1

اغتيال هنيّة وتداعياته

تعرّض رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، إسماعيل هنيّة (1963- 2024)، فجر الحادي والثلاثين من تموز/ يوليو 2024، لاستهدافٍ مباشر في مقرّ إقامته في العاصمة الإيرانية، طهران، ما أدّى إلى اغتياله وأحد مرافقيه. وجاء استهدافه بعد ساعات فقط من انتهاء مراسم تنصيب الرئيس الإيراني المنتخب، مسعود بزشكيان، والذي شارك فيه وفد من حركة حماس بقيادة هنيّة، كما جاء بعد ساعات أيضاً من استهداف إسرائيل القيادي في حزب الله، فؤاد شكر، في الضاحية الجنوبية للعاصمة اللبنانية، بيروت.. وفي الوقت الذي لم تعلن فيه إسرائيل صراحةً عن مسؤوليتها عن اغتيال هنيّة (خلافًا لاغتيال شكر)، إلا أنها تتصرّف على هذا الأساس، وتتّهمها “حماس” والسلطات الإيرانية بالوقوف خلف العملية.

تريد إيران أن تقوم بردٍّ ما، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التورط في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل

احتمالات ما بعد الاغتيال
يمثّل اغتيال هنيّة، الذي يحظى بشعبية واسعة، تطوّراً خطيراً في مسار الحرب التي تشنّها إسرائيل على قطاع غزّة منذ عملية طوفان الأقصى في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وفي حين يأمل رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، من خلال عملية الاغتيال، زيادة شعبّيته في إسرائيل (وهو ما حصل فعلاً بعد جريمتَي الاغتيال)، وانتزاع صورة انتصارٍ ما زال عاجزاً عن تحقيقه في الحرب المستمرّة على القطاع منذ عشرة شهور، بحيث يمكنه استخدامه مبررّاً لمواصلة الحرب بطريقته إلى حين فرض تصوّره لما يسمّى اليوم التالي، أو ربما للمضي في اتفاق الهدنة الذي طرحه الرئيس الأميركي، جو بايدن، في أيار/ مايو 2024، ويعارضه بعضٌ من أكثر أعضاء حكومته تطرّفًا، إلا أن عملية الاغتيال تهدّد، في الوقت نفسه، بتوسيع رقعه الصراع، إذا ما قرّرت إيران الرد على الهجوم الذي وقع على أراضيها وأسفر عن اغتيال أحد أبرز ضيوفها المشاركين في مراسم تنصيب رئيسها الجديد، وإذا ما قرر أيضاً حزب الله الردّ بقوة غير متوقّعة على اغتيال الشخصية القيادية فؤاد شكر. 
احتمال توسّع رقعة الصراع العسكري
يرتبط هذا الاحتمال بالضرورة بحسابات إيران، وردّها المتوقّع على اغتيال هنيّة، وعلى إظهار أن لإسرائيل اليد الطولى في المنطقة، فالعالم العربي عموماً يقف موقف المتفرّج تجاه ما يمكن اعتبارها عربدةً إسرائيليةً في المنطقة.
في ساعات الصباح الباكر التي أعقبت الإعلان عن عملية الاغتيال، اتسمت التصريحات الإيرانية بالانضباط إلى حد لافت، حيث لم يُشِر أيٌّ منها إلى ضلوع إسرائيل في العملية. ولم تحمل التصريحات الإيرانية أيّ التزام بالرد، وبوجه خاص تلك التي صدرت عن الحرس الثوري ووزارة الخارجية. لكن التوجه الإيراني بدأ يتّخذ منحىً مختلفاً بعد اجتماع مجلس الأمن القومي، الذي شارك فيه قائد الحرس الثوري، وكبار قادة الجيش والداخلية والمخابرات. ونشر حساب المرشد الأعلى، علي خامنئي، على منصة إكس، تصريحاً توعّد فيه إسرائيل بما سمّاه “عقاباً قاسياً”، في حين هدّد بيان صدر عن الحرس الثوري الإيراني بأن “الرد على الكيان الصهيوني سيكون قاسياً وموجعاً”.
وعلى الرغم من التريّث الإيراني في اتهام إسرائيل بعملية الاغتيال، والذي يمكن تفسيرُه بمحاولة فهم ما جرى بالضبط في ساعات الفجر الأولى، فإن إيران لن يكون في مقدورها، نتيجة حجم الضربة التي وقعت على أراضيها، إلا أن تقوم بردٍّ من نوعٍ ما، قد يشبه ما قامت به ردًاً على اغتيال الولايات المتحدة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في مطار بغداد مطلع عام 2020، واستهداف إسرائيل قنصليّتها في دمشق مطلع نيسان/ أبريل 2024. 
تجد إيران نفسها مع بداية عهد رئيسها الجديد الذي يسعى إلى فتح باب الحوار مع الغرب، وخصوصاً مع الولايات المتحدة، أمام اختبار كبير، حيث إنها تريد أن تقوم بردٍّ ما، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التورّط في مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، ولا تريد التأثير سلبيًا في فرص الحوار مع واشنطن، ولا سيما أن ذلك كان أحد أهداف عملية الاغتيال التي أمر بها نتنياهو في طهران. فالعمليات أخيراً في الحديْدة وفي حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية وفي طهران نفسها موجّهة كلها ضد إيران التي شدّد نتنياهو في خطابه أمام الكونغرس على الصراع معها، وعلى ضرورة التحالف الأميركي – الإسرائيلي ضدها.

لن يكون في مقدور إيران، نتيجة حجم الضربة التي وقعت على أراضيها، إلا أن تقوم بردٍّ من نوعٍ ما

احتمال التوجّه نحو اتفاق 
في الوقت الذي تشتد فيه الضغوط الداخلية والأميركية على نتنياهو للتوصّل إلى اتفاق يتم بموجبه إطلاق سراح الرهائن ووقف الحرب التي استنفدت أغراضها في قطاع غزّة، وفق منطق الإدارة الأميركية، وأيضًا في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة الضربات المتبادلة بين إسرائيل وحزب الله وتهدّد بنشوب مواجهة أوسع، جاءت عملية اغتيال هنيّة في طهران وشكر في بيروت لترفع التصعيد إلى مستوياتٍ أعلى. لكنّ رفع مستوى التصعيد قد يمثّل المرحلة التي تسبق عملية التهدئة، حيث تخشى أطرافٌ إقليمية ودولية عديدة من فقدان السيطرة كليّاً على الوضع ودخول المنطقة في مواجهة شاملة تنجرّ إليها الولايات المتحدة ودول غربية أخرى. ويعني هذا أن الضغوط ستزداد في الفترة المقبلة على نتنياهو للقبول “بصورة الانتصار” الذي حاول انتزاعه من خلال الهجمات التي حصلت في طهران وبيروت والتوجّه إلى إبرام اتفاق يُنهي الحرب في قطاع غزّة. ويبدو أن نتنياهو فهم ذلك في زيارته أخيراً واجتماعه مع مرشّحَي الحزبين الديمقراطي والجمهوري، كاميلا هاريس ودونالد ترامب، اللذيْن أصدرا، على الرغم من مزايدتهما على بعضهما في مسألة دعم إسرائيل في لقاءيهما بنتنياهو، مواقف تدعو إلى ضرورة إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاقٍ لاستعادة المحتجزين الإسرائيليين.
وعلى الرغم من أن الوسيط القطري، وعلى لسان رئيس الوزراء الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، تساءل: “كيف يمكن أن تنجح مفاوضات يقوم طرفٌ بقتل من يفاوضه في الوقت ذاته؟”، وما بدت عليه العملية لحركة حماس كأنها محاولة أخيرة من نتنياهو لتوجيه ضربةٍ نهائيةٍ إلى مسار التفاوض، وقد تكون كذلك فعلاً، فإن التوصل إلى اتفاق يبقى الخيار الوحيد؛ فحركة حماس، ومعها بقية فصائل المقاومة وحاضنتها الشعبية لديها مصلحة حقيقية في إنهاء الحرب، في ضوء الإبادة التي يتعرّض لها قطاع غزّة منذ عشرة شهور. وينطبق الأمر نفسه على بقية الأطراف الإقليمية والدولية التي تتوجّس من اتساع نطاق المواجهة وخروج الأمور عن السيطرة. أما على المستوى الإسرائيلي، فعلى الرغم من أن نتنياهو لا يبدو مهتماً بالتوصل إلى اتفاق، فإن الخيارات أمامه محدودة؛ فهو لا يبدو اليوم بعد شهور من المحاولات الفاشلة أقرب إلى تحقيق أيّ من هدفَي الحرب، وهما القضاء على “حماس” وإطلاق الأسرى، في الوقت الذي تتزايد فيه ضغوط الشارع والمؤسّسة العسكرية التي باتت تلحّ في طلب هدنة نتيجة التعب والإنهاك المستمرَين.

قد تشكّل عملية اغتيال هنية نقطة تحول في الحرب الدائرة في قطاع غزة، وقد تفتح الباب واسعًا أمام تصعيد كبير

انعكاسات الاغتيال على المشهد السياسي الفلسطيني
يمثّل ردّ فعل السلطة الفلسطينية التي نعت رئاستها هنيّة، باعتباره قائداً وطنيّاً كبيراً، وإعلانها الحداد وتنكيس الأعلام، فرصةً جدّيةً للبناء على اتفاق بكين، الذي وُقّع في 23 تموز/ يوليو 2024، والتوصل إلى وفاق وطني فلسطيني بدا متعثراً بلوغه منذ بداية الحرب. ويعزّز هذا الأمر موقف قوى شعبية وشخصيات وفصائل فلسطينية، وقوى إقليمية، ما فتئت تطالب بتشكيل قيادة فلسطينية موحّدة في إطار منظمّة التحرير الفلسطينية باعتباره الخيار الوحيد أمام الفلسطينيين للاستثمار في التضحيات العظيمة التي قدّموها، خاصة في الشهور العشرة الأخيرة وعدم السماح بإضاعتها. 
وبالنسبة إلى “حماس” نفسها، يضع اغتيال هنية قيادتها، في الخارج خصوصاً، مجدّداً في قلب النقاش العام جماهيريّاً، نظراً إلى أنها تدفع ثمن مواقفها من دمائها ودماء أبنائها، وأنها تقدّم بذلك تضحيات مثل أهل غزة المحاصرين في الداخل. وهكذا يضرب الاحتلال بنفسه السردية التي اشتغل عليها ومنصاته الإعلامية خلال عشرة شهور من الحرب حول افتراق أجندة قيادة المقاومة في الخارج عن هموم الشارع.
خاتمة
قد تشكّل عملية اغتيال هنيّة في طهران نقطة تحوّل في الحرب الدائرة في قطاع غزّة منذ نحو عشرة شهور، وقد تفتح الباب واسعًاً أمام تصعيد كبير في المنطقة إذا قرّرت إيران (وحزب الله) الرد على الخرق الكبير الذي تعرّضت له سيادتها من إسرائيل، أو قد تدفع نحو ممارسة مزيد من الضغوط الإقليمية والدولية على حكومة نتنياهو للذهاب في اتجاه قبول المقترح الذي قدّمه الرئيس بايدن لاتفاق الهدنة منعاً لسيناريو التصعيد الأول. ويعزّز هذا التوجّه مستوى الضيق الذي باتت تعبّر عنه دول كثيرة من سلوك إسرائيل التي تتصرّف مثل دولة مارقة باتت تتجاوز أبسط القواعد والأعراف المتوافق عليها لخوض الصراعات والحروب، بما فيها قتل الطرف الذي تخوض المفاوضات معه! 

المركز العربي للدراسات وأبحاث السياسات




اغتيال زعيم حماس في إيران يقربنا من “الأرمغدون” في الشرق الأوسط

حذر مارك ألموند، مدير معهد أبحاث الأزمات في أوكسفورد، من مخاطر اغتيال إسرائيل الزعيم السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية. وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رغب دائما بالهجوم على إيران لمنعها من امتلاك السلاح النووي، إلا أن مقتل زعيم حماس في طهران قد يدفعها وبسرعة لبناء القنبلة النووية. وأضاف: “في النظرة الأولى، فقدرة إسرائيل على توجيه ضربة قاتلة لعدو فلسطيني مهم في قلب العاصمة الإيرانية وتحت جنح الظلام هي دليل على ذكائها في المعارك الحديثة. وكما حدث مع استهدافها لفؤاد شكر في بيروت قبل ساعات، اغتيال زعيم حماس في طهران، كشف لأعداء إسرائيل أنه لا يوجد مكان آمن للاختباء فيه”. و”مع ذلك، فسجل إسرائيل الطويل في العثور على منظمي أعمال عنف ضدها وقتلهم، يقترح أن هذه الاغتيالات هي طريق مسدود لو قصد منه قمع جماعات إرهابية ذات قاعدة شعبية”.

وقال ألموند “إن تحويل هنية لشهيد سيكون بلا شك مرضيا للكثير من الإسرائيليين الذين يرون أنه هندس هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. لكن هذه الشهادة ستمنح السلطة والمرجعية لهدفه العنيد”. وأضاف أنه “طالما ظل هنية مقيم في قطر وبأمن بعيدا عن المذبحة التي أشعلها في غزة، كان بإمكان إسرائيل الزعم بأنه لا يأبه بالمعاناة الإنسانية والثمن الباهظ لإستراتيجيته. والآن، وقد مات فمن الصعب القول للغزيين: “لماذا تريدون القتال لرجل يعيش حياة ميلياردير في الدوحة وأنتم تجوعون وتنزفون”.

ويرى الكاتب أن اغتيال زعيم حماس قد يربكها لفترة، لكن هنية ينتمي إلى مجموعة من قيادات حماس التي صعدت إلى القمة بعدما اغتالت إسرائيل الزعيم الروحي للحركة أحمد ياسين عام 2004. وحتى لو افترضنا أنه “إذا” كانت حماس في حالة احتضار في غزة قبل الغارة ضد هنية، وهذا في الحقيقة أمر مستبعد في الواقع، لأن الإشارات تؤشر إلى توسع الحرب مع حزب الله في لبنان والميليشيات الشيعية في العراق والحوثيين الذين يستهدفون السفن التجارية بالبحر الأحمر وميناء إيلات. وربما اكتشفنا لاحقا أن غزة هي مرحلة أولى في نزاع متزايد بالشرق الأوسط.

وتابع الكاتب “اقترح بعض الإسرائيليين أنه من خلال التخلص من زعيم حماس، فربما استطاع بنيامين نتنياهو استعادة السلطة السياسية الكافية التي فقدها بسبب الثغرات الأمنية في7 تشرين الأول/أكتوبر، وبهذا يكون قادرا على إبرام اتفاق وقف إطلاق النار. إلا أن هذا يتجاهل حقيقة أنك تحتاج لطرفين كي تصنع السلام. فلن تكون حماس فقط تحت ضغط الانتقام لمقتل هنية بل وإيران وحزب الله وبقية الجماعات الموالية لإيران في العراق والحوثيين في اليمن الذين سيتعرضون لضغوط التدخل. وحتى قطر، فقد أعلنت عن نهاية دورها كوسيط بعد مقتل هنية”.

وقال الكاتب إن نتنياهو لم يكن أبدا راغبا بتسوية بناء على حل الدولتين، ومن الصعوبة بمكان الآن رؤية كيفية تقديم الإسرائيليين أو الفلسطينيين تنازلات من أجل التسوية، فقد ماتت الثقة بينهم منذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر. وعلينا ألا ننسى أن الكثيرين في إسرائيل الكارهين لنتنياهو يفعلون هذا ليس بسبب فساده بل لأنه فشل بتوفير الضمانات الأمنية لهم وحمايتهم من الهجمات الفلسطينية، فلم يعد هناك حركة سلام في إسرائيل.

ويرى الكاتب أن نتنياهو طالما حذر من امتلاك إيران القنبلة النووية، وربما سرعت الإهانة التي وجهها لها بقتل هنية لإنتاج القنبلة النووية وبأقرب وقت ممكن. وهذا سيقربنا للمعركة النهائية أو أرمغدون. وقال وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن إن امريكا ستدافع عن إسرائيل لو تعرضت للصواريخ الإيرانية من جديد. وسيضيف هذا أمريكا إلى قائمة أهداف حلفاء إيران مثل حزب الله والميليشيات في العراق وسوريا واستهداف القواعد الأمريكية. لقد فقدت إيران هيبتها، وفي الوقت نفسه، لن ترغب إسرائيل وأمريكا بالتراجع في مواجهة دعوات الانتقام. وهذه وصفة لدوامة من العنف.

مارك الموند – مدير معهد ابحاث الازمات بجامعة اوكسفورد

ترجمة ابراهيم درويش




تايم: نتنياهو اغتال هنية لجر أمريكا إلى حرب إقليمية واسعة

نشرت مجلة “تايم” مقالا لتريتا باريسي، مدير معهد كوينسي للحكم المسؤول، قال فيه إن إسرائيل تريد جر الولايات المتحدة لحرب مع إيران.

وأشار إلى أن إسرائيل تقف بدون شك وراء اغتيال المسؤول السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في طهران يوم الأربعاء، فمن خلال إحراج إيران بشكل كبير، حيث قتل هنية بعد ساعات من حضوره حفل تنصيب الرئيس الجديد، مسعود بزشكيان، فإن إسرائيل في الوقت نفسه تزيد من مدى الانتقام الإيراني.

وهذا هو على الأقل رأي الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي في إسرائيل، لأن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو راغب بإشعال حرب واسعة في المنطقة وجر الولايات المتحدة إليها. ومع أن إسرائيل نفسها ستدفع الثمن الباهظ في ذلك، إلا أن الحرب ستدعم أهداف نتنياهو وبطرق متعددة.

أولا: أنهى مقتل هنية أي منظور لاتفاق وقف إطلاق النار، فقد عارض نتنياهو وبشكل ثابت صفقة تنهي الحرب. وكشفت “هآرتس” الإسرائيلية أن نتنياهو قام قبل جولات المفاوضات بتسريت معلومات حساسة من أجل تخريبها.

وكما تحدث الرئيس بايدن للمجلة عندما سئل عن محاولة نتنياهو إطالة أمد البقاء في الحكم، حيث قال: “هناك كل الأسباب التي تجعلنا نتوصل لتلك النتيجة”. ويعرف نتنياهو أن هذه الصفقة ستؤدي إلى انهيار تحالفه وتنهي حكمه. كما أنها ستسرع من محاكمات الفساد التي يواجهها، وتعني أنه قد يدخل السجن. ولا شيء ينهي المفاوضات فعليا أكثر من قتل المفاوض على الطرف الآخر.

ثانيا: يضع مقتل هنية الرئيسةَ الأمريكية المقبلة كامالا هاريس في الزاوية، ذلك أن إدارة بايدن ظلت تلوم حماس على تعطيل المفاوضات والتوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار.

وهناك دلائل تظهر أن هاريس قد تتبنى موقفا مختلفا عن ذلك الذي اتخذه بايدن والقائم على الميل الشديد لإسرائيل. و”كما أخبرت رئيس الوزراء الإسرائيلي، فقد حان الوقت للتوصل لصفقة”، وذلك بعد مقابلته الأسبوع الماضي في واشنطن. ووضعت اللوم عليه في عدم حدوث تقدم. وكان من الصعب على نتنياهو تجاهل لغتها الباردة وحركة جسمها وتعاطفها مع الفلسطينيين، واستعدادها للوم إسرائيل على خنق المفاوضات.

ثالثا: قتل هنية يعني قتلَ خط آخر للمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران. فقد جاء الانتخاب المفاجئ للإصلاحي مسعود بزشكيان واستعداده للنظر في المفاوضات مع الولايات المتحدة بمثابة نافذة صغيرة للدبلوماسية. وهذا صحيح؛ لأن إيران تعتقد أن إسرائيل تحركت بمباركة من إدارة بايدن. وفي رسالة لمجلس الأمن الدولي، كتب ممثل إيران في الأمم المتحدة أن الهجمات “لم تكن لتحدث بدون مصادقة ودعم استخباراتي من الولايات المتحدة”.

وفي ضوء المعارضة الإسرائيلية الطويلة للعلاقات الأمريكية- الإيرانية، فإن قرار اغتيال هنية أثناء مشاركته في حفل تنصيب بزشكيان لم يكن مصادفة على الأرجح.

وقضى نتنياهو العقدين الماضيين وهو يحرض الأمريكيين ضد إيران ويحاول إقناعهم بضربها. وقد تعرض الرؤساء الأمريكيون الأربعة السابقون لضغوط إسرائيلية من أجل مهاجمة إيران. ورغم أن التركيز ظل على المشروع النووي الإيراني، إلا أن الرغبة بالحرب مع طهران تذهب أبعد من مجرد تخصيب اليورانيوم.

وترى إسرائيل في إيران تهديدا للترتيبات الإقليمية، ولقدرتها على التحرك لضرب سوريا ولبنان بحرية بدون خوف من العقاب. ويعتقد الإسرائيليون أن صفقة نووية مع إيران لن تؤدي إلى تغيير ميزان القوة في الشرق الأوسط.

وفي الحقيقة، فتخفيف العقوبات على إيران، كما في معاهدة 2015 التي وقّعتها إدارة أوباما ودول أخرى مع طهران، أصبح لدى الأخيرة التفوق النوعي في ميزان القوة بالمنطقة التي تمتد من الخليج الفارسي إلى إسرائيل. ولا يمكن الحفاظ على التفوق الإسرائيلي من خلال العمل العسكري فقط، بل هو بحاجة إلى عقوبات اقتصادية وتدخل عسكري أمريكي.

ومن هنا ترغب إسرائيل من خلال عملية الاغتيال إلى دفع إيران لكي ترد بطريقة يمكن أن تتسبب بحرب واسعة تجر أمريكا إليها.

ففي نيسان/ أبريل، منعت إدارة بايدن توسع الحرب من خلال المساعدة في ترتيب رد إيراني مضبوط ضد إسرائيل انتقاما لضرب القنصلية الإيرانية في دمشق في الأول من نيسان/ أبريل. وتستطيع إدارة بايدن اليوم منع المنطقة من الانزلاق للفوضى، ولكنها لن تنجح بدون وضع خطوط حمر واضحة وعامة لنتنياهو.

مجلة تايم الاميركية

ترجمة ابراهيم درويش




الغارديان: حماس لم تُهزم باغتيال هنية.. وانتقال القيادة سيكون سلسا ولن يؤثر على غزة

نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا لبيثان ماكرنان قالت فيه إن إسرائيل وجهت ضربة لحركة حماس عندما قتلت رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية أثناء زيارة لطهران يوم الأربعاء.

وتساءلت عن الخطوة المقبلة للحركة، مضيفة أن هنية ليس الزعيم الأول الذي تغتاله إسرائيل، فقد اغتالت مؤسس الحركة وزعيمها الروحي أحمد ياسين والمؤسس المشارك عبد العزيز الرنتيسي والقائد العسكري صلاح شحادة في بداية القرن الحالي. وقتل أحمد الجعبري الذي قاد عملية السيطرة على غزة عام 2007 في غارة جوية بمدينة غزة عام 2012.

 وترى الصحيفة أن حماس كانت دائما قادرة على تجميع وإعادة تنظيم نفسها إلا أن الحرب الجارية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر تركت الحركة في حالة من فراغ القيادة، فقد اعتبرت إسرائيل في حربها على الحركة وتعهدها بتدميرها سياسيا وعسكريا القادة في الخارج أنهم “أهداف للقتل”.

ففي بداية العام الحالي، قتلت إسرائيل صالح العاروري، أحد نواب هنية بغارة جوية على لبنان. وقالت إسرائيل إن مروان عيسى أحد قادة حماس العسكريين قتل في النصيرات في آذار/مارس. وأعلنت إسرائيل يوم الخميس أن قائد كتائب القسام محمد الضيف قتل في الغارة الإسرائيلية على خان يونس قبل ثلاثة أسابيع.

وتلاحق إسرائيل الضيف منذ عام 1995 ونجا من عدة محاولات اغتيال. وكان الضيف ويحيى السنوار وهنية على قائمة قدمها مدعي عام الجنائية الدولية لاستصدار مذكرة اعتقال بتهم ارتكاب جرائم حرب، إلى جانب مذكرات ضد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يواف غالانت. وتقول الصحيفة إن حماس لم تؤكد مقتل الضيف، ولو تأكد فسيشعر زعيم حماس في غزة السنوار بأنه بات وحيدا. ولم يكن هنية من قاعدة إقامته في العاصمة القطرية، الدوحة قادرا على إدارة الأمور في غزة. ولم يكن هنية أو أي من قادة حماس في الخارج يعرف عن هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، ولو كانت قيادة الخارج تعرف فليس من الواضح إلى أي مدى.

لم يكن هنية أو أي من قادة حماس في الخارج يعرف عن هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، ولو كانت قيادة الخارج تعرف فليس من الواضح إلى أي مدى

وعلى خلاف السنوار، كان هنية يتنقل ويسافر وظل حتى مقتله الوجه المعروف لحماس، حيث أدار علاقات الحركة مع إيران والحركات الموالية لها في الشرق الأوسط، مثل حزب الله. وكان معتدلا ووجه وفود حماس لمفاوضات الهدنة التي توسطت بها مصر وقطر والولايات المتحدة، والتي ابتعد منظورها كثيرا الآن.

وفي الماضي، استخدمت حماس الانتخابات الداخلية في غزة والضفة الغربية والسجون لاختيار زعيم جديد، وهو أمر صعب في الظروف الحالية. وبدلا من ذلك فقد يتقدم خالد مشعل سلف هنية لتولي منصب مدير المكتب السياسي وإن بصفته قائما بالأعمال.

وولد مشعل، 68 عاما، في الضفة الغربية ونشأ في الكويت وظل شخصية مركزية للحركة منذ التسعينات حيث قام برعاية مصالح الحركة والدفاع عنها من الخارج.

 وفي عام 1997 تعرض لمحاولة تسميم على يد عملاء الموساد في عمان، العاصمة الأردنية، وهو ما أغضب الملك حسين الذي هدد بقتل العملاء الإسرائيليين المتورطين في العملية، إلا في حالة زودت إسرائيل الأردن بالدواء المضاد للسم.

 ومثل هنية، فهو شخصية معتدلة وبراغماتية وقام بمراجعة لميثاق حماس عام 2017. وتنحى عن رئاسة المكتب السياسي في نفس العام نظرا لدعوته إلى المصالحة مع حركة فتح التي تسيطر على الضفة، حسب الصحيفة. وتوترت علاقاته مع سوريا وإيران منذ عام 2011، نظرا لدعمه الثورة السورية ضد بشار الأسد.

وهناك خليل الحية، الذي قاد وفد حماس لمفاوضات الهدنة، ويقيم في قطر، وله علاقات مع المسؤولين الإيرانيين، بشكل يجعله في وضع جيد لخلافة هنية.

وترى الصحيفة أن وفاة هنية لن تترك أي أثر على ساحة المعركة. وتزعم إسرائيل أنها استطاعت قتل نصف قيادة حماس العسكرية في غزة، بمن فيهم ستة قادة بارزين لكتائب وأكثر من عشرين قائد فرقة وقتلت وجرحت 14,000 مقاتل، وهي أرقام لم يتم التحقق من صحتها. ورغم عدم قدرة حماس على شن هجمات صاروخية وضعف نظام القيادة لديها، إلا أنها استطاعت وبنجاح التحول إلى حرب العصابات وزيادة أعدادها من خلال تجنيد متطوعين جدد في صفوفها واستخدام شبكة الأنفاق لمواجهة القوات الإسرائيلية. وقطعت إسرائيل خط الإمدادات الرئيسي من رفح في أيار/مايو وهو ما سيؤثر على قدرة الحركة للقتال، لكنها لم تهزم بعد.

قوة لم تنته

ورأى ريتشارد سبنسر في صحيفة “التايمز” أن المرحلة الانتقالية في القيادة داخل حماس ستكون سلسة، لكن ما تعنيه وفاته للحركة ولغزة ولمستقبل الدولة الفلسطينية أقل وضوحا. فحماس التي خرجت من عباءة الإخوان المسلمين وأيديولوجيتها حركة منضبطة وبعملية واضحة وآلية لاستبدال القادة. فعندما حل هنية محل مشعل عام 2017 تم ذلك بدون توضيح ولكن بدون أي معارضة. وظل مشعل ناشطا في مكتب الحركة السياسي وظهر من جديد بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر وكمتحدث قوي في الإعلام العربي. ويتوقع معظم المحللين أن يعاد تكليف مشعل برئاسة المكتب السياسي، فلديه العلاقات الضرورية والدبلوماسية مع تركيا وقطر ومصر التي توسطت في مفاوضات الهدنة، مع أن هنية كان ينظر إليه على أنه الأكثر اعتدالا.

لكن حماس ستتأثر ميدانيا بمقتل الضيف، لو كان التقدير الإسرائيلي أنها نجحت باغتياله في 13 تموز/يوليو. وفي النهاية فالقرارات السياسية تتخذ بموافقة الجميع، بما فيها الصفقات التي تقدم بها هنية، لكن محمد ضيف كان الزعيم الذي أنشأ الجناح العسكري وجعله جيشا متعدد الأهداف خصوصا استهداف إسرائيل.

لعبت كتائب عز الدين القسام دورا مهما في تأكيد حكم حماس في غزة وأطلقت الصواريخ ضد إسرائيل وقامت ببناء مستوى من الردع

فقد لعبت كتائب عز الدين القسام دورا مهما في تأكيد حكم حماس في غزة وأطلقت الصواريخ ضد إسرائيل وقامت ببناء مستوى من الردع غير المتناسق الذي خرب على الغزو الإسرائيلي لغزة. فالدبابات الإسرائيلية قادرة على التحرك في أي مكان تريده داخل القطاع وتقوم طائرات إسرائيل بتدمير أي بناية تريدها من الجو، لكن مقاتلي حماس، يستطيعون الخروج من أنفاقهم حسبما يريدون للقيام بعمليات خاطفة.

وقتل أكثر من 300 جندي إسرائيلي حتى الآن، وبالتأكيد خسرت حماس آلافا من مقاتليها، بحسب التقدير الإسرائيلي الأكثر تفاؤلا وهو 14,000 مقاتل. ومع هذا فهناك أكثر من 15,000 مقاتل لا يزالون في الأنفاق وأماكن أخرى وينتظرون ما تقرره إسرائيل والمجتمع الدولي لغزة في المرحلة المقبلة. وفي غزة اليوم فوضى وعصابات نهب غير مرتبطة بحماس تقوم بنهب ما تبقى في الأنفاق. ولأن إسرائيل اعتبرت الشرطة الفلسطينية هدفا عسكريا، فقد اندمج بعضهم مع المدنيين أو عادوا إلى الأنفاق.

وتقول إسرائيل إنها لن تسمح لحماس بممارسة أي دور في مستقبل غزة، بل واستبعدت أي دور للسلطة الوطنية التي تسيطر عليها فتح في الضفة الغربية، لكنها بالتأكيد قادرة على لعب دور المخرب بما تبقى لديها من قوة تحت قيادة يحيى السنوار الزعيم العام لغزة، وفي حالة قررت إسرائيل فرض قيادة ميدانية تختارها.

ومن الخيارات التي يتم التلويح بها، هي قيادة موالية للإمارات التي تعتبر الدولة العربية ذات العلاقة الجيدة مع إسرائيل. إلا أن أبو ظبي تضع سمعتها وكذا قوات حفظ السلام على الخط لو حاولت فرض حكم مدني في وقت ينتظر عشرات الآلاف من المسلحين للرد سريعا من الأنفاق. صحيح أن حماس لم تعد تمثل تهديدا على إسرائيل علاوة على قدرتها تنظيم هجمات مثل 7 تشرين الأول/أكتوبر، لكنها لا تزال خطرا على غزة. وتواجه إسرائيل ورطة من خلال مواصلة تدمير حماس وقتل السنوار أو المخاطرة بحرب مع حزب الله، المنظمة التي لديها قدرات لإمطار وقصف إسرائيل بالصواريخ.

صحيفة الغارديان البريطانية

ترجمة ابراهيم درويش




أولويات نتنياهو: كرسي الحكم واستمرار الحرب في غزة وإبقاء “حزب الله” ساحة ثانوية.. و”المخطوفون” لاحقاً

سلسلة المتضررين بالاغتيالات في هذا الأسبوع (القيادي الرفيع في حزب الله فؤاد شكر في بيروت، وقائد حماس إسماعيل هنية في طهران وزميله محمد ضيف الذي تمت تصفيته في خان يونس، وأمس تم التأكد نهائياً من موته) أدت إلى هزة إقليمية جديدة. إخراج هؤلاء الثلاثة من العمل سجل في أرجاء الشرق الأوسط كإنجاز لإسرائيل، حتى لو لم يمحُ الانطباع الذي تسببت به مذبحة 7 تشرين الأول. والآن تستعد إسرائيل لصد، بدرجة معينة احتواء، هجوم رد على هذه الاغتيالات من إيران وحزب الله وحماس والحوثيين في اليمن. احتمالية استكمال صفقة التبادل، رغم دعم واضح من القيادة الأمنية، تبدو ضئيلة إزاء تغير جدول الأعمال الإقليمي.
تهديدات طهران وبيروت بالانتقام أدت لرفع جاهزية الأجهزة ذات الصلة في الجيش الإسرائيلي. أعلن أول أمس عن إلغاء جميع الإجازات في الوحدات الحربية. يتوقع أن تكون خطوة إيران وشركائها منسقة. ربما يتعلق الأمر بعدة موجات من الهجمات على مدار بضعة أيام، ومن المرجح أن ترد عليها إسرائيل. ولأن أعضاء المحور يريدون الانتقام على قتل هؤلاء القادة وليس بسبب المس الجماعي بالمدنيين، يمكن التقدير بأن عملياتهم ستوجه لمنشآت عسكرية أو استراتيجية. وهذه المنشآت تنتشر أيضاً في مركز البلاد وفي الشمال؛ اختيار أهداف في حيفا أو في “غوش دان” قد يعتبر رداً مناسباً على الأحداث الأخيرة.
إن اغتيال شكر وهنية، الذي نسبته إيران لإسرائيل في فترة زمنية هي سبع ساعات، أشعل خلافات صاخبة جداً. الأول يتناول جدوى الاغتيال في طهران، والثاني يجدد النقاش المتواصل حول صفقة المخطوفين بدرجة أشد. لم يكن أي خلاف حول اغتيال شكر. حزب الله عرف أنه تجاوز قواعد اللعب غير المكتوبة عندما قتل 12 طفلاً وفتى في قرية مجدل شمس الدرزية في الجولان. وجد حزب الله نفسه في حالة محرجة حتى أمام الطائفة الدرزية في لبنان (لذلك، كذب ونفى بشكل استثنائي مسؤوليته عن الإطلاق). وضربة إسرائيلية محسوبة لهدف عسكري مميز (رئيس أركان الحزب) لا تبدو عملية قد تدهور الطرفين إلى حرب.
لكن جاء اغتيال هنية بعد ذلك، وهذه المرة في إيران، بصورة ستضم حماس إلى هذا التوتر خلال الاتصالات حول عقد صفقة التبادل. يعتبر هذا أصبعاً في عين النظام؛ لأن هنية كان ضيفاً في احتفال تنصيب الرئيس الإيراني الجديد. هي تضع إيران في بؤرة التخبط فيما يتعلق بعملية الرد. وليس من الغريب أن الزعيم الأعلى خامنئي عني بتسريب أمر بتوجيه ضربة مباشرة إيرانية نحو إسرائيل. مع ذلك، أكد متحدثون في كل أجزاء المحور مؤخراً بأنهم غير معنيين بحرب شاملة.
بخصوص الصفقة، يتبين شيئاً فشيئاً وجود سلم أولويات خاص برئيس الحكومة نتنياهو، وإعادة المخطوفين لا تقف في مكان مركزي فيه. نتنياهو معني بتواصل الحرب في القطاع بدون تغيير حجم القوات العاملة ضد حماس وبدون الانسحاب من ممر نتساريم ومحور فيلادلفيا اللذين يسيطر عليهما الجيش الإسرائيلي. المواجهة مع حزب الله في منطقة الشمال ما زالت تحتل أولوية ثانوية لديه؛ فهو لا يريد التورط في حرب إقليمية، ولا في مواجهة كبيرة مع حزب الله. الوضع على الحدود في الشمال -حسب رأيه- ربما يبقى ثابتاً حتى وقت طويل، رغم الخسائر المتراكمة والسكان الذين تم إخلاؤهم.
المشكلة أن القليل من ذلك قيل للجمهور في إسرائيل. نتنياهو يقلل من ظهوره، ولا يظهر أمام الجمهور إلا حين يجني مكاسب على نجاحات عسكرية منها، في حين أن الكوارث والأخطاء أمور يجب على الجيش الإسرائيلي تفسيرها. المتملقون لديه لم يعودوا يهتمون بالدفاع عنه أمام انتقاده في هذا الشأن. فبالنسبة لهم، هذا هو الواقع وليمت الحاسدون. في تصريحاته، ينثر رئيس الحكومة ضبابية بشكل متعمد. في الأسبوع الماضي، عندما كان في زيارة لواشنطن لإلقاء خطاب في الكونغرس، أصدر إشارات لعائلات المخطوفين بأن هناك تقدماً في المحادثات حول الصفقة. وفي الوقت نفسه، شدد طلباته في المفاوضات بشكل يضمن جمودها. الضبابية موجهة أيضاً نحو الجيش الإسرائيلي؛ فالضباط الكبار يشعرون بأنهم مقاولو تفجيرات. لا تهمه مواقفهم.

بعد موت هنية انتشر اعتقاد بأن رئيس حماس في القطاع، يحيى السنوار، سيؤخر المحادثات – حتى كعقاب على عملية الاغتيال، ولأنه سيطبق خطته الأصلية في حالة اشتعال إقليمي ولا مصلحة له في إنقاذ إسرائيل من تورطها. في المقابل، يطرح رؤساء جهاز الأمن ادعاء معاكساً. فحسب رأيهم، أصبحت حماس بعد الاغتيالات في نقطة حضيض. السنوار هو الشخص الأخير بعد أن قتل معظم أصدقائه (وخصومه) في قيادة حماس في الاغتيالات. تحقيق صفقة قد يجعل الوضع يستقر بدرجة ما، ويعيد إلى البلاد بالتدريج المخطوفين إلى جانب جثث المخطوفين الذي ماتوا في الأسر، وتمكين الدولة والجيش من إعادة البناء على أمل تحقيق اتفاق مؤقت على الأقل على الحدود مع لبنان.
يقول وزير الدفاع غالنت هذه الأمور علنياً كل يوم تقريباً. جميع رؤساء الأجهزة يشاركونه رأيه في النقاشات الداخلية. نتنياهو يتآمر على إقالة غالنت واستبداله بجدعون ساعر. العمليات الأخيرة تحسن مكانة نتنياهو في الاستطلاعات بشكل قليل، وفي القريب قد يقوم بهذه المقامرة.
السؤال الذي يحلق منذ فترة طويلة هو: متى ستأتي اللحظة التي يقف فيها رؤساء الأجهزة علناً إلى جانب غالنت ويقولون رأيهم بشأن السياسة وطريقة اتخاذ القرارات؟ الحديث لا يدور فقط عن خلاف استراتيجي؛ فثمة جدال أخلاقي حول مستوى التزام الدولة بمواطنيها وجنودها الذين اختُطفوا نتيجة الفشل الأمني – السياسي الأخطر في تاريخها.
بعيدون عن الحل
الخلاف حول صفقة التبادل ليس السبب الوحيد للتوتر الجديد بين نتنياهو والقيادة الأمنية العليا، ورئيس الأركان هرتسي هليفي بشكل خاص. رئيس الأركان قطع مؤخراً خططه مرتين وسارع إلى ساحتين جعلته يصاب بالصدمة، كل واحدة بطريقتها. السبت، ذهب إلى مجدل شمس بعد بضع ساعات على سقوط الصاروخ الذي أطلقه حزب الله وقتل الأطفال. المشاهد التي رآها هناك كانت فظيعة، لكنه استقبل بتقدير كبير. الدروز في هضبة الجولان كانوا بحاجة إلى احتضان من الدولة، وهليفي قدمه لهم. نتنياهو كلف نفسه عناء الذهاب إلى القرية بعد يومين وأطلق شعارات فارغة؛ بعض السكان رافقوه بهتافات الاستخفاف.
الإثنين، اقتحم نشطاء اليمين المتطرف منشأة “سديه تيمان” وبعد ذلك معسكر “بيت ليد” احتجاجاً على اعتقال تسعة من جنود الاحتياط المشتبه فيهم بالتحرش الجنسي القاسي لشاب فلسطيني. وزراء وأعضاء كنيست شجعوهم، وبعضهم قادوا الاقتحام الأول. وصل رئيس الأركان إلى “بيت ليد” ووجد نفسه مع جنود كتيبة الدورية التابعة للواء المظليين، الذين اضطروا إلى صد اقتحام زعران “لافاميليا” بأيدهم، وهي منظمة مشجعي “بيتار القدس”. الضباط هناك قالوا بأنهم لم يروا أمراً كهذا. وأصدر نتنياهو خلال يومين إدانات ضعيفة، في واحدة قارن بنية واضحة بين أعمال الشغب المهذبة جداً لليمين وبين إغلاق الشوارع المهذب لمتظاهري كابلان.
الفجوة بينه وبين جهاز الأمن ستتسع وتبرز كلما اقتربنا من الذكرى السنوية للمذبحة، وكلما تم نشر المزيد من تحقيقات الجيش الإسرائيلي. قبل الذكرى السنوية، من المرجح أن يزداد ضغط الجمهور على هليفي للانسحاب (إذا لم تندلع حرب شاملة). مع ذلك، سلوك نتنياهو في هذا الأسبوع يطرح ادعاءات أيضاً في الاتجاه المعاكس. انسحاب هليفي ورئيس “الشاباك”، رونين بار، قد يفتح الطريق أمام محاولة تعيين مقربين من هذين المنصبين، لا سيما إذا أزيح غالنت من الطريق لصالح بديل خاضع أكثر.
النجاح العملياتي والاستخباري الذي سجلته إسرائيل مؤخراً، والتقديرات حول ضائقة حماس ووعود نتنياهو الفارغة بالنصر المطلق، كل ذلك لا يجب أن يشوش الجمهور في إسرائيل. مرت عشرة أشهر منذ الهجوم المفاجئ في الغلاف والورطة التي وجدت إسرائيل نفسها فيها بعيدة عن الحل. ربما لم يكن من مناص من ذلك، منذ اللحظة التي تفاجأنا فيها. العمليات التي عملت إيران وشركاؤها عليها لسنوات تم تسريعها دفعة واحدة ونضجت، بصورة تضع أمام الدولة تحديات غير مسبوقة. نتنياهو لا يبلور استراتيجية واضحة ولا يعرضها على المنظومة التي تخضع له. هدفه الأساسي والواضح هو ضمان بقائه في الحكم مع إبطاء (تطلع نحو التحييد) الإجراءات القانونية ضده. في حين بقي الميزان الإقليمي على حاله، وفي هذا الوقت هو غير مشجع من ناحية إسرائيل رغم الإنجازات المحددة المثيرة للانطباع. قناني الشمبانيا قد تنتظر.
عاموس هرئيل

صحيفة هآرتس الاسرائيلية

ترجمة صحيفة القدس العربي




ممثل حماس في إيران يكشف تفاصيل اللحظات الأخيرة من حياة إسماعيل هنية ولحظة الانفجار

كشف ممثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في إيران، خالد القدومي، عن ملابسات وتفاصيل بشأن عملية اغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية ومرافقه وسيم أبو شعبان، فجر الأربعاء الماضي، في العاصمة الإيرانية طهران، نافيا صحة ما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية عن أن الاغتيال تم عبر قنبلة مزروعة في مكان الإقامة.

وقال القيادي في حماس لـ”العربي الجديد” إن الشهيد إسماعيل هنية وصل إلى إيران فجر الثلاثاء على رأس وفد من قيادات الحركة، ضمّ رئيس مكتب العلاقات العربية والإسلامية خليل الحية والقياديين في المكتب السياسي محمد نصر وزاهر جبارين، بالإضافة إلى ممثل حماس في إيران (القدومي نفسه)، مضيفا أن الوفد توجه مساء الثلاثاء إلى البرلمان الإيراني للمشاركة في تأدية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان اليمين الدستورية في البرلمان، و”هناك التف حوله عدد كبير من البرلمانيين والمسؤولين الإيرانيين والضيوف الأجانب وعانقه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بحفاوة ورفع يده كعلامة نصر”، ثم بعد ذلك زار الوفد معرض “أرض الحضارة” في برج ميلاد في العاصمة. وقال القدومي إن “مجسم قبة الصخرة للمسجد الأقصى في المعرض استوقف الشهيد هنية للحظات، ثم شاهد مسرحية لبنت إيرانية كانت تمثل دور طفلة فلسطينية استشهدت عائلتها وهي وسط الدمار، فناداها القائد هنية وقبّل رأسها مستذكرا أطفال غزة وأحفاده وأولاده الذين استشهدوا”.

ومضى القدومي قائلا إن رئيس المكتب السياسي والوفد المرافق له توجهوا بعد ذلك إلى مقر الرئاسة الإيرانية تلبية لدعوة بزشكيان على مأدبة العشاء، ثم “انتقل إلى مقر إقامته (شمالي طهران) الذي لم يكن سريا وكان معروفا لدى الكثير من الناس، وكان خاصا بكبار الضيوف القادمين إلى البلد”. وأضاف أن “ما يقال حول كيفية معرفة (إسرائيل) بمقر إقامته وغير ذلك هو كلام فارغ عن المضمون، لأن الشهيد القائد كان في زيارة علنية وفي لقاء علني، وهو شخصية دبلوماسية، حيث كان رئيس وزراء فلسطين السابق وكان قائد حماس”.

وأوضح ممثل حماس لـ”العربي الجديد” أنه “بعد وصولنا إلى مقر الإقامة في وقت متأخر من الليل، صلى القائد الشهيد صلاة العشاء، ثم جلسنا وتحدثنا عن مراسم اليمين الدستورية للرئيس وأجوائها الطيبة، وقال لي مباشرة إن العديد من وزراء الخارجية وممثلين عن دول بعضها لا تعترف بحماس تقدموا للسلام عليه وتبادلوا التحيات معه”. وأضاف: “تحدثنا عن حادث الاغتيال للشهيد فؤاد شكر وفضل الشهادة وحسن الخاتمة، وقال إن هذه هي نهاية سعيدة لكل أخ مجاهد يقاتل الكيان الصهيوني”.

بعد ذلك توجه الشهيد هنية إلى غرفته للنوم، وفق القدومي، الذي قال إن مرافقه وسيم أبو شعبان “الذي صليت خلفه صلاة العشاء في تلك الليلة كان يحرس الشهيد هنية خارج غرفته، وهو يقرأ القرآن”. وقال ممثل حماس: “كان المصحف بين يديه عندما استشهد وعليه دمه الطاهر”.

مقذوف من الجو لاغتيال إسماعيل هنية

وأكمل القيادي في حماس متحدثا عن اللحظات الأخيرة في حياة إسماعيل هنية، أنه “في تمام الساعة 1:37 دقيقة حدثت صدمة للمبنى، فخرجت من المكان الذي كنت فيه، فرأيت دخانا كثيفا، وبعد ذلك عرفنا أن الحاج أبو العبد قد استشهد”، مشيرا إلى أنه “كان هناك وميض”. وأضاف “من شدة الصدمة التي حصلت للمبنى ظننت أنه حصل رعد أو زلزال، ففتحت النافذة لم أجد مطرا أو رعدا، فالجو كان حارا، وذهبنا إلى الطابق الرابع الذي كان فيه الشهيد فوجدنا أن جدار وسقف المكان الذي كان فيه قد سقط وتدمر”.

وتابع القدومي: “من الواضح من شكل المكان بعد الهجوم وما حدث له، ومن جثة الشهيد القائد إسماعيل هنية، أن الاستهداف قد تم بواسطة مقذوف من الجو، سواء كان صاروخا أو قذيفة”، مشيرا إلى أنه لا يريد خوض تفاصيل أكثر “حيث هناك فرق فنية تخصصية من الأشقاء في الجمهورية الإسلامية تقوم بالتحقيق وستعلن عن النتائج لاحقا”.

ونفى ممثل حماس في إيران رواية صحيفة “نيويورك تايمز” و”روايات مضللة مماثلة” في الصحافة الإسرائيلية، عن زرع قنبلة تحت سرير رئيس المكتب السياسي لحماس في مكان إقامته، وكذلك مزاعم المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاغاري عن عدم تنفيذ هجوم إسرائيلي جوي آخر لاستهداف شخصية أخرى في تلك الليلة سوى الهجوم الذي أدى إلى اغتيال القيادي فؤاد شكر. 

وأوضح القدومي أن رواية “نيويورك تايمز” وهاغاري تنفيها شهادات وحقائق على الأرض، مؤكدا أن الهدف من هذه الروايات والتصريحات هو “رفع المسؤولية المباشرة عن الاحتلال الإسرائيلي لاحتواء تبعات الجريمة والرد عليها “. وأضاف أن الاحتلال الإسرائيلي “هو الذي خطط ونفذ الجريمة بعلمٍ وموافقةٍ أميركيين”، مشيرا إلى أن الإدارة الأميركية “شريكة فيها وأعطت الموافقة لنتنياهو لارتكابها خلال زيارته لواشنطن” الأخيرة.

وشدد القدومي على أن “الشهيد القائد إسماعيل هنية هو واحد من 40 ألف شهيد في قطاع غزة ارتقوا في حرب إبادة شاملة، 70% منهم أطفال ونساء”، مؤكدا أن “دماءه الطاهرة ستكون لعنة تطارد الصهاينة وطوفانا جديدا يستكمل مشروع طوفان الأقصى لإيصاله إلى محطته الأخيرة بتحرير القدس وأرض فلسطين من النهر إلى البحر”.

صابر غل عنبري

صحيفة العربي الجديد




يوم هزَّت «أيلول الأسود» شِباك الألعاب الأولمبية في ميونيخ

كان يحيى السنوار في العاشرة من عمره حين هزت منظمة «أيلول الأسود» الفلسطينية في 1972 شِباك دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ، وجابت صور جثث المهاجمين والرهائن العالم بأسره.

نحو مليار شخص تابعوا ما سميت «مجزرة ميونيخ» التي اختلط فيها الرصاص الألماني بالرصاص الفلسطيني، وكان ذلك قبل هبوب رياح العولمة وولادة الهاتف الذكي. وبمقاييس تلك الأيام ومسرح الحدث غير المسبوق يمكن وصف ما حدث بأنه «طوفان» لكنه انطلق على الأرض الأوروبية.

رفضت حكومة غولدا مائير، رئيسة الوزراء الإسرائيلية، الرضوخ لمطالب الخاطفين وبينها السماح لهم بالمغادرة إلى مصر مع رهائنهم. وخدعت الحكومة الألمانية الخاطفين واستهدفتهم نيران قواتها. تسبب الافتقار إلى الخبرة في مقتلة دُبّجت عنها كتب وأُنتجت أفلام وأُهرق حبر كثير. ترددت مائير في البداية، لكنها وافقت تحت ضغط عدد من وزرائها على عملية «غضب الرب» التي تقضي باغتيال كل من له علاقة بهجوم ميونيخ في مطاردة عابرة للخرائط.

لا غرابة إذاً أن تؤرق استضافة الدورة الحالية من الألعاب الأولمبية بلداً مثل فرنسا. فهذا الحدث العالمي قد يُغري المجموعات الإرهابية التي تبحث عن منبر استثنائي لتوجيه ضربة مدوية على الصعيد الدولي. يضاعف المخاوف أن العقود الماضية شهدت ولادة تنظيمات أدمت العالم، من قماشة «القاعدة» و«داعش» وغيرها.

يقع الصحافي في فخ المحطات المثيرة فيروح يسأل عنها كلما عثر على شريك فيها أو شاهد. وأنا كنت من هؤلاء ولا أزال. وشاءت المهنة أن ألتقى الرجلين اللذين صنعا موقعة ميونيخ تخطيطاً وتنفيذاً. اسم الأول صلاح خلف (أبو إياد) عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، والرجل الثاني فيها بعد ياسر عرفات. واسم الثاني محمد داود عودة (أبو داود) عضو «المجلس الثوري» لحركة «فتح».

عرفات أبلغ وعباس صرف التكاليف

بعد ما يزيد قليلاً على نصف قرن، يمكن القول إن «الموساد» الإسرائيلي قتل كثيرين لكنه لم يقتل الثلاثة الذين وُلدت الفكرة على أيديهم وتحققت في صورة مأساة. والثلاثة هم: «أبو إياد»، ومساعده فخري العمري (أبو محمد)، و«أبو داود». اُغتيل «أبو إياد» والعمري لكن برصاص صبري البنا («أبو نضال» زعيم انشقاق «فتح – المجلس الثوري»، وأُصيب «أبو داود» برصاص «أبو نضال» أيضاً).

في تونس، قال لي «أبو داود» إن الفكرة «جاءت من العمري في لقاء ثلاثي. استوقفتْ الفكرة (أبو إياد) ثم أعجبته وأيّدتُها أنا». ويقول «أبو داود» إن عرفات «كان يعرف أن عمليةً لاحتجاز الرهائن ومبادلتهم بسجناء فلسطينيين في إسرائيل ستجري في ميونيخ، وتولى محمود عباس (أبو مازن) مسؤول المالية في (فتح) صرف المبلغ اللازم لتنفيذها».

وشدد «أبو إياد»، رداً على سؤال طرحتُه عليه، على أن العملية خرجت عن مسارها بسبب تشدد مائير ورعونة الحكومة الألمانية، وأن تعليمات مشدَّدة كانت قد أُعطيت للمنفذين بعدم قتل الرهائن أو إطلاق النار إلا في حالة الاضطرار القصوى للدفاع عن النفس. ويؤكد «أبو داود» أن التعليمات كانت صارمة بعدم القتل.

ملابس داخلية لتهريب السلاح

قصة مثيرة فعلاً. تولى «أبو إياد» شخصياً إحضار الأسلحة التي استخدمها المنفذون وكانت برفقته سيدة لبنانية سميت «جولييت» ساهم فتح حقيبتها المغطاة بملابس داخلية في إحراج رجل الجمارك الألماني، فمرَّر الحقائب الأخرى من دون تفتيش وهي كانت تحمل الرشاشات. وتولى «أبو داود» تخزين الحقائب في محطة القطار وتبديل أماكنها يومياً بانتظار موعد التنفيذ.

«أبو داود» خلال الحديث إلى الزميل غسان شربل (الشرق الأوسط)

لم تراود الشكوك أجهزة الأمن الألمانية في ما يتعلق بزائر كان يتنقل بين فنادق ميونيخ بجواز سفر عراقي يحمل اسم سعد الدين ولي. كان الرجل المتنكر «أبو داود». وسيتولى استطلاع القرية الأولمبية أكثر من مرة.

وفي ليلة التنفيذ سيستخدم قامته الفارعة لمساعدة بعض المنفذين على تخطي السياج المحيط بالقرية الأولمبية. وتشاء الصدفة أن يتولى مساعدة منفذين آخرين رياضيون أميركيون عائدون من سهرة سمر من دون معرفة هوية رفاق «أبو داود» وأن حقائبهم ستختطف بعد قليل أنفاس الدورة الأولمبية والعالم.

قصة «أيلول الأسود»

لم تكن «أيلول الأسود» منظمة مستقلة. وُلدت على دويّ المعارك التي دارت بين الجيش الأردني والتنظيمات الفلسطينية في سبتمبر (أيلول) 1970 واختتمت في العام التالي بعد معارك جرش وعجلون التي قُتل فيها القيادي الفتحاوي «أبو علي إياد».

وُلدت «أيلول الأسود» من رغبة في الثأر من النظام الأردني ومن المواجهة المفتوحة مع إسرائيل. كانت يافطة تستخدمها مجموعات في «فتح» لتنفيذ عمليات لا تريد تحمل مسؤولية مباشرة عنها، ونسبت إليها أحياناً عمليات لا علاقة لها بها. ويقول «أبو داود» إن علي حسن سلامة الذي اغتاله «الموساد» في بيروت لم تكن له علاقة على الإطلاق بعملية ميونيخ. ويضيف أن ما حصل في ميونيخ أثار حماسة الشعب الفلسطيني، ما دفع سلامة إلى الإيحاء بأنه شريك في العملية، خصوصاً أنه استخدم لافتة «أيلول الأسود» لتنفيذ بعض العمليات.

أثار الخروج القسري من الأردن حالة من الغضب في صفوف الفلسطينيين. وطُرحت أسئلة عن مسؤولية القيادات الفلسطينية في خسارة ما كان يعد الموقع الأفضل لمواجهة إسرائيل وإبقاء التواصل قائماً مع الأراضي المحتلة. ترك الخروج جرحاً في نفس «أبو إياد» لا سيما بعدما استمر اللغط حول ما قيل إنه اتفاق توصل إليه مع السلطات الأردنية إبان اعتقاله في أحداث 1970.

تحت لافتة «أيلول الأسود» ستتم عملية تصفية الحسابات. في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 1971 سددت «أيلول الأسود» ضربة مؤلمة إلى الأردن. ففي ذلك اليوم اغتيل رئيس الوزراء الأردني وصفي التل، لدى دخوله فندق «شيراتون» في القاهرة. أربعة من أفراد المنظمة كانوا في انتظاره. وستطلق الحادثة جدلاً طويلاً لم يتوقف حتى اليوم وثمة من لا يزال يعتقد أن التل سقط برصاصة قناص كان يرابط على سطح بناية قريبة وليس برصاص فريق «أيلول الأسود».

إفراج السلطات المصرية عن المنفذين من دون محاكمتهم عزز شكوكاً أردنية بأن جهازاً مصرياً شارك أو تساهل. وكان نذير رشيد، مدير المخابرات الأردنية، قد نصح التل بعدم التوجه إلى القاهرة، لكنه رفض، وكان ما كان. تحدث «أبو إياد» في مواضيع كثيرة لكنه كان يرفض الخوض في حادثة اغتيال وصفي التل نظراً لحساسيتها، خصوصاً أن الأخير كان معروفاً بالنزاهة والشجاعة والدفاع عن فكرة الدولة والتنمية.

«أبو داود» أيضاً لم يرغب يوماً في الاسترسال في هذا الموضوع الذي تردد أنه كان ملفاً مقيماً لدى فخري العمري بعدما نال قرار اغتيال التل «موافقة مَن لا بد من موافقتهم».

بعد نحو أسبوعين من اغتيال التل، انهمر الرصاص على سيارة السفير الأردني في بريطانيا زيد الرفاعي، وأسعفه الحظ بالنجاة، واقتصرت الأضرار على إصابة في يده. حملت المحاولة توقيع «أيلول الأسود» أيضاً. وكانت هناك فصول أخرى لا يتسع المجال هنا لذكرها.

إحباطات متراكمة

في 1972 بدا الجو الفلسطيني ملبداً. خيبة الخروج من الأردن وافتقار قوات الفصائل الفلسطينية في جنوب لبنان إلى ما يمكّنها من التصدي للغارات الإسرائيلية أو التوغلات. خاف قادة فلسطينيون من انهيار المعنويات أو شيوع اليأس.

بدأ التفكير في الربيع في حلقة ضيقة في ضرورة القيام بعمل مدوٍّ يثير الاهتمام الدولي بالوضع الفلسطيني ويؤكد لسكان المخيمات أن المقاومة قادرة على إيذاء إسرائيل وإيلامها.

«أبو إياد» نقل الأسلحة إلى ألمانيا بجواز سفر مزور و«زوجة» مزيفة (غيتي)

ازداد اهتمام «أبو إياد» مع مجيء الصيف بالقيام بعمل كبير وكان موعد الألعاب الأولمبية يقترب. طلب من «أبو داود» زيارة بلغاريا والحصول هناك على مسدسات مزوَّدة بكواتم صوت «لأننا سنحتاج إليها في أوروبا». وكان العمري يمتلك لائحة المواصفات المطلوبة. كان الغرض تسديد ضربات إلى عملاء «الموساد» في القارة الأوروبية.

كانت الجهات الفلسطينية قد وجّهت منذ بداية السنة رسالة إلى اللجنة الدولية الأولمبية طلبت فيها تمكين الفلسطينيين من المشاركة في دورة ميونيخ لكن اللجنة لم ترد. واجهت رسالة ثانية المصير نفسه.

في الثامن من يوليو (تموز)، كان «أبو داود» في مدينة دورتموند لشراء سيارة قد تحتاج المجموعة إليها في عملياتها الأوروبية. اتصل في ذلك النهار بـ«أبو إياد» الذي عاجله بخبر مؤلم. خبر اغتيال الروائي والصحافي الفلسطيني غسان كنفاني رئيس تحرير مجلة «الهدف» الناطقة باسم «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». قُتلت معه بانفجار سيارته ابنة شقيقته لميس الذي اصطحبها لتسجيلها في جامعة في بيروت.

بدا واضحاً أن كنفاني دخل دائرة الخطر مذ تولى إعلان مسؤولية الجبهة عن الهجوم على مطار اللد الذي نفَّذه ثلاثة من «الجيش الأحمر الياباني» يعملون تحت عباءة الدكتور وديع حداد، مسؤول «المجال الخارجي» في الجبهة والذي هز العالم بعمليات خطف الطائرات.

على مقهى في روما وُلدت الفكرة

في أول لقاء مع «أبو إياد» بعد الحادثة طرح السؤال عن رد قوي على الاعتداءات الإسرائيلية التي تخطت كل حدود. اقترح العمري مهاجمة سفارات وقنصليات إسرائيلية لكن «أبو إياد» رأى أن ذلك سيضع المقاومة في مواجهة مع الدول التي تستضيف هذه السفارات. سأل «أبو إياد» «أبو داود» رأيه فأجابه أنه لم يبلور لديه اقتراح لكن البقاء في الوضع الراهن غير ممكن.

سيكون الموعد الثلاثي المقبل في مقهى في روما. أبلغ «أبو إياد» باستمرار اللجنة الدولية الأولمبية في تجاهل وجود الفلسطينيين فانتابه الغضب. قال العمري: «ما داموا يصرون على تجاهلنا لماذا لا نحاول التسلل إلى المدينة الأولمبية؟». سأله «أبو إياد» عن الغرض فأجاب: «لنحتجز رياضيين إسرائيليين». سأله «أبو إياد» إن كان مجنوناً؟ تدخل «أبو داود» ملمحاً إلى أن معظم الإسرائيليين لهم علاقة ما بالمؤسسة الأمنية أو تابعوا تدريبات عسكرية.

صمت «أبو إياد» وبدا كمن يمحص الفكرة. قطع فجأة صمته وقال: «في مقابل من نحتجزهم من رياضيين وإداريين إسرائيليين نطالب بإطلاق عدد وازن من سجنائنا في إسرائيل. الفكرة ليست سيئة». وبعد لحظات خاطب «أبو داود» قائلاً: «ميونيخ في طريقك إلى بلغاريا».

انطلقت التحضيرات لعملية ميونيخ. وقبل المغادرة طلب «أبو داود» من «أبو إياد» التحدث إلى «أبو مازن» للحصول على تمويل للعملية، فردّ: «لا تقلق سأتحدث إليه في الوقت المناسب. أنا متأكد من موافقته وسنحصل على المبلغ اللازم».

لم ينجح «أبو داود» في إقناع البلغار بتسليمه الأسلحة. اشترطوا اتصالاً من جهة رسمية وكانوا يقصدون منظمة التحرير أو قيادة «فتح». تدخل «أبو إياد» لكنهم وضعوا شرطاً جديداً وهو أن تتجه الأسلحة إلى الشرق الأوسط لا إلى أوروبا نظراً لخطورة انكشافها هناك.

«أبو داود» مصاباً بعد محاولة اغتيال في وارسو عام 1981 (غيتي)

كان «أبو داود» يتحدث في ليل العاصمة التونسية كمن يسترجع شبابه أو لحظة عرسه. لم يستثمر دوره في ميونيخ كما فعل «كارلوس» الفنزويلي بعد عملية احتجاز وزراء «أوبك» في فيينا. أخفيت ذهولي كي لا يشعر أنه ذهب بعيداً. لا شيء يشبع شراهة الصحافي كهذه القصة المثيرة عن رجال يتحركون بجوازات سفر مزورة وتأشيرات تم التلاعب بها وتبديل فنادق وعناوين وتضليل حراس.

زيارتان استطلاعيتان

كرر «أبو داود» محاولاته لاستكشاف القرية الأولمبية. استعان ذات يوم بسيدة فلسطينية تتقن شيئاً من الألمانية. تظاهر بأنه رجل برازيلي ويريد الدخول لمصافحة أصدقاء له. رق قلب الحارس الألماني وسمح لهما. سيعود لاحقاً برفقة الشابين اللذين سيتوليان قيادة الفريق المنفذ وهما يوسف نزال ومحمد مصالحة.

اقترب من مقر البعثة الإسرائيلية ورأى امرأة تحمل أوراقاً. سألها بالإنجليزية عن مقر البعثة الإسرائيلية فاستفسرت عن سبب السؤال. رد بأنه برازيلي ويحلم كرفيقيه بزيارة إسرائيل والحصول على معلومات عن هذا البلد وكذلك على أعلام له لنقلها إلى أولادهم. تبين أن السيدة إسرائيلية ووقعت في الفخ، فما إنْ توجهت إلى المقر القريب حتى دخل الثلاثة برفقتها للتعرف على جغرافيا المكان الذي سيشهد الهجوم. استطلع «البرازيليون» قدر الإمكان المداخل والممرات والأجنحة الملحقة.

استلزمت الأسابيع الأخيرة من الإعداد لقاءات ورحلات في اتجاه جملة مدن بينها أثينا ومدريد وصوفيا وجنيف، فضلاً عن بيروت وطرابلس الليبية. كان لـ«أيلول الأسود» مركز تدريب في نقطة قريبة من صيدا في جنوب لبنان. لكن الضرورة اقتضت إرسال مجموعة من المقاتلين لمتابعة دورة سريعة ومكثفة في طرابلس.

طُرحت في أحد الاجتماعات المسألة الأهم، وهي كيف يمكن إيصال الأسلحة في ظل إجراءات استثنائية لا بد من أن تواكب حدثاً يشارك فيه رياضيون من 120 دولة. فوجئ «أبو داود» والعمري بـ«أبو إياد» يقول بلهجة حاسمة: «أنا سأوصلها». استبعد «أبو داود» أن يضطلع «أبو إياد»، وهو رجل ذائع الصورة والصيت مباشرةً، بمهمة محفوفة بالأخطار، ورجح أن يستعين بمنظمة أو مجموعة.

زوجة لبنانية مزيفة… وقنابل في حقيبة يد

أرسل «أبو إياد» إلى «أبو داود» أن ينتظره في مطار فرانكفورت في 24 أغسطس (آب) 1972. ذهب «أبو داود» إلى الموعد وراقب من وراء الزجاج. انتظر إطلالة «أبو إياد» بفارغ الصبر وعلى قدر من القلق. فجأة أطل «أبو إياد» في صحبة سيدة لبنانية تظاهر بأنها زوجته وسُميت جولييت، فضلاً عن تاجر صديق له واسمه علي أبو لبن.

كان «أبو إياد» ثابت الأعصاب على خلاف أبو لبن الذي وصل به الأمر حد تناول المهدئات. أشار رجل الجمارك إلى «أبو إياد» أن يفتح الحقائب فخاف «أبو داود» أن تنهار العملية برمتها. وفجأة بدأ «أبو إياد» في إخراج الملابس الداخلية لـ«زوجته» مبدياً شيئاً من التذمر من هذا النوع من المعاملة. أُصيب موظف الجمارك بالإحراج وأشار بمرور الحقائب كمن يعتذر. وهكذا وصلت الأسلحة المخبأة في الحقائب الأخرى.

لم يقترب «أبو داود» من «أبو إياد» الذي صعد مع رفيقيه إلى سيارة تاكسي. تبعه «أبو داود» في السيارة الموالية وطلب من السائق السير وراء سيارة صديقه. ضحك سائق السيارة الثانية من إصرار «أبو داود» على متابعة صديقه ودفَعَه الخبث إلى التفكير أن عين الرجل هي على السيدة الموجودة في التاكسي الآخر ولم يخطر بباله أن رجال السيارتين سيشعلون حريقاً كبيراً سيلازم اسم ميونيخ والألعاب الأولمبية.

هكذا عرف «أبو داود» الفندق الذي ينزل فيه «أبو إياد». ترجل من السيارة ومشى قليلاً في اتجاه آخر للتضليل ثم دخل الفندق وصعد إلى غرفة أبو لبن. وجد «أبو إياد» مسترخياً هناك وكانت «جولييت» في غرفة أخرى.

اكتشف «أبو داود» أن عدد الرشاشات ثمانية وطلب منه «أبو إياد» التصرف على أساس أن الفريق المهاجم سيكون من ثمانية لا عشرة. لاحظ «أبو داود» غياب القنابل فاتفق أن يعود أبو لبن سريعاً إلى بيروت لإحضارها في حقيبة يد تفادياً لإثارة الشبهة. وهذا ما حصل. نقل «أبو داود» الأسلحة إلى خزائن الأمانات في محطة القطار في ميونيخ، وأضاف إليها لاحقاً القنابل وكان يغيّر مكانها يومياً ومن دون أن يثير شكوك أجهزة الأمن.

اللمسات الأخيرة

وصل أعضاء الفريق المشارك من طرابلس وتولى مصالحة ونزال توزيعهم في ثلاثة فنادق مختلفة بمعدل اثنين في كل فندق ومن دون ذكر اسم «أبو داود». وكان على «أبو داود» أن يشتري لهم ثياباً رياضية وحقائب وبعض الضمادات والبسكويت في حال طال احتجاز الرهائن.

عناصر من الأمن الألماني يحاولون دخول موقع الاحتجاز في القرية الأولمبية (غيتي)

افتُتحت الألعاب الأولمبية في 26 أغسطس. اختار المخططون الانتظار كي يسود الانطباع أن الألعاب تجري طبيعية وتتراخى التدابير الأمنية.

كنت أشعر أنني أنتظر قصة جديدة كلما أشعل «أبو داود» سيجارة إضافية.

قال «أبو داود» إن اجتماعاً عُقد سابقاً في بيروت وشمل أيضاً «أبو إياد» و«أبو مازن» خلص إلى التشديد بصورة قاطعة على عدم اعتبار العملية فرصة للثأر والتنكيل وأن «العملية سياسية قبل أن تكون عسكرية والمصلحة تقضي بعدم إراقة الدماء إلا في حال الخطر وفي سياق الدفاع عن النفس». وأضاف أنه أبلغ الفريق المنفذ بذلك في اجتماع عقده معه «بوصفي برازيلياً مؤيداً للثورة الفلسطينية وكنت أتحدث خلال الاجتماع بالإنجليزية ويتولى أحدهم الترجمة».

كانت الاستعدادات قد اكتملت: سيدخل المنفذون من أقرب نقطة في السياج الأولمبي إلى المبنى 31 الذي تقيم فيه البعثة الإسرائيلية. سيحاول احتجاز أكبر عدد ممكن من الرهائن. سيتولى مصالحة عملية التفاوض. سيسلم الوسطاء لائحة تطالب بإطلاق أكثر من مائتي سجين فلسطيني في إسرائيل وهي تتضمن أيضاً اسم كوزو أوكاموتو الياباني الذي شارك في هجوم اللد، إضافة إلى الإفراج عن أولريكه ماينهوف وأندرياس بادر من جماعة «بادر ماينهوف» الألمانية الراديكالية.

كانت هناك تعليمات بخفض المطالب إذا تعقدت المفاوضات، «وكانت الخطة تقضي بطلب طائرة لاصطحاب الرهائن إلى دولة شرق أوسطية ويفضل أن تكون مصر التي ستطالب بالتأكيد بعملية تبادل لإطلاق الإسرائيليين المحتجزين»، كما روى «أبو داود».

ليلة التنفيذ

في الرابع من سبتمبر شعر «أبو داود» باكتمال التحضيرات فأعطى إشارة التنفيذ. بعد منتصف الليل سيكون إلى جانب السياج مع المنفذين بثيابهم الرياضية والرشاشات المخبأة في حقائبهم. يقول «أبو داود» إن «الشباب كانوا يستعدون لتسلق السياج حين سمعنا ضجيجاً وسرعان ما تبين أنهم لاعبون أميركيون سهروا وأسرفوا في الشراب وقرروا تسلق السياج للعودة. المضحك أنهم عرضوا على شبابنا المساعدة وقدموها وشملت رمي الحقائب التي تحوي السلاح إلى الجهة المقابلة. واستخدمت أنا طولي لمساعدة من وجد صعوبة. وكانت المفاجأة أن الرجل الذي ساعدته قال لي: شكراً أبو داود، وأنا كنت أتوهم أنني نجحت في إخفاء هويتي عن المنفذين باستثناء نزال ومصالحة».

ترك «أبو داود» المكان وعاد إلى فندق سجل نفسه فيه باسم مستعار آخر. شرارة البدء في الرابعة والنصف صباحاً. مرت ساعات ولم تبث الإذاعات شيئاً. وكان «أبو داود» قد اتفق مع مصالحة ونزال على أن يلتحق به أعضاء الفريق في محطة القطار إذا فشلت المحاولة لأن جوازاتهم كانت في حوزته. في الثامنة بثت وسائل الإعلام نبأ اقتحام القرية الأولمبية. وهكذا صارت القصة ملك العالم بأسره.

مروحية الخاطفين والرهائن مدمَّرة بعد تبادل النار في مطار عسكري قرب ميونيخ (غيتي)

رفضت حكومة غولدا مائير شروط الخاطفين. ويعتقد أنها مارست ضغوطاً على حكومة ألمانيا الغربية بذريعة أن التجاوب يشجع الإرهاب. خدعت الحكومة الألمانية الخاطفين. وافقت على انتقالهم إلى مطار عسكري حيث ستنتظرهم طائرة «لوفتهانزا» لنقلهم إلى مصر. هبطت طائرتا الهليكوبتر في المطار وتوجه نزال ومصالحة لتفقد طائرة الركاب، ولدى خروجهما اندلع الرصاص واختلط. حاولت الأجهزة الألمانية قتل الخاطفين وكانت النتيجة مقتل خمسة منهم، إضافة إلى رهائنهم التسع وشرطي ألماني. ويُذكَر أن رياضيين إسرائيليين قُتلا خلال عملية الاقتحام وتجميع الرهائن.

«غضب الرب»

بعد ميونيخ وافقت حكومة مائير على عملية «غضب الرب» التي أدت إلى اغتيال عدد من المسؤولين والدبلوماسيين الفلسطينيين ولم تكن لمعظمهم علاقة من قريب أو بعيد بعملية ميونيخ. نجحت إسرائيل في اغتيال كثيرين إلا الحلقة الأساسية. فقد اغتيل «أبو إياد» وفخري العمري في تونس في 14 يناير (كانون الثاني) ومعهما المسؤول الأمني هايل عبد الحميد (أبو الهول) على يد شاب اسمه حمزة أبو زيد اندسّ في جهاز حماية عبد الحميد بناءً على طلب «أبو نضال».

كان «أبو إياد» متحفظاً في الكلام عن المحطات التي لعب دوراً فيها. لم يرد ترك بصماته مباشرةً في أي مكان. كان ينسب ما تحقق إلى «الشباب» ولهذا لمست قدراً من العتب عليه من جانب «أبو داود» الذي لعب دوراً حاسماً في عملية ميونيخ وغيرها.

غسان شربل

صحيفة الشرق الاوسط




توماس فريدمان: نتنياهو سيكون “الرجل الصغير في وقت عظيم” لو فوّت صفقة وقف إطلاق النار والتطبيع مع السعودية

وصف المعلق في صحيفة “نيويورك تايمز” توماس فريدمان، رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي حل على واشنطن لإلقاء خطاب أمام جلسة مشتركة للكونغرس، بأنه “يبدو كزعيم صغير في لحظة تاريخية”.

وقال: “عندما أفكر بخطاب نتنياهو يوم الأربعاء أمام جلسة مشتركة للكونغرس، أول شيء يحضر لذهني هو القول المأثور: تمر عقود من الزمان بدون أن يحدث فيها شيء، وتمر أسابيع تصنع فيها عقود، وهذا هو الأسبوع لإسرائيل وأمريكا والشرق الأوسط، عقدٌ على وشك الحدوث أو لا”.

وربما كانت مصادفة أن تتقاطع مجموعة من نقاط التحول العميقة للحرب والسلام هذا الأسبوع بطريقة لم يخترعها تولستوي. وفي أعقاب قرار الرئيس بايدن وضع مصلحة بلده فوق مصالحه الشخصية وتخلى عن السلطة، جاء نتنياهو الذي ظل بشكل دائم يقدم مصالحه الشخصية على مصالح بلده إلى واشنطن، ووصل وهو يواجه قرارين متشابكين يمكن أن يوفرا لبايدن إرثا ضخما في السياسة الخارجية، ويغيّرا إرث نتنياهو في نفس الوقت، أو لا.

فريدمان: تمر عقود من الزمان بدون أن يحدث فيها شيء، وتمر أسابيع تُصنَع فيها عقود، وهذا هو الأسبوع لإسرائيل وأمريكا والشرق الأوسط، عقدٌ على وشك الحدوث

ويقول فريدمان إن اللحظة تشي بأن كتّاب مسلسل “ذي ويست وينغ” على “بي بي سي” وكتّاب مسلسل “فوضى” على نتفلكس، تعاونوا ويتصارعون حول كتابة مسلسل يتحدث عن فجر جديد أم مأساة لأمريكا وإسرائيل والعالم العربي.

ويضيف الكاتب أن الجهود الأمريكية التي قادها وزير الخارجية أنطوني بلينكن ومسشار الأمن القومي، جيك سوليفان، ومدير “سي آي إيه” ويليام بيرنز، أدت إلى قرارين كبيرين على مكتب نتنياهو قد يوقفان الحرب في غزة ولبنان، ويعبّدان الطريق أمام تحالف أمريكي- إسرائيلي- عربي ضد إيران.

ويقول: “نحن نتحدث عن لحظة بالغة الأهمية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط منذ اتفاق كامب ديفيد في السبعينات من القرن الماضي”.

ويقتضي القرار الأول موافقة فورية من نتنياهو على اتفاق وقف إطلاق نار مرحلي توصّل إليه المفاوضون الأمريكيون والقطريون والمصريون وحماس، يؤدي إلى مرحلة أولى تشمل وقف إطلاق النار في غزة لمدة ستة أسابيع، وإعادة 33 أسيرا إسرائيليا، أحياء أم أمواتا، بمن فيهم 11 امرأة، وإطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.

وفي حزيران/ يونيو، عبّر نتنياهو عن دعم للمبادئ العامة للصفقة، إلا أنه ظل يتلاعب ويقدم ويؤخر، وينظر في أهميتها الأمنية على الرأي العام الإسرائيلي الذي لا يعرف عادة التفاصيل من أجل شراء الوقت، قبل أن يوافق عليها وينفر منه اليمين المتطرف في حكومته والذي وعده بتحقيق نصر كامل على حماس في غزة.

ويقول فريدمان إن نتنياهو يركز على ثلاثة موضوعات أمنية. الأول هو حركة المدنيين الفلسطينيين من جنوب غزة الذي نزحوا إليه إلى مدينة غزة في الشمال، حيث لدى معظمهم بيوت فيها.

ويريد نتنياهو نوعا من نظام التفتيش لمنع عودة مقاتلي حماس إلى الشمال. إلا أن الجيش لا يستطيع منع عودة مئات من مقاتلي حماس وسط حركة عشرات الآلاف من النازحين،  مع أن المئات من المقاتلين لا يزالون هناك.

أما الموضوع الثاني، فهي السيطرة على حدود غزة مع مصر، حيث بنت حماس أنفاقا وطرقا هرّبت من خلال معظم أسلحتها. ويقول مصدر إن الجيش الإسرائيلي وجد ودمّر معظم الأنفاق، وأن إسرائيل ومصر يمكنهما التعاون لمنع مرور أي شخص فوق الأرض، مع إمكانية بناء حواجز دائمة مع مضي الوقت.

أما الموضوع الثالث والأخير، فهو معبر رفح من مصر إلى غزة، والذي تشترط إسرائيل عدم سيطرة حماس عليه مرة أخرى، وتشدد على آلية تفتيش وشراكة بين فلسطينيين من غير حماس وشركاء دوليين.

وكما أخبر المسؤولون الأمنيون الأمريكيون والإسرائيليون الكاتب، فإن أيا من الموضوعات هذه ليست مبررا لإفشال الصفقة إلا إذا أراد نتنياهو استخدام واحد منها للتنصل من الصفقة، مع أن قادة الجيش والاستخبارات يدعمونها.

ونقلت صحيفة “هآرتس” يوم الإثنين عن العقيد المتقاعد ليور لوتان، الخبير في تحرير الرهائن، ومستشار وزير الدفاع يوآف غالانت، الذي تحدث للقناة 12 الإسرائيلية: “الوقت هو وقت المال، هذه فرصة استثنائية في المفاوضات، لكن الفرص تمضي لو لم يتم انتهازها. وتشمل شروط الصفقة على مخاطر يمكن للجيش التسامح معها. وكل قادة الأجهزة الأمنية يقولون هذا. وسيكون من الخطأ محاولة مواجهتهم بالنظريات، مثل الحصول على المزيد عبر الضغط العسكري”.

وأخبر مدير الموساد، الذي يتفاوض على تحرير الأسرى، نتنياهو وحكومته المتطرفة أن الأسيرات لدى حماس لم يعد لديهن وقت وانتظار إطار جديد لصفقة.

ويقول فريدمان إن حماس تريد وقف الحرب، حيث باتت شعبيتها تتراجع لأنها بدأت الحرب بدون خطة لليوم التالي وحماية المدنيين.

ويرى فريدمان، أن وقف إطلاق النار ستكون له منفعة كبيرة على النزاع في الشمال بين إسرائيل وحزب الله، حيث سيعبّد الطريق أمام عودة المدنيين على الجانبين إلى بلداتهم وقراهم. ويخشى المسؤولون الأمريكيون من توسع الحرب بين إسرائيل وحزب الله، والتي ستكون خطيرة في ظل استخدام الصواريخ الموجهة بدقة.

هذا عن القرار الأول المتعلق بالحرب، أما القرار الثاني على مكتب نتنياهو، فهو العمل الذي قامت به إدارة بايدن على مسار مواز، حيث أكملت كل التفاصيل المتعلقة باتفاقية دفاعية أمريكية- سعودية تفتح الباب أمام تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإسرائيل، هذا إن قبل نتنياهو المضي في التفاوض على دولة فلسطينية.

ولا يطالب السعوديون بمواعيد زمنية محددة للدولة الفلسطينية، لكنهم يريدون موافقة إسرائيلية لبدء مفاوضات موثوقة بنيّة حسنة لتحقيق هدف واضح وهو حل الدولتين وضمانات أمنية مشتركة.

فريدمان: في أعقاب قرار الرئيس بايدن وضع مصلحة بلده فوق مصالحه الشخصية، وتخلى عن السلطة، جاء نتنياهو الذي ظل بشكل دائم يقدم مصالحه الشخصية على مصالح بلده

ويعلق فريدمان أن المفاوضات هذه المترادفة مع وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، ستكون انقلابا دبلوماسيا يعزل إيران وحماس ويفتح الباب أمام علاقات بين الدولة اليهودية ومهد الإسلام. وسيعطي هذا التطور الغطاء لإسرائيل كي تحصل على الدعم الفلسطيني والعربي لنشر قوات حفظ سلام دولية في غزة، كما ستقوي الجهود نحو بناء تحالف دفاعي إقليمي وبمشاركة عربية ضد إيران.

والأهم من كل هذا، هو فتح طريق طويل الأمد لدولة فلسطينية، في حالة توقف القتال بغزة. وستفهم كل الأطراف، وهذا هو الدرس المهم للحرب، أنه لا أحد منهم قادر على تحمل التكلفة خاصة عندما يحصل كل طرف على أسلحة دقيقة.

وكما قال ديفيد ماكوفسكي، مدير مشروع العلاقات العربية الإسرائيلية في معهد واشنطن: “مع قرارين، نعم بشأن صفقة الرهائن مقابل وقف إطلاق النار الآن، ونعم بشأن شروط التطبيع السعودية التي من شأنها إنهاء النزاع السني”، حرب الدول العربية مع إسرائيل وتعزيز التحالف الإقليمي لعزل إيران، حيث سيحقق نتنياهو مكسبا لإسرائيل ولشريكه الرئيس بايدن.

ويقول فريدمان إن “اتفاقيات إبراهيم” ستخلفها “اتفاقيات جوزيف”، وإرث لكل من بايدن ونتنياهو. وستكون مأساة لو فوّت نتنياهو هذه الفرصة من أجل السياسة المحلية والمخاوف من شركائه في اليمين المتطرف.

وسنعرف قريبا إن كان نتنياهو سيؤكد صورته عن نفسه كقائد عظيم، أو سيكون كما قال الكاتب ليون ويزيلتير: “رجل صغير في زمن عظيم”.

فحتى هذا الوقت، رفض نتنياهو الخائف من دخول السجن بسبب اتهامات خيانة الثقة والرشوة والفساد، التفاوضَ مع الفلسطينيين بدون إذن من أعضاء حكومته المجانين، والذين يطالبون بنصر كامل وعدهم به على حماس.

ومع توقف الكنيست في 28 تموز حتى 27 تشرين الأول/ أكتوبر، فيمكن لنتنياهو أن يقبل الصفقة بدون خوف من الإطاحة بحكومته. ولهذا ينتظر الجميع، هل سيكون نتنياهوالرجل الصغير في وقت عظيم أم لديه مفاجأة؟

توماس فريدمان

صحيفة نيويورك تايمز

ترجمة ابراهيم درويش




لماذا يجب على إسرائيل أن لا تسمح بانهيار السلطة الفلسطينية؟

لقد تم ذكر انهيار السلطة الفلسطينية في العامين الأخيرين كاحتمال حقيقي على خلفية تثبيت الحقائق في الضفة الغربية من قبل الحكومة الإسرائيلية، أي توسيع المشروع الاستيطاني الذي لا رجعة فيه إلى حد كبير ويتحدى الدولة الفلسطينية. موقف السلطة الفلسطينية ضعيف بالفعل. إن انهيار السلطة الفلسطينية، أو دفعها إلى الانهيار، سيعيد النظام الإسرائيلي الفلسطيني إلى أكثر من 30 عاماً للوراء، ويضع إسرائيل في وضع سياسي ودولي صعب، لأنه سيعتبر بمثابة علامة نهاية للحقبة المنظمة، بل وسيبعد الدول العربية المعتدلة من محاولة تعزيز التطبيع معها. بالإضافة إلى ذلك، فإن انهيار السلطة الفلسطينية سيضع حداً لشراكة المصالح بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية التي تم التعبير عنها في التنسيق الأمني، بما يرضي إسرائيل في كثير من الأحيان، وقد يكون هناك تحول ضد إسرائيل من قبل أولئك الذين يخدمون في أجهزة الأمن في السلطة الفلسطينية – عشرات الآلاف من المسلحين الذين سينضمون إلى النضال العنيف الذي تخوضه الفصائل الفلسطينية ضد إسرائيل. وفي غياب سلطة فلسطينية رادعة، قد تندلع انتفاضة شعبية في “المناطق” [الضفة الغربية].

منذ تشكيل الحكومة الإسرائيلية الحالية عام 2022، تسارعت عملية إضعافها وسحب شرعية السلطة الفلسطينية، وفي الخلفية “خطة الحسم” لوزير المالية ووزير الدفاع سموتريتش، الهادفة إلى حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني دون عملية سياسية، فضلاً عن ادعاء وزير الأمن الوطني بن غفير تحميل الفلسطينيين عبء استخدام القوة. إن الثقل السياسي لهؤلاء الوزراء يعطي، في نظر الفلسطينيين والأطراف ذات العلاقة على الساحة الدولية، شرعية السياسة الإسرائيلية الرسمية. وهذا هو أحد التهديدات الحقيقية التي يواجهها الفلسطينيون الآن. ومن بين أمور أخرى، ليس من الواضح كيف سيخدم انهيار السلطة الفلسطينية فكرة الحكم الذاتي الفلسطيني، التي تدعمها بعض أحزاب اليمين في إسرائيل كحل للصراع الذي سيُفرض على الفلسطينيين. ففي نهاية المطاف، من المشكوك فيه أن يتم العثور على قيادة بديلة، وأن إسرائيل ستضطر بعد ذلك إلى تحمل مسؤولية إدارة حياة الفلسطينيين في جميع أنحاء الضفة الغربية.

أثار السابع من تشرين الأول (أكتوبر) والحرب على قطاع غزة غضباً هائلاً في إسرائيل تجاه حماس والفلسطينيين عموماً. كما ساهم إعلان رئيس الوزراء نتنياهو أن “فتحستان = حماستان” في تأجيج الأجواء العامة في إسرائيل، والذي يدعم حذف مصطلحي “الدولة الفلسطينية” و”حل الدولتين لشعبين” من المعجم العبري وكل خطوة تضعف السلطة الفلسطينية. اتخذت إسرائيل سلسلة من القرارات تهدف إلى معاقبة السلطة الفلسطينية وإضعافها. ومن بين أمور أخرى، تمت زيادة الاقتطاع في أموال الضرائب التي تجمعها إسرائيل كل شهر وتحولها إلى الفلسطينيين، وتم إقرار مشروع قانون يسمح لضحايا الإرهاب بالمطالبة بتعويضات من السلطة الفلسطينية، وتجري محاولات لقطع الاتصال بين البنوك الإسرائيلية والبنوك الفلسطينية، ويُمنع العمال الفلسطينيون من الدخول إلى إسرائيل ممن يعملون بشكل رئيسي في قطاع البناء، وحدثت زيادة كبيرة في عدد الوحدات السكنية المقامة في المستوطنات في جميع أنحاء الضفة الغربية، وتغير الوضع القانوني للبؤر الاستيطانية وتعزز الاستيطان، وقررت الحكومة الإسرائيلية حرمان السلطة الفلسطينية من صلاحياتها في المناطق (ب) التي تعرف بـ«احتياطيات الاتفاق»، وأخذتها لنفسها. وقد أضاف الكنيست الإسرائيلي طبقة لهذه التحركات عندما صدر قرار بمعارضة إقامة دولة فلسطينية بأغلبية 68 عضو كنيست مقابل تسعة معارضين.

ولهذا السبب، يتزايد القلق في محيط أبو مازن، وفي صفوف الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، وفي الساحة الفلسطينية برمتها، من العقوبات التي تفرضها الحكومة الإسرائيلية. إنهم يريدون أن يصدقوا أن الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لن يسمحوا لإسرائيل بحل أو انهيار السلطة الفلسطينية بسبب التزامها بعملية أوسلو.

حتى قبل مجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول، أشار رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن والعديد من المتحدثين الفلسطينيين إلى العواقب الخطيرة لسياسة إسرائيل على المستوى الأمني ​​الضعيف للفلسطينيين في الضفة الغربية والاحتكاك المتزايد بينهم وبين المستوطنين اليهود. وفي الساحة الفلسطينية نفسها يدور جدل منذ عدة أشهر حول اتهام حماس بجلب الكارثة على الفلسطينيين. إن الجدل الذي سيشتد بعد الحرب سيزيد من صعوبة تعزيز جهود المصالحة بين المنظمات، وفي الوقت نفسه يزيد من مخاوف أوساط فتح ومن هم حول أبو مازن من الإجراءات التي تتخذها الحكومة الإسرائيلية والتي تهدد بانهيار السلطة الفلسطينية. لم يعد الأمر مجرد حل استباقي احتجاجاً على عدم إحراز تقدم في العملية السياسية (مثلما في 2012 و2013، عندما تم الاعتراف بقدرات السلطة الفلسطينية دولياً واعتبارها عاملاً فعالاً وبناء)، بل خوف جدي من الإجراءات العقابية الإسرائيلية التي تهدف إلى تدهور السلطة الفلسطينية أو انهيارها.

على هذه الخلفية، من الواضح أن مكانة السلطة الفلسطينية كرمز وطني فلسطيني أهم من جودة عملها. متحدثون باسم حركة فتح من البيئة المقربة من أبو مازن، يؤكدون في حواراتهم مع حماس وأنصار المقاومة الإسلامية، حتى بعد 7 أكتوبر، على إنجازاتهم تجاه إسرائيل في الأيام التي سبقت اتفاق أوسلو: العودة إلى الوطن، إطلاق سراح أسرى بخروج أكثر من 6000 أسير فلسطيني من السجون الإسرائيلية بضربة واحدة، وإنشاء مؤسسات وطنية في قلب فلسطين، واعتراف متزايد في المجتمع الدولي بالدولة الفلسطينية. ومن وجهة نظرهم، فإن السلطة الفلسطينية هي المؤسسة المركزية في فلسطين، وفي الوقت نفسه، تبنت حماس نفسها هذا الموقف تجاه السلطة، ولو كمنبر للسيطرة “الشرعية” على الساحة الفلسطينية، عندما قررت خوض الانتخابات الرئاسية والمجلس التشريعي الفلسطيني في عام 2006، وكانت تنوي الترشح مرة أخرى في عام 2021 – عندما تم إلغاء خطة الانتخابات. أبو مازن الذي يقدم اتفاقات أوسلو كأحد إنجازات منظمة التحرير الفلسطينية ويرى في المقاومة المسلحة لحماس حماقة منظمة ترفض التعلم من تجربة أسلافها، يصر على أهمية السلطة الفلسطينية وإبرازها كتعبير عن الحضور الوطني في فلسطين.

مخاطر استمرار الضعف 

إن استمرار عملية إضعاف السلطة سيؤدي إلى تفاقم الآثار الخطيرة التي ظهرت منذ أشهر عديدة، ومن بينها:

  •     دفع جزئي لرواتب موظفي السلطة الفلسطينية، ما يشكل تأثيره على تحفيز وعمل الأجهزة الأمنية مصدر قلق عظيم لجهاز الأمن الإسرائيلي، لأنه قد يشجع على انضمام موظفي هذه الأجهزة إلى العمليات الإرهابية مقابل الأموال المحولة من إيران.
  •     ضعف أداء الأجهزة الأمنية، رغم التزامها بالتنسيق الأمني، وذلك بسبب نزع شرعيتها لدى الجمهور الفلسطيني على أنها تخدم الاحتلال الإسرائيلي.
  •     توسيع نطاق الإرهاب إلى جنوب “السامرة ويهودا”، من بين أمور أخرى، بتشجيع ومساعدة من حماس وإيران.
  •     تزايد الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين، الذي يؤدي إلى تفاقم التوتر في الضفة الغربية، ما يزيد من دوافع الفلسطينيين لارتكاب الأذى ويغذي الخطاب الداخلي الإسرائيلي المثير للانقسام.
  •     إضعاف صمام السلطة الفلسطينية ضد نزول الحشود إلى الشوارع. لقد تجنب الجمهور الفلسطيني حتى الآن أعمال الشغب بسبب الخوف من الثمن الذي سيدفعونه مقابلها وبسبب سياسة السلطة الفلسطينية في إحباطها ومعارضتها.
  •     ظهور القدس الشرقية كنقطة احتكاك وهجمات إرهابية من قبل السكان الفلسطينيين الذين يرغبون في التعبير عن تضامنهم مع قطاع غزة ومناطق الصراع في الضفة الغربية.
  •     الحفاظ على التنسيق الأمني يتطلب ​​استثمار المزيد من الجهود والموارد من جانب الجهاز الأمني ​​الإسرائيلي.
  •     قلق من جانب المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يعرفون أنفسهم أيضاً على أنهم فلسطينيون، والذين امتنعوا حتى الآن عن الاحتجاج والتعاطف مع إخوانهم عبر الخط الأخضر، وقد ينظمون احتجاجات شعبية تصب في مصلحة حماس ومحور المقاومة، المهتم بتوسيع ساحات النضال إلى داخل إسرائيل نفسها.

انهيار أو فشل وظيفي للسلطة الفلسطينية 

لن تعلن السلطة الفلسطينية نهايتها بنفسها، فالتوتر السائد بين إسرائيل والولايات المتحدة والمجتمع الدولي في هذا السياق سيساعدها على البقاء. ولكن باعتبارها هيئة حاكمة، سيتعين عليها أن تواجه تحديات صعبة للغاية سيفرضها عليها الواقع على المستوى الثنائي والإقليمي والدولي. وسيكون لانهيار السلطة أو فشلها الوظيفي آثار بعيدة المدى:

  •     سيكون لزاماً على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية أن يعترفا بفشل المسار السياسي أمام منافسيهما المحليين والدول العربية التي تدعم هذه الترتيبات. هذه هي النهاية “الرسمية” لعهد أوسلو.
  •     رفع مكانة حماس وغيرها من التنظيمات الإسلامية في المنطقة كبديل للحكومة القائمة.
  •     ستظل علامة استفهام كبيرة تحوم حول استراتيجية الاستيطان التي ميزت العلاقة بين إسرائيل ودول المنطقة الساعية للتطبيع، والتي يشكل حل المشكلة الفلسطينية ركيزة أساسية ترتكز عليها هذه الاستراتيجية.
  •     في غياب قيادة بديلة لقيادة منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، فقد يتجاهل المجتمع الدولي الواقع الذي سيتطور في أعقاب هذا الانهيار.
  •     في هذا الوضع، سيُطلب من إسرائيل أن تتحمل مسؤولية الإدارة المدنية للمدن والبلدات الفلسطينية، التي كانت تحت السيطرة الفلسطينية طوال الثلاثين عامًا الماضية، بسبب العبء المالي الذي ينطوي عليه ذلك.
  •     سيتم إثقال العبء الاقتصادي الملقى على عاتق إسرائيل. سيكون على إسرائيل أن تتعامل مع التزامات السلطة الفلسطينية و/أو عدم رغبة المؤسسات المالية الدولية في تزويدها بالائتمان.
  •     يرجع ذلك إلى حرب الاستنزاف المتعددة الساحات التي تخوضها إيران ضد إسرائيل عبر وكلائها، وستظهر ساحات إضافية لا تزال خاملة حتى اليوم.

الجانب الأمني 

سيكون التحدي الأمني ​​هو الأثقل الذي سيُلقى على عتبة إسرائيل في حال انهارت السلطة الفلسطينية. وفي هذا المجال، هناك تعاون منذ سنوات عديدة، بمستوى معقول حتى خلال فترات الأزمات والكساد في العلاقات بين الطرفين، على أساس الاعتراف المتبادل بالمصلحة المركزية المشتركة. بل إن أبو مازن وصف في كثير من الأحيان التنسيق بأنه مقدس. ولذلك، فإن انهيار السلطة أو فشلها الوظيفي سيطرح أسئلة صعبة بشكل خاص على إسرائيل:

  •     ماذا سيحدث للأجهزة الأمنية الفلسطينية؟ كيف يمكن حل هيئة موالية للسلطة الفلسطينية، وملتزمة بالاتفاقيات مع إسرائيل، وتتعاون معها، وتحظى باحترام زملائها الإسرائيليين؟
  •     هل يمكن جمع أسلحة ما يقارب 45 ألف عضو من الأجهزة في الضفة الغربية؟ كيف سيتم تحديد موقعها؟ ومن المحتمل أن يقوم بعض أعضاء الأجهزة بتسليم السلاح لإسرائيل أو لطرف ثالث، لإدراكهم لفجوة القوة بينهم وبين إسرائيل، وهو ما سينعكس في حال نشوب صراع بين الطرفين. السلطة بين الطرفين في حالة الخلاف معها، لكن ماذا عن الجزء الذي لن يتم تحصيله؟
  •     كيف تتعاملون مع خطر حقيقي أكثر مما كان عليه في الماضي، وهو “انقلاب الأعشاش” – انضمام الأجهزة إلى النشاط الإرهابي؟
  •     كيف يمكن الحفاظ على أمن المستوطنات التي تناثر الكثير منها في أعماق الأراضي الفلسطينية المأهولة في السنوات الأخيرة؟ كيف نحمي المحاور المرورية والحدود الأردنية ومنطقة التماس مع الضفة الغربية؟
  •     كيفية التعامل مع اتجاه إضعاف النظام في الأردن ومع تهريب الأسلحة من العراق وسوريا عبر الأردن إلى الضفة الغربية، في ظل ضعف قدرة القوات الأمنية في الأردن على منع التهريب، في نفس الوقت الذي يتعاملون فيه مع التخريب الإيراني وجهود تسلل المقاتلين الشيعة إلى المملكة؟ وسيكون هناك خطر في تحول الحدود الأردنية من حدود سلام وتعاون إلى ساحة صراع.
  •     كيف ستتعامل إسرائيل مع الوضع الذي ستتضرر فيه منطقة تل أبيب ذات الكثافة السكانية العالية ووسط البلاد، الذي يتمتع حالياً بسلام نسبي على الرغم من الحرب في الشمال والجنوب، من جراء التصعيد كنتيجة محتملة لانهيار السلطة الفلسطينية؟
  •     ما هي عواقب هذه التحديات على المرونة الوطنية والقدرة على التكيف لدى الجمهور الإسرائيلي إذا زاد العبء الاقتصادي وتفاقم التهديد الأمني؟ كيف سيتم تجنب الاضطرابات في القدس الشرقية حول المسجد الأقصى، الذي يشكل نقطة احتكاك ساخنة في أوقات الأزمات.
  •     هل سيمتنع المواطنون العرب/الفلسطينيون في إسرائيل عن الاحتجاجات والمظاهرات التضامنية مع إخوانهم شرقي الخط الأخضر، وهل سيتم الحفاظ على السلام في المدن المختلطة؟

التوصيات 

إن انهيار السلطة الفلسطينية ليس مسألة ثنائية إسرائيلية فلسطينية، بل مشكلة إقليمية ودولية. وتشارك الدول العربية الرائدة ومعظم الدول الغربية في العمليات السياسية التي تهدف إلى تعزيز الاتفاق الإسرائيلي الفلسطيني. اتفاقات أوسلو، رغم فشلها في تمهيد الطريق للمحادثات حول قضايا الاتفاق الدائم، لا تزال تعتبر آلية تحافظ على الاستقرار النسبي وتمنع التدهور. وهذا نوع من التقصير في ظل المأزق الذي وصلت إليه العملية السياسية منذ عام 2009.

ولم يفت الأوان بعد لتجديد الجهود لتعزيز السلطة الفلسطينية وجعلها عنواناً مسؤولاً ومستقراً وعاملاً، وملتزماً بمسار التسويات، وفحصها وفق المكاسب المدنية والأمنية التي تنتجها وتلك المطلوبة منها. من المهم أن نتذكر:

  •     تعتبر السلطة الفلسطينية أحد الأقطاب الفاعلة في الشرق الأوسط في الصراع الدائر بين القومية العربية والإسلاموية. الاحتكاك مع إسرائيل، الذي يقع التعامل معه في قلب الخلاف بين هذين الطرفين، سيعطي الطرف الفائز أفضلية كبيرة على الساحة العربية الشاملة. ويتعين على إسرائيل، التي ترغب في الاندماج في تحالف إقليمي إلى جانب الدول العربية المعتدلة، أن تعمل على تمكين التيار الرئيسي الفلسطيني من قيادة فتح وليس معسكر المقاومة الذي تقوده إيران. إن انتصار السلطة الفلسطينية وتفكك سلطة حماس يشكل ركيزة أساسية في هذا الصراع الذي يتوجه إليه كثيرون في العالم العربي والغرب.
  •     كما أن محور المقاومة الإيراني، وحزب الله، والمنظمات الإسلامية الفلسطينية، يستثمرون جهودهم في هذا الصراع ويدركون جيداً الفوائد التي قد يجلبها لهم انهيار السلطة الفلسطينية.
  •     إن الديمقراطية في إسرائيل، على الرغم من الصراع بين التوجه المحافظ والتوجه الليبرالي، لا تزال تعتبر مصدراً للتقليد – سواء بين الفلسطينيين أو بين العديد من سكان دول الخليج وغيرها من البلدان. إن تعزيز السلطة الفلسطينية وتشجيع طبيعتها الديمقراطية قد يساهم في الحفاظ على هذه الصورة لإسرائيل.

سيكون لانهيار السلطة الفلسطينية آثار سلبية على دولة إسرائيل على الساحات الداخلية والإقليمية والدولية. ويجب تجنب ذلك، خاصة في ظل الواقع الحالي للحرب مع حماس ومعسكر المقاومة بقيادة إيران وحزب الله. وعلى إسرائيل أن تركز جهودها على حل وإزالة التهديد الذي تشكله حماس و”الجهاد الإسلامي” في قطاع غزة والضفة الغربية، وتجنب التحركات التي قد تضعف السلطة الفلسطينية إلى حد الانهيار أو الخلل الوظيفي، وشراء تذكرة الدخول إلى الأمن الإقليمي- تحالف اقتصادي تقوده الولايات المتحدة ويمهد طريقاً جديداً لحل الصراع مع الفلسطينيين المعتدلين.

منشورات خاصة

 معهد بحوث الأمن القومي الاسرائيلي

ترجمة صحيفة القدس العربي




واشنطن بوست: خطة إماراتية لغزة ما بعد الحرب واجتماع سري في أبو ظبي وقائمة أسماء لقيادة فلسطينية متجددة

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للمعلق ديفيد إغناطيوس بعنوان “الإمارات العربية المتحدة تحاول تنفيذ اتفاقيات إبراهيم جديدة في غزة”، كشف فيه عن قنوات سرية شاركت فيها الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة الأسبوع الماضي، برعاية من الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتي، ورون ديرمر الذي يعتبر من المقربين البارزين لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وبريت ماكغيرك، مسؤول ملف الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض.

وأضاف الكاتب أنه في الوقت الذي سيلقي فيه نتنياهو خطابه أمام الكونغرس الأربعاء، كان موفده الدبلوماسي الأبرز يستكشف مع الإماراتيين والأمريكيين، مقترحات جديدة وخلاقة حول “اليوم التالي” في غزة. وناقش الدبلوماسيون دورا لسلطة فلسطينية “متجددة” تدعو وتمنح دولا عربية وأوروبية ومن دول العالم النامي “تفويض إعادة الاستقرار” في غزة.

وناقش المجتمعون قائمة لقادة محتملين للسلطة الفلسطينية وعلى رأسها رئيس الوزراء السابق سلام فياض. وتبدو هذه النقاشات مهمة، في ضوء رفض نتنياهو للسلطة الفلسطينية وتجنبه تقديم خطة مفصلة حول اليوم التالي. إلا أنها قد تثير الآمال الكاذبة في ظل الملامح الأخرى من مأساة غزة، حيث لايزال الواقع على الأرض هو قتال وحشي.

ناقش المجتمعون قائمة لقادة محتملين للسلطة الفلسطينية وعلى رأسها رئيس الوزراء السابق سلام فياض المدعوم من الإمارات

ويقول إغناطيوس إن المبادرة تقدمت بها الإمارات التي طورت علاقات وثيقة مع إسرائيل ونتنياهو خلال المفاوضات على اتفاقيات إبراهيم عام 2020. وبطريقة ما، يمكن اعتبار الحوار بأنه “إحياء لاتفاقيات إبراهيم” على حد تعبيره.

وناقش المسؤولون العرب والإسرائيليون والأمريكيون تفاصيل بدون الكشف عن هويتهم. وكان موقع “أكسيوس” قد كشف يوم الثلاثاء عن اللقاء في أبو ظبي.

ويضيف الكاتب أن الإماراتيين بادروا بعقد اللقاء نظرا لإحباطهم من غياب التفكير الخلاق بشأن غزة ما بعد الحرب. وقدم عبد الله بن زايد سلسلة من الأفكار حول إدارة الموضوعات الأمنية والسياسية بعد نهاية ما تراه إدارة بايدن المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار. ولخصت الإمارات أفكارها في ورقة بيضاء أرسلت إلى البيت الأبيض يوم الثلاثاء.

وجوهر المقترح الإماراتي هو قيام السلطة الفلسطينية “المتجددة”، وباعتبارها السلطة الشرعية المعترف بها في غزة، بدعوة شركاء دوليين لدعم الأمن والمساعدات الإنسانية في مرحلة “تفويض إعادة الاستقرار”، والتي قد تستغرق عاما. وتدعم الإمارات فياض، رئيس الوزراء ما بين 2007- 2013 كزعيم للجهود الإصلاحية. ويقبل الإسرائيليون على ما يبدو به، لكن فياض لم يرد على أسئلة من الكاتب يوم الثلاثاء.

ويفترض المقترح الإماراتي قدرة  السلطة الفلسطينية على طلب الدعم العسكري والأمني من بلدان عدة. ورغم رفض نتنياهو الدائم للسلطة، إلا أن ديرمر أبلغ الحاضرين بأن إسرائيل قد تدعم هذا النهج. ومن الدول العربية التي يمكن ان تشارك وتقدم الدعم هي قطر ومصر والمغرب والإمارات نفسها. وناقشت الأطراف في الاجتماع دعما أمنيا محتملا من دول غير عربية أيضا، بما فيها إيطاليا ورواندا وأندونيسيا والبرازيل ودول آسيا الوسطى.

 وستقدم الولايات المتحدة الأمريكية مركز قيادة وتحكم ودعم لوجيستي من قاعدة قريبة في مصر، إلى جانب دعم من متعهدين أمنيين أمريكيين، وهو جزء من الخطة قد يثير الجدل. وناقشت مجموعة القنوات السرية الحصول على دعم لخطة إعادة الاستقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة وليس مجلس الأمن، هربا من الفيتو الروسي أو توقف المفاوضات.

وسيتبع “تفويض إعادة الاستقرار” مرحلة باسم “تفويض إعادة الإعمار” والذي قد يمتد على سنوات. وقدمت الإمارات في الورقة البيضاء، الأفكار الأساسية: فبعد توقف القتال، سترسل السلطة الفلسطينية المتجددة دعوات للجهات التي ستقدم الأمن. ويجب على إسرائيل الموافقة وعدم محاولة تقويض الجهود في غزة من خلال اتخاذ خطوات استفزازية في الضفة الغربية تؤدي لتفجر الوضع هناك.

جوهر المقترح الإماراتي هو قيام السلطة الفلسطينية “المتجددة”، بدعوة شركاء دوليين لدعم الأمن والمساعدات الإنسانية في مرحلة “تفويض إعادة الاستقرار”، والتي قد تستغرق عاما.

ويأمل الإماراتيون أن تقدم الولايات المتحدة “خريطة طريق” معدلة تؤدي في النهاية إلى دولة فلسطينية، مع أن إسرائيل لن توافق عليها. وتتصور الخطة الإماراتية توسيعا للمحور المدعوم دوليا والتحرك من الشمال حتى الجنوب، وبمنطقة بعد الأخرى. ويشبه هذا النهج ما اقترحه وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت عن خلق “فقاعات” أمنية، مع أن المبعوث الإسرائيلي لم يتحدث عن هذا. ورفض نتنياهو مقترح غالانت، إلا أن مجرد حضور ديرمر يعني موافقته على نسخة جديدة لخطة وزيره السابقة.

ويقول إغناطيوس إن الإمارات باتت تلعب دورا متزايد في غزة، حيث أقامت مستشفى ميدانيا، ولعبت دورا في الجهود الإنسانية. واعتمدت على شبكة القيادي السابق في السلطة الفلسطينية محمد دحلان الذي يعيش في أبو ظبي.

ويظل دحلان شخصية مثيرة  للجدل داخل الأوساط الفلسطينية، وليست لديه نية للعودة إلى قطاع غزة حسب قول المسؤولين. إلا أن الإماراتيين يأملون بمواصلته ومن خلف الأضواء استغلال شبكته من الداعمين القدامى.

ويعلق الكاتب أن مشاركة فريق نتنياهو الذي ظل يتعامل باحتقار مع خطط اليوم التالي، أمر مشجع، لكن المطلب الحقيقي في غزة، الشرط الذي لا غنى عنه هو نهاية الحرب، وحوار أبو ظبي رغم كونه مشجعا لم يفعل أي شيء لإسكات البنادق.

صحيفة واشنطن بوست

ترجمة ابراهيم درويش