤول المخضرم في “حماس” والمقيم في رفح: “إستراتيجية حماس هي وقف الحرب حالاً”، و”وقف الإبادة الجماعية وقتل الشعب الفلسطيني”.

 ويعتقد المسؤولون الأمريكيون أن السنوار لم يهتم بمواقف زملائه خارج غزة، الذين لم يعرفوا عن خطة الهجوم في تشرين الأول/أكتوبر. ومع اعتقادهم أن السنوار يوافق على العمليات العسكرية التي تديرها “حماس”، إلا أن المخابرات الإسرائيلية ليست متأكدة من حجم ومدى دوره فيها. ويقول مسؤول غربي على اطلاع بمفاوضات الهدنة إن السنوار يتخذ القرارات بالتنسيق مع شقيقه محمد، وهو قيادي بارز في “كتائب القسام”، وأنه اختلف في بعض المرات مع قيادات “حماس” في الخارج. وأضاف المسؤول أن قيادة “حماس” في الخارج أظهرت أحياناً ميلاً للتنازل، لكن السنوار كان يتشدّد في موقفه لمعرفته أنه سيقتل انتهت الحرب أم استمرت. وقال إن المخابرات الإسرائيلية ستلاحق السنوار حتى نهاية حياته، حتى بعد نهاية الحرب.

وحاولت قيادة “حماس” إظهار الوحدة، وأن القيادة المنتخبة هي التي توافق على قرارت الحركة. وقال البعض إن السنوار لعب دوراً في الحرب الحالية، نظراً لموقعه كزعيم لـ “حماس” في غزة، وله دور كبير، لكن ليس الكلمة الأخيرة، حسب القيادي موسى أبو مرزوق المقيم في قطر: “رأي السنوار مهم جداً نظراً لوجوده في الميدان، وهو يقود الحركة من الداخل”. وأضاف أبو مرزوق، الذي كان أول رئيس للمكتب السياسي للحركة في التسعينات، أن إسماعيل هنية هو من يتخذ “القرار النهائي” في القضايا الرئيسية، وقال إن قيادة “حماس” السياسية هي “على رأي واحد”.

 لكن آخرين يعتقدون أن هناك شيئاً مختلفاً في السنوار، حسب زميل السجن العواودة، وربما لم يقدم قادة آخرون على اتخاذ قرار مثل 7 تشرين الأول، وفضّلوا التركيز على الشؤون التكنوقراطية للحكم. وقال: “لو كان هناك شخص في مكانه، لكانت الأمور أهدأ”.

لمصدر: صحيفة نيويورك تايمز

ترجمة: إبراهيم درويش




جنرال إسرائيلي: تل أبيب بعيون العالم بلطجيّ خطِر منفلت وسكّير ضيّع طريقه يضرب كل مَن يعترضه

يؤكد جنرال إسرائيلي بارز في الاحتياط أن على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو الاختيار بين بن غفير وسموتريتش وبين الانتصار في الحرب، مؤكداً أن الإدارة السياسية الفاشلة حولت إسرائيل، في نظر العالم، إلى “بلطجي خطِر لا يمكن السيطرة عليه”، وسكّير ضيّعَ طريقه، ويضرب كل مَن يقف في وجهه.

ويقول الجنرال في الاحتياط يسرائيل زيف، في مقال نشره موقع القناة العبرية 12، إن إسرائيل تشهد أزمة سياسية عميقة مع الولايات المتحدة لم يسبق أن مرّت بها في الماضي، لا في سنة 2015، خلال المواجهة بشأن الموضوع النووي بين نتنياهو وإدارة أوباما، ولا في أزمة العلاقات بين كيسنجر وغولدا مئير، خلال حرب 1973، ولا لدى فرض قيود على السلاح، عام 1948، معتبراً أن ما يجري ليس جدلاً بشأن طريقة العمل، بل أزمة ثقة كبيرة بين الرئيس الأمريكي ورئيس الحكومة الإسرائيلية. ويرى الجنرال الإسرائيلي أن إدارة بايدن، التي قرأت بصورة صحيحة ما جرى في 7 أكتوبر، وقفت فوراً إلى جانب إسرائيل، فأرسلت حاملتَي طائرات، وحذّرت “حزب الله” وإيران بصورة لجمت ألسنة اللهب في مواجهة إسرائيل.

الجنرال زيف: إسرائيل تشهد أزمة سياسية عميقة مع الولايات المتحدة لم يسبق أن مرّت بها في الماضي

 ويضيف: “كما أخذت أمريكا مهمة التصدي لجبهة الحوثيين على عاتقها، فوضعت طائراتها للدفاع عن إسرائيل في مواجهة الهجوم الإيراني، في 14 نيسان/أبريل. هيئة الأركان العامة والقيادة الوسطى الأمريكية كانتا في إسرائيل على الدوام، منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر، ونشأت التزامات وعلاقات غير مسبوقة بين رئيس الأركان ووزير الدفاع يوآف غالانت والقيادة العسكرية الأمريكية”.

كما يستذكر زيف وصول جسر جوي إلى إسرائيل مع إمداد مستمر بالذخيرة. أما على المستوى السياسي، فقد دافعت الولايات المتحدة عن إسرائيل في الأمم المتحدة، وفي محكمة لاهاي الدولية، وقاتلت بشراسة من أجل استعادة المخطوفين من مواطنيها. ومؤخراً، خصصت الإدارة ميزانية 14 مليار دولار. ومن أجل إسرائيل يخاطر بايدن بحملته الانتخابية.

تحاشي قتل المدنيين

منوهاً بأن كل ما طلبه الأمريكيون في مقابل ذلك، هو أن تتجنّب إسرائيل قتل غير الضالعين في القتال خلال الحرب، وعدم المسّ بالمساعدات الإنسانية التي استخفت بها إسرائيل.

ويوضح أنه عندما رأى الأمريكيون أن ليس لدى إسرائيل أيّ خطة إستراتيجية للحل في غزة في “اليوم التالي للحرب”، اقترحت الولايات المتحدة عليها خطة سياسية تتضمن ضمانات، لكنها تجاهلتها، وللدقة، لم تناقشها… على الرغم من الدعم الأمريكي، لم يشكر نتنياهو، علناً، الولايات المتحدة والائتلاف الذي هبّ للدفاع عن إسرائيل، وهو يتعامل مع الدعم الأمريكي كأنه بديهي وواجب.

خطورة تصريح بايدن

 ويقول زيف إن جوهر الأزمة بين إسرائيل والولايات المتحدة هو عدم الثقة المطلقة برئيس الحكومة نتنياهو، الذي يعتبره الأمريكيون خطراً على مصالحهم، وعلى أمن إسرائيل بحد ذاتها.

 مؤكداً أن هذه المشكلة أكبر بكثير من رفح، وتهدد استقرار العلاقات، وتقوّض أمننا القومي، ويقول إن وقف تصدير السلاح الذي تحتاج إليه إسرائيل للمحافظة على قوتها، هو فقط إحدى المشكلات، فالأزمة تُلحق الضرر بردعنا، وتشجع “حزب الله” وإيران على الاعتقاد بأن إسرائيل ضعيفة، وتؤذي صورتنا الدولية، وتُلحق الضرر بمكونات الأمن القومي، وبالحصانة الاقتصادية التي تعاني جرّاء وضع صعب.

العمى السياسي

 وفي نطاق رؤيته النقدية، يرى زيف، وهو قائد سابق لغرفة العمليات في جيش الاحتلال، أن العمى السياسي الذي تعانيه حكومة نتنياهو طوال الحرب، ولا سيّما الآن، بعد وقوعها في قبضة بن غفير وسموتريتش اللذين يمنعان التوصل إلى حلّ سياسي في غزة، يجعل إسرائيل تغرق في الوحل الغزّي.

ويتابع: “على الرغم من احتقار نتنياهو لهما، فإنه يخاف منهما، وغير قادر على التفكير المنطقي المطلوب. إن عدم قدرة رئيس الحكومة على اتخاذ القرارات أدى إلى خسارة إسرائيل كل أدوات الضغط التي تملكها”.

وينوه أنه “بدلاً من مواجهة الحقيقة، بنى رئيس الحكومة نتنياهو حوله نظرية منفصلة عن الواقع، بحجة أن بايدن ضعيف، ولا يعارض كل ما تريده إسرائيل، وكل ما هو مطلوب المماطلة نصف سنة حتى يُستبدل، ومحاولة التمسك بواقع وهمي، مفاده أن الحرب مستمرة، على الرغم من أنها انتهت منذ وقت”.

ويؤكد زيف أن الإدارة السياسية الفاشلة حولت إسرائيل، في نظر العالم، إلى “بلطجي خطِر لا يمكن السيطرة عليه”، وسكّير ضيّع طريقه، ويضرب كل مَن يقف في وجهه. ويدلل على ذلك بالقول إن “دول العالم كلها ابتعدت عنا، حتى الولايات المتحدة أيضاً، العمود الفقري لإسرائيل، فهي توشك على منعها من استخدام سلاحها، الأمر الذي سيعرّض هذه الأخيرة لخطر وجودي حقيقي”.

خسارة التحالف الإقليمي

ويمضي في توصيف ملامح الأزمة بين بايدن ونتنياهو: “لم يعد بايدن يصدّق نتنياهو، ولا يصدق اعتباراته، ولا يؤمن بقدرة إسرائيل، بزعامة نتنياهو، على الانتصار على “حماس”، ويعتبر العملية في رفح كارثة ستلحق بالولايات المتحدة وإسرائيل، واتخذ قراراً صعباً كي يعترف بفشل إسرائيل في القضاء على “حماس”، واستمرار وجود هذا التنظيم “الإرهابي”. لقد قرر، بدلاً من نتنياهو، بذل كل شيء من أجل إعادة المخطوفين ومنع احتلال رفح، وبهذه الطريقة، أعطى ضمانات للمحافظة على “حماس”، لقد فرض على إسرائيل، فعلياً، إنهاء الحرب. الاتفاق الإقليمي مع السعودية أصبح ثنائياً، وبقيت إسرائيل خارجه، الأمر الذي ألحق ضرراً إستراتيجياً كبيراً بمستقبل أمن إسرائيل”.

الجنرال زيف: جوهر الأزمة بين إسرائيل والولايات المتحدة هو عدم الثقة المطلقة بنتنياهو، الذي يعتبره الأمريكيون خطراً على مصالحهم، وعلى أمن إسرائيل ذاتها

هزيمة سياسية

ويقول زيف إن “السنوار، الذي فشل عسكرياً، رجحت كفّته، بعد أن حصل على شهادة تأمين من نتنياهو وسموتريتش على طبق من فضة، ونجح سياسياً في تحويل الإنجاز العسكري للجيش الإسرائيلي إلى هزيمة سياسية لإسرائيل”.

  ويعتبر، ضمن رؤيته هذه، أن “المخربين”، “في أغلبيتهم، خرجوا من القطاع، ولم يبقَ لإسرائيل ضمانات بشأن إنهاء الحرب في الشمال، الأمر الذي يفهمه نصر الله، ويصعّد بسببه”.

 ويضيف: “أمام إسرائيل فرصة أخيرة للتغيير، وأن تطرح، الآن، حلاً سياسياً يوافق عليه كلٌّ من الولايات المتحدة ومصر والدول العربية البراغماتية، والدخول في صفقة مخطوفين، وبذلك تحوّل الهزيمة إلى إنجاز كبير. لكن الخطوة الأولى ليست حيال “حماس”، بل أن يستجمع نتنياهو الشجاعة المطلوبة لمواجهة وزيرَيه المتطرفَّين. ومن دون ذلك، ستبقى “حماس”، وستضطر إسرائيل إلى إنهاء الحرب. القرار واضح، فإمّا بن غفير والهزيمة، وإمّا  انتصار إسرائيل في الحرب”.

وديع عواودة

المصدر: صحيفة القدس العربي